يُلقي ضد الفهم، المجلد 2 الضوء على مكانة دراسات الحالة في التحليل النفسي، وهي دراسات تُستعمل في العادة لإبراز خبرة المعالجين وإحكامهم أكثر مما تُستعمل لإظهار المسارات الفعلية للمرضى. فعندما تُعرض حالة ما، تميل المادة المعقدة، المنفلتة، وكثيرة التناقض في المسار العلاجي إلى أن تُبسَّط تبسيطًا مفرطًا بغية إنتاج سرد خطي يبدو كأنه يطابق تمامًا معايير الإطار النظري الذي يفضله الممارس.
يحاول بروس فينك أن يتجنب مظهر «الإحكام» عند جمع المادة السريرية، وعند مناقشة مقاربته للممارسة والنظرية في الحالات المرضية العديدة واللمحات السريرية الواردة في المجلدين الأول والثاني من ضد الفهم. ولموازنة ذلك النوع من تشذيب المادة الذي يُجرى عادة لجعل الحالات تنسجم مع نموذج بعينه، تتضمن تقارير الحالات المعروضة هنا قدرًا كبيرًا من «المعطيات الخام» التي تُحذف كثيرًا: اقتباسات حرفية من المرضى عن حياتهم، وخلفياتهم، وأحلامهم، وتخيلاتهم؛ وتفاصيل عن المراحل الكثيرة الغامضة، والمترددة، والمنفلتة من العلاج. ويأمل فينك، بذلك، أن يتيح للقراء تكوين آرائهم الخاصة بشأن متانة صوغاته وتأويلاته وتدخلاته أو وهنها.
يوفر هذا الجزء الثاني من مجموعة من الأوراق، والمقابلات، ودراسات الحالة الممتدة على مجلدين، مئات الأمثلة على النظرية اللاكانية في الممارسة، وسيكون مرجعًا أساسيًا للمحللين النفسيين، والمعالجين النفسيين، والأطباء النفسيين، وعلماء النفس، والأخصائيين الاجتماعيين، والمرشدين.
بروس فينك محلل نفسي لاكاني ممارس ومشرف تحليلي في بيتسبرغ، بنسلفانيا. تلقى تدريبه محللًا نفسيًا في فرنسا سبع سنوات، مع المعهد النفسي التحليلي الذي أنشأه لاكان قبيل وفاته، وهو الآن عضو فيه، وهو École de la Cause Freudienne في باريس. وهو أيضًا عضو منتسب في Pittsburgh Psychoanalytic Society and Institute.
أكد بروس فينك حقه في أن يُعرَّف بوصفه مؤلف هذا العمل وفقًا للمادتين 77 و78 من Copyright, Designs and Patents Act 1988.
جميع الحقوق محفوظة. لا يجوز إعادة طباعة أي جزء من هذا الكتاب أو استنساخه أو استخدامه بأي صورة أو بأي وسيلة إلكترونية أو ميكانيكية أو غير ذلك من الوسائل، المعروفة الآن أو التي قد تُبتكر لاحقًا، بما في ذلك التصوير والنسخ والتسجيل، أو إدخاله في أي نظام لتخزين المعلومات أو استرجاعها، من دون إذن خطي من الناشرين.
إشعار العلامات التجارية: قد تكون أسماء المنتجات أو الشركات علامات تجارية أو علامات تجارية مسجلة، وهي تُستخدم هنا للتعريف والتوضيح فحسب، من دون قصد إلى التعدي.
بيانات الفهرسة أثناء النشر في المكتبة البريطانية سجل فهرسي لهذا الكتاب متاح من المكتبة البريطانية
بيانات الفهرسة أثناء النشر في مكتبة الكونغرس فينك، بروس، 1956–
ضد الفهم: تعليقات، وحالات، ونقد في مفتاح لاكاني / من تأليف بروس فينك.
لأن المحلِّلين يفهمون أشياء كثيرة، فإنهم، في الجملة، يتخيلون أن الفهم غاية في ذاته، وأنه لا يمكن إلا أن يكون «نهاية سعيدة». غير أن مثال الفيزياء قد يبيّن لهم أن أكثر النجاحات إدهاشًا لا تتطلب أن يعرف المرء إلى أين يمضي.
— لاكان، 2006a، ص. 615
عادةً ما تُعرَض التحليلات النفسية اللاكانية، في نظر معظم المؤلفين في العالم الناطق بالإنجليزية، بوصفها مجرد نظرية لا أكثر. أما العمل السريري القائم على مبادئ لاكانية فنادر العرض في أدبياتنا المعاصرة،[^seg005-1] فضلًا عن أن يُقارَن بعمل سريري قائم على مبادئ أخرى.
يقارب نصفُ المادة المضمّنة في هذه المجموعة ذات المجلدين الطابعَ السريري؛ وبعضها لمحات سريرية مقتضبة، لكن قدرًا كبيرًا منها دراسات حالات مفصلة إلى حد ما (انظر، مثلًا، الفصول 11-14 في هذا المجلد، والفصول 9-13 في المجلد الأول). لذلك يبدو لي أن عددًا من الملاحظات على عرض الحالات يقتضي الذكر هنا.
كان [فرويد] يفضّل أن يتخلى عن مجمل ثبات نظريته على أن يسيء تمييز أدق خصوصيات حالة قد تضع نظريته موضع سؤال.
— لاكان، 2006a، ص 385-386
ما الذي يمكن أن يكون أشد اختزالًا، بل أشد فجاجة، من دراسة الحالة؟ لعلك لا تجد في عالم عمل الممارس موضعًا يبلغ فيه الإغراء هذا الحد، إغراء حشر جبال من المادة السريرية المرهقة داخل إطار نظري، واستخدام المسار المعقد والمتعرج الذي يقطعه المريض في التحليل من أجل «إثبات» قيمة تقنية بعينها أو مفهوم بعينه. ففي The Two Analyses of Mr. Z، أقدم المحلل النفسي البارز هاينز كوهوت (1994) على جرأة لا تخفيف فيها حين اخترع من ألفه إلى يائه تحليلًا لم يُجره قط، لكي يروّج لطريقته المزعومة في الممارسة: عرض التحليل «الفرويدي التقليدي» الذي خضع له هو نفسه ضمن تدريبه كما لو كان تحليلًا يخص شخصًا آخر، ثم اخترع تحليلًا ثانيًا مستنيرًا بعلم نفس الذات لهذا الرجل نفسه كما لو كان كوهوت هو محلله. يا له من انغلاق على الذات!
ويبدو لي أن عروض الحالات، بحكم طبيعتها تقريبًا، مآلها إلى التبسيط المفرط والمبالغة، وإلى أن تُشوَّه وتُساق وتُختطف حتى لتخدم أغراض الكاتب نفسه، لأن معظمها يُكتب ويُنشر أساسًا لأسباب تتعلق بالترويج الذاتي. فكثيرًا ما يسعى مؤلفو تواريخ الحالات إلى الإعلان عن توافرهم، وإبراز براعتهم السريرية و/أو النظرية، بل وإلى إقناع الجمهور أحيانًا بتفوّقهم على جميع الممارسين الآخرين المتاحين. ونادر هو الإكلينيكي الذي يعترف مطبوعًا بأنه كان في ارتباك حقيقي حيال ما كان يجري لمريضه، أو بأنه ارتكب أخطاء واضحة أثناء العلاج، و/أو بأنه لم تكن لديه أدنى فكرة عن تشخيص مريضه، إلا إذا قُدِّم هذا الاعتراف، بالطبع، بوصفه أمرًا كان يخص مرحلة مبكرة من العلاج ثم أفسح المجال لاحقًا لـ«فهم كامل» للوضع.
وباختصار، تُكتَب دراسات الحالات وتُنشر عمومًا لإظهار سيطرة الإكلينيكي: سيطرته على نظرية، وسيطرته على مقاربة مخصوصة للممارسة، وباختصار، سيطرته على كل ما يمكن أن يبحث عنه المرضى المحتملون والمتدرّبون تحت الإشراف. فعروض الحالات مصممة للاحتفاء بالممارس السيد.
وبالنظر إلى هذا الدافع شبه البنيوي في عالمنا العلاجي النفسي اليوم، فهل يُستغرب أن تكون دراسات الحالات المنشورة غير نافعة وغير مُرضية في كثير من الأحيان؟ وفي أفضل الأحوال، يمكننا أن نأمل أن يكون المؤلفون قد تركوا بعض تفاصيل الحالة تتسرّب من خلال الإطار الذي فرضوه عليها، أي من خلال العمى أو الرقابة، لأنهم لم ينتبهوا إلى أن هذه التفاصيل لا تلائم نظريتهم، أو أنهم ضمّنوا قدرًا كافيًا من المادة الخام، أي روايات تكاد تكون غير مصفّاة عما جرى واقتباسات حرفية وافرة من كلام المريض، بحيث يمكننا أن نرى ما يتجاوز الصياغة التي انتهوا هم إليها، وربما نرى شيئًا مختلفًا تمامًا. ومن أمثلة هذا الصنف الثاني، الذي كثيرًا ما كلّفت به في الدراسات العليا، كتابُ وينيكوت (1978) The Piggle، إذ يقدّم وصفًا لحظة بلحظة للعب وينيكوت وحديثه مع فتاة صغيرة على مدى ثلاث سنوات؛ ويضم قدرًا كبيرًا من «المعطيات الخام» وقليلًا جدًّا من التأملات النظرية، وغالبها محال إلى تعليقات مطبوعة في الهوامش.
فهل يمكن أن توجد صياغةٌ لحالة تتسم بشيء من الصدق، أي دراسة حالة لا تكتفي بسرد «الوقائع»، على ما تكون عليه هذه الوقائع أصلًا من ترشيح لا مفر منه عبر خلفية المؤلف وتدريبه وافتراضاته النظرية، بل تحاول أن تفسّر ما حدث في حياة المريض كما في عمله مع المحلل؟ قد يظن المرء أن الإكلينيكيين يستطيعون، في مجموعات العمل الصغيرة، أن يتجاوزوا إغراء التباهي بخبرتهم وأن يطلب بعضهم من بعض عونًا حقيقيًا في الحالات الصعبة. غير أن البنية العامة لمعاهد التدريب التحليلي النفسي، على الأقل في العالم الناطق بالإنجليزية (انظر Fink, 2013)، تجعل هذا نادر الحدوث فيما يبدو؛ فالمحللون الراسخون يسعون بدلًا من ذلك إلى استدراج المتدربين إلى معسكرهم، إن لم يكن إلى أرائكهم، والمتدربون يسعون إلى كسب رضا المحللين الأقدم داخل المعهد، وذلك بعرض الأمور على نحو يوحي بأنهم ينجزون عملًا رائعًا، رجاءَ التخرج، والحصول على الإحالات وفرص النشر، وما شابه. وربما يفسر هذا جزئيًا على الأقل شيوع الإشراف بين الأقران لدى الإكلينيكيين في بدايات مسارهم، إذ يبدو أنه يوفّر منتدى يمكن فيه عرض الحالات من غير أي ادعاء للسيطرة، ما دام المرء لا يكاد يجني من أقرانه شيئًا في باب المكانة أو السلطة.
وأحسب، استنادًا إلى ما يقارب عقدين من الإشراف الفردي والجماعي، أن أكثر عروض الحالات وصياغاتها صدقًا تقع في خصوصية علاقة المشرف بالمتدرّب حين لا توجد أي صلة مؤسسية، أكاديمية كانت أو مهنية، بينهما. ويبدو أن الصراحة القاسية لا تكون ممكنة إلا حين لا يعود هناك ما يهمّ المتدرّب ويتصل بالدرجات أو بالمكانة داخل برنامج أكاديمي للدراسات العليا أو برنامج للترخيص المهني أو بالتخرج، وحين لا يبقى على المحك إلا محاولة شق الطريق في غابة العمل السريري المعتمة على نحو مدهش، بكل ما فيها من طرق مسدودة، واضطرابات، وانفجارات، وتعثر، وانتكاسات، وتجارب شاقة. وهذه، من المؤسف حقًا، سمة من سمات التدريب في جميع البيئات المؤسسية تقريبًا، لأسباب واضحة إلى حد بعيد، إذ ترى كل مؤسسة نفسها على نحو ما ضامنًا لكفاءة متدربيها، ومن ثم عليها أن تقوّم تلك الكفاءة باستمرار. لذلك كثيرًا ما يتعذر حدوث نقاش منفتح حقًا حول العمل السريري إلا بعد التخرج. (والاستثناء هنا مرة أخرى هو الإشراف بين الأقران، وقد يكون نافعًا جدًّا، وإن كان أقران المرء غالبًا لا يتقدمون عليه كثيرًا، لأنهم ساروا في المنهج نفسه تقريبًا). وهذا يعني أن أكثر جوانب الحالات إرباكًا، وأنحاها التي لا تلائم صياغة المتدرّب، وهي صياغة قد يحفزها في صف معين رغبته في الظهور بمظهر المنسجم مع رؤية الأستاذ للعالم أو مع ما يشيعه برنامجه أو معهده، تظل كثيرًا ما غير مذكورة، ومن ثم غير مفحوصة قبل التخرج.
وفوق ذلك، فإن قلة من النقاشات المنفتحة حقًا حول العمل السريري التي تقع بعد التخرج بين المشرف والمتدرّب تجد طريقها إلى المطبوعات، وكأن الأدب المتخصص لا يتسع لمثل هذه الأمور، وهو ما يورث الممارسين قيد التدريب تصورًا زائفًا عما تنطوي عليه الممارسة السريرية حقًا. وقد دفعتني هذه المعضلة إلى أن أخصّ في مقرراتي للمعالجين قيد التدريب روايات المرضى عن خبرتهم هم في العلاج بوصفها قراءات لازمة، روايات لأشخاص مثل ماري كاردينال (1983)، ودونا وليامز (1998)، ودان غَن (2002)، مع أن الروايات المباشرة هي الأخرى تُكتَب لدوافع شخصية تخص أصحابها، وبعضها ليس بعيدًا تمامًا عن طلب الشهرة والثراء.
ولعل الإشراف الذي يتلقاه الإكلينيكيون بعد التخرج هو الطريق الرئيس الذي يدركون عبره أن كثيرين غيرهم يواجهون الصعوبات نفسها التي يواجهونها، وأنهم يستطيعون أخيرًا أن يشعروا بأنهم قُبلوا في نوع من «الدائرة الداخلية» لمن يعرفون، لمن يدركون ما يجري فعلًا خلف الأبواب المغلقة.
وقد درّست طوال القسم الأكبر من عشرين عامًا حلقة دكتوراه بعنوان «صياغة الحالة» (وكان اسمها في وقت مبكر «التطبيق المتقدم») حاولت فيها مقاومة ميل الإكلينيكيين قيد التدريب إلى أن يعرضوا على الأساتذة أسهل حالاتهم، أو على الأقل الحالات التي يشعرون فيها أنهم يؤدون أفضل ما يكون. وطلبت منهم بدلًا من ذلك أن يصوغوا للصف، الذي لم يزد لحسن الحظ قط على سبعة طلاب في المرة الواحدة، أصعب حالاتهم، تلك التي كانوا يواجهون معها أكبر قدر من المتاعب ولم يكن لديهم، أو يكاد، أي تصور عما كان يجري فيها. وحاولت أن أعزز نظامًا للتقييم قائمًا على مدى جودة صياغتهم للحالة، بكل ما فيها من صعوبات ولا يقين بل وأخطاء، لا على مقدار ما أراه أنا من حسن أدائهم كإكلينيكيين. وشجعتهم، مثلًا، على أن يحاولوا التخلّي عن ادعاء السيطرة حين يتعلق الأمر بالتشخيص، وأن يكتفوا في ختام عروضهم الممتدة ساعة كاملة، وفي التقارير المكتوبة التي تقع في 15 إلى 20 صفحة، بمناقشة كيفية تفكيرهم في التشخيص. فمثلًا، كانت سمات معينة في الحالة تحملهم على التفكير في الذهان، فيما تحملهم سمات أخرى على التفكير في الوسواس (وللاطلاع على مثال، انظر الفصل 14 في هذا المجلد).
وبالمثل، طلبت من طلاب ذلك الصف أن يذكروا كل ما شعروا أنهم أخطؤوا فيه وأن يبيّنوا ما أحدثته تلك الأخطاء من آثار في العلاج، رجاء أن أخلق جوًا يمكن فيه مناقشة ممارستنا العسيرة بصراحة ومن غير نزعة عقابية. ومن الطبيعي أن مجرد إعلان مثل هذه الأهداف لا يكفي لتحقيقها فعليًا، ولا ريب أنني أنا نفسي عرقلت تحقيقها في بعض الحالات؛ غير أن إحساسي كان أنني نجحت في حالات كثيرة في تشجيع طلاب أفراد، بل وأحيانًا صفوفًا كاملة، على ممارسة تأمل ذاتي إيجابي جدًّا في عملهم السريري، في الصف وعلى الورق، خالٍ في الغالب من الانشغال بما قد يكسبونه أو يخسرونه من مكانة داخل البرنامج بسبب الصعوبات التي كانوا يلقونها مع المرضى. ولا شك أن مهمتي كانت أيسر لأنني لم أكن في أي وقت مدير عيادتهم أو مدير تدريبهم السريري، أي واحدًا من أولئك المسؤولين عن كتابة تقارير قد تضر بالمسار المهني عن «أدائهم» السريري وترسل إلى مواقع التدريب الداخلي المحتملة وأرباب العمل.
لكي يملك المحلِّل ما يفتقر إليه المُحلَّل، ينبغي أن يحوز اللاإدراية بوصفها لاإدراية. [...] ينبغي ألا يبعد إلا خطوة قصيرة واحدة عن أن يكون جاهلًا بقدر جهل مُحلَّله.
— لاكان، 2001a، ص 279-280
هل يمكن أن يوجد تاريخ حالة قابل للنشر لا يدّعي السيطرة على المادة السريرية، أو على مقاربة الممارسة، أو على النظرية المستخدمة؟ لعل هذا ممكن في بعض السياقات. (ومع ذلك، قد ينبغي الحذر من ميل إلى تقديم الذات بوصفها سيدة على عدم السيادة، كما نجد في بعض الممارسات الروحية، وهو قريب من الميل إلى الترويج للنفس بوصفها الأكثر تواضعًا بين المتواضعين في بعض الجماعات الدينية). فهل أزعم أن دراسات الحالات الواردة في مجلدي هذه المجموعة لا تتظاهر بمثل هذه السيطرة؟ كلا، بعيدًا عن ذلك.
فمعظم تواريخ الحالات المدرجة هنا كُتبت أصلًا لمؤتمرات بعينها ذات موضوع محدد اختاره شخص غيري. وحين كان الموضوع يُعرض علي، سواء أكان الإدمان، أم الصدمة، أم القلق، أم الهستيريا، أم الفنتازيا، أم المظهر، أم غير ذلك، كنت أنظر في أيٍّ من حالاتي يمكن أن يُستخدم لمعالجة موضوع المؤتمر، ثم أنظم المادة التي سأقدمها، وكان الوقت في الغالب لا يتجاوز 30 إلى 45 دقيقة، على نحو يعالج ذلك الموضوع. وكان هذا يعني كثيرًا أن أقرأ مئات الصفحات من الملاحظات التي دوّنتها عن حالة ما على مدى سنوات من التحليل، وأن أختار نسبة ضئيلة جدًّا من المادة تبدو ذات صلة بالموضوع.[^seg005-2] وكان يمكن تقديم كل تاريخ من التواريخ الواردة في هذه المجموعة على صور شتى وبإسهاب أكبر بكثير، فدراسات فرويد الكبرى للحالات كلها أطول من الدراسات المدرجة هنا، مع أنها تناقش تحليلات كانت أقصر، في الجملة، من تلك التي تُناقش هنا. ولا يقدّم أيٌّ من نصوصي هنا صورة سريرية كاملة للحالة، حتى عند اللحظة الخاصة التي عُرضت فيها. فقد كانت المادة دائمًا خاضعة لاجتزاء شديد، وكان يُفرض عليها دائمًا إطار مخصوص قائم على موضوع المؤتمر، وكنت أشعر، صوابًا أو خطأ، بحاجة عامة إلى الوصول إلى نوع من الخلاصة، سواء اتصلت بالتقنية أم بنقطة نظرية، في حيّز زمني قصير.
وفوق ذلك، ومثل كثيرين غيري، كنت أنا أيضًا أسعى في أحيان كثيرة إلى إقناع جمهوري بمتانة مقاربتي للنظرية والممارسة معًا، وكنت كثيرًا ما أدفع إلى الأقواس أو الحواشي، التي لم أكن أقرأها بطبيعة الحال بصوت مرتفع في المؤتمرات، جوانب من الحالات لا تلائم الصياغات التي كنت أقدمها على نحو أنيق. وباسم الاتساق والوضوح المفترضين، كنت أجد نفسي كثيرًا أتجاوز جوانب من الحالة كنت أراها محيرة، ولا سيما عندما أكون قد كتبت مادة أكثر مما يمكنني مناقشته فعليًا في الوقت المخصص وأواجه خيار حذف شيء أظن أنني أفهمه أو شيء أظن أنني لا أفهمه. وعندما كان الأمر يتعلق بتحرير الحالات للنشر، سواء في دوريات بعينها أو حتى في هذه المجموعة، كانت العناية بالتماسك وقابلية القراءة تتقدم في ممارستي الكتابية كثيرًا على حفظ كل تلك التفاصيل التي لا تنسجم مع الإطار. ومع أنني أعتقد أن من النافع العودة إلى كتابة الحالة بعد بضعة أسابيع من وضعها على الورق من أجل إعادة فحص كل ما كُبت في المسودة الأولى، وإعادة ما يناقض الصياغة التي تم الوصول إليها أو يبدو وكأنه يقع خارجها إلى موضعه المستحق، أو على الأقل حفظه في أقواس أو حواشٍ (انظر Fink, 2007, pp. 163-165)، فلا أستطيع أن أقول إنني فعلت ذلك هنا على نحو منهجي دائمًا، ولا سيما في ما يتعلق بالتواريخ التي أُعدت قبل سنوات كثيرة.
ومع ذلك، آمل أنني ضمّنت قدرًا كافيًا من «المعطيات الخام»، بما في ذلك تاريخ حياة المريض وخلفيته وزلاته واقتباساته الحرفية، بما فيها زلات اللسان وروايات الأحلام وما إلى ذلك، وضمّنت كذلك قدرًا كافيًا من التفاصيل السريرية المربكة والمرهقة والمتناقضة، بحيث يستطيع القراء أن يكوّنوا آراءهم الخاصة في الحالات وفي مدى متانة صياغاتي وتأويلاتي وتدخلاتي أو ضعفها. وقد سعيت إلى إحباط ميلي الشخصي إلى تنحية الأقوال العابرة التي تصدر عن المُحلَّل وتناقض أطروحتي، وهذه الأقوال كثيرة في كل حالة تقريبًا بحكم طبيعة اللاوعي نفسها وبحكم المسار الجدلي للتحليل. وكما قال شاركو قولته الشهيرة، كما نقلها فرويد (1962a، ص. 13)، ردًا على طالب احتج بأن واقعة سريرية بعينها مستحيلة لأنها تناقض نظرية يونغ-هيلمهولتس: «النظريات كلها حسنة وجميلة، لكنها لا تمنع الأشياء من أن تكون ما هي عليه» (la théorie, c’est bon mais ça n’empêche pas d’exister).
وفي غير حالة، كنت آمل أن أتلقى تعليقات نافعة وإشرافًا من الزملاء الذين عرضت عليهم هذه الحالات، إذ كنت أنا نفسي أعدّها محيّرة، وكنت أعتقد أن مجرد كتابة الحالة سيساعدني على أن أرى الغابة لا الأشجار الكثيفة للمادة السريرية اليومية. وكثيرًا ما أجد أنني لا ألاحظ إلا أثناء تدوين الملاحظات وجمع الأشياء أن عدة أشخاص في حياة المُحلَّل يحملون الأسماء نفسها، أو أن أحداثًا معينة وقعت في الوقت نفسه تقريبًا، إلى غير ذلك. ولقد كنت محظوظًا بما يكفي لأن أتلقى في بعض المناسبات تغذية راجعة شديدة الفائدة من زملاء.
لقد علمتني أولى دراساتي الجامعية في علم النفس أن النظريات قد تؤكد نفسها بنفسها: كانت دراسة روزنهان (1973) «On being sane in insane places» قد نُشرت لتوها، مبيّنةً مدى سهولة أن يفسّر علماء النفس والأطباء النفسيون والعاملون في المستشفيات حالة المريض المحتمل انطلاقًا من توقعاتهم، وأن يفسّروا سلوكه كله اللاحق انطلاقًا من تشخيص أولي خاطئ. ثم رسّخ عمل كون (1962) عندي النقطة نفسها، محذرًا إيانا، كما يفعل، من أن نمنح أي نظرية بعينها نتبناها قدرًا مفرطًا من التصديق، وحاثًا إيانا على إعادة فحص الصياغات النظرية والنظر جديًا في طرحها جانبًا قبل أن ننتظر تراكم أدلة سريرية ساحقة ضدها.
وقد جادل بعض طلابي، على مر السنين، بأن أفضل سبيل لضمان ألا يكون المعالجون يسلكون طريقًا خاطئًا في صياغاتهم هو أن يشاركوا هذه الصياغات مع مرضاهم، وأن يسألوا المرضى إن كانوا يوافقون عليها. وأعتقد أن بعض الممارسين قد فعلوا هذا أحيانًا وكتبوا عنه في الأدب المتخصص، لكن ينبغي لنا، فيما أرى، أن نخفف الحماسة لمثل هذه المقاربة بملاحظة أن المرضى، مثل المعالجين، لا يحيطون إحاطة كاملة بدوافعهم وأفكارهم ومشاعرهم، وقد يوافقون تبعًا لذلك على وجهات نظر جزئية ومائلة مثل وجهات نظر معالجيهم أو يعتنقونها. ويمكن لمنظوري المرضى والمعالجين معًا أن يشتمل كل منهما على حقائق مهمة من غير أن يلزم أن يتطابقا. فقد يُنظر إلى مؤرخين مختلفين بوصفهم يقدمون وجوهًا متعارضة ولكنها متساوية الأهمية من التاريخ، كأن يقدّم أحدهم منظورًا اجتماعيًا أكثر، ويقدّم آخر منظورًا اقتصاديًا أكثر عن الحرب الأهلية، مثلًا. وربما كان كل منظور يلتقط وجهًا مختلفًا للموضوع، كصور لشيء واحد التُقطت من زوايا متعددة.
إن الاعتقاد بأن المعالج والمريض ينبغي، في المثالي، أن يتفقا في ما يجري أو جرى، يفترض ضمنًا الإيمان بإمكان نوع من التذاوت الكلي. وفي نظر لاكان، لا إمكان لمثل هذا التذاوت، لأن ثمة دائمًا فجوة أو انفصالًا أساسيًا، أي سوء فهم أو فواتًا في الفهم، بين الناس، وذلك لأننا، أولًا، نسيء فهم أنفسنا، إذ لا نريد أن نعرف أمورًا معينة عن أنفسنا، ولأننا، ثانيًا، نسيء فهم بعضنا بعضًا، فنُسقط على الآخرين ما نفكر فيه نحن، أو ما نظن أننا سنشعر به لو كنا مكانهم، فضلًا عن أننا نقفز إلى استنتاجات بشأن ما قالوه انظر Fink, 2007, [الفصل 7]. ومن ثم ينبغي أن تؤخذ روايات المرضى المباشرة، وروايات المعالجين عن العلاج، جميعًا بقدر كبير من التحفّظ، ولعل الأجدر بنا أن نحتفي بتبايناتها المحتملة بدلًا من أن نستنكرها.
هل نحتاج إلى معرفة لماذا ينجح الكلام ما دام ينجح؟
نحن لا نستطيع أن نفهم شيئًا سوى ما هو موجود أصلًا في رؤوسنا.
— لاكان، 2006c، ص. 105
الكلام يغيّر الأشياء. وتُبنى النظريات لتفسير كيف ولماذا، وغالبًا ما تُكتب تواريخ الحالات لتوضيح تلك النظريات. والاختلاف بين النظريات يقود إلى حرب بين مدارس التحليل النفسي والعلاج النفسي المختلفة، إذ يذهب كل منها إلى أن الكلام يغيّر الأشياء للسبب س لا للسبب ص.
غير أنه، حفاظًا على المنظور السليم، فإن كون الكلام يغيّر الأشياء أمرًا مقبولًا على نطاق واسع لدى شريحة عريضة جدًّا من مجتمع العلاج النفسي، وقد يقال إن الأسباب التي تجعل الكلام يغيّر الأشياء أقل أهمية من الناحية السريرية، في نهاية المطاف، من حقيقة أنه يغيّرها فعلًا.[^seg005-3] وفي مواجهة الادعاءات المتزايدة ضخامتها التي يطلقها الأطباء النفسيون وشركات الأدوية، والذين لا يرون في جميع المشكلات النفسية والآلام النفسجسدية إلا أعراضًا لـ«اختلالات كيميائية» في الدماغ، قد يحسن بنا نحن المعالجين بالكلام أن نعيد تجمّعنا استراتيجيًا خلف أبسط مبادئ عملنا. بل إنني وجدت في السنوات الأخيرة أن مشروعًا يزداد أهمية بالنسبة إلى المعالجين المنخرطين في الممارسة السريرية يتمثل ببساطة في البقاء والصمود أمام شك المرضى في العلاج بالكلام نفسه، بعدما ابتلع عدد كبير من الناس، من غير تمحيص، الخطاب العبثي الصريح عن «الاختلالات الكيميائية» (وقد بين مؤلفون مثل Whitaker, 2010 بصورة مقنعة أنه هراء). لقد صار الصمود أمام شك المرضى مشروعًا قائمًا بذاته.
ويجب أيضًا مواجهة هذا الشك عند أولئك الذين تبنّوا، على الأقل على مستوى الوعي، في السنوات الأخيرة، تصورات عن العقل طرحتها ممارسات تأمل مختلفة توصي بمجرد ملاحظة الأفكار والمشاعر والرغبات وتركها تمر. فكثير من الذين يؤيدون مثل هذه التصورات، شأنهم شأن الذين تناولوا الأدوية سنوات طويلة من غير جدوى تُذكر أو بلا جدوى أصلًا، ينتهون في المطاف إلى أبوابنا لأن شيئًا لم ينجح معهم، ومع ذلك يظلون غير مقتنعين البتة بمشروعية مشروع العلاج بالكلام نفسه. فجميع رغباتهم، في نظرهم، لا بد من التخلي عنها فحسب، إذ غايتهم ضرب من الانفصال السامي عن الحياة يبدو لي على بعد سنوات ضوئية من الغاية الضمنية للتحليل النفسي، أي حياة منخرطة تتضمن «الحب والعمل»[^seg005-4] على نحو ما. بل إن بعض أشكال التأمل، وربما لا جميعها، تبدو وكأنها تعزز نوعًا من فك الارتباط لا يفعل إلا أن يرسّخ عزلة باتت شديدة الانتشار في زماننا، عزلة مفرطة إلى حد أن المعالج صار، في كثير من الأحيان، الشخص الوحيد الذي يتفاعل معه المرضى فعلًا في حياتهم اليومية.
وربما كان من الأفضل لنا، في الظرف الراهن، أن نؤكد أن الكلام يفيد، أن الكلام ينجح، بدل أن نخوض الحروب حول الكيفية الدقيقة التي يفعل بها ذلك.
حرصًا على السرية، غُيِّرت معلومات تعريفية وبعض الملابسات أو حُذفت من المادة السريرية المعروضة.
[^seg005-1]: مع استثناءات قليلة جديرة بالذكر، مثل Schneiderman, 1977؛ وGherovici 2003؛ وRogers, 2006؛ وMiller, 2011؛ وSwales, 2012.
[^seg005-2]: بخلاف كثير من المتحدثين الذين سمعتهم في المؤتمرات، ويبدو أنهم يتحدثون عما يحلو لهم الحديث عنه أو عما سبق أن كتبوه، بصرف النظر عن الموضوع المعلن للمؤتمر، فقد حرصت دائمًا، سواء عُدَّ ذلك فضيلة أم لا، على أن أبذل جهدًا مقصودًا لمعالجة موضوعات المؤتمرات في مداخلاتي.
[^seg005-3]: في الممارسة السريرية، يستطيع المحللون في كثير من الأحيان أن ينظّروا لسبب إفادة الكلام عن موضوع معين لمُحلَّل ما، لكنهم نادرًا ما يعرفون على وجه الدقة أي جانب من جوانب المناقشة هو الذي أحدث الأثر، ولا يلزمهم أصلًا أن يعرفوا ذلك. وقد يفيدهم أن يعرفوا، من حيث إنه قد يساعدهم على تكرار الأمر في المستقبل، لكن لا يلزم أن يكون بوسعهم معرفته على نحو حاسم. ثم إن ما أفاد مرة قد لا يفيد مرة أخرى بالقدر نفسه أو بالطريقة نفسها.
[^seg005-4]: نُسبت صيغة «الحب والعمل» فيما يبدو إلى فرويد عن طريق إريك إريكسون. أما فرويد نفسه (1958d) فقال إن العلاج التحليلي النفسي يسعى إلى أن يتيح للمُحلَّل «القدرة على العمل والتمتع» (ص. 119).
نُشر فصل «المُحلَّل والمحلِّل في الاقتصاد العالمي، أو لماذا قد يدفع أي شخص سليم العقل مقابل التحليل النفسي» في عدد خاص من مجلة الدراسات الثقافية New Formations بعنوان «Psychoanalysis, Money and the Global Financial Crisis»، العدد 72 (2011): 20-32.
ونُشر فصل «ما المختلف حقًا في مقاربة لاكان للتحليل النفسي؟» في The Psychoanalytic Review، 98، 6 (ديسمبر 2011): 843-869، ويُعاد نشره هنا بإذن كريم من Guilford Press.
ونُشر فصل «أخلاقيات التحليل النفسي» أولًا في The Psychoanalytic Review، 86، 4 (1999): 529-545، ويُعاد نشره هنا بإذن كريم من Guilford Press.
وقُدِّمت دراسة «مقدمة إلى سمينار لاكان الثامن عشر: D’un discours qui ne serait pas du semblant» في دبلن، أيرلندا، في 18 سبتمبر 2009، إلى معهد التحليل النفسي APPI، بدعوة من Pauline O’Callaghan. ثم نُشرت في Lacunae: Journal for Lacanian Psychoanalysis، 1، 1 (2010): 62-90، ويُعاد نشرها هنا بإذن كريم من هيئة التحرير.
وظهر فصل «لاكان والشخصية من ثلاثينيات القرن العشرين إلى خمسينياته» أولًا في Journal of European Psychoanalysis، 26/27 (2008، I-II): 257-274، ويُعاد نشره هنا بإذن كريم من هيئة التحرير.
وظهر فصل «فرويد ولاكان في الحب: استكشاف أولي» أولًا في Acta Philosophica-Filozofski vestnik، 27، 2 (2006): 236-282، ويُعاد نشره هنا بإذن كريم من هيئة التحرير.
وظهر «لاكان في أمريكا، حوار مع Bruce Fink أجراه Loren Dent» تحت عنوان «Lacan in the United States: An Interview with Bruce Fink» في Contemporary Psychoanalysis، 47، 4 (2011): 549-557، ويُعاد نشره هنا بإذن كريم من محرري Contemporary Psychoanalysis.
واستُخدمت مقتطفات من Écrits لجاك لاكان، بترجمة Bruce Fink، ومن The Seminar of Jacques Lacan: Book VII: The Ethics of Psychoanalysis 1959-1960 لجاك لاكان، بترجمة Dennis Porter، بإذن كريم من W. W. Norton.
المحلَّل والمحلِّل في الاقتصاد العالمي، أو لماذا يدفع المرء في كامل قواه العقلية ثمن التحليل
بحسب لاكان (2006b)، ابتكر باسكال نظرية الألعاب حين طرح فكرة أن الرهان الموضوع في لعبة حظ ينبغي أن يُعدَّ خاسرًا منذ اللحظة التي يوافق فيها المرء على اللعب. فكل مبلغ يرضى المرء بالمخاطرة به يجب أن يُنظر إليه بوصفه خسارة خالصة منذ البداية، ومن هنا جاءت النصيحة التي تُعطى أحيانًا للمقامرين بألا يحملوا معهم إلى الكازينو مالًا أكثر مما يطيقون خسارته، بالنظر إلى الاحتمال الكبير أن يخسروا كل ما معهم. غير أن هذه النصيحة الحسنة النية تبدو عديمة الجدوى في عصر أجهزة الصراف الآلي وبطاقات الائتمان، إذ يستطيع أي من يمر بسلسلة خسائر أن يحصل بسهولة على مال إضافي يراهن به.
وعوضًا عن أن يصرّح السياسيون والمستشارون الماليون علنًا بأن الشراء والبيع في سوق الأسهم لا يختلفان عن المقامرة، أي بوصفهما مجالًا لا ينبغي فيه أن يراهن المرء بمبلغ يفوق ما يطيق خسارته، أخذوا يُخفون الطابع القماري لسوق الأسهم خلف فكرة «الاستثمار». وروّجوا لفكرة أن الاستثمار المحافظ على المدى الطويل يمكن أن يدرّ نسبة معقولة ومستقرة إلى حدٍّ ما، ليست بالطبع بالروعة التي تدّعيها عوائد بيرني مادوف الإيجابية الدائمة المستحيلة على التصديق،(1) ولكنها أفضل من العوائد الممكنة تقريبًا في أي مكان آخر، سواء في حساب ادخاري أو شهادة إيداع أو سندات حكومية.
ومع إلغاء معاشات الشركات تدريجيًا في الولايات المتحدة، ومع تحوّل ادخار المال للتقاعد إلى شأن فردي على نحو متزايد حتى في فرنسا، جرى التخفيف من الطابع المضاربي لسوق الأسهم، والترويج على نطاق واسع لفكرة الاستثمار المحافظ طويل الأجل. وكانت مثل هذه الحيل ضرورية إذا أراد السياسيون أن يجعلوا الناس ينسون هيئات الضمان الاجتماعي التي توشك على الإفلاس، والتي كان من المفترض أن تصرف منها الدولة الكريمة دخل التقاعد، وأن يعتمدوا بدلًا من ذلك على جهودهم الشخصية لتأمين سلامتهم المالية بعد سنوات العمل. وقد رُوِّج للتنويع، أو ما يسمى بتخصيص الأصول، المبني على «نظرية المحفظة الحديثة»، بوصفه العلاج الشامل لتقلبات سوق الأسهم؛ وحاولت الحكومات، بالتعاون مع المستشارين الماليين على اختلاف أنواعهم، أن تقنع العامة بأن السوق يمكن ترويضه عبر استثمارات حذرة ومحافظة ومتنوعّة في المواد الخام والرعاية الصحية والتكنولوجيا، بل وحتى المصارف، وهي استثمارات يمكن تحوّطها أيضًا لتخفيف المخاطر باستخدام عقود البيع والشراء والمركّبات الثنائية والثلاثية والياقات الثلاثية، وما شابه ذلك.
وبحسب بعضهم، فقد جرى ترويض دورات الأعمال الصعودية والهبوطية التي كشف ماركس أنها ملازمة للرأسمالية في القرن التاسع عشر واحتواؤها. وكانت مجلة BusinessWeek، وهي مجلة مالية معروفة في الولايات المتحدة، تقضي جزءًا كبيرًا من العقد الأخير في الإعلان عن مجيء ما سمّاه كتّابها «الاقتصاد الجديد»، وكانوا يقصدون به نظامًا اقتصاديًا محصنًا ضد الانكماشات والانهيارات الجدية.
وقد صار كل ذلك اليوم غبارًا في السنوات القليلة الماضية، لكن الحقيقة الباسكالية القائلة بأن على المرء أن يبدأ «الاستثمار» على أساس أن ما يراهن به خاسر سلفًا قد جرى تجاوزها أو رفعها إلى القوة الثانية، بل ربما إلى ما فوقها، بفعل الاستخدام الواسع للرافعة المالية في الأدوات المالية. فهناك مزيد من صناديق المؤشرات المتداولة، المتاحة مثل الأسهم العادية في بورصة NYSE Euronext، التي تعرض مضاعفة الأرباح أو حتى تثليثها في فئات أصول مختلفة أو مؤشرات سوقية، ناهيك عن مضاعفة الخسائر أو تثليثها. وعندما يشتري المستثمرون مثل هذه الصناديق بالهامش، أي بأموال مقترضة على أساس القيمة المزعومة لأصولهم الورقية الأخرى، كما فعل كثيرون خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، يمكنهم بسهولة شديدة أن يخسروا أكثر بكثير مما راهنوا به. ومن يعبث بأنواع معينة من العقود الآجلة والخيارات ينبغي بالطبع إخطاره بالمخاطر.
وهذا صحيح أيضًا في سوق العقار، حيث كان من الممكن، على الأقل في الولايات المتحدة، حتى وقت قريب أن يشتري المرء منزلًا بلا دفعة أولى، ليكتشف بعد ذلك أن قيمة البيت قد انخفضت بما يصل إلى 40 في المائة خلال عام واحد. وكثيرًا ما خسر أصحاب الرهون العقارية في بضعة أشهر قصيرة مالًا يفوق بكثير ما كانوا يأملون في كسبه خلال عقد كامل.
ولو أننا اتبعنا باسكال، لمالَ بنا الأمر إلى استبدال الصيغة الشائعة التي تظهر اليوم في أسفل شبه كل نشرة لصناديق الاستثمار المشتركة، وهي: «الأداء السابق لا يضمن العوائد المستقبلية»، وهي عبارة متواضعة إلى حدٍّ بعيد إن وُجدت، بالتحذير الباسكالي التالي: «توقّع أن تخسر قدر ما تضع. وإذا كنت تشتري بالهامش، فتوقّع أن تخسر أكثر».
يقترح باسكال أن الحياة نفسها لعبة حظ، مقامرة، وأننا نحن الأحياء قد وضعنا رهاننا سلفًا بالفعل (on est déjà engagé، وتدور اللعبة هنا حول الله)؛ أو، كما قد يصوغها هايدغر، نحن «مطرودون»، أُلقي بنا في اللعبة شئنا أم أبينا.
وهنا يلتقي باسكال بالتحليل النفسي، إذ يفترض المحلِّلون أننا يجب أن نحسب منذ البداية حساب وجود خسارة بنيوية لا مفر منها لكل ما نراهن به في الحياة.(2) فنحن نطوّع أجسادنا وعقولنا للغة الآخر وأعرافه؛ وبامتثالنا لرغبات والدينا وغيرهما من الكبار وخضوعنا لمحظوراتهم، نمرّ منذ وقت مبكر في حياتنا بخسارة لا رجعة فيها لشيء ما: خسارة الموضوع البدئي، الأم، كما يسميها بعضهم، أو، بعبارة أعم، خسارة jouissance، أي اللذة المرتبطة بالتماس القريب مع من يتولى الرعاية الأولية، ذاك الذي يعتني بالكثير من وظائفنا الجسدية الأساسية، والذي يوفّر لنا، في أفضل الأحوال، الحب والدفء أيضًا.
لماذا نمتثل ونخضع بدرجة أو بأخرى طواعية؟ أملًا في أن نكسب شيئًا ما: الاعتراف، الإقرار، الحب، الرعاية؛ و/أو درءًا لشيء ما: الهجر أو الرفض. ومعظمنا، بل كثيرون حتى ممن يخوضون تحليلاً نفسيًا طويلًا، يواصلون طوال حياتهم محاولة استعادة قدر يسير على الأقل مما يشعرون أنهم فقدوه ولم يُعوَّضوا عنه تعويضًا كافيًا.(3)
نحن نشعر أننا قدّمنا تضحية هائلة: تخلّينا عمّا كان أعزّ ما نملك، ولم نتلقَّ في المقابل إلا القليل أو لا شيء إيجابيًا على الإطلاق.
وأزعم أن أحد الجوانب الأساسية للعُصاب هو المحاولة المتكررة بلا انقطاع لاسترداد شيء لا سبيل إلى استرداده. وهو غير قابل للاسترداد إلى حدٍّ كبير لأننا في الحقيقة لم نكن نملكه أصلًا على النحو الذي نتصوّر أننا امتلكناه به: لم تكن لنا قط علاقة حصرية، اندماجية، مع من تولوا رعايتنا الأولية، مثلًا. ومع ذلك، قد نميل، ونحن نلتفت إلى الوراء، إلى الاعتقاد بأننا كنا نملك ذلك بالفعل.
إن جاذبية الحصول على شيء بلا مقابل، سواء في متجر أو في سحب يانصيب أو عبر مراهنات ناجحة في سوق الأسهم، تبدو مرتبطة بنيويًا بالتضحية التي نشعر أننا اضطررنا إلى تقديمها، والتي نشعر نحن الأغلبية الساحقة أننا لم نُكافأ عليها يومًا بما يكفي. نحن نعتقد أننا تخلّينا عن شيءٍ ما بلا مقابل، وأننا لم نتلقَّ شيئًا في المقابل. وفي نظرنا، لا يمكن للتعويض أن يأتي متأخرًا أكثر مما ينبغي، ولا أن يكون كبيرًا أكثر مما ينبغي؛ إذ لا يعرف أي حدٍّ بعينه.
ولو حالفنا الحظ إلى درجة تحقيق مكاسب مذهلة في سوق الأسهم، فلن يكون ذلك سببًا لمغادرة اللعبة. فلا توجد نقطة توقّف واضحة، لأن هناك لا تجانسًا أساسيًا بين ما نكسبه، وهو محسوب داخل نظام دالٍّ من الأعداد، وبين اللذة أو jouissance التي فقدناها. فـما خسرناه، بعد كل شيء، كان لا يُقدَّر بثمن! (ولكل شيء آخر، هناك ذلك الشيء المعروف …) لا يمكن لأي عدد محدد أن يقابل الخسارة التي لحقت بنا. ولا يمكن لأي مقدار من المال أو السلع أن يعوّض عما ضحينا به، فهذه الخسارة غير قابلة بطبيعتها للحساب وغير قابلة للقياس.
وإذا ابتُلينا بخسائر بدلًا من المكاسب في سوق الأسهم، فإن تلك الخسائر ستزيد حتمًا من حدة التذكيرات الدائمة بالخسارة الأولى المبكرة. وهذا يجعل بعض المستثمرين أكثر يأسًا في عزمهم على تعويض خسائرهم، ويشجع على سلوك أكثر مضاربية.
وقد يصاب آخرون بالقرف الشديد فيقرّرون «قصّ خسائرهم» ويستثمرون ما استطاعوا إنقاذه في العقار. وقد حدث هذا في فرنسا والولايات المتحدة مثلًا بعد انهيار سوق الأسهم في سنة 2000، ولا سيما بين من دخلوا سوق الأسهم لأول مرة في العقد الذي سبق الألفية الجديدة. فقد غادروا البورصات ومالهم ممزق، باحثين عن شيء صلب، عن الطوب والملاط، عن الأصول الملموسة المزعومة. وقليلون هم الذين يتخلّون تمامًا عن الاعتقاد بإمكان تعويض الخسارة، ولو من باب لعب اليانصيب.
وأرى أنه يمكن توصيف قدر غير يسير من السلوك التجاري وصفًا مثمرًا بالاعتماد على نظرية التحليل النفسي في الموضوع المفقود (انظر Fink, 2010a). ولعل هذا يفسر انشغال المؤسسات المالية بإخراج العنصر البشري من المعادلة وإسناد جزء على الأقل من التداول إلى الحواسيب. فالحواسيب، في الظن، لا تحاول استرداد jouissance ضاعت في بداية وجودها؛ فـjouissance ليست للآلات، حتى في ربيعها الأول حين تُبرمج للمرة الأولى. لكن، من الذي برمجها على أي حال؟ البشر. ولأي شيء؟ للقيام بالأشياء نفسها التي يجد البشر أنفسهم يقومون بها على نحو «لاعقلاني» كما يقول الناس، من دون أن يلحظوا المنطق الكامن في المحاولة المتجددة دائمًا لتعويض الخسائر التي يشعرون أنهم تكبدوها.
يمكن صياغة هدف التحليل النفسي ببساطة على هذا النحو: أن نتخلى عن الخسارة، وأن نتوقف عن المحاولة اليائسة لاسترداد شيء لا سبيل إلى استرداده. بكلمة واحدة: أن نخسر الخسارة؛ أو، بلغة تجارية، أن نتوقف عن إلقاء المال الجيد خلف المال الرديء.
ولماذا يدفع المرء في كامل قواه العقلية ثمن التحليل، ولماذا يدفع لكي يفقد شيئًا، هذا سؤال مشروع، في نظري؛ لكنني أستشهد بفرويد (1958b) حين يقول إن «لا شيء في الحياة أغلى من المرض»، والمرض العصابي على وجه الخصوص. ففي الواقع، قد تنفق مالًا أكثر بكثير وأنت تحاول استرجاع ما تظن أنك فقدته، مما سيكلفك أن تتوقف عن القلق بشأن تلك الخسارة وعن الدوران حولها عبر القيام بالتحليل!
وكما أن قلة من المستشارين الماليين تخبر المستثمرين المحتملين بأنهم قد يخسرون كل شيء بسهولة، بل وينبغي أن يكونوا مستعدين لذلك أيضًا - وهؤلاء المستشارون الذين يفعلون ذلك لا يبقون على الأرجح في العمل طويلًا - فكذلك قلة من المحللين النفسيين يخبرون المحلَّلين المحتملين بأنهم سيتعين عليهم التخلي عمّا يشكل الآن مصدر أعظم jouissance في حياتهم، وأن عليهم أن يجدوا شيئًا آخر. ذلك أنهم، وإن كانوا يشعرون بخسارتهم بوصفها كل شيء إلا أنها ممتعة، فإن تعلقهم بها أو تثبيتهم عليها يمثل عَرَضًا، عَرَضًا يسعى سرًّا إلى تعويض تلك الخسارة. وبصياغة مبسطة جدًا، فالأعراض هي طرائق لاستخلاص اللذة من البؤس المرتبط بالخسارة، وهذه اللذة في البؤس أو الشفقة على الذات هي ما ينبغي التخلي عنه في أثناء التحليل.
إن هذا الشكل بعينه من أشكال اللذة، هذه jouissance في المعاناة، يجب أن يُتخلّى عنها أو تُضحّى بها أو «تُخصى»، كما نقول نحن المحللين بلغتنا الخشنة. فأن نخسر خسارة يعني أن نتخلى عن البؤس، وأن نتخلى عن التثبّت المشحون بـjouissance عند الخسارة، ذلك الذي يدفعنا إلى تغذية الأحقاد وإلى أن نعدّد لأنفسنا وللآخرين على الدوام مظالمنا ضد كل من نشعر أنهم حرمونا أو سدّوا الطريق أو تجاهلونا أو حطّوا من شأننا أو أوقعوا بنا ضررًا بأشكال أخرى (بما في ذلك، في بعض الحالات، الخليقة كلها).
وقليل من المحللين هم من يجرؤون أو يتهورون إلى حدّ أن يصرّحوا منذ بدء العمل مع محلَّل محتمل بأنه سيتعرض أثناء العمل الآتي لعملية إخصاء. ومن يفعلون ذلك سيجدون، على الأرجح، أن غرف الانتظار لديهم تفرغ سريعًا. وقد ينتهي بهم الأمر، طبعًا، إلى جمهور حصري من المرضى المازوشيين المزعومين.
مع هذه الأفكار العامة في الذهن، دعوني أقدم الآن ثلاث لمحات سريرية توضح كيف ترتبط الأعراض بالخسارة، وكيف يؤثر المال في العمل التحليلي مع الأعراض. والأسماء والمعلومات التعريفية الأخرى عن المحلَّلين الذين أناقشهم هنا قد جرى تغييرها، بطبيعة الحال، كما جرى حذف عدد لا يحصى من التفاصيل من أجل التركيز على هذه الجوانب المحددة من الحالات.
اللمحة الأولى تتعلق بشاب يبدو، بمعنى ما، مشلولًا بثروته الخاصة. سأشير إليه هنا بالاسم المستعار جيفري. ورغم أن جيفري كان يطمح لسنوات طويلة إلى أن يكون موسيقي روك، فإن شيئًا لم يترتب على تدريبه وتأليفه عندما وافق والده على مضض على أن يجرّب أن ينجح بوصفه موسيقيًا. فما دام والده يعارض مساره المهني، كان جيفري يلاحقه بحماسة؛ وما إن استسلم الأب، حتى فقد جيفري زخمه. وبدلًا من ذلك، رضخ للعمل في وظيفة شبه مهنية بأجر منخفض نسبيًا. ثم تغيّر هذا فجأة حين توفي والده قبل سنوات، تاركًا لجيفري بضعة ملايين من الدولارات.
تمكّن جيفري من إنفاق بعض المال تقريبًا على الفور بشراء شقة، لكنه شعر بأنه غير قادر على السفر - وهو ما كان يفعله كثيرًا قبل ذلك - أو استخدام المال بطرق أخرى كثيرة. ويرفض جيفري أن يقضي أي وقت في التعرّف إلى كيفية استثمار أمواله، إذ كان والده قد أنشأ له صندوقًا ائتمانيًا قبل وفاته، كما يتجنب أن يتعلم شيئًا عن الاستثمار عمومًا، إذ يشعر أن المال ليس له حقًا كي يتصرف فيه كما يشاء.
وفي الوقت نفسه، جعل وجود المال باسمه جيفري عاجزًا عن إنجاز أي نوع من العمل - سواء الموسيقي أو غيره. فمن جهة، يشعر أنه استحق أن يحصل على المال لأن والده، في نظره، عامله معاملة سيئة في حياة الأب؛ ومن جهة أخرى، يدرك على نحو ما أنه هو نفسه كان لسنوات طويلة غير لطيف وغير عادل مع والده.
وكانت أعظم لذة في حياة جيفري تأتيه من استفزاز والده عبر فعل العكس تمامًا مما يريده الأب. كان أبوه يملك شركة ويريد من جيفري أن يدرس الأعمال وأن يعمل معه فيها، لكن جيفري اختار مجالًا بدا خاليًا تمامًا من أي اهتمام عند والده: موسيقى الروك. وكل ما فعله كان يبدو مصممًا ليحطّ من أنف والده، ولكي يضمن حقًا أنه يحطّ من أنفه بالطريقة المناسبة تمامًا، كان عليه أن يتأكد من أن أفعاله تثير انزعاج والده فعلًا وبصدق، ناهيك عن الرجال الآخرين الذين صاروا، مع مرور الوقت، يمثلون له صورة الأب.
وكانت شكوى جيفري عند قدومه إلى التحليل أن الجميع قد ظلمه: فوالده أخذه ظلمًا من أمه بعد فترة قصيرة من انفصال والديه، وأمه ظلمته حين سمحت له ظلمًا بأن يعيش مع والده. ولم يكن جيفري قد فعل شيئًا ليستحق الوضع الذي آل إليه، وهو وضع الشلل و«الاكتئاب» - والاكتئاب، في خبرتي، ينشأ كثيرًا من كون المرء يكره الجميع، بما في ذلك نفسه، ولا يستطيع أن يواجه الكراهية التي تسكنه أو يتعامل معها.
وكان هاجس جيفري الأعم منذ سنين طويلة هو محاولة جعل والديه يدفعان ثمن ما فعلماه به. وفي الحقيقة، هذا جانب واسع الانتشار بشكل مذهل من العصاب: أن نجعل الجميع يدفع ثمن ما حدث لنا، وثمن وضعنا الراهن أيضًا. وأحد الأشكال التي تجلّى بها ذلك في تحليل جيفري هو أنه، لمدة طويلة، كان يذهب إلى الفراش متأخرًا جدًا في الليل بحيث ينام خلال جلساتنا مهما كان موعدها في اليوم التالي. وكان هدفه أن يجعل والده يدفع الثمن - فالمال الذي يدفعه لي كان، بعد كل شيء، من مال أبيه - أن يجعل والده يدفع ثمنًا لا شيء فيه (إذ كنت أُجريه الدفع عن الجلسات التي يفوّتها). وقال لي إن «إهدار المال» كان، في نظر والده، «خطيئة مميتة». ولم تكن القضية مجرد أن يجعل والده يدفع ثمن العلاج الذي شعر أنه يحتاجه بسبب معاملة والده السيئة له، بل أن يدفع ثمنًا لا مقابل له إطلاقًا: فهناك تكمن أشهى أشكال الانتقام!
أن يجعل والده يدفع ثمن خدمة حقيقية كان سيصبح أفضل من اللازم بالنسبة له. الأفضل أن يُجبر والده على إلقاء المال من النافذة.
وكان في التغيب عن الجلسات فائدة أخرى لجيفري. فقد كان يشعر شيئًا فشيئًا بأنه يقترب من فكرة أنه كان كثيرًا ما يستفزّ والده حتى يسيء معاملته، وأن ثمة رقصة خفية من الاستفزاز كانت قائمة بينهما، وأن إلقاء اللوم في جميع مشكلاته على والده كان، إلى حد ما، مبالغة. ومع ذلك، ما دام إلقاء اللوم على والديه فيما سلباه إياه - وهو ما وصفه هو بعلاقة غبطة حصرية مع أمه في الطفولة المبكرة - هو ما يمنحه أعظم قدر من المتعة في حياته، فقد كان مترددًا في التخلي حتى عن أصغر كمية ذرية من تلك المتعة. وكلما بدأ يرى دوره هو في ما جرى بينه وبين والده في أثناء جلسة، زادت احتمالات أن يفوّت الجلسة التالية.
وكلما اقترب من التخلي عن قدر من jouissance مرتبط بكيفية رؤيته لنفسه في علاقته بوالديه - وفي علاقته بالآخر بحرف O كبير، كما يسميه لاكان - ازداد انسحابه من التحليل. كان يفضّل أن يدفع بدل أن يتكلم، وأن يدفع بدل أن يتخلى عن هذه اللذة المشلِّلة، وأن يدفع بدل أن يتخلى عن أي جزء من تمتعه العرضي وأن يمضي في حياته. ولأستعير شعارًا قديمًا لإحدى ماركات السجائر، فقد كان «يفضل القتال على أن يبدّل». كان يفضّل القتال ضد العمل التحويلي، الإخصائي، في التحليل، بدلًا من أن يكتشف طريقة أخرى للاستمتاع، أو شكلًا آخر من أشكال الرضا في الحياة. فهدف التحليل ليس حرمان المحلَّلين من كل متعة، بل تفكيك المتعة التي يستمدونها من أعراضهم، وهي متعة يكونون غالبًا منقسمين حيالها، أو تحويل طريقتهم في اختبار تلك المتعة بحيث لا يعودون منقسمين بشأنها.
ويجب أن يكون واضحًا أنه، في مثل هذه الحالة، لا يكفي أن نشجع المحلَّل على تغيير موضعه بمجرد رفع الأجر، إذ كان المحلَّل مستعدًا تمامًا لمعاقبة والده بدفع المزيد مقابل جلساته. وقد يفضّل هذا الحلّ لدى بعض المعالجين الذين لا يهمهم سوى نقل الأصول من حسابات المرضى إلى حساباتهم الخاصة.(4) غير أن معظم المحللين، في نظري على الأقل، يريدون أكثر من المال وحده - إنهم يريدون الدم أيضًا، بمعنى ما، إذ يقتطعون «رطل اللحم» (أو «الـjouissance السيئة»، كما عبّر أحد المحلَّلين). ونحن، نحن من نعمل بتدرج في الأجر، نطلب مالًا أكثر أو أقل بحسب الوضع المالي للمحلَّل وقدرته على الكسب، لكننا نقتطع دائمًا رطل اللحم نفسه؛ فنحن نحاول دائمًا أن نجعلهم يخسرون تعلقهم بالخسارة نفسها.
كانت إحدى محللاتي - وسأشير إليها بالاسم المستعار سارة - تجد نفسها في وضع يشبه إلى حد بعيد وضع جيفري. فقد ورثت سارة مبلغًا كبيرًا من المال قبل عقود، ولم تعمل إلا نادرًا لكسب عيشها منذ ذلك الحين. وبعد أن اختارت الكتابة الروائية بوصفها مهنة، من دون أن تكون لديها حاجة ملحة إلى نشر شيء تتلقى مقابله مالًا، لم تحاول قط أن تتغلب على مشكلة أساسية تواجهها في كل مشروع من مشاريعها الطويلة: إن أعمالها تفتقر إلى البناء، ولا يبدو أنها تبدأ بالتفكير في الخط الدرامي العام إلا بعد أن تكتب مسودة كاملة.
وفي نهاية المسودة، تكون هي نفسها غير راضية عن المخطوطة، ويعلّق قراؤها جميعًا على الحاجة إلى مزيد من الاهتمام بالحبكة والبناء. لكن إضافة البنية والحبكة بعد الواقعة تدفعها إلى الجنون. إنها تكره إعادة العمل على نصوصها، وتعتقد أنها ليست جيدة في هذا النوع من العمل التصحيحي. ومع ذلك، كلما تخلّت في النهاية عن المشروع القديم وانتقلت إلى مشروع جديد، واصلت فعل شيء تصفه هو نفسه بأنه «تجريبي»، متجنبة مرة أخرى الانتباه إلى البنية والحبكة.
وترى نفسها طفيلية على المجتمع، لأنها لا تقدّم له شيئًا ثقافيًا أو فكريًا، ومع ذلك ترفض أن تنصاع لتقاليد المهنة التي اختارتها. وهي تُعجب بعمل عدد كبير من الكتّاب التجريبيين، حتى وهي تكرر لي أنها لا تملك العبقرية اللازمة لتنجح كما نجحوا هم عبر تجاهل أعراف حرفتهم.
ومع ذلك، فكلما اقتربنا من تحديد دورها هي في فشلها المتكرر - أي في رفضها العنيد أن تفعل ما يفعله تقريبًا كل روائي على وجه الأرض - أخذت تزعم، كما أنها ليست ذكية بما يكفي للكتابة، أنها ليست ذكية بما يكفي للقيام بتحليل. واحتجّت بأن مشكلاتها في الحياة تعود إلى أنها أُبقيت جاهلة بأشياء كثيرة مدة طويلة جدًا من قبل أسرتها، وأنها ببساطة ليست ذكية بما يكفي.
وتزعم أنها لم تُمنح، في البداية، المعرفة أو الأدوات الضرورية، ولذلك فهي الآن غير معترف بها رغم رغبتها المُلِحّة في الاعتراف بها. وهي نفسها، في نظرها، لم تلعب أي دور في وضع نفسها في هذا المأزق. وتسعد سارة بالحديث معي عن أحلامها، لكنها لا تبذل عملًا ترابطيًا عليها، ونادرًا ما تحاول، إن فعلت أصلًا، أن ترى فيها شيئًا. فإذا حثثتها على أن تخبرني إن كانت ترى شيئًا في حلم ناقشناه، احتجّت بأنها ليست ذكية بما يكفي لتفسير الأحلام. وعلى خلاف جيفري، لم تفوّت جلسة قط، لكنها نادرًا ما تملك شيئًا تريد الحديث عنه عندما تبدأ الجلسة.
وكما هو حال جيفري، فهي تفضّل أن تدفع بدل أن تتخلى عن ما هو أعز من المال: أي jouissance - أي الرضا المقلق - الذي تستمده من عرضها. ويبدو أنها تستمد نوعًا من الإشباع المؤلم من كونها بلا صوت في العالم الأوسع، كما تشعر أنها كانت بلا صوت طفلة وهي تكبر في البيت. وهناك ما يبدو في هذا الإحساس بأنها لا تزال تُخنق أو تُسكت شيئًا شديد الإحباط لها، ومع ذلك فهو مألوف ومريح.
وعلى عكس جيفري، لم تصف طفولتها المبكرة يومًا بأنها مثالية، أو جنّة طُردت منها قسرًا. بل إنها ترى والديها قد حرماها من الأشياء نفسها - المعرفة، والذكاء، والبنية - التي تحتاجها أكثر ما يكون كي تعيش وتُقبل في العالم الأدبي الذي تتوق إلى القبول فيه. وهي لا تستطيع أن تتخيل أنها، في هذا العمر، وفي أوج عمرها، يمكن أن تتعلم ما تحتاج إلى معرفته كي تنجح هناك. لقد فات الأوان عليها.
وإن اعترفت، في حالات نادرة، بأن الأشياء يمكن أن تُتعلَّم، وأن ثمة ورشات عمل وبرامج للكتابة يمكن أن تساعد في الحبكة والبنية، سارعت إلى إضافة أن البنية مملة بالنسبة إليها، وأنها ليست جيدة فيها. وهنا قد يخطر على البال الدفاع الذي ذكره فرويد (1958a، ص 120) على لسان رجل اتهمه أحد الجيران بأنه أعاد قدرًا تالفًا: لقد أعدته سليمًا، وكانت فيه ثقبة عندما استعرته، وأنا لم أستعر قدرك أصلًا. لكن منطق سارة، من زاوية ما، منطقي تمامًا: فلو أنها بذلت جهدًا متواصلًا لتحسين مهاراتها الروائية، لما أمكنها بعد ذلك أن تلوم والديها على حرمانها من صوت، وهو ما تستخرجه الآن بأكبر قدر من الفاعلية، رغمًا عنها، بوصفه أشقى أشكال الإشباع. فكلما قلّ نجاحها، زادت مسؤوليتهم هم، وزاد ما لحق بها من ظلم، وزاد شعورها هي بالتبرير - وإن لم يكن على مستوى الوعي.
ولست بالطبع أشرح هنا تعقيدات كل حالة على حدة؛ إنما ألمس فقط بعض الطرق التي يؤثر بها المال في تنظيم العمل داخل التحليل وخارجه. فمشكلات المرضى تتحدد على مستويات متعددة، إذ تكاد لا توجد حالة واحدة لا تمسك بها عوامل كثيرة في آن. ومن ثم، فما أقدمه هنا مبسّط وأحادي البعد إلى حدٍّ كبير.
دعوني أذكر سريعًا حالة ثالثة، حالة شاب احتضن الماركسية على المستوى الفكري بكل حماس، بعد أن كره علاقة عائلته الممتدة بالمال منذ كان مراهقًا. سأشير إليه بالاسم المستعار جورج.
كان أحد أقرباء جورج يحظى في عائلته بتقدير كبير واحترام بوصفه رجل أعمال ناجحًا وشخصية ذات سلطة. وكان تقريبًا كل أفراد الأسرة الممتدة يسعون إلى البقاء على علاقة جيدة بهذا القريب، وإلى تنفيذ ما يطلبه، طبعًا، كي يُدرجوا في وصيته. وقد توفي هذا القريب قبل عامين تقريبًا، وكان جورج، الذي كرّس مشروعه الفكري كله لنقد كل ما تمثله أسرته، قد ورث مبلغًا كبيرًا من المال في نظره.
وقبل وفاة هذا القريب الميسور، أوصى جورج ألا ينفق المال، بل أن يستثمره ويتركه ينمو إلى أن يصبح مستعدًا لبدء عمل تجاري. غير أن جورج يحتقر الأعمال التجارية، ويأمل أن يكتب يومًا نقدًا ساحقًا لا يُدحض للرأسمالية. وكما قد يتوقع المرء، وجد نفسه مشلولًا إلى حدٍّ كبير في مساعيه الفكرية منذ اليوم الذي ورث فيه المال. وكما قال فرويد وكرر لاكان، فالأب الميت أكثر هيبة بكثير من الأب الحي.(5)
وليس مستغربًا أن يكون جورج منقسمًا بشأن الصندوق الائتماني الذي صار في حوزته: فمن جهة، هو سعيد بوجوده، ومن جهة أخرى تمكّن من إيجاد طريقة تُقتطع بها منه حصة كبيرة بوصفها جزاءً على الشلل في برنامجه الأكاديمي. ولو استطاع المضي قدمًا في دراسته، لكان ذلك دليلًا على أن أسرته لم تكن سيئة إلى هذا الحد - وهذا ما لا يرضى أن يفعله.
ويبدو أنه أكثر من سعيد بأن يدفع ثمن تحليله من مال هذا القريب، وعلى خلاف المحللين السابقين الذكر، يعمل بجد شديد في تحليله، إذ يميل إلى لوم نفسه على كل شيء أكثر بكثير من لوم الآخرين - وبالمصطلح التشخيصي، هو أقرب بكثير إلى الوسواسي منه إلى الهستيري. وبعبارة أخرى، فهو مستعد تمامًا للاعتراف بأنه لعب دورًا في إحداث شقائه، لكن هذا لا يعني أنه يريد أن يرى ما هو ذلك الدور بالضبط أو ما الذي يفعله له.
فالعمل الجاد الواعي على شيء ما في التحليل لا يعني بالضرورة أنك ستحقق نتائج. فالموسوسون يعملون بجد كي يشعروا أنهم يؤدون وقتهم ويحصلون على مقابل أموالهم، لكن هذا كثيرًا ما يعوق ذلك النوع من العمل الترابطي غير الموجّه إلى هدف محدد الذي يتطلبه التحليل النفسي. وكما أن الوقت ليس مالًا في التحليل النفسي، فإن العمل لا يفضي تلقائيًا إلى نتائج.
وفي حالة جورج، فإن المال الذي انتقل إليه بالوراثة يتيح له طلب المساعدة، ومع ذلك يمثل كل ما يمقته. إنه تعويض عن ما يشعر أنه لم يحصل عليه من أسرته - الانتباه، والحب، والاعتراف بمن هو هو، لا بما أرادوه هم أن يكونه. غير أن هذا كله لا يمكن أن يعوّض حقًا عن كل ذلك، وهو، بعد كل شيء، لا يقدّر بثمن؛ وإن مجرد ادعائه التعويض عنه يجعل المال نفسه ملوثًا.(6)
تشير هذه الحالات إلى أن الوضع المالي للمحلَّل يؤثر دائمًا في التحليل - في ديناميته ومساره - ويدخل في اقتصاده الليبيدي. غير أن العينة المعروضة هنا ليست تمثيلية بأي معنى حقيقي: فجميع المحلَّلين الثلاثة الذين ذكرتهم هنا لديهم صناديق ائتمانية، وكانوا يعلمون أنهم سيحصلون على مثل هذه الصناديق قبل أن يتسلموها فعلًا بوقت طويل.
في التحليل، اعتدنا أن نطلب من المحلَّلين أن يدفعوا ثمن الجلسات من أرباحهم الخاصة، لكننا نستثني عمومًا الأطفال والمراهقين والأزواج الذين لا يكسبون أجورًا والمتقاعدين، وأحيانًا حتى المعوزين. أما من لديهم صناديق ائتمانية فكثيرًا ما لا يعملون داخل نظام الأجور كي يدفعوا ثمن التحليل، ويمكن النظر إليهم، في بعض الحالات على الأقل، بوصفهم يحتجون على هذا النظام. وجعل الدخول إلى ذلك النظام أو العودة إليه شرطًا لبدء التحليل يدفع بعض المحلَّلين البالغين إلى التراجع في الاتجاه المعاكس؛ وجعل ذلك شرطًا بعد مدة محددة قد يؤدي إلى تحاليل متعثرة أو شبه متعثرة.
وفي حالة ما، وافقت على بدء العمل مع رجل في الأربعين من عمره كان والده يعيله، بشرط أن يبدأ هو نفسه بدفع ثمن جلساته خلال سنة. وقد ذكّرته بهذا الشرط قبل انتهاء السنة بشهر، فأخبرني أنه كان يظن أنني لا أتكلم بجدية، وأن الأمر «كان مزحة!». وعندما اقترب الموعد الحاسم ورأى أنني لا أزال جادًا، قطع التحليل. وبعد ثلاثة أيام استأنف الجلسات وشرع في العمل بدوام جزئي. أما في حالة مشابهة أخرى، فقد قطع المحلَّل العمل التحليلي ولم يعد قط.
وللناس أسباب مختلفة لرفض العمل، بالمعنى المتعارف عليه. ففي حالات كثيرة على الأقل، يشعر الناس أن الآخر قد غشّهم أو حرمهم، فيصرون على جعل الآخر يدفع ويستمر في الدفع، سواء تجسد هذا الآخر في الوالدين أو أقرباء آخرين أو الدولة. أما أن يصبحوا «أعضاء منتجين في المجتمع» فسيعادل عندهم الاعتراف للعالم بأن العالم لم يعاملهم بسوءٍ إلى ذلك الحد بعد كل شيء.
في العقود الأولى من تاريخ التحليل النفسي، كان المحللون النفسيون يعملون عبر نوع من نظام الطوائف الوسيطة في العصور الوسطى، وكانوا يحتكرون العلاج النفسي تقريبًا في معظم الغرب. ولم تكن الطبّ النفسي قد تطورت بعد تطورًا كبيرًا في صورتها الحالية القائمة على صرف الأدوية، وكان التحليل النفسي هو العلاج الحقيقي الوحيد بالكلام المتاح في السوق. فإذا لم يُجْدِ الحديث مع كاهنك أو حاخامك المحلي، وإذا رفع الأطباء الذين ذهبت إليهم أيديهم يأسًا، لم يكن أمامك خيار كبير سوى الذهاب إلى محلل نفسي. وكان المحللون قد احتكروا السوق فعليًا.
كان المحللون في موقع يمكّنهم من فرض الشروط - عدة جلسات في الأسبوع وأجرًا مرتفعًا للجلسة الواحدة - وكان المريض يأخذ ذلك أو يتركه. وكما كانت الطوائف الوسيطة في العصور الوسطى تتمتع عادة بامتيازات أو تراخيص ملكية حصرية لممارسة حرفتها لا يستطيع أحد أن يتسلل إليها، كان المحللون النفسيون يحتكرون المهنة. وكان منافسوهم الوحيدون هم المحللين الآخرون، وبما أنهم هم أنفسهم يشرفون على تدريب المحللين الجدد ومنحهم الاعتماد، فقد كان لديهم بعض القدرة على الحد من أعدادهم هم أيضًا.
والأمر نفسه ما يزال صحيحًا، إلى حد كبير، بالنسبة إلى الأطباء الأمريكيين، إذ يظل عدد كليات الطب والطلاب محدودًا لأسباب شتى، من أهمها الحفاظ على الرسوم المرتفعة للخدمات الطبية. وقد أخذت شركات التأمين تعيق الأطباء في السنوات الأخيرة، لكن البعد الطائفي في عملهم ما يزال، على الأقل، قائمًا إلى حد ما في الولايات المتحدة.
أما بالنسبة إلى المحللين النفسيين الأمريكيين فالأمر ليس كذلك. فقد حافظوا على أسعارهم المرتفعة مدة طويلة جدًا - لا شك تعويضًا عما شعروا هم أنفسهم أنهم خسروه حين اختاروا التحليل النفسي بدلًا من تخصص طبي مربح، وقد كانت الجمعية الدولية تتطلب منهم رؤية مريض واحد فقط في الساعة - حتى جرى استنزاف معظم سوقهم من قبل الوافدين الجدد، أي علماء النفس والمعالجين النفسيين من كل صنف، الذين تدربوا هم أيضًا، بشكل أو بآخر، في صورة من صور العلاج بالكلام. كما اخترق قطاعًا مهمًا آخر من سوقهم، على حدّ تعبير الاقتصاديين، الأطباء النفسيون. وكانت الحصيلة أن الغالبية العظمى من المحللين النفسيين العاملين اليوم في الولايات المتحدة يجدون أنفسهم في منافسة مباشرة مع مرشدين من كل اتجاه، وقد حوّل هؤلاء العلاج النفسي فعليًا إلى خدمة قابلة للتبادل والاحلال، إذ يُنظر إلى كل معالج على أنه لا يختلف عن أي معالج آخر - إن لم يكن من وجهة نظر المريض، فمن وجهة نظر شركة التأمين على الأقل.(7)
وقد قذف هذا المحللين النفسيين، أو بالأحرى جرّهم جرًا وهم يكافحون، خارج ثقافة الطائفة المهنية الخاصة بهم، وأدخلهم إلى السوق التنافسية لخدمات العلاج النفسي. ولو نظرت في كرة بلوري وتنبأت، لقلت إنه خلال بضعة عقود لن يعود الأمر مقتصرًا على الناطقين بالإنجليزية من الهند وإندونيسيا الذين يتصلون من بعيد بمعالجين ومحللين غربيين للحصول على خدمات العلاج النفسي. بل ستبدأ شركات التأمين الطموحة في نقل خدمات العلاج النفسي إلى ناطقين بالإنجليزية في العالم الثالث، سيتقاضون أجرًا أقل بكثير على أساس الساعة.(8)
وعندها سيدمج المحللون النفسيون بالكامل في السوق العالمية، متنافسين مع معالجين مرخصين ومعتمدين في كل أنحاء العالم. ولن يبقى لهم سبيل للتمايز إلا باعتبارهم متخصصين يعملون في أسواق متخصصة، أو ذوي سمعة خاصة في هذا الأمر أو ذاك. الأمر لا يبعث على السرور، لكن الكتابة على الجدار تبدو واضحة.
ومن المرجح أن يزيد هذا من إبراز العلاقة الغريبة بين التحليل النفسي والعمل. فشركات التأمين تود أن تنظر إلى جميع المعالجين النفسيين بوصفهم «مقدِّمي خدمات»، أي عاملين يقدمون خدمة متشابهة إلى حد ما ويمكن دفع مبلغ قريب من المبلغ نفسه لكل واحد منهم مقابل وقته. وبإدخاله الجلسة ذات المدة المتغيرة، أحدث لاكان اضطرابًا في مسألة الزمن - فشكك على وجه الخصوص في المعادلة التي تقرر، حتى في كثير من مدارس التحليل النفسي، أن المال يساوي الوقت. وقد فعل ذلك، جزئيًا على الأقل، اعترافًا بعمل اللاوعي ووقته؛ فكما ذكرت سابقًا، فإن عددًا معينًا من ساعات الجهد لا يؤدي تلقائيًا إلى نتائج إنتاجية، وحيث الأمنيات اللاواعية لا زمنية، بينما قد تقع الومضات والتغيّر في ثانية منقسمة. وتؤكد الجلسة ذات المدة المتغيرة على العمل المنجز داخل الجلسة، لا على مدتها.
وبالمقارنة مع معظم أشكال العلاج النفسي، التي يعمل فيها المعالج عبر تقديم المعرفة والنصيحة، يركّز التحليل النفسي على العمل الذي يقوم به المحلَّل نفسه. ويُذكَر عمل المحلِّل أيضًا أحيانًا، لكنه أقل حضورًا بوضوح. فالمحللون النفسيون يطلبون من المحلَّلين أن يعملوا، لكننا، بدلًا من أن ندفع لهم مقابل عملهم، نجعلهم هم يدفعون مقابل امتياز العمل. (ويدرّب المدربون الشخصيون الناس على الشيء نفسه تقريبًا: الناس يدفعون لهؤلاء المدربين لكي يجعلوهم يتعرقون.) ولا يقتصر الأمر على أن عملهم غير مدفوع الأجر، بل إنهم مُلزمون بدفع المال إلى شخص يبدو لهم في كثير من الأحيان أنه لا يعمل بالقدر نفسه الذي يعملون به هم. وأتذكر أنني عاتبتُ محللي الخاص مرة على أنه يأخذ «مالًا من لا شيء»، وأضافت - بما أننا كنا في ثمانينيات القرن الماضي، استمرارًا في اقتباس Dire Straits - أنه يأخذ «فتياته مجانًا».
وإذا فكرنا بلغة القيمة الاستعمالية، فإن العمل الذي يؤديه المحلَّلون مفيد لهم أساسًا هم أنفسهم - وإن كان مفيدًا أيضًا للمحلِّل، الذي، كما ذكّرنا وينيكوت، يتدرّب بفضل عمل المحلَّلين وقد يجد في اكتشافاتهم فائدة أيضًا في حالات أخرى.(9) أما العمل الذي ينجزه المحلَّلون فكثيرًا ما يُعد عديم الفائدة، إن لم يكن ضارًا، في نظر محيطهم، الذي كان يفضلهم ويجد التعامل معهم أسهل قبل التحليل. ولا يمكن بسهولة تحويل هذا العمل إلى مال، أو منحه قيمة تبادلية - فالقليل، القليل جدًا، يكتبون روايات عن مسارهم التحليلي ليبيعوها إلى جمهور أوسع. ولا يستطيع المحلَّل ولا المحلِّل إعادة بيع العمل التحليلي الذي أنجزاه معًا لشخص آخر لكي يحققا منه قيمة زائدة أو ربحًا (مع ذلك، وجدت شركات التأمين سبيلًا للعيش من عملهما).
أما عمل المحلِّل فيدخل فعلًا في نظام واضح من قيم التبادل - إذ يمكن لمحللين آخرين أن يقدموا خدمات مشابهة إلى حد ما، كالإصغاء والتأويل - فإن عمل المحلَّل لا يفعل ذلك.(10)
فما هو عمل المحلِّل على وجه الدقة؟ وبعبارة أخرى، ما الذي يدفع المحلَّل ثمنه للمحلِّل؟ في كل المجالات الأخرى تقريبًا، ندفع لنحصل على شيء إيجابي: منتج أو خدمة. وفي مجالات معينة، ندفع لكي نتلقى كلامًا: ندفع لنحصل على نصيحة من خبراء أو محاسبين أو مستشارين ماليين أو محامين أو مدربين أو مرشدين؛ وندفع مقابل برامج التلفزيون أو الأفلام التي تُعلّمنا أو تسلينا، وبعضنا حتى يتصل بأرقام هاتفية معينة (تسمى في الولايات المتحدة أرقام 900) لكي يتحدث الآخرون إلينا نحن تحديدًا، بل لكي يتحدثوا إلينا بكلام فاضح.
أما في التحليل النفسي، فنحن ندفع لكي نتكلم، ندفع مقابل فرصة أن نتكلم ثم نتكلم ثم نتكلم. نتكلم بكلام فاضح أحيانًا، ربما، لكن الأهم أننا نتكلم كما نشاء نحن أن نتكلم، وهو ما يعني أحيانًا ألا نتيح للطرف الآخر أن يدخل بكلمة أو يتحدث عن نفسه. وفي معظم المجالات الأخرى يحتج محاورونا عندما نتكلم معهم كيفما نشاء. إنهم يرفضون أن يتخذوا الموضع الذي نضعهم فيه حين نتكلم: أن يُساء إليهم، وأن يُتحدث إليهم بفوقية، وأن يُهانوا، وأن يُشتبه بهم في هذا أو ذاك، و/أو أن يُعامَلوا كما لو كانوا شخصًا ليسوا هم أنفسهم كذلك. فمحاورونا يريدون أن يُنظر إليهم بوصفهم أنفسهم، وأن يُحبوا أو يُكرهوا لما يعتقدون أنهم هم عليه، لا للدور الذي يشعرون أننا نُقحمهم فيه.
«كفّ عن معاملتي كما لو كنت أمي، من أجل الله!» يحتجون. «ألا ترى أنني أحاول أن أساعدك؟» إنهم يرفضون إسقاطاتنا، واستدعاءاتنا، ونقلنا العلاقي.(11)
أما المحلِّلون فلا يفعلون. فهم يلعبون طوعًا دورًا، بل أدوارًا عديدة، بقدر ما نُسقط عليهم من أدوار. إنهم لا يقولون - أو على الأقل أغلبهم يعلمون أنهم لا ينبغي أن يقولوا - «توقّف عن الإسقاط، فأنا لست ذلك النوع من الأشخاص الذي تتصرف كما لو كنت أراه. أنا لست أمك». إنهم يوافقون على أن يقفوا مقام الأم، مؤقتًا، لكي يمكن العمل على شيء مما يخص علاقتنا بأمهاتنا.
إنهم يقبلون الإسقاطات ويحاولون ألا يأخذوها على محمل شخصي، وهذا ليس دائمًا أمرًا سهلًا. إنهم يتقاضون أجرًا لأن يكونوا ممثلين، وأن يؤدوا جميع الأدوار في درامانا النهارية والليلية. ونحن ندفع لكي نُسند إلى المحلل أي دور نريده، ونحن نعلم أنه سيقبل أن يشغل موضع الحامل المؤقت. ويشغل المحلل، كما يقول لاكان، موضع سبب رغبتنا، ونحن نستخدم هذا السبب ونساء استعماله بقدر ما يغوينا أو يخرجنا عن طورنا. (وهذا السبب هو الرافعة التي يمكنها أن تحرك الأعراض وتزيلها.)
ومعنى المال الذي ندفعه للمحلِّلين أنهم لا يؤدون هذا الدور على سبيل الجميل الذي ينبغي أن نظل شاكرين له إلى الأبد، كما نشعر كثيرًا أنه ينبغي أن نكون لوالدينا الذين لا يمكننا أبدًا أن نشكرهم بما يكفي على أننا جئنا إلى هذا العالم. فالدفع يعني أن المحلِّلين لا يفعلون ذلك من باب الصدقة، ولا لأنهم يحبوننا، ولا لأنهم يروننا جميلين أو ظرفاء أو لأننا قد نثبت نفعًا لهم بطريقة ما. والدفع يعني أنهم يفعلون ذلك لأنه عملهم، مهما كان هذا العمل غريبًا.
قُدمت هذه الورقة في مؤتمر بعنوان «التحليل النفسي والمال» برعاية متحف فرويد في لندن، إنجلترا، في 3 يوليو 2010، ونظمها ديفيد بينيت، ونُشرت في عدد خاص من مجلة الدراسات الثقافية New Formations بعنوان «Psychoanalysis, Money and the Global Financial Crisis»، 72 (2011)، 20–32. ثم أُعيد نشرها في Loaded Subjects: Psychoanalysis, Money and the Global Financial Crisis (لندن: Lawrence & Wishart، 2012)، ص 52–66.
1 كان ينبغي لاسم مادوف نفسه أن يلفت الناس إلى الأمر، إذ ينقسم، كما هو الحال، إلى made off (بأموالهم)، فضلاً عن احتوائه على mad.
2 ما عدا جميعنا، أي المشخَّصين ذهانيًا، لأن الذهانيين يرفضون التخلي عن نوع معين من التمتع في سبيل كسب الحب والقبول من العالم الآخر من حولهم: إنهم، بمعنى ما، يرفضون لعب لعبة الحياة، يأخذون كرتهم ويعودون إلى البيت.
3 من التضحيات الواضحة التي نقدمها: الثدي، بالنسبة إلى الأطفال الذين يرضعون ثم يفطمون، دائمًا قبل الأوان في شعورهم؛ واللذة المباشرة المرتبطة بالتبول والتغوط متى حرّكنا الطبعُ ذلك، بدلًا من ذلك في أماكن محددة وفي أوقات معينة؛ ولمس أجسادنا والعبث بها كما نشاء وأينما نشاء.
4 يخطر ببال المرء هنا فيرديليوني.
5 لم يعد حاضرًا أحيانًا، بل صار حاضرًا في كل مكان؛ ولم يعد يرى أحيانًا، بل صار يرى كل شيء.
6 لمناقشة أكثر تفصيلًا لوضع جورج في سياق مختلف، انظر الفصل 12 في هذا المجلد.
7 حتى إن بعض الدراسات تدّعي أن جميع أشكال العلاج تحقق معدلات نجاح متشابهة إذا أمكن للمريض في النهاية أن يصف علاقته بالمعالج بأنها كانت جيدة. ويخلص الباحثون الذين أجروا مثل هذه الدراسات إلى أن ما يسمى بالتحالف العلاجي هو المتغير الوحيد المهم.
8 وسيُقدَّم التحليل عبر الاتصال المرئي على يد الدول نفسها التي يجري حاليًا نقل كتابة برامج الاتصال المرئي إليها.
9 حتى في حالاتهم الخاصة، بحسب لاكان (2006a). انظر مناقشتي لهذه النقطة في الفصل 5 من المجلد الأول من هذه المجموعة.
10 ومع ذلك، يمكن القول، كما فعلت آنا فرويد، إن المحلَّلين يحققون في العادة نجاحًا أكبر في حياتهم المهنية بفضل تحليلهم.
11 توجد، بالطبع، استثناءات، ولا سيما في بدايات العلاقة، حيث يكون أحد الشريكين مستعدًا مؤقتًا غالبًا لتحمل إسقاطات الشريك الآخر من أجل الحصول على الحب أو الجنس أو الرعاية على الفور.
2
ما المختلف إلى هذا الحد في مقاربة لاكان للتحليل النفسي؟
في عام 1995، طلب مني ناشر لكتب التحليل النفسي كان مهتمًا بمخطوطة كتبتها (انظر Fink, 1997) لتعريف القراء الناطقين بالإنجليزية بأعمال لاكان، أن أقارن في تلك المخطوطة بين مقاربة لاكان للتحليل النفسي ومقاربة محللين آخرين هم أكثر شهرة لدى جمهوره. واضطررت إلى الاعتراف له بأنني كنت غير مهيأ إطلاقًا للقيام بذلك، إذ كنت قد أمضيت أكثر من عقد آنذاك في معالجة كتابات لاكان ومحاضراته، ولم أكن أعرف إلا القليل جدًا عن سائر المقاربات الأخرى للتحليل النفسي. ومع ذلك، كنت ولا أزال أعتقد أن هذا مشروع يستحق العناء، ولذلك سعيت هنا إلى رسم بعض أوجه المقارنة والتباين.
وطبيعي أنه لا توجد مقاربة لاكانية واحدة، تمامًا كما لا توجد مقاربة علائقية واحدة. فآراء نانسي تشودورو تختلف في وجوه كثيرة مهمة عن آراء جيسيكا بنجامين وتوماس أوجدن وأوين رنيك، على سبيل المثال لا الحصر. وأعمال لاكان مفتوحة على تفسيرات عديدة، بفعل صداها المتعدد المتعمد وصياغاتها الصعبة. فضلًا عن ذلك، فقد تطور تفكير لاكان تطورًا ملحوظًا من ثلاثينيات القرن العشرين إلى سبعينياته، ويجوز لمن يفسرون عمله أن يركزوا على فترات وأطر مفهومية مختلفة. سأحاول إذن هنا أن أقارن بين وجهة نظري اللاكانية الخاصة، وبين ما فهمته من الأدبيات التي كتبها مؤلفون يرتبطون بوجهات نظر سيكولوجيا الأنا، والعلاقات الموضوعية، والكلاينية، والعلائقية، والبينشخصية، والبينذاتية. ولا بد أن يرى المتخصصون أن معرفتي بهذه التقاليد معرفة ناقصة ومبسطة ومختزِلة أكثر مما ينبغي، وأنا لا أستطيع إلا أن أوافقهم سلفًا، لأنني بعيد كل البعد عن أن أكون خبيرًا في هذه التقاليد. وكما قال ميتشل وبلاك (1995، ص 207) يومًا:
في الوقت الحاضر، من الصعب جدًا أن تجد أي محلل نفسي ملمًّا بعمق بأكثر من مقاربة واحدة فقط (مثل: الكلاينية، اللاكانية، سيكولوجيا الأنا، سيكولوجيا الذات). فالأدبيات الخاصة بكل مدرسة واسعة، وحساسيتها السريرية مصقولة على نحو دقيق، الأمر الذي يجعل من الصعب على أي محلل منفرد أن يهضمها كلها.
ومع ذلك، فسأغامر هنا بطرح بعض المقارنات المتجاورة التي، وإن بدت نظرية في البداية، فإنها تقود، في اعتقادي، إلى فروق مهمة على مستوى التقنية التحليلية النفسية.
وأنا أقرأ بعض الأدبيات العلائقية والبينذاتية حول موضوع النقل والنقل المضاد، استوقفني الجدل بين ما يسمى سيكولوجيا الجسد الواحد أو الشخص الواحد، التي تركز على فرد يشبه المونادة وتكون وكالاته النفسية الداخلية في حرب بعضها مع بعض، وبين ما يسميه بعضهم سيكولوجيا «الجسدين» أو «الشخصين»، التي تؤكد العمليات البينذاتية والتبادلات عبر الحدود السائلة. ولا شك أن ما استوقفني في هذا هو شعوري بأن لاكان لا يتبنى أيًا من هذين الموقفين، كما أنه لا يتبنى ما يشير إليه كل من روبرت س. واليرشتاين ونانسي تشودورو بوصفه مقاربة «كلتا/وكلا»؛ أي مقاربة تؤكد أحيانًا الجوانب الفاعلة في مقاربة الشخص الواحد، وأحيانًا أخرى الجوانب بين الشخصية في الحياة والتحليل.
ولو أردت أن أصف ما يفعله لاكان، من خلال ترقيم أطراف التحليل، لقلت إنه، على الأقل في عمله المبكر في خمسينيات القرن العشرين، يقترح حدًّا ثالثًا بالغ الأهمية: اللغة. فاللغة لا تتموضع في المحلل أو في المحلَّل بذاتهما، بل تقع بينهما بوصفها طرفًا ثالثًا، إن صح التعبير. وربما يكون الأدق أن نقول إن اللغة تشمل كلًا من المحلل والمحلَّل، فهي أكبر منهما معًا، ولا يملك أي منهما، منفردًا أو مجتمعًا، معرفة الكل أو السيطرة عليه في اللغة التي يتكلمان بها معًا.
وعندما تكون هذه اللغة هي لغتهما الأم معًا (والأمر أكثر تعقيدًا حين لا تكون كذلك)، يكون كلاهما قد غمر فيها تمامًا منذ بداية الزمن الذاتي: فقد كانت أمهما ومن حولهما يتكلمون بها إليهما منذ أن وُلدا («الإنسان يولد [مغمورًا] في حمّام من الدوال»؛ لاكان، 2006b، ص 214). ويشير لاكان إلى اللغة بوصفها الآخر بحرف O كبير، ليبين أن اللغة ليست شخصًا كما يكون المحلل في بعض الوجوه بالنسبة إلى المحلَّل، وكما يكون المحلَّل في بعض الوجوه بالنسبة إلى المحلل؛ أما الأشخاص فيسميهم لاكان «آخرين» بحرف o صغير، بحيث يكون المحلل والمحلَّل آخرين أحدهما للآخر في هذه الوجوه، تمامًا كما يمكن لأي شخصين في العالم - مثل الأشقاء أو الأصدقاء - أن يكونا كذلك. أما اللغة بوصفها الآخر بحرف O كبير فشيء مختلف نوعيًا، طرف ثالث يختلف جذريًا عن الجسدين أو الشخصين اللذين يوجدان في حضرة بعضهما بعضًا.(1)
فاللغة هي التي تتيح للمحلَّل أن يعبّر عن الحصة الكبرى من خبراته ومشاعره وأفكاره للمحلِّل، وهي التي تتيح للمحلِّل أن يحاول تتبع ما يقوله المحلَّل. وقد يستخدم أحد الطرفين كلمات وتعبيرات معينة بطريقة لا يفهمها الطرف الآخر في البداية، وقد يضطر كل منهما إلى الرجوع إلى القاموس أو إلى تعريفات أو استعمالات أخرى للكلمات والتعبيرات كي يدرك الطرف الآخر معناها، فيشير بذلك إلى شيء خارج كليهما، سواء كان أفلامًا أو برامج تلفزيونية أو تعبيرات عامية أو مدونات أو معجم ويبستر، أي إلى شيء في الثقافة الأوسع، أي إلى شيء في الآخر بحرف O كبير. ويشمل الآخر جميع الطرق التي استُعملت بها كلمة أو عبارة ما في الأغاني والأفلام والكتب والقصص المصورة، وما إلى ذلك.
وقد يشعر أحد الطرفين أن الطرف الآخر يستخدم كلمات وتعبيرات معينة على نحو خاطئ، بحسب تعريف Oxford English Dictionary مثلًا، ومع ذلك، إذا أدرك كيف يستخدم الطرف الآخر تلك الكلمات والتعبيرات، فقد يوافق على استخدامها بالطريقة نفسها، أو على الأقل على فهمها بالمعنى الذي قصده الطرف الآخر. ومع هذا، فإن بدء أحد الطرفين في محاولة فهم الطرف الآخر يتطلب بالضرورة الاستناد إلى هذا الآخر الموجود خارج كليهما؛ بل إن كلاهما يعتمد عليه باستمرار أثناء الكلام. وهذا الآخر نفسه هو الذي يتيح للمحللين على الأقل فرصة معقولة لأن يفهموا بعضهم بعضًا حين يناقشون حالاتهم.
إن ألفتنا، نحن المحللين، بلغة أمّ المحلَّل هي التي تتيح لنا أن نسمع في كلامه أكثر مما قصد هو نفسه. ولأعطي مثالًا بسيطًا، كان أحد محلَّليّ مترددًا بشدة طوال عقود في متابعة عمله الفني. كانت هناك دفعات متقطعة من النشاط الفني، تتبعها فترات طويلة من السكون، كان خلالها لا يفعل سوى أن يتخيل نفسه أعظم رسام منذ بيكاسو. وفي حلم رآه، نظر صديق فنان سابق إلى لوحاته وقال له إنه، رغم وجود بعض الأعمال الجيدة، لا يملك ما يكفي من القطع عالية الجودة لإقامة معرض. وشرع المحلَّل في الارتباطات على عدد من عناصر الحلم، وعلى طبيعة علاقته بصديقه الفنان السابق، وعلى مشاعره حيال المعارض، وما إلى ذلك، وانتهى إلى القول عن عمله الفني: «إنه آخر شيء أحتاج إلى التخلي عنه».
وكان يقصد بوعي أنه، مثل كثير من المثل والأحلام الأخرى التي شعر بأنه اضطر إلى التخلي عنها خلال حياته، يعتقد أنه يحتاج إلى أن يتخلى عن أي إيمان متبقٍ بقدراته الفنية، وأن يتجاوز رغبته المتضخمة في أن يكون أشهر فنان منذ بيكاسو، وأن يمضي في حياته. لكن كما يعرف معظم الناطقين الأصليين بالإنجليزية، وهذا المحلَّل كان واضحًا أنه ناطق أصلي بها، يمكن للمرء أيضًا أن يقصد شيئًا مختلفًا تمامًا حين يقول: «إنه آخر شيء أحتاج إلى التخلي عنه» - أي: «أستطيع أن أتخلى عن أي شيء إلا ذلك» أو «ذلك هو الشيء الوحيد الذي أحتاجه حقًا!»
وكان من السهل عليّ أن أستند إلى وجود تعبير اصطلاحي في الإنجليزية التي نتكلمها نحن الاثنان مثل «that’s the last thing I need to do» (يقارب تعبير: «أحتاج إلى ذلك كما أحتاج إلى ثقب في رأسي») لكي أجعل المحلَّل يدرك أنه ربما يعتقد كلتيهما: أنه يحتاج إلى التخلي عن رغبته المتضخمة في إحداث ثورة في الفن، و أنه لا يستطيع العيش من دون عمله الفني.
لقد سمح لي نحوه بالتشديد على عبارة أدركها المحلَّل نفسه فورًا بوصفها متعددة الدلالة. ولم أدّعِ بأي حال أنني أرى واقع موهبته الفنية بوضوح أكبر منه، كما قد يظن البعض.(2) إنما سمعت بوضوح شديد، وسمعه هو أيضًا ما إن أبرزته له، أنه قال شيئين مختلفين جدًا في الوقت نفسه: «أنا بحاجة إلى أن أتخلى عنه» و«أنا بحاجة إليه كي أعيش». وكان عليه هو أن يقرر كيف يوفق بينهما، وأن يجد، إن استطاع، طريقة يستمتع بها بعملية الخلق الفني من دون أن يظل يفكر باستمرار فيما إذا كان ما يفعله ثوريًا أم لا. لكنه، إن أراد أن يفعل ذلك، كان عليه أولًا أن يواجه حقيقة أنه كان مأهولًا بهاتين الحاجتين المحسوستين معًا.
وفي هذا المثال البسيط، تكون الإنجليزية المنطوقة هي الآخر بحرف O كبير، وهي التي أتاحَت لنا معًا أن ندرك فورًا شيئًا ذا معنى ربما لاواعي.(3) كانت هناك غموضية دلالية أو تعدد دلالة في ما قاله، ويمكن لمعظم المتكلمين بالإنجليزية الأمريكية أن يسمعوها بسهولة. ويمكننا حتى أن نقول إن في الأمر شيئًا لا يرقى إليه الجدل، بل شيئًا موضوعيًا حتى. ويمكن للقارئ أن يدرك هذا الغموض أو التعدد في الدلالة بسهولة كما أدركته أنا وكما أدركه هو، رغم أننا قلنا هذه الأشياء بعيدًا عن القارئ منذ سنوات، وفي سياق لا يطّلع عليه أي قارئ، ولا يعرف شيئًا عن تاريخ المحلَّل أو عن تاريخ التحليل.
وثمة شيء في التعدد الدلالي لفعل كلام مكتمل، شيء في المعاني المتعددة للصيغ كما نُطقت في أثناء الجلسة، يمكن إظهاره للآخرين بوصفه دليلًا على قصدية منقسمة أو متعددة، أو بوصفه دليلًا على الانقسام بين الواعي واللاواعي. (والنبرة أو السخرية أو التهكم تعقّد الأمور بوضوح، ويجب بالطبع أخذها في الاعتبار. انظر مثلًا عبارة «أنت تتكلم!» التي يمكن أن تكون أمرًا أو اتهامًا. كما أن سوء السماع ممكن بالطبع أيضًا، لكن في حالة مثل الحالة الراهنة لم يكن هناك خلاف بين المتكلم والمستمع حول ما قيل.) وأجرؤ على القول إن هذا هو النوع الوحيد من الموضوعية المتاح لنا في التحليل النفسي. فبحسب لاكان (1968)، لا يرى المحللون الواقع بوضوح أو موضوعية أكبر مما يراه محللوهم - فنحن جميعًا نرى ما يسمى بالواقع من خلال عدسات تاريخنا وتعليمنا وثقافتنا وخبرتنا وخيالاتنا، حتى بعد تحليل طويل. وما لا يمكن إنكاره هو ما قاله المحلَّل فعلًا، وهذا ليس كثيرًا، لكنه ليس لا شيء أيضًا! وهناك، بالطبع، أوقات يكون فيها ما يقوله المحلَّل مضطربًا أو متمتمًا أو متداخلًا، ولا يكون واضحًا للمحلِّل ولا للمحلَّل ما قيل. لكن حين لا يسمع المحلِّل المعنى فحسب بل يسمع حرف خطاب المحلَّل، يصبح الكثير مما يقوله المحلَّل غير قابل للنقاش، بمعنى أنه لا يوجد خلاف بين طرفي وضع الكلام حول ما قيل. ولا يوجد خلاف أيضًا حول كونه متعدد الدلالة. (أما ما يعنيه ذلك، فذاك شأن آخر.) وفي مثال آخر، قالت محلَّلة كانت تتحدث عن رجل رائع تعرفه «contention» بدلًا من «contentment» من غير قصد، وهي تقصد أن تقول إن بينهما «ألفة، وcontentment».
والـcontention يبدو شيئًا مختلفًا تمامًا عن الـcontentment، على الأقل في نظر كثير من الناس، ورغم أننا لا نعرف سلفًا ما الذي يعنيه هذا الزلل، فإن من حقنا تمامًا أن نتعامل معه بوصفه زلة وأن نبحث فيه عن طبقة أخرى من المعنى (على افتراض، بالطبع، أن المحلَّل عصابي وليس ذهانيًا). فإذا سألني زميل كيف أستطيع أن أكون واثقًا إلى هذا الحد من أن هذه المحلَّلة لديها بعض العدوانية المكبوتة أو أنها تستمتع بالصراع على مستوى ما، فيمكنني أن أشير إلى الزلة. ومن وجهة نظري، هذا هو أقصى ما يمكن أن نأمله من الموضوعية في التحليل النفسي، لا بوصفها واقعًا خارجيًا معروفًا معرفة موضوعية، ولا بوصفها نوعًا من «النقل المضاد الموضوعي» (Winnicott, 1949, p. 70). فالشيء الموضوعي ليس المعنى النهائي لأي قطعة كلام بعينها - بل ما هو موضوعي هو ما قيل، والغموض الدلالي لما قيل.
وحين يقول لاكان (2006a، ص 16 و379) إن اللاوعي هو خطاب الآخر، فهو يعني عددًا كبيرًا من الأشياء، لكن أحدها ببساطة أن اللاوعي يمكن التقاطه في الغموضات التي تسمح بها كل لغة طبيعية، بل تزخر بها. وأمر آخر هو أن اللاوعي يتكون من كل أنواع الأشياء التي سمعناها من الآخرين، سواء أكانت موجهة إلى آذاننا أم لا. فاللاوعي مفعم بالأشياء التي سمعناها من والدينا وإخوتنا وأصدقائنا ومعلمينا وحتى الممثلين في التلفزيون. وكانت إحدى محلَّلاتي تكره شراء الحاجيات من البقالة مدة عشرين عامًا تقريبًا لأن معلمتها في الأحياء وصفت المشيمة يومًا بأنها متجر البقالة للرضيع حديث الولادة. ولم تتوقف عن كراهية التسوق للبقالة إلا في اليوم الذي أخبرتني فيه في التحليل بصياغة معلمة الأحياء تلك. وكانت تكره أيضًا أعمال البيت طوال حياتها، جزئيًا على الأقل، لأن جدتها استخدمت مرة لفظًا شديد الازدراء في لغتها الأم لوصيفات البيوت.
وحين يقول لاكان (1998a، ص 15) إن «اللاوعي منظم مثل اللغة» - ثم يضيف لاحقًا أن «اللاوعي في جوهره لغة» (لاكان، 1973–74، الدرس المعطى في 20 نوفمبر 1973) - فإن جزءًا مما يعنيه هو أن اللاوعي منظَّم بالكلمات التي ينطق بها من حولنا. فهذه المقاطع من خطاب الآخرين تتسرب إلينا عبر آذاننا، وتعلق بنا وتؤثر فينا، غالبًا لعقود. وحين يقول لاكان إن «رغبة الإنسان هي رغبة الآخر» (انظر مثلًا 2006a، ص 628)، فجزءًا مما يعنيه هو أننا نسمع الآخرين ونسمعهم من وراء السمع يعبرون عن رغباتهم بالكلمات، وتنساب رغباتهم أيضًا إلينا عبر آذاننا، وتعلق بنا وتؤثر فينا.
وبهذا المعنى، يدخل كل ما سمعناه يومًا، وكل ثقافتنا وتاريخنا، إلى غرفة الاستشارة التحليلية في صورة اللغة التي يتكلم بها المحلل والمحلَّل. ولا يوجد تمييز حاد بين الفرد وبيئته الثقافية؛ بل لا يوجد شيء اسمه كائن متكلم غير متجذر تمامًا في خطابات الآخرين ورغباتهم وانفعالاتهم. فبمجرد أن يصير المرء كائنًا متكلمًا، يجد نفسه مأهولًا برغبات يشعر أنها ليست كلها له، ويجد نفسه يسعى خلف الأشياء نفسها التي يسعى إليها الآخرون حتى حين لا يرغب بوعي في السعي إليها. ويجد نفسه يفكر بعض الأفكار نفسها التي تفكر فيها الشخصيات في الكتب التي يقرأها والأفلام التي يشاهدها، ويمتلك بعض الخيالات نفسها التي يسمع عنها.
ومع ذلك، فإن كل واحد منا يسمع أشياء مختلفة عن أشخاص مختلفين؛ فلا نقرأ جميعًا الكتب نفسها، ولا نشاهد الأفلام نفسها، ولا نرتل الشعر نفسه، ولا نتعلم الأغاني نفسها. وحتى لو كان اللاوعي (ممتلئًا عن آخره) بخطاب الآخر، فإن الآخر الذي يشكّل خطابه لاوعينا يكون مختلفًا قليلًا من واحدٍ منا إلى آخر.
وأكاد أذهب إلى أن إدخال لاكان لمفهوم الآخر بحرف O كبير بوصفه لغة - وإدخاله لمفهوم النظام الرمزي، وهو مجرد طريقة أعم للتكلم عن الشيء نفسه تقريبًا - يتيح نوعًا من البينذاتية الجذرية: فكل واحد منا نتاج للنظام الرمزي.(4) وفي الوقت نفسه، فإن مفهوم الآخر بوصفه لغة يعني أن شخصًا لا يمكنه أن يملك وصولًا مباشرًا إلى لاوعي شخص آخر. ما دام اللاوعي مؤلفًا من اللغة، ومنظمًا مثل اللغة، ويصل إلينا عبر خطاب الآخرين، فلا يمكننا أن نلمح لاوعي شخص آخر إلا بطرائق توسَّطها اللغة والثقافة.
فالكلام هو الوسيط الأساسي في جميع أشكال العلاج بالكلام، ومع ذلك فهناك كثيرون في الوسط التحليلي يظنون أنهم قادرون على إدراك معنى الآخر أو فهمه فهما غير متوسَّط. أما لاكان، فمن وجهة نظره، فاللغة وسيط يمكننا من خلاله أن ننقل أشياء إلى بعضنا بعضًا، لكنها أيضًا جدار - جدار بيننا - لأننا لا نتكلم لغة بعضنا بعضًا بالكامل أبدًا (لاكان، 2006a، ص 233). علينا أن نبذل جهدًا كبيرًا جدًا حتى نبدأ فقط في فهم بعضنا. فخطاب المحلَّل لا يتيح لنا وصولًا مباشرًا إلى أفكاره أو مشاعره؛ بل لا بد أن يُفسَّر، وهو يُساء تفسيره، جزئيًا على الأقل، في كل الأحوال تقريبًا، إذ إن كل تواصل هو تواصل خاطئ. وكما يقول لاكان (1993، ص 163)، «إن الأساس نفسه للخطاب بين البشر هو سوء الفهم».
وأولئك الذين يعتقدون أنهم يتعلمون من «لغة الجسد» لدى المحلَّل أكثر مما يتعلمون من كلامه، يجدر بهم أن يرجعوا إلى الكتب الكثيرة المتاحة عن لغة الجسد والإيماءات اليدوية في فرنسا وإيطاليا وثقافات أخرى، لأنهم سيكتشفون سريعًا أن طرائق التعبير عن الأفكار والانفعالات بالجسد وفيه تختلف كثيرًا من ثقافة إلى ثقافة، ومن جماعة لغوية إلى جماعة لغوية، بل حتى من جزء من بلد إلى آخر.(5)
وهذا صحيح حتى بالنسبة إلى انفعال مثل القلق. فالفرنسيون، مثلًا، يشعرون بالقلق قبل كل شيء في حناجرهم (ولديهم وفرة من التعابير الاصطلاحية التي تشير إلى ذلك، بما في ذلك ça me prend à la gorge، و j’ai la gorge nouée، و ça m’est resté en travers de la gorge، و j’ai une boule dans la gorge، و j’ai les boules)، بينما يميل الأمريكيون إلى أن يصيبهم عقدة في المعدة، أو فراشات في البطن، أو اضطراب القولون العصبي. فالأمريكي الذي تناول وجبة كبيرة لكنه متوتر، من المرجح أن يُصاب باضطراب في المعدة أو بحرقة أو بارتجاع حمضي، بينما الفرنسي من المرجح أن يتعرض لهجوم في الكبد (crise de foie). إن الجسد يتكلم، في «لغة الجسد»، بطرائق لا تُفهم مباشرة، لكنها، مثل أي شكل آخر من أشكال التعبير لدى كائنات مأهولة باللغة، يجب أن تُفسَّر. وبعبارة أخرى، لغة الجسد لا تمنحنا وصولًا مباشرًا إلى المشاعر الحقيقية لأي شخص - فلو كانت كذلك، لما أمكن خداعنا بلغة الجسد من أحد، ولما أمكن لمهنة التمثيل أن توجد بالشكل الذي نعرفه اليوم، ولما استطاع المحتالون الإفلات بأي شيء.
وقد يكون لوضعية الجسد المستقيمة جدًا، مثلًا، معانٍ مختلفة في الثقافات الآسيوية عنها في الثقافات الغربية، وقد تحمل حتى في ثقافتنا الواحدة عدة معانٍ: فقد توحي بالجمود، أو بنوع من التماهي مع القضيب (تأمل الفتنة في الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة بـ«الأجساد الصلبة»)، أو حتى بـ«الاستقامة»، بما يعني تطعيم الجسد بتوجيهات أحد الوالدين الأخلاقية أو موقفه الأخلاقي. لغة الجسد ليست بديهية بأي حال. إنها تحتاج إلى تفسير، وهذا التفسير يتطلب معرفة كبيرة بالسياق الثقافي واللغوي والديني للمحلَّل.
كل ما نفعله في التحليل النفسي يتضمن التأويل: تأويل كلام المحلَّل، سواء أكان متداخلًا أم واضحًا، وتأويل إيماءاته، وتأويل أفعاله وانفعالاته، بل وحتى تأويل صمته (ولست أعني أن علينا أن نفسر كل هذه الأشياء للمحلَّل لفظيًا: فمعظم هذا العمل التأويلي يجري في صمت داخلنا، ويهدي عمليات التقطيع والإدخالات الأخرى التي نقوم بها). ولا يمكن للمحلِّل أن يفهم أياً من هذه العوامل فهمًا مباشرًا. بل لا بد من النظر إليها كلها في سياقها - في السياق الاجتماعي والثقافي والسياسي، ولكن أيضًا في سياق كل ما جرى حتى الآن في التحليل.
فمعانيها ليست شفافة لأحد - بل يجب تأويلها في كل حالة على حدة. وقد يحدث التأويل للمحلِّل تلقائيًا جدًا في بعض الحالات، إلى درجة تدفعه إلى الاعتقاد بأنه يصل إلى معانيها بطريقة غير متوسّطة، من دون أي ترشيح أو تدخل من خلفيته أو تعليمه أو تكوينه الديني أو نشأته أو عصاباته. ومع ذلك، فإذا تأمل جيدًا، فغالبًا ما سيدرك أنه يشعر بأنه يملك أقرب وصول إلى خبرة المحلَّل حين يكون هناك قدر كبير جدًا من التداخل بين الآخر لدى المحلَّل والآخر لديه هو: حين يكونان من الطبقة الاجتماعية الاقتصادية نفسها، ومن الخلفية الدينية والفكرية نفسها - بكلمة واحدة، حين ينتميان معًا إلى النظام الرمزي نفسه. فالمحلَّلون الناطقون بالإنجليزية يشعرون غالبًا بأنني أستطيع أحيانًا قراءة أفكارهم أكثر من المحلَّلين الناطقين بالفرنسية، كما أن المحلَّلين من الشمال الشرقي في الولايات المتحدة يشعرون غالبًا بأنني منسجم مع طرائق تفكيرهم وشعورهم أكثر من المحلَّلين من الجنوب أو الغرب الأوسط.(6)
وتختلف عملية الوساطة في كل حالة من هذه الحالات، لكن لا توجد في أي منها لديَّ وصول مباشر إلى خبرة المحلَّل. فهذا الوصول يكون دائمًا متوسَّطًا بواسطة تأويلي أنا للغة المحلَّل، ولغة جسده، وأفعاله، وانفعالاته، وصمته. وقد لا أكون واعيًا بالطريقة التي وصلت بها إلى تأويل معين، لكن هذا لا يعني إلا أن عملي التأويلي كان ضمنيًا لا صريحًا. وما دفعني إلى تأويل خطاب المحلَّل بهذه الطريقة أو تلك قد يكون ما قبل واعٍ لا واعيًا - بل إنه في الغالب كذلك فعلًا، ولا أستطيع أن أشرح لماذا أولت شيئًا كما فعلت إلا بعد وقوع التأويل.
وأرى أن بعض المحللين يخلطون في هذا العملية الضمنية، ما قبل الواعية، إذ يظنون أنهم يملكون وصولًا مباشرًا إلى خبرة شخص آخر، وصولًا من النوع الذي يتجاوز التأويل. يسميه بعضهم حدسًا،(7) بينما يبدو أن آخرين يعتقدون أن لديهم حساسية فائقة، وأنهم قادرون على أن يشعروا بمشاعر الناس الآخرين، إن لم يكن طوال الوقت، فعلى الأقل معظم الوقت. وأعترض على ذلك قائلًا إن ثمة عملية وساطة ضرورية تجري، وهم ببساطة غير واعين بها. فعندما يقال إنهم قد شعروا بمشاعر الآخر، فإن ما حدث، في تقديري، هو أنهم مرّوا بخبرات مشابهة لخبرة المحلَّل، ومن ثم وجدوا أنفسهم متوائمين بسهولة مع مشاعره، أو أنهم فسروا على نحو صحيح تعابير وجه المحلَّل، ونفضاته، ولغة جسده. لكن هناك فرق شاسع بين الانسجام وبين أن يشعر المرء فعلًا بمشاعر شخص آخر (ناهيك عن أن يكون «مغزوًّا» بها أو «مخترقًا» بها).(8)
وعوضًا عن أن نندب أننا لا نستطيع أن نفهم بعضنا بعضًا مباشرة في نوع من الالتحام العقلي الفولكاني، على نحو ما كان السيد سبوك يفعل في Star Trek، حيث أتاح له ذلك تماسًا فوريًا مع آلام الكائنات الأخرى ورغباتها، فإن لاكان كان، في ظني، يريد منا أن نُنشِد مديح الوساطة، بل وأن نرفع أنشودة إلى الوساطة. ذلك أن الوساطة نفسها هي ما يفرض علينا الاعتراف بالاختلاف: الاعتراف بأن الآخرين يختلفون عنا اختلافًا جوهريًا إلى درجة أن فهم ذواتهم المنقسمة والمعقدة جدًا يتطلب منا، في العادة، جهدًا كبيرًا. ولا يمكن أن يوجد تأويل من دون وساطة - فالآخر موجود دائمًا بوصفه طرفًا ثالثًا، بحيث لا تكون هناك صلة مباشرة بين المحلِّل والمحلَّل.
إن ألفتنا، نحن المحللين، بلغة أمّ المحلَّل هي التي تتيح لنا أن نسمع في كلامه أكثر مما قصد هو نفسه. ولأعطي مثالًا بسيطًا، كان أحد محلَّليّ مترددًا بشدة طوال عقود في متابعة عمله الفني. كانت هناك دفعات متقطعة من النشاط الفني، تتبعها فترات طويلة من السكون، كان خلالها لا يفعل سوى أن يتخيل نفسه أعظم رسام منذ بيكاسو. وفي حلم رآه، نظر صديق فنان سابق إلى لوحاته وقال له إنه، رغم وجود بعض الأعمال الجيدة، لا يملك ما يكفي من القطع عالية الجودة لإقامة معرض. وبعد أن ارتبط المحلَّل بعدد من عناصر الحلم، قلت له ببساطة: «لماذا تظن أنك جعلت ذلك الصديق السابق يقول لك هذا في الحلم؟» إن سؤالًا بسيطًا كهذا يوحي بوضوح بأن للمحلَّل يدًا في صنع ما يكرهه في الأحلام، وأن كراهيته لا تُلقى عليه من شيطان شرير يظهر من العدم. وإذا أخذنا الأمر خطوة أخرى، فهو يوحي أيضًا بأن له يدًا في صنع كراهيته في الحياة كذلك. وتمكّن المحلَّل بسهولة من أن يستنتج أنه يريد أن يتحرر من الضغط الذي كان يشعر به كي يصبح فنانًا مشهورًا بقدر شهرة صديقه، وأنه يريد أن يتخلى عن مشروعه الفني كله. وكما ذكرتُ سابقًا، فقد ختم العبارة بصياغة ملتبسة: «إنه آخر شيء أحتاج إلى التخلي عنه».
وكما نرى في هذا المثال، فإن الأمنيات التي تتحقق في الأحلام تكون غالبًا مخالفة للحدس: فهي كثيرًا ما تكون النقيض التام لما نعتقد بوعي أننا نريده، وهو ما يدل على وجود أمنيات لاواعية فينا هي النقيض الدقيق لأمنياتنا الواعية.(13) ويمكن إبراز الصراع نفسه بين الرغبات الواعية واللاواعية بسهولة في أحلام اليقظة والخيالات وزلات اللسان والأفعال الفاشلة وما إلى ذلك. والعمل ذي التوجه اللاكاني يأخذ مأخذ الجد قول سبينوزا إن «الرغبة هي جوهر الإنسان»، ويركّز على الرغبات، ولا سيما الرغبات اللاواعية، بطريقة تبدو نادرة في كثير من أشكال التحليل النفسي الأخرى اليوم. وكما فعل فرويد، يعلّمنا لاكان (2006a، ص 522–25) ألا نكتفي بالرغبة الأولى التي تلوح في تأويل حلم ما، ويناقش حلم «زوجة الجزار» (فرويد، 1958a، ص 146–51) على نحو مفصل ليفضح الرغبات الواعية، وكذلك الرغبات اللاواعية التي ليست سهلة التشكّل، والتي يمكن العثور عليها فيه.(14)
وبعد أن ناقشتُ الأهمية المستمرة للرغبة في التحليل النفسي، سأنتقل الآن إلى تركيز لاكان على jouissance بدلًا من التركيز المعاصر الأكثر شيوعًا على المزاج والشعور والانفعال بوصفها بوصلة كل شيء تحليلي.
يركّز لاكان على أنواع jouissance التي يستمدها الناس - سواء أكانوا واعين بذلك أم لا - من أحلامهم وخيالاتهم وأفعالهم، وتشير jouissance هنا إلى رضا قد يختبره المرء بوصفه ممتعًا أو مضايقًا، وغالبًا بوصفه الأمرين معًا في آن. ويقدّم فرويد (1955a) مثالًا جميلًا على ما يعنيه لاكان بـjouissance في حالة رجل الجرذان؛ إذ يلاحظ فرويد هناك أنه عندما يروي المحلَّل له قصة تعذيب الجرذان الشهير، «تلوّح على وجهه تعابير مركبة غريبة جدًا»، ثم يضيف: «لم أستطع إلا أن أفسرها على أنها تعبير عن رعبٍ من متعةٍ خاصةٍ به هو نفسه لم يكن واعيًا بها» (ص 166–67). وقد صاغ لاكان هذه الصورة من الإشباع والرعب في آنٍ واحد وأكدها بأكبر قدر من القوة في عمله خلال الستينيات والسبعينيات، وربطها أقل بالنظام الرمزي وأكثر بالواقع. ويمكن مقارنة تركيزه على jouissance بوصفها من الواقعي تركيز كثير من المحللين النفسيين المعاصرين على الانفعال، وهو، كما علّمنا فرويد (1958a)، كثيرًا ما يكون مضللًا لأنه كثيرًا ما يكون مزاحًا أو مبالغًا فيه أو استعراضيًا.(15) وقد أخبرني أحد محلَّليّ أنه أدرك أنه بكى وارتبك في إحدى الجلسات السابقة عمدًا كي يواصل الجلسة، رغم أنه كان يعرف أنه قال للتو شيئًا ذا أهمية قصوى، من النوع الذي كنت سأنهي الجلسة عنده غالبًا. فكانت الدموع إذن مصممة لثنيي عن وقف الجلسة عند النقطة المهمة التي صاغها للتو، ومن ثم فلم تكن في شيء من ذلك لحظة «شعور حقيقي» يمكن أن تدلنا على jouissance لديه.
علينا أن نحدد من أين تأتي jouissance لدى المحلَّل (بدلًا من الانشغال الوسواسي بحالات الانفعال العارضة) إذا أردنا أن نتعامل مع شكواه من أنه لا يقرّ بالطريقة التي يتمتع بها هو نفسه، أو من أنه يعدّها خاطئة أخلاقيًا أو مقززة. وما يمنح المحلَّل jouissance يرتبط بالإشكالية الأوسع التي يسميها لاكان «موضعه الذاتي»، أي موقفه الأعم في الحياة. وسأتناول هذا المفهوم المركب اليوم من خلال موضوع التأويل.
من منظور لاكاني، يهدف التأويل، كما يُستخدم مع العصابيين لا مع الذهانيين، لا إلى تقديم المعنى - كما هو الحال في كثير من صور التحليل النفسي المعاصرة - بل إلى إحداث تموجات، وإلى هزّ التصورات الراسخة لدى المحلَّلين عن من هم ولماذا يفعلون ما يفعلونه في العالم، بما يؤدي إلى توليد مادة جديدة. ولتحقيق هذا الغرض، يستخدم اللاكانيون لغة متعددة الدلالة وموحية عمدًا، لا لغة أحادية المعنى ومحددة. فالهدف هنا ليس جعل اللاوعي واعيًا - وهنا يختلف لاكان (2001b، ص 139–40) عن فرويد (1963a، ص 282 و435) - بمعنى أن يأتي المحلَّل إلى فهم ما في لاوعيه، بل أن يُدفع المحلَّل إلى قول ما في اللاوعي - أي ما لم يُنطق به من قبل بصوت مسموع إلى شخص آخر، سواء أكان معروفًا له غامضًا من قبل أم لا - ثم يُترك لهذا القول أن يؤثر فيه، من دون أن يعرف بالضرورة ما يعنيه (إن كان يعني شيئًا أصلًا؛ انظر Fink, 2010).
وفي العمل اللاكاني مع العصابيين، لا يراد من التأويل أن ينمّي لدى المحلَّل أناً مراقبة يرى المحلَّل بالطريقة التي يراه بها المحلِّل، بل أن يركز مباشرة على موضعه الذاتي وأن يهزه. ويكون التأويل أفضل ما يكون حين يصدر من المحلَّل نفسه، لكن هذا يصحّ بوجه خاص حين نحاول اكتشاف الدور الذي لعبه ذات ما في تاريخه هو، وهو في البداية يدّعي أنه لم يلعب فيه أي دور على الإطلاق - أي أنه لم يكن أكثر من قطعة صغيرة في مخططات أكبر بكثير منه، وأنه لم يجنِ هو نفسه أي شيء من اللذة من موضعه في تلك المخططات.
تذكّروا أنه في حالة دورا، كانت دورا تلقي في البداية باللوم في مأزقها على أبيها وعلى السيد ك، مدعية أنها أُجبرت على موضع محرج بفعل تبادل النساء الصامت بينهما، حيث أُعطيت دورا إلى السيد ك مقابل أن تُعطى السيدة ك إلى والد دورا. واستنتج فرويد مما أخبرته به دورا أن هذا التبادل قد ساعدت فيه دورا نفسها، إذ كانت ترعى أطفال أسرة ك كثيرًا لكي تتفرغ السيدة ك لقضاء وقت مع والد دورا، وكانت تأخذ السيد ك في نزهات معها حتى لا يقطع خلوتها مع والدها. وعلى الرغم من أن دورا نفسها بدأت تتساءل عن سبب فعلها بعض الأشياء التي كانت تفعلها، فإن فرويد (1953، ص 95) بدا، للأسف، مفضّلًا أن يؤول ذلك لها هو. وكما أظهر تطور الحالة لاحقًا، فإن الإشارة إلى مشاركة الذات في مأزق تشعر في البداية بأنه فُرض عليها يمكن أن يختبره المحلَّل بوصفه اتهامًا، ومن ثم يجب التعامل معه بحذر شديد، هذا أقل ما يقال.
وبدلًا من التركيز الصريح على حالات الشعور أو الانفعال يومًا بيوم أو دقيقة بدقيقة، كما يفعل كثير من أشكال العلاج النفسي المعاصرة، يركز اللاكانيون على أنواع jouissance التي يشتكي منها محلَّلوهم، من أجل التأثير في قدرتهم على التمتع بالحياة وهزّ الخيال الأساسي أو الموضع الذاتي الذي يجعلهم في هذا القدر من الشقاء.
في حالة من الحالات، بدأ أحد محلَّليّ جلسة بالحديث عن شيء ذكره عدة مرات في السابق: وهو أنه، منذ وفاة أبيه وهو طفل صغير وحتى بلوغه سن المراهقة، كان ينام بجوار أمه مباشرة، وأنها كانت تضع يدها على قضيبه وخصيتيه وهما نائمان. وأكد أن هذه كانت بالنسبة إليه نوعًا من العلاقة النموذجية التي ظل يبحث عنها مع نساء أخريات. ومن دون أي انتقال، انتقل إلى موضوع آخر كان يشتكي منه مرارًا بأقسى العبارات: وهو أنه كان يُهان ويُضرب من الأولاد الآخرين حين كان صغيرًا.
كنت أعرف تاريخه معرفة جيدة، بما في ذلك واقعة واحدة دافع فيها عن نفسه بنجاح كبير ضد صبي أكبر منه بكثير. ولذلك كنت أعلم أن ما كان يمنعه عادة من الدفاع عن نفسه هو تثبيط داخلي، لا نقص جسدي من جانبه؛ وكان هذا التثبيط الداخلي يظهر أيضًا في سياقات أخرى، مثلًا عندما كانت أمه تتشاجر مع عمه، وهو سكير عنيف. وكانت أخت المحلَّل، وهي ليست أقوى منه، تحاول فضّ الشجارات المتكررة بين الأم والعَمّ، أما المحلَّل نفسه فكان غالبًا ما ينكمش في زاوية أو يهرب.
وكان من السهل عليّ أن أربط بين الموضوعين اللذين ظهرا من دون أي انتقال في هذه الجلسة: فالسبب الذي جعله يشعر عادة بأنه عاجز عن الرد على الأولاد الآخرين هو أنه كان يخجل مما كان يفعله مع أمه. فحتى وهو صغير جدًا كان يعرف أن ذلك يُعد «محرمًا» و«خطيئة»، وأنه، بمعنى ما، مجرم لأنه أخذ مكان أبيه في سرير أمه. وهذا جعله يشعر بأنه يفعل شيئًا خاطئًا وأنه يستحق أن يُسخر منه وأن يُعاقب من أي شخص وكل شخص.
كان لهذا التأويل أثر كبير عليه، لأنه تضمّن انقلابًا مهمًا في المنظور. فقد كانت الرؤية التي دافع عنها دائمًا من قبل هي أنه كان يشعر بالدونية أمام الأولاد الآخرين لأن والده مات وهو صغير ومن ثم لم يكن لديه من يدافع عنه. ولم يكن قد فهم قط لماذا يقف متفرجًا بينما كان عمه يهاجم أمه لفظيًا وجسديًا في نوبة سكر، وهو يشعر بالسوء طوال الوقت، رغم أننا كنا قد استكشفنا على الأقل احتمال أنه كان غاضبًا من أمه لأنها كانت شديدة وقاسية وانتقادية معه، وأنه كان يسرّ سرورًا خفيًا، على نحو ما، لأن عمه كان يعاقبها. ومع ذلك، فإن ذلك التفسير المعقول لم يترك أثرًا دائمًا كبيرًا فيه. أما هذا التأويل الجديد، المبني على التقارب الزمني داخل الجلسة لموضوعين بدا أنهما غير مرتبطين، فقد جلب معه منظورًا جديدًا: إذ شعر أن كلاً منه وأمه مجرم بسبب سلوكهما السفاحي، وأن كليهما يستحق أي عقاب ينالانه. فهي تستحق أن يعاقبها عمّ الصبي، وهو نفسه يستحق أن يعاقبه أي متنمر محلي يهوى ضربه.
وهنا كان نوع الربط الذي يقوم عليه التأويل يتمثل في إقامة علاقة سببية بين فكرتين مختلفتين أو بين جانبين من حياة المحلَّل. ففي حالة هذا المحلَّل تحديدًا، كان يسمح لنفسه عادة بأن يُضرب لأنه كان يعتقد نفسه مجرمًا؛ وكان يظن أن يديه مغلولتان عندما يواجه متنمرين لأنه شعر أنه يستحق العقاب على خطاياه. وبصورة أعم، كان يشعر أن عددًا كبيرًا من الناس في حياته الراشدة كانوا ينتظرون فرصة للتنمر عليه، لا شك لأنه استمر، وهو بالغ، في الانخراط في أنشطة ربطها بسلوكه الجنسي الإجرامي مع أمه. وكان يشعر أنه يتعرض لهجوم دائم - بل إن موقفه الحاكم في الحياة كان موقف مجرم قلق على الدوام من أن تفضح جرائمه وأن يعجز عن الدفاع عن نفسه من العقاب عليها. وكان يريد أن يواصل الخطيئة وأن يُعاقب عليها (أي أن يُخصى) في الوقت نفسه. وحتى مع تقدمه في العمر واستمراره في سلوكه العابر للحدود (وكان قريبًا من سن التقاعد حين بدأ العمل معي)، كان يطارده التفكير في أن الرجال الآخرين يعتزمون فضحه ومهاجمته. وبقدر ما يبدو قول ذلك مضادًا للحدس، فإن إشباعه الأساسي وعدم إشباعه في الحياة - أي jouissance الأساسية لديه - كانا، على ما يبدو، يدوران حول: 1) انتهاك المحرمات والآداب الجنسية، و2) الخوف من العقاب على ذلك (وهو، كما يخبرنا فرويد، يعني تمني العقاب). وكان موضعه الذاتي يبدو متضمنًا تحدي الآخر أن يعاقبه كما كان يخاف، وكما كان يؤمن، أنه يستحق.
وطبعًا، لا يهدف كل تأويل - سواء صنعه المحلِّل أو المحلَّل أو الاثنان معًا - إلى موضع المحلَّل الذاتي الجوهري في الحياة بهذه المباشرة، حتى لو كان يهدف في الاتجاه نفسه تقريبًا. فبعض أبسط أنواع التأويلات يقيم صلات بين موضوعين يُطرحان في جلسة واحدة، لكنهما يبدوان غير مرتبطين بعضهما ببعض. وكما يخبرنا فرويد (1958a، ص 247) أن هناك صلة منطقية ما بين مشهدين في حلم يتبع أحدهما الآخر مباشرة، وأن علينا نحن أن نحدد ما هي تلك الصلة لأن الأحلام نفسها نادرًا ما تخبرنا بها، فكذلك فإن موضوعين يظهران واحدًا بعد الآخر في جلسة ما يكونان، في أحيان كثيرة جدًا، مرتبطين على نحو غامض.
فالتجاور - أي قرب موضوعين من بعضهما في الزمن أثناء الجلسة - شيء يجب فك شفرته. وهذا جزء من مفارقة التداعي الحر: فعندما نشجع المحلَّل على أن يقول ما في ذهنه ببساطة، فإنه غالبًا ما يقول الشيء التالي الذي يخطر بباله مباشرة. ورغم أنه يبدو له غير مرتبط، لأنه كان «تداعيًا حرًا»، فلا شيء أقل حرية منه (كما يخبرنا فرويد). دعوني أحاول أن أوضح كيف يسمح تأويل موضوعين يبدوان غير مرتبطين، يجيء أحدهما مباشرة بعد الآخر، بتحديد موضع الذات ولو جزئيًا.
كان أحد المحلَّلين الذين يعانون من مشكلات انتصاب يروي لي ما اعتقد أنه أول مرة واجه فيها مشاكل في الحصول على الانتصاب والحفاظ عليه. ودخل في قصة طويلة متكلفة، ثم أدلى بملاحظة عرضية، كأنه يغيّر الموضوع، عن ملصق رآه في غرفة سكن طالبة خلال سنته الأولى في الجامعة، ولم يسبق له أن ذكره من قبل. وكان الملصق يصور رجلًا وسيمًا عاري الجذع مفتول العضلات، وكتب عليه: «الرجل الصلب سهل العثور عليه». وعلّق المحلَّل بأنه استنتج حين رأى الملصق أن «هذا هو ما تريده النساء حقًا».
وكان قد بدأ قبل سنوات عدة من سنته الجامعية الأولى في رفع الأثقال من أجل امتلاك «جسد صلب». لكنه، منذ رؤيته الملصق، توقف عن رفع الأثقال وتوقف عن أن يصير صلبًا مع النساء. وكنا قد ناقشنا في جلسات سابقة احتمال أنه كان، بطريقة ما، مصممًا ألا يمنح النساء ما يردنه، تمامًا كما كان مصممًا على إحباط طلبات أمه ورغباتها. وقد وافق على أن شيئًا من هذا القبيل كان يجري، لكنه لم يستطع أن يفهم كيف أو لماذا، فبقي الأمر لديه مجردًا إلى حد ما. وفي هذه الجلسة تمكّنا من أن نثبت بثقة معقولة أنه رأى هذا الملصق قبل وقت قصير جدًا من أول مشكلة لديه في الحصول على انتصاب والحفاظ عليه لا صلة له بالكحول. وبما أنه كان يظن الآن أنه يعرف تمامًا ما تريده النساء، فقد صار يعرف تمامًا كيف لا يعطيهن إياه! ومن ثمّ، فقد اتضح أن السبب المباشر لمشكلاته الانتصابية هو رغبته في حرمان النساء من شيء ما، وفي خيبتهن، وفي أن لا يكون ما ظن أنه يردنه منه. أما لماذا كان يرغب في ذلك فكان سؤالًا أوسع بكثير، لكن كان قد اتضح على الأقل مسار معين. وقد سمح القول العرضي عن الملصق بإقامة صلة بين ما يسمى عجزه الانتصابي وبين المتعة التي كان يجدها في إحباط النساء وخيبتهن، وهما أمران بدا أنهما يذهبان إلى صميم موضعه الذاتي في الحياة. وكان يفضّل أن يتخلى عن jouissance الجنسية مع النساء اللاتي يواعدهن - ويحتفظ بها للاستمناء على المواد الإباحية في الإنترنت - كي يحصل على نوع آخر من jouissance، وهو فرح لا يُصرَّح به في جعل النساء تعيسات.
سأنتقل الآن إلى ما يُعد، عند كثيرين، أكثر ابتكارات لاكان إثارة للجدل في التقنية التحليلية النفسية. فخلافًا لأي محلِّل آخر في عصره، أوصى لاكان بأنه بدلًا من مواصلة الجلسة بعد أن يقول المحلَّلون شيئًا يبدو شديد الأهمية، ومن ثم يدفنون عبارة ثقيلة تحت أشياء قد تكون أقل أهمية بكثير، ينبغي أن نوقف الجلسة أو «نقطّعها» مباشرة بعد الصياغة المهمة (وهذا ما يجعل المحلل يدير جلسات متفاوتة الطول). ففي النهاية، نحن نتذكر أفضل ما قلناه نحن أنفسنا أخيرًا، تمامًا كما نتذكر أفضل ما قاله آخر متحدث في سلسلة أو الجزء الأخير من خطاب سياسي.(16) وبدلًا من المخاطرة بأن ينسى المحلَّل ما يبدو مهمًا جدًا، كان لاكان يريد منا أن نوقف الجلسة عند ذلك الحد. وحتى لو لم يتذكر المحلَّل بوعي أين انتهينا عندما نلتقي في المرة التالية، فإن القطع قد أدى عمله، لأنه يكون قد فكّر فيه خلال الفترة الفاصلة في العادة، وغالبًا ما يكون قد أثر في أحلامه أو أحلام يقظته، حتى لو لم يكن يريد التفكير فيه. وبعبارة أخرى، يكون قد أثر فيه، وترك أثرًا في لاوعيه، حتى لو لم يعد يتذكره.
وبدلًا من أن أحاول هنا أن أبرر تقنية وُوجهت بقدر كبير من الاستنكار،(17) سأكتفي بتقديم مثالين مختصرين على نوعين مختلفين من القطع: إنهاء الجلسة عند صياغة لافتة بشكل خاص، وإنهاء الجلسة بعد حدوث انقلاب مهم في المنظور.
جاء مثال من عملي مع محلَّلة بعد مناقشة طويلة لحلم معقد ضم عددًا كبيرًا من الناس في حياة المحلَّلة، وكان فيه غموض كبير حول ما إذا كانت كل شخصية في الحلم ذكرًا أم أنثى. وأنهيت الجلسة عندما قالت المحلَّلة، التي كانت حتى بعد عامين من التحليل مترددة بشدة في الكلام عن الموضوعات الجنسية: «ربما أتمنى لو كان [زوجي] فتاة». وجاء هذا القطع بعد نحو 35 دقيقة من مناقشة الحلم، وقد قادها إلى أن تذكر في الجلسة التالية مباشرة أن شيئًا ما قد تغير في زواجها منذ بدء التحليل: فالجنس مع زوجها صار بالنسبة إليها أقرب إلى عبء وأشد نفورًا. وكان هذا شيئًا لم تكن قد التفتت إليه من قبل، فضلًا عن أن تصوغه بالكلام.
ويمكن أيضًا أن تكون الصياغة اللافتة، التي عند نطقها ينهي المحلل الجلسة، سؤالًا. فمثلًا، شكت محلَّلة عانت لسنوات طويلة من صداع نصفي، في جلسة، من أنها لا تتلقى أي اعتراف من زملائها، ولا من والديها أيضًا. غير أنها، وهي تتكلم، تذكرت أنها بدأت تتلقى بعض الاعتراف من أبيها، الذي كان شديد الانتقاد عادة، بسبب بعض النجاحات التي حققتها في مجالها، وكان ذلك تقريبًا في الوقت نفسه الذي بدأ فيه الصداع النصفي لديها. وأنهيت الجلسة عندما سألت بصوت عالٍ إن كان هناك أي رابط «بين حصولي على الاعتراف وبين صداعاتي؟» وربما كان الأمر، بالنسبة إليها، صداعًا كبيرًا أن تُعطى المسؤولية والسلطة وأن يُعترف بها بسبب ذلك. ولم تكن قد فكرت في هذا الاحتمال من قبل، وكان السؤال الذي طرحتْه هي نفسها قد قاد إلى عدة جلسات مثمرة.
أما مثال إنهاء الجلسة بعد انقلاب في المنظور، فإليكم الآتي. جاءني رجل للتحليل بعد أكثر من عشرين عامًا من العلاج والتحليل بأشكال مختلفة، لم تُوضَع خلالها أيّة موضع شك الاستنتاجات التي كان قد توصل إليها في طفولته عن أسرته. وخلال عام ونصف من التحليل معي، كان يكرر كثيرًا ادعاءه بأن أمه كانت شرسة وتريد النيل منه - رغم أن علاقته الحالية بها كانت عمومًا ودية، وغالبًا حتى حميمة. وكان مقتنعًا بأنها عاقبته بوحشية وهو طفل، لكنه لم يستطع أن يتذكر ما هو أسوأ من أن ألقت لعبة وضعها في بعض البراز. وكان يثور عليها في الجلسات، ومع ذلك لم تُظهر أي من أحلامه أو أحلام يقظته وجود أي ضرب أو جلد من قبلها أو من قبل أي شخص آخر في ماضيه. وعندما كنت أسأله إن كان يتذكر أمثلة على العقاب، كان يقول إنني أبدو وكأنني لا أصدقه؛ فبالنسبة إليه كان من الواضح أنه قد كبت ببساطة كل آثارها.
ومع ذلك، بدا أن شكواه الأرجح كانت أن أمه لم تمنحه اهتمامًا كافيًا قط. وفي يوم من الأيام بدأ يتحدث من جديد عن اقتناعه بأن أمه تريد قتله، فقلت إنه ينبغي على المرء أن يكون مهمًا جدًا لشخص ما حتى يريد ذلك الشخص أن يذهب إلى حد قتله. وكان مستعدًا بوضوح لسماع الدلالة، إذ خلص إلى شيء من قبيل: «إذًا أنت تقول إنني أريد أن أعتقد أنها تريد قتلي لأن ذلك يعني أنني مهم جدًا بالنسبة إليها». وقد جرى هذا الحوار في الدقائق الأولى من الجلسة، ثم عاد المحلَّل لاحقًا إلى موضوع كان قد ناقشه كثيرًا، وهو أنه كان يبدو دائمًا أنه يريد أن يرتبط بفتيات مفتولات العضلات. وكان تفسيره المعتاد لذلك أنه، بما أنه كان يشعر دائمًا بأنه ضعيف، وفق نظره هو، فإنه كان يحتاج إلى امرأة قوية تعتني به وتدافع عنه ضد العالم القاسي في الخارج.
وبالنظر إلى ما كنا قد ناقشناه في الجزء الأول من الجلسة، كان من السهل قلب تلك الصياغة: فقد كان في الحقيقة يحاول أن يُبقي على اعتقاده بأن امرأة ما تريد أن تهاجمه - فذلك كان سيعني أنه مهم بالنسبة إليها - وكان يشعر بأنه مضطر إلى أن يجد نساء مفتولات العضلات يظن أنهن قادرات على مهاجمته بنجاح. وأوقفتُ الجلسة بعد أن صغنا هذا الانقلاب في المنظور، بدلًا من أن أتركه يختفي وسط موضوع آخر، وقد أطلق ذلك سلسلة متتابعة من الآثار. فقد أدرك أن معنى أن يكون المرء محبوبًا بالنسبة إليه هو أن يكون محاصرًا. ورغم أنه كان يعتقد حتى ذلك الحين، وبثبات، أن النساء لا يحببن الرجال حقًا، بل إنهن يحببن فقط المال الذي يستطيع الرجال إعطاءه لهن، فقد شعر فجأة أن ثمة أملًا بالنسبة إليه، وأن الحب بين الجنسين قد يكون ممكنًا يومًا ما في مستقبله.
وفي الأسابيع التالية بدأ يتخيل ما سمّاه نساء محبوبات، طفوليات، على عكس النساء المفتولات، وبدأت مشاهد الرقة تظهر في أحلامه، بعد أن لم تكن تظهر من قبل إلا مشاهد العنف وصراعات القوة. وكانت الجلسات، على حد قوله، «مربحة جدًا»، واستمرت آثار انقلاب المنظور والقطع الذي رافقه في الإثمار مدة من الزمن.
وقد وقع انقلاب آخر في المنظور مع محلَّل عندما رأى حلمًا عن أن والده يُبقيه متأخرًا على مركب بحيث لا يستطيع الوصول إلى العمل. ناقشنا دور القوارب في حياة والده، لكن عبارة «يُبقيه متأخرًا» لفظيًا كانت هي التي دفعت إلى سلسلة طويلة من الارتباطات. فقد كان المحلَّل يصور نفسه دائمًا على أنه قد أُبقي متأخرًا بسبب كل شيء وكل أحد، وكان يشعر بأنه مخدوع ومظلوم في الحياة عمومًا. وتذكّر أنه أُبقي متأخرًا في المرحلة الإعدادية، وعندما بدأ يتحدث عن الظروف الفعلية لذلك، أشار إلى أن مدير مدرسته لم يكن في الواقع ألزمه بأن يبقى سنة إضافية، بل أوصى فقط بأن يبقى سنة أخرى. وكان المحلَّل نفسه سعيدًا بذلك، لأن أفضل أصدقائه كان متأخرًا عنه بسنة في المدرسة نفسها، وكان يستلذ فكرة أن يكون مع ذلك الصديق بدلًا من أن يواصل مع الطلاب في سنته هو والذين لم يكن يحبهم. وفجأة أدرك أنه هو نفسه شارك في أن يُبقي نفسه متأخرًا، وهو انقلاب كبير في المنظور بالنسبة إليه. وقطعت الجلسة عند هذا الحد، وفي الجلسات اللاحقة بدأ يتكلم عن كيف أنه كثيرًا ما شارك في إبقاء نفسه متأخرًا، وما زال يواصل إبقاء نفسه متأخرًا حتى اليوم.
وكما لا شك صار واضحًا الآن، يستحيل عرض أي حالة قطع واحدة من دون قدر كبير من السياق الذي حدثت فيه. غير أن هدف القطع غالبًا ما يكون واحدًا: إبقاء المحلَّل مركزًا على ما يبدو أكثر ما يكون إيلامًا أو صدمة أو راديكالية أو حيرة. والقطع أحد الوسائل التي نبلغ بها المحلَّلين ما نعدّه هو الأبرز، وفي بداية الجلسة التالية يعودون غالبًا جدًا إلى النقطة نفسها التي أنهينا عندها؛ وفي أحيان أخرى يظهر ما أنهيناه عنده في حلم يروونه في الجلسة التالية. ومع ذلك، ومن أجل التداعي الحر، يجب أن نسمح لهم بأن يطرحوا في الجلسة التالية ما يشاؤون طرحه، لكنهم كثيرًا ما يبدأون من تلقاء أنفسهم من المكان الذي قطعنا عنده. ولا مفر من أن بعض عمليات القطع تفشل أو لا تولد مادة جديدة إلا بعد مرور فترة أطول أو أقصر، لا على الفور. وكأي تقنية تأويلية، لا ينجح المرء دائمًا في العثور على الذهب.
وفي نظر لاكان، خلط عدد كبير من المحللين بين مفهوم فرويد للحياد - أي ألا يكون المحلل حكمًا معلنًا (أو حتى سرًا، على أمل) على أفكار المحلَّل ومعتقداته ورغباته وخيالاته - وبين نوع من فضيلة اللافعل، حيث لا يعود المحلل، خوفًا من توجيه المريض، يوجّه العلاج أصلًا (2006a، ص 490). غير أن مسؤولية المحلل هي أن يوجّه العلاج، وذلك بأن يحرص، كما فعل فرويد بلا شك، على أن يتكلم المحلَّل طويلاً عن الأشياء التي تعوقه أكثر ما يكون في الحياة. ومن خلال تشجيع المحلَّل على التأمل في الرغبات في الأحلام وأحلام اليقظة والخيالات، وعلى قطع الجلسات عند ما يعدّه المحللون أكثر النقاط أهمية أو استفزازًا أو حتى أكثرها حيرة، يسعى المحللون اللاكانيون إلى إبقاء العمل مركزًا - وإن كان على الطريقة التحليلية النفسية غير المنتظمة المعتادة - على النواة أو العقدة الجوهرية لمشكلات المريض في الحياة، بدلًا من السماح له بأن يقضي الحصة الكبرى من جلسة واحدة، فضلًا عن تحليله كله، في الكلام عن أمور قليلة الأهمية تحليليًا. ورغم أن المحللين لا يستطيعون، بطبيعة الحال، أن يعرفوا مسبقًا أي الموضوعات ستكون الأهم، فإنهم يعرفون بوضوح أن تجارب الطفولة والخيالات الجنسية والأحلام تميل إلى دفع العلاج إلى الأمام أكثر بكثير من الروايات المفصلة عن الحياة اليومية، بما فيها من صعود وهبوط صغيرين، مهما بدت هذه الروايات درامية أحيانًا في نظر المحلَّل.
فالتحليل لا يتطلب من المحلَّل أن يسرد كل ما جرى له خلال الأيام أو الأسبوع السابق للجلسة؛ بل إن مثل هذه الأحاديث كثيرًا ما تكون مشتتات عن العمل الأساسي للتحليل. والمحلون بالطبع بحاجة إلى معرفة قدر لا بأس به عن حياة المحلَّل اليومية، لكنهم لا يحتاجون عمومًا إلى سردها حدثًا بعد حدث. ويتيح القطع للمحللين أن يظلوا مركزين على العمل المهم للتحليل.
ولا يعني هذا أن المطلوب من المحلَّل أن يبقى على موضوع واحد مدة طويلة جدًا. فكما يدرك معظم المحللين، نادرًا ما يتحقق أي تقدم بمجرد محاولة التعامل مباشرة مع عرض أو خيال أو علاقة شديدة الإشكال. فالتحليل يتقدم غالبًا بالانتقال من موضوع إلى آخر، ربما مرتبط به، ثم العودة مرة أخرى، والدوران حوله والتعمق فيه في كل مرة أكثر فأكثر. وغالبًا ما لا يظهر جانب آخر من جوانب حياة المحلَّل إلا بعد أن يُستكشف جزء من الأرضية في أحد وجوه حياته، فتغدو أرضية أخرى قابلة للنظر، ويصبح جانب آخر من حياته مفتوحًا للنقاش. وهذا، في العادة، بعيد كل البعد عن أن يكون عملية خطية. بل هو، عمومًا، عملية ديالكتيكية، يمرّ فيها المحلَّل بعد أن يستكشف فترة معينة من حياته بتغيّر في اتجاه ما، ثم بعد استكشاف فترة أخرى من حياته يبدأ في التغير في اتجاه معاكس تمامًا. ولا يتبلور اتجاه حاكم واحد إلا بعد أن يستكشف الجزء الأكبر جدًا من تاريخه. وهذا التغيير هو ما نصبو إليه، لا صياغة سرد كبير عن حياته، ولا فهم نفسي من جانبه لأصل عصابه ودينامياته.
آمل أن يكون هذا العرض الموجز لبعض الفروق بين المقاربة اللاكانية والمقاربات المعاصرة الأخرى (ومزيد من المقارنة والتباين في موضوعات مثل الحياد والنقل والنقل المضاد والتطبيع وعلاج الذهان يمكن العثور عليه في Fink, 2007) قد أوضح أن، بالنسبة إلى لاكان:
1 لا يمكن للمحللين أن يملكوا وصولًا مباشرًا إلى خبرة المحلَّل: فهم لا يستطيعون أن يدركوا أفكاره مباشرة أو أن يشعروا بمشاعره، ناهيك عن أن يشعروا بما لا يشعر به هو؛
2 يجب ألا يكتفي المحللون بالارتباطات التلقائية التي يقدمها المحلَّل حول حلم أو حلم يقظة أو خيال، بل عليهم أن يعملوا بجد لاستثارة ارتباطات بكل أوجه هذه التكوينات اللاواعية (كما يسميها لاكان، 1998b) وأن يعيدوا تركيب الرغبات الواعية، وفوق ذلك الرغبات اللاواعية المضادة للحدس، التي دخلت في إنتاجها؛
3 يجب ألا يسمح المحللون لأنفسهم بأن ينزلقوا إلى اللافعل؛ فرغم أنهم لا يمكن أن يكونوا أبدًا على يقين تام ما اللحظة الأهم في الجلسة، فإنهم يستطيعون مع ذلك أن يفعلوا الكثير لتشجيع المحلَّل على أن يقضي معظم جلساته في الحديث عن موضوعات ذات أهمية تحليلية نفسية حقيقية، بدلًا من أن يراوغ الموضوعات الصعبة بل والصادمة أحيانًا، كما يميل إلى أن يفعل خلاف ذلك.
قُدمت هذه الورقة - تحت عنوان «النقل والنقل المضاد في التحليل النفسي اللاكاني» - إلى مركز سان فرانسيسكو للتحليل النفسي في 12 مايو 2008، بدعوة من ميتشل ويلسون، دكتور في الطب. ونُشرت في The Psychoanalytic Review, 98(6) (ديسمبر 2011)، 843–69.
1 يفضّل كثير من الكتّاب عبارة «الآخر الكبير» لما أشير إليه هنا بعبارة «الآخر بحرف O كبير» (لاحظ أن لاكان يستخدم le grand Autre وl’Autre avec un grand A على نحو متبادل). لكن عبارة «الآخر الكبير» في الإنجليزية تستدعي، في ذهني، لا محالة «الأخ الأكبر» الأورويلي الشهرة، وهو ما أراه مؤسفًا ومضللًا؛ ومن هنا فضّلت عبارة «الآخر بحرف O كبير».
2 لا أزال على موقف لا أدريّ من قدراته الفنية، ولا أستطيع أن أقول ما إذا كان ينبغي له أن يتابع الفن أم لا - فلست حكمًا في مثل هذه الأمور، ولا أنا رأيت أعماله الفنية قط. وحتى لو ظننت نفسي حكمًا جيدًا في مثل هذه الأمور، أليست هناك أعداد كبيرة من الفنانين يُساء فهمهم ولا يُعترف بهم إطلاقًا خلال حياتهم؟ في رأيي، لا شأن للمحللين بأن يخبروا المحلَّلين أنهم جيدون في هذا وسيئون في ذاك، ومن ثم ينبغي أن يختاروا الأول بدلًا من الثاني. فالناس الذين ينصّبون أنفسهم حكامًا على أعمال الآخرين وقدراتهم ينتهون في الغالب إلى أن يبدوا حمقى جدًا.
وفي ما يخص الفنون الأدبية، قرأت مرة أن الكاتب الأمريكي الشهير جاك لندن تلقى 600 رفض من دور النشر قبل أن يبيع قصته الأولى، وأن أول كتاب للدكتور سيوس رُفض من 24 دار نشر مختلفة، وأن رواية جون غريشام الأولى رُفضت من 15 ناشرًا و30 وكيلًا أدبيًا، وأن Roots لأليكس هيلي رُفضت من 200 محرر مختلف - والقائمة تطول وتطول، وينبغي أن تكون درسًا متواضعًا لكل من يتصدى للحكم على جودة إنتاج فني لشخص آخر أو قابليته للبيع.
3 في بعض الحالات، قد نخرج عن المسار عندما نعتمد بهذه الطريقة على الإنجليزية المنطوقة، لأن المحلَّل قد لا يعرف التعبير الذي نشير إليه؛ وهذا يوحي بأنه قد لا يكون ثمة قدر من العبارة التي سمِعناها فيه بقدر ما سمعناه نحن، وأن علينا أن نتخلى عنه. ولو كنا نحن أنفسنا قد قلنا مثل هذا الشيء، ربما لكان المعنيان مقصودين بطريقة ما، لكننا لم نكن نحن من قاله. فالإنجليزية المنطوقة كما نعرفها نحن والإنجليزية المنطوقة كما يعرفها المحلَّل لا تتطابقان تمامًا أبدًا.
ومع ذلك، يمكن للمحلَّل والمحلِّل كليهما أن يحتكما إلى جميع المعاني المتفق عليها بينهما، سواء أكانت مجازية أم حرفية، مما يقوله الطرف الآخر مما تسمح به الإنجليزية: فكان بإمكاني أن أقترح على المحلَّل المذكور آنفًا أنه، رغم اعتقاده أنه يحتاج إلى التخلي عن عمله الفني كلية، فإن شيئًا فيه يشعر أن العمل الفني هو ما يحتاج إليه كي يعيش؛ وكان بإمكانه هو أن يصر على أنه عندما قلت له شيئًا مثل: «أرجوك ذكرني بمواعيد عطلتك عندما نقترب أكثر»، فإنني كنت أشير إلى قرب علاقتنا لا مجرد القرب الزمني.
4 يُشار أحيانًا إلى «النظام الرمزي» أيضًا، على نحو زائد بعض الشيء، بوصفه «الآخر الرمزي».
5 كما يقول لاكان (1988a) في الدرس الأول، «إن الإيماءة البشرية أقرب إلى اللغة منها إلى كونها مظهرًا من مظاهر النشاط الحركي» (ص 255، مع تعديل الترجمة). وهذه قائمة قصيرة بكتب تبيّن كم تختلف الإيماءات البشرية - سواء كانت يدية أو وجهية أو جسدية - باختلاف الثقافات:
• Italian Without Words، لدان كانغلوسي وجوزيف ديلّي كاربيني
• The French Way: Aspects of Behavior, Attitudes, and Customs of the French، لروس ستيل
• Body Language in Business: Decoding the Signals، لأدريان فرنهم وإيفغينيا بيتروفا
• Cultural Intelligence: Living and Working Globally، لديفيد سي. توماس وكير إنكسون
• Understanding Cultural Differences: Germans, French and Americans، لإدوارد تي. هول وميلدرد ريد هول
• Gestures: The Do’s and Taboos of Body Language Around the World، لروجر إي. أكستل
6 ويزداد هذا الانسجام أيضًا مع الزمن، بطبيعة الحال، كلما تعرف المرء إلى كل محلَّل على حدة معرفة أفضل فأفضل.
7 جعل كتاب مسلسل Frasier اللطيفون فريزر كرين، طبيب الراديو النفسي، يتباهى بـ«موهبته الموهوبة من الله في الحدس»، ثم أظهروه وهو مخطئ تمامًا في حدوسه المزعومة في كل مناسبة تقريبًا (انظر خصوصًا الحلقة المعنونة «Can’t Buy Me Love»).
8 انظر نقدي المفصل لـ«التماهي الإسقاطي» (Fink, 2007، ص 165–88).
9 يمكن التعبير عن ذلك على نحو أكثر تقنية بالقول إنه لا توجد صلة مباشرة بين a و a´ - أي بين المحلل والمحلَّل بوصفهما أناين. وفي الواقع، يقدم لاكان (2006a، ص 53) نموذجًا من أربعة أطراف، يكون فيه الآخر ولاوعي المحلَّل (المكوِّنان معًا «المحور الرمزي») عائقًا أمام أي صلة مباشرة من هذا النوع. ولاحظوا كم يختلف هذا عن «الثالث التحليلي» عند أوجدن (Ogden, 1999)، الذي يوجد بالفعل داخل المحلل، حتى لو كان قد تشكل، نظريًا، بفعل التحليل.
10 ولم يكن وينيكوت (1965، ص 50–51) بالطبع يؤمن بنوع من الالتحام العقلي الفولكاني بين المحلل والمحلَّل، بل قال بدلًا من ذلك:
من المهم جدًا … ألا يعرف المحلل الأجوبة إلا بقدر ما يعطيه المريض الدلائل. فالمحلل يجمع الدلائل ويصوغ التأويلات، وكثيرًا ما يحدث أن يعجز المرضى عن إعطاء الدلائل، وبذلك يتأكد أن المحلل لا يستطيع أن يفعل شيئًا. وهذا التحديد لقدرة المحلل مهم للمريض.
11 انظر سبينوزا (1994، ص 188): «الرغبة هي ماهية الإنسان بعينها، بقدر ما تُتصور بوصفها محددة، من أي انفعال منها، إلى القيام بشيء ما».
12 كما قال لاكان (2006b، ص 198):
ما يوجّهنا عندما نفسر حلمًا ليس بالتأكيد سؤال: «ماذا يعني ذلك؟» وليس أيضًا: «ماذا يريد [المحلَّل] أن يقول بذلك؟» بل هو: «ماذا يريد [الحلم]، أو الهو، وهو يتكلم؟» فهو، على ما يبدو، لا يعرف ما يريد.
وأشار أيضًا إلى أن صياغة الحلم لنا من قبل المحلَّل تؤدي إلى «جملة مُعاد تركيبها» (أي الفكرة المعاد بناؤها التي كانت تحتّ حلمه) وأننا نبحث فيها عن الفجوة أو خط الصدع حيث نرى شيئًا مشبوهًا، شيئًا لا يبدو على ما يرام تمامًا (qui cloche) - «ذلك هو الرغبة» في الحلم (ص 197).
13 كما يكتب فرويد (1955a، ص 180) في حالة رجل الجرذان:
بحسب النظرية التحليلية النفسية، قلتُ لرجل الجرذان إن كل خوف يقابله تمني سابق صار الآن مكبوتًا؛ ومن ثم كنّا مضطرين إلى الاعتقاد بالنقيض التام لما كان قد أكده. وهذا ينسجم أيضًا مع مطلب نظري آخر، وهو أن اللاوعي يجب أن يكون النقيض الدقيق للواعي.
14 إليكم مثالًا آخر: جاء شاب إلى معالج لأنه وجد نفسه شديد القلق 1) لعدة أيام بعد مسابقات فريقه الرياضي التي لم يؤدِّ فيها أداءً مثاليًا، و2) لعدة أيام بعد الامتحانات التي لم يؤدِّ فيها أداءً مثاليًا (بحصوله مثلًا على المركز الثاني من بين ثمانية، أو على A- بدلًا من A). لاحظوا أنه لم يشتكِ من أمر أكثر شيوعًا - قلق الأداء قبل المسابقات أو الامتحانات - بل فقط من القلق بعدها.
وتبيّن أن الشاب قال إنه انضم إلى هذا الفريق لإرضاء والديه، وأنه كان يسعى إلى الحصول على درجات جيدة في برنامجه الأكاديمي لإرضاء أمه التي كانت تريده أن يسير على خطاها المهنية. وقد بدا موقفه الملتبس من الرياضة واضحًا من حقيقة أنه في اليوم الذي استبعدت فيه الجامعة الفريق لتوفير المال، لم يمارس تلك الرياضة بعدها مرة واحدة؛ كما بدا موقفه الملتبس من مساره الأكاديمي واضحًا من حقيقة أنه «نسي» أن يسجل لاجتياز الاختبار المعياري المطلوب للقبول في برنامج الدراسات العليا الذي كان يفترض أنه يعمل للوصول إليه.
ويبدو أنه، على مستوى ما، لم يكن يريد حقًا أن يفوز بالسباقات أو أن يحسن أداءه في الامتحانات: لقد تمنى لاواعيًا أن يزعج والديه بدلًا من أن يرضيهما. وحين جاء ثانيًا أو حصل على A-، كان راضيًا عن نفسه، لكن ذلك لم يكن ينسجم مع صورته لنفسه بوصفه ولدًا جيدًا يحاول إرضاء والديه، ومن ثم لم يكن في وسعه أن يختبره بوصفه إشباعًا. وبعبارة أخرى، لم يكن الإشباع ليكون «متوافقًا مع الأنا». ومن ثم أُجبر هذا الإشباع على اتخاذ شكل مختلف: شكل القلق. وقد أكد هذا قول فرويد بأن القلق هو العملة العالمية للانفعال، أو، بصياغة أدق، «العملة المتداولة عالميًا التي يمكن أن يُستبدل بها أي دافع انفعالي أو يمكن أن يستبدل بها إذا خضع المحتوى التصوري المرتبط به للكبت» (1963a، ص 403–404). ويبدو أن المحتوى التصوري الذي خضع للكبت هنا كان الفكرة: «أريد أن أزعج أمي» أو، بعبارة أكثر عامية: «حاشا أن أرضي أمي، حاشا أن أمنحها مثل هذا الإشباع!»
وكما يقول فرويد (1963a، ص 409)، «إن أقرب ما يطرأ على [الانفعال] [المرتبط بفكرة تتعرض للكبت] هو أن يتحول إلى قلق»؛ وبعبارة أخرى، عندما نصادف القلق يمكننا عمومًا أن نفترض أن فكرة ما (فكرة تمني) قد كُبتت، وأن الانفعال المرتبط بها، بغض النظر عن نبرته الأصلية، قد تحرر وصار غير قابل للتعرّف. وكان لتحويل اللذة إلى قلق ما بعد المنافسة فائدة ثانوية غريبة، إذ أتاح للشاب فرصة أن يشكو لوالديه - وأن يجعلهما يدفعان ثمن العلاج بسببه - من الشيء نفسه الذي منحه اللذة: أي القلق الذي نشأ بسبب تحديه لهما. ولربما عُد ذلك شكلًا جيدًا من «المكسب الثانوي»!
15 «[إن] انفعالات [العُصابيّين] تكون دائمًا مناسبة، على الأقل في كيفيتها، رغم أننا يجب أن نسمح بزيادة شدتها بفعل الإزاحة…. ويمكن للتحليل النفسي أن يضعها على الطريق الصحيح عبر الاعتراف بأن الانفعال … مبرَّر، وعبر البحث عن الفكرة التي تخصه لكنها كُبتت واستبدلت ببديل» (Freud, 1958a، ص 461).
16 وبالمثل، فإن مهمة غير منتهية تشغل الذهن غالبًا أكثر بكثير من مهمة منتهية (ويُعرف هذا في علم النفس بـ«أثر زيغارنيك»).
17 أناقش مبرر الجلسة ذات المدة المتغيرة بتفصيل في Fink (2007، الفصل 4).
الفانتازيا، في الواقع، أمر مزعج إلى حد كبير، لأننا لا نعرف أين نضعها، بسبب أنها تقف هناك ببساطة، مكتملة في طبيعتها بوصفها فانتازيا، ولا تملك من الواقع إلا واقع الخطاب، ولا تنتظر شيئًا من قدراتك؛ بل إنها تطلب منك، على العكس، أن تصفّي الحساب مع رغباتك أنت.
يستعمل لاكان مصطلح «الفانتازمات الأساسية» منذ السيمينار الأول، Freud’s Papers on Technique (1953–54)، حيث يبدو بوضوح شديد أنه مستند إلى ميلاني كلاين أو مقتبس منها (لاكان، 1988a، ص 17). غير أن هذا المصطلح، في رأيي، لا يبلغ تمامه إلا حين يصوغ المعادلة أو المتاتيم (◊ a)، التي تظهر لأول مرة بعد نحو أربع سنوات، في السيمينار الخامس، Les formations de l’inconscient [«تشكيلات اللاوعي»] (1957–58).(1) وقد جرى تفصيل الفانتازم الأساسي على نطاق واسع في السيمينار السادس، Le désir et son interprétation [«الرغبة وتأويلها»] (1958–59)، وفي سيمينارات لاحقة كذلك. أما أول مناقشات لاكان المكتوبة له فترد في مقالته من عام 1958 «Direction of the Treatment» (لاكان، 2006a، ص 614 و637).
في الأسابيع التي سبقت إدخال متاتيم الفانتازيا في السيمينار الخامس، يناقش لاكان (1998b، ص 303) ميلاني كلاين، ويذكر مفهومها للفانتازيا (phantasy بالـ ph) من غير أن يتبنّاه قط. ولتوضيح موقف لاكان من مفهوم phantasy (بالـ ph)، وهو مفهوم تتبناه بعض التحليلات الفرنسية الأخرى، سأقدّم هنا ترجمتي الخاصة لبعض المقاطع من ذلك السيمينار:
في نظر كلاين، [...] يبدو أن التمرّن الكامل للذات على الواقع، إن جاز التعبير، يُعَدّ منذ البدء ويُسند بالتركيب الهلوسي والفانتازي للأشياء الأولى - المصنفة إلى أشياء جيدة وأخرى سيئة - بقدر ما تنشئ علاقة أولية بدئية ستحدد السبل الرئيسة التي ستتصل بها الذات بالواقع طوال حياتها. وهي تبلغ من ذلك إلى القول إن عالم الذات يتكون من علاقة غير واقعية جوهريًا بين الذات والأشياء، وهذه الأشياء ليست سوى انعكاس لدوافعها الأساسية.
هذا العالم من الفانتازيا* [يستعمل لاكان هنا المصطلح الإنجليزي الذي استخدمته كلاين]، بالمعنى الذي يُستعمل به هذا المفهوم في المدرسة الكلاينية، يتنظم، مثلًا، حول عدوانية الذات الأساسية، في سلسلة من إسقاطات حاجات الذات. وتحدث على سطح هذا العالم سلسلة من التجارب، أكثر أو أقل حظًا، ومن المرغوب أن تكون حظوظها وافرة بما يكفي. شيئًا فشيئًا يسمح عالم الخبرة، تبعًا لذلك، برسم خريطة معقولة لما هو، كما يقولون، قابل للتعيين موضوعيًا في هذه الأشياء، بوصفه مطابقًا لواقع ما، بينما تظل البنية [trame] الخاصة باللاواقعية أساسية على الإطلاق.
لدينا هنا ما يمكن أن نسميه بحق بناءً ذهانيًا للذات. ومن هذا المنظور، فإن الذات السوية هي، باختصار، ذهانٌ انتهى على نحو حسن، ذهانٌ انسجم، لحسن الحظ، مع الخبرة. وما أقوله لكم هنا ليس إعادة بناء. فالكاتب الذي سأناقشه الآن، وينيكوت، يعبّر عن هذه النقطة نفسها في نص كتبه بشأن استعمال الارتداد في العلاج التحليلي. فالذهان والعلاقة السوية بالعالم يُصرَّح في نصه بوضوح بأنهما متجانسان من حيث المبدأ.
تنشأ من هذا المنظور صعوبات عظيمة جدًا ...
(لاكان، 1998b، ص 215–16)
والآن، كما تشير الفقرة التالية في السيمينار، فإن الترجمة إلى الفرنسية التي يقترحها لاكان لمصطلح كلاين «phantasy» هي fantaisie، وهي كلمة تعني في الفرنسية شيئًا أقرب إلى الخيال المزاجي، أو الهَوَس، أو التخيل المترف، أو الفكرة المتخيلة.
يمضي لاكان في نقد مفهوم كلاين للفانتازيا بوصفه تصورًا خياليًا محضًا، أي بوصفه قائمًا على المحور التخيلي وحده، حيث لا تُلقى الأم إلا في أحد موقعين: الإشباع أو الإحباط، أي بوصفها موضوعًا جيدًا أو موضوعًا سيئًا. ولاكان يوافق على أن الأم تُلقى في سجلين مختلفين، لكنهما ليسا الخير مقابل الشر؛ بل هما الأم في مقابل رغبتها هي - رغبتها بوصفها رغبة في شيء آخر، أي بوصفها رغبة مشكّلة باللغة. ومن هذا المعنى، فإن نقده الضمني هو أن مفهوم الفانتازيا في عمل كلاين يحيل إلى المحور التخيلي وحده، في حين أن رغبة الأم تدخل، بوضوح، البعد الرمزي أيضًا.
المصطلح الفرنسي الذي يفضله لاكان بدلًا من fantaisie هو fantasme. وهو يقابل، في رأيي، في الإنجليزية كلمة fantasy بحرف f، ويتضمن المحورين التخيلي والرمزي معًا؛ لأن الفانتازيا، كما يفهمها لاكان، تكون فيها البنية التخييلية قد جرى بالفعل تحويلها أو تشكيلها أو الكتابة فوقها بواسطة الرمزي. وكما يقول لاكان (1998b) لاحقًا في السيمينار الخامس: «سأعرّف الفانتازيا [...] بوصفها التخييلي وقد أُدخِل في استعمال دالٍّ معيّن [usage de signifiant]» (ص 409).(2)
بحسب لاكان، يدخل العنصر الرمزي في الفانتازيا إلى الصورة في وقت مبكر جدًا من حياة الطفل، لأن أمه (أو القائم/ة الأول/ى على رعايته) كانت كائنًا ناطقًا منذ سنوات طويلة قبل ولادته، ولأن علاقتها بطفلها وبالأشياء التي يناديها الطفل مشكَّلة باللغة التي تشكّل عالمها، فتقطع هذا العالم إلى أشياء منفصلة قابلة للعزل. (لاحظ أن حتى المفاهيم الجسدية الأولية التي تدل عليها في الإنجليزية كلمات مثل “nipple” و“lap” و“loins” و“wrist” لا يكون لها في كثير من اللغات مقابل واضح.) يواجه الطفل هذه البنية منذ اليوم الأول، إن لم يكن داخل الرحم (in utero) أيضًا، حين تتحدث الأم إلى طفلها - على أي حال، قبل زمن طويل من أن يتمكن من فهم أي جزء منها، أو أن يوافق عليها، أو أن يستوعبها، أو أن يعيد إنتاجها في الكلام. وبعبارة أخرى، فإن واقعًا يتجاوز الأم وعلاقتها الجسدية البحتة بالطفل يُدخَل فورًا بفعل كون الأم نفسها كائنًا ناطقًا. فـاللغة، بوصفها ما يقع خارج الكائنين البشريين الحاضرين في لقاء الأم والطفل، تدخل منذ اللحظة التي تتحدث فيها الأم إلى طفلها. وهكذا يكون هناك ثلاثة أطراف حاضرة منذ البداية: الأم، والطفل، والآخر (باعتباره اللغة).(3)
نقد لاكان لكلاين هنا هو أنها لا تمنح التخيلي أولوية على الرمزي فحسب، بل إنها في الواقع تتجاهل البعد الرمزي كله في العلاقات الأولى للطفل بأمه. وقد لا يوافق الكلايينيون على تفسيره لعملها، لكن النقطة التي أريد التشديد عليها هنا هي أنه، باستثناء نصوص لاكان من أربعينيات القرن العشرين، حيث يعمل مفهومٌ ذو نزعة كلاينية للفانتازيا (phantasy بالـ ph)، فإن الفانتازيا بحرف f في عمل لاكان لا يمكن فهمها من دون إدخال البعدين التخيلي والرمزي معًا. بل إن جاك-آلان ميلر (1982–83) اقترح أن الأبعاد الثلاثة كلها يمكن العثور عليها في مفهوم لاكان للفانتازيا: فالبعد التخيلي يظهر في الطبيعة الصورية/المشابهة للصورة في الفانتازيا، بما في ذلك صورة جسد الآخر (a)؛ والبعد الرمزي يظهر في كون الفانتازيا غالبًا ما تتخذ شكل جملة مصوغة بمبتدأ وفعل ومفعول به؛ والبعد الواقعي يظهر في الطبيعة البديهية للفانتازيا، كما سنرى بعد قليل. وهذا ليس إلا امتدادًا لحقيقة أن لاكان يعتبر التحويل/النقل (transference) متضمنًا الأبعاد الثلاثة كلها؛ لاكان، 1988a، ص 112–13.
وينبغي ألا نغفل أنه حين قدّم لاكان لأول مرة متاتيمه الخاص بالفانتازيا، لم يكن قد طوّر بعد مفهوم الموضوع a بوصفه السبب الواقعي للرغبة، إذ إن الموضوع a لا ينتقل في إطار تصوره من التخيلي إلى الواقعي إلا ابتداءً من السيمينار السابع، The Ethics of Psychoanalysis (1959–1960)، والسيمينار الثامن، Transference (1960–1961). وعندما جرى إدخال متاتيم الفانتازيا في السيمينار الخامس (1998b، ص 311)، وُصفت الفانتازيا بأنها علاقة بين الذات والآخر الصغير (الذي يُكتب أيضًا petit a، من autre) أو الشبيه. ولاحظ أيضًا أنه حين أُدخل أول مرة المعين المعيّن (◊) بين الذات والموضوع، قال لاكان (1998b) إن المعين «يفرض ببساطة [...] أن كل ما هو على المحك هنا تحكمه العلاقة التربيعية [...] التي تقرر أنه لا توجد ذات محجوبة يمكن تصورها [...] لا تسندها العلاقة الثلاثية A a′ a″» (ص 316). وبعبارة أخرى، يمثّل المعين (poinçon) حقيقة أن كل ذات تتحدد بكامل مخطط L (انظر الشكل 3.1)، أي بكل رؤوسه الأربعة التي تنطوي على المحورين التخيلي والرمزي (ولكن لا تنطوي على a بوصفه واقعيًا).
الشكل 3.1 مخطط L (مبسّط)
وهذا، على نحو واضح، ليس إلا مسودة أولى؛ فبعد بضعة أشهر فقط، يكتب لاكان (2006a، ص 634) في هامش لمقالة «Direction of the Treatment» أن «العلامة ◊ تسجل علاقات الاحتواء-الاسترسال-الاقتران-الانفصال». ومع ذلك يظل مخطط L حاضرًا بصورة مركزية في رسوم لاكان الخاصة بفانتازيا سادي في «Kant with Sade»، المكتوبة عام 1962 (لاكان، 2006a، ص 774 و778). ثم إنه، في السيمينار الحادي عشر، The Four Fundamental Concepts of Psychoanalysis (1964)، يشير إلى أن المعين يمكن فهمه بوصفه إحالة إلى عمليات الاتحاد والتقاطع في نظرية المجموعات وإلى العمليات التحليلية الخاصة بالاغتراب والانفصال.(4)
ولأضف ملاحظة تمهيدية أخرى تتعلق بالمصطلح: لاكان يمضي وقتًا طويلًا في تفصيل مفهوم الفانتازم الأساسي ووضعه على مخطط الرغبة (لاكان، 2006a، ص 817) في السنوات الممتدة بين 1958 و1960، لكنه يختصر المصطلح سريعًا جدًا من «الفانتازم الأساسي» إلى مجرد «الفانتازم». والمصطلح الذي نجده غالبًا بعد ذلك هو ببساطة «le fantasme»، متضمنًا أداة التعريف، وهذا، في رأيي، ليس أكثر من اختصار لعبارة «الفانتازم الأساسي». وفي الواقع، نادرًا جدًا ما يتحدث لاكان عن أي نوع آخر من الفانتازيا. فمناقشات أحلام اليقظة وفانتازيات الاستمناء نادرة جدًا في عمله، إلا إذا كان يعلّق على عمل محلل آخر.(5)
تكمن ضمنًا في فكرة أن لكل شخص فانتازمًا أساسيًا، فكرةُ أن جميع الفانتازيات الخاصة التي قد يملكها الفرد - بما في ذلك بالطبع أحلام اليقظة وفانتازيات الاستمناء، لكن أيضًا سائر أنواع المشاهد التي تومض في ذهن الشخص وقد يصفها بطرق مختلفة، بوصفها أفكارًا اقتحامية أو لقطات أو مسودات أو حوارات أو مشاهد أو جملًا تطرأ أو تنبثق خلال زمن قصير جدًا - إنما تنبثق كلها، تقريبًا، من البنية نفسها، أي من فانتازم أساسي يحدد أقدم علاقة للذات بالآخر، وأساس موقفها إزاء الآخر.
ومن ثمّ فإن كثرة الأفكار الاقتحامية والمشاهد وأحلام اليقظة وفانتازيات الاستمناء لدى أي ذات تُفهم عند لاكان بوصفها تبديلات على الفانتازم الأساسي، وتعرض في العادة أحد أوجه ذلك الفانتازم الأساسي. وبصياغة أخرى، فإن تلك الأفكار الاقتحامية والمشاهد وأحلام اليقظة وفانتازيات الاستمناء التي لا تُحصى تُختزل نظريًا إلى فانتازم «واحد» أساسي.
غير أن هذه الوحدانية المفترضة للفانتازم الأساسي موضعُ تساؤل إلى حد ما بسبب صياغة فرويد (1955d) في مقاله لعام 1919 المعنون «A Child Is Being Beaten» - والذي، بالمناسبة، يعتبره لاكان (1998b) «رائعًا تمامًا»، ويقترح أن «كل ما قيل بعده [من محللين آخرين] لم يكن سوى فُتات أو هباء» (ص 230). ففي مقال فرويد لا يتضح بالضبط ما ينبغي أن نعدّه الجزء الأكثر أساسية من فانتازيا الضرب التي يرسمها لنا، والتي تنطوي على ثلاث مراحل:
الفانتازيا الذكورية (وفقًا لفرويد)
المرحلة الأولى: أنا محبوب من أبي.
المرحلة الثانية: أنا أُضرب من أبي.
المرحلة الثالثة: أنا أُضرب من أمي.
في مقاله، يقترح فرويد أنه، وإن كانت الصياغة الثالثة هي التي تظهر في ذهن المريض - في صورة فكرة اقتحامية أو فانتازيا - فإن المرحلة الثانية، التي تكاد لا تُتذكر أبدًا، هي الأكثر «خطورة» أو «أهمية حاسمة». ومع أن فرويد يصرّح بأن هذه الصياغة الثانية ليست إلا «بناءً تحليليًا» (1955d، ص 185)، فإنه يبدو أنه يعتبرها الأشد حسمًا لأنها الأكثر تعرضًا للكبت. وفي ما يسميه «الفانتازيا الذكورية» - وهي ليست معروفة بالقدر نفسه الذي نعرف به المراحل الثلاث لـ«الفانتازيا الأنثوية» التي يناقشها قبل ذلك في المقال (ويركّز لاكان تقريبًا حصريًا على النسخة الأنثوية من الفانتازيا في مناقشته في السيمينار الخامس) - يمثّل الضربُ المحبةَ. وهذه واحدة من أكثر أنواع الإزاحة أو الإخفاء شيوعًا التي يزخر بها اللاوعي، كما يظهر مثلًا في ما يسميه فرويد «عمل الحلم»: قلبُ الشيء إلى نقيضه.
قد تكون المرحلة الثالثة من الفانتازيا الذكورية واعية أحيانًا، ولذلك لا يعتبرها فرويد (1955d، ص 198) «أولية». وعلى المحلل الذي يقدَّم له من قِبل محلَّل عليه فانتازيا الضرب من أمه أن يعمل، من الناحية المفهومية، إلى الخلف من المرحلة الثالثة إلى الثانية، التي تُستحصل بتغيير جنس الوالد الذي يقوم بدور الفاعل (فتتحول الأم إلى الأب، بحيث تصبح المرحلة الثالثة «أنا أُضرب من أمي» هي المرحلة الثانية «أنا أُضرب من أبي»)، وهذه المرحلة تكاد تبقى دومًا لاواعية. وإذا واصلنا الرجوع مفهوميًا إلى الخلف، فسنصل إلى ما يسميه فرويد «الصيغة الأصلية للفانتازيا الذكورية اللاواعية»، أي المرحلة الأولى، التي تُستحصل بقلب الضرب إلى محبة (فتصبح المرحلة الثانية «أنا أُضرب من أبي» هي المرحلة الأولى «أنا محبوب من أبي» أو، بصيغة أشيع، «أبي يحبني»). ويُفترض أن المرحلة الأولى قد أضحت متخفية في المرحلة الثانية لأن الحب المنشود من الأب كان ينطوي على رابط حسي و/أو شهواني وثيق، وكانت هذه الرغبة تُعد، من منظور الأنا الأعلى للطفل أو ضميره، أمرًا مستهجنًا أو غير متوافق مع علاقة الطفل بأمه و/أو بأفراد الأسرة الآخرين، ولذلك جرى كبته.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: أي مرحلة، إن وُجدت، ينبغي أن توصف بأنها الفانتازم الأساسي؟ أهي ما يسميه فرويد «الصيغة الأصلية للفانتازيا الذكورية اللاواعية»، أي المرحلة الأولى: «أنا محبوب من أبي»؟ أم هي ما يسميه المرحلة الأكثر «أهمية حاسمة» من الفانتازيا، أي المرحلة الثانية: «أنا أُضرب من أبي»؟ فالمرحلة الأولى، في نهاية الأمر، هي شيء يستطيع المحلَّل عليه، وإن لم يكن فورًا، أن يتعرف عليه بوصفه رغبة، أي رغبة في أن يُحَب من أبيه، وفقًا لفرويد.
وقبل أن أحاول الإجابة عن هذا السؤال، اسمحوا لي أن أقترح أن المرحلة الأولى من فانتازيا ذكورية أخرى نموذجية عن الضرب هي، كما رأيتها في ممارستي السريرية الخاصة، الرغبة في أن يُحَب المرء من أمه.(6) وقد تتخذ هذه الرغبة، بوضوح، شكل الرغبة في أن تغوي الأمُ ابنَها أو أن يغويها هو، أو الرغبة في أن تستدرجه إلى علاقة حب أو علاقة شهوانية وثيقة، أو أن يستدرجها هو إلى مثل هذه العلاقة. أما المرحلة الثانية (انظر أدناه) فيمكن، في هذه الحالة، فهمها لا بوصفها مجرد قناع لرغبة غير مقبولة أو مستهجنة من هذا النوع، بل أيضًا بوصفها دليلًا على النجاح في إغواء الأم أو في أن يُغوى المرء من أمه - والفكرة هنا أن الأب يضرب ابنه بسبب العلاقة غير المشروعة التي تربطه بأمه. ولعل عدد الأبناء الذين لديهم فانتازيا كهذه عن أنهم أغووا أمهاتهم أو أُغووا منهن أكبر بكثير من عدد الأمهات اللواتي يغرين أبناءهن فعليًا أو يتركن أنفسهن يُغوين منهم (وهذا يتوقف بالطبع على كيفية تعريفنا لـ«الإغواء»)، ولذلك فإن هذه الرغبة تبقى، في العادة، غير مشبعة في الحياة الواقعية.
الفانتازيا الذكورية (بعد تعديل)
المرحلة الأولى: أُغوى من أمي، أو أنجح في إغواء أمي (ويشهد أبي ذلك).
المرحلة الثانية: أُضرب من أبي (بسبب الإغواء).
المرحلة الثالثة: طفل يُضرب (غالبًا على يد شخصية ذكورية).
وتستمر الرغبة في المرحلة الأولى في المرحلة الثانية، لأن إرادة الأب في ضرب ابنه تثبت أن الأم كانت تريد أن تستدرج الطفل أو أن تستجيب لإغوائه، وقد فعلت ذلك بالفعل - فيُلام الابن من قِبل الأب على ذلك - أو لم تفعل بسبب تدخل الأب وحده. وبذلك تصبح العقوبة التي يوقعها الأب على الابن دليلًا له على حب أمه إياه.
إن هذا البناء لفانتازيا الضرب كما عاينته في خبرتي السريرية يشير، على وجه الخصوص، إلى الدرجة التي يمكن أن نجد عندها أحيانًا المشهد الأوديبي بأكمله داخل الفانتازم الأساسي؛ فمثل هذا الفانتازم يتضمن الأم بوصفها «الآخر الخاص بطلب الحب» (أي بوصفها الآخر الذي يتوجه إليه طلب الحب، والذي يتوجه هو نفسه بطلب الحب إلى الطفل) وكذلك الأب بوصفه «الآخر الخاص بالرغبة» - أي بوصفه الآخر الذي يضع قانون تحريم الزنا المحارم، فيُدخل الرغبة إلى الوجود (فلا يبدأ المرء، بالمعنى الدقيق، في رغبة شيء ما إلا حين يُقيد الوصول إليه أو يُمنع صراحة). بل يمكن فهم المرحلة الأولى هنا بوصفها تقابل نوعًا من المشهد البدئي المتخيَّل، حيث يتخيل الطفل أنه يغوي الأم أو يُغوى منها تحت أنف الأب مباشرة (وربما يتخيل نفسه في موضع الأب في مشهد جرى سمعه فعلًا أو تمت مشاهدته)، وبوصفها أيضًا توضيحًا لتعليقات لاكان حول العصاب الوسواسي في نصوص عديدة من Écrits، بما في ذلك «Function and Field» و«Direction of the Treatment» (وكذلك في السيمينار الرابع). فهو هناك يشرح الكيفية التي يعرض بها الوسواسي مشهدًا أو «يرتب ألعاب سيرك» (لاكان، 2006a، ص 630) بينه هو بوصفه أنا، وبين أمه بوصفها الآخر الصغير، أو a´، أمام متفرج، والمتفرج هنا هو الآخر (الأب في هذه الحالة)، وهو متفرج يتماهى معه الوسواسي على المستوى اللاواعي. ويمكننا وضع ذلك على مخطط L كما في الشكل 3.2.
الشكل 3.2 مخطط L للوسواسيين
بحسب لاكان، فإن الوسواسي يعرض كامل مخطط L ما عدا موضع الذات. فالمحور الرمزي هنا مقطوع، ومحروم من امتداده نحو موضع الذات، إذ تنهار موضعية الذات إلى موضع الآخر. وتُرفع رغبة الذات اللاواعية من اللعبة وتنسحب إلى موضع المتفرج. وعلى المحلل، بحسب لاكان (2006a، ص 304)، أن يجعل نفسه معترفًا به «في المتفرج، الذي لا يُرى من على الخشبة» - وفي هذه الحالة، في المتفرج الذي سيَسعى، بعد مشاهدة هذا العرض الخاص من الإغواء، إلى معاقبة الذات.
كما يقول لاكان (1994) في السيمينار الرابع: «النقطة هي أن نبرهن على ما صاغه الموضوع لهذا المتفرج الآخر الذي هو فيه، من غير علمه بنفسه» (ص 27–28). وبعبارة أخرى، ينبغي أن يُقاد الموضوع هنا إلى أن يتعرف إلى أنه، حين يدفع بأبيه أو بمن يقوم مقام الأب إلى معاقبته، فإنه يحاول أن يثبت شيئًا لنفسه.
سأقول شيئًا عما يحاول إثباته لنفسه في القسم التالي، لكن دعوني أشير أولًا إلى أن هذا لا يبدو أنه يحل المشكلة المتعلقة بمكان الفانتازم الأساسي نفسه هنا: أهو في المرحلة الأولى أم في المرحلة الثانية؟
ولتعقيد الأمور أكثر، ينبغي أن نلاحظ أن المرحلة الثالثة من الفانتازيا هي التي تثير غالبًا اشمئزاز المريض، وهي التي تمنحه ذلك القدر من اللذة المزعجة الذي نتوقعه من الفانتازم الأساسي. وتُستحصل هذه المرحلة الثالثة من المرحلة الثانية، في نموذج فرويد، عبر قناع إضافي، أو إزاحة مَجازية من أحد الوالدين إلى الآخر، من الأب إلى الأم؛ أما في الحالات التي عملت معها، فهي تُستحصل بالأحرى عبر إبقاء الفاعل غامضًا (مع أنه يكون، في العادة، شخصية ذكورية) وإزاحة موضوع الضرب، بحيث يكون الموضوع الجديد عادةً طفلًا يتماهى معه الذات على مستوى ما.(7)
ومن ثمّ نجد أنفسنا في وضع تكون فيه المرحلة الأولى هي الأكثر «أصالة» وتمثل، على ما يبدو، أقدم رغبة، أو الرغبة البدئية؛ وتكون المرحلة الثانية قد خضعت لأشد درجات الكبت؛ وتكون المرحلة الثالثة هي الأكثر إزعاجًا للذات حين تظهر في حلم أو فكرة اقتحامية أو مشهد يمر في ذهنها. وهكذا تبدو المراحل الثلاث جميعها وكأن لها حقًا في حمل اسم الفانتازم الأساسي، وربما ينبغي النظر إليها أكثر بوصفها وحدةً واحدة لا بوصفها ثلاث فانتازيات منفصلة.
ومع ذلك، فإن ما بدا أنه يكمن تحت بناء هذه الوحدة كلها في المحلَّل عليهم الذين عملت معهم كان الشكوى الأساسية من أن الذوات شعرت بأنها غير محبوبة أو محبوبة بقدر غير كافٍ من أمهاتها؛ فقد كانت غير واثقة من حب أمها لها. ويمكننا أن نفترض أن الذوات الذكورية في حالات فرويد شعرت بأنها غير محبوبة أو محبوبة بقدر غير كافٍ من آبائها. وبعبارة أخرى، يمكننا أن نقول إن ما هو أعمق من المرحلة الأولى أو الثانية أو الثالثة هو شعور المرء بأنه كان ضحية إهمال على يد أحد الوالدين.
وهذا، في الحقيقة، وجه مهم من الفانتازم الأساسي منذ البداية: فهو يسند رغبة الذات أو يدعمها في نوع من الإنكار أو الإزاحة لهذا الشعور بالضحْوية. يتيح الفانتازم للمرء أن يشعر بأنه لم يكن، في الواقع، ضحية إهمال أمه؛ بل كان محبوبًا منها إلى درجة أنه صار ضحية على يد أبيه (وبالامتداد على يد شخصيات سلطوية أخرى مثل أبيه). وما كان يحاول إثباته لنفسه، بجعل شخصيات الأب تعاقبه، هو أن أمه كانت تحبه حقًا وبصدق.
وإذا استطعنا، بمعنى ما، أن نقول إن الاعتقاد بالإهمال أو الشعور بالضحوية هو ما يكمن تحت بناء الفانتازيا أو ينهض به، بوصفه نوعًا من المرحلة الصفرية للفانتازيا، فإننا نستطيع أن نرى أن الضحوية تُزاح من المرحلة الصفرية إلى المرحلة الثانية، حيث يدخل الضرب إلى الصورة.
الفانتازيا الذكورية (تعديل ثانٍ)
المرحلة الصفرية: أمي لا تحبني بما يكفي: أنا ضحية إهمالها.
المرحلة الأولى: أُغوى من أمي (ويشهد أبي ذلك).
المرحلة الثانية: أُضرب - أي أُجعل ضحية - من أبي (بسبب الإغواء).
المرحلة الثالثة: طفل يُضرب (غالبًا على يد شخصية ذكورية).
وهذا ينسجم مع ادعاء لاكان في «العلم والحقيقة» بأن الذات، إذا كانت لها فانتازم أساسي، فإن ذلك يكون «بالمعنى الأكثر صرامة على أنه إقامة لواقع يغطّي الحقيقة (ويغطيها فوقها)» (لاكان، 2006a، ص 873). ومن ثمّ يمكن النظر إلى شعور الطفل بأنه غير محبوب، وأنه ضحية إهمال، بوصفه الحقيقة التي يغطيها بناء الفانتازيا. فالفانتازيا تغطي دائمًا حقيقة أساسية، وليس معنى ذلك أنها حقيقة موجودة «هناك» في «الواقع» - أي إن أصدقاء الطفل أو أقرباءه لن يوافقوا بالضرورة على أنه أُهمل أو لم يُحب بما يكفي من أمه (بل إن إخوته قد يرون أنه كان مدللًا على نحو مفرط لأنه كان المفضل لدى أمه)، كما لن يوافق على ذلك مراقبون خارجيون يفترضون أنهم موضوعيون. لكن ذلك لن يمنعه من أن يشعر بذلك! فالحقيقة التي تغطيها الفانتازم الأساسي هي حقيقة مؤسسة، مشكَّلة بتأويل الطفل الخاص لرغبة الآخر، أي بتأويله الذاتي لرغبات والديه. وعلى هذا النحو، فهي تشكّل الواقع النفسي للطفل.
كيف ينسجم هذا مع أطروحة لاكان في السيمينار الرابع عشر، La logique du fantasme [«منطق الفانتازم»] (1966–67)، القائلة إن الفانتازم الأساسي بديهية؟ لاحظ أن البديهية، في الهندسة أو في نظرية المجموعات مثلًا، ليست شيئًا ينبغي إثباته أو البرهنة عليه في ذاتها؛ ومع ذلك، وبالاقتران مع بديهيات وتعريفات أخرى، فإنها تولّد جميع العبارات المسموح بها داخل حقل معين. وفي الحقل الفرويدي، تبدو البديهية شيئًا يوجّه جميع أفعال الذات والطريقة التي ترى بها العالم بأسره.
إن الطبيعة البديهية للفانتازم الأساسي هي واحدة من الاستنتاجات القليلة التي يخلص إليها لاكان بشأن الفانتازم الأساسي في السيمينار الرابع عشر، وهو أحد تلك السيمينارات المراوغة التي يتحدث فيها لاكان عن أفكار شتى، ولا يصل إلى الموضوع المذكور في عنوان السيمينار إلا في الصفحات الأخيرة. ووفقًا للاكان هناك، فإن فانتازيا مثل «يُضرب طفل» تعمل، وإن كانت لها معانٍ قابلة للتحليل، بوصفها بديهية في طريقة المحلَّل عليه في رؤية العالم المحيط به. إنه يرى العالم من خلال عدسة هذا الفانتازم الأساسي.
ومغزى ذلك في الحالات التي عملت معها هو أن الذات تعود مرارًا إلى رؤية نفسها بوصفها ضحية لشخصيات ذكورية أكبر سنًا حولها، وكأنها «في مشكلة» أصلًا إزاء هذه الشخصيات، وكأنها قد ارتكبت أصلًا شيئًا خاطئًا وهي على وشك أن تُعاقَب عليه، حتى لو لم تستطع أن تقول ما هو الخطأ الذي ارتكبته.(8) وهذا يلوّن عالمها كله.
غير أنه لا ينبغي أن ننخدع فنظن أنه لمجرد أن فانتازمًا أساسيًا معينًا يعمل، قبل التحليل، بوصفه بديهية بالنسبة إلى الذات، فإنه يجب أن يواصل عمله بوصفه بديهية مع تقدّم التحليل. فالتحليل النفسي يُحدث أثرًا لا في فانتازيات المريض اليومية فحسب، بل في بديهياته أيضًا. ويبدو لي أنه يجب أن نكون حذرين وألا نستنتج بشأن أي فانتازيا معينة أنها فانتازيا إلى الأبد؛ بل إنني أميل إلى القول إن المحلَّل عليه، حين يكون قد أخرج معظم عناصر فانتازم أساسي، يكون ذلك الفانتازم قد بدأ بالفعل في التغيّر وفي إفساح المجال لشيء آخر. وهذه سمة معتادة في العمل التحليلي، حيث يكون المحلَّل عليه أكثر قدرة بكثير على أن يصوغ شيئًا لم يعد يملك عليه القيد نفسه، من قدرته على أن يصوغ شيئًا لا يزال في قبضته تمامًا.
ولكي أقيم تشبيهًا بين البنية النفسية وحقول أخرى، يمكننا أن نتذكر أن هناك هندسات متعددة ممكنة: فهناك الهندسة الإقليدية، وهناك الهندسات غير الإقليدية، وبديهياتها مختلفة. والأمر نفسه صحيح في نظرية المجموعات: فلا توجد نظرية مجموعات واحدة، بل نظريات متعددة؛ وقد دار جدل هائل منذ نشأة هذه النظرية بشأن أي البديهيات ينبغي قبولها فيها وأيها ينبغي رفضه. ويمكننا أن نقول، على نحو مبسط جدًا، إن عبور الفانتازيا أو إعادة تشكيلها يشبه تغيير البديهيات: فهو يقتضي أن يترك الموضوع وراءه هندسته الإقليدية لمصلحة شكل من أشكال الهندسة غير الإقليدية (أو بالعكس). ومن ثمّ فإن عبور الفانتازيا يستلزم انتقالًا في النظم، أي انتقالًا في المقدمات التي تسند طريقة المرء في رؤية العالم والتصرف فيه أو الامتناع عن التصرف. وفي الحالات التي كنت أناقشها، يستلزم ذلك تغييرًا في التأويل الذي صنعه الطفل لرغبة الآخر.
عندما نفترض [الفانتازم بوصفه رغبة الآخر]، نجد أن طرفي الفانتازم ينفصلان، إن جاز التعبير: الأول في حالة الوسواسي، بقدر ما ينفي رغبة الآخر، ويصوغ فانتازمَه على نحو يبرز استحالة محو الذات؛ والثاني في حالة الهستيري، بقدر ما لا تُسند الرغبة في الفانتازم إلا بواسطة نقص الإشباع الذي يجلبه الهستيري إلى الرغبة حين يفلت بوصفه موضوعها.
تؤكد هذه السمات حاجة الوسواسي العميقة إلى أن يكون ضامنًا للآخر، وخيانةَ الهستيري في المؤامرة.
—لاكان، 2006a، ص 824
لأعود قليلًا إلى الوراء، إلى إحدى عبارات لاكان الأقدم بشأن الفانتازم الأساسي، أود أن أذكّر بأنه في عام 1960، في «Subversion of the Subject»، يقرر لاكان (2006a، ص 824) أن الفانتازم هو رغبة الآخر. كيف يمكننا فهم هذا الادعاء في هذا السياق؟ من الواضح أنه بقدر ما تُعبَّر رغبة الآخر (بين السطور) في الكلام، فلا مرجع دقيق لها ولا دلالة ثابتة، ولذلك لا بد من تأويلها.
قد ينتابنا أحيانًا انطباعٌ بأن النظرية التحليلية النفسية تقول إن الطفل حين يُهمَل أو لا يلتفت إليه أمه بما يكفي فإنه يستنتج فورًا أن السبب هو اهتمام الأم بالأب، وفي النهاية اهتمامها بالعضو الذكري المرتبط بالأب، أي بالشيء الذي يشعر الطفل أنه لا يستطيع هو نفسه أن يقدمه لها.
وأرى هنا أن هذا ليس بالضرورة أول تأويل يصنعه الطفل، وليس بالتأكيد التأويل الممكن الوحيد. فهناك استنتاج آخر ممكن يوقف السعي إلى فهم ما الذي يملكه الأب ولا يملكه الطفل، والذي يجذب الأم إلى هذا الحد، وبالتالي يوقف تمامًا ترسيخ العضو الذكري بوصفه الدال على رغبة الأم. وبعبارة أخرى، لا يلزمني أن أستنتج أن أمي تفضل أبي عليّ لأنه يملك شيئًا لا أملكه؛ يمكنني أن أؤوّل رغبتها على أنها موجّهة حقًا إليّ، لكنها أُحبطت في مقصدها الحقيقي بسبب تدخل أبي.
فالمرحلة الأولى (في الفانتازيا الذكورية، التعديل الثاني) تقدّم إذن تأويلًا رغبيًا لرغبة أمي يكون مُرضيًا لي، كما تقدم المرحلة الثانية تأويلًا لرغبة أبي يكون مُرضيًا لي، وبصورة مضاعفة، لأنها تؤكد المرحلة الأولى - أي تؤكد أن رغبة أمي موجهة إليّ - وتقترح أن أبي يعترف بي بوصفى منافسًا جادًا على عطف أمي.
وعلى هذا النحو يمكن النظر إلى بناء الفانتازيا بوصفه تأويلًا لرغبة الآخر، جرى تفصيله بحيث يضفي عليها أفضل صورة ممكنة. وليس من المستغرب، ربما، أن بعض المرضى الذين لديهم فانتازيات ضرب كهذه يأتون إلى التحليل وهم يعتقدون أن التحليل سيساعدهم على تذكّر حادثة طفولة صادمة تفسر فانتازيات ضرب الأطفال هذه، أو مشهد بدئي تمت مشاهدته، أو إغواء حقيقي شاركوا فيه مباشرة. لكننا نرى هنا كيف يمكن أن تنشأ فانتازيات الضرب لا بوصفها النتيجة المباشرة لحدث أو أحداث صادمة، بل بوصفها نوعًا معينًا من تأويل رغبة الآخر.
وقد يُفهم هذا على أنه يؤكد ادعاء لاكان في «Subversion of the Subject» بأن الوسواسي يحتاج «إلى أن يكون ضامنًا للآخر» (لاكان، 2006a، ص 824)، لأنه هو نفسه يمنح رغبة الآخر هنا تماسكًا، رابطًا رغبات الوالدين المتقلبة والمتناقضة أحيانًا في حزمة أنيقة محكمة. كما يؤكد هذا البناء ادعاء لاكان بأن الفانتازم الأساسي، بوصفه خوارزمية، يشكّل «دلالة مطلقة» (ص 816)، لأنه يؤسس الطريقة الكاملة التي يرى بها الذات العالم حولها: فهو يرى النساء اللاتي يهتم بهن على أنهن غير متاحات له بسبب تدخل رجل آخر، ويرى الرجال الأكبر سنًا وكأنهم يريدون معاقبته على جريمته البدئية، وهي إغواء أمه أو أن يُغوى منها. وهذه الدلالة تظهر مرارًا في جميع الظروف والمواقف تقريبًا.
ولا يثير ذلك الدهشة: فمثل هذه الذوات تتجنب عادةً وضع رغبة الأم تحت الاختبار. فأية امرأة تأتي لتأخذ أهمية الأم بوصفها موضوعًا لرغبة الذات يجب أن تُحافَظ معها على مسافة معينة؛ إذ إن رغبة الوسواسي هي، كما يقول لاكان (2006a، ص 632) في «Direction of the Treatment»، رغبة في الاستحالة - أي في وضع تبقى فيه المرأة غير قابلة للوصول. فإذا أصبحت قابلة للوصول، لكان عليه أن يتعامل مع ما هو عصي على الفهم في رغبتها، وهو ما يتجاوز بكثير ما صنعه هو من رغبتها من خلال تأويله الرغبي. وبعبارة أخرى، فإن أحد الآثار العرضية لهذا الفانتازم الأساسي قد يكون عجزًا عن إدراك متى تكون المرأة مهتمة به، وعجزًا عن التصرف على ذلك الأساس؛ أو، إذا استطاع، فهو يمتنع عن اختبار حبها ويدفعه هاجس إلى تركها قبل أن تستطيع هي أن تتركه.
أفهذا نابع من الخوف من مواجهة الحقيقة من جديد - أي الشعور التأسيسي بالإهمال أو بعدم المحبة الكافية من امرأة - وهي الحقيقة التي غطاها الفانتازم؟
كيف تنسجم هذه الأقوال المتعددة عن الفانتازيا مع صيغة لاكان للفانتازيا، (◊a)، ومع الصور المختلفة للموضوع a التي يعدّدها: النظرة، والصوت، والثدي، والعضو الذكري التخيلي، والبراز، وتدفق البول، والفونيم، واللاشيء (لاكان، 2006a، ص 817)؟ بهذه المتاتيم، يقترح لاكان أن الفانتازم الأساسي يقدّم الذات في علاقة ما بالموضوع الذي يسبب رغبتها. وغالبًا ما يكون استخراج مثل هذه الفانتازيات من روايات الكتّاب عن تحليلاتهم الخاصة أمرًا سهلًا نسبيًا، وسأناقش بإيجاز مثالين من نصوص أدرّسها أحيانًا.
في Wool-Gathering لدان غَنّ (2002)، وهو رواية حديثة عن الشهر الأخير من تحليل، نرى المؤلف مأخوذًا على نحو خاص بالطريقة التي «تلتف» بها امرأة، كما يقول هو. ويبدو من السياقات المختلفة التي يذكر فيها هذا الالتفاف أن ما يلتقطه حقًا هو الطريقة التي تحوّل بها المرأة نظرتها بعيدًا عنه لتنظر إلى شيء أو إلى شخص آخر. وهذا يوحي بأن نظرة المرأة هي التي تعمل عنده بوصفها الموضوع a، ولا سيما حين تنتقل هذه النظرة من النظر إليه إلى النظر إلى شخص آخر، حين تنتقل من جعله يتلاشى بوصفه ذاتًا إلى الإشارة إلى رغبة الآخر بوصفها رغبة في شيء أو شخص آخر. فإذا وُجّهت نظرتها إليه، صارت مظهرًا من مظاهر رغبة الآخر ومصدر تهديد له - «ماذا تريد؟ ماذا تريد مني؟» يتساءل بقلق. وبصفته وسواسيًا، فهو ميّال إلى أن يتخيل الأسوأ، ويتلاشى في حضرة تلك النظرة. أما حين تتجه نظرتها إلى مكان آخر، فإنه يشعر بالارتياح لأنه يستطيع أن يستنتج: إنها تريد ذلك الشيء الآخر أو ذلك الشخص الآخر.
يمكن فهم هذه الفانتازيا بسهولة بوصفها متضمنة جانبًا كبيرًا من المشكلة الأوديبية: فوالد المحلَّل عليه مات في سن مبكرة، تاركًا إياه وحيدًا إلى حد بعيد مع أمه. وهو يوضح أنه شعر، بطرق كثيرة، بأنه مخنوق من قِبل أمه، وكان دائم البحث عن تجليات رغبتها في شيء غيره، أو في رجل آخر مثلًا. ولم يكن هذا وحده ما يسمح له بتجنب الشعور بأنه ليس سوى موضوع تمتّعها أو jouissance الخاصة بها. ومن ثمّ فهذه الفانتازيا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بإمكان أن يوجد بوصفه ذاتًا منفصلة عن تمتع الآخر.
وعلى الرغم من أن صيغة لاكان للفانتازم الأساسي تبدو، في كثير من الأحيان، أكثر ملاءمة لتوصيف الوسواسيين منها للهستيريين، فإن المثال التالي، من كتاب ماري كاردينال Les mots pour le dire (1975)، المنشور بالإنجليزية بعنوان The Words To Say It (1983)، يبدو أنه يوضح فائدتها في الهستيريا أيضًا. ففي هذا السرد الذاتي المتخيَّل قليلًا عن تحليل نفسي طويل الأمد، نرى المؤلفة مأخوذة في عدد كبير من الأحلام برجل قريب منها جدًا، لكنه لا ينظر إليها. وفي بعض الحالات كانت ترقص معه التانغو، وهو كان ينظر بعيدًا عنها، كما يفعل المرء كثيرًا في التانغو، وهي رقصة تبدو وكأنها صُممت تمامًا لإظهار أن الرغبة، في جوهرها، هي ولا بد في شيء آخر. وفي حالات أخرى كان فارس يطوف حولها على ظهر حصان، وكانت هي تعرف أنه مهتم بها جدًا ومع ذلك كان ينظر بعيدًا.
تقول لنا ماري إنها لم تستطع أن تتحمل أن تكون وحدها مع أبيها وهو يغمرها بكل اهتمامه: كان ذلك أكثر مما تحتمل. ولعل هذا كان مبالغًا فيه بالنسبة إليها بسبب تعليقات أمها على كونه فتىً فاسقًا ومستهترًا. وبدلًا من أن ترى رغبته فيها بوصفها رغبة جنسية صريحة قد يرغب في إشباعها معها، كانت لا شك أكثر ارتياحًا في المواقف التي كانت تراه فيها مع نساء أخريات، مواقف كانت تستطيع فيها أن تتخيل أن رغبته فيها موجّهة إلى شيء آخر غير ما كان يريده من «العاهرات» أو «النساء الساقطات»، كما كانت أمها تسميهن، اللاتي كان يقضي وقته معهن. فكونه ينظر إلى مكان آخر، حتى وهو حاضر أمامها، يبدو كأنه صار يعمل بوصفه سببًا لرغبتها هي.
لقد كان أبو ماري، الذي كان شوكة في جنب أمها، وشخصية مهمة في خطاب أمها على الرغم من حضوره الجسدي النادر في حياتها، حاجزًا خفيفًا بين أمها وبينها، لكن رغبته كان لا بد أن تشير إلى طريق رغبة ماري نفسها بدلًا من أن تبدو وكأنها تجد إشباعها فيها. ويبدو واضحًا إلى حد كبير أنها اتجهت إلى الدراسة الأكاديمية بإيعاز منه، وتفوقت في دراسة الرياضيات بفعل تماهٍ مع خلفية أبيها في الهندسة (وهذه المادة، التي أُدرجت في الطبعة الفرنسية لعام 1975، حُذفت على نحو غريب من الترجمة الإنجليزية). وبهذا المعنى، تماهت على مستوى الرغبة مع الرجل الذي كان شوكة دائمة في جنب أمها، والذي بدا أنه يسهم في تعاسة أمها.
لا أريد أن أقول إن هذه الفانتازيات بعينها هي بالضرورة الفانتازمات الأساسية حقًا في مثل هذه الحالات؛ بل إن هذه تبدو لي فانتازمات أساسية ممكنة، وبالتأكيد فانتازمات أساسية نجدها في حالات أخرى. كما لا أريد أن أقول إننا نستطيع دائمًا وعلى نحو موثوق أن نميز الفانتازمات الأساسية في السرديات المتخيَّلة عن التحليل، وإن كان يبدو لي أن مؤلفي مثل هذه السرديات يسيئون في كثير من الأحيان التعرف على فانتازماتهم الأساسية، ولا يفكرون حتى في محاولة إخفاء هذه الجوانب الخاصة من حياتهم النفسية.
ولست أريد، فضلًا عن ذلك، أن أقول إن هناك دومًا فانتازمًا أساسيًا يمكن استخلاصه لدى كل فرد. إن مفهوم الفانتازم الأساسي نفسه يقابل لحظةً أو حقبة بعينها في عمل لاكان - لحظة استمرت مدة أطول من بعض اللحظات الأخرى، لكنها ليست بالضرورة الكلمة الأخيرة للاكان في بنية الذات.
أُعطيت هذه الورقة في مؤتمر APW الذي عقد في جامعة دوكين بتاريخ 16–18 مايو/أيار 2003، تحت عنوان «Fundamental Fantasies: Écrits and After». وقد ظهرت نسخة أسبق من الورقة باللغة التركية في العدد الخاص الكبير عن لاكان (Lacan Özel Sayisi) المنشور في MonoKL, 6–7 (2009)، 388–98.
1 قد يظن المرء أن بعض صيغ لاكان لفوبيا الصغير هانس في السيمينار الرابع، La relation d’objet [«العلاقة بالموضوع»] *(1956–1957)*، تمهّد لمتاتيم ◊a، مثل I(σp°)، حيث يرمز I إلى الدال الذي تنتظم حوله فوبيا هانس من الحصان، وتشير σ إلى ما جرى ترميزه، بينما يرمز p° إلى ما جرى ترميزه - وفي هذه الحالة غياب الأب (لاكان، 1994، ص 346). غير أن عددًا من المتاتيم التي يقدّمها لاكان في السيمينار الرابع تقوم على صيغته الخاصة بالاستعارة في «The Instance of the Letter in the Unconscious» (لاكان، 2006a، ص 515)، وهي في الواقع تنويعات على الاستعارة الأبوية (ص 557). ويمكن القول إن المتاتيم في السيمينار الرابع مصممة لكتابة العرض الرهابي نفسه أو توصيفه، لا الفانتازم بوصفه كذلك. فالعرض المرضي والفانتازم مفهومان منفصلان منذ البداية، ويظلان منفصلين طوال عمل لاكان.
2 يوازي نقد لاكان لمفهوم كلاين للفانتازيا نقده في السيمينار الرابع (لاكان، 1994) لمفهوم التحويل في معظم النظرية الكلاينية ونظرية علاقات الموضوع: «هناك، في الواقع، عنصر تخيلي وعنصر رمزي في التحويل، ومن ثمّ لا بد من الاختيار» (ص 135) في كيفية تناوله. والمقصود هنا، في هذا السياق، أن بإمكاننا أن نختار التركيز حصريًا على البعد التخيلي للتحويل - التنافس والعدوان مقابل التماهي، مثلًا - لكن لاكان يرى أن التركيز على البعد الرمزي للتحويل أكثر إنتاجية في العلاج التحليلي. ولاحظ أنه في السيمينار الأول يقرر أن التحويل «ينطوي على عدة سجلات: الرمزي، والتخيلي، والواقعي» (لاكان، 1988a، ص 112–13).
3 قارن النقاش حول التصورات ذات الجسم الواحد أو الجسمين مقابل التصورات الثلاثية العناصر لوضعية التحويل (وللإطار التحليلي عمومًا) في الفصل 2 من هذا المجلد.
4 انظر مناقشاتي المطوّلة حول الاغتراب والانفصال في Fink (1990، 1995a، و1997). ولاحظ أن آلان شيريدان يترجم، طوال ترجمته للسيمينار الحادي عشر للاكان (1978a)، مصطلح لاكان النظري بالمجموعات réunion (الاتحاد) ترجمةً خاطئة إلى «joining».
5 للاستثناء، انظر لاكان (2005، ص 23–25).
6 ولعل من أمثلة ذلك الممكنة، انظر حالة «The Freud Man» في الفصل 13 من هذا الكتاب.
7 في الفانتازيا الذكورية المعدَّلة، تُستحصل المرحلة الثانية من الأولى بتغيير جنس الفاعل وقلب الحب إلى ضرب. وربما يمكن إدخال خطوات وسيطة أكثر إذا أردنا أن يكون هناك انقلاب واحد فقط في كل مرة؛ فمثلًا، قد تكون المرحلة 1.1 إما «أُغوى من أبي» أو «أُضرب من أمي».
8 وإذا كان الشعور بكونه في ورطة لا يجد دعائم كافية في حياته اليومية، فعادة ما يكون الموضوع ماهرًا جدًا في إيجاد سبل - ولو عبر أفعال الامتناع - للدخول في ورطة. ففي حالات معينة، «ينسى» المحلَّل عليه أن يدفع الفواتير (الهاتف، الرهن العقاري، تأمين السيارة، رسوم الشقة المشتركة، إلخ)، أو أن يفحص سيارته، أو أن يعدّ الإقرارات الضريبية ويقدّمها، وما إلى ذلك، مما يجعل «الرجل» يجيء باحثًا عنه.
من أكثر المصطلحات شيوعًا في علم النفس اليوم الصفة «غير المناسب». ففي كل عيادة، وفي كل اجتماع للحالات، نسمع أن «المراجع أظهر انفعالًا غير مناسب»، أو أن «المراجع كان غير مناسب»، وهكذا. وإذا لم أكن مخطئًا، فهذه الاستعمالات حديثة نسبيًا وتستحق التأمل. فما هو الانفعال المناسب؟ وما الذي يجعل حالة انفعال المرء مناسبة أو غير مناسبة؟ ولأي شيء أو لأي غرض يكون انفعال ذلك الشخص مناسبًا؟
ليس المقصود من «مناسب» هنا، على ما يبدو، معنى أفلاطونيًا بوصفه صفةً كونية ثابتة وغير قابلة للتبدل لعاطفة ما: فأغلب علماء النفس الذين يستعملون هذا المصطلح لا يزعمون، على ما أظن، أنهم يقولون إن إظهار انفعال معين غير مناسب في كل ظرف، وفي كل مكان على الأرض، وفي كل ثقافة، وفي كل حقبة تاريخية. ومع ذلك فهم يزعمون أنه، في زمانهم ومكانهم التاريخي المحدد على الأرض، تكون بعض الانفعالات دائمًا غير مناسبة في ظروف معينة - مثل العيادات أو المستشفيات أو البيئة العلاجية. فإذا صار المريض عدوانيًا لفظيًا خلال جلسة علاج، سارع كثير من المعالجين إلى اتهامه أو اتهامها بسلوك غير مناسب. لكن أليس هذا في الغالب مجرد استجابة نقلية عادية، تعكس الطريقة التي اعتاد بها المريض التعامل مع أحد الوالدين أو كليهما، أو ردًّا سلبيًا من المريض على نهج علاجي معين اعتمده المعالج؟ كيف يمكن اعتبار أي شيء يحدث في الإطار العلاجي غير مناسب؟ وإذا ألقى المريض مزهرية من نافذة المعالج، أليس في ذلك معنى؟ أليس، في الواقع، كاشفًا عمّا لم يسمح له المعالج أن يعبّر عنه، أو لم يأتِ به إلى التعبير عنه بطريقة أخرى؟
يمكن فهم سلوك المريض هنا بوصفه «فعلًا تمثيليًا» -لا بالمعنى المنحط تمامًا الذي أخذته العبارة في الممارسة المعاصرة، حيث لا تعني أكثر من «التصرف بشكل سيئ»، بل بالمعنى التحليلي النفسي الذي لا يُنظر فيه إليه على أنه «خطأ المريض». لأن الفعل التمثيلي يتعلق بأشياء يجد المريض أنه من المستحيل أو غير المريح أن يقولها، أو بما لا يتيح له المعالج أن يقوله أو أن يواجهه عبر الكلام. ويمكن أيضًا فهم سلوك المريض هنا بوصفه مقاومة، وهي، كما يقول لاكان (2006a، ص 595)، مقاومة المحلل نفسه لفعل شيء أو قوله من أجل إبقاء المحلَّل عليه متكلمًا، ومتحدثًا عما يهم فعلًا («لا توجد مقاومة أخرى للتحليل غير مقاومة المحلل نفسه»). وأميل إلى القول إنه لا توجد انفعالات غير مناسبة في العلاج؛ وإنما توجد فقط طرق غير مناسبة لممارسة العلاج. وهذا لا ينفي وجود أشخاص، مهما كانت التقنية المستخدمة، لا يكونون مستعدين أو راغبين في الدخول في عمل علاجي حقيقي. لكن بالنسبة إلى من هم مستعدون وراغبون، لا شيء اسمه انفعال غير مناسب - فالانفعالات هي ببساطة انفعالات.
في نظري، تشير ألفاظ مثل «مناسب» و«غير مناسب» إلى أن قدرًا كبيرًا من علم النفس المعاصر قد جعل نفسه في خدمة الأخلاق المألوفة والأعراف السائدة، وكرّس نفسه لصوغ سلوك المرضى بحيث يكون مناسبًا لظروف العمل الحديثة والقيم الغالبة. ويُفترض أن المريض الذي يُظهر «انفعالًا مناسبًا» في العلاج سيمضي غالبًا إلى إظهار «سلوك مناسب» في البيت، وفي مكان العمل، وفي المجتمع على نطاق أوسع. ويكشف علم النفس، في استعماله المتزايد لمثل هذه الألفاظ، أنه منخرط تمامًا في مهمة جعل الأفراد يمتثلون للأعراف الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية السائدة. وكما يقول لاكان (2006a، ص 859) بأسلوبه الصارم المعتاد، فقد «اكتشف علم النفس [...] طريقة للبقاء على قيد الحياة من خلال تقديم خدمات للتكنوقراطية». وكما يقول في سيميناره من 1959–60، The Ethics of Psychoanalysis (لاكان، 1992)، فإن علم النفس، شأنه شأن عدد من «العلوم الإنسانية» الناشئة الأخرى - مثل علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، إلخ - قد التحق بخدمة السلع، وصار «فرعًا من خدمة السلع» (ص 324)، يعمل في خدمة مجتمع تصبح فيه السلعة هي السيد.
وبفعل ذلك، فإن قدرًا كبيرًا من الممارسة العلاجية النفسية - لا كلها بالطبع، فثمة استثناءات ملحوظة - قد تبنّى ببساطة القيم الأخلاقية والثقافية لـ«المجتمع ككل»، إن كان لهذا المجتمع وجود أصلًا. وكان لاكان ينتقد حقيقة أن المحللين الذين جاؤوا إلى أمريكا قبل الحرب العالمية الثانية أو أثناءها كانوا كثيرًا ما يعدّلون الممارسة التحليلية بحيث تتوافق مع القيم السائدة آنذاك في الثقافة الأمريكية. بل إن لاكان ينتقد حتى آنا فرويد، التي لم تهاجر إلى أمريكا، لأنها أشارت إلى معايير من قبيل «تحقيق دخل أعلى» لتدل على أن التحليل الذي أجرته كان ناجحًا (لاكان، 2006a، ص 604). وهكذا بدأ المحللون أنفسهم يعدون المرضى بالنجاح الاجتماعي والاقتصادي، ويكيفون ممارستهم على نحو يسعى إلى تعزيز هذه الأهداف في التحليل.
وبعبارة أخرى، فإن ليس علم النفس وحده، بل حتى قدرًا كبيرًا من التحليل النفسي، يبدو أنه تبنى هدف مساعدة المريض على أن يعمل بصورة أفضل في مجتمع السلع، أي في شكلنا الراهن من الرأسمالية الاستهلاكية (ويسميه بعضهم «ما بعد الرأسمالية»). فيجب مساعدة المريض على تجاوز العقبات التي تقف في طريق تحسين تركيزه في ميدان العمل، وعلى التحسن في التعامل مع رؤسائه ومرؤوسيه وزملائه، وبالتالي على الحصول على قطعة أكبر من الكعكة لنفسه (ولمن هم قريبون منه أيضًا، بالطبع).
وقد أُجري مؤخرًا استبيان في جامعة كورنيل بشأن الارتباط بين الراتب والعُصاب لدى المديرين التنفيذيين في الشركات (ونُقل عنه في BusinessWeek بتاريخ 27 يوليو/تموز 1998). وقد تبيّن أن المديرين الذين اعتُبروا، من قِبل زملائهم، أكثر عُصابية قليلًا من المتوسط كانوا يتقاضون في المتوسط 15,756 دولارًا أقل سنويًا - مؤكّدين بذلك ادعاء فرويد (1958b) بأن «لا شيء في الحياة باهظ الثمن مثل المرض» (إلا، ربما، التورط مع متدربة في البيت الأبيض ثم الكذب بشأن ذلك أمام هيئة محلفين كبرى - لا أقول إن ذلك حدث، لكنني أقول إنه كان سيكلف كثيرًا؛ وعلى أي حال، قد تندرج مثل هذه الأفعال تحت عنوان العصاب). ومع ذلك، لا أعتقد أنه يمكن للمرء أن يحتج بشكل معقول بأن الاهتمام الرئيسي لفرويد في العلاج كان براغماتيًا بحتًا، أي مكرسًا لمساعدة المريض على جني قطعة أكبر من الكعكة. فبينت تقنيته، على نحو كبير، أنها مكرسة لكشف الرغبة - أي لرفع الحجاب عن تلك الأمنيات التي كان المريض يخفيها عن الأنظار وعن الوعي.
النقطة الأولى، إذن، التي أود طرحها بشأن أخلاقيات التحليل النفسي هي أنها تتعلق برغبة المحلَّل عليه. وهذه الرغبة تؤثر، بوضوح، في كل جانب من جوانب حياة المحلَّل عليه، لكن المهمة الأولىللتحليل هي الانتباه إلى الرغبة ذاتها.
والآن، رغبة الإنسان عصية إلى حد كبير، ومتمردة، وغير قابلة للضبط. أولًا، نقضي وقتًا وجهدًا كبيرين في التظاهر بأن ما نريده ليس حقًا ما نريده، وفي إبقاء رغبتنا بعيدة عن الأنظار - بعيدًا عن الآخرين وعن أنفسنا. وإذا أشار الآخرون إليها لنا، أنكرنا وجودها بشدة.
ثانيًا، يعلّمنا لاكان أن رغبتنا ثمينة جدًا بالنسبة إلينا إلى درجة أننا، حين نواجه احتمال إشباعها، نولي الأدبار غالبًا، مفضلين البقاء في حالة عدم إشباع حتى تبقى رغبتنا حيّة - وبعبارة أخرى، ثمة قدر من الإشباع يكمن ببساطة في الاستمرار في الرغبة. فإشباع الرغبة يميل إلى جعل الرغبة تختفي، ونحن غالبًا نفضّل توتر الرغبة ذاته على إشباعها. ويشير فرويد إلى هذا في The Interpretation of Dreams (فرويد، 1958a، ص 148–49) بوصفه الرغبة في «رغبة غير مُنجزة».
ثالثًا، تبدو لنا الرغبات التي نكشفها في أنفسنا خلال العلاج التحليلي أحيانًا غريبة عنا، وليست رغباتنا حقًا. وكما يقول لاكان، فإن رغباتنا هي في الحقيقة في الأصل رغبة الآخر: فحين نكون رُضّعًا نرغب فيما يملكه إخوتنا وأخواتنا الصغار، حتى لو لم نكن نعرف ما الذي سنفعله به؛ ومع نموّنا، تصير رغبتنا متماثلة مع رغبة والدينا ورغبة الآخرين من حولنا. ولهذا نجد أنفسنا غالبًا مأهولين برغبات الجيل السابق، نريد ما يبدو أن والدينا أراداه، إذ تنتقل بعض تشكيلات الرغبة بهذه الطريقة من جيل إلى جيل. وحين نكشف تلك الرغبات في الأحلام والفانتازيات، قد نشعر فعلًا بأنها غريبة، أجنبيّة، أخرى - ليست لنا. فالرغبة اللاواعية رغبة غريبة؛ إنها رغبة لا نتعرف إليها بسهولة بوصفها رغبتنا نحن. وكما يقول لاكان كثيرًا، «اللاوعي هو خطاب الآخر» (انظر مثلًا لاكان، 2006a، ص 16 و379): إنه يتألف من كلام أشخاص آخرين عن الأشياء التي أرادوها. «كيف تسلّل خطابهم ورغبتهم إلى داخلنا؟» نتساءل، «وكيف نخلص منهما؟»
وبالنظر إلى أن الرغبة، بطبيعتها نفسها، هي رغبة الآخر - وبالنظر إلى أن «الرغبة تأتي من الآخر» (لاكان، 2006a، ص 853) - فكيف لي أن أعرف ما الذي أريده أنا حقًا؟ بل من هو هذا الـ«أنا» الذي أسعى إلى تحديد رغبته؟ إن جزءًا كبيرًا من عمل التحليل يتضمن غربلة ما أريده أنا مما أراده الآخرون من حولي - فقد تكون رغبتهم في الواقع مثيرة للاشمئزاز بالنسبة إليّ، ومع ذلك تحتوي سر أشد أشواقي خصوصية. لا بمعنى أن هذين الأمرين منفصلان انفصالًا تامًا، لكن الأمل هو أن أجعل من الرغبات التي تسكنني رغباتي الخاصة.
ومع أن التحليل النفسي لا يتخذ، في رأيي، من تغيير رغبة المحلَّل عليه هدفًا فوريًا، فإن جزءًا لا مفر منه من العمل التحليلي يتألف من تمحيص الرغبات التي يسكنها المرء، والعثور على طريقه الخاص داخل الإقليم الذي رسمه الآخرون سلفًا.
لأنتقل الآن إلى العلاقة بين الرغبة والذنب. يبدو أن الأمر متفق عليه على نطاق واسع وهو أن الفعل وفقًا للرغبة كثيرًا ما يجلب الذنب. فإذا كانت رغبتي المؤقتة أو المزمنة، على سبيل المثال، أن أهين شخصًا أهانني، وقد سنحت لي أخيرًا فرصة فعل ذلك، فقد تتدخل إحساسي الأخلاقي بالصواب والخطأ بعد أن أفعل ذلك وتجعلني أشعر بالذنب لأنني انحدرت إلى أخلاق «العين بالعين». غير أن لاكان (1992) يقدّم ملاحظة مدهشة عن الذنب في السيمينار السابع، The Ethics of Psychoanalysis. فهو يدّعي على العكس أن الذنب ينشأ بالضبط حين لا أفعل ما تمليه رغبتي: عندما أفوّت، مثلًا، فرصة التعبير عن عدائي أو أبلع كبريائي بدلًا من أن أنفجر غضبًا.
علينا هنا أن نميّز بين الذنب والندم. فقد يكون الندم هو ما أشعر به بعد أن أهين هذا الشخص وأبدأ بالتفكير في العواقب - ربما سيحاول الرد، ربما سيصل ما فعلته إلى شخص لا أريد أن يعرف به، ربما كان ينبغي عليّ أن أفعل الأمور على نحو مختلف. هذا لا يجعلني أشعر بالذنب - فأنا، على مستوى ما، ما زلت سعيدًا بما فعلت. أما الذنب فليس من هذا النسيج. «الشيء الوحيد الذي يمكن للمرء أن يشعر بالذنب حياله»، يقول لاكان، «هو أن يتخلى عن رغبته» (لاكان، 1992، ص 319).
وفي هذا السياق نفسه، يتحدث لاكان عن الأسباب التي تدفع الناس إلى التخلي عن رغبتهم، أو إلى التراجع حين يتعلق الأمر برغبتهم - وبعبارة أخرى، إلى إعطاء أولوية لرغبة شخص آخر على رغبتهم هم. ويقترح أحيانًا أن ذلك يُفعل من أجل «فعل الخير»، أي بدافع من فكرة ما عن فعل الصواب. يقول لاكان (1992):
إن الفعل باسم الخير، بل وأكثر من ذلك باسم خير الآخرين، أمر بعيد كل البعد عن حمايتنا، لا من الذنب فحسب، بل أيضًا من جميع أنواع الكوارث الداخلية. وللتدقيق، إنه لا يحمينا من العصاب ولا من عواقبه.
(ص 319)
وفي الحقيقة، كما اكتشف فرويد منذ وقت مبكر جدًا في عمله مع الهستيريات، ينشأ العصاب بالضبط من المحاولة المتكررة لخنق رغبة المرء من أجل فعل الخير، أو فعل ما يعتقد المرء أنه الشيء الصحيح، أو طاعة أوامر الأنا الأعلى. والأنا الأعلى واحد من أكثر وجوه النفس البشرية مفارقة: فهو يلاحق أولئك الأكثر انشغالًا بفعل الصواب أكثر من غيرهم؛ ويكون أشد قسوةً ولا هوادة فيه مع أولئك الذين يكون سلوكهم أكثر استقامة (فرويد، 1961a، ص 125–28). وكما يقول لاكان: «كل من يحاول أن يخضع للقانون الأخلاقي يرى مطالب الأنا الأعلى لديه تزداد تحذلقًا وقسوة» (لاكان، 1992، ص 176). وفي الواقع، يتمتع الأنا الأعلى بلذّة في توبيخ الأنا حتى عندما تبذل الأنا كل ما في وسعها لكبح اندفاعات الهو. وهكذا تتشكل حلقة مفرغة يُشبع فيها جزء من الطاقة العدوانية للهو عبر هجمات الأنا الأعلى على الأنا.
وعليه، ينبغي أن يُنظر إلى ما يُسمّى رغبة الشخص في فعل الخير بعين من الشك: فالمرء كثيرًا ما يستخرج، على الأقل، إشباعًا إضافيًا واحدًا من «الأعمال الصالحة» المزعومة. دعوني أقدّم مثالًا من ممارستي السريرية. كان أحد محلَّليَّ ينظر، لسنوات عدة، إلى رجل معين في برنامج الدراسات العليا على أنه «أحمق متعجرف» و«مغفل»، وكان يتخيل أن يقول ذلك في وجهه. وقد سنحت الفرصة، وفكر المحلَّل عليه في أن يفعل ذلك، ثم تراجع. وبعدها، وهو يشعر بالذنب رغم أنه لم يقل شيئًا، أخبرني بأنه تراجع لأن الأمر «لم يكن سيحقق شيئًا»، لكنه أضاف أيضًا أنه «شعر بالرضا لأنه تمكن من ضبط نفسه» - وبعبارة أخرى، سمح له ذلك بالإشباع النرجسي المتمثل في الشعور بتفوقه على «الأحمق». ومع ذلك واصل القول إنه «لن يغفر» لنفسه أبدًا لأنه أضاع الفرصة - وبعبارة أخرى، كان ينوي أن يأخذ إشباعًا يبدو عكسيًا للبديهة في توبيخ نفسه إلى الأبد لأنه لم يقل شيئًا. مثل هذه المكاسب الشخصية تضع بوضوح قيمة الحل المزعوم «الأخلاقي الأعلى» المتمثل في التراجع موضعَ شك؛ والذنب الذي شعر به المحلَّل عليه إزاء هذه الحاجة لا ينبغي أن يُفهم على أنه ناتج عن «أفكار شريرة» أراد بها أن يوبّخ الرجل، بل عن تخليه عن رغبته هو، وتراجعه عن مواجهة طال انتظارها.
إذا وُجد هنا أمرٌ أخلاقي يمكن استخلاصه في السياق التحليلي النفسي، فهو: «تجنّب الذنب، لأنه يقود إلى العصاب!» لا تعمل وفق ما تعتقد أنه خير جارك أو جارتك؛ بل اعمل وفق رغبتك أنت. فذنبك لا يزول لا عندما يعانقك المعالج ويكرر لك مرارًا أن «الأمر ليس خطأك» - وهذا ما يفعله روبن وليامز مع «المريض» في Good Will Hunting. ومهما كان ذلك يبعث على الارتياح لحظةً، فإن الذنب لا يختفي حقًا إلا عبر نوع من الفعل الإنساني: عبر مقاربة مدى الحياة قائمة على الفعل انطلاقًا من رغبتك أنت.
وينبغي ألا يغيب عن البال أن لاكان لا يتحدث هنا عن البنى السريرية التي لا يدخل فيها الذنب إلى الصورة ولا يشعر فيها المحلَّل عليه بأنه مقيد بأي قيد أخلاقي على الإطلاق؛ فهذا النقاش لا ينطبق مثلًا على السيكوباثيين.
وفي كثير من الجوانب، لا يفعل لاكان هنا أكثر من إعادة صياغة ما يقوله فرويد (1961a) في الفصل 7 من Civilization and Its Discontents. ففيه يخبرنا فرويد أنه عندما يتخلى المرء عن إشباع دافع معين - دافع عدواني مثلًا (وهو في الحقيقة المثال الذي يقدمه) - فإنه يشعر، مع ذلك، بالذنب لأن الرغبة في الاستسلام لذلك الدافع تظل حاضرة في الذهن ويأخذ الأنا الأعلى علمًا بها. ثم يضيف أن طاقة الدافع غير المشبع تنتقل بعد ذلك إلى الأنا الأعلى، الذي يستخدمها ضد الأنا. وتبدو هذه القاعدة الاقتصادية لفرويد ثابتة إلى حد يجعلُه يقول: «سنكون ميالين إلى الدفاع عن العبارة المتناقضة القائلة إن الضمير هو نتيجة التخلي الغريزي» (ص 128–29). وبصياغة أبسط قليلًا، فإن مشاعر الذنب تنتج من التخلي عن الدوافع؛ فالضمير المذنب هو نتيجة التراجع حين يتعلق الأمر بالدوافع.
إن استنتاج لاكان أن «الذنب ينتج عندما تتخلى عن رغبتك» قريبٌ بوضوح شديد من فرويد هنا. بل إن صياغة فرويد تذكّرنا بأن لاكان يعدّل لاحقًا استنتاجه بعض الشيء (لاكان، 2006a، ص 851–54)، فيقول أساسًا إن الذنب ينتج حين لا تسعى إلى إشباع دوافعك. وكان لاكان نفسه قد أخبرنا أن الرغبة الإنسانية تميل أصلًا إلى تجنّب الإشباع كي تواصل الرغبة، ولذلك فإن انتقاله في أوائل ومنتصف الستينيات إلى الاهتمام بالدوافع إنما يمثل في الأساس تأكيدًا متجددًا على الإشباع ذاته. ويمكننا القول إنه، بخلاف فرويد، يبدو لاكان كأنه يحوّل هذا إلى وصية: «لا تتخلَّ عن رغبتك»، أو، بصورة أدق، «لا تتراجع حين يتعلق الأمر بإشباع دافعك».
حين يخبرنا لاكان ألا «نعمل وفق ما نعتقد أنه خير زميلنا أو زميلتنا»، فهو يقترب من الوصية التي يصوغها في السيمينار الثامن، Transference (لاكان، 2001a)، بخصوص دور المحلل؛ إذ يقول إن المحلل يجب ألا يستهدف ما يراه خيرًا للمحلَّل عليه، بل يجب أن يستهدف إيروس الأوسع لدى المحلَّل عليه. وإيروس، بوضوح، أوسع بكثير من الرغبة؛ إذ يشمل الحب والمتعة وإشباع الدوافع. والفكرة العامة هنا هي أن العلاج الذي يُدار بهدف تحقيق ما يعتقد المحلل أنه خيرٌ للمحلَّل عليه سيظل دائمًا محدودًا بتحيزات المحلل ومعتقداته وأحكامه المسبقة ومنظوراته الشخصية (سواء كانت سياسية أو دينية أو نظرية أو غير ذلك). أما المحلَّلون عليهم فهم ميّالون إلى التراجع حين يتعلق الأمر بإيروسهم - أي إن الهدف الذي يسعى إليه المحلل هو أن يجعلهم يكفون عن ذلك.
وفي نهاية الأمر، من البديهي أن يدير المحلل العلاج وفقًا لما يعرف شيئًا عنه، ويقترح لاكان أن الشيء الوحيد الذي يمكن للمحلل أن يدعي، على غرار سقراط، أنه يعرف عنه شيئًا بحق هو إيروس - أي الرغبة الإنسانية، أو بصيغة أخرى، الأهواء الثلاثة: الحب، والكراهية، والجهل، حيث يشمل الجهل الطرق الكثيرة التي نحاول بها ألا نعرف شيئًا عن الحب والكراهية. ويبدو أن من المعقول تمامًا أن يوجّه المحلل العلاج نحو إيروس الأعظم لدى المحلَّل عليه. (كما يقول لاكان، نحن لسنا هناك من أجل خير المريض، بل «من أجل أن يحب»؛ لاكان، 2001a، ص 25.)
أما فيما يتعلق بخير المحلَّل عليه، فليس المحلل مؤهلًا لمعرفة ذلك أكثر من صديقة المحلَّل عليه أو كاهنه أو مدربه الشخصي أو مدرّسة الباليه. ففي النهاية، خير المرء - إذا أمكن بالفعل تقديم أي سرد متماسك عن الخير - مرتبط دائمًا بعالمه هو، وما يعرفه المحلل هو عالم خطاب المحلَّل عليه، لا التفاصيل الخاصة بالعالم الاجتماعي-الاقتصادي الذي يعمل فيه المحلَّل عليه. وعلى الأقل، لا يعرفها إلا قليلًا أفضل ممن يعيشون مع المحلَّل عليه يومًا بعد يوم.
ولم يمنع هذا بعض المحللين من الاعتقاد أنهم موجودون لمساعدة محالّيهم التعساء على التوقف عن العيش في عالم خيالي، ورؤية الواقع بوضوح أكبر - أو، بحسب مصطلحاتهم، اكتساب «اتصال أفضل بالواقع». ففي كثير من الحالات، لا يبدو أن مفهوم المعالج المعاصر لـ«اتصال الواقع» أعمق من هزّ العميل وقول: «استفق واشمّ رائحة القهوة! أنا أعرف كيف يعمل العالم، وهو لا يعمل بالطريقة التي تظنها».
وهذا بعيد كل البعد عن التمييز الدقيق والمعقد لدى فرويد بين مبدأ اللذة - الذي يميل، في سعيه إلى الإشباع الفوري، إلى اختزال نفسه في أحلام اليقظة والهلوسة - وبين مبدأ الواقع، الذي يتعلّق، كما يبين لاكان في السيمينار السابع، بالانتباه إلى علامات حالاتنا الداخلية الخاصة. فنحن نصير واعين بما يجري داخلنا حين نسمع أنفسنا نتكلم، أو نردّ، أو نصيح، وهكذا. والواقع الذي نلامسه، بحسب نصوص فرويد، هو واقعنا النفسي نفسه - وبعبارة أخرى، واقع الطريقة التي تتشابك بها الإدراكات واللغة في النفس. لن أدخل في تفاصيل وصف فرويد لمبدأ الواقع في «Project for a Scientific Psychology» (فرويد، 1966) وفي الفصل 7 من The Interpretation of Dreams (فرويد، 1958a)، ولا في مناقشة لاكان المطولة له في السيمينار السابع، لأنني أرى أن ذلك سيأخذنا بعيدًا جدًا عن الموضوع هنا. غير أن شيئًا واحدًا يتضح عند الفحص الدقيق، وهو أن الأمر لا يتعلق باختبار الواقع الخارجي بطريقة مباشرة غير وسيطة، بل بالحصول على دلائل عما يجري داخل نفوسنا من خلال قراءة الكلام الذي يخرج من أفواهنا ومن أفواه الآخرين.
والنقطة هنا هي أن فرويد لم يقل، على حد علمي، إن المحلل، بعد أن يمر بتحليله الخاص، يرى العالم الخارجي بوضوح أكبر أو يملك اتصالًا أفضل بالواقع من المحلَّل عليه - ويقول لاكان إننا جميعًا نواصل، حتى بعد التحليل، رؤية الواقع من خلال عدسة فانتازيا، مهما تكون قد تغيّرت في نهاية التحليل. بل إن ما ينبغي للمحلل أن يكون قد اكتسبه، عبر مروره بتحليله الخاص، هو إدراك أفضل لواقعه النفسي - أي للرغبات والدوافع التي تسكنه، وكيف تؤثر في العمل الذي يقوم به مع محلَّليه.
لا يأمرنا التحليل بأن «نتخذ رغباتنا واقعًا»، بالمعنى الشائع لشعار الكتابة على الجدران في الستينيات، بل أن نواجه الواقع الخاص للرغبة. إنه يأمرنا أن نتوقف عن وضع رغباتنا جانبًا، وأن نتوقف عن تعليقها مؤقتًا كي نمضي في مشروعاتنا داخل عالم العمل اليومي. فالواقع الذي نتعامل معه في التحليل ونستكشفه هو واقع الرغبات اللاواعية التي تشكّل المحرّك الأساسي لأفعالنا ومزاجاتنا من غير أن نشعر - أي «الواقع الذي هو قائم في صميمنا ذاته» (لاكان، 1992، ص 26). وهذا لا يأخذ شكل وصية يصدرها المحلل إلى المحلَّل عليه، بحيث يمكن للمحلَّل عليه ألا يرقى إليها ومن ثم يُتَّهم بأنه لم يبذل جهدًا كافيًا. فمواجهة الواقع الخاص للرغبة ليست مبدأً إراديًا يمكن تنفيذه لمجرد أن المرء أراده بقوة كافية. بل توجد قيود واقعية جدًا هي التي عادةً تمنع المحلَّل عليه من أن يعمل وفق رغبته.
وفي مجرى عمله، يبتعد لاكان عن مصطلح «الواقع»، ليقدّم لاحقًا مصطلح «الواقعي»، الذي يعرّفه بأنه ما يعود دائمًا إلى الموضع نفسه. ففي الواقع النفسي، يكون الواقعي هو ما نعود إليه مرارًا وتكرارًا، أو ما نعاود الفعل عليه مرة بعد أخرى، أو ما نتحاشاه مرارًا من غير أن نعرف لماذا، ومن غير أن نستطيع أن نفعل حياله شيئًا. والواقعي، بعبارة أخرى، هو سلوكياتنا وانفعالاتنا العرضية التي تقوم دائمًا على الرغبة اللاواعية نفسها، أو الحب نفسه، أو الكراهية نفسها، أي على الدافع أو القوة المحرِّكة اللاواعية نفسها. وهذا هو النوع الوحيد من «الواقع» الذي يستطيع المحلل أن يضع المحلَّل عليه في تماس معه.
وهذا يقتضي أخلاقيات في التحليل النفسي قوامها مجابهة الواقع النفسي، أي التصالح مع الرغبة اللاواعية بكل ما تنطوي عليه من التباسات ومواقف مزدوجة ومآزق.
يذهب لاكان إلى أبعد من ذلك قليلًا عندما يستكشف الحقيقة المفارقة القائلة إن لذتنا تكون، في كثير من الأحيان، أكبر حين تنطوي على انتهاك أو كسر قانون. فهذه ليست مجرد لذة تقع تحت مبدأ اللذة، بل لذة لا بد لها من تجاوز عقبة داخلية، لذة تتجاوز مبدأ اللذة. وفي هذا المجال، قد نسلك فعلًا مسارات ليست ممتعة، بالمعنى العادي للكلمة، لكنها مع ذلك تمنح نوعًا من الإشباع يسميه لاكان «التمتع» (jouissance) - أي الإشباع الذي يؤخذ في فعل أشياء نعرف أنها يفترض أن تكون «سيئة» لنا أو للآخرين.
يشير لاكان (1992، ص 193) إلى استخراج الإشباع مما يُعتقد أنه سيئ بالنسبة إلينا و/أو للآخرين بوصفه «مفارقة التمتع»، مذكرًا إيانا بأنها مفارقة حاول سقراط تجاوزها بالقول إن معرفة الخير وعدم العمل وفقه أمر مستحيل. وبعبارة أخرى، حاول سقراط حل المفارقة بالقول إن معرفة مثل هذا الشخص بالخير لا بد أن تكون ناقصة. أما أرسطو فحاول حل المفارقة بالقول إن مثل هذا الشخص لا بد أن يخطئ في الحكم، لا بشأن العبارة الكلية «من الجيد تذوق الحلو»، بل بشأن العبارة الجزئية «هذه الشيء بعينه حلو». ووفقًا لأرسطو، لا بد أن يكون الخطأ الذي دخل القياس الأخلاقي قد وقع هنا.
ولا ينبغي للمحللين أن يظنوا أنهم يستطيعون التملص من مفارقة التمتع بمجرد اتهام الذات التي تعمل ضمن هذا النمط بـ«الانحراف»، لأن هذا النمط من العمل هو في صميم قدر كبير من السلوك العصابي - كما في حالة العصابي الذي يسرع في الطريق تحديدًا عندما لا يكون مضطرًا إلى الوصول إلى أي مكان على وجه الاستعجال، أو السارقة التي تسرق من متجر تحديدًا عندما تكون تحمل في جيبها ما يكفي من المال، وهكذا.
وترتبط هذه المفارقة بالعلاقة الحميمة بين الرغبة والقانون، وهي علاقة يستكشفها لاكان على مدى واسع في عمله. ففي The Ethics of Psychoanalysis، يستشهد برسالة بولس إلى الرومان 7:7، حيث يتضح أن العلاقة بين الخطيئة والقانون كانت معروفة بالفعل لدى آباء الكنيسة الأوائل: «لا أستطيع أن أعرف الخطيئة إلا بواسطة القانون. بل لم أكن لأفكر قط في الاشتهاء لو لم يقل القانون: لا تشتهِ». إن فكرة الخطيئة نفسها وجاذبية فعل ما هو خاطئ تُنشآن بواسطة القانون ذاته. فلا توجد رغبة، بالمعنى الدقيق، من غير تحريم، إذ لا أبدأ حقًا في رغبة شيء إلا عندما يُعاقُ وصولي إليه أو يُمنع. إن وصف المرضى الميّالين خصوصًا إلى ما لا يمكنهم الحصول عليه، أو إلى ما هو محظور أو غير قانوني، بأنهم مرضى منحرفون أو أخلاقيًا منحطون، ليس إلا تجاهلًا لطبيعة الرغبة نفسها.
والقانون، في الواقع، يمكن فهمه على أنه يخلق الشيء الوحيد الذي قد يقابل، في التحليل النفسي، ما يسمى الخير الأعلى في الفلسفة: الخير الأسمى الذي يتكون بالقانون الذي يحظر الزنا المحارم - أي الأم. ولاكان لا يستعمل أبدًا مصطلح «الخير» في تصوره لأخلاقيات التحليل النفسي، لكنه يقول إنه إذا كان هناك شيء اسمه الخير في التحليل النفسي، فهو الأم. فهي تُستحضر بوصفها الخير الأسمى تحديدًا عندما يُقيَّد وصولنا الجسدي المبكر إليها أو يُنكر حتى. ويمنحها لاكان لقبين آخرين أيضًا: «الشيء» بحرف T كبير، في إشارة إلى أنها أهم شيء، وdas Ding، وهو مصطلح يعني «الشيء» في الألمانية، ويوجد في عدد من نصوص فرويد، بل حتى «الشيء الفرويدي».
وبالنظر إلى أننا نرغب في ما هو محظور بالضبط، فكيف يمكن للتحليل النفسي أن يدّعي أنه يستهدف مصالحة تامة أو انسجامًا كاملًا بين رغباتنا؟ إذا كانت أعمق رغباتنا متجذرة في ما لا نستطيع الحصول عليه، فكيف يمكن للتحليل النفسي أن يقدّم بلا اكتراث حلولًا لمعضلة الرغبة الإنسانية؟
لقد نظر فرويد وبعض المحللين الآخرين إلى التسامي بوصفه وسيلة لإشباع أعتى تلك الرغبات عبر موضوع مختلف. ويقدّم فرويد عدة روايات مختلفة عن التسامي، ويقترح لاكان أن التسامي ينطوي على رفع موضوع عادي إلى مرتبة «الشيء». ولن أدخل هنا في مناقشة التسامي، إلا لأقول إنه مجال شائك نظريًا، لكنه مهم إذا أردنا ألا نقع في الطريق المسدود المتمثل في ما يسمى «الحلول» لمفارقة الرغبة والاشباع الإنساني التي يقدّمها كثير من علماء النفس والمحللين النفسيين المعاصرين. دعوني أحاول أن أقول شيئًا عن هذا الطريق المسدود الآن، وأن أتناول نقد لاكان له في عمله الممتد عبر الستينيات والسبعينيات.
على الرغم من تشاؤم فرويد بشأن قابلية العلاقات الإنسانية للكمال، يعود كثير من المحللين مرارًا إلى الإيمان بانسجام تام وقابل للتحقيق بين الجنسين. ويرتبط هذا التصور، في تاريخ الفكر، بما يمكن أن يسمى اعتقادًا ما قبل علمي، ويختلف كثيرًا عن المعرفة في السياق العلمي الحديث. ويقول لاكان إن المحللين النفسيين يواصلون الانزلاق إلى شتى البنى ما قبل العلمية، وإلى شتى الأشكال التبسيطية من الزيف العلمي والمفاهيم الفلسفية القديمة.
إن رؤية العصور القديمة للعالم كانت، بحسب لاكان، قائمة على فانتازيا - فانتازيا انسجام سابق الوجود بين الذهن (nous) والعالم (لاكان، 1998a، ص 128)، بين ما يفكر فيه الإنسان والعالم الذي يفكر فيه، وبين العلاقات بين الكلمات التي يتحدث بها عن العالم والعلاقات القائمة في العالم نفسه. أما العلم الحديث فقد قَطع، على نحو حاسم إلى حد ما، مع هذا التصور، إذ يفترض، إن افترض شيئًا، عدم ملاءمة لغتنا المسبقة للتعامل مع الطبيعة والحاجة إلى مفاهيم وكلمات وصياغات جديدة.
والفانتازيا التي ميّزت رؤية العصور القديمة للعالم تمتد، وفقًا للاكان (1998a)، إلى مدى بعيد - وهي، وأظن أنه لم يكن أول من قال ذلك - متعلقة كلها بالجماع (ص 82)، أي أنها استعارة معقدة للعلاقات بين الجنسين. فالصيغة تخترق المادة أو تُخصبها؛ والصيغة فاعلة والمادة منفعلة؛ وهناك علاقة، بل علاقة أساسية، بين الصيغة والمادة، وبين الفاعل والمنفعل، وبين المبدأ الذكري والمبدأ الأنثوي. وكان كل علم في ذلك الوقت يشارك، بعبارة لاكان، «في فانتازيا كتابة الرابطة الجنسية» (ص 82)، أي في الفانتازيا القائلة بوجود شيء اسمه العلاقة الجنسية (وهو ما ينكره لاكان نفيًا قاطعًا؛ ولشرح ما يعنيه بذلك انظر Fink، 1995a) وأن هذه الرابطة أو العلاقة متحققة من حولنا في كل مكان. وكانت العلاقة بين المعرفة والعالم مفهومة على نموذج الجماع.
وقد يبدو من غير المتصور أن تكون فانتازيا كهذه ما تزال تعمل في التحليل النفسي اليوم، لكن انطباعي أنها ما تزال حية وبخير. فكثير جدًا من المحللين والمعالجين النفسيين يؤمنون بحرارة بأن العلاقة المتناغمة بين الجنسين يجب أن تكون ممكنة! ويستند هذا الرأي إلى ما يُظن أنه منظور غائي في عمل فرويد، ينشأ بدوره من «التدرج» المفترض في المراحل الليبيدية المعروفة بالفموية والشرجية والتناسلية. فبينما يرتبط الطفل في المرحلتين الفموية والشرجية بأشياء جزئية، لا بشخص آخر بوصفه كليًا، زعم بعض المحللين ما بعد الفرويديین أنه في المرحلة التناسلية يرتبط الطفل بشخص آخر بوصفه شخصًا كاملًا، لا بوصفه مجموعة من الأشياء الجزئية.
لا أظن أنك ستجد مثل هذا الادعاء في عمل فرويد، لكن مجلدًا سميكًا بعنوان La psychanalyse d’aujourd’hui [«التحليل النفسي اليوم»] (Nacht، 1956) خُصص لمثل هذه الأفكار في فرنسا، حيث طرح جيل كامل من المحللين فكرة أنه حين يبلغ المرء المرحلة التناسلية بنجاح، يصل إلى حالة من الانسجام التام يُؤخذ فيها الشريك الجنسي بوصفه ذاتًا لا موضوعًا، بوصفه غاية في ذاته على الطريقة الكانطية، لا وسيلة إلى غاية. وأعلى إنجاز لهذه المرحلة هو أن يصبح المرء ما يسمونه «oblative» - أي أن يغدو متفانيًا حقًا، قادرًا على فعل الأشياء للآخرين من غير أي تفكير في ما قد يعود عليه هو من فائدة. (وقد ناقشت سابقًا الفضائل الأخلاقية المشكوك فيها لفعل الأشياء من أجل «خير» شخص آخر.)
هل رأى ذلك الجيل من المحللين مثل هذا الأمر أصلًا؟ من الصعب تصديق ذلك. ومع هذا، لم يترددوا في افتراض حالة مثالية كهذه من الانسجام بين الجنسين، ومن الإلغاء التام للنرجسية والأنانية، وفي الدفع بالعلاقات التناسلية بوصفها علاقات إيثارية، وبالعلاقات الفموية والشرجية بوصفها أنانية، في عملهم مع محلَّليهم. وحتى وإن لم ير أحد من قبل شيئًا من هذا القبيل، فلا بد أنه موجود.
وبعبارة أخرى، كانت فانتازيا تشوه النظرية والممارسة التحليليتين. وأظن أن لا حاجة إلى تذكير أحد بأن فانتازيا مماثلة تعمل في علم النفس المعاصر، على الأقل في أكثر أشكاله شعبية: الكتاب الأشهر على الإطلاق في علم النفس الشعبي، Men Are from Mars, Women Are from Venus. يبدو العنوان نفسه واعدًا، لأنه يوحي بأنه لا شيء يقدّر الرجال والنساء على علاقات متكاملة؛ لكن كل ما يأتي بعد الفصلين الأولين في الكتاب مصمم لمساعدة القارئ على تجاوز الاختلاف وإقامة الوحدة (أو الواحد) التي لا بد أن تكون موجودة، أي ذلك الانسجام المتناغم الذي تتطلبه الفانتازيا القديمة.
هدف لاكان هو القضاء على جميع هذه الفانتازيات من النظرية والممارسة التحليليتين. ويمكن، في رأيي، فهم القضاء على مثل هذه الفانتازيات، ولا سيما بقدر ما تعوق إيروس المتاح للذات، بوصفه جزءًا من أخلاقيات التحليل النفسي.
إن فانتازيا التكامل تترافق مع تصور الانسجام الدائري أو الكروي - أي مع الفكرة القائلة إن الدائرة أو الكرة هما أتمّ الأشكال وأكملها. ففي Symposium لأفلاطون، يطرح أريستوفانيس الرأي القائل إنه كان منّا يومًا ما كائنات كروية لا ينقصها شيء، لكن زيوس شطرنا إلى نصفين، ونحن الآن جميعًا نبحث عن نصفنا الآخر. ونحن، بوصفنا كائنات منقسمة، نتوق إلى أن يُعاد إلصاقنا معًا؛ وإذا أخفق ذلك، نجد على الأقل بعض العزاء في أحضان بعضنا البعض (شكرًا لزيوس لأنه أشفق علينا وقلب أعضاءنا التناسلية إلى الداخل). وكما يقول أريستوفانيس: «إذن فالحب يسعى إلى أن يعيد العثور على حالتنا الأولى، متطلعًا إلى جمع اثنين في واحد وشفاء الجرح البشري». فالحب هو ما يمكنه أن يصلح الانقسام البدئي، وبذلك يمكن بلوغ الانسجام.
وقد قامت كثير من الكوسمولوجيا وعلم الفلك القديم حتى زمن كبلر على فانتازيا كمال الكرة، وكان قدر كبير من العمل «العلمي» مكرسًا لـإنقاذ الحقيقة (salva veritate) عبر إظهار كيف يمكن تفسير الحركة غير الدائرية للأجرام السماوية على أساس الحركة وفق ذلك الشكل الأشد شكلية، أي الدائرة. واستُخدمت الأفلاك الصغرى حتى عند كوبرنيكوس، ومن ثم لم تكن الثورة الكوبرنيكية كوبرنيكية إلى هذا الحد. كل ما قاله كوبرنيكوس هو: إذا وضعنا الشمس في مركز العالم، فيمكننا تبسيط الحسابات - وهو ما كان يعني في تلك الحالة ما يشبه الاختزال من 60 فلكًا صغيرًا إلى 30.
ووفقًا للاكان، فليس مثل هذا الإجراء، الذي يترك مفهومي المركز والمحيط intact تمامًا، ما يمكن أن يشكل ثورة: فالأشياء تواصل الدوران كما كانت من قبل. إن الذي أحدثه كبلر، بإدخاله شكلًا أقل كمالًا، أي القطع الناقص، هو ما هزّ الأمور قليلًا، ومشكّلًا مشكلة لفكرة المركز. أما الإجراء الأهم بعد ذلك، كما يراه لاكان، فهو فكرة أنه إذا كان كوكب يتحرك نحو نقطة، أو بؤرة، فارغة، فليس من السهل وصف ذلك بأنه دوران أو مدار، كما كان يسمى في الماضي: لعل الأمر أقرب إلى السقوط. وهنا يدخل نيوتن. فبدلًا من أن يقول ما كان الجميع يقولونه لآلاف السنين - «الأشياء تدور في دوائر» - قال نيوتن: «الأشياء تسقط».
وعلى الرغم من هذه الثورة النيوتنية، يزعم لاكان أنه بالنسبة إلى معظمنا يظل «تصور عالمنا ... كرويًا تمامًا» (لاكان، 1998a، ص 42). وعلى الرغم من الثورة الفرويدية التي ترفع الوعي من مركز تصورنا لأنفسنا، فإنه لا يلبث أن يعود إلى المركز، أو يُعاد تأسيس مركز ما في مكان ما لا محالة. ويقول لاكان إن «إزاحة المركز» التي يقتضيها التحليل النفسي صعبة على الاستمرار، وإن المحللين يواصلون الانزلاق مرة بعد أخرى إلى طريقة التفكير القديمة القائمة على المركز/المحيط. ومن هنا الحاجة إلى «تخريب» آخر، تخريب آخر لن يكون، قطعًا، الأخير.
ينبغي للمحلل، من منظور لاكاني، أن يوجّه العلاج لا وفق أي تصور مسبق عن خير المحلَّل عليه أو مصلحته القصوى، بل بما يسهّل إيروس الأكبر لدى المحلَّل عليه. كما ينبغي للمحلل أن يصوغ نظرية تحليلية نفسية، ويعيد صياغتها باستمرار، تحاول أن تتحرر بدرجة متزايدة من رؤية للعالم تقوم، على نحو دائم ولا مفر منه، على فانتازيات - بعضها أقدم من بعض. وتلك الفانتازيات، المؤسسة للـWeltanschauung التي يجلبها المحلل معه أو معها إلى العلاج، هي جزء من نقلية المحلل المضادة، وجزء من الأمتعة النقلية المضادة التي يجلبها إلى العلاج، إلى جانب سائر تحيزاته وأحكامه المسبقة. فالنقلية المضادة، كما يعرّفها لاكان، هي «المجموع الكلي لتحيزات المحلل وشغفاته وصعوباته، أو حتى معلوماته الناقصة، في أي لحظة من لحظات التحليل» (لاكان، 2006a، ص 225، مع التشديد).
على المحللين أن يعيدوا فحص وجهات نظرهم باستمرار ليروا إلى أي مدى يوجّه أو يشوّه مقاربتهم للعلاج أوهامُ العصر الحديث والأزمنة السالفة. وهذا يتطلب تأملًا متواصلًا في النظرية والممارسة التحليليتين.
لا أزعم أنني استوفيت، بأي حال، آراء لاكان في الأخلاق في هذه المحاضرة القصيرة المبسطة - بل لقد لم أبلغ إلا سطحها. فقد خصص لاكان قدرًا كبيرًا من الاهتمام لمفارقات أخرى تتعلق بالرغبة والتمتع، مثل دافع الموت، والتجاوز، والصراع بين الرغبة والدوافع؛ كما يستكشف طبيعة «الشر» والتسامي على نحو مفصل؛ ويستعرض عددًا من النظم الأخلاقية المختلفة، بما في ذلك نظام أرسطو وكانط وساد وبنتام؛ ويقدم بعض الرؤى حول العنصرية والتمييز الجنسي من خلال فكرته القائلة إن ما نتسامح معه على نحو أقل ما يكون في الآخرين هو طريقتهم الخاصة في الحصول على التمتع.
إذا كان لاكان يقدم أي شيء يشبه «حلًا» لمفارقة الرغبة والاشباع الإنساني، فإني أقول إن ذلك ليس عبر التسامي، بل عبر علاقة متبدلة بين الرغبة والدوافع في كل واحد منا؛ فالرغبة تعمل عادةً على كبح إشباع الدوافع، ولا بد من تخفيف هذا الكبح إذا أُريد للإشباع أن يتحقق. لكن توضيح هذا الحل يتطلب، مع ذلك، محاضرة أخرى كاملة، وقد عرضتُه أصلًا في كتابتي (انظر Fink، 1997). ومع ذلك، آمل أنني قد منحتكم على الأقل لمحةً من مقاربة لاكان لأخلاقيات التحليل النفسي.
أُلقيت هذه الورقة في الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية لعلم النفس، القسم 39، في سان فرانسيسكو في أغسطس/آب 1998 بدعوة من Michael Guy Thompson، ونُشرت بعنوان «The Ethics of Psychoanalysis: A Lacanian Perspective»، في The Psychoanalytic Review, 86(4) (1999)، 529–45.
لا شيء يشبه الأعراض العصابية أكثر من الأعراض الذهانية.
ـ لاكان، 1993، ص. 216
لماذا يهم أن يكون المعالج قادرًا، في وقت مبكر نسبيًا من العلاج، على التمييز بين المريض العصابي والمريض الذهاني؟ أبسط جواب عن هذا السؤال الواسع هو أن العلاج ينبغي أن يُدار مع الذهانيين على نحو يختلف عن إدارته مع العصابيين. فعلى سبيل المثال، يحتاج المعالج مع العصابيين إلى أن يفتش باستمرار عن المواضع التي يتعثر فيها كلام المريض أو يزل أو ينزلق أو يضطرب، لكي يساعد على إبراز التردد والالتباس وتعدد الدلالة، وكل ما يدل على أن الذات ليست على رأي واحد مع نفسها، وليست موحدة أو مكتملة، بل هي منقسمة بين الوعي واللاوعي. أما محاولة من هذا النوع مع المريض الذهاني، فمن المرجح أن تثير ضيقًا شديدًا، وربما أطلقت نوبة ذهانية.
يخبرنا فرويد (1962b)، على سبيل المثال، أن أول محاولة له لاستخدام طريقته التحليلية النفسية المعتادة مع مريض ذهاني، أي إضجاع المريض بعد بضع مقابلات تمهيدية وتقديم قدر غير قليل من التأويلات، انتهت إلى فشل ذريع: فقد تدهورت حالته، واضطر إلى إدخاله المستشفى، وهو ما وضع حدًا للعلاج فعليًا.
ووضع فيدرن (Federn, 1943) مقالًا بعنوان "التحليل النفسي للذهانات"، عرض فيه عدة حالات كارثية لم يؤد فيها العلاج التحليلي النفسي إلى خير. ففي إحداها، أصيبت فتاة أخطأ فيدرن فعدها وسواسية بهذيان العشق، وبدأت تهلوس، ثم انتهى بها الأمر إلى الانتحار.
كما عرض شاندور فرنزي (1916) حالة عمل فيها اثنتي عشرة سنة مع مريض ذهاني من دون الأريكة ومن دون تأويل، وكان كل شيء يسير على ما يرام إلى أن قرأ المريض مقالًا نشره فرنزي في مجلة، عرض فيه تأويلات للبارانويا لم يكن قد حاول قط استخدامها مع ذلك المريض. وكان هذا وحده كافيًا لدفع المريض إلى حافة الانهيار، مع أن التأويلات لم تكن إلا مطبوعة على الورق.
وذكر بيخوفسكي (1966) الآثار المزعزعة للاستقرار الناتجة من التأويل مع الذهانيين، واستشهد كذلك بعدة مقالات أخرى تناقش ظواهر مشابهة. وروى تشيرماك (1977) حالة أثار فيها تأويل تحليلي نفسي الذهان لدى محلَّل.
وثمة من هذه الوقائع أكثر بكثير مما يُنشر عنه، إذ قلما يرغب الممارسون في إعلان مثل هذه الزلات على الملأ. وأنا أعلم، من خبرتي الخاصة في الإشراف على الممارسين السريريين، أن الأخطاء يُرجَّح أن تُروى في علاقة إشراف زمالية بين المشرف والمتدرِّب أكثر من روايتها في المطبوعات.
ومن ثم، فمن الناحية العملية، يكتسب التمييز بين العصاب والذهان أهمية كبيرة إذا أردنا أن نضمن قدر الإمكان ألا يقع ضرر في توجيه العلاج (primum non nocere: واجبنا الأول ألا نؤذي).
كثيرًا ما ينتابنا شعور بأن المريض العصابي يبني دعوى، كأنه يرافع أو يدافع عن قضيته في محكمة، واضعًا إيانا ضمنًا في موضع القاضي وهيئة المحلفين. ومن الأسئلة الشائعة التي يوجهها إلينا بعد هذه المرافعة، وبعد المرافعة الافتتاحية وعرض البيِّنات من الألف إلى الياء والمرافعة الختامية: "ألا توافقني، يا دكتور؟" و"ألستُ على حق، يا دكتور؟" و"أنت لا تظن أنني مجنون، أليس كذلك؟" ومع العصابي يمكننا أن نترك هذه الأسئلة بلا جواب؛ ويمكننا أن نُبقي مسألة إمكان جنونه معلقة، بوصفها شيئًا يواصل تقليبه في ذهنه، وهو يتساءل عما يظنه المحلل.
ونادرًا ما يوجه الذهانيون إلينا مثل هذه الأسئلة. فلا يبدو أن تأكيد الآخر أساسي للذهاني بقدر أساسيته للعصابي. وليس الاعتراف بكون المرء على حق ذا تلك الأهمية عنده. فالعصابي الذي يرى نفسه ضحية في الحياة، ويريد أن يقنع المحلل بأنه بالفعل ضحية، لا نجد له نظيرًا في العمل مع الذهانيين. بل قد يقال إن الذهاني لا يسعى إلى إقناع المحلل بشيء محدد يتعلق بأعمق كيانه، في حين يسعى العصابي إلى إقناع المحلل بأشياء شتى، وإلى حمله على الإقرار بأشياء كثيرة، وبكلمة واحدة إلى نيل الاعتراف بموضع المريض الذاتي أو مأزقه، أي الاعتراف ("التصديق") بشيء يشعر المريض بأنه حقيقي أو واقعي. أما الذهاني، فقد يسعى، في سياق أنظمة الضمان الاجتماعي أو الصحة النفسية، إلى إقناع المحلل بأن يضعه على قائمة العجز أو أن يصف له الأدوية، لكنه نادرًا، إن حصل أصلًا، ما يسعى إلى إقناع المحلل بتزكية روايته عن مأزقه الذاتي.
وهذا لا يعني أن على المحلل أن يمنح العصابي هذا التصديق. فعلى المحلل أن يتجنب الاقتناع، حتى لو تعاطف مع كثير من شكاوى العصابي، بالنظر إلى ما في حياة المريض من مشقات. فالمحلل، في أغلب الأحوال، لا يشتري القصة ولا يوافق الذات على إحساسها بأنها مجرد ضحية أو شهيد أو بطل. وهو لا يمنح ذلك الاعتراف الذي يطلبه العصابي بوجوده المؤلم الذي لا فكاك منه، ولا بالموقف الدرامي الذي يجد نفسه فيه، والذي يميل إلى الإيحاء بأنه ليس من صنعه هو.
وهكذا فالعصابي يطلب الاعتراف، ومع أننا يجب ألا نعترف بما يود هو أن نعترف به، فإننا نُعلمه أننا نسمع ما يقوله، وأن ما نعترف به هو الرغبة التي يجهلها هو نفسه، تلك التي تكمن داخل خطابه أو تطوف به. وبعبارة أخرى، فبدل أن نعترف باغترابه بوصفه ضحية أو شهيدًا، نسعى إلى إبراز الرغبة فيه لشيء آخر، وإظهارها والاعتراف بها. (ومع ذلك، يجب ألا يعمل "اعترافنا" برغبته عملَ التزكية لها؛ بل إن إقرارنا بها إنما يخدم تعزيز إقراره هو بوجودها، ثم يعود إليه بعد ذلك أن يقرر ماذا يصنع بها).
غير أن الذهاني لا يبدو طالبًا لهذا النوع من الاعتراف. وكما يقول لاكان (2006a) في "الوظيفة والمجال":
في الجنون، أيًا تكن طبيعته [أي في الذهان]، يجب أن نعترف، من جهة، بالحرية السلبية لنوع من الكلام كف عن السعي إلى نيل الاعتراف، وهو ما نسميه عائقًا أمام التحويل؛ ومن جهة أخرى، بالتشكيل الفريد للهذيان الذي [...] يشيِّئ الذات داخل لغة خالية من الجدل.
(ص. 279، مع إضافة التشديد)
وحين يقول لاكان إن كلام الذهاني "كف عن السعي إلى نيل الاعتراف"، يمكن أن يُفهم على أنه يشير إلى أن الذهاني ربما حاول بالفعل، وهو طفل، أن ينال الاعتراف، لكنه لما لم يتلق شيئًا منه في ذلك الوقت، انتهى به الأمر إلى أن كف عن طلبه نهائيًا. كما أن عبارة "لغة خالية من الجدل" توحي بلغة خالية من الاستعارة، لا تعرف فجوة بين الدال والمدلول، ولا انزلاقًا في المعنى.
وإذا جاز لنا أن نقول إن من بين ما يطلبه العصابي، على الأقل، حين يأتي إلى العلاج هو الاعتراف، وجب أن نطرح السؤال: "ماذا يريد الذهاني؟" حين يأتي ليتكلم مع محلل. ولن أتناول هذا السؤال هنا، فقد عالجته بإسهاب في موضع آخر (انظر Fink 2007، الفصل 10).
يشتهر لاكان بربطه العصاب باستيعاب القانون، وربطه الذهان برفض القانون أو "استبعاده" (foreclosure). فما الذي كان يعنيه بـ"القانون" في هذا السياق؟
كثيرًا ما نتكلم عن القانون كما لو كنا جميعًا نعرف ما ينبغي أن يكون عليه: عادلًا ومنصفًا وغير تمييزي، وما إلى ذلك. ومع ذلك، يبقى في القانون دائمًا جانب من قبيل "لمجرد أن الأمر كذلك"، أي شيء لا يقوم على المنطق أو العقل، بالمعنى المعتاد لهاتين الكلمتين. ففي أصل القانون يوجد دائمًا "لأنني قلت ذلك". وكما سأل هنري ديفيد ثورو: لماذا نطيع القانون إذا كان القانون نفسه جائرًا؟ ومهما يكن القانون عادلًا أو منصفًا، يظل ممكنًا أن نسأل: "لماذا نكون منصفين؟" وقد يبدو هذا سؤالًا عابثًا، لكنه سؤال مهم في النظرية الأخلاقية والفلسفة الخلقية.
وبعبارة أخرى، ففي أصل القانون يوجد تأكيد على أن ما نقوله نحن، نحن واضعي القانون، نافذ لأننا السادة. وهذا يرتبط بشيء يسميه لاكان الدال السيد، أي الدال الذي يحسم الأمر: ففي فرنسا، حتى ما قبل قرنين، كان كثير من الأشياء يُنجز باسم الملك؛ وفي الولايات المتحدة كان الشعار في أحيان كثيرة هو "الديمقراطية" أو "العلم" أو "التقدم". وكما في حالة الإنصاف، يمكننا أن نسأل: "ما العظيم في التقدم؟" فالتقدم، عند كثير من الناس، دال سيد، غاية في ذاته لا تُسأل. وفي حين تكون الديمقراطية، عند بعضهم، غاية في ذاتها، فإنها عند آخرين ليست إلا دالًا آخر يتقمص هيئة السيد، ويجب بالتالي إخضاعه للسؤال.
أما العصابي، فعلى الرغم من كل ما قد يلقاه من مشقة مع الدال السيد (واختصار لاكان له هو S1) الذي نشأ عليه، وعلى الرغم من كل ما قد يسعى إليه من إنكار له أو تدمير أو تقويض، فإنه يظل يقبل الموضع الذي يشغله ذلك الدال السيد. فشخص غير ذهاني مثل جاك دريدا (1982) يستطيع أن يضع موضع السؤال أصل كل قانون في الولايات المتحدة، أي إعلان الاستقلال والدستور الأميركي، بحجة أن الموقعين على هاتين الوثيقتين لم يكن لهم حق التوقيع إلا بأثر رجعي؛ أي إنهم لم يصبحوا الموقعين الشرعيين على الوثيقتين المؤسستين للقانون إلا بعد أن وقعوهما.
أما القدرة على سن إعلان الاستقلال والدستور، فشيء آخر، ولعله كان مستندًا إلى قوة السلاح. وأما حقهم في إنشاء مثل هذا النظام من القوانين، فلم يأت إلا من الوثيقتين نفسيهما. وهذه هي المشكلة الزمنية الملازمة لكل فعل تأسيسي: إذ عليه أن يخلق مشروعيته بنفسه (قارن ذلك بقول لاكان الشهير إن "المحلل يجيز نفسه بنفسه"). غير أن الإشارة إلى المفارقة المنطقية أو الزمنية الملازمة للفعل التأسيسي شيء، واقتلاعها من جذورها شيء آخر. والعصابي لا يستطيع اقتلاعها: فـ"لأنني قلت ذلك" كانت قد فعلت فعلها لديه سلفًا، وهي غير قابلة للمحو.
وهكذا يستطيع العصابي أن يكون واعيًا تمامًا بالسلطة الأبوية وأن يحتج عليها، مع أنها في نهاية الأمر ليست إلا نوعًا من الادعاء. فالأب يزعم أن من حقه أن يضع القانون، ولكن لماذا هو؟ ولماذا لا يكون شخصًا آخر؟ ولماذا هذا القانون بالذات؟ ولماذا الآن؟ ومع ذلك، فإن مبدأ السلطة نفسه يبقى، لدى العصابي، بمنأى عن التحدي على مستوى ما. وحتى إذا سلَّم العصابي بأن القانون لا يقوم على علة داخلية أو سبب معقول، فقد يرى أن سيادة القانون نفسها لا غنى عنها.
بل حتى الفوضوي، الذي يفترض أنه ينبذ كل سلطة، كثيرًا ما يكرس جهده لقضية الفوضوية، ويخضع عمله للدال السيد "الفوضوية"، ويعمل من أجل الفوضوية. ففعله ذاته في التمرد على السلطة يقوم، على مستوى ما، على قبول السلطة، أي على قبول سبب أو قانون يضع جميع الأسباب والقوانين الأخرى موضع المساءلة. وبعبارة أخرى، فذلك شكل من أشكال النفي العصابي.
ووحده الذهاني يرفض S1 (وله "الحرية السلبية" التي تحدث عنها لاكان آنفًا في شأن المجنون). والواقع أن S1 يؤسس شيئًا ويُنشئه. فهو يتضمن فعلًا تأسيسيًا لا رجعة منه. وهذا الـ"لا!" الأولى، أي القانون الذي يحيل إليه لاكان باسم-الأب، يربط الدال بالمدلول في نقطة واحدة، بما يتيح لهما أن يتفارقا في كل موضع آخر.
يتضمن هذا النص بعض التأملات القصيرة المقتطفة من ورشة عمل نهاية أسبوع بعنوان "في التشخيص التفريقي: العصاب والذهان من منظور بنيوي"، قُدمت في Northwest Center for Psychoanalysis في سياتل، واشنطن، يومي 19 و20 أبريل/نيسان 2002.
كنتُ قد تجرأت، على نحو غير حكيم، على أن أقترح على بولين أوقالهان - وهي، بصفتها رئيسة اللجنة العلمية في APPI، كانت لطيفة بما يكفي لأن تستجيب لطلبي - أن أقدّم إليكم السمينار الثامن عشر، وهو سمينار عملتُ عليه كثيرًا في ثمانينيات القرن العشرين وبدايات التسعينيات، ثم لم أعد إليه منذ ذلك الحين. وقد صدر مؤخرًا له طبعة منشورة (Lacan, 2006c)، بفضل جهود جاك-ألان ميلر، فتصورتُ أن اقتراحي التحدث عن السمينار سيجبرني على إعادة قراءته مرتين أو ثلاثًا، وصياغة بضعة أفكار بشأنه، وهو أمر، من خبرتي، أكثر صعوبة بكثير مما قد يظنه المرء. ويصدق هذا على السمينار الثامن عشر أكثر مما يصدق على بعض السمينارات الأخرى، جزئيًا لأن لاكان غاب عنه لبضعة أشهر أثناء انعقاده، بل إنه يعتذر في نهايته عن الطابع «المبتور» وغير المدعوم بما يكفي للعمل المعروض فيه.(1)
لأبدأ بهذا العنوان الغريب، D’un discours qui ne serait pas du semblant. لاحظوا أن هذا السمينار يحمل واحدًا من تلك العناوين الغامضة إلى حد ما - مثل عدد قليل من سمينارات لاكان الأخرى - التي يجد لاكان نفسه مضطرًا إلى العودة إليها مرارًا خلال السمينار كي يشرحها أو يوسعها أو يقوضها.
D’un discours: «عن خطاب» أو «بخصوص خطاب» - ليس من الصعب كثيرًا ترجمة هذا الجزء الأول. ومع ذلك، يخبرنا لاكان مرتين في الصفحتين الأوليين من السمينار أنه لا يتحدث عن خطابه هو، مما يثير فضولنا بشأن سبب إصراره على أنه ليس كذلك، ويدفعنا إلى التساؤل عمّا إذا كان بالفعل كذلك. وسنرى لاحقًا أن هذه طريقته في القول إن الخطاب المعني هنا خطابٌ منظم ليس قائمًا على شخصه هو. ولاكان، كما تعلمون على الأرجح، ينفر عادة من السيرة النفسية، ويعدّ من السخافة محاولة استخراج النظرية التحليلية النفسية من حياة فرويد ومن شخصيته المزعومة؛ وبالطريقة نفسها، يرى أن الخطاب الذي يتحدث عنه هنا منظم على نحو مخصوص يمكن أن يتولاه عدد كبير من المحللين. وسواء وافقتم على مشروعه القصير العمر في مجلة Scilicet بأن لا يوقّع المؤلفون أسماءهم على أعمالهم أم لا، فإن الفكرة كانت أنهم يعملون داخل البنية نفسها، ومن ثم فإن بصائرهم تتصل بالبنية ذاتها أكثر مما تتصل بكل واحد منهم بوصفه فردًا. ومع ذلك، كما سنرى - أو نأمل أن نرى - فهو يبدو أنه يشير إلى نوع من الخطاب التحليلي النفسي الذي يرغب هو نفسه في بلوغه أو رسم معالمه، لكنه لم ينجح بعد في ذلك.
Qui ne serait pas - لدينا هنا صيغة شرطية، كما يشير لاكان نفسه في الصفحة 163، حيث يقول إن «موضع الرهان هنا هو فرضية، الفرضية التي بها يُبرَّر كل خطاب وكل خطاب [tout]». وبعبارة أخرى، لا بد أن تفترض شيئًا ما أو تضعه فرضًا إذا كنت ستنتج خطابًا، أيًّا كان نوعه. تذكّروا أنه حين يتعلق الأمر بادعاء نيوتن hypotheses non fingo («لا أصطنع - أو لا أصوغ - فرضيات») يقول لاكان: «كلا، أنت تفعل ذلك بالفعل». لا يمكنك أن ترى شيئًا أو تبتكر شيئًا إذا لم تبدأ بفرضية من نوع ما، حتى لو اضطررت في النهاية إلى الرجوع وتعديل الفرضية التي بدأت بها. وفرضية نيوتن هي: بدلًا من الدوران في حلقات، فإن الأشياء تسقط (Lacan, 1998a, ص. 141).
ما إن توضع الفرضية في مكانها حتى يمكنك البدء في إنشاء النظام وملاءمة شتى التجارب والحسابات مع ذلك النظام، لكنك لا تؤكد الفرضية نفسها ولا تدحضها أبدًا. الفرضيات لا تتغير إلا في سياق «الثورات» العلمية. وبقوله هذا كله، يشير لاكان إلى أن فرضيته هنا - أي أن ثمة ضربًا من الخطاب يمكن أن يكون منظمًا على نحو مخصوص بالنسبة إلى ما يسميه le semblant - ليست شيئًا قابلًا للاختبار أو البرهنة. لكن هذا لا يمنعنا من الحديث عنها.
وهذا يسمح لنا بترجمة هذا الجزء من العنوان على أنه «الذي لا يكون». فهو يفترض الوجود الافتراضي لنوع معين من الخطاب: «خطاب لا يكون ...»
وأضيف هنا تحفظًا صغيرًا: فبعضكم قد يدرك أن الصيغة الشرطية في الفرنسية يمكن أن تعمل، في الوقت نفسه، كما يعمل الشرط الإنجليزي الأقدم would في عبارة مثل «I would go»، وهي عبارة كان لا بد في الإنجليزية الأمريكية من ترجمتها الآن إلى «I would like to go». وهذا يتيح لنا أن نقدم ترجمة ثانوية ممكنة للعنوان على النحو الآتي: «عن خطاب لا يرغب في أن يكون ...»
لا يرغب في أن يكون ماذا؟ هذا هو السؤال! لدينا هنا مشكلتان: كيف نترجم حرف الجر الظاهري البساطة de، وهو، في خبرتي، أصعب حروف الجر ترجمة في عمل لاكان، وكيف نترجم كلمة semblant. حين ترجمتُ السمينار العشرين، اقترحتُ أن تُترجم semblant إلى «semblance»، وهو - بحسب Webster - المظهر الخارجي أو هيئة الشيء؛ أو هيئة مزعومة أو غير حقيقية، أو استعراض؛ أو شبه أو صورة أو نسخة؛ أو ظهور طيفي أو شبح.
أما Oxford English Dictionary فهو، كعادته، أكثر سخاءً: إذ يورد مظهر الشخص أو الشيء الخارجي؛ أو الشكل أو الشبه أو الصورة لشخص أو شيء، بالنظر إلى آخر مشابه؛ أو مظهر الشخص أو سلوكه، بما يعبّر عن أفكاره ومشاعره، إلخ، أو يكون مصطنعًا لإخفائها؛ أو مظهرًا أو تبدّيًا خارجيًا لشيء غير موجود فعلًا أو تختلف حقيقته عن مظهره؛ أو شبحًا أو رؤية لشخص، إلخ؛ أو مجرد المظهر؛ أو شخصًا أو شيئًا يشبه آخر؛ أو شبهًا أو صورة أو نسخة من شيء؛ أو حقيقة التشابه أو كونه شبيهًا بشيء؛ أي: الشبه، والتماثل.
يمكن استعمال اللفظ الفرنسي في المفرد والجمع، في حين أن اللفظ الإنكليزي يُستعمل عادة من دون أداة تعريف أو جمع، لكن مجال المعنى والجذر الاشتقاقي يكادان يكونان متطابقين. فضلًا عن ذلك، لا يوجد في الفرنسية - في حدود علمي - لفظ آخر يقابل «semblance» الإنكليزية. ومع ذلك، لم يمنع هذا أحدًا في العالم الناطق بالإنجليزية من تبنّي الترجمة الشاذة «semblant».
يسجل OED كلمة «semblant» في الإنجليزية على أنها غامضة وقديمة، ونسختي الشخصية منه تعود أصلًا إلى عام 1971. وكان يمكننا بطبيعة الحال إحياءها لو لم توجد ترجمة جيدة للفرنسية semblant، كما في حالة semblable.
لكن يبدو لي أن «semblance» تؤدي المهمة جيدًا في جميع السياقات التي صادفتها حتى الآن. وأعتقد أيضًا أنه من الأفضل تجنب تحويل كل كلمة فرنسية عادية يستخدمها لاكان إلى شيء فتيشي، بحيث يتحول الخطاب اللاكاني في الإنجليزية إلى حقل متصلب ومزدحم بالمصطلحات.
«عن خطاب لا يكون [أو لا يرغب في أن يكون] [de] من المظهر».
ونصل هنا إلى الجزء الأصعب. فـ«of» و«from»، وهما الخياران الأرجح، لا تبدوان دالتين كثيرًا، مما يوحي بأنه لا بد من النظر أبعد قليلًا، كما هي الحال كثيرًا مع لاكان. وبالنظر إلى شروح لاكان للعنوان في الصفحتين 18 و19 من السمينار، قد نخلص إلى أن «about» هو الأنسب: «عن خطاب لا يكون عن المظهر». ويفترض أن مثل هذا الخطاب، بتجنبه الحديث عن مجرد المظاهر، سيكون خطابًا عن الحقيقة ذاتها!
غير أنه إذا تذكرنا الدرجة التي يرى بها لاكان أن الحقيقة متشابكة لا انفصام فيها مع بنية تخييلية، مثل قوله: «الحقيقة لا تتقدم إلا على أساس بنية تخييلية» (ص. 133)،(2) وأنها لا تظهر إلا داخل أطر الخيال - سواء كانت أطر الفانتازيا أو الأحلام أو القصص القصيرة لإدغار آلان بو - فلابد أن نتساءل هنا. فالبحث التحليلي النفسي يتعلق بالحقيقة بوصفها شيءًا يُفكك انطلاقًا من خطاب المُعالج/المُعالَجة الذي لا يكذب إلا بالضرورة، خطاب لا يستطيع إلا أن يقول الحقيقة نصفَ قول، أو أن يقول الحقيقة نصفَ قول، بدل أن يقول «الحقيقة كلها ولا شيء سوى الحقيقة». وكما يقول لاكان في الصفحة 26 من السمينار: «الحقيقة ليست نقيض المظهر. الحقيقة هي البعد - demansion [وهذه نحتٌ لفظي يجمع بين dimension وmansio اللاتينية، أي المسكن أو المأوى، ويمكن ترجمته إلى مسكنٍ، أو مجالٍ للسكنى، أو dwealm؛ كما أن تحويل الحرف الأول من i إلى e يجعله يشبه كلمة “demand” أيضًا] - الذي يرتبط ارتباطًا صارمًا ببعد المظهر».
«خطاب لا يكون عن المظهر» ولكن عن الحقيقة نفسها، سيقترب إذن، على ما يبدو، من نوع من الحقيقة عن الحقيقة، أي من خطاب يعتقد أن له وصولًا مباشرًا إلى الحقيقة من غير أن يمر عبر الممرات الماكرة والمخادعة للكلام. وربما لا يكون التمييز بين المظهر والحقيقة هو الوحيد الملائم هنا. وهذا لا يعني أننا مضطرون إلى استبعاده: فمع لاكان، التراكم هو اسم اللعبة - إذ تُختار العناوين لأنها تسمح بقراءات متعددة!
يخبرنا لاكان مبكرًا في السمينار أنه يساوي بين الدال والمظهر («هذا المظهر هو الدال في ذاته»، ص. 14؛ «الدال مطابق لحالة المظهر بما هي كذلك»، ص. 15؛ وانظر أيضًا، في وقت متأخر جدًا، «الدال، أي المظهر بامتياز»، ص. 121). ومن أهم الفروق التي يواصل التأكيد عليها في السمينار الفرق بين الدال والحرف، أي بين الكلام - وتذكروا أن لاكان يذكّرنا في السمينار العشرين بأن الدال هو ما تسمعه بأذنيك - والكتابة. وكما يعبّر في الصفحة 118: «لا شيء يسمح لنا بأن نخلط، كما حصل [مع ذلك]، بين الحرف والدال». وهذا جزء من الجدل غير المعلن بالكامل في السمينار مع دريدا، الذي لا يذكره لاكان اسمه مرة واحدة، رغم أنه يصف ورقته عن لوح فرويد السحري بأنها هراء محض في الصفحة نفسها (ويورد ميلر إحالةً إلى ورقة دريدا عن Wunderblock فرويد، المعروفة بالإنجليزية باسم «اللوح الكتابي [أو السحري] العجيب»).
وعلى الرغم من أن دريدا لم يكن قد نشر بعد نقده الواسع والسّاخر للاكان في «Le facteur de la vérité»، الذي نُشر في مجلة Poétique عام 1975 (ودخل في العام نفسه Yale French Studies 52 بعنوان «The Purveyor of Truth»، ثم في The Post Card عام 1987، وجزئيًا في The Purloined Poe عام 1988)، فإن لاكان كان يدرك بوضوح أن دريدا كان يشرع في نقده هو والتحليل النفسي عمومًا بسبب تفضيلهما الكلام على الكتابة. (والإحالة إلى arché في السمينار، في الصفحات 83 وما يليها، هي بوضوح إحالة إلى دريدا).
يبذل لاكان في السمينار الثامن عشر جهدًا كبيرًا لكي يوضح مواقفه الأكثر نضجًا بشأن التداخل بين الكلام والكتابة، وبين تطور اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة، بما في ذلك استطراد غامض إلى حد ما حول العلاقة بين الحروف الصينية المكتوبة والكلام الياباني، وهو استطراد من المرجح أن يمر فوق رؤوسنا نحن الذين لا نعرف هاتين اللغتين إلا معرفة محدودة جدًا.
نجد في هذا السمينار ما قد يكون أطول عودة من لاكان إلى المواقف التي صاغها في «سمينار حول “الرسالة المسروقة”» - إذ يوضح هنا مرارًا متى يكون يشير إلى الحرف بوصفه رسالة ومتى يكون يشير إليه بوصفه نقشًا، وهو ما كان نادرًا ما يفعله في تلك المقالة بعينها؛ ويبدو أن ذلك أدى إلى كثير من سوء الفهم أو التأويلات الجائرة التي نجدها في The Title of the Letter لنانسي ولوكوبار-لابارت (1992). وأظن أن الوقت كان قريبًا من هذه الفترة، حين كان دريدا يتحدث عن لاكان وعن الرسالة المسروقة في سميناره هو مع هؤلاء الطلبة البارزين، وأن لاكان كان يتلقى على الدوام تقارير عمّا دار في ذلك السمينار من أشخاص يعرفهم؛ وتذكروا أنه في السمينار العشرين يشير إلى هذين المؤلفين بوصفهما sous-fifres، أي صغار الخدم - وهو، بعبارة ما، يراهما عملاء أو أتباعًا لذلك الجاك الآخر.
إن التمييز بين الدال - بوصفه قائمًا على الكلام والسماع، ومن ثم أكثر عرضة لسوء الفهم - والحرف بوصفه مكتوبًا أو منقوشًا، يقودنا إلى ترجمة أخرى ممكنة لعنوان السمينار: «عن خطاب لا يكون قائمًا على المظهر» - أي: «عن خطاب لا يكون قائمًا على الدال بل على الحرف، خطاب لا يقوم على الكلام بل على الكتابة». وإذا دفعنا هذا خطوة أخرى - وهي خطوة يهيئنا لاكان لها صراحة في الصفحة 122 من السمينار، حيث يقول: «الكتابة - أي الحرف - في الحقيقي، والدال في الرمزي» - أمكننا أن نفسر العنوان هكذا: «عن خطاب لا يقوم على الرمزي بل على الحقيقي». وهذه الشروح الثلاثة، إذا أخذناها معًا، تشكل عنوانًا طويلًا جدًا، لكنها ربما تكون أبلغ قليلًا بالنسبة إليكم من العنوان الأصلي.
ومن الدعم الإضافي لترجمة du semblant على أنه «قائم على المظهر» ما يقوله لاكان في موضع آخر (ص. 124) عن الأدب الطليعي بوصفه «لا يستند إلى المظهر» (ne se soutient pas du semblant)، وهي عبارة تعني حرفيًا أيضًا «لا يقوم على المظهر» أو «لا يُؤسَّس على المظهر».
ولأعقد حياتكم قليلًا أكثر، لا بد من أن أذكر، بضمير حي، أن du semblant يمكن، اصطلاحيًا، أن يعمل مثل عدد من الألفاظ الفرنسية الأخرى، مثل du toc. فعندما تقول بالفرنسية: ça, c’est du toc، فأنت تعني أن الشيء مزيف؛ فبدل أن يكون مثلًا ألماسة حقيقية، يكون زركونًا مكعبًا؛ وبدل أن تكون حقيبة شانيل أصلية، فهي تقليد صيني رخيص. وبدل أن يكون غرانيتًا، فهو بلاستيك رمادي. C’est du bidon - إنه هراء/رديء.
Semblant أرفع قليلًا وأكثر تهذيبًا من toc أو bidon، لكن المعنى متقارب جدًا: فنحن هنا نتحدث عن خطاب لا يكون مجرد كلام فارغ أو خرافة، إن صحّ التعبير، بل يكون الشيء الحقيقي نفسه، أو الأصل بعينه! ومن هنا: «عن خطاب لا يكون مجرد مظهر» - وهي عبارة يطلقها الوضعيون المنطقيون على التحليل النفسي - أو، بصيغة ألطف قليلًا: «عن خطاب لا يكون إلا مظهرًا».
وهنا يتبادر إلى الذهن حتمًا التعبير الفرنسي faire semblant، الذي يعني التظاهر أو الادعاء. والتقابل إذن بين خطاب هو مجرد تظاهر، يخدع العين، وخطاب يفتح العين. ففي السمينار، يورد لاكان مثال ماركس في المجلد الأول من رأس المال: فالرأسمالية تحاول أن تخدعنا بمفهوم توليد الربح، بينما ما يجري في الواقع هو استخراج فائض القيمة غير المدفوع من العامل (ص. 165). وفرويد بالطبع يشتغل على الموضوع نفسه، بقدر ما يؤكد الخداع المتضمن في الوعي، وهو ما يمكننا تفكيكه عبر استكشاف اللاوعي. ويقول لاكان بوضوح في نهاية السمينار (ص. 166) إن الخطاب التحليلي النفسي «ينصت إلى خطاب لا يكون، وفي الواقع ليس» خطاب المظهر. وبعبارة أخرى، فإن المحلل الذي ينصت إلى اللاوعي يبحث عن خطاب لا يقوم على المظهر، بل يعثر عليه فعلًا.
اسمحوا لي، إذا احتملتم ذلك لحظة، أن أعيد كتابة عنوان السمينار على النحو الآتي:
خطاب لا يكون
عن مجرد قائم على
المظهر
فكيف يكون الخطاب القائم على الحرف، والكتابة، والحقيقي؟ لقد قدّم لاكان بعض الأمثلة عليه في السمينار السابع عشر من خلال كتابته الخادعة في بساطتها للخطابات الأربعة:
وهو يعلّق صراحة على عدد منها في هذا السمينار، فيحدد، عرضًا، الموضع العلوي الأيسر في كل خطاب بوصفه موضع المظهر، والموضع السفلي الأيسر في كل خطاب بوصفه موضع الحقيقة. ومع استهلاله الاستكشافات الأولى في السمينار لما سيغدو لاحقًا صيغ التمايز الجنسي، نجد أيضًا رسومات إضافية لما قد يبدو عليه خطاب قائم على الكتابة - ومن الواضح أن لاكان يواصل الذهاب أبعد فأبعد في هذا الاتجاه مع نقوشه الطوبولوجية! والأشكال الطوبولوجية مثل crosscap عسيرة الوصف بالكلمات، ومستحيلة التخيل، وهي تعطل إمساك الخيال والرمزي معًا بها.
لاحظوا هنا ما قد نجده متناقضًا، إن لم يكن متعارضًا صراحة، في 1) القول إن الخطابات لا تتجاوز أربعة، وأن الماتيم الموجود في الركن العلوي الأيسر من كل واحد من هذه الخطابات الأربعة يشغله ما يعمل بوصفه المظهر في ذلك الخطاب، و2) فرضية وجود خطاب لا يكون قائمًا على المظهر! فقد يبدو أن لاكان يقترح هنا إمكانية خطاب غير مدرج ضمن الخطابات الأربعة التي سبق أن رسمها وكتبها لنا (خطاب المُحلَّل؟)؛ أو قد يبدو أنه يقترح أن واحدًا من الأربعة لا يقوم على المظهر بالطريقة التي تقوم بها الثلاثة الأخرى.
ولا شك أن من أكثر الخطابات فسادًا في نظر لاكان الخطاب الجامعي، الذي يضع المعرفة في موضع المظهر، أو كما يعبّر: حيث نرى «المعرفة موضوعة موضع الاستعمال على أساس المظهر» (ص. 118). ولأن كل شيء تقريبًا في زماننا صار جزءًا من الخطاب الجامعي أو واقعًا تحت مظلة الخطاب الأكاديمي،(3) يمكننا أن نقول إن لاكان يهدف إلى خطاب تُوضع فيه المعرفة في موضع مختلف، كما يحدث مثلًا حين تتصل المعرفة بالحقيقة، كما في استكشاف اللاوعي في الخطاب التحليلي النفسي. وبهذا المعنى، يمكننا أن نقول إن لاكان يقابل بين الخطاب الأكاديمي والخطاب التحليلي النفسي، بحيث يكون الأخير هو الخطاب الذي لا يقوم على المظهر.
إذا صح هذا، فقد يساعدنا على فهم الملاحظة التي يوردها لاكان في الصفحة 117 حين يتحدث عن الفاصل بين التمتع والمعرفة، حيث يشكل الحرف برزخًا أو حدًا بينهما. ففي الخطاب التحليلي نجد التمتع فوق المعرفة (a/S2)، وهما مفصولان بالشرطة، وما هي الشرطة في النهاية إن لم تكن نقشًا، شكلًا من الكتابة، أي حرفًا؟ ويقول لاكان ذلك مرة أخرى في السمينار العشرين: «لا يوجد شيء يمكنك أن تفهمه في الشرطة» (Lacan, 1998a, ص. 34). ولا أعتقد أنه كان يشير إلى ذلك النوع من الحانات الذي يشرب فيه المرء أكثر مما ينبغي فيفقد القدرة على فهم أي شيء يقوله له الآخرون.
أما الأمثلة الأساسية التي يوردها لاكان هنا على الخطابات القائمة في جوهرها على الكتابة بدلًا من الكلام، فهي المنطق الرمزي والمنطق الرياضي، لكنه لا يفوّت أبدًا التذكير بأن أي شيء تقريبًا في هذين المجالين لا يمكن أن يُنقل إلى الطلاب من دون استعمال اللغة العادية، أي من دون استعمال ما هو غير مكتوب. وهذا يعني أن حتى الخطابات التي تعتمد أكثر ما تعتمد على الكتابة لا تستطيع أن تستغني كليًا عن الدال.
كما ترون، أبدأ من أبسط ما يمكن في السمينار، وسأواصل ذلك بطرح السؤال: «كيف يُبنى السمينار؟»
وكما في السمينار العشرين، يدّعي لاكان هنا أنه في موضع المُحلَّل (ص. 11)، بينما يكون جمهوره في موضع المحلل (a) - مما يوحي بأن لاكان كان لديه عدة مئات من المحللين، وهذا كثير جدًا بأي معيار تقريبًا. ويصف جمهوره بأنه plus-de-jouir pressé. ويمكن ترجمة هذا الأخير بطرق مختلفة، ولم يكن عددًا قليلًا من الحاضرين مرتاحًا له، على ما يبدو! فـplus-de-jouir - كما تعلمون - صياغة لاكانية مبنية على نحو فضفاض على الترجمة الفرنسية لـMehrwert الماركسية، أي فائض القيمة بالإنجليزية وplus-value بالفرنسية، وهو ما يجعل ترجمته إلى «فائض التمتع» أو «فائض اللذة» معقولة. وكان لاكان نفسه يترجم plus-dejouir إلى الألمانية بوصفه Mehrlust.
أما pressé فلها معانٍ متعددة، وأول ما خطر ببالي على الأقل كان مرتبطًا بعصائر الفاكهة التي يمكن أن تشتريها في فرنسا، مثل un citron pressé - وهو ما نسميه في الولايات المتحدة ليمونادة - أو une orange pressée، التي يُفترض أنها عصير برتقال معصور حديثًا، حتى لو كانت أحيانًا مجرد رغوة لا عصيرًا معصورًا فعلًا! (وأقترح أن citron هي الكلمة الناقصة في الصفحة 29 من السمينار.) وعلى هذا المستوى على الأقل، يصف لاكان جمهوره بأنه فائض تمتع معصور حديثًا، وقد نتساءل عندئذ: من الذي عُصِرَ، ومن الذي كان يعصر؟ ويبدو، ربما، أن لاكان يعتقد أنهم كانوا يعصرون منه فائض التمتع بأن يضعوه في العمل، ويجعلوه يقدّم السمينار عامًا بعد عام. ويمكن أيضًا أن نفكر في أنه يعني أنهم يستمتعون على نحو هائل بالاستماع إليه.
وبعض المُحلَّلين/المُعالَجين، بالمثل، يعتقدون أن محلليهم يتعلمون كثيرًا ويستمتعون استمتاعًا هائلًا بالاستماع إليهم، وأنه ينبغي في الواقع أن يدفعوا هم للمُحلَّلين بدل أن يكون العكس. وأظن أن ثمة معنى في التساؤل عن سبب دفع أي أحد ثمن التحليل أصلًا، لأنك تدفع أساسًا ثمن الفقد، وتدفع لتفقد شيئًا، وفي الواقع تقوم بتدريب محللك أيضًا؛ لكن هذا يصلح لموضوع آخر! ربما في متحف فرويد في لندن العام المقبل، حيث سيكون الموضوع هو التحليل النفسي والمال (انظر الفصل 1 من هذا المجلد).
لكن لاكان يذكر أيضًا presse لديهم، أي كونهم حشودًا متراصة متزاحمة في هذا المدرج، إذ يبدو أن عددهم كان أكبر بكثير من عدد المقاعد المريحة للجلوس. وبهذا المعنى، بدوا فائضَ تمتعٍ مضغوطًا.
غير أن pressé تعني أيضًا «على عجلة»، ويشير لاكان إلى أنهم، على الرغم من تموضعهم في موضع المحلل بالنسبة إليه، لا يملكون المعرفة المرتبطة بذلك الموضع في خطاب المحلل (ص. 12):
وربما كان يراهم مستعجلين إلى حد يمنعهم من اكتساب المعرفة اللازمة لشغل موضع الموضوع a في خطاب المحلل! ومن قرأ السمينارات بتفصيل يدرك كثرة الملاحظات التهكمية التي يوجهها لاكان إلى جمهوره بدءًا من هذه الفترة، إذ كان يجد صعوبة في فهم سبب استمرار المئات من الناس - الذين لم يكونوا، على ما يبدو، على دراية بكثير من النصوص التي يناقشها، وربما لم يكونوا يقرؤونها رغم حثه المتكرر - في الحضور إلى سميناره.
ومن ثم فثمة أمر غريب في بنية السمينار كما يصفها لاكان: فحديثه في السمينار بوصفه مُحلَّلًا يضع الجمهور بنيويًا في موضع المحلل، لكن هذا موضع يعجزون عن شغله على نحو كافٍ. يبدو أن لدينا هنا مُحلَّلًا غير مألوف يبحث عن محلل يليق به، لعلّه شبيه بشخصيات بيرانديللو الستة الباحثة عن مؤلف.
الموضوعات الرئيسة في السمينار، في نظري، هي ما يلي: المظهر، والكتابة، والفالوس، واسم-الأب، و«لا وجود لما يسمى علاقة جنسية» (ص. 65). ويظهر هذا الادعاء في هذا السمينار للمرة الأولى في عمل لاكان، رغم أنه كان قد أصر قبل ذلك عدة مرات على أنه «لا وجود لما يسمى فعلًا جنسيًا» (انظر ص. 33 هنا)، والفعل هنا، من الواضح، ينبغي أن يُؤخذ بمعنى مخصوص جدًا، على نحو يشبه معنى «العلاقة» في العبارة الأشهر. وعبر قوله «لا وجود لعلاقة جنسية» فإنه لا يقصد - كما يوضح لاكان لاحقًا - أن العلاقة بين الجنسين ليست موجودة فعلًا، بل إن كل المحاولات الرامية إلى ربطها بالكلام أو بالمنطق العادي تسقط في مجال المظهر.
في المجال الإنساني، لا يُفترض المظهر إلا في الخطاب، وهو لا يتكوّن إلا بفعل الخطاب. وفي الصفحة التالية يخبرنا لاكان أن الخطاب عمومًا هو مظهر، وأنه يخلق ما نسميه عالمًا، عالمًا قائمًا على المظهر. «كل ما هو خطاب لا بد أن يتبدّى بوصفه مظهرًا، ولا شيء يُبنى فيه إلا انطلاقًا مما يُسمّى الدال» (ص. 15).
ولترجمة ما يقوله هنا إلى مصطلحات قد تكون أَقرَب إلى بعضكم، يمكن القول إن كل كلام، وكل خطاب، يدور حول البناء الاجتماعي للواقع، حيث تُهمَل مسألة الحقيقة بحرفها الكبير. لا شك أن هناك بنيات سائدة وأخرى غير سائدة، وما يُسمّى خطابات مهيمنة مقابل خطابات أقلوية، وقد يشترك أعضاء مختلفون من الجماعة الاجتماعية المعنية في بناء معين للواقع وقد لا يشتركون. لكن الغالب أن الصراعات بين هذه البنيات الاجتماعية للواقع، أو بين «الرؤى للعالم» كما كان يُقال قديمًا، تُخاض على مستوى براغماتي وسياسي، حيث يغيب مفهوم الحقيقة المطلقة غيابًا لافتًا.
إن مجرد فكرة التعددية تفترض وجود جماعات مصالح متنافسة متعددة، وهذا لا يكون ممكنًا إلا حين تُعلَّق الحقيقة بحرفها الكبير أو تُرحَّل إلى دروس الفلسفة داخل الأكاديمية.
قلّ أن يلتفت الناس إلى زلات اللسان أو إلى الحقيقة الممكنة التي تكشفها صياغة ملتبسة عندما تكون المفاوضات جارية بين الإدارة والعمل في مصنع، أو بين أحزاب سياسية متنافسة، أو بين شركاء تجاريين أو دول تحاول تسوية نزاعات حدودية.
ومع ذلك، فإن التحليل النفسي يلتفت دائمًا إلى زلات اللسان وإلى الصيغ الملتبسة - يلتفت دائمًا إلى الحقيقة بوصفها قابلة للتتبع إلى اللاوعي، سواء سمّينا هذه الحقيقة بحرفها الكبير أم لا! ففي التحليل النفسي ليست الزلات والأفعال الخاطئة مسائل هامشية أو تشتيتات، بل هي الجاذب الرئيس، والمادة الأساسية، ومركز الاهتمام.
وحين يكون اللاوعي في مركز اهتماماتنا، تصبح كل المظاهر المختلفة - سأستعمل هنا صيغة الجمع - تصبح كل المنظورات الإيديولوجية المختلفة، كأنها خطابات أناوية، أي تبلورات لرؤى عن العالم وعن الذات، ورؤى للذات في العالم، تستبعد استبعادًا منهجيًا شيئًا ما، وهذا الشيء يسمى في التحليل النفسي اللاوعي.
ومع تقدم التحليل النفسي - وأولئك منكم الذين خاضوا قدرًا كبيرًا منه يمكنهم أن يشهدوا على ذلك - تتداعى أمور كثيرة كان المرء يعتقدها عن العالم وعن نفسه. وما يُشار إليه اليوم في علم النفس المعاصر، وفي كثير من الخطابات السياسية أيضًا، باسم «الهوية» يمر في التحليل النفسي بتحول جذري، وكذلك يفعل التصور للعالم أو الواقع الاجتماعي الذي كان المرء قد أقرّه، إن لم يكن قد اعتنقه، وهو ما يقترن به عادة.
تتعرّض هوية المرء بوصفه «مغايرًا جنسيًا» للاهتزاز حين يبدأ في الانتباه إلى أفكاره ومشاعره المثلية. وقد تصبح هوية المرء بوصفه «مثليًا» أكثر تعقيدًا مع الاعتراف بجاذبيات مغايرة جنسيًا. ويتضح أن كل هوية إنما تستند تحديدًا إلى ما تستبعده وما تكبته. وتُفتح هوية الرجل أو المرأة على الشقوق الكامنة في الدرع، وحتى أولئك الذين تبنّوا فكرة أن الجندر أداءٌ لا بد أن يواجهوا الفانتازم الجوهري، وهو ليس أداءً، بل شيء آخر غير الأداء تمامًا.
يبدو أن المظهر هنا يتناول مجموع الأفكار والمعتقدات التي نحتفظ بها عن العالم وعن أنفسنا في العالم، وهي من مادة المتخيل بقدر ما يُلتقط داخل الخطاب. وتبيّن لنا هذه الأفكار والمعتقدات أنها مسنودة بالفانتازم الأساسي، وحين يُعاد تشكيل هذا الأخير في سياق التحليل النفسي، يعاد تشكيلها هي أيضًا. وهذا لا يعني أننا لم نعد مخدوعين في نهاية التحليل، أو أننا لم نعد نمتلك أي أفكار أو معتقدات لا تعدو أن تكون مظهرًا!
وقد نذهب إلى حد القول إن بعض الأفكار والمعتقدات التي نتمسك بها في نهاية التحليل لا تستبعد اللاوعي. وبهذا المعنى، فهي ليست منفصلة عن الحقيقة بالطريقة نفسها التي كانت بها الأفكار التي تمسكنا بها من قبل.
وثمة أمر آخر يقوله لاكان عن المظهر هنا يتصل بمناقشته لاسم-الأب: «لا يوجد اسم-أب يمكن أن يقوم من غير الرعد، الذي يعلم الجميع أنه علامة، حتى وإن كنا لا نعرف علامةً على ماذا هو. تلك هي الصورة عينها للمظهر» (ص. 15).
إن الرعد (tonnerre) هو العلامة النموذجية، والتي بدونها لا يمكن أن يوجد اسم-الأب، لكننا لا نعرف ما الذي يدل عليه. وطبعًا نحاول أن نعطي الرعد معنى؛ فالصينيون يسمونه حكم الله أو حكم السماء. ها نحن نسرق دجاجات جارنا، وفجأة ينفجر الرعد بصوت عالٍ. ماذا يعني ذلك؟ أننا كنّا نرتكب خطأً وقد نُعاقَب عليه قريبًا؟
في أمريكا قد تسمعون أحيانًا الناس يقولون: «لتضربني الصاعقة إن كنت أكذب». ولأن هذا لا يحدث تقريبًا أبدًا - فغالبية من يقتلهم البرق يكونون وقتها يلعبون الغولف، يلوّحون بعصيهم بدلًا من الكلام - فهذا، في الغالب، ما أسميه ادعاءً مبالغًا فيه، والناس الذين يقولون مثل هذه الأشياء كاذبون. لكن المقصود، مع ذلك، هو أنه كما أن الدال يمثل ذاتًا بالنسبة إلى دال آخر، من غير أن نعرف من هذه الذات أو ما هي، فإن العلامة تمثل شيئًا لشخص ما، لكننا هنا لا نعرف ما هذا الشيء.
ويقول لاكان الشيء نفسه عن الأعراض هنا: «الأعراض [...] أشياء تبدو لنا علامات، لكننا لا نفهم عنها شيئًا» (ص. 52).
نحن نحاول أن نسحبها إلى المعنى، أن نجد لها معنى - وهذا هو ما يفعله الطفل عندما يواجه صوت الأب الرعدي. فالطفل يفسره بوصفه نهيًا، لكن عمَّ ينهى؟ لا أحد سوى الطفل يمكنه أن يقدّم تفسيرًا له بنفسه - إذ لا معنى ملازم له من ذاته.
من تابع لاكان مدة من الزمن يدرك أهمية مفهوم الفالوس في عمله. وعلى الرغم من حساسيته الشديدة، خاصة في زماننا، لا يتردد لاكان في العودة إليه مرارًا، شارحًا إياه بطرائق مختلفة ومساويه بلفظ مختلف في كل مرة يتناوله فيها. وكما لا يمكنك أن تنزع النقص من لاكان أو السيد من الاستمناء، يبدو مفهوم الفالوس محوريًا جدًا في صوغ لاكان لوظيفة اللغة ولعمل الجنسية، بقدر ما تكون الجنسية لدى البشر معتمدة اعتمادًا كاملًا على اللغة.
وبحسب السمينارات والكتابات التي قرأتموها من لاكان، قد تكونون تعلمون أنه لا يفهم الفالوس بوصفه عضوًا بيولوجيًا، أي القضيب، بل بوصفه شيئًا يقع في الحقل الرمزي: الدال على الرغبة، والدال على رغبة الآخر، بل وحتى بوصفه الحاجز بين الدال والمدلول. ويذكّرنا لاكان في السمينار الثامن عشر بأنه ساوى مرةً بين الفالوس واسم-الأب، ويذكر أن بعض الأشخاص المتدينين قد صدمتهم تلك المساواة عندما طرحها أول مرة (ص. 172).
وحين يتحدث عن الفالوس في الحقل المتخيل، فإنه يكون دائمًا شيئًا سالبًا، أو ناقصًا، أو خسارة من نوع ما: ناقص فاي. وبهذا المعنى يقابل الخصاء - أي الخسارة المتخيلة للتمتع المنسوب إلى القضيب لدى الأولاد، والخسارة المتخيلة للتمتع على نحو أعم لدى البنات.
بالنسبة إلى لاكان، يشكّل الفالوس نوعًا من الحد الثالث الذي يأتي بين الرجل والمرأة، فيجعل العلاقة بينهما مستحيلة. ومن هذه الجهة هو شبيه باللغة نفسها، إذ يقيم جدارًا لا يُتخطى بين جميع البشر - رجل ورجل، وامرأة وامرأة، ورجل وامرأة - فيجعل كل تواصل بينهم سوءَ تواصل، وكل فهم بينهم سوءَ فهم. وفي نظر لاكان، لأننا كائنات ناطقة، لا توجد علاقة واضحة بين الجنسين، ولا توجد طريقة بسيطة لتعريف الرجل والمرأة.
في المملكة الحيوانية، تنظم العلاقات بين الأفراد على نطاق واسع بفعل الغريزة - وإلى حد ما، كما نتعلم، بفعل نوع من التطور الاجتماعي أو الثقافي أيضًا (انظر Avital & Jablonka, 2000) - وتكون الأدوار الجنسية محددة عادة على نحو جيد، رغم اختلافها الواضح من نوع إلى آخر. لكن أي حيوان، لأسباب واضحة، لن يخطر بباله أصلًا أن يحاول تعريف شيء مثل العلاقة بين الذكر والأنثى - بل إن أي حيوان لن يحلم حتى بمحاولة تعريف أي شيء على الإطلاق!
ما إن تظهر اللغة إلى الوجود حتى تصبح العلاقة بين الأشياء والكائنات علاقةً وسيطة، لا تحكمها الغريزة، ولا طقوس الخطبة والتزاوج التي تمليها الغريزة، بل الدوال - الدوال في صورة حكايات وأساطير وطقوس هي جزء لا يتجزأ من كل ثقافة، بما تحمله من قصص وحكمة عن علاقة الزوجين والجماعة، وعن العلاقات بين الآلهة وبين البشر والآلهة. ولا أظن أنني أكون قد بالغت لو قلت إن الفالوس اختصارٌ من نوع ما في مفردات لاكان لـالوساطة التي تُدخلها اللغة. إنه ليس وسطًا (medium, ص. 142) بين الرجل والمرأة يسمح لهما بالتفاوض حول علاقة، بل هو عقبة في وجه أي علاقة من هذا النوع.
وهذا ما يسمح للاكان في السمينار العشرين بأن يساوي بين الفالوس والحاجز بين الدال والمدلول، وذلك الحاجز يمثل استقلال المستويين النسبي، أي حقيقة أن الدال يهيمن على المدلول، وأن كلاً من الدال والمدلول يظل مستقلًا عن المرجع - المرجع الواقعي المفترض في العالم، الذي يعتقد بعض الناس، بسذاجة (مثل Richards & Ogden, 1945)، أن مهمة اللغة هي تمثيله لنا في الكلام والفكر.
وهذا أيضًا ما يتيح للاكان أن يقول إنه لا توجد علاقة جنسية لأن «العلاقة الجنسية هي الكلام نفسه» (السمينار الثامن عشر، ص. 83).(4)
كيف يتناول لاكان الفالوس في السمينار الثامن عشر؟ يبدأ بإعلانه أن «لا وجود لما يسمى علاقة جنسية» (ص. 65) بمعنى أنه مهما تكلمنا عن العلاقات الجنسية، فإن أي شيء معقول يلتقط علاقة الجنسين لا يمكن أن يُكتب. ثم يخبرنا أن «وظيفة الفالوس [...] تجعل الثنائية الجنسية غير قابلة للقيام، غير قابلة للقيام على نحو يدمر حرفيًا كل ما يمكن أن يُكتب عن هذه العلاقة» (ص. 65). ثم يواصل:
الفالوس، من خلال تركيزه على عضوٍ ما، لا يعيّن بأي حال العضو المعروف بوصفه القضيب مع فسيولوجيته، ولا حتى وظيفة الجماع التي يمكن أن [...] تُنسب إليه بشيء من الشبه بالواقع. وعندما نطالع النصوص التحليلية النفسية نرى أن الفالوس يستهدف بلا التباس صلته [العضو] بالتمتع. ومن هذه الناحية تميّزه النصوص التحليلية عن الوظيفة الفسيولوجية.
(ص. 67)
ولم يكتفِ لاكان بالتمييز بين الفالوس والقضيب بوصفه عضوًا، فقال أيضًا في الصفحة نفسها إن «الفالوس هو العضو [الذكري؟] بقدر ما هو تمتع أنثوي» (ص. 67). ويكرر ذلك في الصفحة 69، تحسّبًا لأننا لم نسمعه في المرة الأولى. لكن التكرار لا يجعل الأمر أكثر وضوحًا بالضرورة!
ويتابع قائلًا: «الأداة الفالوسية» ينبغي ألا تختلط بالقضيب. فالقضيب «يضبط نفسه على» [se règle sur، أي يتكيّف مع، أو ينحو إلى، أو يستهدف] القانون، أي الرغبة، أي الفانتازم» (ص. 70). «ومن المستحيل تمامًا وضع الأداة الفالوسية في اللغة»، أو كما يقول الناس اليوم بصورة متزايدة: «من المستحيل تمامًا “لغة” الأداة الفالوسية» (ص. 71).
أما القشة الأخيرة على الكعكة هنا - وهذا بعض ما يجعلني مقتنعًا بأن دريدا كان لا بد أنه كان يتحدث بالفعل عن «سمينار حول “الرسالة المسروقة”» في مقرره هو - فهي أن لاكان يخبرنا بأنه أمضى صباحًا قبل إعطاء درسه يعيد قراءة مقاله الصادر عام 1956 عن «الرسالة المسروقة»، فوجدَه رائعًا بطبيعة الحال؛ ويخبرنا أيضًا أنه في ذلك المقال كان «ما أتحدث عنه هو الفالوس. وسأذهب أبعد من ذلك: لم يسبق لأحد أن تحدث عنه أفضل من هذا!» (ص. 94).
وطبعًا لا يُذكر الفالوس مرة واحدة بالاسم في مجرى «سمينار حول “الرسالة المسروقة”». فنحن، مثل بقية جمهور لاكان، لا نملك في الحقيقة أي فكرة عن مكان دخول الفالوس في حديثه عن إدغار آلان بو، لكن لاكان يخبرنا في الحصة التالية، في إشارة إلى وصف بو للوزير بأنه رجل «يجرؤ على كل شيء، ما لا يليق بالرجل كما يليق به»، أن «الفالوس هو الجانب الذي لا يقال، والجانب المخزي، الذي لا ينبغي أن يُتحدث عنه فيما يخص الرجل» (ص. 96). ومهما كان معنى ذلك! (هل للفالوس علاقة بجرأة الأشياء التي لا تليق [بالرجل]؟).
ويمضي لاكان حتى يكرر شيئًا ألمح إليه في عنوان مقاله لعام 1958، «Die Bedeutung des Phallus». وكما أشرت في هامش على ترجمتي لـÉcrits، فإن العنوان الفرنسي، الذي يعني حرفيًا «دلالة الفالوس»، يمكن أيضًا أن يُفهم بوصفه «الفالوس بوصفه دلالة». وهنا يقول لاكان صراحة إن عنوانه هو:
حشو لغوي. ففي اللغة لا توجد دلالة أخرى غير الفالوس. وفي التحليل الأخير، لا تشير اللغة [...] إلا إلى استحالة ترميز العلاقة الجنسية بين الكائنات التي تسكن هذه اللغة، لأن قدرتهم على الكلام تنبع من هذا المسكن [qu’ils tiennent la parole].
(ص. 148)
ويضيف في الصفحة التالية: «اللغة مؤلفة من Bedeutung واحدة فقط (دلالة واحدة)» (ص. 149).
وهذا ما يمنح اللغة بنيتها، التي تقوم في كوننا لا نستطيع، لأننا نسكنها على وجه الدقة، ألا نستعملها إلا استعاريًا، ومن ثم تنشأ عنها كل حالات الجنون الأسطورية التي يعيش بها قاطنوها، وبالمجاز المرسل، منها يستمدون القدر الضئيل من الواقع الذي يبقى لهم في صورة فائض التمتع.
(ص. 149)(5)
وقد تتذكرون أن لاكان يترجم أحيانًا Bedeutung لا على أنها دلالة بل على أنها signifiance، وقد اقترحتُ أن تُترجم هذه الأخيرة إلى «الدالّية» أو «دالّية الدال» - إن شئتم - (انظر Lacan, 1998a, ص. 18-19، الحاشية 12).
يبدو أن لاكان يدعي هنا أن كل خطابنا المعقد وكل كتابتنا المعقدة إنما تتحرك بدافع، ومن ثم ترتبط بدرجة أو بأخرى، بعدم وجود علاقة قابلة للصياغة بين الجنسين. نحن نتكلم ونكتب لكي نشهد على عدم وجود تلك العلاقة و/أو ننكره - أي لكي نشكو من أنها لا توجد، أو لنبيّن كيف أنها توجد أو لا بد أن توجد على نحو جانبي أو مجرد أو منزوع الدسم (مثلًا، في العلاقة بين الشكل والمادة). ومن ثم تميل كل نظرياتنا في كل مجال إلى الدوران حول صور واستعارات تقوم على الرغبة في أن تكون مثل هذه العلاقة موجودة! ولهذا السبب تتألف اللغة من دلالة واحدة فقط (وهي أساس الدالّية كلها): الفالوس الذي يجعل أي علاقة بين الجنسين مستحيلة.
وفي نهاية السمينار، يشير لاكان إلى أن الفالوس له علاقة بالصفر، الذي يسمح بانطلاق سلسلة كاملة، ويربط الصفر هناك بمقتل الأب في الحشد البدئي (ص. 176-77). فبمجرد قتله، يمكن إنشاء سلالة أو سلسلة من القادة (n + 1 عند بيانو)، مثل هنري الأول، هنري الثاني، إلخ. وسنعود قليلًا إلى الحشد البدئي.
وبالعودة إلى القسم الأسبق من السمينار، نلاحظ أنه يطرح: «العلاقة الجنسية مفقودة من حقل الحقيقة لأن الخطاب الذي يثبتها لا يقوم إلا على أساس المظهر» (ص. 149).
لأننا نتكلم، فإن هناك
انقسامًا لا يُداوى بين التمتع والمظهر. فالحقيقة تقتضي الاستمتاع بالتظاهر أو التصنع [jouir à faire semblant]، وألا نقر في أي حال بأن واقع هذين النصفين [التمتع والمظهر] لا يهيمن إلا بقدر ما يؤكد كل منهما أنه قائم على الآخر، أي بالكذب بالتناوب عبر أسناننا. هذه هي نصف-قول الحقيقة.
(ص. 151)
ولا ينبغي أن يفاجئنا، بعد هذا كله عن المظهر، أن ينتهي لاكان إلى توصيف الفالوس نفسه بوصفه مظهرًا: «إنه على وجه الدقة الفالوس بوصفه مظهرًا [le semblant du phallus] الذي يشكل النقطة المحورية، مركز كل ما يمكن أن يُبسط ويُحتوى بخصوص التمتع الجنسي» (ص. 170).
وإذا كان علينا أن نعدّ الفالوس نفسه مظهرًا، فيجب مع ذلك أن نتذكر أنه - بوصفه الحاجز بين الدال والمدلول - هو الأساس الذي يقوم عليه النظام الدال كله. ولكي نتجاوزه، ولكي ندخل في خطاب لا يقوم على المظهر أو لا يتكون به، يبدو أننا مضطرون إلى الانتقال إلى مستوى الكتابة.
وهذا ما يقودنا إلى المناقشة الكاملة لصيغ التمايز الجنسي، التي تبدأ في السمينار الثامن عشر وتستمر في السمينارات التاسع عشر والعشرين والحادي والعشرين. ينبغي أن تكونوا على علم بأن هذه الصيغ لا تظهر فجأة ذات يوم في خطاب لاكان، بل تتطور ببطء على مدى عدة سنوات، وأن ليس كل ما يقوله عنها متوافقًا بالضرورة مع ما يقوله في مواضع أخرى (كما رأينا مع الفالوس).
وقد قُدمت هنا مباشرة بعد عودة وجيزة إلى التمييز بين الوجود والامتلاك الذي قدّمه لاكان أول مرة في «ملاحظات توجيهية لمؤتمر حول الجنسية الأنثوية» المكتوبة عام 1958 (وهي مدرجة في Lacan, 2006a، ص. 725-36). ويسبق ذلك إعلانه لنا، ولعلها المرة الأولى في ظني، أن «المرأة لا توجد». ثم يواصل:
النساء يتمنين لو أن المرأة توجد، ويحْلمن بأن المرأة موجودة، وهذا التمني (أو الحلم) هو ما قاد إلى [اختراع] دون جوان. وكان سيكون رائعًا لو وُجد رجل توجد عنده المرأة، لأننا كنا سنكون متأكدين من رغبته. دون جوان هو تخييل أخرق من جانب النساء.
(ص. 74-75)
ويشير إليه في موضع آخر بوصفه فانتازم المرأة. وسأعود بعد قليل إلى أهمية دون جوان.
ويذكر لاكان أن الأسطورة التي يطورها فرويد في الطوطم والمحظور يمكن، للوهلة الأولى على الأقل، «أن تمرّ نفسها بوصفها نقشًا أو كتابة للعلاقة الجنسية» (ص. 105).
توحي الأسطورة بأن الأب البدئي يسيطر على جميع النساء ويملك الوصول إليهن، وهو ما يصفه لاكان بأنه «علامة واضحة على استحالة» (ص. 106). وفي موضع آخر يخبرنا أن الرجل يعاني أصلًا ما يكفيه من العناء في إرضاء امرأة واحدة - ففكرة أنه قد يرضي أكثر من واحدة هي، على أقل تقدير، بعيدة عن المعقول!
أما الفكرة الأهم هنا - بما أن أسطورة فرويد لا تقول في الحقيقة ما إذا كانت نساء الحشد البدئي راضيات أم لا - فيبدو أنها تكمن في أنه من الممكن فقط، من المنظور الأسطوري، أي من وجهة نظر أب الحشد البدئي، أن نجمع كل النساء ونصفهن بأي صفة واحدة بعينها - وفي هذه الحالة يوصفن بأنهن تابعات للأب البدئي.
وبعبارة أخرى، لا يمكن القول إن جميع النساء يشتركن في خاصية مشتركة إلا داخل هذه الوضعية الأسطورية، وبذلك لا يمكن بناء مجموعة النساء كلها إلا انطلاقًا من سمة أو خاصية معينة (هي الانتماء إلى الأب البدئي). وهذا، بحسب لاكان، هو الشيء الوحيد الذي يتيح لنا استعمال عبارة «كل النساء هن y»، وهو الشيء الوحيد الذي يتيح لنا الحديث عن La femme، والشيء الوحيد الذي يتيح لنا الحديث عن المرأة بحرف كبير W.
وبعبارة أخرى، حين يقول لاكان إن «المرأة (بحرف كبير W) لا توجد» فهو يعني أنه، خارج عالم الأساطير الفرويدية، لا توجد خاصية مشتركة بين جميع النساء تسمح لنا بأن نقول إنهن جميعًا ينتمين إلى المجموعة نفسها أو يمكن جمعهن في أي مجموعة بعينها. لا يوجد شيء يمكن أن يُقال بأي معنى إنه ماهية النساء، أو يعرّف ما يشترك فيه كل النساء بحيث يجيز لنا أن نسميهن جميعًا نساء. وإذا صغنا ذلك بشكل مختلف قليلًا، فحين نصادف فردًا ما، لا توجد سمة يمكن أن نبحث عنها في ذلك الفرد وتسمح لنا تلقائيًا بوصفه بأنه امرأة.
غير أن دون جوان هو الرجل الأسطوري الذي يرغب في جميع النساء، وهذا قد يوحي بأن ثمة ربما سمة مشتركة بين النساء جميعًا تجعل كل واحدة منهن مرغوبة لديه. ومن خلال قوله إن النساء يوددن أن يصدقن وجود مثل هذا الرجل، وبتسميته دون جوان فانتازمًا أنثويًا، يبدو لاكان كأنه يقول إن النساء يتمنين أن يُجمعن في فئة واحدة، ربما لأنه يرى أن ذلك يتيح لهن أن يطمئنن إلى كونهّن مرغوبات. فبقدر ما يوجد رجل يرغب فيهن جميعًا لمجرد أنهن نساء، فإنهن يعرفن أنهن مرغوبات. ومن ثم تنبثق من عدم اليقين لدى النساء بشأن كونهن مرغوبات منطقيةُ رغبتهن في الإيمان بامرأة بحرف كبير W. فإذا وُجد دون جوان، عرفت كل امرأة أنها مرغوبة على الأقل من أحد ما.
وهذا ما يتيح للاكان أن يقول إن الهستيريّة ليست امرأة بل تضع نفسها بدلًا من ذلك بوصفها toute femme، أي بالنسبة إلى كل امرأة، أو المرأة بحرف كبير W (ص. 155)، أي بالنسبة إلى ما تظنه جوهر الأنوثة، وهو شيء تعتقد أنها تشاركه مع جميع النساء ويجعلها عضوًا في مجموعة النساء كلّهن. وجزء من المشروع التحليلي النفسي هو المساعدة في تحويل هذا الوضع بحيث تضع نفسها بوصفها امرأة، لا بوصفها المرأة بما هي كذلك (ص. 155-56).
لاحظوا أنه في المثالين معًا، أي الطوطم والمحظور ودون جوان، تتكوّن مجموعة النساء كلها أسطوريًا في علاقتها برجل: أب الحشد البدئي الذي يمتلك جميع النساء، أو النبيل الذي يرغب في جميع النساء.
ويوضح لاكان أنه يرى الطوطم والمحظور إنتاجًا عصابيًا، لكنه يصر على أن كون النص من إنتاج عصاب فرويد لا يطعن بأي حال في حقيقة البناء (ص. 161). وما يشير إليه هو العكس الموجود في الطوطم والمحظور بالنسبة إلى عقدة أوديب. ففي الأسطورة الأوديبية، على الأقل كما يرويها سوفوكليس، يكون فرض القانون ضد سفاح القربى هو الذي، بطلبه من أوديب أن يغادر سرير أمه الملكة، يخلّص المدينة من الطاعون ويضمن التمتع للطيبيين (القانون التمتع). أما في أسطورة الحشد البدئي، فنجد التمتع في البداية والقانون لاحقًا (التمتع القانون)، والنتيجة أن جميع الأبناء الذين توحدوا لقتل الأب صاروا محرومين من كل النساء، لا من الأم وحدها (ص. 160؛ وينشأ هنا نظام التزاوج الخارجي). وهذا أمر نصادفه بوضوح في عملنا السريري مع الوسواسيين، ويبدو أنه الطريقة الخاصة جدًا التي يجمع بها الوسواسي جميع النساء - فهن جميعًا محرمات عليه بقدر ما ينتمين جميعًا إلى الأب! وبعبارة أخرى، فإن الأسطورة التي يقدّمها فرويد في الطوطم والمحظور ليست شيئًا ينبغي أن يُحشر في الماضي السحيق: إنها لا تزال حيّة في كثير من العصابيين حتى اليوم.
لنتخيل أنكم، لأي سبب أخرق ومختلق، أردتم التعبير عن عدم وجود المرأة بلغة رياضية. ماذا ستقولون؟ إذا أخذنا أي فرد، ولنسمِّ هذا الفرد x، فبوسعنا حتى أن نربط ذلك الفرد بمحور x، الذي يضم جميع الأفراد المحتملين -
مهما كان الشيء الذي نفكر فيه، ومهما بلغ إبداعنا في ابتكار خصائص مختلفة، فلن نتمكن من القول إن كل x يقع على هذا المحور يمتلك خاصية معينة، ولنسمها y. لماذا لن نتمكن من ذلك؟
قد يمتلكها بعضهم، وقد لا يمتلكها بعضهم الآخر. وبالنسبة إلى من يمتلكها، سنتمكن من كتابة x·F(x) - وتُنطق عادة، على حد علمي، «إكس بحيث إن F لإكس». يوجد فرد x بحيث يمتلك x الخاصية y، ومن ثم يمكن وصفه بالدالة F.
F(x) = y.
وهذا سيسمح لنا برسم عدد من النقاط على الرسم البياني، لكن «المنحنى» الناتج لن يكون متصلًا.
والشيء الوحيد الذي سنكون قادرين على قوله بدرجة من اليقين هو أن ليس كل فرد x يمكن وصفه بالدالة F. ليس جميعهم قابلين للوصف بهذا الشكل: ومن هنا جاءت pas-toutes الشهيرة عند لاكان. وهنا (ص. 141 وما بعدها) لا يذهب إلا إلى حد القول: «ليس من شأن كل x أن تُكتب الدالة Phi لـx».
ومن الواضح أنه لا يشير هنا إلى خاصية بيولوجية ما، أو إلى خصوصية تشريحية أو صبغية، بل إلى خاصية تتصل بالعالم الاجتماعي للغة. فلو كان ثمة حشد بدئي يحكمه أب بدئي، لكان بالإمكان أن نصف جميع النساء في ذلك الحشد بأنهن تابعات له. لكن بما أنه لا يوجد مثل هذا الحشد، فلا يمكننا ذلك (بغض النظر عمّا يظنه الوسواسي؛ انظر اللقطات السريرية التي تلي هذا المقال).
لاحقًا، كما تعلمون على الأرجح، يدفع لاكان هذا الأمر أبعد بكثير، لأننا لا نحتاج إلى كتابة tout بحرف s في النهاية، ما يعني أننا ننتقل من «ليست كل» النساء إلى «ليست المرأة كلها» في أي امرأة بعينها.
Pas-toutes: ليست كل [النساء]
Pas-toute: ليست كلها [ليست المرأة كلها]
ويتعقد الأمر، بطبيعة الحال، بسبب أن حرف الـs الدال على الجمع لا يُنطق في الفرنسية المنطوقة، ولأن أغلب مؤلفات لاكان قيلت شفهيًا - حسنًا، تفهمون الصورة! ولن أطيل هنا في شأن «اللا-كلية»، فقد ناقشتها بإسهاب في موضع آخر (انظر Fink, 1995, 2002).
ويترتب على دعوى لاكان هنا ما يبدو بدهيًا من الناحية المقابلة، أي أن الأمر بالعكس مع الرجال - أي أن ثمة خاصية y توجد لدى جميع الرجال. والسؤال هو: ما تكون تلك الخاصية؟
الطريقة التي يصوغ بها لاكان الأمر هنا، وترجمتي المتحفظة تعكس الفرنسية غير المعتادة، هي:
الرجل هو الوظيفة الفالوسية/وظيفة الفالوس/بقدر ما هو كل رجل [L’homme est fonction phallique en tant qu’il est tout homme.]. لكن كما تعلمون، ثمة شك هائل في ما إذا كان ذلك «كل رجل» موجودًا بالفعل. فهذه هي مواضع الرهان هنا: لا يستطيع أن يشكل الوظيفة الفالوسية إلا بقدر ما يكون كل-رجل، أي على أساس دال، لا أكثر.
(ص. 142)
وهذا يطابق بوضوح صيغة التمايز الجنسي الخاصة بالرجال التي ستأخذ الشكل النهائي: ∀xФx.
وتوحي شروح لاكان هنا بأن المسألة ليست أن كل رجل يتصف بالوظيفة الفالوسية، بل إن الفرد لا يكون موصوفًا بها، أو مدرجًا تحتها، أو خاضعًا لها، إلا بقدر ما يكون كل-رجل. إنه فالوسي بقدر ما هو كل-رجل. وفي الاستعمال اليومي، كل-رجل هو الرجل العادي، الرجل الشائع، الرجل الذي نصادفه في الشارع.
قبل أن أختم، دعوني أشير إلى أمر يتعلق بالكتابة هنا. فالكلام، الذي يعتمد على اللغة بوصفها نظامًا (la langue)، يتصل بمجال المظهر، لأننا في ذلك المجال نسعى عمومًا إلى sens، أي المعنى - أي أننا نحاول أن نعقل المعنى. أما الصرامة فتظهر في الرياضيات، حيث لا يوجد معنى، بحسب بعض الرياضيين، كما يحب لاكان أن يكرر.
أما بحسب لاكان:
لا يمكن التحقيق في سوى مجال الحقيقة [demansion] في مسكنها [demeure] [...] إلا عبر الكتابة، لأن المنطق لا يتأسس إلا على الكتابة.
(ص. 64)
لا يمكن أن يوجد منطق إلا على أساس الكتابة، بقدر ما أن الكتابة ليست لغة. ومن هذه الجهة قلتُ إنه لا يوجد شيء اسمه لغة فوقية. والكتابة نفسها، بقدر ما تتميز عن اللغة، موجودة لتبيّن لنا أنه إذا أمكن التحقيق في اللغة عبر الكتابة، فلأن الكتابة ليست لغة، بل لأنها لا تُبنى أو تُصنع إلا على أساس إحالتها إلى اللغة.
(ص. 65)
ومن ثم فالكتابة لا تشكل لغة فوقية، وهي نفسها تترك آثارًا على اللغة والكلام، ومع ذلك فهي تتيح لنا التحقيق في طبيعة الخطاب والجنسانيّة: يشهد على ذلك كتابات لاكان للخطابات الأربعة وصيغ التمايز الجنسي، التي تتيح مناقشات لا يتيحها الكلام العادي.
لاحظوا هنا دعوى غريبة لم يفسرها لاكان، لكنها ستعود لاحقًا في عمله: «الكتابة/المكتوب [l’écrit] هو التمتع» (ص. 129).
إن النقاط القليلة التي ناقشتها اليوم لن تساعدكم على فهم كل شيء في السمينار، لكن لا شيء يمكنه أن يساعدكم على فهم كل شيء! وقد تجنبتُ التطرق إلى الجوانب العديدة من السمينار التي لا أشعر أن لي أيّ قدر من الإمساك بها، وقصرتُ انتباهي على ما آمل أنني قلت عنه شيئًا مثيرًا، إن لم يكن مضيئًا.
ولكي أشجعكم على قراءة السمينار أو إعادة قراءته، دعوني أذكر فقط أن لاكان يصف فيه، على نحو شهير، الـsuperego بأنه يقول للذات «تمتَّع!» (ص. 178)، وأن لاكان يخبرنا كيف يمارس الحب. وقد قُدمت هذه الورقة في دبلن، أيرلندا، في 18 سبتمبر 2009، أمام جمعية التحليل النفسي والعلاج النفسي في أيرلندا (APPI) بدعوة من بولين أوقالهان. ونُشرت في Lacunae: Journal for Lacanian Psychoanalysis, 1/1 (2010)، ص. 62-90. وفي اليوم التالي، قدّمتُ حالةً بعنوان «دور المظهر في تكوين “الهوية”» (وهي مدرجة هنا بوصفها الفصل 12 في هذا المجلد)، مسبوقةً باللقطات السريرية الآتية:
في الحالة الأولى، نجد سلسلة كاملة من التعليقات التي كان والدُ المُعالَج يدلي بها عن الفتيات اللاتي كان الابن معجبًا بهن أو اللاتي كن في صفوفه. وقد أخبره والده مباشرة أنه وجد صديقته الأولى جذابة جدًا، وسرق المُعالَج مرةً ورقة نقدية من فئة مئة دولار من محفظة أبيه ليعطيها لها، رغم أنه لا يستطيع أن يتذكر هل كان ذلك قبل أو بعد تعليق والده على جمالها.
ولاحقًا وجد الأب إحدى زميلات ابنه في الصف جذابة جدًا ذات يوم على الشاطئ. وعلى الرغم من أن الابن لم تعجبه ملامحها، فإنه شعر بعد ذلك أنه ينبغي أن ينجذب إليها.
ثم صار يريد من أبيه أن يقول شيئًا لطيفًا عن صديقته في الجامعة، وشعر بخيبة أمل كبيرة لأن أباه لم يفعل، كما لو كان قد تعمد أن يجد امرأة لأبيه، أو على الأقل امرأة يوافق عليها أبوه.
ويقول إنه يراودَه أحيانًا إحساس بأنه ينبغي أن يحصل على امرأة من أجلي: إذ يظن أنني أريده أن يفعل ذلك ليبرهن أن التحليل قد مكنه من التغلب على ضعف الانتصاب، لكنه يظن أيضًا بالتناوب أنني أريده أن يتعلم «الاستمتاع بكونه وحيدًا».
التحليل النفسي معي، كما يقول، يعوقه عن أن يكون مع امرأة، ومع ذلك ربما يساعده على التغلب على ضعف الانتصاب. وقبل أن يبدأ التحليل، كان يخرج أكثر للقاء النساء؛ أما الآن فيبقى في البيت يفكر في أشياء يقولها لي، وقد أصبحت ليبيدوه مشغولة بالصراع معي أو بالاشتباك معي.
فكل امرأة ارتبط بها تقريبًا كانت مرتبطة أصلًا بشخص آخر، شعر أنه يسرقها منه، حتى لو كانت علاقتها بالرجل الآخر قد انتهت منذ زمن طويل.
إنه يحب أن تكون، على نحو ما، امرأةً لرجل آخر، ويفضّل أن تكون امرأة لرجل يشبه أباه: قويًا، فالوسيًا، ومتسلطًا. ويرى نفسه ذلك الصغير الماكر الذي يلتف من خلف ظهورهم. (وهو لا يشبه الفحل الصغير الذي يثير مباشرةً الفحل الأكبر، قائد القطيع، فيجبره على الابتعاد عن القطيع حتى ينهك، ثم يعود الأصغر في النهاية ويقترن بالمهرات). إنه لا يثير أحدًا مباشرة - بل يتسلل. وهو في جوهره يستمتع بخداع الرجال الآخرين أو خيانتهم، حتى عندما يكونون أفضل أصدقائه.
ومتى وجد نفسه جالسًا على الأريكة في غرفة الجلوس بجوار فتاة يعتقد أن أباه سيجدها جذابة، سواء هو وجدها كذلك أم لا، شعر وكأن ثمة صوتًا يقول له: «قبّلها!». وهو يشعر أنه ليس رجلًا إن لم يفعل ذلك من أجل أبيه، مع أن أباه كان ميتًا منذ عدة سنوات. ويشعر أنه حين يكون مع امرأة، عليه أن يستدعي قدرة أبيه ليتمكن من مضاجعتها، وأنها تبقى بطريقة ما ملك أبيه لا ملكه.
جميع النساء، في ذهنه، ملك أبيه لا ملكه. وبهذا المعنى، يكون أبوه، في نظره، شبيهًا بأب الحشد البدئي.
تبدأ اللقطة الثانية بالمثل الياباني القديم: «المسمار البارز يُطرق إلى أسفل». يشعر هذا المُعالَج أنه سيُعاقَب إذا سعى وراء امرأة لأنها تخص شخصًا آخر. ومع ذلك فهو، في الغالب، يفضّل هذا السيناريو حين يلاحق النساء، بل إنه أنجب طفلًا من امرأة من وراء خطيبها.
وفي إحدى أكثر فانتازياته شيوعًا، تُظهر امرأة أنها تريده فعلًا وتحبه؛ أما هو فلا يفعل شيئًا وليس لديه شيء يجعله محبوبًا: لا مكانة اجتماعية، ولا مال، ولا إنجازات (ربما كانت هذه تهدد أباه؟). ولو كانت لديه مكانة أو مال أو إنجازات، فقد تحبه المرأة لتلك الأمور فقط، لا لذاته، وفي النهاية ستتركه من أجل شخص يملك من تلك الأمور أكثر منه.
إذا رغبَتْ فيه ولم يفعل هو شيئًا يسبّب ذلك، فلن يستطيع الأب أو أي رجل آخر أن يحسبها عليه: فالمرأة هي الطرف المسؤول الوحيد، ورغبته هو ليست داخلة في الحساب. أما لو دخلت رغبته هو في الحساب، فستصطدم برجل أو أب تؤول إليه - بحق، في نظره - جميع النساء.
1 «أعتذر لأن الأمور كانت لا بد أن تكون مبتورة هذا العام» (ص. 177).
2 مثال آخر: «الذات [هي] ما ينقسم في الفانتازيا - وبعبارة أخرى، في الواقع بقدر ما يولّده تركيب تخييلي» (ص. 134).
3 وذلك فيما يزداد خضوعًا في الوقت نفسه لمنطق الأعمال، أي خطاب الرأسمالية، بما فيه من تأكيد على الحساب العددي للإنتاجية عبر «أدوات» مثل استبيانات فاعلية التدريس (TEQs) واستطلاعات تقييم الطلاب (SESs)، وعبر مفاهيم مثل المعادل بدوام كامل (FTE).
4 لا توجد علاقة جنسية لأن «لا سبيل حاليًا إلى كتابتها» (ص. 83).
5 «لا شيء تسمح لنا اللغة بفعله هو إلا استعارة أو مجاز مرسل»، كما يضيف لاحقًا (ص. 170).
7
لاكان عن الشخصية من ثلاثينيات القرن العشرين إلى خمسينياته
في تناولي موضوع الشخصية في عمل لاكان المبكر، سأبدأ بعرض شديد التقعيد لتعليقاته على الشخصية في أطروحته للدكتوراه، المنشورة أصلًا عام 1932. ففي أطروحته، يجادل لاكان (1980، ص. 36-37) ضد تصور ميتافيزيقي للشخصية، بما في ذلك الروح والشكل و/أو الجوهر، وضد تصور نفسي للشخصية، بما في ذلك «تركيب خبرتنا الداخلية»، و«الواقع القصدي»، و«المسؤولية الشخصية [أي الأخلاقية]» (ص. 32-33). ويقترح بدلًا من ذلك تصورًا للشخصية يقوم على «تطور الشخص» الجدلي (ص. 37). وأفهم من «الجدلي» هنا أنه يقصد ببساطة أن تطور الشخص لا يسير في اتجاه ثابت، بل يتردد أحيانًا أو يتأرجح بين بدائل، ويغيّر مساره، وهكذا. «فنجد هنا إذن قانونًا لتطور [الشخص] بدلًا من تركيب نفسي» (ص. 38)، و«تطورًا منتظمًا ومفهومًا» (ص. 39).(1)
ويمضي لاكان ليقدّم «تعريفًا موضوعيًا لظواهر الشخصية» (ص. 42)، ينص على أنه إذا أردنا أن نربط شيئًا ما يتبدّى في البشر بالشخصية، فلا بد أن يتضمن ثلاثة أمور:
التطور السيري - أي الطرق الانفعالية التي يقرأ بها المرء تاريخه الخاص (أي يفهمه)؛
تصورًا للذات يتضمن تقدمًا جدليًا (أو حركة)؛
توترًا في العلاقات الاجتماعية - أي الصراع بين استقلالية المرء الخاصة وروابطه الأخلاقية مع الآخرين.(2)
ويمكننا أن نرى هنا، منذ الصفحات الأولى من الأطروحة، أن الشخصية عند لاكان ليست مبنية على تركيب شخصي أو وحدة نفسية، وهو ما سيكون تزامنيًا؛ بل إن الشخصية تعاقبية، بالمعنى المهم للكلمة (ص. 43). إنها شيء لا يكون حاضرًا دفعة واحدة، بل يتحدد فعلًا بحركته وتقدمه، أي بتكشفه الدال - وإن لم يكن بالضرورة قابلًا للتنبؤ - عبر الزمن.
ويبدو أن اهتمام لاكان بالشخصية هنا جزء من جدل أوسع حول أصول الذهان (وخاصة البارانويا): أهي محددة بيولوجيًا أم نفسيًا؟ أهي مولَّدة بيولوجيًا أم نفسيًا؟ أهي دستورية أم قائمة على الشخصية؟
ويبدو أن الشخصية كانت تُناقش كثيرًا في أوائل القرن العشرين بصيغة الطبع أو الخُلق، ويتناول لاكان هذا السؤال: هل البارانويا طبعية - أي تُحدَّد بسلسلة من سمات الخُلُق - أم أنها تقوم، بدلًا من ذلك، على أحداث الحياة، وترتبط بتطور الشخصية وتؤثر فيه؟
ويجادل لاكان، أولًا، بأنه لا توجد صلة لا لبس فيها بين الذهان و«استعداد خُلقي قابل للتعريف» (ص. 53). «ما نأخذه في البداية على أنه هوية خُلُقية [بين المصابين بالذهان] قد لا يكون إلا تماثلًا شكليًا بين مظاهر متشابهة تتصل في الواقع ببنى مختلفة تمامًا» (ص. 51). فقد تكون الصفات المتشابهة، لدى أشخاص مختلفين، ثمرة لبنى نفسية مختلفة جدًا، ولشخصيات كامنة مختلفة جدًا إن شئتم. (ويمكننا أن نوسّع هذا الخط الحجاجي المهم: قلّما توجد صلة لا لبس فيها بين سمة شخصية معينة، أو حتى عرض معين، وبين بنية تشخيصية تحليلية نفسية معينة. فقد يعبّر السلوك نفسه، أو أسلوب الخُلُق، أو العرض نفسه، عن شيء مختلف تمامًا في العصاب عمّا يعبّر عنه في الانحراف، أو في الوسواس عمّا يعبّر عنه في الهستيريا. فالإمساك مثلًا ليس مرتبطًا بذاته بالوسواس، ويمكن أن يوجد في أي فئة بنيوية تقريبًا في وقت أو آخر. وكذلك النرجسية ليست مرتبطة على نحو لا ينفصم ببنية مخصوصة - فهي موجودة عبر طيف التشخيص بأكمله).
ثانيًا، يجادل لاكان بأن:
السمة الدستورية [propriété] المفترضة - حين تكون وظيفة يرتبط تطورها بتاريخ الفرد، وبالتجارب التي يتكون منها تاريخه، وبالتعليم الذي يتلقاه - لا ينبغي أن تعتبر فطرية a priori إلا بوصفها آخر الاحتمالات.
(ص. 51)
وبعبارة أخرى، إذا كان لشيء ما في شخصية الذات معنى بالنسبة إلى الذات (أي إذا كانت ترى فيه صلة بتاريخها، أو بأحداث حياتها، أو بلغتها)، فيجب أولًا وقبل كل شيء أن يُعتبر نفسي التوليد.
وما يشغله بالأساس هو ألا يرى ما إذا كانت هناك مطابقة بين البارانويا و«استعداد خُلقي أو دستوري قابل للتعريف»، بل أن يرى بدلًا من ذلك ما الذي يفعله تطور البارانويا وعلامياتها بالشخصية، بحيث تُعرَّف الشخصية هنا بوصفها تصورًا للذات عبر الزمن يتطور في توتر مع الآخرين. وبعبارة أخرى، ما يشغله هو ما أنواع الخبرات الحياتية التي تقود إلى البارانويا، وماذا يحدث لشخصية المرء حين تُثار البارانويا أول مرة.
ويقول لاكان إن «الكتاب الألمان، منذ البداية، اعترفوا بوجود تنوع واسع في الاستعدادات الخُلُقية لدى المصابين بالأوهام» (ص. 82). ولم يكن هذا صحيحًا إلى الحد نفسه عند الفرنسيين، الذين كانوا يميلون إلى رسم أنماط خُلُقية محددة. (ولهذا في الفكر الفرنسي تقليد طويل يعود على الأقل إلى مخطط شارل فورييه في القرن التاسع عشر الذي أحصى 810 أنواع من الشخصية.) غير أن السمات التي كانت تُعرِّف هذا النمط البارانويدي من الخُلُق لدى الفرنسيين كانت مختلفة جدًا بحسب المؤلف الذي تسأله! وبعبارة أخرى، لم يكن الأطباء النفسيون الفرنسيون متفقين فيما بينهم على ما يميز خُلُق المصاب بالبارانويا. وفي خمسينيات القرن العشرين، يسترجع لاكان (1993، ص. 4) سنواته الأولى في الطب النفسي ويشير إلى أن السمات الخُلُقية المنسوبة إلى المصابين بالبارانويا كانت تشمل عناصر غامضة من قبيل الخبث، وعدم التسامح، والتعالي، والريبة، وفرط الحساسية، وامتلاك صورة مبالغ فيها عن الذات.
وفي موضع من أطروحته، يبدو لاكان (1980، ص. 253) نفسه وكأنه ينزلق نحو تقديم تصنيف لأنماط الشخصية: إذ يقول إن مريضته، إيمي - وهي الحالة الرئيسة التي نوقشت في الأطروحة - تحمل «السمات البارزة» عند المصابين بالوهن النفسي (جانيت) وعند الأنماط الحساسة (كريتشمر). بل إن هذا الانزلاق يوصله إلى الحديث عن «الشخصية التي تعاقب نفسها» (ص. 254). ومع ذلك يمكن أن نفهم في نهاية هذه المناقشة أن لاكان يستخدم مصطلح «الشخصية» بالدرجة الأولى للحديث عن النفس مقابل الكائن العضوي: «ما قادتني إليه أبحاثي، وأود أن أؤكد ذلك، هو مشكلة لا معنى لها إلا بوصفها وظيفة للشخصية، أو إذا أردتم قولها على هذا النحو، بوصفها مشكلة نفسية التوليد» (ص. 254).
وأخلص هنا إلى أن سبب تبني لاكان لمصطلح «الشخصية» ليس أنه مؤمن راسخ به، بل لأنه يستعمله استعمالًا جدليًا لمقاومة الاعتقاد السائد آنذاك بالطابع البيوجيني للمرض النفسي. إنه لفظ مختصر في معجمه يدل على النفس، ومن الواضح جدًا في نهاية أطروحته أنه يفهم الشخصية بوصفها مؤلفة من الأجهزة أو الهيئات التحليلية النفسية الكلاسيكية: الهو، والأنا، والأنا الأعلى. ومن الواضح أيضًا أنه لا يرى هذه الهيئات تعمل على نحو متناغم أو موحد، بل يراها تشكل نظامًا متنازعًا ومتطورًا.
وضربًا لآخر المسامير في نعش الدستورية، يقول لاكان إن ما يسمى الدستورية البارانويدية (أي المجموعة المفترضة من السمات الخُلُقية عند المصابين بالبارانويا) لا نجدها كثيرًا في الحالات الفعلية للبارانويا، بينما نجد بدلًا منها «دساتير» أخرى (مثل الوهن النفسي والأنواع الحساسة) (ص. 346).
وخلاصته العامة هي أن:
مفتاح المشكلة النوسيولوجية، والإنذارية، والعلاجية للذهان البارانويدي لا بد أن يُطلب في تحليل نفسي-اجتماعي ملموس يُطبَّق على التطور الكامل لشخصية الذات - أي على أحداث تاريخها، وعلى تقدم وعيها، وعلى ردود أفعالها في الوسط الاجتماعي.
(ص. 346)
وبعبارة أخرى، فإن المفتاح هو أمر شديد الفردية، أقرب إلى ذلك النوع من التحليل الذي ينطوي عليه التحليل النفسي نفسه!
ومع أنه لا يزال يسمح بأن «العمليات العضوية» (البيولوجيا) قد تؤدي دورًا ما في توليد الذهان، وأن «الصراعات المهددة للحياة» (الصدمة) قد تعمل بوصفها «السبب الفاعل» (المحرّض الفوري) للذهان، فإن ثمة «عاملًا نوعيًا» ثالثًا يجب أخذه دائمًا في الاعتبار، وقد يتخذ الأشكال الآتية (ص. 347):
شذوذ في الشخصية (مثل التاريخ الانفعالي للذات)؛
شذوذ في تطور الشخصية؛
شذوذ في وظائف الشخصية (التثبيتات الطفولية في المرحلتين الفموية والشرجية).
بوجه عام، يمكننا أن نرى أن الهمّ الأكبر الذي دفع لاكان إلى تبني لفظ «الشخصية» كان مقاومة نزعات مختلفة سائدة آنذاك، منها الميل إلى عزو كل المرض النفسي إلى أسباب بيولوجية (أمراض أو مشكلات مخصوصة) أو إلى دساتير معينة حاضرة منذ الولادة، وإن كانت ربما تتطور مع الزمن. وكان تأكيده منذ البداية يقع على أهمية التطور، سواء كان هذا التطور سلسًا أم سار عبر انقطاعات؛ وعلى أهمية وجهة نظر الذات إلى نفسها في فهم ذلك التطور (وبعبارة أخرى، الطريقة التي تقرأ بها الذات تاريخها الخاص)؛ وعلى صراعات الذات مع الآخرين. ويبدو أن هذا التصور يفتح الباب أمام نظرته اللاحقة المتعددة الطبقات إلى النفس أو الشخصية في مخطط L (انظر Lacan, 2006a، ص. 53، و1988b، ص. 243).
وقد احتفى السرياليون وغيرهم في ثلاثينيات القرن العشرين بأطروحة لاكان بوصفها خطوة كبيرة نحو رؤية المصابين بالذهان بوصفهم بشرًا، لا بوصفهم طفرات أو مرضى يعانون من حالة بيولوجية المنشأ.(3)
لنعجل الآن بالزمن نحو خمسة وعشرين عامًا، ولننتقل إلى عمل لاكان في Écrits (2006a)، ولا سيما مقاله المعنون «ملاحظات على عرض دانييل لاجاش: “التحليل النفسي وبنية الشخصية”». وغالبًا ما يُشار إلى دانييل لاجاش (1903-72) بوصفه الأب المؤسس لعلم النفس السريري في فرنسا. درس الفلسفة في المدرسة العليا للأساتذة، ثم أصبح طبيبًا، ثم محللًا نفسيًا، بعد أن خضع للتحليل على يد رودولف لوفنشتاين، الذي كان أيضًا محلل لاكان. وصار لاجاش أستاذًا لعلم النفس في السوربون بعد الحرب العالمية الثانية، وساند عمل تلامذته لابلانش وبونتاليس في إعداد معجمهم الشهير لأعمال فرويد: The Language of Psychoanalysis (1973).(4) والمقال الذي يعلّق عليه لاكان هنا - والمعنون «التحليل النفسي وبنية الشخصية» - نُشر سنة 1961 في La Psychanalyse، وهي مجلة كان لاكان نفسه يديرها. ومع ذلك، فإن مقال لاجاش وتعليق لاكان عليه يعودان إلى مؤتمر عُقد عام 1958 في بلدة روايومون بفرنسا.
وبحسب لاكان، فإن رؤية دانييل لاجاش للشخصية تتناقض مباشرة مع الطبوغرافيا الثانية لفرويد، التي يزعم لاكان أنها «ليست شخصية-مركزية»، أي إنها لا تشكل حالة متناغمة تحكمها «تركيبة عليا» من نوع ما، كما يرى لاجاش.
ويذكّرنا لاكان (2006a، ص. 671) بأن جذر مصطلح «الشخصية»، persona، يعني القناع؛ أما الجذر الإتروسكي للفظ اللاتيني persona فيعني قناعًا مسرحيًا، أي القناع الذي يرتديه الممثل على الخشبة. ويمكن فهم مثل هذا القناع بوصفه يوحّد الشخصية لأنه ثابت في التعبير؛ إذ يخفي تغاير الشعور، والتردد، والتفتت، ويخلق بدلًا من ذلك شيئًا واحدًا صلبًا متجانسًا. إن الحديث عن الشخصية إذن إغراءٌ، أي الوقوع في إغراء الكلية، في الوهم بأن الشخص هو أو يصبح كلاً موحدًا.(5) ويشير لاكان تحديدًا إلى أن جانبين مما يسميه لاجاش شخصية، أي الأنا المثالية ومثال الأنا عند فرويد، لا يندمجان بأي حال ولا يشكلان كلًا تركيبيًا، لأن الأول تكوين متخيل بينما الثاني إلى حد كبير تكوين رمزي (ص. 672).
وفي تعليقه على لاجاش، يعرض لاكان مخططات بصرية لتصوير الأنا المثالية ومثال الأنا (2006a، ص. 673 و674 و680). ولن أدخل في جميع تعقيدات هذه الرسوم لأنها ستأخذنا بعيدًا جدًا؛ ولكني أكتفي هنا بالإشارة إلى أنه في هذه المخططات البصرية ينقل المزهرية من موضعها المكشوف (في الشكل 7.1) إلى الموضع المخفي (في الشكل 7.2)، ما يوحي ربما بأن الحاوية نفسها تشكل نوعًا من الوهم (إذ يساوي بينها وبين الجسد بوصفه حاوية في الصفحة 676، ويساوي بين الزهور والأشياء الجزئية أو علاقات الموضوع). وحين نفكر في الشخص بوصفه كلاً أو في الشخصية بما هي كذلك، فإن هذا وهم، وهذا الوهم بعينه يقوم على رؤيتنا للآخر الذي نراه كلاً، في حين أننا لا نرى من أنفسنا إلا أجزاء، ما لم نتمكن من التقاط لمحة لأنفسنا في مرآة - وعندئذ نبدأ في رؤية أنفسنا كما نرى الآخرين.(6) ويؤدي ذلك إلى وهم الوحدة، أي إلى تصورنا لأنفسنا بوصفنا وحدة منسجمة من نوع ما.
وبحسب لاكان، يحاول لاجاش «أن يقدّم ترجمة شخصية-مركزية للطبوغرافيا الثانية لفرويد» (ص. 678) - أي إنه يحاول أن يصنع وحدة من تنوع الهو، والأنا المثالية، ومثال الأنا، والأنا الأعلى. ويرى لاجاش أن «وسيط بين-الذاتيات» ليس الكلام، بل المسافة البسيطة بين الأنا المثالية ومثال الأنا.
غير أن لاكان يقترح أن مثال الأنا هو مجموعة إشارات القوة الخاصة بالآخر (الوالدي)، أي قوة الآخر في «أن يحوّل [صرخة الذات] إلى نداء» (ص. 679) - أي في أن يؤنسنها، ويحوّلها إلى لغة بشرية، إلى الرمزي. «إن الشخص يبدأ حقًا مع per-sona [حيث تشير sona إلى الصوت، أي صوت الأنا الأعلى]، لكن أين تبدأ الشخصية؟» (ص. 684). وهو في قوله هذا يستخدم «الشخص» مرادفًا لـ«الذات»، لا مرادفًا لـ«الشخصية». ويبدو أنه يقول هنا، بعبارة أخرى، إن الذات تبدأ استجابةً لصوت الآخر القوي الصادح.(7) فهذا الصوت هو الذي يحوّل صرخة الذات إلى نداء، مؤنسنًا إياها. ومن ثم فالذات كيان شديد التغاير، لأنها تضم داخلها صوت الآخر في داخلها.
الشكل 7.1 وهم باقة بوآس المقلوبة عند لاكان (Lacan, 2006a، ص. 673)
الشكل 7.2 المخطط البصري الأول عند لاكان (Lacan, 2006a، ص. 674)
اسمحوا لي أن أعود قليلًا إلى الوراء وأن أحاول تفكيك شيء يقوله لاكان في موضع سابق من مقاله عن لاجاش:
أن نلفت إلى أن persona قناع، فذلك ليس مجرد لعب اشتقاقي بسيط؛ بل هو استدعاء للغموض الكامن في العملية التي استطاع بها هذا المفهوم أن يكتسب قيمة تجسيد وحدة يُفترض أنها مؤكدة في الوجود.
أما المعطى الأول في خبرتنا فيُظهر لنا أن هيئة القناع، بما أنه مشقوق، ليست متناظرة. ولتجسيد ذلك بالصورة، يجمع الشكل بين ملفين جانبيين لا يكون اتحادهما قابلًا للتحمل إلا إذا بقي القناع مغلقًا، غير أن تنافرهما يرشدنا مع ذلك إلى فتحه. لكن ماذا عن الوجود إذا لم يكن ثمة شيء خلفه؟ وإذا لم يكن هناك إلا وجه، فماذا عن persona؟
(ص. 671)
إذا لم يكن المرء قد قرأ مقال ليفي-شتراوس «التمثيل المنشق في فن آسيا وأمريكا» في الأنثروبولوجيا البنيوية (1963)، فمن المحتمل أن يضيع هنا، لأن الأقنعة المنشقّة ليست شيئًا نصادفه كل يوم. ويشير ليفي-شتراوس إلى أن أقنعة الكادوڤيو (انظر رسم أحد هذه الأقنعة في الشكل 7.3) تكون في كثير من الأحيان منقسمة إلى أربعة أرباع، بحيث يكون التماثل بين العلوي الأيمن والسفلي الأيسر، وبين السفلي الأيمن والعلوي الأيسر (وهو ما يذكّر بمخططي L وI عند لاكان). ومع ذلك فالتناظر بعيد عن الكمال: ففي بعض الحالات تكون الأرباع المتقابلة أكثر تكاملًا من كونها متناظرة. وهذا يتبدى في الرسم الثنائي الأبعاد المعروض هنا أكثر مما يتبدى في الوجوه المرسومة ثلاثيًّا (انظر مثلًا Lévi-Strauss, 1963، اللوحات IV وV وVI بعد الصفحة 251)، لأننا لا نستطيع في الحالة الأخيرة رؤية الملفين الجانبيين المختلفين في الوقت نفسه على نحو تام.
الشكل 7.3 اللوحة الثامنة: رسم لامرأة من الكادوڤيو يمثل هيئة ذات وجه مرسوم
في ثقافة الكادوڤيو، يُعدّ المرء «غبيًا» (حيوانًا) قبل أن يُرسم وجهه على هذا النحو؛ فرسم الوجه يكتب المرء في النظام الاجتماعي في موضع مخصوص، موضع يقوم على نسبه وعلى الرتبة الاجتماعية لعائلته. كما تُدرَج فيه رسائل روحية: «إنه ليس مجرد تصميم منقوش على اللحم، بل كل تقاليد العِرق وفلسفته منقوشة في الروح» (Lévi-Strauss, 1963، ص. 257، مع تعديل في الترجمة). وكما يقول ليفي-شتراوس:
في الفكر الأصلي ... يكون التصميم هو الوجه، أو بالأحرى هو الذي يخلق الوجه. فالتصميم هو الذي يمنح الوجه وجوده الاجتماعي، وكرامته الإنسانية، ودلالته الروحية. ومن ثم فإن التمثيل المزدوج للوجه ... يعبّر عن انقسام أعمق وأكثر جوهرية - أي الانقسام بين الفرد البيولوجي «الغبي» والشخص الاجتماعي الذي يجب على الفرد أن يجسده.
(ص. 259، مع تعديل في الترجمة)
ومن ثم نرى هنا الوجه الاجتماعي للذات، الذي يضم مُثلها ومُثل عائلتها وجماعتها، في مقابل الكائن الخام، البدائي، «الغبي» الذي لم يُدخَل بعد إلى اللغة ولم يُغترب فيها. وربما نستطيع الآن أن نبدأ في فهم كلمات لاكان المذكورة آنفًا (2006a، ص. 671):
[ت]ُظهر لنا خبرتنا أن هيئة القناع، بما أنها منشقّة، ليست متناظرة. ولتجسيد ذلك بالصورة، يجمع الشكل بين ملفين جانبيين لا يكون اتحادهما قابلًا للتحمل إلا إذا ظل القناع مغلقًا، غير أن تنافرهما يرشدنا مع ذلك إلى فتحه. لكن ماذا عن الوجود إذا لم يكن وراءه شيء؟ وإذا لم يكن هناك إلا وجه، فماذا عن persona؟
ولا يزال الجزء الأخير من الاقتباس غامضًا إلى حد ما، فلننظر إلى نص آخر لنرى إن كان يمكن أن يلقي بعض الضوء على هذا النص.
ها هنا مقطع قريب الصلة من مقال لاكان المعنون «شباب جيد، أو الحرف والرغبة» (وهو أيضًا مكتوب عام 1958):
هل عليّ، لكي أوقظ انتباههم، أن أريهم كيف يتعاملون مع قناع لا يفضح الوجه الذي يمثله إلا حين ينشق إلى اثنين، ولا يمثل هذا الوجه إلا عبر إعادة إخفائه؟ ثم أشرح لهم أنه حين يكون القناع مغلقًا فإنه يركّب هذا الوجه، وحين يكون مفتوحًا فإنه يشقه؟
(Lacan, 2006a، ص. 752)
إن قناع الكادوڤيو «يكشف الوجه الذي يمثله فقط عبر انشقه إلى اثنين» (الملف الأيمن والأيسر؛ المنطقة فوق الأنف والمنطقة تحته)، وهو «لا يمثل هذا الوجه إلا عبر إعادة إخفائه» - فالوجه لا يمكن تمثيله إلا عبر قناع، إذ لا تمثيل من غير نظام تمثيلي يختلف عن الكائن الحي. وقد يبدو فتح القناع وإغلاقه إشارة إلى بسط الملفين المختلفين على سطح واحد، إذ لا يمكن للإنسان رؤيتهما في مجرى الحياة العادي (كما في الشكل 7.3)؛ وقد يبدو الإغلاق إشارة إلى كل ملف بوصفه منظورًا على حدة. غير أن ليفي-شتراوس (1963، ص. 262) يذكر أيضًا أنواعًا معينة من:
أقنعة ذات أغطية (volets) تعرض، بالتناوب، وجوهًا متعددة للسلف الطوطمي: أحيانًا مسالمًا، وأحيانًا غاضبًا، وأحيانًا بشريًا، وأحيانًا حيوانيًا. ودورها هو أن تقدم سلسلة من الأشكال الوسيطة التي تضمن الانتقال من الرمز إلى الدلالة، ومن السحر إلى العادي، ومن فوق الطبيعي إلى الاجتماعي. ومن ثم فوظيفتها أن تخفي وتكشف في آن. لكن حين يتصل الأمر بالكشف، فإن القناع هو الذي - عبر نوع من الانشطار العكسي - ينفتح إلى نصفين، بينما ينشطر الممثل نفسه، في التمثيل المنشق الذي يهدف، كما رأينا، إلى أن يعرض القناع ويكسره في الوقت نفسه على حساب لابسه.
(مع تعديل في الترجمة)
بعد أن قرأت ذلك، قررت أن عليّ أن أبحث عن صور لهذه الأقنعة، لأن ليفي-شتراوس لم يورد أية صور منها في ذلك المقال بعينه. وصادفتُ مقدمة ليفي-شتراوس إلى La voie des masques (1975)، المترجمة بعنوان The Way of the Masks (1982)، حيث يقتبس بإسهاب من مقاله الصادر عام 1943 بعنوان «فن الساحل الشمالي الغربي في متحف التاريخ الطبيعي الأمريكي»، وهو المقال الذي من المرجح جدًا أن لاكان قد قرأه. وفيه يذكر ليفي-شتراوس صراحة المجموعة الواسعة من الأقنعة التي صنعها هنود أمريكا الشمالية على الساحل الشمالي الغربي والمعروضة في متحف التاريخ الطبيعي في نيويورك؛ وكان هذا ما قاله عن تلك الأقنعة سنة 1943:
بالنسبة إلى المتفرجين في طقوس البدء، فإن هذه الأقنعة الراقصة - التي تنفتح فجأة إلى شطرين، فتسمح برؤية وجه ثانٍ وأحيانًا وجه ثالث خلف الثاني، وكلها وجوه غامضة ومتجهمة - تشهد على الحضور الشامل للقوة فوق الطبيعية وعلى تكاثر الأساطير.
(Lévi-Strauss, 1982، ص. 11-12)
ثم تمكنت أخيرًا من العثور على بعض الكتب التي تحتوي صورًا لهذه الأقنعة الراقصة. وتعرض الأشكال 7.4 و7.5 مثالًا واحدًا فقط من A World of Faces (1978) لادوارد مالين.
الشكل 7.4 قناع شعار العائلة مغلقًا (اللوحة 27A)
الشكل 7.5 قناع شعار العائلة مفتوحًا (اللوحة 27B)
كما ترون من هذه الأشكال، يكون القناع الخارجي في الغالب تمثيلًا أسلوبيًا لحيوان أو سمكة أو طائر، بينما يكون القناع الداخلي عادة وجهًا بشريًا، وغالبًا ما يكون وجه السلف؛ غير أن القناع الداخلي نفسه لا ينفتح أبدًا ليكشف وجه الممثل الذي يرتديه. وبالنظر إلى العلاقة بين الإنسان وسلفه الطوطمي، يمكننا الآن ربما أن نفهم ما يعنيه لاكان (2006a، ص. 751-52) حين يتحدث عن «قناع لا يكشف الوجه الذي يمثله إلا بانشقاقه إلى اثنين، ولا يمثل هذا الوجه إلا عبر إعادة إخفائه». وربما يمكننا أيضًا أن ندرك أن «القناع، حين يكون مغلقًا، هو الذي يركّب هذا الوجه، وحين يكون مفتوحًا هو الذي يشقه». فحين يكون القناع مفتوحًا على هذا النحو، نرى صورًا واضحة للقناع الخارجي يحيط بالداخلي؛ نحن لا نرى قناعًا واحدًا وحده: بل نرى القناع الداخلي وبعض جوانب القناع الخارجي في الوقت نفسه.
ولنتأمل من جديد المقطع المقتبس أعلاه:
[ت]ُظهر لنا خبرتنا أن هيئة القناع، بما أنها منشقّة، ليست متناظرة. ولتجسيد ذلك بالصورة، يجمع الشكل بين ملفين جانبيين لا يكون اتحادهما قابلًا للتحمل إلا إذا ظل القناع مغلقًا، غير أن تنافرهما يرشدنا مع ذلك إلى فتحه. لكن ماذا عن الوجود إذا لم يكن وراءه شيء؟ وإذا لم يكن هناك إلا وجه، فماذا عن persona؟
(ص. 671)
فنحن لا نرى أبدًا الشخص أو الكائن وراء القناع. كل ما نراه هو تصادم الوجوه الطوطمية والبشرية، وانتقالًا من أحدها إلى الآخر. وهنا لدينا تعددية تشمل أسلافنا - صوت الآخر الرعدي الذي أوجدنا - وبعض التماهيات العائلية: وهذا بالكاد يكون كلًا متناغمًا!
متابعًا هذا النقاش عن لاكان والشخصية خطوة أخرى، سأتناول تعليقاته على فيلهلم رايش في «تنويعات على العلاج القياسي» (2006a)، وهي مقالة نُشرت أصلًا عام 1955. وهنا يصوغ لاكان نوعًا من المنهج «التفكيكي» (avant la lettre)، الذي كان يستخدمه كثيرًا: «فلنتبع طريق نوع من النقد يضع النص أمام اختبار المبادئ نفسها التي يدافع عنها» (ص. 341). وبعبارة أخرى، نطبّق المبادئ التي يطرحها النص على حجة النص نفسه، ونرى ما الذي سنحصل عليه.
فماذا يقول لاكان عن مفهوم رايش (1972) للشخصية ودرع الشخصية؟ يبدو أنه يقترح أن هذا الأخير مرتبط بالمتخيل - أي بالصورة النرجسية. فهو يقول إن فكرة الدرع توحي بوجود دفاع ضد شيء مكبوت (ومن ثم فالدرع مبني على نحو يشبه العرض المرضي)، بينما ما يسميه رايش الشخصية (أو الخلق) هو، بالأحرى، شعار أو coat of arms (ص. 342). والشعار هو ترتيب من العلامات النبالية (انظر الشكل 7.6)، وتلك العلامات مصممة لكي تؤثر في الناس بصريًا وتعرض المكانة، وتُستعمل لتحديد الأسبقية في الاحتفالات العامة التي تحكمها طقوس معينة، وتقوم على الرتبة الاجتماعية. ويربط لاكان هذا بوضوح بسلوك الاستعراض عند الحيوانات (في طقوس التكاثر وتحديد الإقليم العدوانية).
وعلى الرغم من أن رايش يصوغ ما يفعله في العلاج التحليلي بوصفه اختراقًا للدفاعات، يبدو أن لاكان يقترح هنا أن الذات، في نهاية هذا «العلاج»، لا تزال تحمل ثقل دفاعاتها؛ غير أن العلامة شبه الرمزية التي كانت تحمله في السابق قد محيت. فهذه الدفاعات «لا تؤدي إلا دور وسيط أو مادة، لأنها تبقى بعد انحلال التوترات التي بدت وكأنها تحركها. وهذا الوسيط أو هذه المادة لا شك في أنها منتظمة على نحو يشبه المادة الرمزية في العصاب» (ص. 342).
الشكل 7.6 شعار دوق سانت ألبانز
بينما يجادل رايش بأن هذه الدفاعات تختفي أثناء العلاج، فإن لاكان يؤكد أنها تبقى: إنما الذي يُمحى هو أصلها وسلالتها، فيدفع ذلك رايش إلى افتراض أن الذات قد تحررت منها (ومما فوق الخط؟). وفي نظر لاكان، قد مُحيت علامتها لكن ثقلها لم يُمح. ويبدو أن لاكان يرى أن على المحللين أن يعتبروا العلامة غير قابلة للمحو، لأنها العلامة المميتة للموت. فشعار العائلة يُدخلُك في الوجود داخل تقليد أو خط عائلي معين، لكنه يحدد مصيرك أيضًا: فأنت مقدر لك أن تموت في خدمة x أو y أو z. ووفقًا للاكان، يحاول رايش أن يستبعد العلامة المميتة التي نحملها حين يرفض قبول مفهوم فرويد عن الدافع إلى الموت.
وقد يُقال إن رايش يفشل في إدراك أن جسد العصابي مكتوب فوقه بالدوال. فمثلًا، يمكن فهم القوام المفرط في الاستقامة بوصفه دالًا فالوسيًا (signifiance)، لكنه قد يكون أيضًا تجسيدًا لـ«الاستقامة»، ما يوحي بغرس في الجسد لمواعظ والدية أخلاقية، أو بتماهٍ مع موقف أخلاقي صارم لدى أحد الوالدين (انظر Fink, 2007، ص. 196-98). أما رايش فيبدو أنه يأخذ الجسد كما لو كان شيئًا طبيعيًا (إذ يرى أن الانحناء إلى الأمام فعلٌ وقائي، وعلامة على «شخصية» تدافع عن نفسها، كما قد يكون ذلك في المملكة الحيوانية، وكما قد نراه في معظم البشر الذين تلقوا للتو ضربة في المعدة) أو باعتباره مقاومة خالصة، بدل أن يراه مظهرًا لتماهيات لاواعية مع الأسلاف، أو لتبنّي شعارهم العائلي، وأسلحتهم، وشاراتهم، وهكذا - باختصار، بوصفه شيئًا انطبعت فيه حتميّة مصيره المميت.
فما هي قراءة لاكان «التفكيكية» هنا؟ إذ يأخذ مبدأ رايش في تفسير كل شيء بوصفه حركة دفاعية، يفسر لاكان رفض رايش للدافع إلى الموت - وهو بمثابة وكيل للرمزي في النظرية اللاكانية - بوصفه دفاعًا هو نفسه. وكما كان رايش، في عمله السريري، يتهم المُعالج دائمًا بأنه يدافع عن نفسه ضد التحليل، يتهمه لاكان بوصفه محللًا بأنه يدافع ضد النظرية التحليلية النفسية ذاتها. وكما هي الحال كثيرًا، لا يطوّر لاكان الحجة هنا على نحو كامل - إنما يلمح إليها فقط.
بعد عام 1960، يصعب أن نجد لاكان يستخدم مصطلح «الشخصية» إلا على نحو سلبي، ساخرًا ممن يتحدثون عن «الشخصية الكلية» أو عن الشخصية بوصفها وحدة موحِّدة (أو وحدة). وبدلًا من ذلك يصرّ مرارًا على أنه «لا توجد وحدة للذات» (انظر مثلًا Lacan, 1983) وأن اللاوعي لا يمكن فهمه بوصفه نوعًا من شخصية ثانية (شريرة أو خبيثة). ويبدو أنه يرى المصطلح نفسه متجهًا، على نحو يكاد يكون لا فكاك منه، إلى تصور كلي للحالة الإنسانية، أو تصور كلي للذاتية، وبالتالي إلى تجاهل ذاتيتنا المنشطرة. وفي الموضع الوحيد الذي يتناول فيه الكلمة باسمه هو يقول إن «الشخصية هي الطريقة التي يَثْبُت بها أحدٌ ما في مواجهة الموضوع a» (Lacan, 1978b)، حيث يرى لاكان أن الموضوع a هو على وجه الدقة ما يجعلنا ذواتٍ منقسمة. وقد قُدمت هذه الورقة أصلًا في 23 سبتمبر 2004، خلال ورشة عمل امتدت يومًا كاملًا بعنوان «الشخصية واضطرابات الشخصية» في أوماها، نبراسكا، برعاية كلية كريتون الطبية ومجموعات العمل التحليلي النفسي التابعة لها (APW). ونُشرت في Journal of European Psychoanalysis, 26-27(1-2) (2008)، ص. 257-74.
ملخص: يلعب مفهوم الشخصية دورًا جدليًا مهمًا في عمل لاكان المبكر، حيث يشدد على أهمية المحددات النفسية بدلًا من البيولوجية في المرض العقلي. ويعرّف الشخصية في تلك المرحلة بوصفها تصورًا للذات يمتد عبر الزمن ويتطور في توتر مع الآخرين، على أنه لفظ مختصر في معجمه يدل على النفس. وحين يعلّق على عمل لاجاش (1958)، يشير إلى أن من يهتمون بـ«الشخصية» قد انخدعوا بإغراء الكلية، واستسلموا للوهم القائل إن الشخص وحدة متماسكة أو يصبح كذلك. وبدلًا من ذلك يؤكد لاكان الطابع القنعي للشخصية، مستعينًا بعمل ليفي-شتراوس لتقويض فكرة أن طبوغرافيا تحليلية نفسية يمكن أن تتيح لنا تصور الشخص بوصفه كيانًا واحدًا. كما يقدّم عمل لاكان عن جيد ورايش عددًا من النقاط الأخرى المتعلقة بالأقنعة وما يسمى الشخصية.
1 يبدو أنه يدمج أفكار «القصدية» و«المسؤولية» داخل هذا التطور، على أن تُفهم القصدية بوصفها ثمرة «التعليم» وبوصفها قائمة على «مجموع تطور المرء الشخصي».
2 تُعاد هذه الجوانب الثلاثة (التطور، تصور الذات، والتوتر في العلاقات الاجتماعية) في الصفحة 56، ويمكن، من دون عناء كبير، وضعها في مخطط L، بحيث يرتبط a–a´ بتصور الذات، ويرتبط S–A بالتوتر في العلاقات الاجتماعية.
3 في العالم الناطق بالإنجليزية، يُعتقد على نطاق أوسع أن آر. دي. لاينغ كان أول من اتخذ هذه الخطوة، لكن كتابه Divided Self لم يُنشر أصلًا إلا عام 1960.
4 في «محاضرة جنيف عن العرض»، يعلّق لاكان (1989a، ص. 18) قائلًا: «في The Language of Psychoanalysis، a là gaché [تلاعب لفظي يوحي بالإفساد أو الإتلاف] لاجاشُ التحليلَ النفسي كله. حسنًا، في الحقيقة، ليس الأمر سيئًا إلى هذا الحد، ولا ينبغي لي أن أبالغ. الشيء الوحيد الذي كان يهمه على الأرجح هو أن “لاجشف” ما قلته» (مع تعديل في الترجمة).
5 يمكن العثور على هذا الوهم، مثلًا، في عمل إريك إريكسون عن «الاندماج» في Childhood and Society (1963)؛ انظر مرحلته الثامنة في التطور، حيث يكون الصراع المركزي هو «الاكتمال مقابل اليأس».
6 كما يوضح لاكان (2006a، ص. 675)، وفقًا للمخطط البصري، كي يرى i´(a)، أي الأنا المثالية، لا بد أن يتموضع الذات على نحو يسمح لها بأن ترى نفسها في المخروط x´y´ - أي أن ترى نفسها بوصفها i´(a). وبهذا المعنى ترى نفسها في «الآخر» («هيئة الآخر») بوصفه كلاً هناك. وهي لا تأتي إلى التفكير في نفسها بوصفها كلاً إلا لأنها ترى الآخر بوصفه كلاً، أي بوصفه جسدًا أو حاوية. لاحظوا هنا أن i(a) هي الصورة الواقعية وأن i´(a) هي الصورة الافتراضية؛ أما a فتمثل الموضوع الجزئي، الذي يقول عنه لاكان: لا يوجد «تكامل مثالي لهذا الموضوع» (ص. 676).
7 في السمينار الرابع والعشرين، يصوغ الأمر بطريقة مختلفة قليلًا، مقترحًا أن الذات تبدأ استجابةً لـS1، أي دال أول، يأتي من الآخر.
8
مقدمة إلى «كانط مع ساد»
الآخر ضروري على نحو مطلق، وهذا ما أردتُ أن أصوغه عندما قدّمتُ سمناري عن أخلاقيات التحليل النفسي، بربط ساد بكانط، وبإيضاح أن مساءلة ساد الجوهرية للآخر تبلغ حدّ محاكاة مقتضيات القانون الأخلاقي، لا على سبيل المصادفة فحسب.
— لاكان، 2004، ص 193
كُتب «كانط مع ساد» سنة 1962، ونُشر في أبريل/نيسان 1963 في مجلة Critique. وقد ناقش لاكان كانط مقرونًا بساد على نحو جدي للمرة الأولى في ديسمبر/كانون الأول 1959، في السيمينار السابع أخلاقيات التحليل النفسي (1959–1960)، ثم واصل مناقشة الأسئلة التي أثارها هناك في السيمينار العاشر القلق (1962–1963).
ومن الطريف أن أدورنو وهوركهايمر (1972) تحدثا هما أيضًا عن كانط وساد في نفس السياق، إن جاز التعبير، في فصل من عملهما المشترك جدل التنوير،(1) المعنون «جولييت أو التنوير والأخلاق». وأشير إليه هنا لاحقًا بوصفه عمل أدورنو، لأن هوركهايمر يبدو أنه كان يعاني عجزًا شديدًا عن الكتابة، وأن أدورنو كتب بالنيابة عنه قدرًا كبيرًا مما وقّعه هوركهايمر باسمه، إن لم يكن كله. ويبدو أمرًا مدهشًا حقًا أن مفكرين متباعدين إلى هذا الحد في توجهاتهما، مثل لاكان وأدورنو، قد حولا إيمانويل كانط وماركيز دو ساد، خلال أقل من 15 عامًا، أي بين 1944 و1959، إلى أكثر الشركاء استبعادًا على الإطلاق!
كيف استطاع فرنسي مشبع بالسريالية والطب النفسي والسيبرنيتيكا، و«فرانكفورتي» ألماني متكلف مهتم بالموسيقى اللاتونالية والثقافة الجماهيرية والشخصية السلطوية، أن يتوصلا إلى هذا الاقتران غير المحتمل بين واحد من أعظم الوسواسيين في التاريخ، الذي كان أهل البلدة يضبطون ساعاتهم على إيقاعه، وبين رجل ارتبط اسمه، على مدى قرنين، بالانحراف والجلد والإفراط الجنسي بكل أشكاله وصوره؟ هل كان لاكان قارئًا للنظرية النقدية؟ ثمة على الأقل سبب واحد يبعث على الاعتقاد بأن لاكان كان على علم بوجود مدرسة فرانكفورت: إذ نشر هوركهايمر (1948) مقالًا في المجلة الدولية للتحليل النفسي.
لننظر بإيجاز في العلاقة التي يرسمها أدورنو بين كانط وساد. مثل لاكان، يعدّ أدورنو الفلسفة جزءًا لا يتجزأ من خطاب السيد. وهو يصف الفلاسفة بازدراء بأنهم «بورجوازيون حقيقيون». ورغم استعمال كلمة «الأخلاق» في عنوان الفصل («جولييت أو التنوير والأخلاق»)، فإنه يبدو أنه ينظر إلى كانط من زاوية نسقية أكثر منها أخلاقية، مركزًا على مفهومي العلم والكونية. وهو يعدّ الأمر المطلق، على وجه الخصوص، ليس أكثر من نكتة: «إن المواطن الذي يعفّ عن الربح بدافع احترامه لمجرد صورة القانون الكانطية لا يكون مستنيرًا، بل خرافيًا - أحمق» (ص 85). ويقول إن كانط يؤكد «النظام العلمي بوصفه صورة الحقيقة»؛ وبذلك «يختم الفكر على عدمه الخاص، لأن العلم ممارسة تقنية، بعيدة عن التأمل في غايته الخاصة بقدر ابتعاد سائر أشكال العمل الأخرى تحت ضغط النظام» (ص 85). وبعبارة أخرى، يؤاخذ كانط لأنه يروّج لصيغة شديدة التجريد من العلمية، ولأنه يبطل كل أشكال الفكر الأخرى.
ينقل أدورنو عن كانط أن التنوير هو «خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه. والقُصور هو العجز عن استخدام الفهم من دون هداية شخص آخر» (ص 81). وفي نظر أدورنو، تمثل الفاشية التطبيق الأقصى لمثل هذا النظام «المستنير». فهي تتعامل مع العاطفة “ac si quaestio de lineis, planis aut de corporibus esset” («كما لو كان الأمر يتعلق بخطوط ومستويات و[أجسام صلبة]» (سبينوزا، 1994، ص 153)). وهي تعفي رعاياها من عناء امتلاك «مشاعر أخلاقية» أو «أحاسيس أخلاقية»،(2) كما يطلق عليها أحيانًا، إذ لم تعد هناك حاجة إلى امتلاكها:
النظام الشمولي يطلق العنان كاملًا للحساب، ويلتزم بالعلم بوصفه كذلك. وقانونه هو كفاءته الوحشية الخاصة. وكانت يد الفلسفة هي التي كتبته على الجدار - من نقد كانط إلى أنساب الأخلاق لنيتشه؛ لكن رجلًا واحدًا تولى ضبط الحساب التفصيلي. إن عمل ماركيز دو ساد يصوّر «الفهم من دون هداية شخص آخر»: أي الفرد البرجوازي المتحرر من الوصاية.
(ص 86)
يرى أدورنو أن العلم أمدّ «أصحاب السلطة» بالوسائل اللازمة لإعادة إنتاج مجتمع جماهيري خاضع، وأن «ساد أقام نصبًا مبكرًا لروح التخطيط لديهم» (ص 87). وقد فعل ذلك بإبراز التنظيم، وهو مصطلح محوري في نقد أدورنو لكانط ولساد ولغيرهما. وأدورنو نفسه يقيم بناءً يثير الدهشة من حيث ضخامته وتكراره، ومن حيث درجة تشييده البنيوي ونزعته الشمولية الكلّية - وما الذي يمكن أن يكون أشد جفافًا من قراءة أدورنو؟ - ثم ينتقد كانط وساد على النهج نفسه حين يطبّق على السياسة والأشكال الاجتماعية. يقول عن «العقل»:
إنه عضو الحساب والتخطيط؛ وهو محايد تجاه الغايات؛ وعنصره هو التنسيق. وما كان كانط قد أسّسه ترنسندنتاليًا، أي القرابة بين المعرفة والتخطيط، التي طبعت كل جانب من جوانب الوجود البرجوازي العقلاني تمامًا بطابع النفعية التي لا مهرب منها، حتى في كل فسحة تنفس، أنجزه ساد تجريبيًا قبل أن يُبتكر اللعب الرياضي بأكثر من قرن. ففرق الرياضة الحديثة، التي تنظم علاقاتها بدقة بحيث لا يشك أي عضو في دوره، وتؤمّن احتياطًا لكل لاعب، لها نظيرها الدقيق في الفرق الجنسية في جولييت، التي تستغل كل لحظة على نحو نافع، ولا تهمل أي فتحة بشرية، وتؤدي كل وظيفة. […] إن البنية المعمارية للنظام الكانطي، مثل الأهرام الجمبازية في عربدات ساد، […] تكشف عن تنظيم للحياة بوصفها كلًا محرومًا من أي غاية جوهرية. وهذه الترتيبات لا ترمي إلى اللذة بقدر ما ترمي إلى طلبها المنضبط - أي إلى التنظيم - تمامًا كما أن مخطط الفعل كان، في عصور نُزعت عنها الأسطورة، أهم من مضمونه.
(ص 88)
هذا تعليق ممتاز على مشاهد الجنس في عمل ماركيز دو ساد. ويمكن، نفسيًا، أن يُفهم وصف أدورنو لِساد على أنه اتهام له بعُصاب وسواسي شديد، لا يُترك فيه شيء للمصادفة، بل يلزم أن يكون لكل شيء نظام - حتى «الفراغ». ولا أظن أن أحدًا سينكر أن مثل هذا الوسواس يبدو شموليًا إلى حد بعيد حين يُترجم إلى المجال السياسي. ويقتبس أدورنو هنا من فرانسافيلا عند ساد ثم يعلّق هو بنفسه:
«يجب على الحكومة أن تسيطر على السكان، وأن تمتلك كل الوسائل اللازمة لإبادتهم حين تخشاهم، أو لزيادة عددهم حين يبدو ذلك مرغوبًا فيه […].» ويدل فرانسافيلا على الطريق الذي سلكه الإمبريالية، وهي أبشع أشكال ratio، دائمًا: «اسلب الإله من الشعب الذي تريد إخضاعه، ثم أفسده؛ فما دام لا يعبد إلهًا غيرك، ولا يملك أخلاقًا غير أخلاقك، فستظل أنت سيده […].»
ومادام العقل لا يضع غايات جوهرية، فإن كل الانفعالات تكون على السواء خارجة عن نطاق تدبيره.
(ص 89)
ويبدو أن اعتراض أدورنو على ساد هو أن العاطفة لا مكان لها في عالم ساد، وإذا حضرت أصلًا فإنها تُدنَّس أو تُستعمل في خدمة الأيديولوجيا. ويكتب عن كانط وساد معًا: «الحماس سيئ. والهدوء والحسم يشكلان قوة الفضيلة. […] تؤمن جولييت بالعلم. وهي تحتقر تمامًا أي شكل من أشكال العبادة لا يمكن البرهنة على عقلانيته» (ص 96).
ويبدو أدورنو أقرب ما يكون إلى لاكان حين يقول إن عمل ساد «يمثل النقد المتصلب للعقل العملي، وعلى خلافه يبدو نقد كانط نفسه وكأنه إلغاء لفكره هو» (ص 94). فهنا يبدو أن أدورنو يلمّح، كما يفعل لاكان أيضًا (2006a، ص 765–66)، إلى أن ساد يكمّل عمل كانط، ويأخذه أبعد مما ذهب إليه كانط نفسه: أي أن ساد يدفع ما صاغه كانط إلى نتيجته المنطقية.
ويؤكد لاكان أيضًا الجانب العلمي في مقاربة كانط، ويذهب إلى حد إعادة صياغة مقولته «اعمل بحيث يمكن دائمًا اتخاذ المبدأ الذي يهدي إرادتك بوصفه مبدأً لقانون يكون صالحًا للجميع» بمصطلحات مستمدة من السيبرنيتيكا المبكرة: «لا تعمل أبدًا بطريقة أخرى غير تلك التي يمكن برمجة فعلك بها» (لاكان، 1992، ص 77). لاحظوا أن القانون هنا يبدو شفافًا على نحو كامل: نحن نعرفه، ونعرفه كله أيضًا.
إحدى الإشكاليات المركزية في «كانط مع ساد» هي العلاقة بين الرغبة والقانون، وأحد استنتاجات لاكان بشأن هذه العلاقة هو أن «القانون والرغبة المكبوتة شيء واحد» (لاكان، 2006a، ص 782).(3) وهذه الصياغة ليست أول ما يقدمه لاكان بشأن العلاقة بين الرغبة والقانون. فلننظر إلى مناقشة يطرحها في السيمينار الثاني، حيث يتناول لاكان (1988b) مقطعًا من رواية صغيرة غريبة لريمون كينو بعنوان On est toujours trop bon avec les femmes (وبالإنجليزية: Queneau, 2003).
في هذا الكتاب، […] تكتشف شابة تعمل كاتبة طباعة، وقد تورطت في الثورة الأيرلندية وبعض المغامرات الفاضحة جدًا، اكتشافًا وهي محبوسة في الحمام ذات يوم، يضاهي من كل وجه اكتشاف الأب كرامازوف.
كما تعلمون، يقود ابن كرامازوف، إيفان، والده إلى المسالك الجريئة لفكر المتعلمين، ويقول على الخصوص: «إذا لم يكن الله موجودًا، فكل شيء مباح». وهذه، بوضوح، فكرة ساذجة، لأننا نحن المحللين نعلم جيدًا أنه إذا لم يكن الله موجودًا، فإن شيئًا واحدًا فقط لا يعود مباحًا، بل لا يكون مباحًا شيء على الإطلاق. والمرضيّون العصبيون يثبتون لنا ذلك كل يوم.
أما كاتبة الطباعة لدينا، المحبوسة في الحمام، فتتوصل إلى اكتشاف أكثر إثارة بالنسبة إلى من هو رعية لجلالة الملك. إذ يحدث ما يخلّ بالنظام القائم في دبلن، فيقودها ذلك إلى الشك، والشك يقودها إلى الصياغة التالية: «إذا كان ملك إنجلترا أحمقًا [un con]، فيمكننا أن نفعل ما نريد». ومنذ ذلك الحين […] لم تعد تمتنع عن أي شيء.
(لاكان، 1988b، ص 127–28)(4)
ولا يعني هذا، بالطبع، أن القانون المكتوب الذي ينص على أن «كل من يقول إن ملك إنجلترا أحمق [con تعني أحمق، وغبيًا، وحقيرًا، وما إلى ذلك] ستُقطع رأسه»(5) قد اختفى فجأة. فرغبة الذات في وصف ملك إنجلترا بالأحمق - أو بما هو أسوأ - مرتبطة بوجود هذا القانون نفسه، وتعتمد عليه.
وكان لاكان قد قال ما يقارب هذا المعنى من قبل في مقاله الصادر سنة 1951 «مقدمة نظرية إلى وظائف التحليل النفسي في علم الإجرام»، حين ناقش رسالة بولس إلى الرومان 7:7، حيث نجد ما يلي: «لا أستطيع أن أعرف الخطيئة إلا بواسطة القانون. بل لم أكن لأفكر أصلًا في الاشتهاء لولا أن القانون قال: لا تشتهِ» (لاكان، 2006a، ص 126). نحن نتعلم أن نرغب في الشيء الذي يحرّمه القانون. لكنه هنا يذهب خطوة أبعد:
أي قانون أولي مشابه، يتضمن بنفسه تحديد عقوبة الإعدام، يتضمن كذلك، بحكم طابعه الجزئي، الإمكان الجوهري ألّا يُفهم. فنحن دائمًا في موقع من لا يفهم القانون فهمًا كاملًا، لأن لا أحد يستطيع أن يهيمن على قانون الخطاب في مجموعه.
إذا كان محظورًا أن نقول إن ملك إنجلترا أحمق، مع قطع الرأس عقوبةً على ذلك، فلن نقولها، وسنُقاد إلى عدم قول أشياء كثيرة أخرى أيضًا - باختصار، كل ما يكشف الواقع الساطع بأن ملك إنجلترا أحمق. […]
ويترتب على ذلك أن كل خطاب منسجم مع الواقع القائل إن ملك إنجلترا أحمق يُلقى في البرزخ. وتُمسك الذات نفسها بضرورة حذف أو استخراج كل ما يتعلق مما في خطابها بما يحرّم القانون قوله. غير أن هذا المنع لا يُفهم مطلقًا. فعلى مستوى الواقع، لا أحد يفهم لماذا يُقطع الرأس بسبب قول الحقيقة - ولا أحد يدرك موضع المنع نفسه. وهكذا لا يعود بوسعنا أن نفترض أن من يقول ما لا ينبغي قوله، ويظن أن كل شيء مباح، يستطيع أن يمحو القانون بوصفه قانونًا.
(لاكان، 1988b، ص 128)
ويبقى القانون قائمًا بالضبط بقدر ما لا نفهم لماذا وكيف يعمل. إنه يواصل العمل فينا حتى ونحن ننتهكه.(6)
إن الأمر الصعب الذي نواجهه في الممارسة التحليلية هو مجرد وجود قانون أصلًا. وهذا ما لا يمكن توضيحه بالكامل أبدًا في الخطاب القانوني: لماذا يوجد قانون من الأساس.
[…] إن لرعية ملك إنجلترا أسبابًا كثيرة تدفعه إلى التعبير عن أمور ترتبط مباشرة بكون ملك إنجلترا أحمق. ولنقل إن هذا يدخل في أحلامه. فبماذا يحلم؟ […] بأن رأسه قد قُطع.
ليست هناك حاجة إلى التساؤل عن نوع من المازوخية الأولية، أو عقاب الذات، أو الرغبة في التأديب. ففي هذه المناسبة، يعني كون رأس الحالم قد قُطع أن ملك إنجلترا أحمق. هذا هو الرقابة. إنه القانون بقدر ما هو غير مفهوم.
(ص 128–29)
في الحلم المعني، لا يحلم المرء بأنه يصرخ من فوق الأسطح بأن الملك أحمق؛ غير أن إنفاذ القانون يبدو كأنه يفترض أنه فعل ذلك بالفعل. ويعمل القانون هنا بوصفه الآخر بوصفه لغة - أي بوصفه النظام الرمزي. نحن مغمورون فيه، ولا يمكننا بأي حال أن نحيط به أو نستوعبه في مجموعه: إنه أوسع بكثير من أن يحتويه فرد واحد، وأعرض بكثير من أن يستوعب التأثيرات اللغوية الأخرى، والتغيّر اليومي الذي يحدثه الناطقون به، الأصليون منهم وغير الأصليين.
أما الرغبة فهي منسوجة بخيط لغوي. وتذكّروا أنه، بحسب لاكان، لكي تُصاغ الحاجة، لا بد أن تمر عبر مرشح اللغة.
Need Language Desire(7)
غير أن الرغبة، خلال هذه العملية، تنشأ بوصفها شيئًا خاضعًا للعلاقات القائمة سلفًا بين العناصر، والتفاعلات فيما بينها، داخل السلسلة الدالة: فـ«conversation» ترتبط بـ«conservation» لا لأن هناك ترابطًا واعيًا للأفكار أو علاقة مفهومية بينهما، بل لأنهما تتضمنان الفونيمات والحروف نفسها. وهكذا تنبثق الرغبة من لغة ذات بنية خاصة، لغة توفر عبارات ملتوية مثل «جلالة الملك»، على سبيل المثال، تسمح للمرء بأن يلفظ عبارات جاهزة في حضرة الأحمق من دون أن يجر على نفسه المتاعب. إن قوانين البلد، بمعنى ما، متجسدة سلفًا في التشكيلات اللغوية نفسها التي نعبر بها عن أفكارنا.
ومع ذلك، فإن الرغبة، بما أنها مكتوبة أو مركوبة باللغة التي تتجسد فيها القاعدة، تصبح منذ البداية هادمة لذاتها: فبقدر ما تسمح الرغبة لنفسها أن تشتهي التعدي، يكون العقاب آتيًا سلفًا. انظروا إلى المثال التالي لمريض كانت أمه تكره ذوي الشعر الأحمر. كلما حاول أن يتحدث إلى فتاة ذات شعر أحمر - وكان يقع فورًا في الحب مع كل فتاة حمراء الشعر تقع عليها عيناه - صار أخرق، وأرعن، يرقص كمن له قدمان يسريتان، ويضع لسانه في فمه مباشرة كلما حاول أن يتحدث إليهن. لقد أُطيع قانون الآخر، أي منع الأم ذوات الشعر الأحمر، في الفعل، وإن كان قد تم التعدي عليه في الخيال.
ومثال لاكان هنا أشد راديكالية، إذ إن الرعية البريطانية التي تحلم بأن رأسها يرقد في سلة قرب المقصلة لن تحلم حتى بأن تقول: «ملك إنجلترا ابن زنا». فالرقابة تختصر مرحلة التعدي نفسها - المرحلة التي كان يمكن للمرء فيها أن يستمتع بقول: «الملك أحمق تمامًا» - لتنتقل مباشرة إلى مرحلة العقاب.
وهذا يقودنا إلى عبارة أخرى للاكان (1988a): «الكبت وعودة المكبوت شيء واحد» (ص 191). لاحظوا أن هذه العبارة تتخذ البنية نفسها تمامًا التي نجدها في «كانط مع ساد»: «القانون والرغبة المكبوتة شيء واحد» (لاكان، 2006a، ص 782).(8)
ولتوضيح فكرة أن الكبت وعودة المكبوت شيء واحد، فلننظر إلى مثال آخر يقدمه لاكان في السيمينار الثاني:
كنت أعرف شخصًا ارتبطت عنده تشنجات الكتابة، كما كشف تحليلُه، بحقيقة أنه في القانون الإسلامي، الذي نشأ في كنفه، يجب أن تُقطع يد السارق. ولم يستطع أبدًا أن يتقبل ذلك. لماذا؟ لأن والده كان قد اتُّهم بأنه سارق. وقد أمضى طفولته على مسافة بعيدة من القانون القرآني. كانت كل علاقاته ببيئته الأصلية - كل ما هو صلب، والنظام القانوني، والترتيب، والإحداثيات الأساسية لعالمه - ممنوعة عليه، لأنه رفض أن يفهم لماذا يجب أن تُقطع يد السارق. وفضلاً عن ذلك، ولهذا السبب تحديدًا، وبسبب أنه لم يفهم ذلك، كان هو نفسه الذي قُطعت يده.
هذا هو الحجب، بقدر ما لا يمكن أبدًا أن تكون هناك علاقة بالقانون في مجموعه، لأن أحدًا لا يملك القانون كله على نحو كامل.
ينبغي أن يوضع الحجب والأنا الأعلى في السجل نفسه الذي ينتمي إليه القانون. […] فالحجب ليس على مستوى الذات ولا على مستوى الفرد، بل على مستوى الخطاب، لأن الخطاب، بذاته، يشكل عالمًا كاملًا، وفي الوقت نفسه ثمة شيء نشاز فيه لا يمكن اختزاله في أي من أجزائه. يكفي القليل جدًا - القليل جدًا بالفعل، كأن يُحبس المرء في الحمام أو يُتَّهم أبٌ زورًا بجريمة لا يعلم الله ما هي - لكي يظهر لك القانون فجأة في صورة قاطعة. هذا هو الحجب، ولا يخلط فرويد أبدًا بين Widerstand (المقاومة) والحجب.
(لاكان، 1988b، ص 129–30)
كان مريض لاكان (المشار إليه أيضًا في لاكان، 1988a، ص 196–98، وفي فينك، 2004a، ص 9–10) قد نسي هذا الوجه من القانون الإسلامي أو رفضه، أي كبته، لكن القانون لم يكن قد نسيه. لقد عاد، فأوقع في الابن عقوبةً (إذ صار فعليًا غير قادر على استعمال يده التي يكتب بها) كان من المفترض أن تُوقع على أبيه بسبب اتهام الأب بالسرقة. وما كان مكبوتًا (أن يد السارق يجب أن تُقطع) وعودته (أن اليد، من جميع الوجوه العملية، قُطعت) كانا من النسيج نفسه، شيئًا واحدًا.
في السيمينار العاشر، يشرح لاكان (2004) «التماثل في الهوية بين الرغبة والقانون» (ص 176) من خلال قوله إنهما «يشتركان في موضوع» (ص 126) - أي إنهما كلاهما يتعلقان بالأم. فالرغبة، التي تكون في البدء رغبة الأب في الأم، «مطابقة لوظيفة القانون. فبقدر ما يحرّمها القانون، يجعلنا نرغب فيها، إذ إن الأم، بعد كل شيء، ليست بذاتها أكثر الموضوعات قابلية للرغبة» (ص 126). إن التحريم نفسه للاِغتراب الجنسي بين الأقارب (ص 176) هو ما يخلق الرغبة في الأم، وهي رغبة يجب - في معظم الحالات - أن تُكبَت بعد ذلك. وحين تعود - حين تتجلى في حياة الذات - تكون صلتها بالأم وبالآخر المانع واضحة لا لبس فيها، إذا كنا نعرف كيف نرى ما وراء أقنعتها الهشة في كثير من الأحيان (انظر، مثلًا، حالة المستحلَة التي وصفتها في الفصلين 10 و11 في المجلد الأول من هذه المجموعة).
لننتقل الآن إلى الذات، لا بوصفها ذات تعدٍّ محتمل، بل بوصفها فاعلة وفق القانون الأخلاقي، أو بحسب المثل القديم المعروف باسم «الخير». وهذا المثل يعيدنا، على الأقل، إلى سقراط وأفلاطون. فسقراط يخبرنا أن معرفة ما هو صواب تكفي لكي نفعله. وبحسب أفلاطون، فإن من يعرف الخير لا يواجه مشكلة في تطبيقه؛ فالمعرفة وحدها كافية لتحديد الإرادة، ولحمل المرء على فعل الصواب. والشر يرجع إلى تفكير خاطئ، إلى سوء فهم ما هو خير وما هو شر، وما هو صواب وما هو خطأ. ويبدو أن مفهوم الخير، بحرف كبير، يعود إلى هذا الحد على الأقل.
في «كانط مع ساد»، يقترح لاكان (2006a، ص 766) أن قرونًا من الجدل الأخلاقي دارت حول السؤال التالي: «هل تشعر بالرضا حين تفعل الصواب؟» ورغم الفوارق النظرية بين النفعيين والواجبيين والغاياتيين وسائر طوائف الأخلاقيين الذين ينشغلون بتحديد ما قد يبدو عليه الصواب، فثمة مشكلة عملية: كيف نقنع الناس - بعد أن نجعلهم يؤمنون بنسختك من الصواب - بأن يفعلوا الصواب بالفعل؟ لأن ما هو صواب كثيرًا ما يبدو كأنه ينطوي على شيء غير مريح، مجسَّدًا على نحو مناسب في الكلمة ذاتها التي نستعملها للحديث عنه بالإنجليزية: duty. فهو يبدو دائمًا منطويًا على نوع من التضحية، أو على شقاء، أو ألم (انظر لاكان، 1992، ص 80 و108)، أو كبت. وقد واجه الأخلاقيون والمصلحون الاجتماعيون والثوريون جميعًا، في مرحلة أو أخرى، معضلة النظرية/الممارسة المتمثلة في إقناع الناس بأن التضحية الملازمة لأداء الواجب تستحق العناء، وأن العائد أكبر مما يبدو للوهلة الأولى.
يجادل أفلاطون بأنه لا وجود لما يسمى بالفجوة بين النظرية والممارسة؛ فمعرفة ما هو صواب هي نفسها الرغبة في فعله، والرغبة هي نفسها الفعل (على مقتضى تلك الرغبة). وإذا لم يتصرف الناس على نحو يحقق الصواب، فلا بد أن شيئًا ما ناقص في معرفتهم بما هو صواب. ويبدو ذلك حسنًا على الورق، لكنه لا يثبت في الممارسة. بل إن إجراءات التكفير المعقدة التي طوّرتها تقريبًا كل ديانة تبدو شاهدًا على تعذر تطبيق حجة أفلاطون. بل يمكننا حتى أن نفهم كلمات وأفعال ألكيبيادس الفاضحة في محاورة أفلاطون المأدبة بوصفها نقدًا ضمنيًا من أفلاطون نفسه لهذه الفكرة الخاطئة بوضوح.
يلاحظ لاكان (2006a، ص 766) أن الألمانية لا تسمح بصياغة تسمح بها الفرنسية: «on est bien dans le bien». فالألمانية تقتضي أن ينتقل هذا القول المأثور بين لفظين مختلفين: wohl وGute؛ Man fühlt sich wohl im Guten. وتبدو الإنجليزية أكثر مرونة قليلًا، إذ يمكننا ترجمة الفرنسية إما بـ«فعل الصواب يشعرنا بالصواب»، أو بـ«يشعر المرء بالرضا حين يفعل عملاً خيرًا». لكن الترجمة بهذه الصور، مع استعمال الفرنسية والإنجليزية كلمة واحدة لتمثيل المصطلحين الألمانيين المختلفين wohl وGute، تحجب التمييز الجذري بين استعماليهما. فـWohl هو مفهوم الرفاه أو الطمأنينة الذي سأطلق عليه «الشعور بالراحة»؛ وêtre bien في الفرنسية يعني أن يشعر المرء بالارتياح، وبأن كل شيء على ما يرام في العالم؛ وwohl وêtre bien يحيلان إلى الانفعالات أو المشاعر. أما Gute، من جهة أخرى، فهو مفهوم فلسفي: الخير بحرف كبير؛ ويسمى في الفرنسية le Bien، بحرف كبير أيضًا؛ وسأشير إليه هنا بوصفه «فعل الصواب». وهو يرتبط بما يسميه أفلاطون العدل، وبالتراث الفلسفي الغربي كله الذي يدور حول أسئلة العدل والإنصاف والأخلاق.
البعد الرمزي يبرز بصورة أقوى عند فرويد في بحثين من أبحاثه المبكرة عن الحب، أولُهما «نوع خاص من اختيار الموضوع لدى الرجال» (نُشر أصلًا عام 1910). يصف فرويد هنا نوعًا محددًا من «الحب الذكوري» الوسواسي (مقابل «الحب العادي») لا بد فيه من وجود منافس شبيه بالأب حتى يقع الرجل في حب امرأة. فهي لا تثير اهتمامه من دون هذا الشرط الصوري البنيوي الرمزي، وهو شرط يرتبط بوضوح بالمثلث الأوديبي (انظر فينك 1997، الفصل 8، مثالًا). ويشير فرويد إلى أن الرجل يحتاج إلى أن يشعر بالغيرة، وأن لديه «دوافع مُرضية من المنافسة والعداء» تجاه الرجل الآخر. والعلاقة بالمرأة وحدها ليست مُرضية له بما يكفي. وقد تكون للرجل سلسلة كاملة من مثل هذه التعلقات، مما يدل على أن المهم ليس النساء اللواتي يرتبط بهن بعينهن، بل الوضع البنيوي نفسه. فإذا تركت امرأة يهتم بها حبيبَها أو خطيبَها أو زوجَها، انهار المثلث، ولم تعد المرأة تهمه بعد ذلك.(4)
وهنا يطرح فرويد ديالكتيكه الشهير بين العذراء والعاهرة. فالأم، التي كانت تُرى سابقًا بوصفها صورة عذراء خالصة على طريقة العذراء مريم، تسقط من عليائها حين يكتشف الطفل حقائق الحياة، ويدرك أنها لا بد أن تكون قد أقامت علاقات جنسية مع والد الصبي. وفجأة تُرى على أنها لا تختلف كثيرًا عن العاهرة. ويؤدي هذا، بحسب فرويد، كثيرًا إلى خيال إنقاذ: أي العثور على عاهرة وإعادتها إلى حالتها الأولى من الطهارة.
ويقترح فرويد هنا أنه في «الحب العادي» لا يُعثر في الموضوع الذي يختاره الرجل إلا على عدد قليل من خصائص الأم بوصفها النموذج الأول. أما في «الحب الذكوري» من النمط الذي يصفه في هذا المقال، فإن البدائل الأمومية تكون شديدة الشبه بالأم (وإن كان ذلك راجعًا، على الأرجح، إلى وضعهن البنيوي في المقام الأول). وسأطرح فقط بعض الأسئلة بشأن صياغة فرويد هنا: لقد كانت الأم مشحونة بكميات كبيرة من الليبيدو ثم فقدت الكثير منه؛ فهل النساء «الساقطات» اللواتي يهتم بهن لا يُشحنّ بكثير أصلًا، ويحتجن إلى أن يُعاد لهن ما فُقد؟ أم أن الليبيدو، بعد سقوط الأم، انتقل كله إلى الصورة المثالية القديمة عنها، وأن الذكر يحاول أن يعيد توجيه بعض ذلك إلى نفسه؟ وهل إذا أنقذ امرأة صار هو نفسه مستحقًا للحب من جديد؟ أكان قد فقد أهليته للحب بسبب سقوط أمه؟ هل حين سقطت هي سقط هو؟ أليس ثمة مستوى إجمالي ثابت لليبيدو هنا (كما في 1914)؟ ألم يتحول ليبيدو الموضوع إلى ليبيدو الأنا من جديد؟
«عن الميل الكوني إلى الانتقاص في مجال الحب» (1957b)
تاريخيًا، يبدو هذا المقال (المنشور أصلًا عام 1912) قديمًا في بعض المواضع، ولا سيما في مناقشته للبيت البرجوازي الفيني، ومع ذلك فإن بعض جوانبه ما تزال صحيحة. فـ«الحب» هنا يُميَّز أولًا من «الرغبة»، التي يبدو أن فرويد يحصرها في الرغبة الجنسية (ص 183)، لكن ربما يختلط الاثنان لاحقًا في Trieb، أي «الدافع»، وهي كلمة تُترجم للأسف دائمًا في الإنجليزية بـ«instinct»، وربما تدل على الاستثمار الليبيدي العام الذي يضعه المرء في موضوع، بصرف النظر عن كيفية توزيعه بين الحب («الارتباط»؟) والرغبة الجنسية.
يوضح فرويد منذ البداية أن ثمة ما هو فاسد في دولة إيروس أو في la carte du tendre:(5) «علينا أن نحسب حساب إمكانية أن شيئًا في طبيعة الدافع الجنسي نفسه لا يساعد على تحقيق الإشباع الكامل» (ص 188–89). ويمكن النظر إلى هذا بوصفه سلفًا لعبارة لاكان الشهيرة والمكرورة: «لا وجود لشيء اسمه علاقة جنسية» (انظر مثلًا لاكان، 1998a، ص 57).
والمثال الذي يقدمه فرويد هو رجل يميل إلى اختيار موضوع ارتكازي، أي اختيار يقوم على التشابه بين امرأة وأمه؛ فهو يملك رابطة حسية قوية بأمه وأخته (فرويد، 1957b، ص 182)، وبسبب تحريم سفاح القربى يصاب بالعجز الجنسي. وما يبدو أنه يحدث هنا هو أن التيار الودّي يبقى فعالًا، فيستطيع الرجل أن يختار امرأة تشبه أمه، لكن التيار الحسي أو الجنسي يُكبَت كليًا وبصورة تامة. وبما أن موضوع الحب المناسب له ليس إلا امرأة تشبه أمه أو أخته، ومع ذلك فكل جنس مع مثل هذه المرأة محظور، فإن الرغبة الجنسية، في صورة الانتصاب بحضور الموضوع، تصبح مستحيلة. ويُساوى موضوع الحب الجديد في ذهنه بأمه أو أخته، من جميع النواحي الجنسية.
ويقترح فرويد هنا أن التيار الودّي (الحب) والتيار الحسي (الرغبة الجنسية) يجب أن يتحدا أو يندمجا في «الذكر العادي» (ص 180). لكن بحسب فرويد، هذا يحدث نادرًا؛ بل إنه يلمّح إلى أن العجز الجنسي لأسباب نفسية واسع الانتشار جدًا، ولا سيما إذا أخذنا في الاعتبار حالات العجز الجزئي (الذي يُشار إليه اليوم عمومًا بضعف الانتصاب أو ED، بما يذكّرنا بأوديب) وميل الرجال إلى اختيار زوجات من الطبقة الدنيا (ص 184–85)، وهي على الأرجح لا تشبه أمهاتهم البرجوازيات. ويُفترض أن اختيار زوجات من أصل طبقي أدنى من أصل أمهاتهم يسمح للرغبة الجنسية بأن تظهر منفصلة: فهؤلاء الرجال لا يحبون هؤلاء الزوجات كما أحبوا أمهاتهم، ولا يحدث هنا اتحاد أو اندماج حقيقي بين الحب والرغبة؛ إنهم يشتهون هؤلاء الزوجات من الطبقة الدنيا، لكنهم لا يحبونهن في حد ذاتهـن.
ومن ثم فمكوِّنا إيروس هنا هما:
الحب: التيار الودّي، الارتباط، الاعتماد.
الرغبة: الحسية، الجنسية.
والصيغة المعتادة لاقتران الحب والرغبة لدى الرجال المصابين بعجز جزئي هي كما يلي:
حب امرأة برجوازية (العذراء); الرغبة مستحيلة.
رغبة امرأة من الطبقة الدنيا (العاهرة); الحب مستحيل.
فهنا يبدو أن هناك نوعًا من الرابطة الحسية بالأم التي هي أيضًا موضوع للحب، لكن ثمة أيضًا إمكانية لرغبة جنسية في نساء أخريات ما دمن لا يصبحن موضوعات للحب. فإذا أصبحن موضوعات للحب مع مرور الوقت، فإنهن يستدعين صورة الأم، وإذا أصبحن موضع تقدير على نحو يشبه الأم، نتج العجز؛ ومن هنا أهمية إهدار الموضوع الجنسي باستمرار حتى لا يبدو أبدًا جديرًا بالتقدير على نحو يشبه الأم. ولا تسير الأمور على ما يرام إلا ما دامت الحب والرغبة منفصلين. ويبدو أن فرضية فرويد الضمنية هنا هي أنه إذا اندمج الحب والرغبة لاحقًا في الحياة (على الموضوع ما بعد الأوديبي لا ما قبل الأوديبي)، فلا حاجة إلى كبت أحدهما أو استبعاده من معادلة إيروس. غير أن فرويد، مع ذلك، يقول في توصيفه للحالة الأكثر شيوعًا: «حيث يحبّون لا يشتهون، وحيث يشتهون لا يستطيعون أن يحبوا» (ص 183).
وهناك، إذن، احتمالان مختلفان: في الحالة الأولى، حيث نرى عجزًا جنسيًا كاملًا، يكون قد حصل اندماج كامل بين الحب والرغبة بالنسبة إلى الأم (بوصفها موضوعًا ما قبل أوديبي)، ثم تُكبَت الرغبة بسبب تحريم سفاح القربى؛ وهنا يبقى الحب، لكن الرغبة تصبح مستحيلة. أما في الحالة الثانية، حيث نرى عجزًا مع نساء يشبهن الأم ولكن لا مع «نساء من الطبقة الدنيا»، فليس هناك إلا اندماج جزئي للحب والرغبة بالنسبة إلى الأم. ولاحظوا أنه رغم قول فرويد في بداية المقال إن من الطبيعي أن يندمج الحب والرغبة، فإن اندماجهما لا يمكن - على ما يبدو أنه يلمّح هنا - أن يتضمن الأم أو يتمركز حولها. فاندماج الحب والرغبة - أي التيارين الودّي والحسي - لا ينبغي أن يقع قبل تحريم سفاح القربى، بل بعده فقط، بعد التخلي عن الأم بوصفها موضوع الحب الأول. وفي 1921، يوضح فرويد (1955e) أنه يرى هذا الاندماج ينبغي أن يقع في المراهقة، أي بعد حل عقدة أوديب؛ لكن ما الذي يسببه إذن؟ الهرمونات؟ التنشئة الاجتماعية؟ فرويد لا يخبرنا كيف أو لماذا يحدث هذا الاندماج.
ويخلص فرويد (1957b) هنا بشأن الرجال إلى ما يلي: «كل من يريد أن يكون حرًا وسعيدًا حقًا في الحب لا بد أن يتجاوز احترامه للنساء، وأن يتصالح مع فكرة سفاح القربى مع أمه أو أخته» (ص 186). ويبدو، بعبارة أخرى، أن على الرجل أن يتوقف عن وضع النساء على قاعدة التمثال، وأن يكف عن رؤيتهن في صورة العذراء المريمية (وأفترض أنه لا يقصد أن يفقد الرجل كل احترامه للنساء، رغم أن بعضهم قد يخالفني هنا؛ هل يضع الاحترام المرأة تلقائيًا في فئة الأم والأخت؟)، لأنه في مثل هذه الحالات لا يستطيع أن يشتهيهن جنسيًا. أما الشطر الثاني من جملة فرويد فيوحي بأن على الرجل أن يتصالح مع حقيقة أن الجنس مع امرأة ينطوي دائمًا على عنصر سفاحي ما؛ وأن النزعات السفاحية تظهر حتمًا في كل تحليل، إذا ما أُخذ إلى مداه الكامل، سواء حصل تماس جنسي مباشر بين الأخوة أو بين الوالد والولد أم لا.
ليس واضحًا تمامًا كيف ينبغي أن نصف هذه البنية من منظور الخيالي والرمزي والحقيقي. ففرويد يقترح أن اختيار موضوع يشبه الأم هو اختيار موضوع ارتكازي، ومع ذلك فالأم هنا مُمجَّدة، موضوعة على قاعدة رمزية، إن جاز التعبير. ويبدو أن هذا التمجيد رمزي في الأساس، بقدر ما لا يقوم على شبه مع الذات على مستوى الصور (التشابه الجسدي)، أي على مستوى الخيالي، بل يقوم على خصائص ذات قيمة ثقافية تؤدي إلى «الاحترام»: المكانة الاجتماعية والرتبة والاحتشام والطهارة وما إلى ذلك.
وماذا يقول فرويد عن النساء في هذا المقال الذي يتحدث ظاهريًا عن ميل كوني إلى الانتقاص في مجال الحب؟ يقول إن النساء لهن حاجة قليلة إلى الانتقاص من موضوعهن الجنسي (ص 186)، لكنه يكاد لا يقول شيئًا في السبب. أليس في علاقتهن بأبائهن أيضًا شيء من الحب والتعلق الجنسي الجزئي؟ أهو لأنهن لا يحتجن إلى التخلي عنه حقًا؟ لأنهن لا يحتجن إلى كبت حبهن له في الواقع؟ أهو مجرد انتقال تدريجي من رجل إلى آخر، ربما؟ أم أن الأمر، بدلًا من ذلك، هو أن الحب يبقى في معظم الحالات مربوطًا بالأم، بينما تتجه الرغبة الجنسية إلى الأب؟
مهما يكن، يقترح فرويد أن النساء غالبًا ما يحتجن إلى وجود حظر لكي يُثارن جنسيًا؛ وقد أظهر هذا بصيرة لافتة تجاه سلسلة كاملة من الأفلام الفرنسية التي لا تستطيع فيها الزوجة أو العشيقة أن تثار إلا إذا مارستا الحب في أماكن عامة حيث يمنع ذلك ويخشى أن يُضبطا. ويقول فرويد إن هذا يؤدي لدى النساء إلى حب قائم على شروط بنيوية معينة تتصل بالمنع أو «التحريم» (ص 186). لكنه لا يشرح فعلًا السبب. هل لأن تحريم سفاح القربى لم يكن قويًا بما يكفي، فيجب استدعاؤه أو استفزازه؟
ويستبق فرويد بعض ملاحظات لاكان حول تقليد الحب العذري حين يقول هنا إن الرجال يصنعون حواجزهم الخاصة أمام الحب كي يضاعفوا لذته (ص 187). فـ«إذا كانت الحرية الجنسية غير مقيدة» فإن الإشباع لا يكون كاملًا: في الواقع، إنه لا يكون كاملًا أبدًا. والتربية تجعل الإشباع غير كامل دائمًا. والحضارة تعرقل نفسها إلى حد ما في هذا الصدد: فتنشئة «دوافع الحب» لا تحدث إلا بثمن، وهذا الثمن هو «فقدان محسوس [أي ملموس أو قابل للإحساس] للذة» (ص 189–90).
ولتعويض بعض من تلك الخسارة، يبدو أننا نبني الحواجز لكي نرفع مستوى اللذة؛ فهل يفسر هذا، بأي وجه، افتتان النساء كثيرًا بـ«الأولاد الأشرار»، أولئك الرجال الذين لا يطابقون صورة آبائهن المثاليين؟ أم أن هؤلاء الأشرار ليسوا سوى طبعات جديدة من آبائهن أنفسهم، الذين لم يكونوا جديرين بالتقديس من الأساس؟ في بعض الحالات على الأقل، يبدو أنه لكي تشتهي المرأة، لا ينبغي أن يكون هناك شبه كبير بين الأب المحبوب المثالي والرجل الذي تستطيع أن تشعر تجاهه بالرغبة الجنسية؛ وربما هي أيضًا لا تستطيع بسهولة أن تحب وتشتهي في المكان نفسه، أو أن تحب وتشتهي الموضوع نفسه. ولكي تُثار جنسيًا، لا بد أن تكون مع الرجل الخطأ، الرجل الذي جاب العالم، والذي لا يعاملها كأميرة كما فعل والدها، لأن ذلك سيقود إلى الحب لا إلى الرغبة. لا بد ألا ينظر إليها بنظرة محترمة محبة، بل بنظرة وقحة شهوانية.
وقبل الانتقال إلى لاكان بشأن العاطفة، فلننظر إلى كيفية صياغة فرويد لمكوّن الدافع في الحب. ففي 1921، يقترح فرويد (1955e) أن الحب الحسي «ليس سوى استثمار موضوعي من جانب الدوافع الجنسية بقصد الإشباع الجنسي المباشر، وهو استثمار ينتهي، فضلًا عن ذلك، حين يتحقق هذا الهدف». كما يصف الحب الحسي هنا بأنه «حب أرضي» (ص 112)، ويشير إلى أنه غير مثبط من حيث الهدف. ويبدو أن «الحب الأرضي» يطابق ما كان قد سماه سابقًا «الرغبة الجنسية». فالاستثمار في الموضوع هنا قصير العمر، ويختفي بمجرد تحقيق الإشباع الجنسي. لكنه يضيف بعد ذلك أن الأهداف الحسية، حين تُمنع، تُكبَت، وغالبًا ما تولد «دوافع مثبطة الهدف» (ص 111–12)، فيشير إلى الحب الودّي بوصفه مثل هذا الدافع المثبط الهدف. ويبدو أن الحب الودّي هنا ينطوي على تمجيد للموضوع، بحيث يُلتفت إلى فضائله الروحية بدلًا من فضائله الحسية.
لاحظوا أن الحب الودّي لا يُنظر إليه هنا بوصفه سابقًا على الحب الجنسي، بل بوصفه ناتجًا عن تثبيط الحب الحسي. ففي أعمال فرويد السابقة، كانت هذه تبدو تيارات منفصلة ومستقلة نسبيًا عن بعضها؛ أما هنا فيبدو أن منع بعض الإشباعات الواقعية هو ما يولّد نوعًا من المثالية الرمزية، مؤديًا إلى تيار وديّ ثانوي لا أولي. ومن ثم يبدو أن المثالية، كما نراها في الحب العذري، تنطوي على تسامي الدوافع الجنسية. وهذه الصياغة لعام 1921 تختلف كثيرًا عما قاله فرويد من قبل: فـ«الحب الودّي» كان إما ارتكازيًا أو نرجسيًا.
ظاهرة الحب العاطفي (amour-passion) [تُحدَّد] بصورة الأنا المثالية.
— لاكان، 2006a، ص 344
نظرًا إلى قيود المساحة هنا، سأقتصر على مناقشة أقدم صيغ لاكان بشأن الحب والعاطفة. وسأفترض أن القارئ على معرفة بأعمال لاكان «المرحلة المرآوية» و«العدوانية في التحليل النفسي»، حيث يؤكد الدور التكويني المحدِّد للصور في عالم الحيوان، ويشير إلى أن تطورًا مهمًا في كثير من الأنواع يقتضي رؤية شيء ما: صورة لعضو من النوع نفسه. وهو يفترض أن الأنا عند البشر تتشكل أولًا بين سن ستة أشهر وثمانية عشر شهرًا على أساس الصور التي يراها المرء لنفسه في المرآة (أو أي سطح عاكس آخر)، أو صور الأطفال المشابهين له في العمر. ويقترح لاكان أن الأنا كما تتجلى في المرحلة المرآوية تُشحن بقدر معين من الحب أو الليبيدو، يسميه الليبيدو النرجسي. وخلافًا لفرويد، لا يرى أننا نشحن أنفسنا تلقائيًا، كما تفعل الحيوانات. وفي صيغته المعدلة للمرحلة المرآوية في السيمينار الثامن، يقترح لاكان (2001a) أن صورة المرآة تُستدخل وتُستثمر بالليبيدو بفضل إيماءة موافقة - مثل إيماءة إيماء بالرأس، على سبيل المثال، مرتبطة بـeinziger Zug عند فرويد [1955e] - تصدر من الوالد الذي يحمل الطفل أمام المرآة أو يراقبه وهو ينظر إلى نفسه فيها. فبفضل اعتراف الوالد أو إقراره أو موافقته، تكتسب الصورة المثالية للذات المرئية في المرآة («الأنا المثالية») هذه الأهمية البالغة. وهي لا تُستدخل إلا إذا جرى التحقق منها من شخص مهم بالنسبة إلى الطفل، وهذا التحقق هو ما يثبت ما يسميه فرويد «مثال الأنا» (Ichideal).(6)
لننظر بإيجاز إلى حالة نرسيس. في الأسطورة، لا يهتم نرسيس بالفتيات - وهو لا يهتم بالحوريات، لا إيكو ولا غيرها. وتدعو فتاة رفضها أن يقع في حب بلا جواب، فيقع فعلًا في هذا الحب. ويبلغ به الولع بصورته في بركة ماء، إذ يظنها روح ماء تسكن البركة، أنه «ظلّ يغذي النار التي التهمته، حتى فقد تدريجيًا لونه وهيأته و[جماله] … فذبل ومات» (Bulfinch, 1979, ص 121).
إن الصورة التي يراها نرسيس لنفسه ليست سوى صورة، أي بالضبط من ذلك النوع من الصور الذي تتكون منه المرحلة المرآوية. فهو لا يسبغ على الصورة خصائص رمزية مثل الأمانة أو النزاهة أو الذكاء أو غير ذلك، بل يسبغ عليها الجمال فحسب. وهذا الجمال يأسره؛ فهو مأخوذ به كما تُؤسر بعض الحيوانات المفترسة ببقع الطاووس على ريشه أو كما يأسر ابن عرس الأرنب بنظراته الساحرة. إنها تستحوذ عليه، وتنوّمه مغناطيسيًا، فلا يستطيع إلا أن يحدّق فيها. ثمة هنا شغف مميت أو انجذاب قاتل إلى هذه الصورة، إلى هذا الانعكاس الجميل لذاته الذي يشبهه - يا له من شبه قريب، قريب جدًا - وهو لا يزال أكثر مثالية منه لأنه يقدمه على نحو شامل، أي يعرضه تقريبًا كله دفعة واحدة، فيخلق له كلاً متناغمًا لا يمكنه أن يحظى بنظرة إليه بأي طريقة أخرى.
ومشكلة نرسيس أنه يعجز عن إدخال هذه الصورة إلى داخله، أو استدخالها، أو استبطانها بالطريقة التي تحدث بمساعدة الآخر في المرحلة المرآوية. وحتى عندما ينجح المرء في استبطانها، فإنه يظل غريبًا عنها بقدر ما لا يستطيع إلا أن يقترب منها اقترابًا تقاربيًا، كما يقول لاكان؛ فهو يظل دومًا على مسافة ما من أن يسكن هذه الصورة المثالية لذاته على نحو كامل. ومع ذلك، فإن الصورة في حالة نرسيس تبقى خارجية، خارجه بمعنى ما.
يبدو أن مقالًا لفرويد صدر عام 1922 بعنوان «بعض الآليات العصبية في الغيرة والبارانويا والمثلية الجنسية» قد لعب دورًا مهمًا في عمل لاكان على الحب؛ ولا شك أن من اللافت أن لاكان نفسه ترجم هذا المقال تحديدًا لفرويد (1955c) إلى الفرنسية عام 1932. في هذا المقال، يلاحظ فرويد تباينًا مثيرًا بين أمر يحدث في بعض حالات المثلية الجنسية وأمر يحدث في البارانويا. ففي بعض حالات المثلية الجنسية، نجد، كما يقول فرويد، وضعًا يصبح فيه الأخوان، اللذان كانا قد تنافسا في البداية على انتباه الأم، «أول موضوعات الحب المثلية» لبعضهما البعض (ص 231). وبسبب كبت التنافس بين الأشقاء، تنتقل المحبة من الأم إلى الأخ الذي كان المرء يتنافس معه. يتحول العداء المبكر إلى مودة:(7)
وما يلفت فرويد هنا ليس مجرد انقلاب العداء إلى حب، وهو أمر شائع بما يكفي، بل إن هذا الانقلاب هو، على وجه الدقة، عكس ما يحدث في البارانويا، حيث يصبح الشخص الذي كان محبوبًا في الأصل هو المضطهِد المكروه لاحقًا. في البارانويا يتحول الحب إلى كراهية، وفي هذه الحالة من التنافس بين الأشقاء تتحول الكراهية إلى حب. ولاحظوا أن هناك هنا مكسبًا في ليبيدو الأنا: فليبيدو الموضوع المرتبط بالأم يعود إلى الذات التي تقع في حب من يشبهها.
ويعلّق لاكان على هذا في مقاله عن أختي بابان في Le Minotaure 3/4 (1933–34)، المكتوب بعد عام من نشر ترجمته لنص فرويد. ويقول إن «الخفض القسري للعداء المبكر بين الإخوة، عندما يحدث، يمكن أن يؤدي إلى انقلاب غير عادي لهذا العداء إلى رغبة» يولّد «تثبيتًا وجدانيًا قريبًا جدًا من الأنا السوليبسية، تثبيتًا يبرر وصفه بأنه نرجسي، ويكون فيه الموضوع المختار شديد الشبه بالذات قدر الإمكان؛ ولهذا يأخذ طابعًا مثليًا».
وبعبارة أخرى، بينما ربما رأى فرويد هذا الانقلاب من الكراهية إلى الحب بين الإخوة بوصفه طريقًا غير ذهاني إلى المثلية الجنسية (غير ذهاني بقدر ما ينطوي على الكبت، وهو شكل نفي عصابي بالخصوص)، فإن لاكان، في هذه المرحلة المبكرة جدًا من عمله، يشدد على أهمية «الأنا السوليبسية» في مثل هذه الحالات. ويذكر أن جميع مضطهدي أميه، المرأة الذهانية التي ناقش حالتها بإسهاب في أطروحته للدكتوراه سنة 1932، كانوا مضاعفات أو بدائل لمضطهديها الأول، أي أختها الكبرى، التي كانت قد أحبّتها هي الأخرى سابقًا في حياتها. ويقترح هنا أن انقلابًا من الحب إلى الكراهية قد حدث في حالتها، ما أدى إلى اعتدائها الدرامي على ممثلة كانت إحدى بدائل أختها. وتتكون سلسلة مضطهديها من «النسخ الثنائية والثلاثية والطبعات المتعاقبة لنموذج أولي [لأختها الكبرى]. وهذا النموذج الأولي ذو قيمة مزدوجة، وجدانية وتمثيلية معًا» (لاكان، 1980، ص 253).
تأملوا بعض التعليقات التي يوردها عن أميه:
الضحية المستقبلية [ممثلة شهيرة آنذاك] ليست مضطهديها الوحيد. فكما أن بعض الشخصيات في الأساطير البدائية يتبين أنها نسخ مضاعفة من نموذج بطولي، يظهر مضطهدون آخرون خلف الممثلة، وسنرى أنها هي نفسها ليست النموذج النهائي. نجد سارة برنار، التي تنتقدها أميه في كتاباتها، والسيدة ك.، وهي روائية أرادت أميه أن تتهمها في صحيفة شيوعية. وهكذا نرى القيمة، وهي هنا تمثيلية أكثر منها شخصية، للمضطهِد الذي تعرفت إليه المريضة في ذاتها. إنها المرأة الشهيرة النمطية، المعبودة من الجمهور، الناجحة حديثًا، والتي تعيش في بحبوحة من الرفاه. ورغم أن المريضة تهاجم في كتاباتها حياة مثل هؤلاء النسوة وصناعتهن وفسادهن، ينبغي التأكيد على التباس موقفها؛ إذ إنها هي نفسها، كما سنرى، كانت تود أن تصبح روائية، وأن يكون لها مكان تحت الأضواء، وأن تعيش حياة مترفة، وأن يكون لها نفوذ على العالم.
(ص 164)
فالنساء اللواتي يصبحن مضطهديها هن نساء يعشن الحياة التي كانت هي نفسها تود أن تحياها. إنهن الصورة ذاتها للمرأة الجديرة بالحب في نظرها؛ إنهن ما تشعر أنها كان ينبغي أن تكونه لكي تُحب من ذاتها، ولكي تكون محبوبة من نفسها كما تحب الآخرين: إنهن مثالها. ويقول لاكان، في شأن إحدى المضطهِدات، المس ب. دو لا ن.، إن «الشخص المشار إليه هنا كان في الوقت ذاته أقرب صديقاتها والمرأة المهيمنة التي كانت تغار منها؛ ولذلك تبدو بديلًا عن أخت أميه» (ص 233).
ويقول بعد قليل:
هذا النوع من النساء هو بالضبط ما تحلم أميه نفسها بأن تصبحه. فالصورة نفسها التي تمثل مثالها هي أيضًا موضوع كراهيتها. ومن ثم فهي تضرب في ضحيتها مثَلها المُستَخْرَج إلى الخارج، تمامًا كما يضرب الشخص الذي يرتكب جريمة عاطفية الموضوع الوحيد لكراهيته وحبه.
(ص 253)
ويستخدم حتى تعبير «العدو الداخلي» (ص 237) في موضع ما للدلالة على الشخص الذي اعتدت عليه (رغم أن السياق مختلف قليلًا). ويقول إن ضرب هذه الممثلة الشهيرة بسكين يعني أنه «ضرب نفسها»، وأن هذا كان بالضبط اللحظة التي شعرت فيها بالارتياح، وقد تجلى ذلك في بكائها، مع انحسار الهذيان فجأة (ص 250). وثمة هنا خلط واضح بين الداخل والخارج، وبين الداخلي والخارجي. وهذا جزء مما يسميه لاكان «المركب الأخوي» (ص 261)، وهو مصطلح يظهر أيضًا في عمل آخر للاكان (1984، ص 47).
ويقترح لاكان (1980) أن «هؤلاء الناس … يرمزون … إلى مثال أميه» (ص 263). وبصورة أعم، في البارانويا:
يكون المضطهِد الرئيس دائمًا من الجنس نفسه للذات، ويكون مطابقًا، أو على الأقل ممثلًا بوضوح، للشخص من الجنس نفسه الذي ترتبط به الذات على أعمق نحو في تاريخها الوجداني.(9)
(ص 273)(8)
ويعلّق لاكان حتى في هامش هنا بأن كثيرًا من المؤلفين قدّموا حالات سريرية يصدق فيها هذا، لكن قلّة منهم أدركوا مدى انتظام ذلك. ويذكر أن الأوهام المشتركة تنطوي في الغالب على أزواج من الأم وابنتها أو الأب وابنه (ص 284).9
قبل وقت طويل من أن يتوصل لاكان إلى فكرة أن موافقة الوالدين ضرورية لاستدخال الأنا المثالية في المرحلة المرآوية، وقبل أن يصوغ مفهوم الرمزي، كان يفترض وجود وحدة أم/طفل أولى تُفقد عند الفطام (لاكان، 1984). ففي لحظة الفطام يفقد الطفل «وحدة ذاته» - وهي وحدة كان قد وجدها، على ما يبدو، في عدم تمايزه عن أمه، وفي شعوره بتشكيل كلٍّ معها (وهو شعور لا يتكون، بالطبع، إلا بعد فواته، حين يُفقد)،(10) أو على الأقل مع صدرها («صورة الثدي الأمومي تهيمن على حياة الإنسان كلها»، ص 32). وفجأة يجد نفسه جسمًا مجزأً، ويختبر «ميلًا [أي اندفاعًا من نوع ما] … إلى استعادة وحدته المفقودة»؛ ويحاول استعادة تلك الوحدة بالاعتماد على «صورة المزدوج» (ص 44)، أي نموذج أو صورة «غريبة»: صورة شخص آخر. (ولا يبدو لاكان أنه يخبرنا لماذا يحدث هذا على هذا النحو.) ويسمي لاكان هذا «مركب الاقتحام»، ويقترح أنه «من هذه المرحلة نفسها يبدأ المرء أولًا في التعرف إلى منافس، أي إلى “آخر” بوصفه موضوعًا» (ص 37) - ويبدو هذا أول استعمال له لمصطلح «الآخر» بهذا المعنى.
إن «مركب الاقتحام» هذا، وهو الأكثر شيوعًا بحسب لاكان عندما يكون الفارق العمري بين الأطفال المعنيين صغيرًا جدًا، ينطوي على «موقفين متقابلين ومتكاملين» يبدو أن الأطفال مضطرون إلى اتخاذهما: المغوي والمغوى، المهيمن والمهيمن عليه. والفارق العمري الصغير بين الطفلين يعني أن على الذاتين أن تكونا متشابهتين جدًا في الحجم والقدرات. «وترتبط صورة الآخر ببنية جسد المرء نفسه، ولا سيما ببنية وظائفه العلائقية، من خلال تشابه موضوعي معين» (ص 38).
ولا يرى لاكان مواقع المغوي والمغوى، والمهيمن والمهيمن عليه، بوصفها اختيارات بقدر ما يراها مثبتة بالطبيعة - أي بالغريزة، إن جاز القول، بما أن هذه المواقع نفسها تُعثر عليها في أنواع أخرى كثيرة. ويقترح أنها أصل السادية المازوخية (ص 40): فكلا الطرفين مطالب بأداء هذين الدورين سواء أرادهما أم لا، وكلاهما يرتبط بالطرفين معًا على قدم المساواة، على الأقل في البداية. أما إحساسنا بالآخر في هذه المرحلة، فيقول، فهو خيالي بالكامل (ص 38): فالآخر ليس مختلفًا عن أنفسنا في العمق.
ويؤدي نوع التماهي مع الآخر الجاري هنا إلى وضع تصبح فيه العدوانية نحو الآخر مساوية للعدوانية نحو الذات؛ حتى إن لاكان يشير إلى الدور الذي يلعبه المازوخية في السادية بوصفه «بطانة داخلية» أو «ازدواجًا داخليًا» [doublure intime] (ص 40).
ويصف لاكان عالم الطفل في هذه المرحلة بأنه «عالم نرجسي» ويقول إنه «لا يحتوي على أشخاص آخرين [autrui]» (ص 45). وما دام الطفل لا يفعل سوى محاكاة إيماءات طفل آخر وملامحه وانفعالاته عبر شكل من التعدي الانتقالي، فإن «الذات [الطفلية] لا تتميز عن الصورة نفسها»، أي عن «صورة الشبيه»، عن شخص شديد الشبه به. فـ«الصورة لا تضيف سوى الاقتحام المؤقت لميل غريب» - ميل مستعار من الآخر - إلى ميول الطفل السابقة. ويسمي لاكان هذا «اقتحامًا نرجسيًا»، قائلًا: «قبل أن تؤكد الأنا هويتها، تكون مختلطة بهذه الصورة التي تشكّلها، لكنها تغربها جذريًا» (ص 45). (وبقدر ما لا يوجد هنا موضوعان مختلفان على نحو جوهري، إلا من وجهة نظر المراقب الخارجي، فليس من الدقيق تمامًا أن نتحدث عن “اقتحام” هنا، لأن الاقتحام يفترض وجود موضوعين منفصلين، يعتدي أحدهما على حيّز الآخر.)
ويحاول لاكان بعد ذلك أن يشرح كيف يُتغلب على هذا الخلط البدئي بين الذات والآخر عبر الغيرة، إذ تصبح المنافسة على موضوع ثالث هي ما يثَلّث الوضع ويُدخل عهدًا أو اتفاقًا بين الطرفين؛ وهنا نجد محاولة لاكان المبكرة لاستخدام ديالكتيك السيد/العبد الهيغلي لتجاوز صراع الموت، وهي محاولة يتخلى عنها لاحقًا عندما يدرك لاكان (2001a) الإسهام المهم للرمزي (الملمح الأحادي، einziger Zug، الآتي من الوالد) في المرحلة المرآوية. فبينما يحاول لاكان في البداية إدخال العهد الرمزي إلى الوجود من ديالكتيك خيالي خالص، فإنه يتخلى لاحقًا عن هذا المسعى بوصفه عقيمًا.
ومع ذلك، حتى مع أخذ آراء لاكان المعدلة في تكوّن الأنا في السيمينار الثامن في الاعتبار، ما زال بإمكاننا قبول فكرته هنا بأن «الأنا تتشكل» على «صورة المزدوج البدئية» (لاكان، 1984، ص 48). ويقترح أن نرى أهميتها لاحقًا في الحياة في عدد من الحالات المختلفة، بما في ذلك المثلية الجنسية والفتشية، وفي البارانويا حيث تلعب دورًا «في نمط المضطهِد، سواء أكان خارجيًا أم داخليًا» (ص 48).
وبعبارة أخرى، لا يحصر لاكان تأثير «المركب الأخوي» في البارانويا - حيث يؤدي إلى «تواتر موضوعات النسب، والاستيلاء، والسلب، [وإلى] الموضوعات الأكثر بارانوية: الاقتحام، والتأثير، والانقسام، والتضاعف، ومجمل التحولات الوهمية للجسد» (ص 49). بل قد يكون للمركب الأخوي دور مهم في فئات تشخيصية أخرى أيضًا.
ويقترح لاكان أن التحليل النفسي يتيح لنا أن نرى أن «موضوع الليبيدو الانتقائي في المرحلة التي ندرسها هو موضوع مثلي» وأن الحب والتماهي يندمجان في هذا الموضوع (ص 38–39). وفي أطروحته، يشير إلى كم كان المضطهِد كثيرًا ما يكون من الجنس نفسه للمريض، مقترحًا أن مسألة «المثلية المكبوتة» (ص 301) أو «الدفاع ضد المثلية» في الذهانات قد تكون مرتبطة فعليًا بالعاطفة المرتبطة بصورة شخص يشبه المرء إلى حد كبير (a-a´).(11)
ثم يقترح:
هذا الغموض المبكر [ويُفترض أنه اندماج الحب والتماهي] يُعثر عليه من جديد عند الراشدين، في عاطفة الغيرة في علاقات الحب، وهناك يمكن الإمساك به على أفضل وجه. ينبغي، في الواقع، أن نميّزه في الاهتمام القوي الذي تبديه الذات بصورة منافسها: اهتمام يُعلن عنه بوصفه كراهية - أي بوصفه سلبًا - ورغم أنه يُحرَّك بموضوع الحب المفترض، […] يجب أن يُفهم بوصفه الاهتمام الجوهري والإيجابي الخاص بهذه العاطفة.
(ص 39)
وبعبارة أخرى، فإن الاهتمام العاطفي بالمرأة الأخرى في الهستيريا، على سبيل المثال، يقوم أقل على تعلق عاطفي بالرجل الذي يُفترض أنه موضوع عواطفها الحقيقي، وأكثر على افتتان بالمرأة الأخرى (التي تراها منافسة) بوصفها الصورة الموجودة في صميم كيانها هي. ولا يشدد لاكان على هذا الجانب حين يناقش حلم زوجة الجزار بعد سنوات طويلة، لكنه ربما جانب مهم ينبغي إبقاؤه في البال على أي حال (انظر، مثلًا، لاكان، 2006a، ص 452). ويمكن أن يُفهم على أنه يلعب دورًا في افتتان دورا بالسيدة ك. بقدر ما تمثل الأخيرة أنوثة دورا نفسها. بل إن اهتمام النساء بسؤال الأنوثة، أي ما يعنيه أن تكون المرأة امرأة، قد يكون مرتبطًا بهذا الافتتان بصورة امرأة أخرى. (ولعل شيئًا مشابهًا يمكن أن يقال عن محاولة الرجال فهم معنى أن يكون المرء رجلًا: انظر «الزمن المنطقي» في لاكان، 2006a، ص 212–13.) وتأملوا أيضًا مدى شيوع حضور رجل ثانٍ في الخيالات الجنسية للرجال عن النساء، حيث يبدو أن وجود صراع مع رجل آخر ضروري لجعل الأمر مثيرًا: منافس شبيه بالأخ أو الأب.
لقد أثار هذا الاستكشاف الأولي أسئلة أكثر مما أجاب عنه، لكن، بحكم قيود المساحة هنا، يستحيل حتى الشروع في محاولة الإجابة عن بعض هذه الأسئلة بصيغ لاكان اللاحقة عن الحب العذري، والجمال، وما إلى ذلك. وآمل أن أناقش ذلك في كتاب مقبل عن الحب.
نُشر هذا البحث في الأصل في مجلة دولية للفلسفة والتحليل النفسي يصدرها معهد سلوفينيا للفلسفة: Acta Philosophica-Filozofski vestnik, 27(2) (2006)، 236–82. وهو يتضمن مادة قُدمت في سمنار نهاية أسبوع عُقد في شيكاغو في أكتوبر/تشرين الأول 2005 لمركز شيكاغو للتحليل النفسي، وفي ميامي في 19 فبراير/شباط 2005 لمجموعة LOGOS.
2 قد توجد تشكيلات أكثر تعقيدًا في حالة اختيار الموضوع المثلي، لأن الموضوع المختار قد يشبه المرء نفسه ومقدِّم العناية المبكر في آن واحد.
3 يبدو اختيار الموضوع هنا إما/أو، لا ارتكازيًا جزئيًا ونرجسيًا جزئيًا حتى على المستوى النظري.
4 علمتني الخبرة السريرية أن النساء أيضًا يستمددن أحيانًا لذة أكبر من التنافس مع نساء أخريات - أي من أخذ الرجال منهن، كما ربما شعرن أنهن أخذن آباءهن من أمهاتهن أو حاولن أخذهم منهن حين كنّ صغيرات - أكثر مما يستمددن من الرجال الذين يرتبطن بهم.
5 La Carte du Tendre خريطة من القرن السابع عشر للمشاعر الرقيقة/العاطفية - وربما مقدمة لنظرية آدم سميث (1759) في الأحاسيس الأخلاقية - رسمتها مادلين دو سكوديري. وكانت تدّعي أنها تتتبع كل مراحل الحب، وكل مراحل تطور المشاعر الرقيقة، فضلًا عن كل العقبات والمشكلات التي قد يواجهها المرء في طريق الحب مثل الغيرة واليأس. ويمكن العثور عليها في روايتها ذات الأجزاء العشرة Clélie (1654–60). وتوجد الخريطة أيضًا في كتاب جوان ديجان Tender Geographies: Women and The Origins of the Novel in France (نيويورك: Columbia University Press, 1991).
7 يصف فرويد (1922) هنا أيضًا طريقة أخرى قد ينشأ بها اختيار الموضوع المثلي: فهو يذكر صبيًا كان متمسكًا بأمه، ثم بعد بضع سنوات من البلوغ بدأ يتماهى معها واتخذ صبيًا في مثل عمره وقت حدوث هذا التماهي موضوعًا لحبه. وربما ظل طيلة سنوات لاحقة ينجذب إلى الصبيان في ذلك العمر - ففي حالة أحد محلَّليّ الخاصين، كان رجل مثلي ينجذب على نحو خاص لمدة عشرين عامًا تقريبًا إلى الصبيان بين الخامسة عشرة والسابعة عشرة، وكانت عقدته الأخلاقية هنا أنهم قاصرون دون السن القانونية. ويصف فرويد ذلك بأنه حل لعقدة أوديب، بما يعني أن يظل أمينًا لأمه مع التراجع لصالح أبيه من خلال عدم منافسته على حب أمه (ص 230–31)؛ وهذا يشبه الشرح الذي يقدمه، في صيغة معكوسة، بشأن الحالة الشهيرة لـ«المرأة المثلية الشابة» (فرويد، 1955f).
8 يقترح لاكان (1980) أيضًا أن «التثبيت النرجسي والدافع المثلي قد نشآ في هذه الحالة من نقاط تطور ليبيدي كانت متقاربة جدًا» (ص 264).
9 يذكر شيئًا قريبًا من ذلك في لاكان (1984، ص 49).
10 انظر أسطورة أريستوفانيس في المأدبة لأفلاطون.
11 هنا يتحول الحب إلى كراهية، ويتحول عقاب الآخر إلى عقاب للذات.
في الترجمة
10
مهمة الترجمة
كلمة ألقيت عند تسلّم جائزة على ترجمة Écrits
أود أن أبدأ بتوجيه الشكر إلى كثيرين: أشكركم جميعًا على حضوركم اليوم؛ وأشكر المؤسسة الفرنسية الأميركية ومؤسسة فلورنس غولد على هذه الجائزة السخية؛ وأشكر أعضاء لجنة التحكيم المرموقين على تقديرهم عملي بعد أن خصصوا وقتًا لقراءة كتاب كثيرًا ما وُصف بأنه غير قابل للقراءة وغير قابل للترجمة، بل قيل إن أول أستاذ درست معه هذا الكتاب كان يرميه مرارًا عبر الغرفة من شدة السخط؛ كما أشكر زوجتي، Héloïse Fink، لأنها راجعت صفحات الترجمة التسعمائة كلها، سطرًا سطرًا، بعناية شاقة. وقد ساعدني كثيرون آخرون في هذا العمل على نحو مهم، وإن كان متقطعًا أكثر، وقد شكرتهم في مقدمتي للترجمة؛ غير أن زوجتي تستحق ذكرًا خاصًا بسبب استعدادها الدائم لأن تضمن ألا «أضع قدمي في الطبق»، كما يقول الفرنسيون، أو على الأقل ألا «أضع قدمي في فمي»، وألا أرتكب شيئًا بالغ الحماقة، على الأقل فيما يخص الترجمة.
فالترجمة الحمقاء، في النهاية، أمر يسير الوقوع فيه، حتى في الأجزاء المباشرة. فالألفاظ المتشابهة بين اللغتين أصدقاءُ طقسٍ جميل لا أكثر، والتعابير الاصطلاحية ليست عسيرة النقل فحسب، بل كثيرًا ما تمر من دون أن يلحظها المترجم غير المتنبه، فلا يرى إلا المعنى الصريح أو غير الاصطلاحي، وينتهي به الأمر إلى ترجمة عبارات من قبيل “how do you like them apples” أو “you ain’t just a whistling Dixie” على أكثر الوجوه تنافرًا. وأنا أعرف ما أقول، إذ وقعتُ أنا نفسي في مثل هذه الشراك، وخلطتُ بين le geste وla geste بين حين وآخر...
ومع تركيزنا الراهن على ما نسميه بسذاجة «الطلاقة» في تعلم اللغات الأجنبية، يبدو أننا نؤكد سرعة انطلاق اللغة الأجنبية من أفواهنا أكثر مما نؤكد استعمال نحو مفهوم، أو دقة التعبير، أو القدرة على العثور على le mot juste. ومن عاش في الخارج يعرف أنه قد يبلغ بسرعة كلامه حدًا مقبولًا خلال سنة أو سنتين، لكنه لا يبدأ غالبًا في إدراك مقدار ما لا يفهمه إلا بعد نحو خمس سنوات من العيش في بلد أجنبي، ولا يبدأ حقًا في رؤية اتساع ما لا يفهمه إلا بعد عشر سنوات! فتعلم اللغة، سواء كانت ما يسمى لغتك الأم أم لغة أجنبية، مسعى يمتد مدى الحياة.(1)
وأشدد على صعوبات الترجمة وعلى الطبيعة الممتدة لعقود في تعلم اللغة لأن نسبة معتبرة من النصوص النظرية الفرنسية تُترجم اليوم إلى الإنجليزية على أيدي طلاب دراسات عليا جائعين على نحو يكاد يكون مثليًا، مستعدين للعمل لقاء أجر زهيد، لكن مهاراتهم اللغوية تترك الكثير مما ينبغي. فالناشرون لا يخصصون مالًا كافيًا لعمل الترجمة المهم، وغالبًا ما ينالون مقابل ما يدفعونه: عملًا رديئًا يبدو كأنه فرنسي، مع أن الكلمات في الظاهر إنجليزية. وهذا يقود، على غير مفاجأة، إلى أرقام مبيعات مخيبة للآمال. فيقف الناشرون حائرين: كيف لكتاب باع بهذا القدر في فرنسا أن «يسقط ميتًا من المطبعة»، كما قال هيوم، في الولايات المتحدة؟ أحقًا نحن إلى هذا الحد معادون للفكر؟
ولعل ناشري الأعمال الأدبية أرهف حسًا من ناشري كتب العلوم الاجتماعية تجاه أهمية الترجمة الجيدة، وأكثر استعدادًا لفتح محافظهم للحصول عليها. أما في العلوم الاجتماعية، فيبدو أن الناشرين يستسلمون للسياسة نفسها التي تحكم المؤسسات الأكاديمية عمومًا، حيث تُعد الترجمة في أحسن الأحوال نشاطًا ثانويًا. فقليل جدًا، إن وجد، من أساتذة الجامعات الأميركية نالوا التثبيت أو الترقية بفضل ترجماتهم الدقيقة المضنية للنصوص النظرية. وعمليًا، يُنصح الأساتذة غير المثبتين، بل وحتى المشاركين، ألا يكرسوا سنوات من البحث والصنعة لترجمة النصوص النظرية بعناية، لأن العمل الذي ينطوي عليه ذلك غير مقدّر ولا معترف بقيمته. وقليل من رؤساء الأقسام أو العمداء في عصرنا هذا يعرفون ما معنى تعلم لغة أجنبية بعمق، أو مقدار العمل الذي يتطلبه البحث في المواد والخلفيات والمصادر التي يلمح إليها المؤلفون؛ وأنتم ممن يقرأون النصوص النظرية الفرنسية تعلمون أن المؤلف الفرنسي نادرًا ما يذكر مصادره، فضلًا عن أن يحدد النص أو الطبعة أو رقم الصفحة التي يقتبس منها.
والغريب أن الترجمة تصبح شيئًا لا يستطيع القيام به إلا الأساتذة المتفرغون تمامًا، أي أولئك الذين سبق لهم أن صنعوا أسماءهم بالتعليق على نصوص لم يدرسوها قط بالقدر من الدقة الذي يُلزمهم به فعل ترجمتها. وهكذا تسبق تعليقاتهم على المؤلف ذلك الانخراط العميق في عمله الذي تفرضه الترجمة! إن النظام كله، في الواقع، مقلوب على قفاه، العربة أمام الحصان. وكان لاكان يحب أن يقول إن عليك أن تترجم فرويد قبل أن تفهمه، لا العكس. وقد كنت محظوظًا إذ شعرت، قبل عشرين سنة، بوجوب إعداد مسودات ترجمتي الخاصة لكثير من نصوص لاكان، قبل وقت طويل من شروعني في الكتابة عنها؛ كانت فرنسيته عسيرة إلى حد أن الترجمة المرتجلة لسطر أو سطرين هنا وهناك ضمن تعليق لم تكن تبدو لي مقنعة.
وإذا جاز لي أن أكون جريئًا فأقترح اقتراحًا أو اثنين، فأظن أنه سيكون رائعًا لو استطاعت المؤسسة الفرنسية الأميركية أن تقنع الناشرين والجامعات معًا بأن الترجمات الدقيقة المقروءة مهمة فعلًا، وأن «مهمة المترجم» صعبة، استحضارًا لنص Walter Benjamin في الموضوع، وأنه لا بد من فعل شيء يجعل من المجدي للمترجم أن يعمل ثم يعيد العمل ثم يعيد صياغة مسودات متعاقبة من الترجمة. ينبغي للمترجم أن يتبع نصيحة Boileau للشاعر: “vingt fois sur le métier remettez votre ouvrage.” وقد مرت مقالات لاكان التي ترجمتها في هذا المجلد بعشر مسودات كاملة أو أكثر، لا بعشرين، ولكن بعدد غير قليل على أي حال. وصحيح أن لاكان أصعب من كثير من المؤلفين، لكن Foucault وDerrida وBadiou وكثيرًا من الكتاب الفرنسيين الآخرين لا يقلون عنه كثيرًا! وقد أخبرتني ناشرة لكتب التحليل النفسي مؤخرًا أنها ستكون مستعدة لنشر كتاب مهم في علاج الذهان لمحللة فرنسية بارزة إذا كانت هذه المحللة نفسها مستعدة لدفع تكاليف الترجمة. وربما يعكس ذلك ضيق سوق الترجمات الإنجليزية للتحليل النفسي الفرنسي، لكنه يعكس أيضًا، في تقديري، بخسًا واسع النطاق لقيمة فعل الترجمة نفسه. بل إن مثل هذه الممارسات تبدو آخذة في التحول إلى قاعدة لا استثناء.
وأقترح أن تنظر المؤسسة الفرنسية الأميركية في توفير تمويل بذري لترجمة النصوص النظرية المهمة، فمثل هذا التمويل نادر جدًا في الولايات المتحدة. فعندما يرى مسؤولو الجامعات أن مشروعًا ما حصل على تمويل خارجي، مهما كان ضئيلًا، يقتنعون فجأة بأن للمشروع قيمة، ويُدفعون إلى مضاهاة التمويل الخارجي بمنح وقت معفى من التدريس؛ وكان لاكان يقول إن رغبة الإنسان هي رغبة الآخر، فأروا المسؤولين الأكاديميين أن أحدًا خارج الجامعة يريد إنجاز الترجمة، وسيريدونها هم أيضًا على نحو سحري. فالناس يريدون ما يريده الآخرون. وخلال السنوات العشر أو الخمس عشرة الماضية، أُضعف الوقف الوطني للعلوم الإنسانية تدريجيًا بخفض الميزانيات، وقد كنت محظوظًا بما يكفي للحصول على بعض من أمواله النادرة في أواخر التسعينيات. غير أن مصادر أخرى قليلة جدًا بقيت، وسيكون من الخير العظيم أن تتدخل المؤسسة الفرنسية الأميركية لسد هذا الفراغ.
وبالحديث عن الوقف الوطني للعلوم الإنسانية، أظن من المفيد أن أذكر أن أحد أعضاء اللجنة الذين كُلّفوا بالحكم على أهمية ترجمة Écrits للاكان إلى الإنجليزية علّق في تقييمه السلبي للمشروع قائلًا: «كنت أظن أن لاكان قد صار موضة بالية على أي حال.» ففي نظره كان لاكان قد شاخ وصار من الماضي حتى قبل أن يتاح عدد معتبر من أعماله بالإنجليزية. وربما صحّ ذلك، إلى حد ما، في الأوساط الأدبية، حيث أثارت أولى الترجمات الملتبسة حقًا لأعمال لاكان في السبعينيات اهتمامًا كبيرًا، ثم خبا هذا الاهتمام مع تزايد السأم من «النظرية» عمومًا في أقسام الأدب المقارن خلال السنوات الأخيرة. أما في الأوساط التحليلية النفسية، فلم تتح له فرصة أصلًا: فالترجمات التي أُنجزت في السبعينيات كانت، في معظمها، غير مفهومة لأي شخص تلقى تكوينًا تحليليًا نفسيًا أميركيًا، لا بسبب الخلفية الفلسفية لفكر لاكان التي لم يكن المحللون الناطقون بالإنجليزية مألوفين بها فحسب، ولا بسبب النقل الحرفي الملتبس لكلماته فحسب، بل أيضًا لأن المترجمين كانوا يعرفون القليل جدًا عن فرويد وعن التحليل النفسي عمومًا. فعندما كان لاكان يشير إلى حلم ذكره فرويد في تفسير الأحلام، لم يكن المترجم، لأنه لم يكلف نفسه عناء قراءة هذا العمل الفرويدي التأسيسي، يملك أي فكرة عما يتحدث عنه لاكان، بل إنه جعل المرأة صاحبة الحلم رجلًا. وقد رأيت حالات لمترجمين كبار، جهلًا منهم بأبسط المصطلحات التحليلية النفسية، نقلوا transfert لا إلى “transference” بل إلى “transfer” فحسب، وsouvenir-écran إلى “memory-screen” بدل “screen-memory” البديهية، فأخطؤوا حتى في الترتيب البسيط بين الاسم والصفة. وأكثر المحللين الذين أتحدث إليهم ممن حاولوا مجابهة عمل لاكان في السبعينيات والثمانينيات قالوا إنهم اقتنعوا بأن لاكان لا يعرف ما الذي يتحدث عنه أصلًا، ويا له من أمر غير مفاجئ!
فالترجمات الرديئة قد تصنع سمعة المؤلف أو تحطمها، وفي مجال كتحليل النفسي قد تدفن في مزبلة التاريخ ما يملك القدرة على إحياء ممارسة علاجية نفسية متصلبة. وسأعطي مثالًا واحدًا فحسب:
لقد اعتاد المحللون النفسيون في أميركا سريعًا عادة قبيحة هي الاعتقاد بأنهم سادة المعرفة، وأنهم يعرفون ما يوجد في لاوعي مرضاهم. وصاروا يظنون أن مهمتهم هي أن يكتشفوا كل شيء، ثم ينقلوا معرفتهم الكاملة إلى مرضاهم، ثم ينتظروا أن يوافقهم المرضى. فإذا اعترض هؤلاء على معرفتهم اتهمهم المحللون بالمقاومة. وكلما بدا المرضى أقل ميلًا إلى تصديق تأويلاتهم، ازداد أولئك المحللون توبيخهم على «مقاومة العملية». وكانوا يقولون لمرضاهم: «ستُشفون يوم تقبلون أن ما أقوله لكم حق.»
أما لاكان فكان له رأي آخر: فقد جادل بأن المرضى، وإن كانوا كثيرًا ما يفترضون أن محلليهم يعرفون الأسباب اللاواعية لأعراضهم، فإن المرضى أنفسهم هم من يعرفون أسباب مشكلاتهم في الحياة. وهذه المعرفة كامنة في لاوعيهم، ومهمة المحلل أن يحمل مرضاه على أن يستنبطوا هذه المعرفة اللاواعية. ليس دور المحلل أن يخمنها بنفسه ثم يمررها إليهم فحسب؛ فالمرضى يكونون أشد اقتناعًا وأعمق انخراطًا حين يكتشفونها هم بأنفسهم، بطبيعة الحال بمعونة المحلل. وقد ضاعت هذه النقطة الكبرى في الترجمات الأولى لعمل لاكان عندما كتب المترجم أن «المحلل يحاول أن يكشف لاوعي المريض»، بينما كان لاكان قد قال إن «المحلل يسعى إلى أن يجعل المحلَّل يخمّن (lui faire deviner)» ما في لاوعيه. إن المسافتين العلاجيتين هنا تفصل بينهما سنوات ضوئية، لكن تلك السنوات الضوئية أُبيدت في تلك الصياغة، فصار لاكان شبيهًا بكثير من المنظرين التحليليين الآخرين، سكارى بقدراتهم الخارقة على الاستبصار. قد يبدو الفرق دقيقًا على مستوى الترجمة، لكنه هو الخطوة العملاقة التي اتخذها لاكان حين خلّف وراءه معظم محللي الرابطة الدولية للتحليل النفسي.
وقد غيّر عمل لاكان في الواقع التقنية التحليلية في كثير من العالم غير الناطق بالإنجليزية اليوم. فالتحليل النفسي حي في إيطاليا وإسبانيا ومعظم أميركا الجنوبية، رغم صعود الطب النفسي والعلاج الدوائي النفسي، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى جهود لاكان. وربما يوجد اليوم في العالم محللون يمارسون على الطريقة اللاكانية بعدد لا يقل عن عدد غير اللاكانيين، لكنك لن تدرك ذلك بالنظر حولك في الولايات المتحدة. وأحد الأسباب الرئيسية في رأيي أن الترجمات الإنجليزية المبكرة لعمل لاكان كانت ببساطة غير جديرة بالثقة إلى حد يمنع أي نقاش جاد.
وقد اكتشفت أن انتقاد الترجمات يُعد في أميركا من المحرمات في كثير من الأحيان.(2) وحين حاولت في أحد كتبي الأخيرة أن أنشر تعليقًا على أخطاء ترجمة فادحة في نصوص تحليلية نفسية (Fink, 2004b)، طلب مني المحرر حذف ذلك الفصل؛ وقال إنه يراه قابلًا لأن يفضي إلى دعوى تشهير.(3) ويبدو لي من الفضيحة حقًا ألا نستطيع إقامة حوار مفتوح ونقدي حول ترجمات الآخرين في مجال بأهمية التحليل النفسي. فهذا الحوار ضروري إذا أريد للطلاب أن يدركوا أن أساتذتهم ومترجميهم لا يعرفون دائمًا ما يتحدثون عنه، وأنهم يدّعون معرفة لغات لا يملكونها بالفعل، وإذا أريد للمترجمين وناشريهم أن يُشجَّعوا على مراجعة طبعاتهم المعيبة بانتظام. أما أنا فقد طلبت من قراء ترجمتي لـÉcrits أن يتصلوا بي بأي أخطاء يظنون أنهم اكتشفوها، ومع أن تنبيهي إلى أخطاء في مشروع استغرق مني زهاء عشر سنوات وخرج أخيرًا العام الماضي أمر محبط لي، فقد تلقيت بالفعل نحو اثني عشر تصويبًا، معظمها طفيف لحسن الحظ. وستُدرج هذه التصويبات في الطبعة الثانية من الترجمة. بل آمل، بتعاون Norton، أن أواصل تحديث الترجمة بانتظام كلما تعلمت أكثر وكلما أعانني قرائي على أن أتعلم أكثر.(4) فلا أحد معصوم، ولا أحد يعرف جميع الحقول وجميع التعابير، ومن المهم لنا نحن المترجمين أن ننقل إلى قرائنا عدم سيطرتنا التامة على الموضوع، حتى ونحن نحاول أن ننقل أكبر قدر مما استطعنا فهمه حتى الآن. فالإيمان بالسيطرة المطلقة على الموضوع خطر على المحلل والمترجم معًا.
لقد ارتبط تاريخ التحليل النفسي في بلدان العالم المختلفة دائمًا ارتباطًا وثيقًا بتوقيت ترجمة أعمال فرويد أولًا، ثم أعمال المحللين الآخرين، إلى اللغات المتداولة في تلك البلدان، وبجودة تلك الترجمات. وفي ميدان كالتحليل النفسي، الترجمة شأن جاد تترتب عليه آثار واقعية تمس أناسًا يعانون. وينبغي أن يكون المترجمون مسؤولين عن تقليص فرص المرضى في أن يتلقوا مساعدة حقيقية. وكان لاكان من القلة بين ما بعد الفرويديّين الذين حافظوا على أهمية اللاوعي بوصفه مشهدًا آخر، شيئًا مجهولًا لنا، شيئًا لا نريد أن نعرفه. أما كثير من الممارسين الأميركيين فقد سارعوا إلى نسيان اللاوعي وحقائقه المزعجة، وأعادوا تركيز العلاج على تكييف المرضى مع تصور الممارس للواقع، وعلى إعادة توازن الهرمونات والناقلات العصبية، وما إلى ذلك. وقد قاد هذا، بالنسبة إلى كثير من المرضى، إلى علاجات لا تنتهي تقدم قدرًا قليلًا من التخفيف، أو إلى عمر كامل من الأدوية النفسية. وفي ممارستي الخاصة التقيت عددًا كبيرًا من المرضى الذين أمضوا عشرين سنة في أشكال أميركية معاصرة من التحليل النفسي والعلاج النفسي، أو ظلوا على مضادات اكتئاب مختلفة منذ طرحها في السوق. وبعد أن جرّبوا كل شيء، يأتون إليّ كما لو كنت نوعًا من مقدّم خدمات الصحة النفسية أو حتى من مقرضها الأخير، وغالبًا ما يحققون في سنة واحدة من التحليل النفسي اللاكاني أكثر مما حققوه في العقود السابقة كلها، ويتركون الدواء نهائيًا خلال أشهر أو سنوات قليلة من بدء التحليل. ليست العملية سهلة بالطبع، فالتحليل النفسي عمل شاق حقًا، لكنه يقدّم نتائج. ويمكن للتحليل النفسي اللاكاني أن يكون ثقلًا موازنًا جادًا للنزعة البيولوجية المتوطنة في معظم المقاربات المعاصرة لمشكلات الصحة النفسية.
وللعودة إلى اقتراحاتي التي آمل ألا تكون في غير موضعها، أطلب من أعضاء المؤسسة الفرنسية الأميركية أن ينظروا في العمل على تعزيز النقاش حول الترجمات القائمة للنصوص النظرية المهمة في العلوم الاجتماعية والإنسانيات، وأن يعملوا على تشجيع الناشرين على مراجعة تلك الترجمات وتحديثها. كما أطلب منهم أن ينظروا في تشكيل لجنة استشارية تضم أشخاصًا معترفًا لهم بعملهم في الترجمة من الإنجليزية إلى الفرنسية ومن الفرنسية إلى الإنجليزية؛ بحيث يستطيع المحررون والجامعات الرجوع إلى هذه اللجنة للمساعدة في تدقيق الترجمات، وطلب رأي خارجي في جودة أعمال المترجمين الآخرين.
ولو استطاعت المؤسسة كذلك أن تجعل التعامل مع الناشرين الفرنسيين أيسر، لكان ذلك نعمة حقيقية، غير أني أشك في أن يكون ذلك داخل حدود قدرتها، بل ربما خارج حدود قدرة أي جهة. لقد بلغت درجة إحباط محررتي الأولى في Norton ويأسها أنها تخلت تمامًا عن مشروع نشر لاكان بالإنجليزية. واضطرت محررتي الثانية، Angela von der Lippe، إلى قدر لا ينفد من الصبر لإعادة إبرام العقود من جديد، إذ لم تكن مرة واحدة تكفي أبدًا، فضلًا عن بعض الصبر معي أنا أيضًا. ومن ثم فهذه الجائزة تحية أيضًا إلى ذكائها ومثابرتها!
وسيكون من التقصير مني ألا أقول شيئًا عن أسلوب لاكان الكتابي الشهير، الذي كثيرًا ما وُصف بأنه باروكي، ويُظن عمومًا أنه غير قابل للمحاكاة. ولأصف سريعًا ما يفعله لاكان باللغة الفرنسية، لا أجد أفضل من كلمات ناقد موسيقي، Philippe Beaussant، في حديثه عن مؤلفات Antoine de Forqueray للفيولا دا غامبا في أواخر القرن السابع عشر وبدايات الثامن عشر:
كل مازورة، كل جملة، تطرح مشكلة وتقتضي من العازف أن يتجاوز نفسه. لقد بلغ Forqueray بلا ريب بعزف الفيول إلى ذروته. هناك موسيقى للفيول أشد رقة وعذوبة، وأشد إشراقًا وحسية، وأشد تعبيرًا وتشكيلًا. لكن لا شيء يعطي كما تعطي هذه الموسيقى الانطباعَ بأنها تدفع الآلة إلى حدودها القصوى، ولا شيء يُظهر المزيج نفسه من العظمة المتوحشة، والاستثارة، والعنف المتصل، والضبط، والقوة. [...] يبدو Forqueray كفارس يكاد دائمًا يجهد حصانه حتى الموت، لكنه يعرف حصانه معرفة تمنعه من الذهاب إلى هذا الحد تمامًا. [...] لقد كان الإفراط في صميم طبيعته، ولا يمكن أن تكون فيك النار التي كانت فيه من غير أن تخاطر بأن تحرق قليلًا كل ما تلمسه.
(من الكتيب المرفق بأسطوانة Jordi Savall بعنوان Forqueray, Pièces de viole, 2002)
وكما ترون من هذا، فإن أسلوب لاكان في التأليف يقع داخل تقليد فرنسي سابق الوجود. وأنا لم أحاول في ترجمتي لـÉcrits أن أُجهد الإنجليزية حتى الموت. بل سعيت إلى أن أفعل ما يفعله المؤدي Jordi Savall بموسيقى Forqueray: أن يجعل الأمر يبدو يسيرًا. ومع أني واثق من أني لم أنجح مع لاكان بالبراعة نفسها التي نجح بها Savall مع Forqueray، فإني آمل أني استطعت أن أنقل لاكان ما يزال يحرق قليلًا كل من يقرأ كتاباته.
شكرًا لكم مرة أخرى على هذا التشريف الرائع!
كلمة ألقيت في Century Club في نيويورك عند تسلّم جائزة ترجمة الأعمال غير الروائية التي تمنحها مؤسستا Florence Gould وFrench-American Foundations سنة 2007 عن Écrits: The First Complete Edition in English (New York: W. W. Norton & Co., 2006).
ملاحظات
1 لعل كثيرين منكم مروا بتجربة الظن بأنهم فهموا كلمة أو تعبيرًا استنادًا إلى سياق أو سياقين صادفوها فيهما، ثم اكتشفوا بعد سنوات، عندما سمعوها أو قرأوها في سياق ثالث، أنهم أخطؤوا المعنى تمامًا. فالمسألة ليست فقط أن اللغة المنطوقة تحوي من التعابير الاصطلاحية ما لا يمكن الإحاطة به، بل إن هذه التعابير تختلف جذريًا من لغة إلى أخرى، بحيث يحتاج المرء غالبًا إلى وقت طويل ليفهم تمامًا كيف تُستعمل.
2 قد يتساءل المرء عن المنطق الكامن وراء إمكان قول شيء إيجابي عن ترجمات الناس، مع منع قول أي شيء سلبي عنها. لكن المنطق نفسه يبدو فاعلًا في 1) إمكان الإشادة علنًا بعمل محلل ما، أو مدرسة تحليلية ما، في حين يُنظر بسوء شديد إلى نقدها، بل تُراقب التعليقات أحيانًا، و2) إمكان مدح عمل الطالب في جامعات اليوم إلى ما لا نهاية، في حين ينبغي توخي حذر شديد واقتصاد بالغ عند توجيه النقد. أليس الثناء نفسه موضع ريبة حين لا يعود النقد مسموحًا به؟
3 لقد حدث لي هذا الآن مرتين.
4 أحدث مجموعة من التصويبات متاحة دائمًا على موقعي: brucefink.com.
ليس من السهل أبدًا أن يعرف المرء من أين يبدأ في إعداد تاريخ حالة، لكن يحدث أحيانًا أن يُرى حدثٌ محوري في حياة شخص ما يعيد بأثر رجعي تنظيم كثير مما سبقه ويعيد تنظيمه، ويترك بصمته التي لا تُمحى على كثير مما يليه. وفي الحالة الراهنة كان حدث محوري من هذا النوع بارزًا جدًا، واتخذ شكل جريمة قتل: خنق أمٍّ لطفلتها.
كانت هذه الطفلة، التي كانت في أوائل سنوات مراهقتها آنذاك، الأنثى الوحيدة بين أربعة أشقاء، وكانت الأم تعتقد أنها الابنة المفضلة لدى زوجها. قبل الجريمة بخمس سنوات، كان الزوج قد عيّن موظفة استقبال جديدة في مكتبه، وسرعان ما بدأ علاقة معها؛ وفي غضون ثلاث سنوات كان هو وزوجته قد تطلقا، وبعد ذلك بنحو ستة أشهر تزوج موظفة الاستقبال تلك. وبعد زواجه الثاني بنحو عام ونصف، اختارت زوجته السابقة يوم عيد ميلاده لتنتقم بقتل ابنته الوحيدة.
لا تبدو دوافع الأم هنا مطابقة تمامًا لدوافع ميديا في مسرحية يوربيديس التي تحمل الاسم نفسه. فقد أظهرت هذه الأم هنا كثيرًا من علامات الذهان قبل القتل (مع أن أحدًا لا يبدو أنه لاحظ ذلك حقًا أو اكترث به)، ويبدو أن حالتها أخذت منعطفًا خطيرًا نحو الأسوأ عند وفاة أمها هي نفسها قبل نحو تسعة أشهر من الحدث المشؤوم. وكانت تلك الجدة قد أُصيبت بسرطان الثدي قبل ذلك بمدة، ويبدو أنها جنّت بعض الشيء بعد استئصال ثديها؛ وربما تكون قد أُصيبت لاحقًا بورم دماغي أيضًا. وعندما زارت الأسرة قبر الجدة مع أمهم بعد شهرين من الجنازة، لاحظ أحد الأبناء أن على وجه أمهما شيئًا من «النظرة المجنونة».
يبدو أن الأم راجعت طبيبًا نفسيًا عدة مرات بعد وفاة أمها ببضعة أشهر، لكن ذلك لم يمنعها من تطوير نظام وهامي كلاسيكي إلى حد كبير ينطوي على عدد من المعتقدات الدينية، مع أن الدين نفسه لم يكن على ما يبدو ذا أهمية كبيرة لها من قبل. وقد اقتنعت بأن العالم مكان فاسد، وأخبرت أبناءها الأربعة أنهم سيذهبون إلى مكان أفضل عندما يموتون. واعتقدت أن هناك «شوائب» و«شرًّا في البيت» يجب القضاء عليهما؛ ومع اقتراب اليوم القاتل لم تعد تسمح لهم بشرب عصير البرتقال لأنه غير نقي، وأصبح الماء هو المشروب الوحيد المسموح به في المنزل.
صار أطفالها أكثر خوفًا واضطرابًا، وفي الليلة السابقة لعيد ميلاد الأب اتصلت ابنته به حتى وهي قلقة، طالبةً منه أن يأتي أو يسمح لها بأن تذهب إلى بيته. فقاطعت الأم المكالمة، ويبدو أن الأب لم يفعل شيئًا رغم أنه كان يسكن قريبًا نسبيًا.
الحالة التي سأعرضها اليوم هي حالة الابن الأصغر، الذي سأشير إليه باسم ويزلي. أمضى ويزلي الليلة السابقة لعيد ميلاد أبيه نائمًا عند قدم سرير أمه (ولا أعرف لماذا).(1) بدت الدار هادئة على نحو غريب صباحًا حين استيقظ، وهو (وكان في العاشرة) وأخوه الأكبر منه مباشرة، الذي سأشير إليه باسم جون، اتحدا سريعًا وقررا أن يذهبا على دراجتيهما إلى بيت أبيهما. لكن المطر سرعان ما اضطرهما إلى العودة، وعند دخوله البيت سمع ويزلي أصواتًا قادمة من غرفة الجلوس. فحدق من خلال الأبواب ذات المصاريع بين غرفة الطعام وغرفة الجلوس، وكان يستطيع أن يرى الأجزاء الحوضية العارية لكنه لم يرَ وجوهًا. وعندما سمعا أن هناك أحدًا في الداخل، اختفت الأجساد بسرعة، وتساءل ويزلي لاحقًا لماذا لم يدفع الأبواب إلى غرفة الجلوس: هل كانت موصدة أم أنه لم يكن يريد أن يرى؟(2)
ثم يتذكر ويزلي أن أحد إخوته نزل الدرج إلى غرفة الطعام وأخبره أن أخته ماتت. وتمدد ويزلي على أرضية غرفة الطعام تحت الطاولة وبدأ يضرب السجاد بقبضتيه، صارخًا ومرتعشًا.
وكما علم ويزلي البالغ من العمر عشر سنوات لاحقًا، فقد خنقت أمه أخته بواسطة وشاح مأخوذ من قطعة ملابس؛ ويبدو أنها فعلت ذلك بينما كانت الأخت نائمة، ثم غطت الجثة بحافظة غيتار ويزلي (ولم يرَ ويزلي الجثة فعلًا قط). وكما علم بعد نحو خمس سنوات من أخيه الأكبر - وهو الشخص الذي كان، كما اتضح، يمارس الجنس مع أمه على أرض غرفة الجلوس حين دخل ويزلي غرفة الطعام(3) - اقتادت الأم الأخ الأكبر إلى القبو عندما عاد ويزلي إلى البيت وأخبرته أنها تحتاج إلى مساعدته في القضاء على بقية الأولاد: الأخوين الأصغر على الأرجح. أما الأخ الأكبر، الذي سأشير إليه باسم نِد، فقد رفض على ما يبدو وصفع أمه. واستُدعيت الشرطة، فاعتُقلت الأم، وحوكمت، وأُرسلت إلى السجن ثم إلى علاج إلزامي، وأُرسل الصبيان الثلاثة ليعيشوا مع أبيهما وزوجته الثانية وابنتها (ويبدو أن عاملة اجتماعية وطبيبة نفسية طُلب منهما الحديث مع الأطفال مرة أو مرتين، لكن لم يبدأ لهم أي علاج).
هذه هي الخطوط الرئيسية للأحداث التي غيرت حياة الأسرة، وقد روى ويزلي بعضًا منها في الجلسة الأولى نفسها، لكن كثيرًا منها لم يظهر إلا شيئًا فشيئًا مع تقدم التحليل. بدا أن ويزلي لم يكن يريد أن يتذكر عددًا من هذه الأحداث، ولم يكن، في الحقيقة، متأكدًا مما إذا كان ينبغي أن يصدق بعض ادعاءات نِد أم لا.(4) (وفوق ذلك، عندما روى ويزلي بعض هذه الأحداث خلال جلستنا الأولى، أعتقد أنه قال إن أمه قتلت أخته بسكين، لا بخنقها بوشاح - وسنرى لاحقًا أهمية هذا «الخطأ» المحتمل.)
هدفي من سرد هذه الأحداث هو رسم مفارقة ظاهرة. فمع أنني سأذكر أولًا ما بدا أنه آثار هذه الأحداث الصادمة على ويزلي، سنرى لاحقًا أنها لم تكن، من بعض الوجوه، صادمة له إلى الحد الذي قد نظنه للوهلة الأولى.
ويزلي في أوائل الأربعينات من عمره الآن، وقد رأيته في التحليل لأكثر من ثلاث سنوات، بدأت بساعتين في الأسبوع تقريبًا خلال الأشهر العشرة الأولى، ثم ثلاث جلسات أسبوعيًا لنحو عام، ثم أربع جلسات في الأسبوع خلال العام والنصف الأخير. وينبغي أن يكون واضحًا أنه في الوقت المتاح لي لا أستطيع أن أقدم إلا جزءًا صغيرًا جدًا من المادة التي جُمعت خلال أكثر من 500 جلسة.
أزمة jouissance؟
أحد الأسئلة الأولى التي قد تخطر في بال الممارس هو: لماذا دخل ويزلي التحليل بعد نحو 30 سنة من الجريمة لا قبلها؟ فرضيتي العملية هي أن ذلك كان بسبب أنه وجد نفسه فجأة في وضع مشابه للوضع الذي كان فيه والده عند اللحظة التي تزوج فيها من أم ويزلي. بدا أن نوعًا من القدر أو المصير كان متورطًا هنا.
كان صديق ذكر له قد شجعه على الذهاب إلى العلاج بعد أن وجّه إليه ويزلي ملاحظات ناقدة عن صديقة ذلك الصديق، ووصف الصديق تلك الملاحظات بأنها «معادية للنساء». غير أن هذا التشجيع قُدم إليه قبل وقت طويل من أن يتصل بي فعلًا. فقبل نحو خمسة أشهر من أول اتصال له بي، ذكّره أخوه غير الشقيق، الذي سأشير إليه باسم سالي وهو أصغر منه ببضع سنوات، بأن والديهما كانا يقولان كثيرًا إن ويزلي وسالي يمكن أن يتزوجا يومًا ما، لأنهما لم يكونا من أقارب الدم، مع أنهما نشآ معًا تحت سقف واحد لسنوات كثيرة.
يبدو أن ويزلي كان يكره دائمًا سماع أبيه وزوجة أبيه يقولان هذا، ومع ذلك كان يعيشه بوصفه نوعًا من القدر أو المصير. وبعد أسبوعين من بدء التحليل، توصّل فجأة إلى أنه يحب سالي وكاد يقرر أن يقود ساعات طويلة ليقترح عليها الزواج. ويمكن للمرء أن يتخيل أنه نقل إلى هذه الأخت الجديدة كثيرًا من مشاعره تجاه أخته البيولوجية، التي حلت محلها في عائلته تقريبًا فورًا (حتى إن اسميهما كانا متشابهين بعض الشيء).
ويمكن للمرء أيضًا أن يتخيل أنه نقل إليها لاحقًا كثيرًا من صراعاته مع زوجة أبيه؛ فقد كانت علاقته بزوجة أبيه مضطربة جدًا، وكانت على ما يبدو جذابة جدًا وأصغر من أبيه بكثير. لم يكن ويزلي في البداية يستطيع احتمال محاولة زوجة أبيه تغيير الطريقة التي كان كل شيء يُدار بها في الأسرة من قبل، ومع ذلك كان منجذبًا إليها، بل مفتونًا بها بوصفها امرأة. ويبدو أنها كانت متدللة معه إلى حد ما، وربما كسبت حتى تواطؤه في خيانة زوجها مع عمال مختلفين كانوا يأتون إلى البيت.(5)
إن كون سالي قد ذكرت لويزلي احتمال أن يتزوجا، بعد نحو 20 عامًا من آخر مرة عاشا فيها معًا، يبدو أنه أدخله في دوامة واضطراب، وربما كان العامل الحاسم في دخوله التحليل. فقد كان حتى ذلك الحين قد نجح في تجنب الارتباط بنساء يردنه - ولأسباب بعضها واضح وبعضها غير واضح، كان يخشى جدًا دوافع النساء ويتساءل عمّا قد يخططن له ضده. وكان كذلك على الأرجح قلقًا، ولو على نحو لاواعي، من أنه إذا تزوج سالي فإنه سيعيد إنتاج شيء فعله والده نفسه، وهو أن يتزوج امرأة بدافع الشفقة، لأن سالي كانت تعاني من مشكلات في القلب، وقد أصابتها نوبة قلبية قبل أن يتصل بي ويزلي بوقت قصير. وكان والد ويزلي قد أخبره ذات مرة أنه التقى بامرأة ووقع في حبها قبل وقت قصير من الموعد الذي كان ينبغي أن يتزوج فيه أم ويزلي. لكن حين مات والد الأم فجأة قبل ستة أسابيع من موعد الزفاف، شعر الأب بالشفقة عليها وأتم الزواج على أي حال. فلو تزوج ويزلي سالي، فهل كان يمكن أن يصيبه مصير مشابه لمصير أبيه؟ ربما قد يُغرى بالزواج بدافع الشفقة، بدافع «طيبة قلبه». (وبسبب التشابه بين اسم أخته واسم أخته غير الشقيقة، ربما كان في الأمر أيضًا معنىً يجعل هذا الاقتران غير المحرم يبدو له محرمًا أكثر من اللازم، بل وكأنه زواج من الموت نفسه.)
لاحظ الشبه هنا مع حالة رجل الجرذان (فرويد، 1955a): فقد أعاد الابن، مع ابنة عمه الثرية و«سيدته»، تمثيل المأزق الذي كان والده فيه بشأن الاختيار بين خطيبته الثرية وفتاته الحبيبة الفقيرة، ابنة الجزار. وربما كان ويزلي يتمنى لو كان يستطيع، مثل أبيه، أن تكون لديه امرأتان يختار بينهما بدلًا من واحدة فقط، حتى لو كان محكومًا عليه بأن يتزوج امرأة لا يحبها بل يشفّ عليها فقط.
العلاقات مع النساء
بعد أن ناقشت «نداء المصير» - الذي أدى إلى نوع من أزمة الجوع للشهوة أو jouissance - التي ربما دفعت ويزلي إلى التحليل، سأنتقل إلى علاقاته مع الناس. إن علاقاته بوالديه لم تكن محددة بالطبع بالأحداث المأساوية التي وقعت عندما كان في العاشرة فقط. في الواقع، كان إدراكه لهذه الأحداث المأساوية قائمًا على علاقاته السابقة أصلًا مع والديه.
كان أكثر تعليق يكرره ويزلي عن أمه هو أنه كان يشعر بأنه «لا تأثير له فيها». كان يحاول لفت انتباهها وهي تنظر إلى أشخاص آخرين في نادي البلياردو المحلي، أو وهي تتحدث في الهاتف «مثل أبو الهول». وعندما كان طفلًا، كان يضرب رأسه على منطقتها التناسلية، تلك الكومة التي كانت تُجننه، بينما كانت واقفة تتحدث في الهاتف، وكان يجري عاريًا في أرجاء البيت محاولًا جذب انتباهها (لكنه لم يكن يفعل ذلك عندما يكون أبوه في البيت). «كانت تبذل جهدًا إضافيًا لتتجاهلني مع أنها كان يمكن أن تكون لي وحدي»، هكذا كان يشتكي.
وفي رأيه، كانت لا تعتقد أنه يستطيع أن تكون له أي أفكار تخصه هو. ولذلك بدا له أن التعبير عن الأفكار أمامها أمر بلا جدوى - بل كان في الغالب لا يستطيع أن يعبّر عن نفسه معها، وبدأ أيضًا يتكلم متأخرًا جدًا على نحو عام، كما سنرى لاحقًا. «هي لا تعتقد أنني منفصل عنها؛ إنها تضمني إليها»؛ وهذه العبارة تطرح الموضوع شديد الأهمية في روايته، وهو غياب أي فجوة بينه وبين المرأة. ولأنه لم يكن قد تكوّن لديه أبدًا انطباع بأن أمه يمكن أن تتأثر به بأي وجه، فقد بدا له أنه لا يوجد نقص فيها - أو على الأقل لا يوجد نقص يقابل بأي صورة شيئًا فيه هو، أو شيئًا يملكه أو يمكن أن يقدمه - الأمر الذي جعله في حيرة تامة وكاملة من أمر الأنوثة مدة طويلة جدًا.
حين كان ويزلي في التاسعة من عمره، أخذته أمه إلى مشاهدة فيلم The Godfather، وكان لذلك أثر عميق فيه. لقد كره الفيلم لكنه انجذب إليه، بل واشترى الكتاب. وأثناء قراءته له وهو في نحو العاشرة، صادف مقطعًا يقول: «دخل إليها»، ولم يستطع فهمه على الإطلاق. وعلّق قائلًا: «كان الأمر كأنه ثقب في منتصف النص ... بدا كأن كلَّه دخل فيها [إليها]»؛ «آلية ذلك أفلتت مني».(6)
في إحدى مراحل التحليل، أعلن ويزلي أن «أجساد النساء مستحيلة ... هناك هذه المنطقة العانة المسطحة الهائلة - أفظع شيء رأيته في حياتي!». وعندما كان في السابعة أو الثامنة، كان مقتنعًا بأن أخته تملك قضيبًا وأنها ستضطر لاستخدام دورة مياه الأولاد في المرحلة الإعدادية؛ وقد كان «غير مصدق» عندما أخبرته أمه أن أخته لا يمكنها استخدام مبولة. وكان استنتاجه في ذلك الوقت أن «النساء لا يملكن أعضاء تناسلية»، من غير أن يبدو أنه يدرك أنه قد تكون هناك هيئة أخرى من الأعضاء التناسلية غير الهيئة الذكورية.(7)
لاحقًا في التحليل، شبّه شعر العانة لدى فتاة بكلب أشعث هناك قد يعضك. وبعد ذلك، تساءل: «هل أكره المهبل؟ هناك هذا الشعر كله، لكن لا قضيب - هناك غياب ... إنه أمر فظيع». وشبّه المهبل بباب، وقال إن في الداخل شيئًا مخيفًا، وفي مخيلته كان يتصور هذا الباب ينفتح إلى اليسار - مثل باب غرفة نوم والديه، على حد قوله. وتذكر أنه سمع ذات مرة أمه تئن في غرفة نوم الوالدين، وظن أنها تُعذَّب أو تُشوَّه، وطرق الباب بقوة. فأخبره أبوه فورًا وبحدة: «لا تزعجنا - نحن مشغولون». قال إن ذلك أصابه في الصميم. وحتى في الجلسة كان يتخيل وجود درجة خلف هذا الباب/المهبل، ووجود شيء كارثي يحدث في الداخل. وعندما أعدتُ إليه كلمة «كارثي»، خطر بباله اسم كالميتي جين، التي ربطها بأمه، ثم خطر له بعد ذلك أنه قد يتعثر بتلك الدرجة خلف الباب ويسقط نزولًا إلى القبو، حيث كانت هي ونِد قد تآمرا - حسب زعمهما - على قتله.(8) لقد كانت الأعضاء التناسلية الأنثوية بالتأكيد مكانًا مظلمًا وخطيرًا بالنسبة إليه.(9)
وبشأن الجماع، علّق بأنه لا يريد أن يضع شيئًا في النساء، بل كان قلقًا أكثر من استخراج شيء منهن، «مثل الشراب من الأشجار». كان يريد شيئًا «يخرج منهن». وكان يتحدث أحيانًا عن الثديين والحلمات بوصفهما صلبين، غير مانحين ولا كريمين، وكأنه مضطر إلى أن يعمل بجهد شديد للحصول على شيء منهما. فما كان يريده لم يكن ينساب منهما بسهولة - لم يكن هناك أكثر من رذاذ خفيف.
وكان إدراكه أن النساء يردن منه أن يعطي، بينما هو يريد أن يأخذ منهن. وكان بالتأكيد لا يستطيع أن يعطي لامرأة يمكن أن تتلقى، بل فقط لامرأة لا تستطيع. وكان يذكر كثيرًا شعوره بوجود غشاء بينه وبين النساء، وكان يريد أن يدخل تحته، أو ينفذ خلاله، أو «يمزقه تمزيقًا». لم يكن هناك فراغ في النساء أو بينه وبينهن، بل كان هناك حاجز من نوع ما؛ وكما قال هو: «النساء عصيات على الاختراق - جنسيًا وعاطفيًا». وكان يشعر بأنه لا يستطيع أن يؤثر فيهن بأي شكل من الأشكال.
في أحد الأيام قال ويزلي إنه يتمنى أن يشق بطن أمه ويأكل أحشاءها، وأن يقتلها كما قتلت كلبه ذات مرة ابن عرس - وسنرى أهمية ابن عرس لاحقًا - وهو يهزّه في فكيه حتى مات. وقال إنه يريد «أن يدخل هناك» و«يقتلع كل شيء من هناك». وبحسب أذني التي تلقت تكوينًا لاكانيًا، بدا الأمر كأن الهدف هو خلق فجوة داخلها على نحو ما،(10) لكنني أظن أن الكلينينيين قد يتخذون موقفًا مختلفًا تمامًا من هذا.
وعلى الرغم من أن أمه كانت تبدو غير مهتمة به، فإنها كثيرًا ما كانت تُشعره بأنها تملكه. وعندما كان ويزلي في الثلاثينات من عمره ويحاول أن يشق طريقه الخاص في الحياة، قالت له أمه حتى: «ستكون كما صنعتك أنا». وحتى اليوم، ما تزال تعارض كل محاولة يقوم بها ليتبع مساره الخاص وتحاول أن تملي عليه ما ينبغي أن يهتم بالسعي إليه. وبحسب ويزلي، فإنها تريد أن «تسكن خيالك وتلغيه، أن تسكنه وتجعله غير طبيعي». وأشار إلى أنها لا تريد منه أن يستمع إلى نساء أخريات، ولا تقبل فكرة أن تكون له أفكاره الخاصة عن الأشياء - فهي تعرض أفكارها هي كما لو كانت تكفيهما معًا. («التحدث إلى أمي لا ينطوي على التفكير»، كما قال.) وهو يشعر أن أمه لا تريد له أن يكون مع امرأة أخرى أبدًا غيرها، وافترض مرة أن أمه ستـ«تمرض وتموت» عندما «أحصل على صديقات». ثم أسقط ذلك عليّ، إذ ظن أنني قد أغضب إذا خرج مع امرأة. (لاحظ استعمال كلمة «أحصل»، كما لو كان عليه أن يشتري الصديقات.)
ومع ذلك، فإن اهتمام الأم المستمر بشيء آخر - بزوجها، وبالناس في المسبح المحلي، وبالأصدقاء الذين كانت تتحدث معهم بلا نهاية في الهاتف - يبدو أنه أتاح لويزلي بعض الاعتراف بأنه ليس هو كل شيء في وجودها، وأنها تريد ما يتجاوزَه. وعلى قدر ما كان هذا الانتباه المتشرد يثير إحباطه، فقد يكون هو - لا تدخلًا من جهة أبيه(11) - ما سمح له بأن ينفصل عن أمه إلى حد ما على الأقل، وألا يسقط هو نفسه في الذهان.
إن درجة التشابك الذي ما يزال ويزلي عالقًا فيه مع أمه تتجلى في حادثة أخبرته فيها أنها اشترت لنفسها مدفنًا حجريًا عندما تموت، وسألته إن كان يريد أن يحجز له مكانًا فيه. ومع أنه فزع في البداية، فإنه سرعان ما قال نعم، وقال لي: «هناك جاذبية معينة في أن أرقد مع أمي».(12) ومع ذلك قال هذا بسخرية ذاتية كبيرة، والسخرية مؤشر مهم على المسافة من شيء ما؛ فالذهانيون، الذين لا توجد بينهم وبين غيرهم مسافة راسخة، يميلون إلى استعمال قدر مذهل من السخرية القليل!
كما كان ويزلي يشعر أيضًا أن أمه لا تضع أي حدود، ولا تريد هي نفسها أي حدود، «حتى يفصلنا الموت فقط». وقد جعله هذا يخاف أن يقتحم الناس حياته أو يلوّثوه أو يغيروا اندفاعاته الأصلية؛ وردًا على ذلك كان ينسحب، كما قال. وحتى مع بعض الأصدقاء المقربين الذين لم يجدوا صعوبة في التعبير عن آرائهم الخاصة، كان عليه أن يتراجع كي يحافظ على آرائه هو. لقد كانت العلاقات التخيلية الصعبة مع الـsemblables، كما يسميها لاكان (أي الناس المشابهين له على نحو ما)، بارزة جدًا في حياته.
العلاقات مع أخته ومع نساء أخريات
أقام ويزلي صلة بين الجنس والموت في وقت مبكر جدًا من التحليل (ويظهر هذا الارتباط أيضًا في كون رؤيته لأخيه وأمه ممددين عاريين وقعت بعد لحظات قليلة من علمه بوفاة أخته)، وذلك من خلال إشارته إلى أن أخته دخلت البلوغ قبل أن تُقتل بقليل (ولمدة طويلة جدًا كان يقول دائمًا: «ماتت»، بدلًا من أن يقول: «قُتلت» أو «اغتيلت»، على ما يبدو لتخفيف تورط أمه في الأمر). وقد كان بلوغها صعبًا جدًا عليه؛ فقد كان، كما قال، مفتونًا بـ«ثدييها» و«منفعلًا ومشمئزًا» منهما، وكان يحدق فيهما من طرف خفي (وليس في أعضائها التناسلية؟) عندما كانت تستحم. وفي التاسعة من عمره، كان يريد أن تنبت له هو أيضًا ثديان، وكان أحيانًا يضغط عضلات صدره بعضها على بعض ليبدو وكأن له ثديين. وربما ارتبط هذا «الحسد للثدي» بحقيقة أن والده، في ذلك الوقت تقريبًا، كان قد غادر البيت ليتزوج امرأة أخرى (مفضلًا إياها على ذريته الذكورية في معظمها)، وبإدراك ويزلي أن أخته، التي سأشير إليها هنا باسم ساندي، كانت الابنة المفضلة لدى أبيه. وكان ويزلي يحسد ساندي بالتأكيد على تلك المكانة المميزة، وأشار، بعد نحو عامين من التحليل، إلى أنه عندما أخبره أخوه أن أخته ماتت، وكان يضرب السجادة بقبضتيه في استعراض حداد غاضب، كان جزء منه يتساءل لماذا يفعل ذلك: «كان تمثيلًا صامتًا ... عرضًا متأثرًا جزئيًا بالعاطفة - هل كنت مبتهجًا لأنها ماتت؟» ثم تذكر لاحقًا أنه رأى غروب الشمس في ذلك المساء وقال لنفسه: «ستكون كل الأيام من الآن فصاعدًا مختلفة»، وعلّق بأنه لم يكن في الحقيقة مذعورًا، بل كان في الأساس مستسلمًا. لعل ويزلي كان يظن أنه سيحصل أخيرًا على فرصة ليصبح المفضل لدى أبيه؟
أكد ويزلي أنه لم يكن أحد في الأسرة يتحدث عن ثديي أخته حين بدأا يظهران أول مرة؛ وكان من الواضح أنه كان مفتونًا بهما كما كان مفتونًا بثديي زوجة أبيه. فكلتاهما كانتا تملكان ما يثير اهتمام أبيه ولا يملكه هو نفسه؛ وربما كان لدى ويزلي انطباع بأنه كان سيحظى باهتمام أكبر من أبيه لو كان لديه ما لديهما. ويبدو أن اهتمامه بامتلاك ثديين قد اختفى بعد موت ساندي.(13) وقد ذكر أنه شعر بشيء من الارتياح عندما ماتت أخته: «هذه الثديان [لم يكن واضحًا إن كان يقصد ثدييها أم ثدييه هو] لم تعد تمسك بي بعد الآن».(14)
في تخيلاته الجنسية، كانت امرأة غالبًا تكون فوقه، كما كانت أخته أحيانًا عندما كانت تجلس فوقه وهو صبي صغير. وكانت، كما قال، عدوانية ومتسلطة، وتثبّته وتقيّده؛ ولم يكن ذلك مرحًا في نظره. ومع أن هذا كان بوضوح وضعًا مثيرًا بالنسبة إليه - فقد أشار إليه مرة حتى بوصفه «الوضع»، بما يدل على أنه يراه وضعًا أنثويًا - فإنه كان يتحدث أيضًا عن محاولته «أن يخرج من تحت [أمه]». وكان يتكلم عن كونه تحت أمه بوصفه «لذة سامة» تنطوي على «الغضب ولذة طيبة في الوقت نفسه». والمشكلة، على حد قوله، هي أنه بينما يريد هو امرأة مسيطرة، فإن المرأة التي تبدو في البداية راغبة في أداء هذا الدور تنتهي إلى أنها تريد هي نفسها أن تُسيطر عليها.(15)
كان أكثر ما يجذبه هو ما سماه «النساء الكبيرات»، لكنه كان يخشى دائمًا أن يأتي «رجل أكبر» منه ويأخذ هؤلاء النساء منه. ويبدو الربط بأمه، بوصفها شخصًا أكبر منه سيأخذه رجل أكبر مثل أبيه، واضحًا بما يكفي (لكن أخته كانت أيضًا أكبر سنًا وأضخم منه، وكان يضيق ذرعًا بحقيقة أنها ونِد كانا يخرجان مع أصدقائهما في غرفة نِد، ويدفعانه إلى الخروج كلما حاول التسلل إلى الداخل). وكان عقد الأفكار حول النساء الكبيرات يُصاحبه عادة قلق بشأن حجم قضيبه وافتراض أن رجلًا أكبر سيكون لديه قضيب أكبر منه. وبينما يبدو أن تشريح الأنثى ظل غير قابل للتفكير لديه مدة طويلة، فإنه يبدو مع ذلك أنه انتهى إلى أن النساء مهتمات بقضبان الرجال (ربما بسبب اهتمام أمه بأبيه وبالرجال الآخرين، واهتمام أخته بـ...).
كما بدا له أن هناك مكانًا بين النساء لا يسهل الرؤية فيه ولكنه غير غائب. وكان يبدو أنه يجد في ذلك الجانب النسائي شيئًا من الموضع الأمومي الذي لا يمكن رؤيته، والذي لا يتيح له أن يرى ذاته بصورة منتظمة. وربما ارتبط هذا أيضًا بفكرة الاختراق التي كانت تشغله: إنه لا يستطيع أن يكون «داخل» المرأة كما يريد، لأن هناك دائمًا شيء يفصله عنها، لكنه لا يعرف ما هو.
العلاقات مع والده
مع انتقالي إلى علاقة ويزلي بوالده، أرى أنه من المهم أن أشدد من جديد على أن الحدث الذي وقع عندما كان ويزلي في العاشرة من عمره كان لحظة حاسمة في حياته، لكنه كان ما كان عليه بالنسبة إليه بسبب مجمل ما اختبره قبل ذلك الوقت، وهو ما أفضى إلى تطور بنية عصابية. ومع أنني كنت أُصغي بانتباه عندما أخبرني عن سلوك أمه الذهاني، فإنني لم أكن قط، ولو للحظة، أتصور أن ويزلي نفسه ذهاني. وكان واضحًا منذ البداية أن ويزلي يستطيع أن يسمع المعاني المتعددة للكلمات والتعابير التي يستعملها، وأن يبتكر استعارات جديدة، وأنه يرتكب كثيرًا من زلات اللسان التي يمكن تسخيرها بسهولة للعمل العلاجي. وقد بدا لي مبكرًا جدًا أن هناك وسواسًا عصابيًا متكاملًا كان حاضرًا قبل سن العاشرة. ويمكن رؤية دلائل الأوديبنة في ما بدا أنه غضب مكبوت من أبيه، وتماهٍ مع أبيه، ومنافسة مع أخته على انتباه الأب، وهو ما أدى إلى تردد ويزلي الشديد عند موت أخته: حزن واعٍ، لكن «ابتهاج» لا واعٍ، بما يفضي إلى شعور بأن ضرب الأرض بقبضتيه كان ينطوي على «تمثيل صامت». وسأحاول أن أروي تاريخ هذه المرحلة الأسبق من حياته كما انكشف أثناء التحليل نفسه.
بدأت القصة التي كان ويزلي قد رواها لنفسه على مدى يقرب من 30 عامًا عن الدراما الأسرية تتفكك ببطء، بعد نحو ستة أشهر من التحليل. كان يرى أباه سابقًا بوصفه «قديسًا، نقيًا، ومهنيًا». وفي التحليل بدأ يراه بوصفه «مستبدًّا - لا شهيدًا فحسب». وكان أبوه قد قدّم نفسه بوصفه شهيدًا حين روى لويزلي قصة أنه تزوج أم ويزلي شفقةً عليها: فقد قدّم نفسه على أنه ضحّى بحب جديد كان قد وجده للتو من أجل سعادة الأم (إذ كان والدها قد مات قبل وقت قصير من اللحظة التي كان سيُنهي فيها الأمر)، وعلى أنه كان لاحقًا ضحية لجنون الأم.
بدأ ويزلي يرى أن أباه كان له دور في مرض أمه وفي معاناة ويزلي اللاحقة. ففي النهاية، كانت علاقة الأب بموظفة الاستقبال في مكتبه هي التي أفضت إلى الاضطراب داخل البيت، ثم إلى طلاق الوالدين. وكان قتل الأم لابنتها موجهًا بوضوح إلى الأب، لأنه وقع في عيد ميلاد الأب ولأن الأم كانت ترى الابنة بوضوح بوصفها المفضلة لدى الأب.
قبل ذلك الوقت، بدا أن كل غضب ويزلي كان موجَّهًا إلى أمه، لكن بدأ مقدار أكبر من الغضب يتجه تدريجيًا نحو أبيه. ويبدو أن ثمة تلميحًا طفيفًا إلى هذا منذ الجلسة الأولى نفسها، لأن ويزلي أخبرني في تلك الجلسة (على افتراض أن الملاحظات التي دوّنتها بعد الجلسة كانت موثوقة) أن أمه قتلت أخته بسكين، مع أن هذا لم يكن صحيحًا من حيث الوقائع، واتضح أن السكاكين مرتبطة على نحو وثيق بأبيه: فقد كان الأب قد جرح ساقه مرة جرحًا سيئًا جدًا بـ«سكين سجاد»، ولأنه طبيب فقد خاط نفسه بإبرة وخيط. ويمكن فهم تمثيل ويزلي لسلاح الجريمة على نحو خاطئ في الجلسة الأولى بوصفه إقحامًا لأبيه في الجريمة أيضًا، كأن كليهما كان له يد فيها.
ثم روى لاحقًا حلمًا فيه شخصان، كان أحدهما أنثى؛ وبينما كان أحدهما يثبته، كان الآخر يغرز فيه سكينًا. ويمكن أن نفترض أن الأنثى هي التي ثبّتته، كما فعلت أخته عندما كانت تجلس فوقه (وكما كانت النساء يفعلن في تخيلاته الجنسية)، بينما كان أبوه هو الذي يحمل السكين. وكانت ساق ويزلي نفسه تنتفض أحيانًا عندما كان يفكر في مثل هذه الأمور، واتضح أنها الساق نفسها التي قطعها أبوه بسكين السجاد (وربما كان هذا العَرَض السيكوسوماتي العابر ينطوي على صورة لأبيه بوصفه شخصية مخصية، وقد خَصاه الأب، فوضع ساقه مكان قضيبه، أو مكان ساق أبيه).(18)
وتذكر ويزلي أنه كان قد تخيل ذات مرة قتل أبيه؛ وكان ذلك عندما كان في نحو الرابعة عشرة، وأخبره أبوه أنه هو وأم ويزلي قد مارسا «تبادل الزوجات» قبل سنوات خلال رحلة تزلج (كان الأب قد نام مع المرأة التي كان سيتزوجها لاحقًا، وكانت الأم قد نامت مع رجل آخر كان يعرفه ويزلي أيضًا). فهل يعني هذا أن ويزلي سمح لنفسه، إلى حد ما، أن يدرك في اليوم الذي روى له فيه أبوه هذه القصة أن الأب كان مسؤولًا عن الطلاق وعن المأساة الأسرية اللاحقة التي أفضت إليها؟ وعندما استعاد في جلسة غضبه من أبيه في ذلك اليوم، بدا أنه لم يكن يعرف لماذا غضب منه فجأة إلى هذا الحد. ثم تابع ويزلي قائلًا إنه بدلًا من أن يعبر عن غضبه لأبيه، كان قد قتل نفسه، بمعنى ما، بعد أن قتلت أمه أخته - وقال إنه كان أكثر «أصالة» قبل ذلك. ولعلّه بدأ، ابتداءً من سن العاشرة، يتصرف كما لو أنه «ساذج ولم يرَ شيئًا قط».
عندما انتقل الأب إلى خارج البيت العائلي في وقت الطلاق، كان يسكن وحده أول الأمر في شقة صغيرة؛ وشعر ويزلي بالشفقة عليه، كما لو أن الأب لم يعد سعيدًا. (ومن الواضح أن ويزلي افترض أنه كان سعيدًا وهو يعيش مع الأسرة، وربما أسقط ما كان يشعر به من قدر نسبي من السعادة في ذلك الوقت على أبيه.) ويبدو أن ويزلي كان قد كبَت آنذاك بعض غضبه من أبيه، وحوّله إلى شفقة.
وفي الآونة الأخيرة جدًا خلال التحليل، بدأ ويزلي يعبّر عن قدر كبير من الغضب من أبيه ربما كان قد شعر به قبل الطلاق وبعده معًا - غضبًا منه لأنه كان غير فعّال بوصفه أبًا، ولأنه سمح بمنافسة وصراع شديدين بين الأطفال في البيت، ولأنه كان يؤدبهم بطريقة «صاخبة، متقلبة، ومزلزلة»، ولأنه سمح لجنون الأم بأن يأخذ الغلبة. وربما لم يكن مدركًا حقًا آنذاك أنه كان غاضبًا جدًا من أبيه، أو أنه وضع غضبه جانبًا، بمعنى ما، حين انتقل للعيش مع أبيه بعد موت أخته، وربما وجد أنه من الأسهل والأكثر راحة أن يسقط هذا الغضب على زوجة أبيه.(19)
إذا جمعنا بعض المنعطفات الكبرى في حياة ويزلي، فسنجد أنها جميعًا تبدو متورطة بطريقة مهمة مع أبيه.
1 في إحدى المناسبات أثناء التحليل، ذكر ويزلي أنه كان متحمسًا ومبتهجًا حتى نحو سن الرابعة، بينما بدت سن الخامسة علامة على منعطف. وقد يكون هذا المنعطف مرتبطًا بالأوديبنة بالطبع، لكنه قد يكون أيضًا، أو بديلًا، مطابقًا للحظة التي بدأ فيها أبوه يقل اهتمامه بالأسرة لأنه شرع في علاقة مع موظفة الاستقبال الجديدة.
2 وقع منعطف آخر عندما كان ويزلي في الصف الثاني الابتدائي. كان يؤدي جيدًا في المدرسة، وكان معجبًا بمعلمته في الصف الثاني، التي بدا أنها كانت تحبه هي أيضًا. غير أنه مع نهاية الصف الثاني، وعندما كان في الثامنة من عمره، طلق والداه، ويدّعي أنه فقد ثقته في المدرسة عند سن التاسعة. ولم يعد نشاطه يلهمه، وعلّق بأنه كان منذ ذلك الحين «يمضي إلى الخلف» لا إلى الأمام في الحياة؛ وفي ذلك الوقت تحديدًا بدأ يهتم بتاريخ الأسلحة النارية والأحافير، و«ليس بالحياة»، كما قال. وصار أكثر اهتمامًا بما سبق الحاضر من اهتمامه بالحاضر أو المستقبل.
وادعى أيضًا أنه صار كثير النسيان بعد أن غادر أبوه البيت (وهو أمر كان أبوه يوبخه عليه كثيرًا). ويتساءل المرء إن لم يكن هناك شيء أعمق كان قد نسيه، وظهر في حالات النسيان الخاصة، مثل غضبه من أبيه! وكان ويزلي يعتقد أنه قبل مغادرة أبيه البيت كان يستطيع التعامل مع «الأشياء الدنيوية»، لكنه صار في سن الثامنة «معقدًا». ويمكننا أن نفترض أن قدرًا كبيرًا من الكبت قد وقع في هذين المنعطفين (في سن الرابعة إلى الخامسة، والثامنة إلى التاسعة).
لم تظهر هذه المنعطفات في ثقته بنفسه وتمتعه بالحياة خلال نقاش مجرد عن طفولته، بل جرى تذكرها حين بدأت ثقته بنفسه تتحسن بعد ثمانية أشهر من العلاج. وأشار في تلك اللحظة إلى أنه لم يشعر بهذه الثقة بالنفس منذ 30 عامًا، ما قاد إلى نقاش المنعطف في الصف الثاني. وبعد نحو ثلاث سنوات من التحليل ذكر أنه شعر بقدر كبير من الابتهاج لعدة أيام، وربط ذلك بحالة نفسية لم يكن قد اختبرها منذ سن الرابعة.
تشير هذه الأحداث الحاسمة من حياته المبكرة إلى أن الأحداث الصادمة التي وقعت عندما كان ويزلي في العاشرة أثرت في بنية وسواسية كانت قد تأسست أصلًا. لقد منحتها شكلًا قد يُساء التعرف عليه بسهولة من بعضهم، لكن خطوطها الرئيسة أصبحت أوضح فأوضح مع العمل التدريجي على صدمة سن العاشرة في التحليل.
تتجلى الدرجة التي ظل فيها غضب ويزلي من أبيه لا واعيًا طوال سنوات طويلة في الحادثة التالية: فقد أخذ ويزلي، وهو مراهق، بندقية صيد من عيار 20 تعود لأخيه وأطلق رصاصة أحدثت ثقبًا في كرسي بذراعين من نوع Lazy Boy وفي جدار غرفة نومه. وقد وصف ذلك بأنه كان اختبارًا لأبيه، إذ كان الأب في البيت وبدأ يصرخ، ظانًّا أن ويزلي أطلق النار على نفسه. وبشأن حادثة البندقية، علّق ويزلي قائلًا: «لم أكن أفكر في قتل أبي». وإذا حذفنا «لا» من هذا التعليق، كما يقترح فرويد (1961b) أن نفعل، فليس من المبالغة كثيرًا أن نفترض أن شيئًا ما في ويزلي كان يفكر في قتل أبيه.(20)
ومن زاوية مختلفة، ادعى ويزلي مرة أنه عندما كان صغيرًا كان غضب أبيه يخفف قلقه، لأنه كان يعرف على الأقل أين يقف حين ينفجر أبوه. ولم يكن أبوه ينفجر كثيرًا، لكن عندما كان يفعل ذلك، يبدو أنه كان يحدث فجأة وعلى نحو «مزلزل» جدًا.(21)
وفي السنة الثالثة من التحليل، عاد ويزلي إلى فكرة أن موت أخته كان ارتياحًا بمعنى أنه وضع حدًا للقذارة الصغيرة المستمرة في الحياة اليومية داخل البيت، مما جعل من الواضح أنه كان ينسب قدرًا كبيرًا من هذه القذارة إلى أبيه. وقد أتاح موتها حدادًا أو حزنًا عاديًا في الأسرة بدل القذارة الصغيرة. ويبدو أن القذارة الصغيرة عادت سريعًا بعد ذلك، مع ذلك، في بيت أبيه وزوجة أبيه.
وفي النقل، كان ويزلي كثيرًا ما يظن أنني أنا غاضب منذ اللحظة الأولى التي تبدأ فيها الجلسة، وبدا كأنه يعتقد أنني قد أكون قادرًا على النوع نفسه من الغضب المفاجئ والمتقلب الذي كان لأبيه. وبعد أن كان يقول تقريبًا فورًا إنني لا بد غاضب، كان كثيرًا ما يعلّق هو نفسه بأنه غاضب من هذه العلاقة أو تلك التي كان قد خاضها مع أحدهم.
الكلمات، الكلمات، الكلمات
يبدو أن ويزلي لم يكن يتكلم كثيرًا حتى بلغ ثلاث سنوات ونصف تقريبًا،(22) وكان والداه قلقين بشأنه. وفي أواخر الثلاثينات من عمره، كان لا يزال يشعر بأن الكلمات تُسحب أحيانًا «من [داخله]».
في عمل ويزلي لعب التسمية دورًا مهمًا جدًا، وكان يقلق من «ألا يكون الشيء المسمى محددًا على نحو صحيح» أو من «إعطائه الاسم الخطأ». «ماذا لو لم أعرف ما الموجود هناك؟» تساءل. وفي الجلسة التالية مباشرة استعمل تقريبًا الكلمات نفسها وهو يتحدث عن المنطقة الحوضية لأمه كما تُرى من خلال الباب ذي المصاريع بين غرفة الطعام وغرفة الجلوس، قائلًا: «لم أكن أعرف ما الموجود هناك». بدت هنا صلة وثيقة بين العجز عن التسمية عمومًا، والعجز عن تسمية الأعضاء التناسلية الأنثوية خصوصًا. فلم تكن لديه أي كلمات للأعضاء التناسلية الأنثوية، ولم يكن يستطيع أن يتصورها إلا بوصفها غياب الأعضاء التناسلية التي يعرفها هو - أي بوصفها غياب القضيب. ويبدو أن غياب اسم لـ«النقص في الآخر»، كما يسميه لاكان - وهو ليس مرتبطًا بالأعضاء التناسلية حصريًا، بل يرتبط على نحو أعم بما لا يملكه الآخر، وبالتالي بما يريده من الذات أو من شخص آخر - كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بصعوبة أوسع في التسمية.
وكان ويزلي يصرح أحيانًا بأنه يكره الكلمات لأنها عوائق أمامه، لا أدوات. وكان عليه أن «يُبعد الأشياء بالقطع» وينتهي به الأمر إلى الثغاء أو الصراخ؛ وكانت «نوبات الغضب التي يقبض فيها على قبضتيه» هي الطريقة الوحيدة التي كان يشعر أنه يستطيع أن يعبّر بها عن نفسه. وكانت محاولته في الكلام والكتابة هي أن ينفذ عبر الحاجز أو الغشاء الذي كان يشعر أنه يفصله عن النساء.
وعندما كان يكتب الأوراق في الجامعة، كان يشعر أنه لا يستطيع أبدًا أن يقول شيئًا أصيلًا، بل كان يستعمل «ملحقات معيارية»، أي عبارات ملتصقة بعضها ببعض. وحتى الآن يقول إنه يجد صعوبة في أن يعتقد أنه يستطيع اختيار الكلمات. ويدعي أنه لم يتعلم قط قواعد النحو الإنجليزي، قائلًا إن أحدًا لم يعلّمه قواعد النحو أبدًا حتى تعلم اللاتينية. وكان الأمر أسوأ من ذلك، في رأيه، مع أمه: فمعها لم تكن هناك قواعد إطلاقًا، بل مجرد أعراف، ولم يكن يستطيع أن يجد أي منطق داخلي في تلك الأعراف. «الكلمات قوة، لكن لا توجد قواعد»، كما اشتكى. «الكلمات ليست كلماتي». (ولعل من غير المستغرب أنه صار لاحقًا مفتونًا بالمنطق والرياضيات.) وأشار إلى أن أمه كانت تحتقر الأسئلة التي يطرحها بشأن اللغة، مثل: كيف يرتبط الفعل «ignore» بالاسم «ignorance». وذكر أن دراسته للغات الأجنبية كانت طريقة للابتعاد عنها.
وبعد عدة أشهر من التحليل أشار ويزلي إلى أن التفكير بات «أسهل، وتصريح الأشياء، وتسميتها، ونطقها» قد صار أسهل. وكانت التسمية لديه تبدو دائمًا مرتبطة بوجود فجوة أو مساحة بينه وبين امرأة، أو بينه وبين ذكرياته. ويمكن افتراض أن تركيزي المتكرر على الدلالات الجنسية في التحليل، وبخاصة على الدلالات المرتبطة بالاختلاف الجنسي، أسهم في قدرته على تسمية النقص في الآخر، بما سمح بوجود مساحة أو فجوة أوضح داخل الآخر، وفجوة أوضح تبعًا لذلك بينه وبين الآخر.(23)
في وقت مبكر من التحليل، ادعى ويزلي أن كلامه وكتابته كانا يعملان وفق «نمط but»، بمعنى أنه لم يكن يربط الأفكار بكلمة «و».(24) (كان يربطها بدلًا من ذلك بكلمة «but» - وهو ما جعله يفكر في «butt» و«buttocks»، وكانت أقدم ذكرى لديه أنه قد تغوط ذات مرة في حوض الاستحمام وهو في الثانية أو الثالثة، ووجد في ذلك لذة كبيرة؛ لكن أمه كانت، بوضوح، خائبة الأمل فيه بسبب ذلك.) ولو استعمل كلمة «و»، لكان يبني حجة، وفيها قدر من التصريح الواثق. أما هو فكان يقدّم أنه يظل دائمًا مقيمًا في الالتباس، وأنه يجد صعوبة شديدة في بناء حجة. وهنا نرى صلة بين انشغال شرجي محدد (إذ إن أمه كانت قد أعطته مرة ميزان حرارة شرجيًا) وبين عادة لفظية، بل وحتى عائق حجاجي. وبصياغة أخرى، يمكننا أن نرى هنا صلة بين مشكلة حياتية - وهي عدم الرغبة في استخلاص بعض الاستنتاجات الواضحة من خلال بناء حجة - وبين صعوبة في صياغة أطروحة والدفاع عنها. وهذه الصلات الشرجية تتوافق بوضوح مع فكرة وجود وسواس عصابي مكتمل قبل سن العاشرة.
وأشار ويزلي لاحقًا إلى أنه في كتابته وعمله عمومًا كان يهتم دائمًا بالتفاصيل أكثر من الصورة الكلية: «لا أريد أن أرى الكل! إنه ممل». (ولعل من المشروع بالقدر نفسه أن نتهجى ما قاله هنا على صورة: «لا أريد أن أرى الثقب».) ولو فكر في الصورة الكبرى، فقد يضطر إلى مواجهة ما يبدو من تدبير مسبق في أفعال أمه (مؤامرتها لقتل الأطفال الآخرين بعد أخت ويزلي)، وربما الرغبة في ارتكاب جريمة الكامنة في أفعاله هو نفسه (تذكّر النبوءة التي أطلقها بأنه ثمة احتمالًا جيدًا أنه سيُعتقل يومًا ما بسبب جريمة عنيفة). وقد علّق مرة بأنه لو نشر الكتاب الذي يعمل عليه منذ مدة، لكان يريد له أن «ينفجر كالقنبلة». وربما تعكس صعوبته في تطوير حجج منهجية، بدل أن يغرق في الالتباسات اللامتناهية لتفاصيل النصوص التي يعلّق عليها، تردده في أن يرى نواياه الخاصة، وجهته الخاصة، ودوافعه الخاصة مواجهةً مباشرة، وتردده في أن يتصالح مع بعض نزعاته العدوانية الموجَّهة إلى جمهور القراءة كله في مجال تخصصه.
كان ويزلي يقول كثيرًا إنه لكي يستطيع الكتابة يجب أن يواجه الأشياء مباشرة، وأنه من الصعب جدًا عليه أن ينظر إلى الأشياء، وأن ينظر في عيون الناس، وأن يرى ما يجري حوله، كأنه لا يريد أن يرى ما قد يراه، ويتمنى لو لم يرَ ما رآه يومًا. وفي أحد الأيام - بعد أن أخبرني بحلم كان يحاول فيه الوصول إلى البيت الأبيض ودخل من الخلف، وبعد أن أخبرني بقصة أنه زار البيت الذي نشأ فيه قبل سنوات قليلة ولم يكن يريد زيارة غرفة أخته أثناء وجوده في البيت لكنه كان ينظر إلى نافذتها من الجهة الخلفية للبيت - عندما عاد وذكر مرة أخرى أن الكتابة تعني أن يأخذ الشيء مباشرة، أضفتُ: «بدلًا من أن تذهب من الخلف».
وقد أدى هذا، خلال الجلسات القليلة التالية، إلى قدر كبير من المادة، بما في ذلك تذكره أنه كان يظن في السابعة أو الثامنة أن أخته تستطيع استعمال المبولة، والاستنتاج «المذعور» الذي توصل إليه عندما أخبرته أمه بأنها لا تستطيع، وهو أن النساء لا يملكن أعضاء تناسلية. وكان لدى ويزلي أيضًا حلم رتب فيه أبوه نوعًا من القتل. وفي الجزء الثاني من الحلم كان أبوه هو رئيسه في العمل، وكان هناك انقطاع في العمل الذي كانا يقومان به، فجوة بعرض نحو ست بوصات، تخيل أنها من صنع أبيه. ووصفها بأنها فجوة أنيقة، منظمة، لكنها مطلقة ومثيرة للاهتمام أيضًا. وعندما شددتُ على كلمتي «بعرض ست بوصات»، ادعى أنه لا يتذكر أبدًا أنه رأى الأعضاء التناسلية الأنثوية وهو طفل، مع أنه قبل أسابيع قليلة فقط كان قد ذكر أنه ربما رأى والديه يمارسان الجنس ذات مرة عندما كانا يقيمان في فندق - ولم يستطع أن يتذكر إن كان أبوه قد عاقبه على ذلك أم أنه شعر ببساطة أنه كان ينبغي أن يُعاقب.
«أنا أحفر الأشياء بمنقاري»، كما قال عن كتابته (التي يشعر فيها بالعمى)، بدلًا من أن ينظر مباشرة إلى الأشياء والناس (ما يوحي بتماهٍ مع كلب أو خنزير أو ابن عرس؟). وقال إنه لا يستطيع «الإبقاء عليه مرفوعًا»، في إشارة إلى «رأسه». وكان يشعر بالغضب إذا نظر مباشرة إلى شيء ما، «كأنني واقف تحت سطوته بما يُرى».
«محاولة ممارسة الجنس مع امرأة تشبه محاولة وضع الكلمات على صفحة»، كما قال مرة. فـ«أداته» ليست له، كما أن الكلمات ليست كلماته - لا يستطيع أن يفصلها وأن «يلوح بها». وفي كتابته، كان يشعر أنه يحاول «سد فجوة ... ودس الكلمات في أنبوب صغير». وكان لديه انطباع بأن كلماته لا تؤثر في المرأة على الإطلاق.(25)
وفي أحد الأيام، حين كان يتحدث عن شعوره بأنه لا يستطيع أن يحصل على رد فعل من أمه، تابع قائلًا إنه مع النساء يشك في «قدرته على إحداث انتصاب»، لكنه زلّ وقال «reection»، وهو ما استدعى إلى الذهن كلاً من «reaction» و«rejection». ولم يكن يبدو قادرًا على أن يربط هنا بأي شيء بكلمة «rejection» سوى يأسه المعتاد من إقامة علاقة مع امرأة، لكن يمكن للمرء أن يتخيل أنه، بما أن كل امرأة كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأمه في ذهن ويزلي، فإن الرفض كان يعني حظر سفاح المحارم، وما يترتب عليه من الحفاظ على فجوة أو مساحة بينه وبين المرأة. وفي الواقع، قد تكون هذه السمة الشائعة جدًا في العصاب - أي طلب الرفض بطريقة تبدو وكأنها تقود إلى الفشل الذاتي - مرتبطة، أكثر مما نعتقد، برغبة في دعم أو تدعيم حظر سفاح المحارم.
وبعد نحو ثلاث سنوات من التحليل، بدأ ويزلي أحيانًا يشعر بإثارة حول النساء، وشعر بأن هناك فجوة - يُفترض أنها فجوة يمكنه فيها أن يوجد وأن يثار. وقال إنه عندما توجد فجوة، يستطيع أن يكتب أو أن يكون مثارًا جنسيًا. ونجح حتى في الحصول على انتصاب بمجرد التفكير في امرأة مؤخرًا. (وعلّق في تلك اللحظة: «أنت تمكّن قضيبي». وربما يوضح هذا ما يعنيه لاكان عندما يقترح أن على المحلِّل أن يحاول أن يعزز Eros لدى المستحلَل [Lacan, 2001a, p. 18].)
استطراد بشأن الفجوات
ماذا ينبغي أن نفهم من الفجوة التي شعر ويزلي بأنها ضرورية عندما يتعلق الأمر بالكتابة؟ لعل هناك هنا عدة خيوط مختلفة على الأقل:
1 كان يشعر أن رأسه مضغوط إلى امرأة (كما كان يحدث كثيرًا مع أمه وجدته، اللتين كانتا تضغطان وجهه بإحكام في صدريهما)، وهو ما كان يمنعه من الحصول على أي نوع من المنظور تجاه شيء ما، أو أي مسافة عنه. وهنا كان يحفر بمنقاره، ويركز على التفاصيل، ويتمتع - أو يغرق - في إحباطه الخاص من الحصول على القليل جدًا منها بينما كان يحاول أن «يحلبها». (يمكن للمرء أن يتخيل أمه وهي تسحق رأسه في صدرها وهو رضيع يرضع.)
2 بعد مناقشة طويلة لملك صيفية كانت أسرته تقضي فيها وقتًا، نشأت من حلم كان فيه أخيرًا قادرًا على كتابة اسمه على شيء ما (على الأرض أو على قطعة ورق)، علّق ويزلي بأنه في كل ذكرياته السابقة عن ذلك المكان الصيفي كان يرى الأرض والأشياء هناك في ذهنه كما لو أنه لم يكن موجودًا هو نفسه هناك يتلقاها. وقال، بعد الجلسة الأولى التي ناقشنا فيها الحلم، إنه للمرة الأولى شعر أنه كان موجودًا فعلًا هناك، يفكر، ويدرك - بل إنه مضى إلى الاستشهاد بعبارة فرويد الشهيرة Wo Es war, soll Ich werden، في إشارة إلى وعيه الذاتي بوجود نوع من التخصيص الرجعي يحدث هنا (انظر Fink، 1995a). وبالمقارنة مع تعليقاته السابقة عن الكتابة، التي مؤداها أنه لا يختار كلماته ويستعمل ببساطة «ملحقات معيارية»، قد تكون الفجوة هنا مرتبطة بالمساحة التي يمكن للذات أن يوجد فيها بين دال وآخر، بين ذكرى وأخرى. وفي مناسبة لاحقة، علّق قائلًا: «لا بد من قدر من الانزلاق إذا كنت ستعيد ترتيب الأشياء وتضعها في نظام». وهذا يذكّرنا كثيرًا بلعبة الخمسة عشر، حيث توجد لوحة فيها 16 موضعًا (بتكوين أربعة في أربعة) و15 قطعة، ويكون غياب قطعة واحدة هو ما يتيح تحريك القطع الأخرى وترتيبها بطرائق مختلفة تؤلف كلمات أو صورًا (انظر، في هذا الصدد، Lacan، 2006a، ص 723).
3 قد تكون الفجوة مرتبطة بأهمية الانزلاق بين الدال والمدلول، وهو ما استطاع أن يوظفه في تمثيل مجازيته الخاصة بالرغبة (انظر Fink، 2004a، الفصل 1 و3). وربما كان هذا شيئًا كانت أمه تتجاوزه عندما كانت تطرح عليه أسئلة بشأن اللغة. ففي الذهان، لا توجد مساحة للالتباس في العلاقة بين الدال والمدلول.
كانت رغبته مرتبطة بالتأكيد بالعجز واللافعالية في بداية تحليله، وكان يتحدث مرارًا عن الصراع بين عمله على الحواسيب وكتابته. وفي إحدى اللحظات، أمضى جلستين يتحدث فيهما عن «هوسه بـ UNIX»، وهو نظام تشغيل الحاسوب. وعندما أشرت إلى أن صوت الكلمة يمكن تهجئته على نحو مختلف، مثل eunuchs، ضحك هستيريًا، وفي الجلسة التالية أخبرني أنني «قتلت» هوسه بتعلم لغات الحاسوب. كان UNIX، نظام تشغيل الحاسوب، حاضرًا في ذهنه بوضوح بوصفه موضوع دراسة، لكن الدافع إلى هذه الدراسة بدا أنه صدى لاواعي له (أو ارتباط به) مع الإخصاء، وتماهيه مع أبيه بقدر ما كان يراه هو نفسه رجلًا غير كثير الرجولة، قليل الفاعلية.
ولمدة طويلة جدًا، كان يربط كتابته ربطًا وثيقًا باحتمال الحصول على وظيفة جديدة في حقل آخر من العمل، إلى درجة أن معظم متعته بعملية الكتابة ذاتها كانت تختفي، وكان منشغلًا باستمرار بالأثر الذي سيحدثه كل سطر في قرائه. وتبيّن خلال مناقشاتنا الكثيرة للكتابة أن أمه كانت قد نشرت كتابًا ذات يوم، وأن أخته ساندي كانت منخرطة كثيرًا في الكتابة الإبداعية؛ وبدأ يتساءل إن كان مجرد منافسة لهما (أو استمرارًا لهما؟). وأشار إلى أن «طاقة هائلة» تحررت عندما قال في إحدى الجلسات إنه لا يريد أن يكون كاتبًا. «هل سيجعل تحليلي الكتابة أسهل أم سأدرك أنني لا أريد ذلك؟» سأل مرة، واصفًا ذلك بأنه «السؤال الكبير».
وكذلك تبيّن أن أخاه جون كان يقرأ بنهم وهو مراهق، وأن ويزلي كان يظن أن أخاه ربما كان مؤهلًا أكثر منه لمتابعة مهنة في الكتابة. وكان ويزلي يشعر أن أباه كان يعتقد أن ساندي وجون هما أكثر الأطفال إبداعًا في الأسرة؛ وربما كان ويزلي إذن يحاول ببساطة أن يثبت أن أباه مخطئ، أو أن يكسب عطفه بالإبداع، أو أن يدفع وجه جون إلى المهنة التي أهملها هو. وباختصار، خلص ويزلي إلى أن دوافعه في الكتابة ربما كانت «شخصية بحتة». وقد شددتُ على كلمتي «شخصية بحتة» - فبعد كل شيء، أي الدوافع ليست، في نهاية المطاف، شخصية على مستوى ما؟ - وفي الجلسة التالية قال: «ربما يكون ذلك لذيذًا إذا كنت أكتب لمتعة نفسي فقط».(26)
سمات الوسواس
وفي يوم ما، قدّم ويزلي ما يمكن أن يُسمى شعار الوسواسي: «حياتي كلها مجرد تمرين تجريبي»، وبذلك أشار إلى أنه كان لا يفعل في الحياة إلا الحركات الشكلية كما لو أنها لا تُحتسب حقًا، وأنه لم يكن قد أثبت نفسه يومًا فعلًا. وبهذا المعنى كان، على الطريقة الوسواسية المعتادة، يتظاهر بالموت، أو، كما قال لاكان (2006a، ص 633)، قد «خبأ [كيانه] بعيدًا» (وربما كان ينتظر أيضًا موت أبيه). وكان يضع رغبته على الهامش أو خارج اللعبة. ويمكننا أن نقول إن ويزلي كان يدير «ألعاب سيرك» (كما يسميها لاكان) مع أمه، في علاقة أنا-إلى-أنا على المحور التخييلي، بينما يضع رغبته إلى الجانب، خارج خط النار، متماهية مع أبيه بوصفه الآخر (انظر Lacan، 2006a، ص 630-633؛ Fink، 2004a، ص 24-37؛ والفصل 13 في المجلد الحاضر).
لم يكن ويزلي يستطيع أن يهتم بالنساء اللاتي كن ودودات معه، بل فقط بالنساء اللاتي لا يمكن الوصول إليهن - فتعذر الوصول إليهن كان يثيره، وكانت مسافتهن و/أو رفضهن هو ما يخلق الفجوة التي يحتاج إليها للحفاظ على رغبته. وهذه سمة شائعة جدًا في الوسواس. وكان أحيانًا يظن حتى أن امرأة غاضبة منه، بينما يتضح في الواقع أنها كانت «تغازله» (وهو تعبير عدواني أصبح متداولًا في الاستعمال المعاصر)؛ كما أشار إلى أنه كان يميل إلى رؤية الغضب في النساء اللاتي كان منجذبًا إليهن. وقد مكّنه اهتمامه بالنساء العصيات على الوصول (و«إدراكه» الغضب في المرأة كان يجعلها عصية على الوصول) من الحفاظ على رغبة مستحيلة؛ لقد أبقى رغبته حية، وفي الوقت نفسه حفظها من أي فرصة للظهور على مسرح الحياة، والتأثير في حياته.
في الجلسة التالية لتلك التي قدّمت فيها ما اعتبره ويزلي أول تفسير لي، والذي يبدو أنه كان مفاده أنه يرى على نحو أوضح عندما يكون غاضبًا (مكذِّبًا العبارة المكرسة «أعمى من الغضب»)،(27) علّق ويزلي بأنني أصغيت بانضباط لمدة عام ونصف ثم انتهزت الفرصة «لإعطاء قراءة على شيء ما». وأشار في تلك اللحظة إلى مدى صعوبة النظر إلى الناس والاستماع إليهم. ثم صاغ الأمر لاحقًا بحدة أكبر: «لا أستطيع أن أتحمل الاضطرار إلى فهم أشياء يتكلم بها أشخاص آخرون!» وضحك على ذلك ضحكًا هستيريًا، مدركًا تمام الإدراك صدقه بالنسبة إليه. ويمكن فهم هذا على أنه يوازي ما يشير إليه لاكان (2001a، ص 245) بوصفه إبطال الوسواسي أو إلغاؤه أو تدميره للآخر. ويمكن رؤية نظير ذلك، أي اقتلاع object a من الآخر، في حالة ويزلي أيضًا، إذ روى ذات يوم تخيلًا يقطع فيه ثديي أمه - فيفصل object a فعليًا عن الآخر في ذلك التخيل.
وأشار ويزلي إلى أنه يشعر بأنه دائمًا متأخر، بل يمكننا أن نقول «متأخر أصلًا على الدوام»، لأنه نام خلال الفعل القاتل الذي ارتكبته أمه - استيقظ متأخرًا جدًا بحيث لا يستطيع أن يفعل شيئًا. وهذا الشعور بالتأخر (أو بالتخلف، أو بعدم التزامن) شائع جدًا في الوسواس، مع أن الحدث الحياتي المحدد المرتبط به يختلف كثيرًا من حالة إلى أخرى. ففي حالة أخرى لي، كانت المستحلَلة قد شُجعت من معلميها على أن تتخطى سنة دراسية في مرحلة مبكرة، لكن أمها قررت أن تُبقيها في صفها؛ ومنذ ذلك الحين شعرت دائمًا بأنها متأخرة، خلف الجدول. وقد أدى ذلك إلى شعورها بضغط هائل كي تواصل التقدم في مهنة لم تكن متأكدة من أنها تريد أن تسلكها، بدل أن تأخذ استراحة وربما تغيّر المسار.
العلاقة بالمحلّل
«انتقالات الأم»
بعد نحو عامين ونصف من التحليل، صار ويزلي يطلب رقمي الهاتفي مرارًا كلما حاول الاتصال بأمه، وبعد نحو ستة أشهر صار يتصل بها مرارًا حين كان ينبغي أن يتصل بي (وأحيانًا جدًا كان يتصل بأبيه أيضًا «عن طريق الخطأ»). وكان يزل لسانه بانتظام عندما يقول إنه متأخر في إرسال شيك لي، فيقول إنه متأخر في إرسال «فاتورتي» إليّ. ولعل ذلك كان لأنني كنت كثيرًا ما أُقترن في ذهنه بأمه، وكان يشعر أنها هي التي تدين له بشيء لا العكس. وقد أرسل لي مرة شيكًا على مغلفه تنويعة على رمز بريدي انتهى إلى أن يشبه الرمز البريدي لأمه وأخيه الأكبر؛ وعلّق بأنه ربما يقتلانه حتى لا يكشف أحد السرَّ وهو أنهما مارسا الجنس، لكن ربما كان يستطيع استرضاءهما بإرسال المال لهما.
وفي حلم أخبرني به، كانت لديه محللة امرأة، وكان يريد منها أن «تفعل ذلك» بالطريقة التي أفعلها أنا؛ وكانت تشبه كوني تشونغ، التي التقطتها الكاميرا وهي «تتلاطف بالقبل» مع زوجها، كما أظن أنه قال. وقد أعلن أنه يكره مصطلح necking - إذ كان يبدو له كأنه اختناق. وكانت تشونغ متوددة إليه في الحلم - ربما كانت تريد أن تتلاطف بالقبل معه وتخنقه؟ وبما أنني «ألوي» الجلسة، كما قال مرة - أي أختنقها أو أخنقها - عندما أنهي إحدى جلساتنا ذات المدة المتغيرة، فربما كان هذا ما أريد أن أفعله به أيضًا؟ وفي الحلم كان ببساطة يجعل امرأة تفعل ذلك به بدلًا من ذلك؟
وكان ويزلي أحيانًا يتخيل أنني أرتكب الخيانة، أو أمارس الجنس مع أحد ما، قبل جلستنا مباشرة. بل إنه كان يتخيل أحيانًا أنه يقطع شيئًا عما يحدث بدخوله إلى بيتي (كما قطع هو على أمه وأخيه؟ أو أمه وأبيه؟).
وفي مرحلة ما بعد عامين أو أكثر من التحليل، بدأ ويزلي يطلق عليّ لفظ «عاهرة». وكان يتخيل أن لديَّ «ثديين» وقال إنه كان غاضبًا مني لأني أغريته بهما. وتخيل في حلم أن شيئًا يُسحب من فمه وحلقه، كأن ثديًا قد دُفع إلى حلقه، بالطريقة نفسها التي دُفع بها وجهه في أوقات مختلفة وصفها على مر السنين إلى صدور أمه وجدته. واشتكى من أنه لم يكن يستطيع التنفس في مثل هذه الحالات لأن ثديي المرأة يخنقانه إذا واجهها مباشرة. وكان يشعر أنه مضطر إلى أن ينفذ خلالهما أو يقرضهما، كما يفعل الجرذ، كي يخلق فجوة.
وقد ذكر أن هذا يرتبط بخوفه من وجود أحد خلفه وبخوفه من الاختراق الشرجي (إذ إن أمه مرة وضعت له ميزان حرارة شرجيًا من خلف ظهره، وأبوه مرة وقف خلفه وهو يخيط جرح فروة رأسه). واشتكى ويزلي من أنه لا يستطيع أن يلعب بعض الرياضات جيدًا لأنه لا يستطيع أن ينتبه إلى ما يجري خلفه وكان قلقًا بشأنه. وكانت هذه الأقوال، وغيرها مما سأصل إليه بعد قليل، هي التي جعلتني أنتظر وقتًا طويلًا قبل أن أضعه على الأريكة.
قال ويزلي مرة: «أنا لا أتخيل أمي وهي تخنقك»، غير أن النفي يبدو أنه كان يدل على أنه على مستوى ما كان يسلط أمه عليّ فعلًا (عليّ بوصفى أباه؟). ثم، حين بدأت الأمور تتغير، قال ذات يوم إنه كان سيأتي إليّ بفأس لو استطاع، وينهي الأمر. ولم يعد، على ما يبدو، يحتاج إلى أن يسلط أمه عليّ - صار هو نفسه قادرًا على التعبير عن العدوان! (وغني عن القول - وإن كان بعض الممارسين في خبرتي يحتاجون إلى تذكيرهم بذلك مع ذلك - أن هذه كانت تخيلات واضحة صيغت داخل النقل، لا تهديدات فعلية.)
«انتقالات الأب»
أود أن أكون مستفَزًّا بك؛ لست متأكدًا لماذا.
كان يحدث كثيرًا أن ويزلي، حين يستعيد الأحداث، لا يتذكر كيف كان يشعر بها في وقتها، لكن الانفعال كان يظهر تلقائيًا في أفكاره عني. فعلى سبيل المثال، كان يتحدث ذات مرة عما كانت عليه الأمور عندما كان يعيش مع أمه وأبيه قبل موت أخته؛ وتذكر أنه كان يجلس مع أبيه على مائدة العشاء، لكنه لم يستطع أن يتخيل كيف كان ذلك. وفجأة خطر له أنني غاضب منه، وكان الاستنتاج الواضح إلى حد ما أن أباه كان يغضب منه أحيانًا. وأكّد ويزلي ذلك بقوله إن أباه كان يصرخ فيه دائمًا كي «يأكل لحمه»، وهو لحم كان الابن غالبًا ما يجده مقززًا جدًا وهو طفل. وقد ظهرت سمة أبيه تجاهه أولًا في إسقاط النقل، ثم بعد ذلك فقط بوصفها ذاكرة.
«ماذا لو غضبتَ مني غضبًا أعمى؟» سألني مرة. وكان يتخيل أن هناك «نبرات قاسية» وأن «الضربات ستهطل». سأكون واقفًا فوقه؛ وستكون هناك ضجة فوقه ولن يستطيع أن يرى من أين تأتي الضربات. وعندما كان يناقش مثل هذه الأمور، كان يشعر بوخز في فروة رأسه، وتبين أن ذلك مرتبط بالوقت الذي خاط فيه أبوه فروة رأسه بعد أن علقت بها سنارة صيد ثلاثية الشوك. وقد خدر الأب المنطقة، وسمع ويزلي نوعًا من الصوت الخشن (وأشار أيضًا إلى كلمة «غضروف») وشعر بنوع من «الضجة» بينما كان أبوه يعمل على إخراج السنارة وهو واقف فوقه وخلفه.
بل بدا أن ويزلي يقلق من أنه لأنه لم يشعر بشيء في ذلك الوقت، فقد «لم تكن لديه أي وسيلة لمعرفة ما الذي فعله، وما الذي أخرجه». كان بإمكان أبيه أن يأخذ من رأسه أي شيء يريد من غير أن يدرك ويزلي ذلك حتى؛ وربما كان يستطيع أن يأكل دماغه. هذا القدر من الارتياب جعلني أنتظر وقتًا طويلًا قبل أن أضع ويزلي على الأريكة، كما فعل كذلك أنه كان يجلس عادة منحنِيًا بالكامل، محدقًا في الأرض التي لم يكن رأسه بعيدًا عن ملامستها، أو كان يتحدث وعيونه مغمضة خلال الجلسات معي، همسًا تقريبًا بدلًا من أن يتكلم إليّ فعلًا. وانتظرت حتى صار يجلس مستقيمًا وينظر إليّ بانتظام أكبر خلال الجلسات، وينطق بوضوح أشد بحيث أستطيع سماعه بسهولة. وعندما وجهته أخيرًا إلى الأريكة بعد نحو عامين من العمل معًا، كان أول ما قاله وهو يستلقي: «أتساءل عمّا تدبره».(27)
وهذا يدل على عدم ثقة أساسية إلى حد بعيد، تذكّر بعدم ثقته - عقب موت أخته - بمشاعر أمه، لأنها كانت قد عبّرت دائمًا عن حبها لابنتها، ومع ذلك قتلتها، فربما كانت قد كذبت أيضًا بشأن عاطفتها تجاه ويزلي.(28)
وفي حلم رواه، كان رجل كان يعجب به قد قُطع رأسه من الخلف؛ وأدرك ويزلي على نحو فظيع أنه في مثل هذه الحالة لن يعود قادرًا على التفكير. وبدا له وكأنني قد أستطيع إيقاع هذه الضربة الرهيبة في أي وقت. وقد يدل خوفه من أن أفعل ذلك أيضًا على رغبة أن أفعلها، لأن ذلك سيخفف قلقه: فلن يُجبر على أن يرى الأشياء بعد ذلك كما كان يشعر أنه مُجبر على ذلك في التحليل.(29)
وفي حلم آخر رواه، «أغرستُ بمهارة» عينه (التي يمكننا أيضًا أن نسمعها بوصفها «أنا»)، فحرمتُه من «ملكة بصرية معينة، وهو الغياب الذي [لا يفتقده] بسهولة»، كما قال (لاحظ هذه الصياغة المثيرة للاهتمام). وربما، كما تساءل، سأساعده على أن يصير أعمى حتى لا يضطر إلى الرؤية - وربما أتواطأ مع رغبته في ألا يرى بعض الأشياء. أو ربما سأجعله أوديبًا، الذي يُجبر على الرؤية وعليه لذلك أن تُقتلع عيناه. والغريب أن الذي هو أوديب هنا هو أخوه، لأنه هو الذي نام مع أمه، لكن ويزلي هو الذي يبدو أنه يقتلع عينيه بنفسه، بمعنى ما، برفضه أن يرى،(30) وبالتصرف كأنه «لم يرَ شيئًا قط». لأنه حين يرى، يغضب.
مسار العلاج والاستنتاجات
بعد ستة أشهر من التحليل قال ويزلي إنه لم يعد يرى العالم مسطحًا تمامًا وضده كما كان من قبل. ويبدو أن هذا يشير إلى انخفاض طفيف في الارتياب - أي في سيطرة المحور التخييلي، بمصطلحات لاكانية. ومن المثير للاهتمام أن لديَّ عدة مرضى استعملوا الصياغة نفسها حرفيًا تقريبًا: كانوا قد كبروا وهم ينظرون إلى العالم بوصفه «ضدهم» في الأساس، وقد غيّر التحليل ذلك - لم يعودوا يشعرون بأن الناس يحاولون مهاجمتهم إلى هذا الحد. وكان لمعظم هؤلاء المرضى والدٌ واحد على الأقل ذو بنية ذهانية.
وفي ما يتعلق بفكرة أن «الرجال الأكبر» سيأتون ويأخذون «النساء الكبيرات» منه، قال ويزلي (بعد نحو عام ونصف من التحليل): «ربما لا يوجد شيء خلف الستارة» من القوة المميتة التي يزعم هؤلاء الرجال امتلاكها، «ولا ساحر أوز العظيم». وفي حلم كان قد ناقشه للتو، حاول رجل أن يمنع ويزلي من ممارسة الجنس مع صديقة ويزلي؛ كان الرجل ابن عرس، لكن ويزلي أمسك به، وجرّده من جلده، ثم «شطره إلى نصفين». وبدا ويزلي في ذلك الوقت أقل انبهارًا بالناس الذين يستطيعون التعبير عن العدوان، وأكثر قدرة على التعبير عن عدوانه هو نفسه قليلًا (ففي الأحلام السابقة كان يكتفي بالوقوف متفرجًا بينما يعترض رجال آخرون علاقاته الجنسية مع النساء).
وقد ذكرتُ سابقًا تقاريره خلال التحليل عن زيادة الثقة بالنفس والتمتع بالحياة (المرتبطة بحديثه عن نقطة التحول في الصف الثاني الابتدائي)، وعن ابتهاجه المتقطع (المرتبط بحديثه عن نقطة التحول في سن الرابعة). وكما تمكنتُ أنا أيضًا من ملاحظته شخصيًا في التحليل، صار ويزلي أكثر قدرة على أن ينظر مباشرة إلى الناس وأن ينصت إليهم. وبعد ثلاث سنوات من التحليل، ذكر أنه كان لديه «مرح أكثر من اللازم» وهو يتحدث مع عدة نساء في حفلة ذهب إليها، وهو أمر كان قد وجده في السابق صعبًا جدًا عليه أن يفعله، وكانت عبارة «أكثر من اللازم» تبدو مرتبطة بأمه: إذ كان ويزلي يعتقد أنها لن تستحسن مقدار المتعة التي كان يحصل عليها مع نساء غيرها.
وفي الآونة الأخيرة جدًا، أشار ويزلي إلى أنه كان يشعر أن بعض تجاربه اللامتناهية في الربط الحر حول موت أخته كانت «مزيّفة أحيانًا»، ووصفها بأنها «مكان لتعليق [قبعته]». وعندما سألته عن هذا المكان الذي يعلّق فيه قبعته، علّق بأنه يشبه «البيت»، بمعنى ما، نوعًا من «إطار المرجع». ويمكننا أن نتخيل أن العقدة الكاملة من الأحداث المحيطة بموت أخته قد صارت مركز ثقل أو بيتًا عرضيًا له، مركزًا لم يعد يحتاج إليه ويمكنه أخيرًا أن يبدأ بالابتعاد عنه. وفي هذه المرحلة ذكر لأول مرة أن موت أخته كان ارتياحًا لأنه كان «حزنًا قديم الطراز» بدلًا من «الفظاعة الدائمة الوشيكة» للعلاقات اليومية في الأسرة؛ وفي الأحدث، بدأ يركز أكثر على الجوانب من حياته قبل سن العاشرة التي فصّلتها أعلاه. لقد خدم موت أخته أغراضًا مختلفة عدة بالنسبة إليه، لكنه كان أيضًا يشتته عن بعض المشكلات الأكثر أساسية المرتبطة باكتساب المسافة من النساء - وبخاصة الانفصال عن أمه - وقاده إلى إزاحة غضبه نحو أبيه على زوجة أبيه.
وبينما تبدو تلك العقدة العرضية آخذة في التفكك، يبقى أن نرى أين سيختار ويزلي أن يعلّق قبعته بعد ذلك ...
قُدمت هذه الورقة في مركز هارفارد للعلوم الإنسانية في 3 أكتوبر 2003، ثم قُدمت لاحقًا في جمعية بيتسبرغ للتحليل النفسي والمعهد في 19 نوفمبر 2003.
الحواشي
1 بعد نحو عامين كاملين من التحليل، ذكر ويزلي أخيرًا أنه كان قد نام عند قدم سرير أمه في الليلة التي قتلت فيها أخته (التي كانت تكبره ببضع سنوات). «كيف لم ألاحظ ذلك؟» تساءل. «كيف فاتني أن شيئًا بهذا الحجم كان يحدث؟» بل تساءل حتى عمّا إذا كان قد رأى أمه تنهض ليلًا. لكن لم يثبت قط بأي شكل أنه فعل ذلك.
2 لم تعد إليه ذكرى التحديق إلى غرفة الجلوس إلا بالارتباط بصورة شيء «أزرق أو أخضر» في حلم (في الواقع، هذا كل ما تذكره من الحلم؛ انظر Fink، 2007، ص 102–103)، واتضح أن ذلك كان لون السجادة في غرفة الطعام التي كان يقف فيها حين نظر من خلال الأبواب ذات المصاريع؛ ويبدو أنه لم يفكر في ذلك منذ زمن طويل جدًا.
3 ويبدو أنها قالت: «سأريكِ/سأريكَ ماذا يعني أن تكون رجلًا!». وروى الأخ أن الأمر لم يدم سوى 15 ثانية كاملة.
4 فالأخير ادعى، على سبيل المثال، أنه وضع فورًا الملاءات التي مارس هو وأمه الجنس عليها في آلة الغسيل كي لا يكتشف أحد الأمر، وكان قلقه أن الخبر في البلدة الصغيرة التي كانوا يعيشون فيها سيسري، وستُدمر سمعته إلى الأبد. لكن ويزلي لم يلاحظ أي ملاءات على أرض غرفة الجلوس، وتساءل ما إذا كان ذلك اختراعًا خالصًا من نِد أم أن الأم والأخ كانا قد مارسا الجنس أصلًا في غرفة نوم الأم أو غرفة نوم الأخت قبل أن يفعلا ذلك مرة أخرى على أرض غرفة الجلوس.
5 لم يكن ويزلي متأكدًا تمامًا من أن هذه التجاوزات وقعت فعلًا، لكنه كان يظن أنه يتذكرها وهي تبتسم وتقول: «لنحافظ على هذا سرنا الصغير، حسنًا؟». وقد أتاح له ذلك أن يكون أكثر تميزًا قليلًا في عينيها، وفي الوقت نفسه جعل أباه نفسه «أبلهًا» - سواء في خياله وحده أم لا.
6 وتساءل لاحقًا عمّا إذا كان الفيلم هو الذي أعطى أمه فكرة خنق أخته، لأن شخصية باسم كارلو تُخنق على ما يبدو في الفيلم.
7 وقد أخبرني في الجلسة التالية أنه كان قلقًا من أن ذلك التعليق كشف شيئًا عن عمق مرضه النفسي!
8 لم يذكر ويزلي لي لأول مرة - إلا بعد خمسة أشهر من بدء التحليل - أن أمه قالت لأخيه إنها ستحتاج إلى مساعدته في قتل بقية الأطفال في الأسرة. (وشعر ويزلي أنه مستبعد من هذا أيضًا؛ فلم يكن فقط غير مشمول في الجنس، بل كان «ليس مهمًا حتى إلى الحد الذي يجعله مشمولًا في الخطة».) وعندما خرجت هذه الإضافة الخاصة إلى القصة، ساعدت في تفسير شعور ويزلي بأن «هناك مؤامرة أكبر تتشكل» - أي أن «ثمة منهجًا في جنون [النساء]» وأنهن غالبًا ما ينوين أو يخططن لأكثر مما يظن. «أعتقد أن كثيرًا من النساء يردن أن يدفنّني»، كما قال. ويشعر أن كل امرأة قد تكون لديها خطة لقتله في الظلام، ولذلك عليه أن يبقي حذره مرفوعًا. وهذا يجعله «مكبَّلًا بالسترة المقيدة» مع الفتيات اللاتي يعجبن به.
9 شبّه مرة مظهر الأعضاء التناسلية الأنثوية بما يراه المرء عند سلخ حيوان، وبخاصة الموضع بين الفرو واللحم.
10 وربما لخلق فجوة داخل نفسه أيضًا، لأنه زلّ مرة وهو يتحدث عن «أمعائه العصبية» وقال «أمعائي القابلة للأكل» (وهو يكاد يبدو حتى كأنه «أمعاء أوديبية»!).
11 قد تكون دور الأب في فصل ويزلي عن أمه مُنشأة بأثر رجعي في أفضل الأحوال، واتخذت شكل «القاطع» أو «السكين»، ما دمنا رأينا مدى عدم تدخل الأب عندما فشل في الاستجابة لنداء ابنته طلبًا للمساعدة ليلة موتها.
12 ويمكننا بالطبع أن نسمع فيها معنى «سرد الأكاذيب» مع أمه، أي أن يضع نفسه في موضع أخيه الأكبر على أكثر من وجه.
13 ومع أنه لم يتخيل بقاء تشريحها حيًا فيه بعد موتها، فقد يكون حاول فعلًا أن يجعل مواهبها في الكتابة الإبداعية تستمر في عمله هو. وربما كان يظن أن أباه كان يقدّرها بسبب ذلك أيضًا.
14 كان عادة يرى ثديي النساء بوصفهما وجوهًا لئيمة، كما قال مرة، مع أنه لم يرَ ثديي ساندي على هذا النحو.
15 وكما قال، فهو يريد الفالوس منهُن، لكنهن يردنه من شخص آخر. فهل يريد هو استخراجه منهن؟
16 قد تكون هناك هنا صلة بين ابن عرس وأغنية الحضانة الشهيرة، “Pop Goes the Weasel”. والأخيرة تتضمن قردًا يطارد ابن العرس، والمثير أن الاسم الذي أطلقه ويزلي على بطانيته المريحة وهو صغير جدًا كان مزيجًا من اسمه الأول وكلمة «قرد». أما اسمه الأول الحقيقي فلا علاقة له بكلمة weasel.
17 وهذا يذكّر أيضًا باستعماله كلمتي «القطع» و«الحاد» في وصف صوت أبيه حين طرق ويزلي الباب بينما كان والداه يمارسان الحب في غرفة النوم. ويبدو أن أبا ويزلي كان في نظره قادرًا على خصاء الأم، لكنه لم يفعل.
18 كان ويزلي أحيانًا يتحدث عن رغبته في حماية أبيه والشعور بالشفقة عليه - حمايته من الأم ومن الأولاد؟ ربما كان مشغولًا، قبل كل شيء، بحماية أبيه من عنف ويزلي نفسه؟ (والرغبة في التفكير في أبيه بوصفه ضعيفًا من أجل السخرية منه؟)
19 روى ويزلي متغيرًا آخر مما زعم أنه قاله لأخيه مرة: أنه كان يخشى أن ينتهي به الأمر إلى السجن بسبب «قتل [نفسه]». والمنطق الغريب المتمثل في السجن بعد الموت ربما يخفي الضحية الحقيقية المقصودة، أي أباه، الذي كان ويزلي يتماهى معه.
20 لن يكون من الصعب جدًا رسم صلة بين غضب ويزلي الانفجاري وهو طفل وانفجارات أبيه المفاجئة.
21 هل كان هذا ما أتاح له الابتهاج والحماسة قبل سن الخامسة؟
22 ومع ذلك، لماذا كان هذا سيسمح بظهور فجوة قابلة للتسمية في حالة ويزلي أكثر من الحالات الأخرى (انظر، على سبيل المثال، الفصل 9 في المجلد الأول من هذه المجموعة)، فإني أجد صعوبة في الجزم؛ وربما كان ذلك راجعًا إلى أن ويزلي كان يدرك دائمًا أن أمه تريد شيئًا يتجاوزَه.
23 قارن هذا بحالة المستحلَل التي نوقشت في الفصل 10 من المجلد الأول من هذه المجموعة، والتي كان خطابها يعمل أيضًا وفق نمط الـ«but(t)».
24 إن انشغاله بشيء يوحي بدافع الموت، أي الانحراف إلى حركة المرور القادمة، يبدو مرتبطًا بهذا الإحساس بأنه لا يستطيع أن يؤثر في امرأة، لأنه أشار إلى أن ما أعجبه في الفكرة هو أنه قد يحصل أخيرًا على رد فعل حقيقي وفوري. وأضاف أن الأمر نفسه ينطبق على ما سماه «ملاحظات تقضي على المسار المهني»، أي النوع الذي يمكنه أن يفسد آفاقك المهنية المقبلة بشكل حاسم.
25 قد يرتبط هذا بصيغته الملتبسة المعتادة بشأن نشر عمله المكتوب: فهو لا يريد أن «يتخلى عن [كتابه]». وهو غير متأكد من استعداده لإطلاقه، كأنه براز يحتفظ به في داخله، يحركه، يتأمل فيه، يعبث به، حتى لا يستطيع أحد سواه أن يأخذه. إنه يكدّس أفكاره حتى لا يسرقها أحد.
26 لأنه بعدم رغبته في الرؤية كان سيتجنب الغضب، وبرفضه الغضب كان سيتجنب الاضطرار إلى الرؤية.
27 وكان ويزلي أيضًا يعبّر أحيانًا عن قلق بشأن ضربة لا يستطيع أن يراها قادمة، نوع من «ضربة الكاراتيه»، كما كان أبوه يقول.
28 ويمكن أيضًا ربما رؤية جانب من قصد أمه القاتل في ما يبدو أنه هلوسة مرت بها تخص ويزلي حين كان في الثانية أو الثالثة من عمره. فبحسب روايتها، كانا يقيمان في فندق، وقد طارت بالون اشترياه له من النافذة. وعندما نظرت من الشارع إلى نافذة الفندق، كان يُزعم أنه كان نصفه خارج نافذة الفندق على حافة. فركضت إلى الغرفة ووجدته جالسًا بهدوء في سريره الصغير. ولم يعرف هو أبدًا ماذا يصنع من هذا الأمر، لكنها كانت ترويها كثيرًا وهي تبكي. وقد ظهرت هذه الذكرى في اتصالها بمصطلح مُبتكر استعملته امرأة كان ويزلي يتحدث إليها، وهو «dilemmacy»، وكانت العلاقة أن أمه كانت تقول أشياء من هذا النوع لا معنى لها بالنسبة إليه.
29 وكان من الواضح أيضًا أنه لن يضطر إلى القلق بعد ذلك بشأن ما يريده منه الآخر.
30 مع أنه كان يتحدث أحيانًا عن كونه أعمى من الغضب وهو طفل صغير، يبدو أن الغضب والرؤية كانا مترابطين لديه وهو بالغ.
12
دور المظهر في بناء «الهوية»
الحالة التي سأناقشها اليوم هي حالة شاب في أوائل العشرينات، كان، شأنه شأن كثيرين من أفراد الجيل الأصغر اليوم، مهووسًا طوال نحو عشر سنوات بما يسمى هويته.
الهوية
لم أبدأ بمقابلة هذا الشاب، الذي سأشير إليه باسم جورج، إلا منذ نحو أربعة أشهر، لكن، بحسب ما أستطيع أن أرى حتى الآن، فإن هوسه بهويته بدأ عند منعطف حاسم يمر به كثير من الطلاب في الولايات المتحدة: الانتقال من المدرسة الابتدائية إلى الإعدادية. ويقول جورج إنه لم يكن حتى ذلك الوقت مدركًا أصلًا لمفهوم الشعبية. فقد بدأ أفضل أصدقائه في الابتدائية يتصرف فجأة كما لو أنه لا يعرف المريض بعد وصولهما إلى المدرسة الجديدة، وكان ذلك الصديق جزءًا من زمرة «المحبوبين» التي استُبعد منها المريض.
ومن الملائم هنا استخدام المبني للمجهول، «استُبعد»، لأن الأمر ليس واضحًا على الإطلاق: هل رُفض المريض رفضًا فعليًا من أعضاء تلك الزمرة، أم إنه ببساطة كان يشعر بعدم الارتياح في وجودهم ولم يخالطهم؟
لقد آلمه هذا الخذلان الصادر عن أفضل أصدقائه، كما وجد أنه من الظلم أن الفتيات بدأن أخيرًا يلتفتن إليه، في حين أن «خائناتهن» على ما يبدو لم يبالين به كثيرًا قبل أن يمر بالبلوغ. وقد عزم آنذاك على ألا يرغب في أن يُستحسن بسبب مظهره، وألا يهتم هو نفسه بالمظهر، وهو أمر أسهل قولًا من فعله.
من جهة، يدّعي الآن أنه سعيد لأن صديقته، التي ارتبط بها قرابة ثماني سنوات، لم تنجذب إليه يومًا بسبب شكله، بل فضّلت عقله، إن صح التعبير، وهو ما يشعره بأنه أكثر ارتباطًا به، وليس مجرد صدفة عابرة أو حظًا محضًا؛ ومن جهة أخرى، ينهكه أن هذه الصديقة لا تبدو منجذبة إليه جنسيًا، وأنها لا تبادر أبدًا إلى أي نشاط جنسي من أي نوع.
وعودًا إلى تجربته في مطلع المرحلة الإعدادية، فقد حاول في البداية أن يصير محبوبًا عبر إغضاب المعلمين عمدًا داخل الصف والحصول على توقيفات انضباطية، معتقدًا أن هذا سيجعله يبدو متمردًا ومثيرًا للإعجاب في نظر الطلاب الآخرين. لكن ذلك لم يوصله بعيدًا، فقرر بعد ذلك أن يزدري زمرة المشهورين وأن يهتم بكل ما لا يهتمون به. والمثير أن هذا جعله محل اهتمام من الجماعة نفسها التي كان يشعر بأنه مستبعد منها، وانتهى به الأمر إلى أن صار محبوبًا من خلال رفضه نفسه للشعبية. وقد أوضح لي بجلاء أنه، في أعماقه، لم يكن قد تخلّى فعلًا عن كل اهتمام بأن يكون محبوبًا، وكان راضيًا تمام الرضا عن نجاح هذه الاستراتيجية.
وقد استخدم الاستراتيجية نفسها بعد تسع أو عشر سنوات في الدراسات العليا، حين كان أساتذة برنامجه يشجعون بقوة الطلبة على ملاحقة الاتجاهات الرائجة في مجاله، بدلًا من المقاربات التقليدية. وكما وصف ذلك، في سياق حلم كان يحاول فيه أن يضع إرسالاته في التنس داخل الصندوق الصحيح في الملعب، فقد حاول أن يُرى بوصفه يفكر خارج الصندوق، وذلك تحديدًا عبر التفكير داخل الصندوق. وفي برنامجه للدراسات العليا، بدا له العمل داخل الأطر التقليدية لمجاله انحرافًا جذريًا عما يفعله زملاؤه الطلبة، أو بعبارة أخرى، كان يختلف عبر ألا يختلف. وكان مشروعه، على حد تعبيره، «أن أخرج [من الصندوق] عبر البقاء داخله».(1)
يبدو أن هدف جورج في المرحلة الإعدادية وفي الدراسات العليا كان أن يحقق الشهرة والشيوع بالضبط عبر تجنب الاثنين معًا أو التنصل منهما. أما السعي إلى الشعبية أو الاعتراف بها على نحو صريح وفعّال، فكان في نظره نشاطًا غير أصيل، وجورج غارق تمامًا في «لغة الأصالة» كما سماها أدورنو (1973). كما أن سروره بحصوله على الشعبية والاعتراف بطريقة ملتوية يبدو له أيضًا غير أصيل، وهو يجلد نفسه عليه بوجوه معينة، لكنه مع ذلك يستمتع به. وهو على الأقل أكثر قبولًا عنده إذا لم يكن قد سعى إليه سعيًا نشطًا ومتعمدًا، بل جاءه مصادفة.
ويعتقد أن هذا هو ما يحدث في حالة النجوم الحقيقيين، سواء أكانوا موسيقيين أم أكاديميين: إنهم فقط يفعلون ما يفعلونه، ثم تأتي قوة موسيقاهم أو عملهم الفكري نفسها فتجعلهم نجومًا من غير أن يحاولوا أن يصيروا كذلك عمدًا. وعلى مستوى الهوية، يمكن القول إن غايته النهائية هي أن يكون نجمًا أكاديميًا يكتسب شهرته من خلال نقده حجج الجميع وتدميرها، على نحو يشبه أبلار.
وقد بدأت وجوه كثيرة من هذه الهوية تتشكل عندما كان مراهقًا وكان لديه معلم غيّر حياته. فقد قرر هذا المعلم أن يقول للطلاب جميعًا إنهم أنانيون، من الطبقة الوسطى، يجهلون مشاكل 99 في المئة من سكان العالم، وعليهم أن يهبوا أنفسهم بلا أنانية لمساعدة الفقراء والمحرومين. أما الاستمتاع بفراغهم وثروتهم فكان، في نظره، معادلًا للتماهي مع الهولوكوست، وانتهى بجورج إلى أن يشعر بأنه مجرم ومذنب حيال كل ما تمثله أسرته تقريبًا. (ويرجح أنه كان يشعر بالذنب أساسًا تجاه شيء آخر، لكنه أُسقط على هذا الأمر.) وقد أيّد جورج وجهة نظر المعلم القائلة إن الشيء الوحيد الجدير بالاهتمام في الحياة هو مساعدة الآخرين، لا مساعدة النفس، وهو اعتقاد يكشف عن منطق غريب إذا عُمّم.
لقد وجّه هذا المعلم نقدًا قاسيًا إلى الحياة البرجوازية لآباء طلابه وإلى «عقلية النادي الريفي» التي لديهم، فدفع جورج فجأة إلى رفض صلات والديه بـ«الطبقة الراقية» في مدينتهما، ورفض اهتمامهما بأن يلتحق في العام التالي بمدرسة ثانوية خاصة، ورفض قلق والده من أن ينتمي جورج إلى أخوية جامعية في الكلية ترتبط بالدراسة الجادة وبالناس من «العائلات الجيدة» (وكان جورج مقتنعًا بأنه لن يستطيع أبدًا أن يتفاهم مع مثل هؤلاء الناس). وقد خاب أمل والده خيبة هائلة حين رفض جورج الانضمام إلى تلك الأخوية، وهي، بالمناسبة، الأخوية نفسها التي كان جدّ جورج قد انتمى إليها وكان قد أوصاه بقوة أن ينضم إليها.
وقد عامل والد جورج ابنه بالصمت شهورًا عدة بعد أن رفض الانضمام إلى تلك الأخوية، وكان هذا الرفض سبب أكبر صراع بينهما على الإطلاق. ومع ذلك، ينبغي أن نلاحظ أنه، مع دخول جورج سن البلوغ تقريبًا، كان قد قرر أصلًا ألا ينجز واجباته المنزلية مرة أخرى، وذلك في محاولة لإحباط أهداف والده له على نحو كامل، وكانت تلك الأهداف أن يحصل على درجات جيدة، وأن يقرأ كثيرًا، وأن يدرس بجد.
كان من المهم جدًا لجورج دائمًا أن يكون فريدًا وأصيلًا. ففي المرحلة الإعدادية كان يعذّبه أصلًا احتمال أن يفكر شخص آخر الفكرة نفسها في اللحظة نفسها بالضبط. وهو يريد أن يعتقد أنه يريد أشياء لا يريدها أحد سواه، وكانت فكرته الخيالية في الدراسات العليا أن ينضم إلى وكالة الاستخبارات المركزية، لأن ذلك كان سيكون أمرًا لا يمكن لأساتذته اليساريين وزملائه الطلاب أن يتخيلوه.
وقد كتب له معلمُه في المرحلة الثانوية رسالة توصية للجامعة جعله فيها يبدو عميقًا، كأنه نوع من الفلاسفة أو الشعراء، وعندما التحق بالجامعة حاول أن «يبدو عميقًا»، متظاهرًا بأنه عاش خبرات روحية لم يستطع أن يعبّر عنها لأي أحد. (ولكي يحاول أن يبدو عميقًا وروحانيًا، حاول أن يجبر نفسه على رؤية رؤى بواسطة المخدرات والتأمل.) وفي تلك المرحلة بدأ أولًا ينجذب إلى مؤلفين يبدو أنهم يقولون لقرائهم المحتملين: «أنت لست ذكيًا بما يكفي لتتابعني». ومن هنا، بلا شك، جاء اهتمامه بلاكان ...
لقد دفعه نقدُ معلم المرحلة الثانوية لفاشية الحياة البرجوازية اليومية، مع دراسته الجامعية، إلى أن يشعر بأنه هو نفسه فاشي بسبب رغبته في الهيمنة على المرأة جنسيًا. ومع أنه يزعم أنه يريد أن تُسيطر عليه صديقته وتدفعه وتفرض عليه سلطتها في وجوه كثيرة، فإنه في خيالاته الجنسية يتمنى أن يسيطر على امرأة وأن يجبرها على ممارسة الجنس معه. وغالبًا ما تكون المرأة في هذه الخيالات زوجة رجل أكبر سنًا يكن له الاحترام؛ وهي في البداية تقاوم محاولاته للإغواء. وفي تلك الخيالات يجبر المرأة، بما في ذلك أم صديقته، على القيام بأشياء لم تكن صديقته مستعدة أبدًا لفعلها. ويقول إنه في الواقع لا يستطيع أن يجعل صديقته تفعل معه أي شيء جنسي لأسباب أيديولوجية، لأنه يحتاج إلى أن يرى نفسه «نسويًا جيدًا». لكنه مع ذلك ينجح في أن يجعلها تنظف المنزل وتطبخ له، وذلك عبر امتناعه هو نفسه عمليًا عن فعل أيٍّ من ذلك. وهو مولع بأغنية نيل يونغ، A Man Needs a Maid، التي تدور حول أن الرجل يحتاج ببساطة إلى شخص ينظف منزله ويعد له طعامه؛ وبعد ذلك، في نظره، يمكنها أن ترحل.
لقد كانت له عدة علاقات افتراضية مع نساء عبر الإنترنت، وكلهن، بحسب قوله، كنّ منزليات إلى حد بعيد، وسهل السيطرة عليهن، وكل واحدة منهن كانت مستعدة لفعل ما يريده.
يقول جورج إنه لا يستطيع أن يفرض هيمنته على أحد في الواقع، مع أن الهيمنة هي ما يفكر فيه طوال الوقت خلال نشاطين رئيسيين: 1) الاستمناء، الذي مارسَه أحيانًا بما يصل إلى خمس ساعات يوميًا، و2) عمله الفكري، حيث يهاجم حجج الآخرين بلا رحمة، وكان أعمق أمانيه أثناء كتابة الأوراق أن يرد أساتذته إلى الصمت المطلق، إلى صمت كامل بحيث لا يستطيعون حتى الرد على أوراقه.
وهو في الوقت نفسه يعجب بالرجال الذين يراهم عدوانيين، ويكرههم، والرجال الذين، مثل جده، يهيمنون على الآخرين في عالم الأعمال وفي البيت معًا، ولا سيما زوجاتهم. وهو يخشى أن ينكشف أمره بوصفه فاشيًا، لأن رغبته في الهيمنة على امرأة واحدة تكافئ رغبته في السيطرة على الجميع.
سأعود إلى هذه الوجوه المختلفة من صراع جورج حول الهوية، لكنني أظن أنه بات واضحًا بالفعل أن بناء الهوية هنا بعيد كل البعد عن أن يكون عملية مستقيمة، إذ ينطوي على صور مثالية للذات متناقضة، وعلى كثير من صيغ «أفعل لكنني لا أفعل»، و«أفعل لكنني لا أستطيع»، و«أريد لكنني لن أفعل».
التماهيات
سأنتقل الآن إلى بعض تماهيات جورج. إن مستوى التماهي، في نظري، ليس هو نفسه مستوى الهوية، رغم التشابه بين الكلمتين.
نجد عددًا من التماهيات ذات الجذور العميقة، تمتد إلى تاريخ عائلته قبل ولادة جورج. فقد كان جده لأمه، الذي كان يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه بطريرك العائلة، لديه عدة بنات ولكن ابن واحد فقط. وقد كان هذا الابن محبوبًا من الجد، لكنه انتحر في منتصف المراهقة، ويبدو أن جورج كان يشبه هذا الابن كثيرًا في الشكل والقدرة منذ وقت مبكر جدًا. وكان من الشائع أن يُنادى جورج خطأ باسم ذلك الابن الميت داخل العائلة، بل إن أمّ صديقته المراهقة، التي كان لها تأثير كبير عليه، أخبرته أنه تجسد جديد لخاله الميت.
أما أم جورج نفسها، وكانت أكبر سنًا بكثير من خاله لأمه، فقد أخبرته أنها في الوقت نفسه الذي انتحر فيه أخوها، قررت أن تترك عملها معلمة وأن تبدأ الإنجاب من زوجها، وكأنها تولت بعد ذلك أن تعوّض ابن أبيها المفقود بابن من بناتها، وأن تمنح والدها وريثًا بديلًا للعرش، إذا جاز التعبير. وقد أشارت مرة على الأقل إلى هذا الأخ الميت بوصفه الملاك الحارس لجورج، مدعية أنها رأته ينقذ جورج من حركة المرور القادمة حين اندفع إليها ذات يوم وهو طفل صغير أثناء سيره مع أمه.
يعتقد جورج أن الابن الذي انتحر شعر بأنه تحت ضغط مفرط من أبيه ليكون مثل أبيه، وأن جورج نفسه شعر على مدى السنين بضغط رهيب لكي يفعل ما كان الجد يريده وأن يكون نوع الشخص الذي كان الجد يريده أن يكونه. وكان الجد رجل أعمال أولوية حياته تحقيق المال عبر العمل الشاق، بينما فعل جورج كل شيء ليتجنب العمل أو كسب المال. وفي الجامعة بدأ جورج يتبنى مواقف مناهضة للرأسمالية، وفي الوقت نفسه كان يسمح لجدّه بأن يدفع تكاليف دراسته الجامعية. وقد كان الخيار الأول للجامعة التي أراد الالتحاق بها قد تأثر إلى حد ما بجدّه، لأنها كانت مدرسة غير تقليدية كان من الواضح أن الجد سيعترض على دفع رسومها. لكن حين جاء الرفض المتوقع، خضع جورج، ولا يزال يندم منذ ذلك الحين على أنه كان خائفًا أكثر من اللازم لقطع علاقاته المالية مع جده، وتحمل القروض الطلابية والعمل الجزئي كي يذهب إلى الجامعة التي كان يفضلها أولًا. وانتهى به الأمر إلى الالتحاق بجامعة كان هو نفسه يعتقد أنها من الدرجة الأدنى، حيث كان يكره تقريبًا جميع الطلاب والمعلمين.
يمكن القول إن حياته كلها طوال معظم العقد الماضي كانت محكومة برقصة دقيقة بين التظاهر بأنه يقوم ببعض ما كان الجد يريده عبر متابعة التعليم العالي، وفي الوقت نفسه دراسة كل نوع من النظرية التي تفند رؤية الجد للعالم. وقد وصف هذا الموقف بأنه «تمرد غير مجدٍ»، ويتضمن إطالة شعره، وتعاطي الحشيش، وتبني أفكار سياسية يسارية. كما قال إن المصدر الرئيس لطاقة الكتابة لديه في الجامعة هو اهتمامه بتفنيد جده. وعندما توفي جده، عجز جورج بعد ذلك عن إكمال الأوراق، إذ لم يعد قادرًا على العثور على الدافع اللازم لكتابتها.
وبقدر ما كانت أمه تبدو دائمًا أكثر تعلقًا بأبيها منها بزوجها، يبدو أن جورج نفسه يفهم ما الذي ينبغي أن يكونه الرجل وما الذي ينبغي أن يفعله انطلاقًا مما كان يراه في جده، لا انطلاقًا من الطريقة التي يرى بها والده. وهكذا لا ترتبط الرجولة لديه كثيرًا بحساسية والده الظاهرة وتقلب مزاجه، بل ترتبط بنهج جده في العمل: «هيا بنا، بلا قيود، ارْكَبْها يا كاوبوي». ويصف جورج أمه بأنها تتبنى تقريبًا كل آراء أبيها، وبأنها كانت تتمنى في الواقع لو أنها كانت ابنًا لأبيها بدلًا من أن تكون ابنته، إذ يبدو أن الجد كان يغدق على ابنه الوحيد اهتمامًا يفوق بكثير ما كان يوليـه لجميع بناته مجتمعات.(2)
إلى جانب تماهي جورج القوي مع ابن انتحر وأمكنه أن يؤذي عائلته كلها، ولا سيما جده لأمه، بفعله ذلك، وهو نوع من التماهي القاتل، يتماهى جورج أيضًا مع جده لأبيه الذي قُتل وهو يؤدي عملًا في الخارج. والواقع أن عمل جده لأبيه في جزء خطير من العالم كان سببًا، إلى حد كبير على الأقل، في اختيار جورج لمجال دراسته. وقد راود جورج أكثر من مرة أن يدرس لغة ذلك الجزء من العالم وثقافته خلال إقامة طويلة هناك، لكنه ألغى رحلة واحدة على الأقل في اللحظة الأخيرة، بحجة أنه لا يستطيع أن يعيش من دون صديقته حتى لبضعة أشهر، لكن ربما لأنه كان يريد حقًا أن يترك صديقته، ولذلك لم يسمح لنفسه بأن يفعل.
وعلى أي حال، فقد أشار جورج إلى أن قدرًا كبيرًا من اهتمامه بالدراسة هناك ينبع من رغبته في أن يثير ذعر أبيه، لأن والده كان قد اضطرب اضطرابًا شديدًا بسبب موت أبيه هو في الخارج.
ولإضافة تماهٍ مميت آخر إلى القائمة: حين ماتت جدة جورج لأبيه بسرطان مرتبط بالتدخين، وكان جورج آنذاك في نحو السادسة عشرة، كان يجلس على ما يبدو في غرفته أيامًا متتالية وهو يدخن الحشيش، مع علمه الكامل بأن ذلك يجعل مشاركته في الأنشطة التي كان منغمسًا فيها في ذلك الوقت أصعب بكثير. وكان يعرف أيضًا تمامًا أن والديه سيكتشفان ذلك، لكنهما لم يتخذا أبدًا نوع الفعل الذي كان يريده منهما، ولم يصبحا أبدًا شديدي العقاب بشأنه. وقد قال لي جورج إنه كان منتشيًا كل يوم طوال أربع سنوات بعد ذلك، ويدخن السجائر معظم العقد التالي، إلى وقت قريب جدًا.
في الأشهر الستة الماضية كان يستعد لسباق، وقد أنهك نفسه حرفيًا بالجري، ويزعم أنه لن يكون سعيدًا حتى يحقق، لا الأزمنة التي استطاع تحقيقها قبل أن يبدأ التدخين وتعاطي المخدرات، بل الأزمنة التي كان سيستطيع تحقيقها لو أنه لم يبدأ التدخين أصلًا. ويبدو أن الهدف هو إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء وإعادة تلك الفترة كلها من حياته من جديد، كي يستعيد بالكامل ما يشعر أنه فقده.
وهذه تبدو طريقة كثيرين منا في التعامل مع الفقد، سواء في سوق الأسهم (انظر الفصل 1 في هذا المجلد) أو في غيره من جوانب الحياة؛ إذ لا يكفينا أن نستعيد ما كان لدينا مرة، بل نريد أكثر من ذلك: ما كان سيكون لدينا الآن لو أننا لم نفقد شيئًا من الأصل.
ويقدم كيركغور مثالًا تامًا على هذا النمط من التفكير في تصوره للتكرار كما يراه في القصة الكتابية عن أيوب: فأيوب لا يستعيد ما فقده فحسب، بل يستعيده مضاعفًا. فبعد محنه وابتلائه، ينال أيوب من الأرض والغنم وسائر عناصر الرخاء أكثر بكثير مما كان قد فقده في البداية. والمثير أن كيركغور يسمي ذلك تكرارًا! وبهذا المعنى، يكون جورج في صحبة جيدة، حتى لو لم يسمه هو نفسه «تكرارًا».
وعليه، فعلى مستوى التماهي، وهو في نظري أعمق من مستوى بناء الهوية، نجد ثلاثة تماهيات قاتلة إلى حد ما:
1 مع الابن الوحيد لجده لأمه، أي أخي أمه، الذي انتحر
2 مع جده لأبيه الذي قُتل في الخارج
3 مع جدته لأبيه التي ماتت بالسرطان عندما كان جورج مراهقًا.
المظهر
لا يمكن نسب أي اعتقاد أو شعور أو صراع بعينه في حياة جورج بالكامل إلى المظهر، أي بالكامل إلى أيديولوجيا أو منظومة اعتقادية أو مجموعة من المثل العليا تغذيها ديانة معينة أو مجتمع معين أو نظام تعليمي معين أو ما شابه ذلك، لأن هناك دومًا، لا محالة، تفاعلًا بين المظهر والتماهيات وغيرهما من العوامل أيضًا.(3) ومع ذلك، يمكن بسهولة الإشارة إلى قدر معيّن من المظهر.
فعلى مستوى بناء هويته، يبدو جورج بوضوح نتاجًا للمثل الأمريكي النمطي لرجل صنع نفسه بنفسه، إذ يحمل الرغبة الوسواسية الكلاسيكية في ألا يتأثر بأحد، وأن يرفع نفسه من حذائه برباطه، وأن يثبت أنه رجل عبر ألا يحتاج إلى قبول المال أو الدعم من أحد، سواء من جده أو من والديه أو من صديقته، رغم أنه كان، ولا يزال حتى الآن، معتمدًا عليهم جميعًا إلى حد كبير.
أما خياله الحالي فهو أن يترك الدراسات العليا، وأن يقضي العقد التالي يقرأ ويدرس بمفرده، ثم ينشر كتابًا يقذفه إلى مرتبة النجومية الأكاديمية المتفجرة؛ وهو يقول إن ماكس فيبر فعل شيئًا من هذا القبيل، إذ عزَل نفسه لسنوات ولم ينشر كلمة واحدة حتى أصدر كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية. ومن المفترض أن تمول صديقته كل هذا الدرس المستقل بعد أن تنهي هي برنامجها الأكاديمي.
ومن تخيلاته الراسخة الأخرى الاكتفاء الذاتي، لا على نحو يطابق بالضرورة توم وباربرا غود في المسلسل البريطاني في سبعينيات القرن العشرين The Good Life، بل في مزرعة لا يعتمد فيها، حرفيًا، على أحد في أي شيء، ويمكنه أن يُجهد نفسه جسديًا إلى حد لا يعود معه قادرًا على التفكير في أي شيء على الإطلاق.
وهو ليس فقط معتمدًا على كثير من الناس، بل إنه أيضًا شديد القابلية للإيحاء بصورة لافتة. فمثلًا، أخبرته والدة صديقته، التي تؤمن بالحيوات السابقة والمقادير والشاكرات وما إلى ذلك، بكل أنواع الأشياء عنه وعن صديقته التي صدقها: أنه لن يكون قادرًا أبدًا على التعبير بوضوح، رغم أنه أكثر وضوحًا في التعبير من معظم طلبة الدراسات العليا الذين عملت معهم؛ وأنه تجسد جديد لخاله الميت؛ وأن صديقته لها مهمة لإنقاذ الكوكب؛ وأنه هو وصديقته كانا معًا في حيوات سابقة، مما يعني أنه لا ينبغي له أن يتركها أبدًا، وهكذا دواليك. ومهما بدت الأشياء التي تقولها هي وغيرُها سخيفة، فإنه يميل غالبًا إلى تصديقها.(4)
كما أن اهتمام جورج بالأصالة وبالشعبية يظل، على نحو واضح، مشروطًا ثقافيًا؛ فهو، مثلًا، نادر الوجود في الثقافة الأميشية، لكنه متفشٍّ في الثقافة الأمريكية المعاصرة حيث نجد نداءً لا ينقطع إلى الأصالة من أجل الأصالة ذاتها. وقد بلغ جورج في المرحلة الإعدادية حد أن يتصرف أحيانًا بجنون لكي يُرى بوصفه غير مألوف ومختلفًا، حتى لو لم يكن هذا الجنون يُنظر إليه من قبل أقرانه بوصفه شكلًا مرغوبًا من الأصالة. ويمكن القول بوضوح إن الأمريكيين يشبه بعضهم بعضًا إلى حد بعيد في سعيهم نفسه إلى الأصالة، وإلى أن يكونوا مختلفين، وإلى أن يكونوا أفرادًا، حتى يطابقوا المثال الأمريكي لـ«الفردية الخشنة».
وليس السبب في أن هذا النمط من التفكير غبيًّا تحديدًا هو ما يجعلني أربطه بما يسميه لاكان المظهر، لأنه ليس بالضرورة أغبى من عنوان هيلاري كلينتون الانتهازي، It Takes a Village (لتربية طفل). فنحن جميعًا نعتمد بوضوح على عدد معين من الناس ونحن ننمو، والعالم عمومًا يزداد ترابطًا واعتمادًا متبادلًا. ومع ذلك، هناك بالفعل من يبتعدون عن نوع معين من «التفكير الجمعي» - حتى لو كان ذلك، أحيانًا، فقط لكي يحظوا بقبول أفضل من الجماعة التي يحاولون أن يختلفوا عنها، كما نرى في حالة جورج.
فاهتمام الأميش، مثلًا، بألا يبرز الفرد من الجماعة قدر الإمكان، وبأن يلبس ويتكلم ويمشي ويكون شبيهًا بالآخرين إلى أبعد حد، يشكل خطابًا يروّج لمثل عليا تؤدي دورًا مهمًا في بناء هوية أطفال الأميش، سواء اتفقوا مع تلك المثل أو عارضوها. وأذكر الأميش هنا مثالًا لأنني أعيش قريبًا من عدة جماعات أميش في بنسلفانيا، وقد قرأت عنهم كثيرًا وعن طرائقهم في ما يمكن أن نسميه تلقينًا عندما يتعلق الأمر بتنشئة أطفالهم اجتماعيًا.
وقد برزت لي ظاهرة مشابهة منذ نحو 30 عامًا حين كنت أسافر خلف الستار الحديدي الذي كان لا يزال قائمًا بوضوح في رومانيا. ذهبت إلى ملهى ليلي، إن جاز أن نسميه كذلك، في بوخارست، وفي منتصف السهرة جاءتني شابة وسألتني لماذا لا أستطيع أن أرقص مثل الجميع. ولم يكن هناك فقط نمطٌ ما من الرقص مقنن إلى حد ما بين رواد ذلك الملهى، كما هو الحال غالبًا إلى درجة معينة حتى في كثير من البلدان الغربية، بل كان يزعجها بوضوح أنني لا أرقص مثل بقية الناس! أما كونني لا أستطيع ببساطة أن أكون في جسدي أو أحمله بالطريقة التي كانت هي تحمل بها جسدها فلم يخطر ببالها، على ما يبدو ...
كان أن تكون مثل الجميع على الأرجح تقنية ناجية جيدة في الثقافة الشيوعية الرومانية آنذاك، لأن كثيرين ممن تحدثت معهم هناك كانوا يخافون كثيرًا من أن يُروا وهم يتحدثون مع أجنبي واضح مثلي، ولا شك أنهم كانوا يخشون أن يُؤخذوا للاستجواب إذا رآهم أحد أو سمعهم يتحدثون معي. وفي الخاص يمكنهم أن يكونوا أقرب إلى ميلان كونديرا الشهير تشيكيًا، لكن في العلن كان الانسجام مع الجماعة أكثر أمانًا بوضوح.
وقد تبنى الأميش - وربما، إلى حد ما، مثل الشيوعيين الرومانيين - الامتثال لا لأنه يفترض أن يردع الغرور فحسب (مع أنهم يدركون بوضوح أن المرء قد يصير مغرورًا بالامتثال نفسه على نحو أفضل من الآخرين)، بل أيضًا بوصفه موقفًا مضادًا للثقافة الغربية المهيمنة التي يجدون أنفسهم محاطين بها. وبهذا المعنى، يصبح الامتثال نوعًا من الهوية السلبية.
كثير من الطلاب في المدارس الأمريكية يجدون أنه من الأسلم أن يبرزوا بأقل قدر ممكن، إذ لا يكون وعاء الانصهار غالبًا مكانًا تُقبل فيه الاختلافات وتُحتفى بها، بل مكانًا تُمحى فيه حتى يتوقع من المرء أن يعتنق الثقافة الأمريكية بالكامل. والمدارس هي، بعبارة ما، الخطوط الأمامية للاستيعاب، ولا سيما للمهاجرين الجدد. والمعايير التي يُتوقع من الطلاب والبالغين أن يمتثلوا لها قد تغيّرت بطبيعة الحال قليلًا خلال القرن الماضي، وهي معايير أكثر أو أقل تقييدًا واختناقًا بحسب سيكولوجية المرء واهتماماته ومواهبه وميوله الجنسية ودينه وما إلى ذلك. وهي تُدافع عنها بضراوة بعض عناصر الجماعة، وغالبًا ما يكونون من المختارين ذاتيًا، بينما يعارضها بقوة بعض آخر.
ولن أكون، في رأيي، قد بالغت كثيرًا إذا قلت إن طغيان العادية أو السوية ازداد، في جوانب معينة، سوءًا وسوءًا في العقود الأخيرة، بسبب اتساع إمكان استخدام الاختبارات والمقاييس لقياس ما إذا كان الناس يمتثلون للمعيار أم لا، سواء تعلق الأمر بما يسمى منحنيات السوية في الذكاء أو الغضب أو القلق أو النرجسية.
ومع ذلك، فإن كل هذه الأنظمة المعيارية (الرومانية، والأميشية القديمة، والأمريكية النمطية) متشابهة في أنها توفر مثلًا يحاول الناس أن يرقوا إليه، وفرصًا لجلد الذات عندما يعجزون عن الارتقاء إليه، كما توفر - شأن القانون نفسه - فرصًا للشعور بنشوة أو إثارة حين يتحدونه أو يخرقونه عمدًا.
وبعبارة أخرى، يعمل كل نظام من هذه الأنظمة بوصفه خطابًا، وغالبًا ما تكون مصلحتنا كبيرة في أن نتصرف وأن نتكلم كما لو أننا نؤيد تلك المعايير، كما لو أننا نرتقي إليها، حتى عندما لا نفعل. فقد نعلم تمامًا أننا لا نفعل، أو قد نخدع أنفسنا فنعتقد أننا نفعل ذلك على الأقل إلى حد ما.
وسأعرض هنا بضعة أمثلة على الكيفية التي كرّس بها جورج نفسه لإهانة المعايير التي عرضتها عليه أسرته ودينه ومجموعته الاجتماعية.
• كان جدّه ووالده يريدان له أن يدخل مجال الأعمال، وقد أقسم أن يقضي وقته في تدمير الأعمال. وجميع أفراد عائلته محافظون سياسيًا، بالمقاييس الأمريكية، أي إنهم يميلون إلى اعتناق أكثر أشكال الرأسمالية الحرة الممكنة، بينما كان جورج في بعض الفترات يصف نفسه بأنه ثوري يساري.
• كان والده يريد من أخته الكبرى ومنه أن يدرسا بجد ويقوما بواجباتهما المنزلية؛ وكانت هي تقوم بواجباتها دائمًا، الأمر الذي كان يسر والدهما كثيرًا، وكان على جورج أن يختلف عنها، وأن يشغل حيزًا مختلفًا داخل العائلة، فتعهد منذ البلوغ تقريبًا ألا يقوم بواجباته المنزلية مرة أخرى. (هي كانت تنجح لأنها كانت تعمل بجد، ولم يكن جورج يرى في ذلك أي فضيلة - لقد قرر أنه سينجح هو دون أن يعمل بجد، وظل ينظر إلى نفسه على أنه شديد الموهبة حتى عندما بدأ أداؤه الدراسي يتراجع. وكانت غايته أن يكون الأفضل في المدرسة من غير جهد، وإذا لم يكن الأفضل فلا سبب إذن لمحاولة أي شيء أصلًا.)
• لم يخطر بباله، على ما يبدو، ولو مرة واحدة، أن يكون مثليًا حتى البلوغ حين أخبرته أمه بأنه لا يمكن أن يكون مثليًا لأن ذلك خطيئة.
• قضى عدة سنوات يجري في السباقات المدرسية، وكان يستمتع بذلك حقًا لأنه كان جيدًا فيه، ثم توقف في اليوم الذي سأله فيه جده إن كان يجري نحو شيء أم يهرب من شيء. ولم يكن يعرف حقًا ما الذي قصده جده، لكنه، لأنه لم يكن يريد أن يُظن أنه يجري نحو شيء، توقف فورًا.
• كان جده يريد له أن يفعل شيئًا عمليًا، لذلك لم يشأ جورج أبدًا أن يصبح عمله عمليًا.
• كان يستمني قليلًا في مراهقته، لكن الأمر لم يتحول إلى استمناء قهري لعدة ساعات يوميًا إلا بعد أن قرأ كتابًا دينيًا تبتيًا يقول إن كل مرة تستمني فيها عليك أن تعيش مئتي حياة إضافية في حال بشرية وضيعة. وكلما بدا الأمر أكثر فظاعة وإجرامًا، ازداد رغبته في فعله. وهذا يذكّرنا بتعليقات لاكان (2006a، ص. 126) على القديس بولس (رسالة إلى الرومانيين 7:7)، حين أشار إلى أنه لولا القانون لما عرفنا الخطيئة.
إن جورج، في خبرتي، ليس استثنائيًا في رغبته في أن يفعل ويكون نقيض ما يقوله الآخرون إنه ينبغي أن يفعله ويكونه. فكثير من المرضى، والمراهقين، والأطفال، وحتى البالغين الذين عرفتهم كانوا بنفس الإصرار في تعريف أنفسهم بوصفهم ليسوا ذلك، وبوصفهم ليسوا ما يقوله لهم أصحاب السلطة من حولهم إن عليهم أن يكونوه.
إن الأيديولوجيات التي تحيط بكل واحد منا تفضي إلى تكوين ما سماه فرويد الأنا-المثالي، أي المثال الذي يفترض بالأنا أن ترتقي إليه لكي تكون محبوبة في نظرنا وفي نظر الآخرين. فنحن نوبخ أنفسنا عندما لا نرتقي إلى ذلك المثال، أو ببساطة نفشل في ملاحظة أننا لم نكن نعيش بالكامل على وفقه، فنؤوّل سلوكنا بحيث يبدو منسجمًا مع ذلك المثال حتى حين لا يكون كذلك.
لقد رفض جورج بعض المثل، ولا سيما تلك التي قدمتها له عائلته، وتبنى بوعي مثلًا أخرى، غالبًا ما تكون على النقيض التام من مثل عائلته، مثل النسوية ومناهضة العنصرية واللاعنف. غير أن ما نعرفه جيدًا هو أن التبني الواعي لشيء ما لا يساوي أن يكون المرء قد تشرّبه في أعماقه وعاشه عفويًا.
• يحب جورج أن يعتقد أنه يقوم، على حد تعبيره، بكونه «نسويًا جيدًا» عبر دعمه لتعليم صديقته، لكنه يفضّل ألا يدرك أنه يدفعها إلى الطهو والتنظيف في البيت عبر امتناعه هو نفسه عن فعل أيٍّ من الأمرين، وبذلك يجعل عليها أن تذاكر لامتحاناتها بجهد أكبر.
• يستطيع جورج أن يقول لنفسه إنه ليس عنصريًا مثل بعض أفراد عائلته، وليس متعاليًا، لكنه يقضي ساعات وهو يلعب ألعاب فيديو عنيفة يهاجم فيها بلا رحمة كائنات فضائية من ألوان وأشكال وطبقات اجتماعية مختلفة.
• يتمسك أمام نفسه بمثال اللاعنف، ومع ذلك ربما بقي مع صديقته تحديدًا لأنهما في حرب مستمرة أحدهما مع الآخر، وهو قد عرف منذ زمن كيف يؤذيها عبر أن يدعها تكتشف علاقاته عبر الإنترنت مع فتيات أخريات، أو أن يترك عن قصد و«عن طريق الخطأ» الحاسوب في البيت مفتوحًا على محادثة مع إحداهن.
• يستطيع أن يتخيل نفسه من النوع الذي يكرّس حياته لإسعاد امرأة، مع أنه يريد في الوقت نفسه أن يكون سبب تعاستها. وهو يعتقد أنه يجسد فضيلة الوفاء ببقائه مع شريكته في السراء والضراء، بينما قد يكون ما يبقيه معها في الحقيقة هو متعته بأن تُرفض منه ومتعته بخيانتها. وقد شبّه علاقتهما مرة بفيلم شاهده عن مدينة تتعرض للقصف، والناس يرفضون مغادرتها مهما ساءت الأوضاع - وكأنه كان يريد لعلاقتهما أن تكون سيئة لكي يستطيع أن يرى نفسه شهيدًا لأنه بقي معها (مخلصًا لحبه، على خلاف أمه التي ربما رآها، في السيناريو الأوديبي المعتاد، غير مخلصة له؛ انظر الفصل 9 في هذا المجلد).
• يقول أحيانًا لنفسه إنه يريد أن يصبح معلمًا لكي يدمر الرأسمالية، بينما ربما كان دافعه الأكبر أن يكون في موضع يسخر فيه من أبناء الأخوية الذين سيلتحقون بفصوله. وبذلك ينال جورج انتقامًا مُزاحًا من أقربائه.
إن الأنظمة الأيديولوجية، سواء أكانت دينية أم سياسية أم عرقية أم ثقافية، تشجع على تكوين مثال، مثال نقارن أنفسنا به باستمرار، آملين ألا نجد أنفسنا قاصرين عنه بصورة فادحة. ولكي «ننقذ حقيقة» مطابقتنا لذلك المثال، أي لكي نقنع أنفسنا بأننا نرتقي فعلًا إلى تلك المثل، فإننا نقمع دوافع أخرى داخلنا، ونتغاضى عنها، أو نطمسها، أو نعمّيها، وهي رغبات أخرى لا تنسجم مع وصف مثالي لمشاعرنا وسلوكنا.
وقد أدى هذا في حالة جورج إلى بناء هوية سلبية إلى حد كبير، وخلال الأشهر القليلة القصيرة من التحليل، بدأ يرى التناقضات بين صورته المثالية عن نفسه وبين سلوكه وأسلوب حياته. فمثلًا، هو يعيش الآن على الفوائد التي يدرها محفظة من الأسهم والسندات تركها له جده، وعلى المال الذي أعطاه له والداه، وهو يجد نفسه غير راغب في رفض قبول المال من والديه، وغير مهتم بالتنازل عن المحفظة، مما يجعله يفكر في أنه ربما أقل راديكالية مما كان يعتقد في البداية. ولكن أين يتركه ذلك إذن؟ هل يعني ذلك أنه هو بالضبط ما كان يحاول أن ينفيه، أي رأسمالي حر؟ إنه يخشى أن يكون هذا صحيحًا.
وقد بدأ يدرك أنه أقل كونه نسويًا جيدًا مما كان يعتقد في البداية - فهل يعني ذلك أنه رجل ذكوري متعصب، شوفيني؟ أم، والأسوأ من ذلك، فاشي؟ وحين تبدأ الصفة السلبية التي تبناها في إظهار الشقوق، يتساءل إن كان لا يكون ببساطة هو الشيء نفسه الذي كان قد رفضه أصلًا؛ فلا يبدو أن هناك منطقة وسطى، ولا تركيب هيغليًا بين الاثنين، ولا موضعًا ممكنًا لا يكون هذا ولا ذاك.
إن التحليل النفسي، من غير أن يتخذ موقفًا من كون مجموعة من المعايير أرقى من أخرى، ومن غير أن يتبنى النسبية الثقافية، هو واحد من الخطابات القليلة التي تؤكد أن هناك صراعًا بين المثل واللاوعي. وعلى خلاف علماء النفس المعاصرين - الذين، في خبرتي، ينصبّون أنفسهم حكامًا لما هو سوي وما هو غير سوي، ويجيبون عن أسئلة المرضى، عن طيب خاطر وبإفراط، بشأن ما إذا كان ما يفعلونه أو يشعرون به أو يتخيلونه سويًا أم لا - فإن المحللين النفسيين يتجاوزون هذا السؤال لصالح أسئلة أبعد مدى: لماذا تظن أنك تشعر بما تشعر به، بغض النظر عما إذا كان الآخرون يشعرون بالشعور نفسه في ظروف مشابهة؟ هل تفعل ما تريد أن تفعله؟ وإن لم يكن كذلك، فلم لا؟
إن نوع التساؤل والتفكيك الذي نقوم به في التحليل النفسي، فيما يتصل بالمظهر، وبالمعايير، وببناء الهوية، قد يجعل المحلَّلين يشعرون أنهم تائهون مدة طويلة، وأنهم لم يعودوا يملكون هوية، ولم يعودوا يعرفون من هم (انظر، مثلًا، Cardinal, 1983). أما أن يدركوا أنهم ليسوا من كانوا يظنون أنهم إياهم، فلا يخبرهم من هم فعلًا. فالمحللون، في سعيهم إلى الوصول إلى ما يريده المحلَّلون ويستمتعون به، يقطعون عبر المظهر، ويضعون المثل والمعايير التي يكررها المحلَّلون ويلجأون إليها موضعَ مساءلة - إذ يطرحون أسئلة مثل: «هل هذا حقًا ما يعنيه أن يكون الإنسان شخصًا صالحًا؟» «هل هذا حقًا ما يعنيه أن تكون المرأة امرأة؟» «هل هذا حقًا الشيء الوحيد الجدير بالسعي إليه في الحياة؟» «هل هذا ما تستمتع به حقًا؟»
وإذا حدث نوع من إعادة التمركز خلال التحليل النفسي بعد هذا النوع من إزالة المركز، فإن هذا لا يمكن أن يتم إلا حول ما يرغب فيه المرء فعليًا ويتمتع به، لا حول ما يعتقد أنه ينبغي أن يكونه أو يفعله أو يسعى إليه أو يستمتع به.
في بداية التحليل، يعتقد المرء غالبًا أنه يريد ويستمتع بما يعتقد أنه من الطبيعي أن يُراد ويُستمتع به، وعلى الأقل يعتقد أنه ينبغي أن يريد تلك الأشياء ويستمتع بها حتى لو لم يكن متأكدًا مما إذا كان يفعل ذلك بالفعل. وهو يعتقد أنه يعيش وفق المظهر، سواء أكان المظهر السائد أو مظهرًا تشكّل ربما في معارضة المظهر السائد. وبعبارة أخرى، يسيء التعرف إلى ما يبدو أنه يريده فعلًا (بناءً على أفعاله ونتائجها الحقيقية، لا على معتقداته الواعية بشأن سبب قيامه بها) وإلى ما يثير متعته فعلًا (بناءً على ما يقوده إلى التمتع، لا على معتقداته الواعية بشأن ما يثير متعته).
إن التحليل النفسي، في تصديه لمثل هذا سوء التعرف، لا يقول لنا، في نظري، مباشرةً الكثير عما ينبغي أن نؤمن به أخلاقيًا أو اجتماعيًا أو سياسيًا أو ثقافيًا، وما إلى ذلك، كما أنه لا يخبرنا بالمثل العليا التي ينبغي أن نتبناها بشأن سلوكنا نحن ومساعينا في الحياة، إلا بقدر ما يقول إنه حين لا تكون تلك المثل منسجمة مع رغبتنا وتمتعنا، فإن سوء التعرف والعصاب يترتبان.(5)
قُدمت هذه الورقة في دبلن، أيرلندا، في 19 سبتمبر 2009 (أي في اليوم التالي لـ«مقدمة موجزة إلى سمينار لاكان الثامن عشر: D’un discours qui ne serait pas du semblant»، المدرجة بوصفها الفصل 6 في هذا المجلد)، أمام جمعية التحليل النفسي والعلاج النفسي في أيرلندا (APPI).
ملاحظات
1 وقد شبه هذه الاستراتيجية بأغنية عن الشهرة يجد فيها ما ينسجم معه؛ والأغنية هي «Mr Jones» لفرقة Counting Crows.
2 وهذا، للأسف، ليس أمرًا غير شائع على الإطلاق، وهو جزء منه على الأقل إرثُ ممارسة الميراث التي تعود إلى نحو ألف عام والمعروفة باسم حق البكورية. وكان هذا يعكس نرجسية الجد نفسه بوضوح أيضًا.
3 بشأن المصطلح اللاكاني «semblance»، انظر الفصل 6 من هذا المجلد.
4 وربما تنشأ قابلية الإيحاء لدى العصابيين الوسواسيين كثيرًا من الشك في صدقية كل أفكارهم هم أنفسهم؛ فإذا كانوا غير متأكدين من كونهم يحبون أحدًا أو يكرهونه، ولا سيما أهم شخص في حياتهم (إذ إن الازدواجية العاطفية شائعة جدًا بينهم)، فلن يستطيعوا هم أنفسهم أن يعرفوا أي شيء آخر (انظر في هذا الصدد فرويد، 1955a)، وسيحتاجون إلى الآخرين كي يخبرونهم بما ينبغي أن يفكروا فيه.
5 قارن تعليق لاكان (2006a، ص. 779) على «تسوية الحسابات مع [رغباتنا] الخاصة».
13
رجل فرويد والفانتازيا الأساسية
إلى حدٍّ ما، لا تحتمل الفانتازيات أن تُكشف في الكلام.
— لاكان، 1992، ص 80
غالبًا ما يلفت نظر قراء لاكان منذ البداية مصطلح «الفانتازيا الأساسية»، وهو مصطلح نادرًا ما، إن لم يكن أبدًا، يُعثر عليه في أعمال التحليل النفسي الأخرى. وهذا يوحي بأن ثمّة تمييزًا ينبغي إجراؤه بين الفانتازيات اليومية وبين شيء آخر، شيء أعمق، وأشد بدئية أو أولية، وأكثر تأسيسًا لكون الذات ذاته.
وقبل أن أحاول توصيف مثل هذه الفانتازيات الأساسية، لنتأمل ما نعنيه بـ«الفانتازيات اليومية». ففي الحالة التي سأعرضها هنا، كانت الطبيعة نفسها للفانتازيات العادية موضوعًا للنقاش. ففي الأشهر الأولى من عملي مع هذا المُحلَّل بعينه، كنت أحيانًا أسأله إن كان قد رأى أحلامًا أو راودته فانتازيات، وفي مرة قال لي إنه يجد من المزعج أن أذكر مثل هذه الموجودات المختلفة جذريًا في نفس الجملة، لأنه، على حد قوله، الأحلام تأتي من الآخر، أما هو فكان يشعر أنه يملك السيطرة على فانتازياته.
وتبيّن أن ما كان يسميه فانتازيات كان، في جوهره، سيناريوهات يدور بها في ذهنه، عمدًا كما كان يشعر. كان ينتقي مشاهد جنسية مفضلة من ماضيه، ويعيد تشغيلها ذهنيًا، وربما يدفعها أحيانًا في اتجاه مفضل معيّن. وأشار إلى أنه لم يكن أبدًا يتخيل شخصًا لم تكن له معه سابقة لقاء جنسي، وأنه نادرًا ما كان يخرج في فانتازياته عن نص السيناريو الجنسي كما جرى فعليًا. ومن ثمّ، كانت الفانتازيات في نظره مختلفة بوضوح عن الأحلام، إذ كان يشعر بأن الأخيرة غريبة عليه على نحو جذري، أو آتية من الآخر. وكان يرويها لي بوصفها أشياء طرأت له فجأة، وتجارب لا يملك عليها أي سيطرة.
ومع ذلك، اتضح في أثناء التحليل أن ثمة أفكارًا معينة كانت تأتي إلى ذهن المُحلَّل كأنه يسمعها تُنطق في رأسه، لكنه كان يسميها «أفكارًا اقتحامية» لا فانتازيات. والمحللون الذين قضوا هم أنفسهم سنوات طويلة على الأريكة ربما كانوا يميلون إلى التشديد على البعد الفانتازي في كل مثل هذه الأفكار الاقتحامية تقريبًا، لكن هذا المُحلَّل كان يرى أن ثمة فرقًا حاسمًا لا بد من إقراره.
وهذا يفتح السؤال الأوسع: ماذا نعني بالفانتازيات في التحليل النفسي، وكيف قد يختلف استعمالنا للمصطلح عن استعماله في الثقافة العامة؟ يبدو أن الثقافة الشعبية تحصر استعمال كلمة فانتازيا في شيء يتخيله المرء على أنه ممتع، ولا سيما في السنوات الأخيرة، في مشهد جنسي متخيل. أما إذا وجد المرء نفسه يتخيل، أو ضبط نفسه وهو يتخيل، مشهدًا غير سار، كأن يتصور، مثلًا، أنه يقترب من شريك جنسي مرغوب، ثم في لحظة التماس يدخل طرف ثالث على المشهد فيحوّل انتباه الشريك المرغوب بعيدًا عن صاحب الفانتازيا نحو الدخيل (وهذا هو مضمون فانتازيات وأحلام عديدة وصفها المُحلَّل الذي تناقش حالته في الفصل 11 من هذا المجلد)، فإن العقل الشعبي يميل إلى تسمية ذلك بأي شيء إلا فانتازيا: كابوسًا، أو «كابوس يقظة»، أو فكرة شاذة، أو ما إلى ذلك.
فمجموعة من الصور و/أو الأفكار التي تومض في الذهن، وفيها يقتحم رجل شقتك وتجد نفسك تقاتل مع بلطجي يتبين أنه مسلح وعلى وشك قتلك، غالبًا ما يحاول الرجل العادي أن ينسى مثل هذه الظاهرة بأسرع ما يمكن، وبالتأكيد لن يعتبرها إنتاجًا «فانتازيًا». أما المحلل، فعلى العكس، فيميل إلى إبراز العناصر الفانتازية في ذلك كله، رغم النبرة غير السارة المبلّغ عنها للأحداث.
يمكننا القول إن التحليل النفسي يعرّف أي ظواهر ذهنية من هذا النوع على أنها فانتازيات، سواء كان الأثر المقترن بها سارًا أم غير سار. بل إن فرويد كثيرًا ما ينصحنا بأن نعدّ الأثر أمرًا ثانويًا: قناعًا، وطريقة لإخفاء المصلحة الحقيقية للمرء في الأحداث الجارية. وبعبارة أخرى، ليس من الضروري على الإطلاق أن يكون الشيء ممتعًا بوعي كي يُفهم على أنه فانتازيا في معجم المحلل النفسي. ويمكننا أن نخلص إلى أن الثقافة الشعبية لا تسمي «فانتازيا» إلا تلك السيناريوهات المتخيلة التي توفر تمتعًا مرتبطًا بمبدأ اللذة، بينما يسمي التحليل النفسي فانتازيا كل أنواع السيناريوهات - سمعية كانت أو شمية أو بصرية أو لمسية أو متعلقة بالفكر - سواء ارتبطت بمبدأ اللذة أو بما هو أبعد من مبدأ اللذة (فرويد، 1955ب).
التماهِي مع فرويد
دعوني الآن أقدّم هذا المُحلَّل على نحوٍ صحيح، وسأشير إليه بوصفه «رجل فرويد». ولا أفعل ذلك لأن بينه وبين سيغموند فرويد صلة عميقة على نحو خاص، بل لأن في جانب المُحلَّل عددًا من التماهيات المتخيلة مع فرويد. ففي الأسبوع الأول من تحليله، قال إنه كان يفكر في نفسه على أنه مثل فرويد، لأنه، حتى في سن مبكرة نسبيًا، كان يظن نفسه عجوزًا بالفعل، تمامًا كما يشير فرويد إلى أنه كان يشعر في عدد من كتاباته. وعندما وُلد أكبر أبناء المُحلَّل، وتبين على نحو مفاجئ أنه بنت - إذ كان مقتنعًا بأنه سيكون ولدًا - كانت أول كلمات خطرت بباله: «آنا فرويد». غير أن تماهيا أكثر أهمية يبدو أنه كان مع جدول عمل فرويد، الذي وصفه المُحلَّل بأنه كان يقتضي رؤية المرضى عشر ساعات في اليوم ثم حضور الاجتماعات والدراسة والكتابة حتى ساعات الفجر الأولى.
وقد قرأ المُحلَّل هذا الأمر في مرحلة ما من حياته البالغة، فربطه بجدول نومه المضطرب وباعتقاده أنه إذا ظل مستيقظًا في وقت متأخر من الليل فسينجز عملًا أكثر. ولم يدرك، إلا بعد خمس سنوات من التحليل، أن هذا كان وهمًا، لأنه في الواقع لم يكن في كامل يقظته في منتصف الليل، ومن ثم لم يكن يعمل بكفاءة خلال تلك الساعات. وعندها بدأ أخيرًا ينام ثماني ساعات ليلًا بانتظام، وأدرك أنه كان بنفس القدر من الإنتاجية، بل إنه صار يعمل بجودة أفضل. وخطر بباله عند تلك النقطة: «أنا لست فرويد!».
ومع ذلك، كان ثمة تماهٍ أكثر أهمية مع فرويد، قائم على مشهد طفولة سيري يتذكره فرويد (1958أ) في تفسير الأحلام:
عندما كنت في السابعة أو الثامنة من عمري، وقع مشهد منزلي آخر أستطيع أن أتذكره بوضوح شديد. ففي إحدى الأمسيات، قبل أن أخلد إلى النوم، لم أعبأ بالقواعد التي يفرضها الحياء، وقضيت حاجة الطبيعة في غرفة والديّ بينما كانا حاضرين. وفي أثناء توبيخه، أفلت من فم أبي قوله: «الولد لن يساوي شيئًا». لا بد أن هذا كان ضربة مروعة لطموحي، لأن الإشارات إلى ذلك المشهد ما تزال تتكرر باستمرار في أحلامي، وترتبط دائمًا بذكر لإنجازاتي ونجاحاتي، كأنني أريد أن أقول: «كما ترى، لقد صرت شيئًا».
(ص 216)
وانطلاقًا من هذا المقطع، كان المُحلَّل يعيد العمل على ما قاله والده عنه، وقد نُقل إليّ في البداية بصيغة: «أنت لا تُحسب»، و«لن تبلغ شيئًا أبدًا»، ثم أعاد تشكيله تدريجيًا إلى الصيغة المصيرية: «لن تنجح أبدًا في أي شيء». (لاحظ أن كلمة «coming»، الواردة في الترجمة الإنجليزية لتوبيخ والد فرويد: «الولد لن يساوي شيئًا»، قد حُذفت هنا واستُعيض عنها بـ«تنجح»؛ والصيغة بضمير الغائب صارت صيغة مخاطب؛ واستُبدلت «لا شيء» بـ«أي شيء»؛ وأُدخلت كلمة «أبدًا»).
سأعود إلى هذه الصيغة لاحقًا، لكن دعوني ألاحظ هنا أنه كما يبدو أن فرويد نفسه انطلق لإثبات خطأ والده - وكان يشعر أن ما ينجزه، مهما كثر، لا يكفي قط لإثباته على نحو قاطع لأبيه أنه صار شيئًا (انظر في هذا الصدد: Fink, 2010a) - فإن رجل فرويد يبدو أنه واجه إعلان والده في داخله بردٍّ سأستكشف منطقه لاحقًا، لكنني سأشير إلى شكله الآن: «سأنجح في كل شيء».
هذا أحد الأسباب التي دفعتني إلى الحديث عنه في هذا المؤتمر المعنون «الفانتازيا والخيال»، كما أنه يتصل بسببٍ أكثر مباشرة لفعلي ذلك، وهو أنني أعتقد أن فانتازيات أخرى تحدث عنها في أثناء تحليله - لا فانتازياته الجنسية، بل أفكاره الاقتحامية - تتيح لنا أن نقترب من ما يشير إليه لاكان بالفانتازيا الأساسية.
طفل يتعرض للاعتداء أو الإساءة
صار رجل فرويد أبًا قبل بدء التحليل بقليل، ومع أنه لم يصغ ذلك قط بوصفه أحد أسباب دخوله التحليل (وقد لاحظ، بعد سنوات، أن الأمرين تزامنا عن قرب)، فقد اتضح سريعًا أنه كان مضطربًا بسبب عدد لا يحصى من الأفكار عن إساءة معاملة الأطفال والاعتداء عليهم. وكان يشعر بغثيان يكاد يكون جسديًا إذا قرأ عن إساءة معاملة الأطفال أو رأى صورها في التلفزيون. وكان تضايقه يتفاقم أيضًا من عبارات كان يقولها في البيت، حتى من عبارة تبدو بريئة في ظاهرها، مثل أن يقول لزوجته، حين كانت ابنتهما تبكي: «اذهبي أنتِ إلى الأعلى وخذي قسطًا من الراحة، وسأذهب أنا لأنام مع ابنتنا». لقد أزعجه الاحتمال الملغوم في عبارة «أنام مع»، رغم أنه قال إنه يعلم أنه لن يفعل شيئًا جنسيًا مع ابنته.
وكان يضطرب على نحو مماثل بسبب أفكار اقتحامية عن السقوط من على الدرج وهو يحمل ابنته، وبسبب سلسلة من الأحلام كان فيها طفل يتعرض للإساءة وهو لا يفعل شيئًا حيال ذلك. وفي تلك الأحلام، لم يكن يستطيع أن يحسم هل ما يجري إساءة فعلًا أم لا، مع أنه كان يقينًا بعد الاستيقاظ أن حرق طفل بسيجارة، مثلًا، يُعد إساءة.
وكان هناك حلم آخر أزعجه إلى درجة أنه قرر في البداية، عند الاستيقاظ، ألا يخبرني به. ففي الحلم، كان يغيّر حفاظة ابنته وقطع بطنها بسكين؛ وكان يأمل ألا تلاحظ زوجته ذلك، وحين دخلت الأخيرة لم يبقَ مما سماه «العملية» سوى خط خافت على جلد ابنتهما. جعلته إساءة معاملة الأطفال يفكر في الخصاء، وذكّرته بنفوره من الختان. بل إنه ذكر في النهاية أنه كان سعيدًا لأنه لم يُرزق بولد، لأنه بذلك لم يكن مضطرًا إلى أن يقرر ما إذا كان سيختنه أم لا.
كان يمكننا، بالطبع، أن نقفز إلى الاستنتاج بأن هذا المُحلَّل ينطوي على ميول سادية جدية، وأن الأثر المزعج المقترن بأفكاره وأحلامه ليس إلا علامة على الكبت، صُمم كي يجعل تلك الميول غير قابلة للتعرّف عليه. وكان ثمة بالفعل علامات على العدوانية - تجاه إخوته - وعلى العدوانية المكبوتة في تاريخ المُحلَّل وخطابه، لكن أليست هذه الحال قائمة دائمًا؟ فمثلًا، في سن العاشرة أو الحادية عشرة، وبعد عدد من الوقائع التي «أصاب» فيها أطفالًا آخرين في المدرسة «عن طريق الخطأ»، قرر بوعي أنه بحاجة إلى «الهدوء» و«التوقف عن أن يكون متهورًا إلى هذا الحد»، كما قال، ثم تبنّى لاحقًا مبدأ ألا «يرد بالمثل» على أفعال العدوان، مهما كان شعوره بما يرغب في فعله.
لكن بدلًا من الاكتفاء بفكرة صيغية مثل «الميول السادية» وافتراض أن المُحلَّل سادي في جوهره، يبدو لي أن الفانتازيات، والأفكار الاقتحامية، والأحلام يجب أن تُفسَّر دائمًا في السياق الأوسع للبنية السريرية للمحلَّل، وفي إطار الدراما الأوديبية الأوسع كما تبلورت في حياته. وهذا لا ينفي كل سادية في حياة المُحلَّل، لكنني أعتقد أننا بحاجة إلى النظر أبعد من ذلك. فـرجل فرويد يقدم لنا أسبابًا صريحة عديدة تدفعنا إلى الالتفات إلى الدراما الأوديبية الأوسع، إذ أوضح صراحة أنه كان يحاول أن يكون أمًا أفضل لأطفاله مما كانت أمه له، وأبًا أفضل أيضًا. وبعبارة أخرى، وعلى نحو متوقع جدًا، كانت علاقته بأطفاله محددة إلى حد كبير بعلاقته بوالديه، أي بما كان يريده منهما وبما كان يعتقد أنه لم يتلقَّه منهما.
في وقت مبكر جدًا من التحليل، ذكر المُحلَّل أنه كان يشعر وكأنه «في مشكلة معك»: فقد اشتكى في أحد الأيام من أتعابي عن الجلسات، وشعر بأنك لا بد غاضب منه بسبب ذلك. وكان يحلم مرارًا بأنني غاضب منه أو أصرخ في وجهه، وأشار إلى أنه كان يشعر في طفولته أنه قد يقع في مشكلة في أي لحظة. وكان لديه دائمًا إحساس بأن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث، وأنه كان، منذ البداية أصلًا، في مشكلة.
ولو كان المُحلَّل آتيًا من أسرة شديدة الفوضى يكون فيها إساءة معاملة الأطفال سمة دائمة من سمات الحياة اليومية، لكان هذا يبدو طبيعيًا إلى حد ما، لكن بالنظر إلى الهدوء النسبي والاستقرار النسبي الذي صوّر به البيت في التحليل، لفت انتباهي أن الخوف الدائم من الوقوع في مشكلة بسبب شيء ما كان قائمًا في الواقع على رغبة أو فانتازيا بأن يغضب منه أبوه بسبب شيء ما. بل يمكننا القول إن والده، من وجهة نظر المُحلَّل، لم يكن غاضبًا منه بما يكفي أبدًا، والسؤال الذي علينا أن نطرحه هو: غاضب بما يكفي من أجل ماذا؟
يمكن النظر إلى هذا السؤال في ضوء إحدى أكبر شكاوى رجل فرويد في تحليله، وهي أنه كان يشعر أن أمه لا تحبه، أو على الأقل لا تحبه بما يكفي. وقد استشهد بعدد من الأمثلة على ما اعتبره إهمالًا من جهتها، وعدد محدود جدًا، كما يجب أن يُقال منذ البداية، وعدد من أمثلة الخيانة. ففي أحد هذه الأمثلة القليلة جدًا، وعمره نحو ثلاث سنوات، حاول أن يساعد في طلاء بيت العائلة كي يفاجئ أمه ويسعدها، لكنها حين رأت ذلك أبلغت والده، الذي صفعه بعد ذلك لأنه فعل شيئًا لم يكن ينبغي له فعله.
ووصف رجل فرويد أمه بأنها «غير موثوقة»، مستشهدًا بحادثة لم تطعمه فيها كما ينبغي لأنها رفضت أن تسمح له بالأكل قبل أن ينتهي من أعماله المنزلية في عطلة نهاية الأسبوع (متجاهلًا، بالطبع، لفترة طويلة تمامًا، احتمال أنه هو نفسه قد استفزها لأنه لم يقم بواجباته المنزلية حين كان يعلم أنه ينبغي عليه ذلك)؛ وحين فعلها أخيرًا، كان أحد الأطعمة قد التهمه إخوته، فانتقدها بمرارة وهو يبكي: «أرأيتِ ما يحدث حين لا تدعينني آكل!»(1)
وقد تضيء لنا شكاواه من أن أمه لم تحبه بما يكفي، ولم ترضعه، ولم تعتنِ به على نحو ملائم، بل خانتْه بالفعل، شيئًا من خوفه/رغبته في أن يكون في مشكلة مع أبيه. فهو لم يشعر أبدًا بأن أمه كانت تحبه بما يكفي لكي تشكل تهديدًا لأبيه، وكان يتوق إلى إشارة من أبيه تفيد بأن الابن منافس حقيقي على عاطفة أمه. فغضب الأب سيكون دليلًا على حب الأم لابنها. وبما أنه، على الأقل في المراحل الأولى من التحليل، كان يربطني بأبيه، فإن صراخي في وجهه كان سيثبت، على مستوى فانتازي، أن أمه كانت تحبه حقًا.
وقد أظهرت سلسلة من الأحداث الحرجة كيف تجسدت هذه الحساسية الخاصة بعدم نيل الحب الكافي في تاريخ المُحلَّل. ففي سن الثانية، كان المُحلَّل في بيت جده لأمه ولاحظ أن جده يتناول حبوبًا، لعلها كانت لمرض في القلب. وفي وقت ما دخل المُحلَّل المطبخ والتقط بعض حبوب الجد وابتلعها. ورآه أحد إخوته، فأخبر الوالدين، فسارعت الأم به إلى المستشفى لتُفرغ معدته. وبدلًا من أن نثقل على المُحلَّل بفكرة ما من المازوخية الأولية (إذ كان بوسعنا القول بسهولة إنه كان يحاول إيذاء جده بأخذ دوائه)، أرى أننا نستطيع على نحو أكثر معقولية أن نفترض أن الحادثة تُظهر تماهيا مع والد أمِّه المحبوب.(2)
غير أن حادثة لاحقة هي التي تكشف بوضوح أكبر الدينامية العاملة في علاقته بأمه. ففي إحدى الليالي دخل المُحلَّل حمّام الوالدين في البيت، وصعد إلى المغسلة، وفتح «الخزانة» الطبية، كما يسميها بعضنا بالإنجليزية (وكان هذا على الأرجح مرتبطًا بالصدر وبشكواه من أن أمه لم ترضعه)، وبدأ يبتلع شراب السعال المحتوي على الكوديين وعددًا من الحبوب المختلفة. وأخيرًا دخلت أمه وسألته إن كان قد أخذها، فأجاب: «لا، أظنك تريدين أن أذهب إلى المستشفى مرة أخرى لتفريغ معدتي؟». وفي سرده للحادثة، أوضح المُحلَّل أنه كان يتوقع تمامًا أن يذهب إلى المستشفى مرة أخرى لتفريغ معدته حين بدأ يتناول الأدوية، ومن ثم كان يفعل ذلك بوصفه إيماءة صُممت لإحداث أثر معين في أمه.
أي أثر؟ لقد استنتج من الحادثة الأولى أنه فعل شيئًا خطيرًا جدًا جعل أمه قلقة حتى المرض. وكانت إعادة هذا الوضع الخطير عمدًا تهدف، بوضوح، إلى إثارة قلق أمه والحصول على دليل منها على حبها له. وتُظهر هذه الحادثة على نحو حسن السؤال الذي يطرحه الطفل على نفسه في العملية المنطقية التي يسميها لاكان (2006أ) الفصل: «Peut-il me perdre?» (ص 844) - وهي تُترجم حرفيًا: «هل يستطيع أن يفقدني؟»، لكن ربما يكون من الأفضل ترجمتها: «هل تستطيع أن تحتمل خسارتي؟ هل هي مستعدة لأن تفقدني؟ هل هي مستعدة لأن تتخلى عني؟ هل تحتمل أن تتركني أذهب؟». وكل هذه الصيغ مرتبطة بسؤال الطفل عن قيمته في عين أمه أو قلبها، بحسب الحال.(3)
وعندما رُويت هاتان الحادثتان المتعلقتان بتناول الحبوب أول مرة في التحليل، وصّفهما المُحلَّل على أنهما مثالان على إهمال أمه، وقال: «من الذي يترك طفلًا في الثانية من عمره يدخل الحمام من دون إشراف؟». لكنني أرى بوضوح، في السياق الأوسع للدينامية الأوديبية العاملة في هذه الحالة، أن هذين الفعلين - ولا سيما الثاني - كانا مصممين لجذب انتباه الأم وربما لتغيير موقفها من طفلها على نحو أكثر ثباتًا. ففي النهاية، نصل عمومًا إلى إدراك أن شيئًا ما ذو أهمية حاسمة بالنسبة إلينا عندما نكون على وشك فقدانه (أو أن نُجبر على التخلي عنه؛ انظر لاكان، 2004، ص 377)؛ فكثيرًا ما نحتاج إلى أن نُواجه باحتمال فقدان الشيء لكي ندرك أنه بالنسبة إلينا موضوع a، سبب لرغبتنا. وتدل الجدية التي طرح بها المُحلَّل السؤال: «هل هي مستعدة لأن تفقدني؟» على ملاحظة قالتها أمه للعائلة في يوم بلغ فيه الصبي الثالثة من عمره: لقد لم تكن متأكدة، لبعض الوقت آنذاك، ما إذا كان سيبلغ عيد ميلاده الثالث أصلًا.
ولم تكن كل تقنيات الطفل الصغير لكسب عاطفة أمه بهذه الدرجة من الدرامية. فقد تذكّر رجل فرويد أنه كان يستلقي على الأريكة في غرفة المعيشة أمام أمه ويقوم بحركة «الاحتكاك» بوسائد الأريكة على نحو استمنائي، ووصف ذلك بأنه محاولة لجعلها تشاركه تمتعه. لكنه لم ينجح في ذلك، إذ رفضت هذه المحاولة الإغوائية وقالت: «لا تفعل ذلك، ستصاب بطفح جلدي»، وهو تعليق كان قد عدّه في ذلك الوقت أيضًا بلا معنى. وفي مشهد ربما أقدم من ذلك، يبدو أنه كان يستمني في غرفة مظلمة قرب غرفة والديه، وتخيّل أن أحدًا ما، ربما أمه، كان يقف في الممر وينظر إلى الداخل (وقد ذكر مرة أنه ربما لم يكن يستمني أصلًا، بل كان يوقع نفسه في مشكلة بطريقة ما؛ ربما كان يتنصت على والديه في غرفة النوم أو يخرج إلى الحمام). وإذا كانت موجودة بالفعل في الممر، فإنه لم ينجح في جعلها تدخل وتُظهر أنها تتمتع بتمتعه.
والآن، بعد أن أوضحتُ بعض السياق الأوسع، تلقي هذه الحوادث ضوءًا على عدد من فانتازياته المتعلقة بالاعتداء على الأطفال، بدءًا من الصيغة العجيبة التي استعملها ليبيّن أنه يريد أن يكون أبًا أفضل مما كانت أمه عليه: «أريد أن أحب ابنتي بالطريقة التي لم تحبني بها أمي».(4) وبما أن أمه فشلت في إغوائه أو في الاستسلام لمحاولاته في الإغواء، فالأرجح أنه هو الذي أتى بالإغواء في فانتازياته عن الاعتداء على الأطفال: فقد لعب هو نفسه دور أمه وهي تستجيب لإغواء طفل («سأذهب لأنام مع ابنتنا»)، بينما لعبت ابنته دور المُحلَّل وهو طفل صغير. أو، بديلًا عن ذلك، هو نفسه قدّم الدليل على أن مثل هذا الإغواء قد حدث في فانتازياته عن الاعتداء على الأطفال، إذ لعب دور أب يعاقب طفلًا (تأمل أفكاره عن حرق طفل بسيجارة أو شق طفل بسكين)؛ وكانت ابنته تحل محل المُحلَّل وهو طفل صغير نجح في إغواء الأم (فالنجاح هنا يساوي الإغواء) وكان لا بد من معاقبته على ذلك.
وفي أحد الأحلام - علّق عليه رجل فرويد بأنه كان فيه في الوقت نفسه مراقبًا وفي المشهد ذاته - كان هو طفلًا رضيعًا ممددًا على طاولة وكانت أمه تحاول أن تمارس الجنس معه. كانا كلاهما عاريين وكانت هي تملك قضيبًا؛ وفي دوره كمراقب، خطر له: «هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا»، ثم انقلب المشهد: فقدت هي قضيبها وصار هو يملكه. غير أن امتلاك القضيب كان مزعجًا له. وكان رجل آخر واقفًا بالقرب يراقب كل ذلك، ورأى أنه ربما كان أباه.
وبعيدًا عن سؤال من كان يملك القضيب - وهو سؤال يفتح بدوره مسألة ما يسمى بـالفالوس الأمومي(5)، ومسألة التموضع الجنسي للذات، وهي مسألة تحتاج إلى مناقشة تفصيلية مستقلة - فإن الدينامية الأوديبية تبدو مكشوفة على نحو واضح إلى حد معقول في هذا الحلم، بما في ذلك الأب بوصفه مراقبًا للمشهد، القادر على أن يشهد عليه، وتماهِي المُحلَّل مع الأب في موضع الطرف الثالث المراقب.
«آه، أن يُحبَّ المرء من أمه تحت أنف أبيه مباشرة!» - ألا يبدو هذا هو الأكثر بدائية في فانتازيات الصبي الأساسية؟ وبمصطلحات لاكان (2001أ)، يبدو هذا مؤكِّدًا لتشخيص الوسواس - الذي توحي به سمات أخرى كثيرة في خطاب المُحلَّل ومشهد حياته اليومية - حيث يضع المُحلَّل الوسواسي نفسه وأمه في «ألعاب سيرك» بينه وبينها (a وa′) ليشاهدها الأب (الآخر) (لاكان، 2006أ، ص 630؛ انظر أيضًا: Fink, 2004a، ص 24-29). وهذا النوع من صياغة السيناريو الأوديبـي في الوسواس - بحيث تُوضَع الذات والمحلَّل وأمه، بوصفهما أناين، على المحور التخيلي، ويُوضَع الأب على المحور الرمزي، بينما تُماهى الذات اللاواعية مع الأب في ذلك الموضع - نجده في الدرسين الرابع والثامن، وكذلك في نهاية «توجيه العلاج»، حيث يتحدث لاكان عن أحد مرضاه الوسواسيين.(6)
لكن ما الذي ينبغي أن نسميه، بالضبط، الفانتازيا الأساسية في حالة رجل فرويد؟ أهي فانتازيا طفل يتعرض للاعتداء أو التحرش؟ أم هي الرغبة المعروضة في الحلم؟ أم الجزء الذي لم يُعرض قط، ولم يُحلم به قط، ولم يُتذكر بوعي قط؟ في مقالته «طفل يتعرض للضرب»، يقسم فرويد (1955د) الفانتازيات التي يناقشها إلى ثلاث مراحل، مقترحًا أن المرحلة الثانية، التي نادرًا ما تُتذكر، هي المرحلة الأكثر «حسمًا»، رغم أنها ليست إلا «بناءً تحليليًا» (ص 185). وفي ما يسميه «الفانتازيا الذكورية» - وهي أقل شهرة بكثير من المراحل الثلاث لـ«الفانتازيا الأنثوية» التي يفصلها في وقت سابق من المقال - يكون الضرب...(7)
... 40 tokens truncated ...
يمكننا أن نرى في فانتازيا المواجهة حلًا تسوويًا لمأزق المُحلَّل، حلًا كان فيه يعتقد أن أمه تعتبره موهوبًا وتتوقع منه أمورًا عظيمة، بينما كان أبوه يراه «أحمق» - وقد قال الأب ذلك مرة واحدة حين كان المُحلَّل صغيرًا جدًا - ويتوقع منه الفشل وحده. وبأن لا يُنهي دراسته أبدًا، استطاع رجل فرويد أن يحافظ على مظهر أنه باحث ذو إمكانات كبيرة، ومع ذلك يمكنه في النهاية ألا يساوي شيئًا، وبذلك يُرضي رغبات والديه المتعارضة كما فهمها هو.
وكان في هذا الحل فائدة إضافية، هي أنه يحافظ إلى الأبد على رغبته ضمن استحالة تمنعه من أن يواجه تحقق ما عمل طويلًا كي يبلغه، وهي حالة تؤدي كثيرًا إلى الاكتئاب لدى الوسواسيين، بسبب ما يمكن أن نسميه «انكماشًا» للرغبة. فإذا ما حقق الوسواسي أحيانًا ما يريد - صدفة أو من غير خطأ منه - فقدت رغبته بريقها وهدد ذلك باندثاره بوصفه ذاتًا. وكانت وضعية المواجهة أو حالة التعليق تضمن ألا يحدث هذا. وكما قال المُحلَّل نفسه في لحظة ما، عندما كان يعمل بجد على أطروحته: «أنا في خطر أن أنهي رسالتي». وهنا، حيث كانت رغبته على وشك أن تضعف، وعلى وشك أن تخبو، جاءت الفانتازيا الأساسية لتبقيها حيّة؛ وهذه هي وظيفة الفانتازيا الأساسية، كما يصوغها لاكان (1966-67).
سوء التعرّف
لدينا جميعًا ميل إلى إساءة التعرف إلى موقعنا الذاتي، وكان هذا المُحلَّل يبدو مفضلًا له أن يفكر في نفسه على أنه هستيري لا وسواسيًا.(15) ففي أحد الأيام، وأثناء حديثه عن نوع النساء اللواتي كان يرتبط بهن، وكان يريد أن يثبت موقفًا هستيريًا، كما كان يفهمه، على النحو التالي: «أريد أن أرغب فيهن، لا أريد أن أُرضى بهن»، انزلقت منه العبارة وقال: «أريد أن أُرضى بهن، لا أريد أن أرغب فيهن». لقد كان يقصد التأكيد على عدم اكتراثه بالإشباع، محتجًا بأنه يفضّل أن يواصل الرغبة بوصفه هستيريًا، لكنه انتهى من غير قصد إلى القول إنه راضٍ تمامًا عن الإشباع الذي يحصل عليه من علاقاته الجنسية مع النساء، ما دام لا يضطر إلى الرغبة فيهن. أما الرغبة فيهن فكانت هي الخطر الحقيقي.
وفي بداية الجلسة التالية حاول أن يكرر إما العبارة التي كان يقصدها في المرة السابقة أو العبارة التي خرجت منه دون قصد، لكنه تعثر مرة أخرى، وقال هذه المرة: «أريد أن أُرضيهن». وإرضاء شخص ما هو، بالطبع، إحدى الطرق التي يوقف بها الوسواسي الآخر عن إظهار أي علامة على الرغبة، لأن رغبة الآخر هي التي تهدد بإقصاء رغبته هو. ولا بد لرغبته أن تبقى خارج اللعبة، وأن تظل محفوظة لشيء أسمى.
إعادة تشكيل الفانتازيا الأساسية
ما يسميه لاكان عبور الفانتازيا الأساسية أو اجتيازها يفترض تحولًا في موقع الذات، وهو تحول يشير إليه أحيانًا بوصفه «إعادة تشكيل» (1966-67). ويميل لاكان في بعض الأحيان إلى الإيحاء بأن هذه الإعادة للتشكيل تقع دفعة واحدة في لحظة مفاجئة من bascule، أي الانقلاب أو الانتقال. لكن هذا، ربما، ليس هو الحال الأعمّ، ويبدو لي أن تشكيلات وسيطة تظهر كثيرًا في الطريق، تشكيلات قد تميل في كثير من الحالات إلى دفع المُحلَّل إلى مغادرة التحليل نفسه، إما قانعًا بما أحرزه من تقدم جزئي، وإما منزعجًا من السمات الخاصة بالمرحلة الوسيطة.
في حالة رجل فرويد، أرى أنه بحلول الوقت الذي برزت فيه فانتازيا المواجهة أو الجمود بعد أربع سنوات ونصف من التحليل، كانت قد بدأت بالفعل تتراجع: لم تعد بعد الآن المبدأ البديهي لوجوده. وبعد أن ناقشها في عدد من الجلسات بقليل، روى المُحلَّل حلمًا خرج فيه في موعد مع أمه. فقد ركب معها عربة وذهبا إلى مطعم؛ ثم ذهبا لاحقًا إلى متجر للهدايا وراحا يتصفحان المعروضات المعروضة للبيع.
وقبل ذلك الوقت كانت انجذابه إلى امرأة يمثل مشكلة دائمًا، وكان يشعر بعدم ارتياح شديد قرب امرأة تنظر إليه أو توليه انتباهها. أما في هذا الحلم، فكان مرتاحًا مع أمه للمرة الأولى، قادرًا على احتمال نظرتها، من دون أن يشعر بأنه غمرته أو خنقته حضورهَا، ولا بالقلق من رحيلها عنه أو رفضها له.
وقد أشار هذا الحلم إلى تطور محتمل كان المُحلَّل يتحرك نحوه، أي إلى انتقال نحو شيء آخر غير مجرد الجمود المتقابل. وثمة أمر يستحق التنبيه هنا على وجه الخصوص، وهو ما قاله المُحلَّل عن التصفح العابر للمعروضات، إذ كان ذلك بالنسبة إليه تجربة مريحة جدًا، ربطها حتى بالاستمناء في إحدى المرات. وبينما كانت نظرة الأم في فانتازيا المواجهة مركزية ومهدِّدة، بدا هنا أن نظرته هو هي التي تتقدم إلى المقدمة: نظرته إلى الأشياء في متجر الهدايا.
لاحظ أنه عندما يشير لاكان إلى عبور الفانتازيا في حالة العصاب، فإن الذات العصابية، في نظره، تتوقف عن شغل موقع الذات المنقسمة وتأتي إلى شغل موقع سبب رغبتها هي. وبما أنه بدا أن النظرة هي ما كان موضع السؤال بالنسبة إلى هذا المُحلَّل، إذ كانت بمثابة سبب رغبته، فإن استيعابه للنظرة - أي مجيئه إلى موضع النظرة - يوحي بتقدم ممكن في اتجاه عبور الفانتازيا. أما ما الذي ستبدو عليه فانتازياه الجديدة المعاد تشكيلها في نهاية المطاف، فلا أستطيع، بالطبع، أن أتنبأ به مسبقًا.
وهنا سأكتفي بتلخيص تخطيطي شديد وافتراضي للمراحل أو الأطوار المختلفة التي قد نميزها في تطور فانتازيا رجل فرويد:
1 الإغواء. الفانتازيا هنا هي أن ذلك قد حدث: لقد أغوى أمه، أو أغوته هي، وهو في مشكلة مع أبيه (ومع صور الأب الأخرى) لأنه فعل ذلك.
2 المواجهة. هو (ربما؟) يريد أن يغويها (أو يعتدي عليها) وهي تريد أن تغويه (أو تعتدي عليه)، لكن ثمة عائقًا و/أو لا يستطيع أن يتحمل حسم من الذي يرغب في ماذا.
3 التعايش الهادئ. في حلم العربة، يكون هو وأمه مرتاحين معًا، ولا يبدو أن أيًا منهما يسعى إلى انتزاع شيء بعينه من الآخر غير متاح أصلًا بالفعل (فلا توجد، مثلًا، حرمانات - مثلًا، لا نقص في القوت في المطعم).
خاتمة
إن تقديم حالة سريرية بوصفها توضيحًا لمادة نظرية هو دائمًا أمر محفوف ببعض المخاطرة، لأن المرء يسلّم المادة إلى أجندة محددة سلفًا إلى حد ما، ويختار بالضرورة ما يدعم حجته على أفضل وجه. وبعبارة أخرى، يضع المرء جانبًا معظم، إن لم يكن كل، تصريحات المُحلَّل التي قد تناقض أطروحته - وتلك التصريحات كثيرة في كل حالة تقريبًا، بحكم طبيعة اللاوعي نفسها وبحكم العملية الجدلية للتحليل. فضلًا عن ذلك، تكون المادة عصيّة على الضبط، وتتيح دومًا لمحات عن أشياء تتجاوز بكثير ما يمكن للمرء قوله عنها، وقد تناقض استنتاجاته على نحو محتمل.
لكنني لا أرى في هذا عيبًا، بل ينبغي اعتباره ميزة للتفكير. ففي أفضل الحالات، نقدّم من كلام المُحلَّل الفعلي ما يكفي لكي يرى القراء في المادة السريرية أكثر مما رأيناه نحن أنفسنا، وأكثر مما استطعنا صياغته باستخدام الفئات المفهومية - والقيود - المتاحة لنا. لقد غذّت دراسات فرويد السريرية عقودًا من الجدل، الذي كان كثيرًا ما يتسم بالكره والحدة، وذلك جزئيًا على الأقل بسبب أمر إيجابي يمكن قوله عنها: لقد قدّم من المادة التي صاغها مرضاه ما يكفي كي يتمكن قراؤه من تأويلها من جديد في ضوء مختلف تمامًا عن ذلك الذي ألقاه فرويد نفسه عليها. وفيما يتعلق بحالة مثل حالة دورا (فرويد، 1953)، مثلًا، يمكننا أن نقول إن لا شيء ينجح مثل الفشل: فليس هناك إلا حالات قليلة في corpus فرويد التي أُريق حولها حبرٌ أكثر من غيرها على يد القراء اللاحقين!
ولا يسعني إلا أن آمل أن ثراء المادة التي عرضتها في هذا المقال يبعث في القراء وقفة تأمل، حتى وإن خالفوا بشدة تكهّناتي بشأن معناها وأهميتها.
وثمة الكثير هنا مما لا يزال بحاجة إلى مزيد من التطوير والصياغة. ويمكن للفهم نفسه لفانتازيات الضرب أو الاعتداء أن يُطبّق على نحو مثمر على فانتازيات الافتراس - أي الفانتازيات التي تفترض أن أحد الوالدين و/أو الشريك يريد أن يلتهم المرء، وهو خوف/رغبة شائعان على نحو خاص بين الرجال. ويشير فرويد (1964، ص 81-82) إلى أن الحب، في بدايات الحياة، لا يختلف كثيرًا عن الرغبة في إدخال ذلك الشخص أو الشيء إلى داخل المرء، أي استيعابه أو أكله. ومن ثم فقد تنبع فانتازيات وأفكار الافتراس من رغبة في الحصول على دليل على أن الأم تحب طفلها أكثر من أي أحد آخر في البيت. وينطبق الأمر نفسه على مخاوف وفانتازيات الهيمنة (بصورها المختلفة).
هل يمكن لتأويل لرغبة الآخر لا ينطلق من شعور بالإهمال، بل من إحساس بأن المرء محبوب أكثر من اللازم، أن يولّد إنتاجًا فانتازيًا يتشكل على خطوط مشابهة إلى حد ما لما رأيناه في حالة رجل فرويد؟ فمع أن فرويد يلمح إلى أن توق الأطفال إلى الحب لا يُشبع، إلا أن من الواضح أن ثمة أطفالًا يشعرون بأن والديهم يخنقونهم برعايتهم. فإذا شعر المرء أن رعاية أحد الوالدين تخنقه، فقد يكون من المعقول أن يفسر رغبة الآخر، على نحو تمنٍّ، بوصفها رغبة في شخص أو شيء يتجاوز الذات، وقد تكفي أدنى الإشارات لتأكيد هذا التفسير. وقد يشعر المرء بالحاجة إلى أن يحس بأن الآخر (الوالد أو الشريك) يرغب في مكان آخر، وأن يستفز تلك الرغبة في الآخر عندما لا تكون ظاهرة بسهولة أو لا تنبثق تلقائيًا. ومن هنا ربما تكون محاولة الهستيري إبراز ولو مجرد شبهة ضئيلة لرغبة في شخص آخر (مثل «المرأة الأخرى») من جهة الشريك، في مسعى لإقناع نفسها بأنه يرغب في شيء خارجها. (وقد يؤدي ذلك إلى حساسية حادة تجاه نظراته العابرة إلى المارة، التي تُستخدم بوصفها تأكيدًا، وإن كانت قد تُشتكى منها بمرارة، ربما جزئيًا لجعلها تبدو أمرًا كبيرًا بقدر الإمكان). ومن هنا أيضًا، ربما، منشأ بعض الفانتازيات الهستيرية، مثل الفانتازيا التي تكون فيها المرأة جزءًا من حريم رجل، واحدة من بين نساء كثيرات يرغب فيهن.
فانتازيا هستيرية محتملة
0 رعاية أمي و/أو اهتمامها يخنقانني(16)
1 لا بد أن أمي تحب/ترغب في آخر غيري (حتى أتنفس بحرية وأحصل على بعض المساحة الخاصة بي)
2 لا بد أن أبي يحب/يرغب في آخر غيري
3 لا بد أن رجلًا يحب/يرغب في آخر غيري (فأتماهى بعدئذٍ مع ذلك الآخر الذي يبدو لي أنه موضع رغبة)
مهما تكن مزايا هذه الصياغة الافتراضية أو عيوبها، أرى أن كثيرًا جدًا لا يزال بحاجة إلى مزيد من الإيضاح هنا.
وأرجو أن أكون قد أوضحت، على الأقل، أن فانتازيات الاعتداء على الأطفال التي رواها رجل فرويد لم تكن سادية على نحو مباشر، ولا قابلة للتحليل بالطريقة نفسها تمامًا التي يناقش بها فرويد الفانتازيا في مقالته «طفل يتعرض للضرب». أيا كان تنظيمها، تبقى الحقيقة أنها كانت توجهنا نحو فانتازيا أساسية محتملة، حتى وإن ظل بعض عدم اليقين قائمًا بشأن أي مرحلة من الفانتازيا ينبغي اعتبارها الأكثر أساسية، أو ما إذا كانت، في الواقع، المراحل الثلاث أو أكثر مجتمعة هي التي ينبغي اعتبارها أساسية. بل إن فكرة فانتازيا أساسية (وبالمعنى الجوهري: أساسية) ينبغي، ربما، أن تُوضع هي نفسها موضع تساؤل، بالنظر إلى التحولات التي تخضع لها الفانتازيات في أثناء التحليل، وبالنظر أيضًا إلى مدى أن المُحلَّل لا يستطيع في كثير من الأحيان أن يبرز تشكيلًا بعينه ويصوغه إلا بعد أن يكون قد بدأ بالفعل في التغير.
وقد قُدمت هذه المداخلة - عن حالة كانت، في ذلك الوقت، لا تزال جارية - في 14 فبراير 2002، في مؤتمر عن «الفانتازيا والخيال» نظمته كلية علم النفس في الجامعة الكاثوليكية في لوفان، بدعوة من بول مويايرت وفيليب فان أونتي.
ملاحظات
1 واتهمها أيضًا بعدم الموثوقية بسبب الطريقة التي علّمته بها الأبجدية، إذ بدأت بالحرف a، وقالت له إنه يمكن نطقه بطريقتين مختلفتين (ahh وehh)، من دون أن تضع له قاعدة تشرح كيف ينبغي نطقه في كل مناسبة. وقد بدا له هذا منذ اللحظة الأولى أمرًا إشكاليًا، ومن وجهة نظره صبغَ علاقته كلها باللغة - بلغته الأم واللغات الأجنبية على السواء.
2 وقد يشير ذلك، على نحو أعمق، إلى فهم ناشئ للمعنى المجازي في الإنجليزية لعبارة «having heart problems» - أي أن تكون لديك متاعب في مسائل الحب.
3 انظر مناقشتي لأهمية هذا السؤال في الفصل 10 من المجلد الأول من هذا الكتاب.
4 تحمل هذه الصيغة غموضًا نحويًا غنيًا، إذ توحي - على الأقل في مستوى ما - بالنقيض التام لما كان يصرّح به ظاهرًا، أي إنه، مثل أمه التي فشلت في حبه، سيفشل هو أيضًا في حب طفله.
5 عن «الفالوس الأمومي»، انظر Fink (2004a، ص 33-36).
6 لمناقشة أكثر تفصيلًا لهذه النقطة، انظر الفصل 3، «الفانتازيات والفانتازيا الأساسية»، في هذا المجلد، ولا سيما الشكل 3.2.
7 يتضمن الحلم مادة ثرية أخرى لا أتوقف عندها هنا - مثل انتقال القضيب من الأم إلى الطفل، وما فيه من حرج، والفكرة: «هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا»، وما إلى ذلك.
8 قد نميل إلى الاعتقاد بأن الرغبة التي كانت تتكرر في حياة المُحلَّل البالغة مرارًا وتكرارًا - ولم أكن قد عرضتها هنا بعد - هي في جوهرها ذات الرغبة الأوديبية القديمة نفسها، لكنها خضعت فقط لسلسلة من الإحباطات اللاحقة. ومع ذلك، يمكن القول بدلًا من ذلك إن الفانتازيا الأساسية لم تكن هذه الرغبة الأوديبية الأولية نفسها، بل حلًا للمشكلة التي طرحتها هذه الرغبة الأوديبية الأولية.
9 شعر المُحلَّل لاحقًا بأن هذا الامتناع كان مسؤولًا، على الأقل جزئيًا، عن نفور أبيه الظاهر منه. كما شعر بأنه يفسر إحساسه بأنه ينبغي أن تكون له علاقة شبه حصرية بأمه، التي كانت تتطلع إليه بوصفه مصدرًا لبعض الإشباعات التي لم تكن تحصل عليها من الأب.
10 ثمة التباس محتمل هنا، بالإنجليزية كما بالفرنسية، يدور حول ما إذا كان الآخر يريد أن يخصي الذات (بغض النظر عن من يكون فاعل الخصاء، الآخر نفسه أو أي وكيل يعمل لصالحه) أم أنه يريد، على نحو ما، أن ينقل إليه الخصاء الذي تكون الذات قد خضعت له بالفعل - أي أن يتخلى له عن نوع من الخسارة أو الاغتراب أو الحرمان أو القيمة السلبية من أي نوع.
11 يمكننا عرض صيغ النفي الكلاسيكية الممكنة على مربع أبوليوس على النحو الآتي:
12 أن يكون أبًا جيدًا كان يعني أن يخلف أباه، بمعنى آخر من معنى النجاح: أي أن يأتي بعده، وأن يكون الأب التالي في السلسلة.
قد نربط موقفه السابق - أي اعتقاده أنه قادر على النجاح في كل شيء - بما يسميه لاكان «الأنا القوية» لدى العصابي في «توجيه العلاج»، وهو موقف يفترض إنكار الخصاء. ويشير لاكان إلى أنه في العصاب توضع ناقص فاي تحت الذات لا تحت الموضوع، كما هو الحال في الانحراف.
في فانتازيا العصابي، وعلى نحو أكثر تحديدًا في الشكل «المتدهور» من الفانتازيا حيث يُختزل الموضوع الصغير a إلى طلب الآخر (حيث نحصل على ◊D بدلًا من ◊a)، يُنكر الخصاء في صورة محدودية الذات. ويمكننا حتى أن نقول إنه حين يُنكر الخصاء على هذا النحو، فكأن الذات ليست محجوبة، وكأنها كلها أنا. وبالمثل، في الانحراف، حين يُنكر خصاء الموضوع، يُنظر إلى الموضوع - كالأم مثلًا - على أنه غير محجوب بل كامل، أي بوصفه مالكًا لفالوس («الفالوس الأمومي»).
ويمكن ربما أن نرى هذا، لبعض الوقت، في حالة مُحلَّلي، في استمرار الاعتقاد بأنه قادر على النجاح في أي شيء على الإطلاق، إذا قرر فقط أن هذا ما يريد فعله: فحدّه كان حدًا زمنيًا لا حدًّا في القدرة؛ وبعبارة أخرى، استمر لبعض الوقت في النظر إلى نفسه على أنه موهوب ومتفوّق على نحو خاص في كل مجال من المجالات.
13 ولهذا سميت وظيفة النجاح S؛ لأن S(x) = sex.
14 قد تكون عبارات الأب الانتقاصية من قدرات ابنه قد عكست، بطبيعة الحال، ما كان يعتقده هو نفسه (على نحو شبه سري) عن قدراته هو.
15 ثمة دائمًا، بالطبع، عناصر تدفع إلى التفكير في الهستيريا في حالة وسواس، والعكس بالعكس، لكن الصورة السريرية العامة - ولا سيما الفانتازيا الأساسية - توحي عادة بأحدهما أكثر من الآخر. ويمكننا هنا أن نرى أن رغبة رجل فرويد في أن يكون موضوعًا حاسمًا لأمه وضعته في موقع هستيري، خصوصًا إذا أضفنا إلى ذلك رغبته في أن تنظر إليه امرأة. ومع ذلك، يبقى هناك قدر من عدم اليقين، في رأيي، بشأن ما إذا كانت نظرتها هي التي كانت تولّد رغبته (الأمر الذي كان سيضعه بوصفه الذات الراغبة ويضعها بوصفها تجسيدًا للموضوع a)، أم أنه كان يرغب في أن يكون هو الموضوع الذي يولّد رغبتها. وكما سنرى بعد قليل، ليس واضحًا تمامًا أنه كان يريد إثارة رغبة المرأة، وربما كان يفضّل بدلًا من ذلك رعايتها المحبة على مظاهر الرغبة.
16 هنا ربما تتخذ رعاية الأم و/أو اهتمامها شكل القلق في المقام الأول.
14
ملامح الصدمة
غالبًا ما تكتسب واقعة ما قيمة الصدمة أو صفتها على خلفية معينة، أي في سياق حياتي محدد. والقضية التي سأعرضها اليوم تثير عددًا من الأسئلة حول الصدمة، لكنني سأبدأ بعرض الخلفية التي وقعت عليها بعض الأحداث التي يصح، على الأرجح، وصفها بأنها صدمية.
القضية هي قضية شاب جاءني أول مرة بسبب الضيق الذي كان يعانيه المتصل بميله الجنسي والصعوبات التي كان يواجهها في إنجاز أعماله الدراسية. وعلى الرغم من أنه كان في أوائل العشرينات، فإن بَاتريك، كما سأشير إليه هنا باسم مستعار، لم يكن قد أنهى بعد درجة البكالوريوس، وكان قد بدّل المدارس أكثر من مرة، وتراكمت عليه مواد غير مكتملة كثيرة، وكان يشعر بأنه لا يملك اتجاهًا واضحًا في الحياة. ولم تكن له معرفة تُذكر بالتحليل النفسي، ولا عن لاكان من باب أولى، وقد سمع عني عبر بعض زملائه في الدراسة. ولم تكن مراجعته لي أول تجربة له في العلاج، إذ كان قد ذهب قبل سنوات إلى معالجة هاجم معها على مدى نحو ستة أشهر بشدة نشأته الكاثوليكية وتعليمه في مدرسة كاثوليكية. وعند تلك النقطة، أخبرته المعالجة بأنها كاثوليكية، فشعر بقدر من الذنب جعله لا يعود إليها أبدًا، وهو مثال غير نادر على الكيفية التي يعطّل بها بعض المعالجين النفسيين المعاصرين عملهم مع المرضى، لأنهم لا يستطيعون أو لا يريدون إبقاء خلفياتهم الشخصية وطباعهم خارج العلاج.
استمر عملنا معًا نحو سبع سنوات في المجموع، لكن تكرار الجلسات لم يزد قط على جلستين في الأسبوع، وكان غالبًا جلسة واحدة فقط في الأسبوع، بل كان ينخفض أحيانًا إلى مرتين في الشهر، بسبب سوء حالة ماليتِه، وبسبب البعد الكبير بين بيته وعيادتي. وقد جرت الجلسات حضوريًا في السنة الأولى، ثم أصبحت عبر الهاتف حصريًا، بسبب انتقالي إلى ولاية بعيدة.
الخلفية
وصف بَاتريك طفولته المبكرة بأنها كانت مليئة بالصراع وخيبات الأمل. قال إن أمه كانت مكتئبة، غير راضية، «تسرق [منه] طاقته»، و«تثقل [عليه]». وكان أبوه «مدمن عمل»، بينما كانت الأم تتجه إلى بَاتريك، وهو الابن الأكبر من بين ثلاثة أولاد، لتعويض القليل من الانتباه الذي كانت تتلقاه من زوجها. وكانت ترى زوجها منفصلًا عاطفيًا، ولا يظهر عاطفته نحوها إلا حين يفرغ غضبه عليها. وكانت تأخذ معها ابنها الأكبر إلى كل مكان، ولا سيما إلى متاجر الأقمشة، وكانت تنهار إذا لم تعجبه طبخها أو حاول أن يلقي عليها اللوم في شيء.
أُخبر بَاتريك أنه كسر عظمة العصعص عند أمه عندما ولدته، وكان يصف نفسه بأنه «ألمها في المؤخرة»، وكان يحاول منذ ذلك الحين أن يعوّضها. وكان يصفها بأنها متحكمة وغيورة منه، وكان يشعر بأنه لا يحق له أن يعبّر عن أي نوع من الغضب تجاهها لأن ذلك سيغرقها في اكتئاب أشد. وروى حوادث كانت تساعده فيها عندما لا يريد تلك المساعدة، ولا تعطيه شيئًا عندما يطلب العون صراحة. وكانت تقول له إنها لم تستطع إرضاعه وهو طفل لأنه كان لديه تحسس من حليبها، وهي قصة يعتقد أنها اختلقتها.
ومع ذلك، كان يتأثر كثيرًا بحزنها، وكان يشعر بالعجز في محاولاته لمساعدتها. ففي أحد الأيام دخل المطبخ ورآها تبكي عند الحوض. وكانت فكرته الأولى: «ماذا فعلنا؟» - إذ شعر بأنه هو وأباه وإخوته مسؤولون عن الأمر بطريقة ما. وغادر المطبخ من دون أن يقول شيئًا، شاعِرًا بأنه عديم الفائدة، لكنه جمع أباه وإخوته ليتحدث معهم عن طريقة لإصلاح الأمر.
في وقت مبكر من حياته، كان بَاتريك يفرح كثيرًا عندما يعود أبوه من العمل. كان يهرع إليه بحماسة، ويعانقه بمحبة، ويمد يده إلى جيب أبيه بحثًا عن مفاجأة كان الأخير قد جلبها له إلى البيت. وكان يتذكر بحب رائحة بدلات أبيه وعطره. وكان يصف أباه بأنه «متساهل جدًا» معه، ومع ذلك حاسم في البيت وفي العمل، وصاحب آراء قوية. وكان الأب يهاجم ذكاء زوجته بلا هوادة، ومع أنه كان يقول إن أطفاله أذكى منه، فإنه كان ينافسهم في أنواع الألعاب كلها، وكان شديد الحرص على أن يهزمهم في كل شيء. قال بَاتريك: «لا بد أنه يكون أذكى شخص في الغرفة طوال الوقت».
وكانت حاجة الأب إلى أن يكون الأفضل والألمع على الأرجح علامة على انعدام أمان عميق لديه. وعلى أي حال، كان الابن يشعر بأن «أباه سيتحطم لو تغلّبت عليه في شيء». ولم يكن بَاتريك قادرًا على أن يتفوق على أبيه ولا أن ينتقده - فقد كان يعتقد أن أباه هشّ أكثر من اللازم على ذلك.
كان الأب يريد من بَاتريك أن يلعب البيسبول في دوري الأطفال الصغار، لكن بَاتريك كان يكرهه؛ وحاول أن يشرك ابنه في الكشافة وفي أنشطة أخرى من «أنشطة الأب/الابن النموذجية»، لكن بَاتريك صدّه. وبينما كان يذكر في البداية كثيرًا أنه كان يشعر بأن أباه رفضه لأنه كان يفضّل صحبة أمه على صحبة أبيه، قال بَاتريك لاحقًا إنه شعر هو نفسه بأنه رفض محاولات أبيه التقرب منه. وكان كونُه صاحب سرّ أمه في البيت يجعله، في النهاية، لا يحيي أباه إطلاقًا عندما يعود هذا الأخير من العمل - وهو إغفال عاتبته عليه أمه لاحقًا.
في الخامسة من عمره اضطر بَاتريك إلى الخضوع لعملية في الكلية، وخلالها كان خائفًا وتبول على طاولة العمليات أمام الجميع. وكان يجلّ هذا الرد غير الرجولي ويشعر حياله بخجل شديد.(1)
ومع ازدياد نقد الأب لبَاتريك عبر السنين، بدأ هذا الأخير يشعر بأن هناك خللًا ما فيه «في الصميم». وصارت كل العناية التي كان أبوه يوجهها إليه تأخذ شكل النقد. وكان الأب يدّعي أنه يعيش ويعمل كي يستمتع بَاتريك بالحياة، لكن حين كان بَاتريك يستمتع فعلًا، كان أبوه يعامله بقسوة. ولم يكن يبدو في نظر الأب جديرًا إلا بالعمل الشاق والألم: قال بَاتريك: «أنا مدين لأبي بالألم».
أصبح الأب صديقًا لرجل في سنه نفسه بينما كان بَاتريك لا يزال طفلًا صغيرًا. وكان هذا الرجل يشبه الأب إلى حد ما، ويشبهه في الشخصية أيضًا، وكان أنجح منه ماليًا حتى. واتضح أن هذا الصديق مثليّ، وقال بَاتريك إنه وقع في غرامه وهو في نحو العاشرة، بما يوحي بتعلّق بشخص يشبه أباه، في ما يُشار إليه كثيرًا باسم «أوديب المعكوس»، حيث يكون الأب، لا الأم، هو موضوع الحب الأول للولد.
وفي نحو العاشرة أيضًا، ولكن في اتجاه مختلف تمامًا، «استعار» بَاتريك إحدى مجلات Playboy الخاصة بأبيه من أجل «التجريب الجنسي». وعندما وجدتها أمه تحت سريره، أخبرت أباه بذلك، فضربه أبوه على مؤخرته.(2) وللأسف لم أستطع أن أحدد ما إذا كان هذا قد وقع قبل أن يقع في غرام صديق أبيه أم بعده.
الأحداث
كانت هذه، باختصار، الخلفية التي وقعت عليها حدثان، أشار إليهما بَاتريك في التحليل على أنهما «صدميان». وسأبدأ بوصف الحدث المتأخر منهما، لأنه أول ما انكشف في عملي معه.
قبل أن يأتي لرؤيتي، كان بَاتريك قد شارك في مجموعة نقاش للمثليين والمثليات في الحرم الجامعي، وهناك انتهى إلى نتيجة مفادها أنه أصبح مثليًا لأنه قد «تحرّش به» عمه وهو في السادسة عشرة. ولم يخبرني بذلك فورًا، وعندما فعل لاحقًا، قال إنه لا يتذكر جيدًا ما الذي حدث. وبينما كانت المجموعة قد شجعته على التفكير في الأمر بوصفه «اعتداءً جنسيًا»، لم يكن قد شُجِّع بوضوح على التفكير بأي تفصيل في ما حدث بالفعل وفي دوره هو فيه. وطوال مدة طويلة من التحليل، ظل بَاتريك يصف «الاعتداء» بأكثر العبارات غموضًا؛ وبقيتُ طويلًا متسائلًا عن الطبيعة الصدمية للحدث، من دون أن أسمع منه شيئًا يبدو كتحرش جنسي فعلًا.(3)
وعبر السنين، أصبحت ذاكرة بَاتريك لهذا الحدث ولأحداث كثيرة أخرى أوضح بكثير، وكان ما يلي أكمل رواية قدّمها عمّا جرى. كان شقيق الأم، أي خال بَاتريك، يعيش وحده على بعد بضع ساعات من أسرة بَاتريك، ويدير مشروعًا صغيرًا. وكان بَاتريك يزوره أحيانًا أثناء العطل الدراسية، وعندما بلغ السادسة عشرة عرض عليه خاله عملًا صيفيًا في مشروعه، مقترحًا أن يقيم في بيته. وكان بَاتريك متحمسًا للتمرّد على والديه، فانتهز الفرصة للابتعاد عنهما طوال الصيف كله.
قضى هو وخاله وقتًا طويلًا معًا في ذلك الصيف، وكانت من أنشطتهما المعتادة مشاهدة الأفلام الإباحية، وخصوصًا الإباحية المثلية. وفي مرة من المرات، بعد أن فعلا ذلك معًا في مناسبات عدة، سأل بَاتريك خاله إن كان يريد أن يمارس معه الجماع الشرجي. فقال الخال إن ذلك سيكون خطرًا، وبدأ بدلًا من ذلك بمصّ قضيب بَاتريك. غيّر بَاتريك وضعه ليتمكن من مصّ قضيب خاله في الوقت نفسه، لكن الخال غيّر وضعه وبدأ يقبّل عنق بَاتريك. وشعر بَاتريك بأنه فعل شيئًا لم يكن خاله يريده، فأنزل المني فورًا.
هذا هو طابع الحدث المزعوم أنه «صدمّي»، وهو الحدث الذي رآه بَاتريك، في بداية تحليله، أصلَ مثليته ووصفه بأنه «تحرش». ويبدو أن بَاتريك نفسه هو من دعا إلى اقتراب خاله، وأن عدّة لقاءات جنسية وقعت في الصيف نفسه بين بَاتريك وخاله.
وقد نميل إلى رؤية اتهام بَاتريك لخاله بالاعتداء، بعد مرور عشر سنوات، بوصفه إسقاطًا للهستيري اللومَ على من حوله ورفضًا لرؤية الدور الذي لعبه هو نفسه في حصول اللقاء الجنسي. وعلى أي حال، كان خطابه عن خاله في التحليل مشحونًا بالكراهية والاستياء، وممتلئًا بأفكار عن إخبار والديه. بل إن فكرته الانتقامية الأكثر شيوعًا كانت تتمثل في «مواجهة» خاله بالتحرش وطلب الاعتذار منه.
وكان استياؤه من خاله يبدو غير متناسب مع الأحداث كما وصفها، مما يوحي ربما بأن: 1) اللقاءات الجنسية اكتسبت بأثر رجعي معاني لم تكن تملكها في البداية، 2) وأن عنصرًا ما من تلك اللقاءات ربما أُغفل في روايته الأولى، و3) وأن قدرًا من الاستياء نُقل إلى الخال من شخصيات أخرى. وفي الواقع، يبدو أن هذه الأمور الثلاثة كلها كانت صحيحة:
كان الجماع مع خاله، وهو شقيق أمه، يعني في شعوره أن يوجه ضربة إلى أمه - أن يتمرد عليها ويعبّر عن غضبه تجاهها - وكان يشعر بعد ذلك بذنب شديد. ويبدو أنه انتهى إلى أن الخال، بوصفه شخصية أب، كان ينبغي أن يقول لبَاتريك لا، وأن تقع على الخال مسؤولية رفض دعوته. ويمكننا أن نفترض أن هذا الأب البديل، الذي رفض منع علاقة غير مشروعة مع فرد من جهة الأم، قد أعاد إلى الأذهان فشل الأب في التدخل في علاقة بَاتريك بأمه، وهي علاقة كان بَاتريك يعدّها شديدة القرب. وهكذا شعر بَاتريك كما لو أن أباه سلّمه إلى أمه تعويضًا عن عجز الأب أو رفضه أن يجعل زوجته سعيدة. ويبدو أن استياء بَاتريك من أن يُسلَّم إلى أمه (أو إلى فرد آخر من عائلة الأم) من قِبل أبيه لم يبدأ إلا بعد وقت طويل من اللقاء الجنسي مع الخال. ويمكن القول إن الاستياء أخذ يتراكم على الحدث في كل مناسبة لاحقة كان يشعر فيها بأن أمه نفسها تثقله، وتستنزف طاقته، وتتحكم به، أو تُشعره بالذنب.
كان في اللقاء الجنسي الأول مع الخال عنصرٌ استغرق وقتًا طويلًا قبل أن يظهر: حين قبّل الخال بَاتريك على عنقه، شعر بَاتريك بذلك على أنه فعل عدائي. ووصفه بأنه «اندفاع»، و«هجوم»، و«انتهاك». وكان مذهولًا منه إلى درجة أنه أنزل المني في تلك اللحظة نفسها. «أثار الحكة» فيه، وقال إنه كان «أكثر من اللازم»، وكان «طاغيًا». وقد يدفعنا شعوره به على هذا النحو الطاغي إلى الشك في وجود خبرات أقدم تتعلق بتقبيل العنق أو بحكة من هذا النوع، لكن لم تظهر أي خبرات ذات صلة خلال سنوات عملنا معًا. ومع ذلك يمكن أن نرى دلائل على أهميته لديه في مواضع أخرى: ففي كابوس رآه، خرج صرصور من شق في الجدار وسقط على عنقه، فأفزعه ذلك؛ وربط الصرصور بأمه بسبب بعض تفاصيل الحلم. ويمكن أن نرى دليلًا آخر في خيالٍ وروابطه التي عقدها معه: فقد كان سيُباع لأعلى مزايد، وكانت المزايدة ستبدأ من 10,000 دولار؛ وسأل المزادَ لماذا كان العرض الابتدائي مرتفعًا إلى هذا الحد، فقيل له إن المشتري سيكون له الحق في أن يذبح عنقه أثناء الجماع معه. وعندما ناقشنا الخيال في جلسة، كان أول شخص خطر بباله بخصوص ذبح العنق هو أمه. وهكذا يبدو أن قبلة خاله على عنقه أثناء لقائهما الجنسي الأول كانت قد شكّلت نوعًا من قبلة الموت. وبشكل مفارق، يبدو إذن أن جزءًا من الأثر الصدمي لذلك اللقاء الجنسي لم يكن له علاقة بما يمكن أن يُعدّ قانونيًا «اعتداءً» أو «تحرشًا»، بل بقبلة على العنق. وكانت لهذه القبلة دلالة خاصة إلى حد ما - وإن لم تكن فريدة تمامًا - عند بَاتريك، على الأرجح بسبب خبرات سابقة مجهولة، وأدت إلى نشوة فورية، مُنشئةً ارتباطًا أو صلة في ذهنه بين الجنس والموت. (يناقش لاكان، 2004، ص 198، الصلة الوثيقة، في بعض المناسبات، بين القلق والنشوة.)
ذكرتُ آنفًا أنه يبدو مرجحًا أن بعض الغضب غير المتناسب الذي وُجّه في سنوات لاحقة إلى الخال ربما كان قد انتقل إليه من شخصيات أخرى، ويبدو أن ذلك يثبتُه تذكّرُ حادثة صدمية أخرى وقعت في وقت أبكر من حياة بَاتريك.
عندما ظهر هذا الحدث الآخر، قال بَاتريك إنه لم يفكر فيه منذ نحو خمسة عشر عامًا. ولعل هذا أحد الأسباب على الأقل التي تجعل لاكان (1973-1974) يصف الصدمة بأنها حفرة أو فجوة - un trou - ويصوغ التلاعب اللفظي troumatisme (في درس 19 فبراير 1974): فهي شيء مفقود من ذاكرة الشخص وتاريخه.(4)
في الحادية عشرة من عمره، تحرّش ابن عم بَاتريك من جهة الأم به. وكان ابن العم، الذي سأشير إليه هنا باسم مستعار هو ديك، أكبر من بَاتريك بسنوات عدة، وأقوى منه بكثير، وقد كان سيئًا معه في مناسبات سابقة. واستغرق الأمر مرة أخرى وقتًا طويلًا جدًا حتى يركّب بَاتريك القصة، إذ كانت أجزاء منها تظهر في أوقات مختلفة على مدى سنة كاملة على الأقل.
كانت أم بَاتريك قريبة جدًا من أختها - أم ديك - وكانت تحب أن تقضي ساعات وهي تتحدث معها. وفي أحد الأيام اصطحبت أم بَاتريك معه إلى بيت أختها، وبينما كانت المرأتان تتحدثان، حبس ديك بَاتريك في غرفة نومه وأجبره على أداء الجنس الفموي عليه. ويبدو أن بَاتريك نادى أمه مرارًا كثيرة، لكنها لم تأتِ - ولعلها لم تسمعه. وكان ابن العم يتهكم عليه أول الأمر لأنه طفل يبكي لأمه، وشعر بَاتريك بالخزي فسكت. ثم حاول أن يتسلق من نافذة غرفة النوم، لكن ديك أوقفه جسديًا ومنعه من الهرب. وعندما أدخل ديك قضيبه في فم بَاتريك، ظن بَاتريك - لعدم معرفته بعدُ بماهية القذف - أن ديك يبول في فمه، وكان ذلك يروعه كثيرًا.
وهكذا لم يكن هذا الحدث مجرد فتى أكبر سنًا يفرض إرادته على بَاتريك؛ بل كان يتضمن أمًا لا تسمع ابنها ولا تحميه. بل هناك دلائل تشير إلى أن ديك كان قاسيًا مع بَاتريك بطرق أخرى قبل هذه الواقعة، وأن بَاتريك كان قد أشار لأمه منذ مدة إلى أنه لا يحب زيارة ديك. وبعبارة أخرى، يبدو أن الحدث اشتمل على أمٍّ عرّضت طفلها لنوع من العنف على يد ابن أخيها، على الرغم من اعتراضات طفلها نفسه واحتجاجاته.
وإذا لم تكن نفرة بَاتريك من زيارة ابن عمه واضحة لأمه قبل هذا اللقاء الجنسي الأول، فقد أصبحت واضحة بالتأكيد بعده، لأن بَاتريك يقول إنه كان يحتج كل مرة كانت أمه تقترح فيها لاحقًا أن يذهبا لزيارة أختها وديك. وعندما كانت تسأله لماذا لا يريد الذهاب، لم يكن يقول. وفي التحليل أخبرني أنه كان يريد حماية ديك لأنه كان يعرف أن ديك سيقع في مشكلات إذا أبلغ عنه. وكان لديك سمعة الفتى السيئ في العائلة، في حين كان بَاتريك هو الولد الجيد الذي كانت أم ديك تقدمه كنموذج لطفل صالح أمام ديك. ولا شك أن بَاتريك كان يتماهى مع ديك إلى حد ما: فقد كان يود أن يكون أقل تهذيبًا، وأقل طاعة لوالديه ولمعلميه مما كان عليه. وكان يود أن يكون أشبه بديك.
وبعبارة أخرى، كانت الحالة هنا تشمل حقيقة أن بَاتريك كان يعتقد أنه ليس رجلاً بما يكفي، لأنه رفض المشاركة في دوري الأطفال الصغار والكشافة، وكان يشعر بالتهديد من فتى وصفه بالجبان لأنه بكى من أجل أمه. ويبدو مرجحًا أن مثل هذا الفتى كان سيقترن في ذهن بَاتريك بأبيه الذي كان ينتقده باستمرار، والذي كان يراه بوضوح أكثر جبنًا من إخوته الأصغر.
ويبدو أن لقاءات جنسية أخرى مع ديك وقعت بعد اللقاء الأول، على الرغم من تردد بَاتريك في زيارة ديك. وبعد سنوات من العمل التحليلي، قال بَاتريك إنه يشعر بالمسؤولية عمّا حدث مع ديك، مما يوحي بقبول متزايد لفكرة أن قدرًا من التواطؤ كان قائمًا من جانبه في استمرار النشاط الجنسي بينهما. وعلّق بأن هذا لا بد أنه يرتبط بطريقة ما بموقفه من حالات التحرش الجنسي بالأطفال التي كان يسمع عنها في إطار تدريبه بوصفه متخصصًا في الصحة النفسية: فقد وجد، على نحو أثار دهشته، أنه لا يشعر البتة بأي تعاطف مع الأطفال الذين يُزعم أنهم تعرضوا لاعتداء جنسي. وكان يجد نفسه غير مهتم إطلاقًا بمثل هذه الحالات، ولا متعاطفًا مع ألم هؤلاء الأطفال.
وفي وقت متأخر جدًا من التحليل لاحظ أنه لا يزال يحمل «مشاعر ودودة جدًا» تجاه ديك، هذا ابن العم الذي كان يعامله بخشونة، في حين أنه كان لا يزال قادرًا على استحضار غضب شديد تجاه خاله الذي كان يعامله «بمحبة وعناية».
الآثار اللاحقة
أنتقل الآن إلى آثار الخلفية التي أحاطت بهاتين المجموعتين من الأحداث، وإلى آثار الأحداث نفسها في حياة بَاتريك عندما أصبح بالغًا.
العجز عن التعبير المباشر عن الغضب
في حياته اليومية، كان بَاتريك عاجزًا عمومًا عن قول ما يريده وما لا يريده، وعن ترتيب الأمور ووضع الحدود مع الزملاء في السكن، وعن التعبير عن غضبه عندما يضايقه أحد. وكان يصف كل شيء بمصطلحات «مشكلات الحدود»: الناس لا يحترمون حدوده أبدًا، وبدلًا من مواجهة هذه الأمور مباشرة، كان يزعم أنه يصير «عدائيًا سلبيًا». لكن هذه الفئة من علم النفس الشعبي لم تكن منطبقة هنا فعلًا، كما هو الحال كثيرًا؛ فلم يكن في طريقة بَاتريك في إظهار عدائيته ما هو سلبي: كانت فقط غير مباشرة و/أو تُمارَس في الخفاء. كان يفعل أشياء من وراء ظهور الناس، وينبش في أغراضهم أثناء غيابهم، ويكون ساخرًا ومستهزئًا في وجوههم، ويفعل عمدًا أشياء لتستفز أعصابهم.
وكلما ازداد غضبه من شخص ما، ازداد في الغالب مديحًا لذلك الشخص. وكلما اشتهى أن ينفجر في وجه أحد، ازداد حرصًا على إخفاء ذلك - مع يقينه أن الشخص سيلاحظ محاولاته في التستّر. وكان يتوقع دائمًا أن ينتقم منه الناس إذا أظهر أقل قدر من الضيق تجاههم. ولم يبدأ، مثلًا، إلا بعد سنوات عدة من التحليل في أن يستطيع أن يقول لأمه إنها تزعجه عندما كانت تزعجه - ومع ذلك ظل يشعر بالذنب حيال ذلك مدة طويلة. وكان يشعر كثيرًا بأنه إذا تأخر عن جلسة أو تأخر في الدفع لي، فسأنتقم منه بإنهاء العلاج. وإذا أظهر غضبًا بشأن المواعيد أو بشأن سير العلاج، كان يعتقد أنني سأأخذ الأمر بشكل شخصي، وأنه سيشعر بسوء شديد، وسأتوقف عن رؤيته تمامًا. وكان هناك، بطبيعة الحال، رغبة في أن أضع حدًا لتحليله - وبذلك أعفيه من الجهد المطلوب لتغيير الأمور - لكن كان هناك أيضًا على الأقل شيئان آخران يعملان:
الحاجة التي كان يشعر بها إلى حماية الآخر الهشّ، الأبوي، على الرغم من غضبه الشديد تجاهه، و
الرغبة في أن أعاقبه على ما كان يسميه «التمثيل الفعلي» (acting out) - وكان يقصد به عادةً ليس أكثر من التصرف «بشكل سيئ» - وعلى سلوكه «العدائي السلبي» تجاهي.
البحث عن العقاب
كان هذا الجانب الأخير - رغبته في أن أعاقبه - يلعب دورًا مهمًا في النقل. ولسنوات، رفض بَاتريك أن يزيد عدد الجلسات على جلسة واحدة في الأسبوع معي، جزئيًا بسبب وضعه المالي السيئ؛ وجزئيًا لأنه كان يرى أن الجلسة الأسبوعية هي القاعدة في السياقات العلاجية النفسية الأمريكية، وأن زيادة الجلسات تعني أنه «مجنون» حقًا؛ وجزئيًا لأنه وجد من المخيف أن يضع ثقته فيّ. وكان يقول أحيانًا إنه خائف من أن أحاول تحويله إلى مغاير جنسي، وهو «خوف» كان يعبّر عنه في البداية كثيرًا إلى درجة أنه بدا واضحًا أنه يحتوي أيضًا على عناصر تمنٍّ. بل إنه في إحدى المرات جاء مع شابة إلى ندوة كنتُ ألقيها، وألقى بذراعه على كتفيها طوال المساء على نحو استعراضي - ليقنعني بأنه ثنائي الميول الجنسية، كما قال لي بعد ذلك في جلسة. وفي أوقات أخرى، كان يقول إنه يخشى أن يأخذ التحليل خيالاته منه أو يسرق منه المتعة التي يستمدها منها. وكان الناس الآخرون يبدون له غير جديرين بالثقة في جوهرهم، ويُفترض أنهم يريدون أن يأخذوا منه ما يملكه (كما كان يشعر تجاه أمه).
وبما أنه كان يدرك أن التحليل النفسي يتضمن عادةً عدة جلسات في الأسبوع، فقد بدا أنه كان يتوقع دائمًا أن ألومه على رفضه زيادة عدد الجلسات. وكل ما كنتُ أفعله كان يُقرأ لديه بوصفه علامة على أنني أنتقده أو أعاقبه، ولم يكن يخفي أنه يستمتع بتصور أمثال هذه الأشياء. وكان يفسر «نسيانه» لما قاله من جلسة إلى أخرى على أنه طريقته في أن يطلب مني معاقبته، وكذلك تردده في أن يتحدث عن أي شيء غير الشؤون اليومية، رغم أنه كان يعرف من قراءاته أن هذا ليس مادة التحليل. وكان يقول إنه لا يحلم، أو إذا حلم فإنه لا يستطيع تذكر أحلامه. وعندما قال: «أفترض أنني أستطيع أن أضع دفترًا وقلمًا بجانب سريري» وقلتُ له: «همم...» لم يحدث شيء من ذلك. وإذا غيّرتُ الموضوع أثناء الجلسة من شكوى يومية إلى سؤاله عن خيالاته وأحلامه، كان يأخذ ذلك على أنه عقاب ويستمتع به. وإذا أنهيتُ الجلسة عندما يقول شيئًا بدا لي مهمًا على نحو خاص، كان أحيانًا يأخذ ذلك على أنه عقاب ويستخرج منه متعة، شاعِرًا أنه يتلقى أخيرًا العقاب الذي كان يتوق إليه مني.(5)
كانت الحوافز التي تمنحها مثل هذه التحويلات والانقطاعات (انظر فِينك، 2007، الفصل 3) لبعض المستحلِّين التحليليين في كثير من الأحيان مجرد مصدر للذة في العقاب عند بَاتريك، من دون أن يفضي ذلك إلى عمل تحليلي يُذكر. وعندما بدأ يحدثني عمّا كان يسميه «جنس S&M» - وسأتحدث بعد قليل بتفصيل عن ما كان يقصده بذلك - كان يتمنى أن أقول له ألا ينخرط في مثل هذه الأنشطة، وأن أقول له إنها تسيء إليه، وأن أظهر اهتمامًا قويًا بحمايته منها. كنتُ سأُنقذه من إيذاء نفسه وأعاقبه لأنه «ولد سيئ» (مثل ابن عمه ديك؟). وكانت تعبيراتي الغاضبة تجاهه ستثبت له أنني أُعنى به.
كان يمكن أن يُظن أن بَاتريك كان يطلب مني أن أضع له القانون، القانون الذي كان يشعر أن أباه لم يوفّره - وأظن أن كثيرًا من المعالجين كانوا سيسارعون إلى الامتثال بمجرد إصدار الأوامر. ومع ذلك، يبدو لي أن الدور الفوري للمعالج في مثل هذه الحالات ليس أن «يضع القانون» أو أن يمثل القانون بطريقة ما للمستحلِّين التحليليين، بل أن يبرز ويؤوّل النداء الذي يوجهه المستحلّ إلى المعالج كي يفعل ذلك. لأنه نداء موجّه إلى آخر، إلى قوة خارجية، كي تكبح الذات: محاولة أو رغبة في إقامة قوة خارجية تكبح دفع الذات.(6)
في الجلسة التي تحدث فيها بَاتريك لأول مرة عن جنس «S&M» وعن خياله بأنني سأتدخل عندما أرى مدى «جدّيته»، أضاف أنني لو تدخلت فلن يقبل مني ذلك، وأنه في الواقع كان يأمل أن أقول: «لا بأس» - أي أن أمنحه الإذن. أما أنا فلم أفعل أيًا من الأمرين مدة طويلة، بل اتخذتُ موقفًا يقترب من التريث والترقب.
إن نداء المستحلِّ إلى قوة خارجية يوحي بصراع داخل الذات، وهو صراع يستهلك مقدارًا كبيرًا من الطاقة.(7) ففي السنوات التي سبقت انخراطه في جنس «S&M»، كان بَاتريك يشكو من عجزه عن أن «يستمتع بـاستمتاعه»، وعن عجزه عن أن يكون على قلب واحد في لذاته الجنسية، بحيث بدت كل لقاءاته الجنسية ملوثة بطريقة ما. وكان ذنبه وتكلفه أثناء الجنس من الشدة بحيث يمكن أن نستنتج أن وجود رقابة ذاتية قاسية كان يفسد معظم إشباعات الدوافع.(8) بل إنه كان يتحدث عن التلذذ بذنبه، كأن الذنب نفسه كان ممتعًا بالنسبة إليه.
وبدا لي أن المسألة ليست أن أحاول أن أضع القانون فورًا، بل أن أستكشف علاقة بَاتريك بقانون كان قائمًا بالفعل، على الأقل في شكل أنا أعلى شديد النقد: لم يكن أبدًا جيدًا بما يكفي، ولا ذكيًا بما يكفي، ولا مجتهدًا بما يكفي. ومهما حصل على درجات علمية، فلن يكون أبدًا ناجحًا بقدر أبيه. بل كان بَاتريك يُظهر بعض السمات العصابية النمطية في علاقته بأبيه: فعندما رنّ الهاتف ذات صباح باكر وأيقظه، تخيل أنه اتصال يبلغه بأن أباه قد مات. وكانت فكرته الفورية: «يا له من ارتياح ألا أضطر بعد الآن إلى محاولة مجاراة توقعاته».
ومع ذلك، ظلّت رغبته في أن أعاقبه، ومحاولته قراءة معظم تدخلاتي على أنها نقد ضمني له، جانبين مهمين من النقل لمدة طويلة. ولم يكن يُجدي كثيرًا أن أذكره، مثلًا، بأنني أُنهي الجلسات أو أنقّطها عند نقاط أراها مهمة؛ فقد ظل يقرأ الانقطاعات والتأويلات والقطع بوصفها عقوبات أولًا وقبل كل شيء.
الحياة التخيلية
أنتقل الآن بصورة مباشرة أكثر إلى حياة بَاتريك التخيلية. عندما بدأ العمل معي أول مرة، كانت أفكار خاله كثيرًا ما تداهمه أثناء خيالاته أثناء الاستمناء؛ وكان يصف هذه الأفكار بأنها «دخيلة» وكان من الواضح أنه منزعج منها بشدة. وتوقفت هذه الأفكار بمجرد أن ظهرت معظم عناصر اللقاء الجنسي مع الخال إلى السطح.
لكن خيالات أخرى تطورت، وكثير منها كان يزعجه، وكان يجد صعوبة حتى في تذكرها، فضلاً عن مناقشتها في الجلسات. كانت هناك خيالات عن أن يبول أحدهم في فمه، وخيالات عن اغتصابه، وخيالات عن أن يخنقه أحدهم بقضيبه بينما كان بَاتريك يمارس الجنس الفموي عليه، بل وحتى خيال عن أن يمارس الجنس مع أبيه.(9) وقد أعاد بعض هذه الخيالات إلى الأذهان علاقاته الجنسية مع ابن عمه - ولا سيما خيالا البول والخنق. وكما هي الحال عند كثير من المستحلِّين التحليليين الآخرين، تطورت خيالات بَاتريك تطورًا كبيرًا على مدى سنوات العمل التحليلي، كأنها تستكشف كل الأعضاء والفتحات الممكنة، وكل تركيبات القوة المتخيلة، بما في ذلك أن يُثقب قضيبه، وأن يُقاد مربوطًا بسلسلة، وأن يأمره أحدهم بأكل البراز، وأن يُخصى، وأن يُضغط عليه أثناء الجنس الشرجي، وأن يتحرش هو بشاب أصغر سنًا، وهكذا. أحيانًا يخاف المستحلِّون التحليليون من خيالات بعينها، لكن على المعالج أن يتذكر أن معظم هذه الخيالات لا تظهر إلا مرة أو مرتين، وإذا نوقشت في التحليل على نحو وافٍ فإنها تفسح المجال لخيالات أخرى تجوب كل إمكانات المستحلِّ الليبيدية. وقد تبقى بعض الخيالات مدة، لكن القليل منها يظل على حاله سنوات. فالخيالات، مثل الأحلام، «تنضم» إلى الحوار التحليلي وتصبح جزءًا منه، وتتغير مع تطور الحوار، وتقدّم مادة جديدة استجابةً للمناقشات والتأويلات أثناء الجلسات.
كان أحد العناصر التي بدت مهيمنة على الخيالات الجنسية لدى بَاتريك وعلى خبراته الفعلية مع الشركاء هو سؤال ما إذا كان يملك السيطرة على ما يجري أم لا. وعيًا منه، كان يريد أن يكون هو المسيطر، وكان يشعر بالقلق إذا لم تكن لديه السيطرة على الوضع، لكن خيالاته كانت كثيرًا ما تتجه إلى فقدان السيطرة من جهته: كان شريكه يدفعه إلى أبعد مما يريد الذهاب إليه، فيغضب غصبًا شديدًا. وكان يصبح شديد الهدوء بعد مثل هذه الانفجارات الغاضبة في خيالاته.
وقد ازداد ثقته بي عبر السنين، وبعد أربع سنوات قال إنه أدرك للمرة الأولى أنني لا أحاول أن أجعله «مستقيمًا» - وأدرك في الوقت نفسه أن هذا كان إسقاطًا من جانبه طوال الوقت، لأنه هو كان يحاول أن يجعل نفسه مغايرًا جنسيًا. وشعر أنه يستطيع الوثوق بي من حيث عدم أخذ متعته منه، وصار أكثر استعدادًا للتحدث بصراحة عن خيالاته. وفي الفترة نفسها تقريبًا اختفت الخيالات المتعلقة بخاله وابن عمه. ويمكن القول إن بعض ما كان يسميه أحد مستحلِّيَّ «الاستمتاع السيئ» قد تبخّر.
الحياة العاطفية
كانت لدى بَاتريك، عندما بدأ التحليل، علاقات قصيرة الأمد في الغالب مع الرجال. وكان كثيرًا ما يقع في حب رجال يصفهم بأنهم «مفتولو العضلات» وغير مثليين؛ وكان يبذل جهدًا كبيرًا لإغوائهم، لكن ذلك كان يذهب سدى. وكان أحد الجوانب المهمة في حياته العاطفية ميله إلى الرجال المرتبطين أصلًا بشخص آخر، أي غير المتاحين، ما كان يخلق مثلثات حب متوترة ومفتعلة على نحو معقد. وهنا قد نفكر في «الرغبة المستحيلة» النموذجية للعصاب الوسواسي.
كان بَاتريك يشعر أن قضيبه صغير، ولم يكن يواعد إلا الرجال الذين تكون قضبانهم أكبر من قضيبِه. وكان يريد دائمًا أن يلعب دور «المفعول به» في الجماع الشرجي، وكان يترك سريعًا أي رجل يريد منه أن يلعب دور «الفاعل». وكان يأسف أحيانًا لأنه لا يملك مهبلًا، ولأنه لا يستطيع أن يمنح صديقًا خرج حديثًا من الخزانة طفلًا - وكان يشعر أن هذا الرجل سيتركه لامرأة تستطيع أن تمنحه طفلًا. وكان مهتمًا على نحو خاص بالرجال ذوي الوظائف الجيدة المستقرة، الذين يستطيعون، مثل أبيه، أن يعيلوه بوصفه «ربة بيت». وهنا نرى نوعًا واضحًا نسبيًا من التماهي مع أمه: الرغبة في أن يلعب دور الزوجة في علاقته برجل يشبه أبيه.
وعلى الرغم من أنه كان، ظاهرًا، مهتمًا برجال حاسمين، لا يكثرون من الكلام، فإنه خاض في أثناء تحليله علاقة استمرت سنة كاملة مع رجل متردد إلى حد كبير، ولم يكن الاثنان قادرين قط على اتخاذ أي قرار، لأن كل واحد منهما كان يسأل الآخر دائمًا: «ماذا تريد أن تفعل؟» «لا أدري - ماذا أنت تريد أن تفعل؟»
وكان يدّعي أنه يقع في حب رجال «محتاجين» - بل في حب رجال «بحاجة» إلى شيء ما لكنهم لا يعرفون ذلك. وكانت حاجتهم تمنحه مكانًا، وشعورًا بالغاية في أن يملأ هذه الحاجة لديهم. وكان خياله الجنسي الأكثر شيوعًا يتضمن أداء الجنس الفموي على رجل، وهو ما يمكن فهمه على أنه إشباع حاجة الآخر الكبير الذكري، وملء نقصه، ومنحه التمتع، وجعله كاملًا بطريقة ما. ومن جهة أخرى، يمكن فهم منح الشريك التمتع بوصفه طريقة لإسكات الشريك، ولإخماد أي علامة على الرغبة أو السخط أو النقد من جانبه - وهو ما كان بَاتريك يريد أن يفعله لكنه كان يشعر بالعجز عنه تجاه أمه.
وكان بَاتريك غالبًا ما ينتهي إلى سلوك تنافسي جدًا تجاه الرجال الآخرين: كان يشعر دائمًا أنه يحاول أن يثبت أنه أفضل منهم، وكان دائمًا منخرطًا في «صراع قوة». وفي أحد الخيالات، تخيل أنه يُجبر على ابتلاع قضيب رجل، فقرّر أن ينتزعه من ذلك الرجل وأن يكون قضيب ذلك الرجل المفتول داخلَه هو. وبوجه عام قال إنه يجد من الأسهل بكثير التوافق مع النساء منه مع الرجال، لأنه لا يحاول أن ينافسهن. وفي نهاية تحليله قال بَاتريك إنه لاحظ أن الرجال الذين يلتقيهم ليسوا بالقدر الذي كان يتخيله من العدائية نحوه، وأن كثيرًا من العدائية كان مصدرها هو نفسه.
الحياة الجنسية
على مدى السنوات، صار الجنس عبر الإنترنت يلعب دورًا أكبر فأكبر في جنسية بَاتريك؛ كان يلتقي بشركاء مختلفين عبر الشبكة ويكتب رسائل ذهابًا وإيابًا أثناء الاستمناء (وكان ذلك في منتصف التسعينيات). وبينما بدا أحيانًا أنه يبحث عن الحب، كان الهدف في أوقات أخرى يبدو أنه العثور سريعًا على شخص يتبادل معه أرقام الهاتف ويتولى دور السيد معه عبر الهاتف، آمرًا إياه أن يضرب نفسه بحزام، وهكذا، وهو يستمني. وكان بَاتريك يضحك كثيرًا في الجلسة على هذه الوقائع، قائلًا إنه بينما كان شريكه يظن أنه يضرب نفسه حقًا ويسمح لنفسه بأن يُخضع، كان هو في الحقيقة يضرب الطاولة أو الهاتف فقط ويدّعي أنه يساير الدور.
ازدهر هذا النشاط إلى فترة طويلة من تجربة عدد كبير من شركاء الجنس عبر الإنترنت والهاتف، بما في ذلك بعض من كانوا يريدونه أن يؤدي دور فتى مراهق لأب، بل وحتى من كانوا يريدونه هو أن يؤدي دور السيد. وكان يطلق على نفسه عادةً «القاع العدواني»، وفي أحد الأيام لعب دور السيد («التوب»)، واستمتع بالمسألة السادية، وعندما أنزل المني خطرت بباله فكرة: «لا أستطيع الانتظار لأخبر د. فينك». وأخبرني أنه كان واثقًا من أنني لا بد أن أظن أنه «ينبغي أن يصبح ساديًا». وبعبارة أخرى، كان يعتقد أن السادية هي بطريقة ما حقيقة خيالاته الماسوشية الجنسية، كما لو أن أحدهما ليس إلا الوجه الآخر للثاني (انظر الفصل 8، «مدخل إلى “كانط مع ساد”»، في المجلد الحالي). وقال إنه كان يوجّه الغضب الذي يشعر به تجاه الشركاء الساديين ضد نفسه، وكان يشعر بهدوء وارتياح كبيرين بعد أن يكون قد عوقب - وهو على الأرجح كان يقوم مقام الشريك المستحق للتعذيب في مثل هذه الحالات. وقال إن رغبته في الخضوع كانت في الواقع تغطي على رغبة في السيطرة، وأن أكثر ما فيه حقيقة هو نقيض تمامًا لما كان يعرضه على العالم.
وبعد بضع سنوات من التحليل، انتقل نشاط بَاتريك الجنسي بحذر من الاستمناء عبر لوحة المفاتيح والهاتف إلى أفعال جنسية وصفها بأنها «S&M» مع شركاء وصفهم بأنهم «ساديون». وأضع S&M وsadistic بين علامتي اقتباس، لأن ثمة عددًا من التحفظات ينبغي ذكرها هنا:
• أولًا، كان بَاتريك يضع مع شركائه - الذين كان يلتقيهم عبر الإنترنت في معظم الأحيان - عددًا كبيرًا من القواعد الأساسية، صُممت لضمان ألا يذهبوا بأنشطة العقاب معه أبعد مما كان قد وافق عليه مسبقًا. وبعبارة أخرى، كان هناك ميثاق رمزي وُضع قبل بدء الأنشطة «السادية»، وكان هذا الميثاق ينظم اللقاء كله.(10) وكانت إحدى أهم النقاط التي شملها ذلك الميثاق هي الاتفاق على عدم القيام بأي شيء يمكن فهمه بوصفه «جنسًا غير آمن». وكان بَاتريك يميل إلى تفضيل شركاء يثق بهم - يثق بألا يذهبوا بعيدًا جدًا - ويمكنه أن يسترخي معهم، وهو يعلم أنهم سيلعبون وفق قواعد اللعبة. وكان من أكثر ما يقدّره في هذا الشكل من الجنس أنه لا يتحمل أي مسؤولية إطلاقًا عن التخمين الثانوي لما يريده شريكه: فشريكه كان يأمره ببساطة أن يفعل ما يريده الشريك، وانتهى الأمر. أما مع شخص يحبه، فكان ينشغل إلى حد كبير بمحاولة التأكد من متعة شريكه إلى درجة لا يعود معها يستمتع هو نفسه كثيرًا. في هذا الجنس المسمى «S&M»، لم يكن هناك أي التباس بشأن ما يريده الشريك - لم تكن هناك حاجة إلى أن يرهق بَاتريك نفسه في التخمين لما يريده الشريك فوق ما يقوله هو صراحةً إنه يريده. وكان لغز ما يريده الآخر - والقلق المصاحب لذلك الذي يثيره في معظمنا (لاكان، 2004، ص 14-18) - يُستبعد من اللعب هنا، وتبرز مطالبة الآخر إلى الواجهة بالكامل.
• والتحفظ المهم الآخر في هذا النوع من الجنس هو أنه بينما كان بَاتريك يلعب ظاهريًا دور العبد الذي لا هدف له إلا إرضاء سيده، فإن السادة الذين كان يختارهم كانوا يبدو أنهم معنيون، بوجه خاص، بالتأكد من أن بَاتريك ينال الإشباع الكامل أثناء اللقاءات.
• أما مشاهد التعذيب المزعومة، فلم تكن تتضمن أنشطة يمكن أن تترك علامة دائمة على الجسد أو تسبّب ندبة، ولا ألمًا مستمرًا من أي نوع، ولا حتى آثارًا زرقاء أو كدمات.
• وأخيرًا، كانت مشاهد التعذيب المزعومة تنتهي عادةً بأن يُحتَضَن بَاتريك بحنان من شريكه «السادي».
وأذكر هذه الأمور لا لأقول إنه لم يكن هناك أي عنصر سادي في هذا النمط من السلوك الجنسي: فقد كانت هناك قساطر، وسدادات شرجية، ومشابك حلمات، ومشابك غسيل، وطيف كامل من الأدوات، وكلها يمكن أن تُحدث ألمًا بدرجات ومدد مختلفة. لكن كان هناك القليل - أو هكذا بدا لي - مما يشبه الشكل السادي الكلاسيكي بالمعنى السادي الصريح (انظر الفصل 8 من المجلد الحالي)، حيث يستطيع الشريك أن يصرّح بأنه يملك كل الحق في استخدامك وإساءة استعمالك كما يشاء، بغض النظر عن أي عقد سابق. ويبدو أن ما لدينا هنا هو، بدلًا من ذلك، نوع من اللعب بالسادية من قِبل شركائه.(11)
وبحسب بَاتريك، فإن ما كان يريده فعليًا في هذه اللقاءات الجنسية، على الرغم من أنه كان يفترض ظاهريًا أنه يريد العقاب، هو أن يُحَب. وقد وجد عددًا من الشركاء الجنسيين الذين بدا أنهم فهموا هذا وأعطوه الحب والعزاء والحنان بعد جرعة معينة من الألم. وكان يشعر بأنه لو كشف لأحدهم مدى رغبته في أن يُحَب، لفرّ منه ذلك الشخص، وأنهاء العلاقة. لذلك كان عليه أن يبقي رغبته في أن يُحَب مخفية بعناية. وكان الآخر الذكري، حين يواجه رغبة بَاتريك في أن يُحَب، «يولّي هاربًا»، كما قال.
يمكن فهم هذه السيناريوهات الجنسية المسماة «S&M» ربما على أنها تلمّح إلى البنية التخيلية التالية، بما فيها من تحوّلات صُممت لإخفاء ما هو موضع القضية الحقيقي (انظر الفصل 3 من المجلد الحالي، «الخيالات والخيال الأساسي: مدخل»):
المرحلة الأولى: يُظهِر لي أبي الحب.
المرحلة الثانية: يتعرض لي أبي بالإساءة.
المرحلة الثالثة: يتعرض لي رجل بالإساءة.
ويُستعمل لفظ «الإساءة» هنا، كما في حالة «رجل فرويد» (المناقشة في الفصل 14 من المجلد الحالي)، بما يسمح لنا بأن نضم إليه أفعالًا جسدية تجمع بين الجنس والعقاب.
مناقشة واستنتاجات
إن الأحداث التي نتعامل معها في التحليل النفسي، والتي يشير إليها مستحلّونا على أنها «صدمية»، كثيرًا ما لا يعدّها أي شخص آخر أحداثًا صدمية. إن الاستخدام الواسع لمصطلحات مثل «الصدمة» و«صدمية» و«مصدوم» يجعل الأمر بحيث يمكن لصديق فرنسي لي أن يقول بسهولة إنه «صُدم» من نزوع الأميركيين إلى إضافة السكر إلى كل أنواع الطعام المالحة تقريبًا، من صلصة السلطة إلى الدجاج. فاللفظ في مثل هذا الاستعمال لا يعني أكثر من أنه أُدهش أو فُوجئ، ولا يستحق مناقشة أكثر من ذلك. لكن في التحليل ينبغي أن نكون واعين إلى أن أحداثًا لا تبدو في ذاتها، على الإطلاق، قابلة لأن تكون صدمية، قد كانت في الواقع كذلك، إما بسبب تركيب معين للفاعلين المعنيين كان ذا دلالة خاصة للذات، و/أو بسبب المعاني التي اكتسبتها تلك الأحداث لاحقًا.
تكتسب واقعة ما قيمة الصدمة أو صفتها على خلفية معينة، وبسبب سياق حياتي معين. وكثيرًا ما تكون ردود فعل شخصين مختلفين، وقد تعرضا لأحداث متشابهة، مختلفة جدًا: فما قد يكون صدمًا لشخص، قد يُختبَر على نحو مختلف تمامًا لدى آخر. وفي بعض الحالات نجد أيضًا أن ما لا يبدو في البداية حدثًا صدميا على نحو خاص يجذب إليه مجموعة كاملة من الانفعالات والمعاني التي تُسجله بوصفه صدمة أو تحوّله إلى صدمة بأثر رجعي. وهكذا تتراكم عليه معانٍ مختلفة كثيرة إلى درجة أننا نُضطر إلى وصفه بأنه صدمّي فقط بسبب كثرة آثاره اللاحقة.
لا أقول هنا شيئًا جديدًا عن الصدمة، لكن قضية بَاتريك تبدو أنها تجسد ذلك بوضوح شديد، ولا سيما عندما ننظر إلى أول حدث صدمّي ظهر في تحليله: لقاؤه الجنسي الأول مع خاله من جهة الأم. فبينما بدت ميوله الجنسية وكأنها تنمو نموًا عضويًا من طفولته كلها (تذكروا افتتانه وهو في العاشرة بصديق أبيه الذكر الذي كان يشبه أباه إلى حد كبير)، فإن الشكل الذي عبّرت فيه اهتماماته الجنسية عن نفسها لسنوات عدة بدا أنه ينمو بوضوح نسبي من خبراته مع ابن عمه وهو في الحادية عشرة. كانت هذه خبرات شعر فيها بَاتريك بقدر كبير من القلق - إذ لم يكن يعرف، على الأقل في أولى المرات، ما الذي كان يفعله ابن عمه أو ما الذي كان يريده منه - ويبدو أنه انشغل بها لاحقًا، معيدًا تكرارها في خيالات ثم، في وقت متأخر جدًا، في بيئات أكثر «تحكمًا». وبدأت عناصر القوة والاغتصاب تلوّن كل حياته التخيلية منذ المراهقة، كما لوّنت قدرًا كبيرًا من حياته الجنسية عندما صار بالغًا. وأظن أن معاني مثل هذه الخيالات والأنشطة الجنسية تختلف من حالة إلى أخرى. أما في حالته، فقد اتخذت جوانب من علاقاته بوالديه منذ طفولته المبكرة: استحالة التعبير عن الغضب تجاه أيٍّ منهما، والإحساس بأن الحب لا يمكن أن يتخذ إلا شكل النقد والعقاب (تذكروا قوله: «أنا مدين لأبي بالألم»).
التشخيص
هل يكون من المعقول أن نتحدث عن بَاتريك بوصفه ماسوشيًا؟ إن جزءًا كبيرًا من تجاربه الجنسية كان سيعده عامة الناس ماسوشيًا، والسؤال الأكبر الذي يطرحه ذلك هو ما إذا كان السلوك يفرض التشخيص. ويبدو لي أنه على الرغم من أن بعض السلوكيات قد تعطينا إشارة أو اثنتين إلى البنية السريرية للذات، فإنها نادرًا ما تكفي لتقديم تشخيص مقنع.(12) فكثير من السلوكيات - سواء كان ذلك فرط الاجترار، أو إساءة استعمال الكحول أو المخدرات، أو الشقّ، أو التحقق المتكرر، أو التقييد الشديد للطعام، أو الأكل على الطراز الشره - يمارسه أشخاص يملكون بنيات سريرية مختلفة جدًا. ومن يعتقد أن حوادث معينة يمكن أحيانًا أن تحدد البنية السريرية، فالأجدر به في نظري أن يتذكر أن بَاتريك كان قد كان في طور التشكل منذ 11 عامًا قبل لقاءاته المثيرة للقلق مع ابن عمه، وهو عمر نادرًا ما يُعد، في ما بعد، قابلًا لتغيير «البنية العميقة».(13) وقد يقال إن الأحداث الصدمية كافية لتغيير البنية النفسية في أي عمر تقريبًا؛ لكن يمكننا على الأقل أن نطرح سؤالًا عما إذا كنا لا نتعامل هنا، في الواقع، مع بنية كانت مستقرة جيدًا قبل سن الحادية عشرة، ثم طُعّمت عليها خبرات صدمية أحدثت قسر تكرار لم يغيّر البنية النفسية جوهريًا، بل جعل الأمور تبدو على غير ما هي عليه.
لننظر في مختلف التشخيصات الممكنة هنا، مع استبعاد الذهان سلفًا، إذ لا تبدو لي - على الأقل - أي علامة على الذهان في عرض بَاتريك.
وبغية إعداد عرض حالة قابل للإدارة لمؤتمر يتمحور صراحة حول موضوع الصدمة، اضطررتُ بوضوح إلى حذف كميات كبيرة من المادة السريرية التي ناقشها بَاتريك على مدى سبع سنوات، لكننا مع ذلك رأينا بالفعل عددًا من عناصر الهستيريا في حالته (مثل نسيانه خبراته المبكرة مع ابن عمه وتفاصيل لقاءاته مع خاله) وعناصر من الوسواس أيضًا (مثل سعيه وراء رجال مستقيمين لا يستطيع الحصول عليهم، ورجال مثليين كانوا مرتبطين أصلًا بشخص آخر، وهي مساعٍ تبدو مستحيلة). وكان ميله إلى لوم الآخرين على وضعه البائس، من دون أن يرى الدور الذي لعبه هو نفسه في إدخال نفسه في عدد من المواقف وفشله في إخراج نفسه منها، يحمل بكل تأكيد مسحة هستيرية. أما هيمنة الذنب ولوم الذات، فمن جهة أخرى، فكانت أقرب إلى الوسواس.
ويمكن فهم الكبت على أنه أظهر نفسه في نسيان بَاتريك لعدد من وقائع حياته، ولخيالاته، ولأحلامه، وعودة المكبوت في الأفكار الاقتحامية المتعلقة بخاله التي كانت تقتحم خيالاته أثناء الاستمناء. هل كانت هناك أي دلائل على الجحود، ذلك النمط المختلف إلى حد بعيد وغير السهل التمييز من النفي الذي يتحدث عنه فرويد ولاكان فيما يتصل بالفيتيشية، وبصورة أعم، بالانحراف؟ من وجهة نظر لاكانية، فإن آلية النفي السائدة هي التي تحكم إقامة التشخيص (فِينك، 1997، الفصل 6)، لا أي سلوك جنسي أو غيره بعينه. وقد يفترض بعضهم أن المعادلة التي أقامها بَاتريك بين الحب والعقاب تمثل جحودًا، بمعنى الحفاظ على فكرتين متناقضتين في الوقت نفسه داخل الجهاز النفسي نفسه (الأنا في هذه الحالة). لكن مجرد كون مثل هذه المعادلة موجودة، بدرجة أو بأخرى، لدى الجميع تقريبًا يجعل هذا التفسير غير مقنع في نظري.(14) ولم أستطع قط أن أتحقق من أن بَاتريك، مثل فيتيشيي فرويد (1963b)، كان يؤمن في الوقت نفسه بأن النساء لهن قضبان وأنهن لا يملكنها. ولا أذكر أنني واجهت في عملنا معًا ما صغته لاحقًا باعتباره منطق «كلاهما/وكلاهما» المميز للانحراف (انظر فِينك، 2003، والمدرج أيضًا بوصفه الفصل 9 في المجلد الأول من هذه المجموعة). فما الذي يمكن أن يشكّل إذن تشخيصًا بنيويًا للانحراف في حالته؟
ذكرتُ سابقًا أن الشركاء الذين كان يسعى إليهم غالبًا في أنشطته «S&M» كانوا يميلون إلى التمثيل بالسادية أكثر من ممارستها من دون قيود. وكانت ألعابهم الجنسية - التي كانت تشمل عادةً بَاتريك وزوجًا، كان يحب أن يخطف أحد أفراده من الآخر - شديدة الطقسنة في معظمها، ومُعادة لفظيًا بالتفصيل مسبقًا؛ وإضافة إلى ذلك، كان هناك إشارات واضحة على بَاتريك أن يعطيها إذا أصبح، لأي سبب كان، غير مرتاح لما يجري. فضلًا عن ذلك، كان شركاؤه المفضلون يحتضنونه ويداعبونه بمحبة بمجرد انتهاء العقاب الجسدي. ولا يكاد هذا يشبه نوع السلوك الذي يرتبط بالسادية الحقيقية!
أدخُل في هذا بشيء من التفصيل لسببين. أولًا، يبدو أن هناك انفجارًا حقيقيًا من هذا النوع من النشاط الجنسي خلال السنوات الخمس أو العشر الماضية - وتخدمه صناعة متنامية من الأدوات والمعدات، وطائفة كاملة من غرف الدردشة ومجموعات الأخبار على الإنترنت - ومن المهم أن نفهم شيئًا عن طبيعة الأنشطة التي يُقبل عليها الناس (والتي تبدو في 2013 وكأنها أصبحت تقريبًا «الوضع الطبيعي الجديد»، بما يدفع المرء إلى التساؤل لماذا يشعر كل هؤلاء الآن أنهم سيئون إلى هذا الحد ويحتاجون إلى العقاب!).(15) وفي بعض الحالات، ربما لا تسبق هذه الأنشطة أي صيغة من قبيل الميثاق الرمزي؛ لكنني أظن أن ذلك يصدق في عدد كبير جدًا من الحالات. وعلى المستوى النظري على الأقل، يَستبعد الميثاق القلقَ في تجربة «الضحية»، والقلق يُعد عمومًا عنصرًا حاسمًا في السادي (ومع ذلك يمكن الافتراض أنه، حتى عند وجود ميثاق، يستطيع «المعذِّب» دائمًا أن يتخيل أن «الضحية» ستظل تتساءل بقلق عما إذا كان معذِّبه سيلتزم به حقًا أم لا).
ويبدو أن الميثاق يستبعد، في الوقت نفسه، القلقَ في «المعذِّب»، ما دام «الضحية» قد حدّد مسبقًا ما هو مستعد لتحمله، فلا يبقى في ذهن المعذِّب سؤال يُذكر حول ما إذا كان الضحية يرغب أو يطالب بالذهاب أبعد مما يطيقه المعذِّب. أما الماسوشي، على الأقل بالقدر الذي أمكنني أن أصوغ به ما يسعى إليه بأشد ما يكون، فعادة ما يشعر بحاجة إلى المضي في إذلال الذات أو الاحتقار الذاتي إلى درجة لا يعود معها معذبه قادرًا على احتمال الأمر ويوقف رغبة الضحية في التدهور الذاتي و/أو التدمير الذاتي (انظر فِينك، 1997، الفصل 9). ومرة أخرى، لم أستطع أن أرى في ألعاب بَاتريك الجنسية «S&M» شيئًا أو ما يكاد يشبه هذا النوع من الأمور، رغم أنه يمكن نظريًا أن يفترض المرء أنه حتى عند وجود ميثاق، يستطيع الضحية دائمًا أن يتخيل أن المعذِّب سيظل يتساءل بقلق عما إذا كان ضحيته سيلتزم به.
باختصار، لم يكن في الأنشطة الجنسية التي كان بَاتريك يمارسها ولا في خيالاته - على الأقل كما رويت لي - ما يشير إلى أنه كان مهمًا له بطريقة ما أن يثير القلق في شريكه، أو أن شريكه كان مهمًا له أن يثير القلق فيه. ففي أنشطته الجنسية الملموسة، كان كل شيء يسير وفق قواعد أساسية وُضعت في البداية، وكان بَاتريك يصف هذا النوع من الجنس بأنه مُرضٍ ومهدئ ومخفف.
وبعبارة أخرى، يبدو أن استبعاد القلق في الشريك بواسطة ميثاق متفق عليه مسبقًا يوحي بشيء أقرب إلى التمثيل بالسادية والماسوشية منه إلى السادية والماسوشية البنيوية (ومع ذلك قد يقال إن مجرد الاهتمام بوجود ميثاق يشي بأن القلق، وإن كان معترفًا به ضمنيًا، أي لا شعوريًا، من جانب الشريكين، بوصفه أمرًا حاسمًا، فلا بد من استبعاده صراحة، أي شعوريًا). أما انتقال بَاتريك من الجنس عبر الإنترنت والهاتف إلى ما يسمى الزنزانات وغرف التعذيب فقد أثار عندي بالتأكيد وقفة للتفكير؛ فقد تحدث عن هذه الأشياء مدة طويلة جدًا قبل أن يفعل أي شيء، وكنت قلقًا في بعض النواحي من أنني قد فوّتُّ شيئًا، إذ رأيت هستيريا بدلًا من ماسوشية. ويمكن العثور على قدر معين من الماسوشية في تقريبًا كل البنى السريرية - بل ويمكن فهم لاكان على أنه يرى شيئًا في كل ذاتية بشرية بوصفها ماسوشية على نحو أساسي، بقدر ما توجد حسٌّ من أن الذات يجب أن تموت كي تأتي إلى الحياة في عالم اللغة المشترك مع الآخرين. ويذهب فرويد (1961c، ص 164) إلى حد القول إن «دافع الموت [...] الفعّال في الكائن الحي [...] هو نفسه الماسوشية»، موحيًا بذلك بأن جميع البشر ماسوشيون بدرجة أو بأخرى (والحقيقة أنه ليس واضحًا ما إذا كانت الأنواع التي يعدّدها فرويد من الماسوشية - «الإيروتوجينية»، أو «الأنثوية»، أو «الأخلاقية» - يمكن مساواتها تلقائيًا بالبنى السريرية أو بالفئات التشخيصية بالمعنى اللاكاني). وكان السؤال في ذهني هو ما إذا كان بَاتريك قد تجاوز في لحظة ما مجرد اللعب بالماسوشية، ويجب فهمه بوصفه ماسوشيًا، بنيويًا.
يبدو أن فرويد ولاكان يتفقان على أن العصابيين، بوجه عام، لا يفعلون سوى أن يحلموا أو يتخيلوا ما يفعله المنحرفون فعلًا. وقد روى لي بَاتريك مرة خيالًا كان لديه تُنتهك فيه الصفقة الرمزية، إذ يُخدَّر بَاتريك ويُجبر على ممارسة جنس غير آمن مع رجال عديدين. وبدا لي هذا دالًا على الجهة التي يقع فيها بَاتريك من الفاصل بين العصاب والانحراف، بقدر ما كان الأمر بالضبط خيالًا. وإذا أمكن فهم الخيال، في بعض الحالات، بوصفه تمثيلًا لانتهاك القانون، أو انتهاكًا للميثاق الرمزي، فإننا نرى بوضوح أن القانون كان حاضرًا هنا.
ولو أمكن فهم بَاتريك بوصفه ماسوشيًا، من الناحية التشخيصية، فأظن أنه كان ينبغي لنا أن نرى لديه شيئًا من قبيل إرادة لإذلال الذات بلغت من الشدة ما يجعل شركاءه الساديين يشعرون بأن عليهم إيقاف عقابه، ووضع حدود معينة. كنا نتوقع أن نرى إرادة أو دافعًا إلى أن يُعاقَب (se faire punir) يبلغ من المدى ما يجعل الشريك يرفض في النهاية أن يذهب إلى أبعد، ويضع حدودًا للعقاب، ويضع القانون لبَاتريك أو يلفظه. وعادةً لا تكون الحدود موجودة منذ البداية، بل لا تُرسم إلا أثناء السيناريو الماسوشي وبسبب ذهابه «بعيدًا جدًا»، أي إلى ما وراء كل الحدود التي تعد «مقبولة» لدى الشريك.
ومع ذلك، ربما كان كل هذا النقاش يسعى إلى وضع الشريك في المكان الخطأ. وأقول هذا لأن بَاتريك، في مرحلة ما نحو ست سنوات في العلاج، بدأ يخبرني عن وقائع جرت فيها أمور إلى حد بعيد مع بعض الشركاء الجنسيين إلى درجة أنني أنا نفسي صرت قلقًا جدًا على سلامته. ويمكننا بالطبع أن نتساءل عما إذا كان ببساطة يسعى في ذلك الوقت وراء رغباته الجنسية الخاصة ويرويها لي في الجلسات، أم أن سعيه إلى إشباعات تبدو خطرة كان مدفوعًا، على الأقل جزئيًا، برغبة في أن يخبرني بها كي يحصل مني على نوع من الاستجابة أو الإثارة. وكان كثير من المعالجين سيفترضون فورًا أن سلوكه موجَّه نحوي أو أنه رسالة من نوع ما إليّ - أي إنه تمثيل فعلي - لكن هذا لم يكن واضحًا لي في البداية. ولو كان يحاول أن يختبر درجة قلقي بشأن رواياته عن نشاطه الجنسي، فقد فعل ذلك على نحو دقيق جدًا، مما تركني غير متيقن مما إذا كان هذا موجهًا إليّ (بوصفـي الآخر الكبير) أم لا. وقد زاد هذا التقدير تعقيدًا أننا كنا نتحدث مرتين فقط في الشهر في تلك اللحظة الزمنية بعينها؛ أما عندما نلتقي على نحو أكثر انتظامًا، فأغلب ما يراودني هو أنني واحد على الأقل من المتلقين لنشاطات المستحلّين.(16)
كان القرار الذي اتخذته هو أن أخبره - وقد شعرت أن التزامه بالعلاج صار، عند تلك النقطة، قويًا بما يكفي لأن يكون لذلك أثر - أنني سأجعل استمرار العلاج مشروطًا بتوقف الأنشطة «S&M». ولدهشتي الكبيرة، وافق فورًا على وقف هذه الأنشطة، بل ووجّه اهتمامه العاطفي إلى شخص آخر. وعندما تبدأ دوافع المستحلِّ في الميل نحو الموت - وكما يخبرنا لاكان (2006a، ص 848)، فإن «كل دافع هو فعليًا دافع موت» بقدر ما تكون الدوافع كلها قهرية، «عديمة الرأس» (acephalous) (لاكان، 1973، ص 165، أو «بلا رأس» كما في لاكان، 1978a، ص 181)، ولا تملك حدودًا داخلية (انظر الفصل 4، «الأكل القهري ودافع الموت»، في المجلد الأول من هذه المجموعة) - فإننا نحن المحللين علينا أن نستخدم كل نفوذ متاح لنا لمقاومة نزعاتها القاتلة، متحالفين مع تعلق المستحل بالحياة. إن جعل استمرار العلاج مرهونًا بوقف بعض الأنشطة هو ورقة لا يمكننا أن نلعبها إلا بعد أن يتضح أن المستحل متعلق بالعلاج وبالمعالج أكثر من تعلقه ببعض أشكال متعته، وغالبًا ما لا يمكن لعبها إلا مرة واحدة.
وقد لعبت هذه الورقة أحيانًا مع مرضى ميّالين إلى التدمير الذاتي، لكن ليس واضحًا لي إطلاقًا أن شعوري بضرورة ذلك كان يستند دائمًا إلى ما هو أكثر من الميل الماسوشي الذي يمكن العثور عليه فينا جميعًا، في وقت أو آخر. وفي بعض الحالات، أظن أنني لعبت هذه الورقة بدافع ضيقٍ من رفض المرضى أن يعتنوا بأنفسهم حتى بالحد الأدنى، وخرقهم المتكرر لأخلاقيات المهنة في مجالات عملهم؛ لكن، لو أردتُ أن ألعب دور محامي الشيطان مع نفسي، فقد أضطر إلى أن أستنتج في كل حالة من تلك الحالات أن إهمال المريض الظاهري المتعمد لنفسه وللقواعد التي تحمي من يعملون معه كان، جزئيًا على الأقل، مدفوعًا برغبة في أن أجبر أنا على اتخاذ إجراء ما أو أن أضع قانونًا ما. فهل يمكن أن يكون المعالج، أحيانًا، هو الشريك الذي يسعى الماسوشي، من دون أن يدري، إلى إثارة القلق لديه، حتى يُفرض عليه مثل هذا القانون؟ يبدو هذا ممكنًا بالتأكيد.
لكن لماذا يؤدي التعبير عن حدٍّ كهذا مرة واحدة من قِبل المعالج إلى وقف كل نشاط ماسوشي، بينما يفترض نظريًا على الأقل أن الخلل على مستوى القانون في طفولة الماسوشي (فِينك، 1997، الفصل 9) هو ما يولد البحث المتكرر، بل الذي لا ينتهي، عن هذا النوع من وضع الحدود؟ أعجز عن تفسير ذلك، ولهذا أميل أكثر إلى رؤية بَاتريك لا بوصفه ماسوشيًا، بنيويًا، بل بوصفه عصابيًا عالقًا في قسر تكرار انطلق من لقاءاته الجنسية الأولى مع ابن عمه وهو في الحادية عشرة. فبدلًا من أن يحل مشكلة بنيوية، ربما لم يفعل تدخلي سوى أن يساعده على وقف تمتعٍ كان شديد الإغراء. وربما شعر بَاتريك بأنه، بخلاف أمه، سمعته حين صرخ طالبًا النجدة، وأنني أظهرتُ رعاية واهتمامًا ومحبة، وكان ذلك كافيًا لكي يبدأ في رعاية نفسه.
متابعة لاحقة
لم يكن الشكل الجنسي المعروف باسم «S&M» الذي بدأ بَاتريك ينخرط فيه خلال التحليل التكوينَ النهائي لليبيدوه بأي حال. وربما كان هناك نوع من الصحة في القول إن السادية كانت في البداية «الحقيقة» الكامنة وراء سلوك بَاتريك الماسوشي، لكن التطورات اللاحقة أشارت إلى أن الإيذاء أو التعرّض للإيذاء لم يعودا الطريق الوحيد الممكن لدى بَاتريك للحب أو لأن يُحب. ولا أزعم بطبيعة الحال أنه وصل إلى نوع من تكوين الحب المثالي المتناغم بوصفه نتيجة لعمله التحليلي - وهل يوجد مثل هذا الشيء أصلًا؟ - لكن كان شعوري أن علاقاته العاطفية والجنسية تغيرت كثيرًا خلال السنة التي تلت تدخلي. ولا شك أنها استمرت في التغير بعد ذلك على نحو يستحيل عليّ التنبؤ به.
وسواء كان الأمر في النهاية حالة عصاب (هستيريا؟) أو ماسوشية، فإن الحل الذي عُثر عليه بدا لي أقرب كثيرًا إلى الأول منه إلى الثانية. (ولا أستطيع أن أجادل هنا بقناعة لصالح الهستيريا في مقابل الوسواس، لأنني لم أشعر أن الخيال الأساسي لبَاتريك ظهر بوضوح خلال عملنا معًا.) إن الرهانات المرتبطة بالتشخيص في هذه الحالة تبدو لي مرتبطة بسؤال عن مدى مبكر كان يمكن أن يُتخذ فيه تدخلٌ ما. لم يبدأ بَاتريك في السنة الخامسة من تحليله إلا في تجربة جنس «S&M» الفعلي (في مقابل الافتراضي)، لكن ربما كان يمكن، لو كانت قراءتي للوضع أفضل، أن «أقطع الأمر في مهده»، إذا جاز التعبير، بدلًا من السماح له بالذهاب إلى هذا الحد. ولسوء الحظ، لا يعرف المرء بالضرورة إلا بعد فوات الأوان ما إذا كان يملك، في تلك اللحظة، النفوذ الكافي مع المستحل بحيث يكون لتدخل كهذا الأثر المرجو. وهذه واحدة من الصعوبات الكثيرة في العمل التحليلي حين نُقدّر التوقيت الأكثر فاعلية للتأويلات ولغيرها من التدخلات.
أُلقيت نسخة سابقة من هذه الورقة، كانت تعرض حالة جارية في ذلك الوقت، في مؤتمر بعنوان «التحليل النفسي والصدمة» عُقد في جامعة كورنيل من 27 إلى 29 مارس 1998، برعاية جمعية الإنسانيات (حيث كنتُ زميلًا خلال العام الأكاديمي 1997-1998).
ملاحظات
1 وُعِد، إذا كان مطيعًا، بنوع من المصاص؛ ولم يكن يتذكر أي نوع هو، لكنه قال: «لم يكن blow pop». لاحظ أن ممارسة الجنس الفموي على رجل هي إحدى أنشطته وخيالاته الجنسية المفضلة، وأن pop لفظ شائع في أميركا للأب.
2 وقع شيء مشابه مرة وهو يقبّل فتاة في خزانة في البيت: دخلت أمه فجأة، وأخبرت أباه، فضربه. قد يكون ذلك من باب التمنع، لكنه ربما كان، أكثر من ذلك، من باب الغيرة، إذ كانت الأم تريد كل انتباه بَاتريك وعطفه لنفسها.
3 ومن الواضح أن شيئًا ما لا يلزم أن يَعدّ قانونيًا تحرشًا كي يكون ذا أثر صدمّي على شخص، والعكس صحيح: فما يعدّ قانونيًا تحرشًا لا يلزم بالضرورة أن يكون ذا أثر صدمّي على أحد.
4 يبدو أن السبب الرئيس في جمع لاكان بين كلمتي trou (ثقب) وصدمة في ذلك السياق يعود إلى أن «لا وجود لعلاقة جنسية».
5 إذا لم أنهِ الجلسة عندما كان يشعر أنه لم يعد لديه ما يقوله، كان يعتقد أنني أعذبه عمدًا.
6 إن محاولة تقنين الشروط، ولا سيما في المراحل المبكرة من كثير من أشكال العلاج النفسي، كثيرًا ما تفضي على نحو غير مقصود إلى إبعاد المستحلّ تمامًا. انظروا إلى الاستخدام المحكوم بالفشل أصلًا لـ«العقود» مع المرضى الانتحاريين في كثير من أشكال العلاج النفسي المعاصرة: فالعقد لا يكون صالحًا إلا إلى أن يشعر المريض بسوء يكفي لأن يقتل نفسه، ومن النادر أن يكون توقيع قطعة ورق مع المعالج هو ما يمنعه من ذلك. يحتاج المعالج، بدلًا من ذلك، إلى أن يعبّر عن رغبته في أن يجري التحليل على نحو معيّن. أما أن تقول لمريض: «إما أن تترك المخدرات (أو الكحول أو التبغ أو شكلًا معينًا من الجنس أو أي شيء آخر يستخرجك من نفسك)، أو فلا جدوى من عودتك إلى التحليل» فيبدو أنه يقوض الغرض نفسه من التحليل: فالمستحلّ قصد المعالج تحديدًا لكي يفهم كيف يتخلص من المخدرات أو يتوقف عن الشرب، وهو لا يعرف بعدُ كيف يفعل ذلك.
7 لقد بدأ عدد من المستحلِّين الذين عملت معهم عبر السنين تحليلاتهم حتى بطلبات مني أن أمنعهم من بعض الأنشطة واللذات. ففي حالةٍ ما (انظر الفصل 10 في المجلد الأول من هذه المجموعة)، أراد مستحلٍّ محتمل جديد أن أطلب منه الكف عن مشاهدة الإباحية، وفي حالة أخرى أن أطلب منه التوقف عن خيانة زوجته.
8 باستثناء تلك المرتبطة بالأنا الأعلى نفسه.
9 وكان هناك أيضًا حلم بدا فيه أنه سيجامعني.
10 قد نرى هنا مثالًا للماسوشي الذي يملي القانون المراد أن يلفظ به للآخر، كما نوقش في الفصل 8 من المجلد الحالي؛ ويمكن العثور على مثال لمثل هذا الميثاق عند ساشر-مازوخ (1991).
11 يصف فرويد (1961c) «المنحرفين الماسوشيين» بأنهم ينخرطون في «تنفيذ خيالات [العقاب] على سبيل اللعب» (مع التشديد المضاف)، موحيًا بأن «إدخال التشوهات الجسدية في المحتوى أمر نادر جدًا، وحين يحدث يكون خاضعًا لقيود صارمة فحسب. […] فالماسوشي يريد أن يُعامل مثل طفل صغير عاجز، لكن، وبخاصة، مثل طفل مشاغب» (ص 162). ومن ثم فمن المرجح أن بَاتريك يندرج ضمن فئة «المنحرف الماسوشي» بحسب معايير فرويد، لكننا سنرى لاحقًا ما الذي يمكن التفكير فيه من منظور لاكاني.
12 قد تكون الاستثناءات من ذلك هي المشاهد التلصصية والاستعراضية التي تتصاعد باستمرار إلى درجة تكاد تطلب تدخل السلطات القانونية.
13 قارن ملاحظاتي حول هذا الموضوع بما قلته في الفصل 11 من المجلد الحالي.
14 تأملوا تعليق أحد مستحلّيَّ الواضحين ذوي الطابع الوسواسي، والذي قال فيه إنه يجب «أن تهتم بالطفل بما يكفي لتعاقبه».
15 يشير فرويد (1961c) إلى «حاجة إلى العقاب»، تنشأ فيما يبدو من عقدة أوديبية غير محلولة، وتفضي إلى ما كان قد سماه سابقًا - مستخدمًا تعبيرًا «غير صحيح نفسيًا» - «الشعور اللاواعي بالذنب» (ص 166). وربما كان بإمكانه أيضًا، أو بديلًا، أن يرى في كون عدد متزايد من الناس اليوم يبدو أنهم يشعرون بحاجة إلى العقاب نتيجةً لكبتٍ متزايد باستمرار للدوافع العدوانية (أي «غريزة الموت») في ثقافتنا.
16 ينبغي أن نتذكر بالتأكيد أنه، في سياق عملي مع بَاتريك، خطرت له ذات يوم فكرة: «لا أستطيع الانتظار لأخبر د. فينك» بعد أن لعب دور السيد («التوب») في الجنس الهاتفي، وكان يستمتع كثيرًا بالسادية، مما يوحي بأنني كنتُ، بدرجة ما على الأقل، مدرجًا في أنشطته الجنسية على المستوى التخييلي. كما تصرف أيضًا وكأنه كان مرتبطًا بامرأة في ندوة ألقيتها، لكن تلك الحادثة وقعت قبل ذلك بنحو أربع سنوات من ذهابه إلى التطرف.
النقد
15
لاكان في أمريكا
بروس فينك في مقابلة مع لورين دينت
كيف انتهى بك الأمر إلى أن تصبح عالم نفس ومحللًا نفسيًا؟ وما الذي قادك إلى لاكان؟
أنا لست عالم نفس، حتى لو كنت أدرّس في قسمٍ لعلم النفس. لقد أخذت بضع مقررات في علم النفس حين كنت طالبًا في مرحلة البكالوريوس في كورنيل، وسرعان ما أدركت أن اهتمامي الأساسي هو التحليل النفسي؛ غير أنه، منذ سبعينيات القرن العشرين، كان معظم الأساتذة الذين يدرسون التحليل النفسي في جامعة مثل كورنيل ينتمون إلى الأنثروبولوجيا، والنظرية السياسية، والأدب المقارن. وقد وصلتُ فعليًا إلى لاكان عبر النظرية النقدية، وسرعان ما استهواني منهجه، إذ أدركت أنه أشد فرويدية بكثير من المنهج الذي كان يعتمده المحللون الذين احتككت بهم في الولايات المتحدة.
من أبرز الفروق بين التحليل النفسي اللاكاني والعلاج النفسي البريطاني/الأمريكي التأكيد الذي يضعه هذا الأخير على البحث التجريبي. لماذا يتردد اللاكانيون إلى هذا الحد في الانخراط في مثل هذا البحث؟ وهل يستطيع التحليل النفسي أن يبقى تقنية علاجية مشروعة من دونه؟
أود أن أقول إن التحليل النفسي، أعني التحليل النفسي الحقيقي، لا يستطيع أن يبقى إلا برفضه الانخراط في مثل هذا البحث. فثمة حركة داخل الوسط التحليلي النفسي الأمريكي ترمي إلى اختزال الممارسة التحليلية النفسية إلى شيء يمكن قياسه كمّيًا، سعيًا إلى إرضاء الطلب الأمريكي على دراسات النتائج. وهذا الطلب جزء لا يتجزأ من الطلب على دراسات ضبط الجودة وضمان الجودة في كل مكوّن من مكوّنات الاقتصاد تقريبًا، وفي الأوساط الأكاديمية أيضًا، حيث يُنتظر اليوم أن يخضع كل شيء للمراجعة والتقييم طوال الوقت من خلال استطلاعات رضا الزبائن. إن الامتثال للمطالب المعاصرة التي تريد برهانًا على أن التحليل النفسي ممارسة "قائمة تجريبيًا" أو "قائمة على الدليل" عبر إجراء دراسات نتائج، هو إقرار ضمني بخطاب السيد، الذي يتخذ اليوم شكل الخطاب الرأسمالي. (أما تقديم برهان على أن التحليل النفسي يغيّر كيمياء الدماغ و/أو وظائفه، فهو إقرار ضمني بالفكرة السخيفة التي تقول إن شيئًا لم يتغير في الشخص ما لم يمكن تصويره في مسح دماغي أو قياسه كمّيًا في مقارنات ما قبل وما بعد لمستويات النواقل العصبية. وهذا جزء من الخطاب الطبي المهيمن اليوم، الذي يزداد هو الآخر خضوعًا للخطاب الرأسمالي).
إن خريجي البرامج الأكاديمية يتعرضون باستمرار لسيل من الاستبيانات التي تسألهم ما إذا كانوا يشعرون بأنهم حصلوا على قيمة كافية مقابل الرسوم التي دفعوها، على أساس الافتراض القائل إن الزبون على حق دائمًا: فالمؤسسة التعليمية تكون قد فعلت الشيء الصحيح إذا كان الطلاب راضين عنها، حتى لو كانوا قد تعلموا القليل جدًا.
لقد صار الطلاب يتعلمون أقل فأقل مع تراجع الصرامة في الأنظمة التعليمية، لكن تضخم الدرجات مشكلة خطيرة، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن التوجه التجاري الجديد في التعليم يقتضي أن يخرج المستهلكون راضين، عن المدرّس الفرد وعن المؤسسة كلها، ومن الأسهل بكثير، على المدى القصير على الأقل، تحقيق هذا الرضا بالدرجات المرتفعة لا بأعباء العمل الثقيلة والمهام الصعبة. وفي نظري، هذه محاولة لتطبيق الممارسات التجارية تطبيقًا مباشرًا على الأكاديمية، وهي ممارسات لا تصلح هناك إلا إذا كان كل ما يهم فعلًا هو زيادة أعداد الملتحقين. فالتحليل النفسي والتعليم لهما غايات أخرى غير مجرد إبقاء الزبائن راضين.
إذا اعتقدنا أن مبادئ الأعمال التجارية ينبغي اعتمادها في العلاج النفسي، فسيُنظر إلى المعالج على أنه يمارس عمله على النحو المناسب ما دام الزبون سعيدًا ويستمر في التوصية به لزبائن علاج محتملين آخرين. وفي هذا قدر من المنطق التجاري، لكنه إشكالي من منظور علاجي.
هناك عدد من المحللين يُعِدّون دراسات نتائج للتحليل النفسي وللعلاج النفسي ذي التوجه التحليلي النفسي في ألمانيا والولايات المتحدة وأماكن أخرى. وهم يفترضون ضمنًا: 1) أن العملية التحليلية النفسية، بما تنطوي عليه من تعقيد لا نهائي، يمكن اختزالها إلى مجموعة من المتغيرات التي يسهل شرحها وقياسها كمّيًا؛ و2) أن الناس يعرفون بوعي ما إذا كانوا قد استفادوا من عملية معينة أم لا. وهكذا يُستبعد اللاوعي منذ بناء هذه الدراسات نفسه، لأن معظم دراسات النتائج التي سمعت بها تقوم على إعطاء الناس استبيانًا أو إجراء مقابلة معهم حول ما يعتقدون أنه حدث في علاجهم. وقد يشير فرويد إلى أن تحولًا كبيرًا يحدث كثيرًا خلال الأسابيع أو الأشهر الأولى بعد انتهاء المرضى من العلاج التحليلي النفسي؛ إذ قد تستمر أعراضهم قليلًا ثم تنحل، وربما كان لهذا الأمر علاقة كبيرة بتصفية "عصاب النقل".
فمتى، إذن، ينبغي أن تُطبَّق استطلاعات النتائج أو تُجرى المقابلات؟ إذا فعلت ذلك في فترة محددة سلفًا أثناء استمرار العلاج، فقد تمسك بالناس وهم في خضم نقل سلبي، فيعطونك أجوبة سلبية جدًا، مع أن تلك المرحلة الوعرة ربما كانت خطوة ضرورية في الطريق إلى نتيجة ناجحة. ليس للاوعي زمن مخصوص. فقد يستغرق التحليل خمس سنوات لشخص، واثنتي عشرة سنة لآخر، ويكون كلاهما ناجحًا جدًا. لكن إذا أعطيتَ كلا المحلَّلين استبيانًا ليملآه بعد أربع سنوات بالضبط من بدء المسار، فقد تتلقى أجوبة مشوهة إلى حد بعيد. وبالمثل، فإن إعطاء الاستبيانات في نهاية الجلسة الأخيرة من التحليل قد يفضي إلى نتائج مختلفة جدًا عن إعطائها بعد ستة أشهر أو سنة من نهاية التحليل. ومن الطبيعي أنك ستحصل على نتائج مختلفة ممن يتركون التحليل بعد سنة أو سنتين بدافع الجبن، أو الفقر المزعوم، أو الإحباط، أو لأي عدد آخر من الأسباب، عما ستحصل عليه ممن يتركونه وهم يشعرون أنهم نالوا منه تقريبًا كل ما أرادوه.
هذه مجرد قلة من الأسباب التي تجعل حتى توقيت دراسات النتائج إشكاليًا. وأنا لم أتطرق أصلًا إلى نوعية الأسئلة المطروحة في هذه الدراسات، ولا إلى قدرتها، أو عجزها، عن التقاط ذلك التحول الذاتي الذي يستهدفه التحليل النفسي، وهو تحول يتجاوز كثيرًا "إزالة العرض".
لقد قاوم اللاكانيون إغراء الاستسلام ببساطة والامتثال للمطلب القاضي باختزال العملية التحليلية النفسية إلى مجموعة من المتغيرات القابلة للقياس الكمّي، والتي يمكن دراستها باستخدام معتقدات الناس الواعية حول سير العمل أو ما انتهى إليه.
هل يمكنك أن تتصور دراسة نتائج تستطيع أن تلتقط، على نحوٍ أكمل، تعقيد العملية التحليلية النفسية؟
كثير من اللاكانيين يؤيدون نوعًا أشد تعقيدًا بكثير من دراسات النتائج، ويطلقون عليه اسم "العبور" (the pass). ويقوم هذا على أن يصف محلَّلون يعتقدون أنهم أكملوا تحليلاتهم، وصفًا مفصلًا لما حدث لهم على امتداد تحليلاتهم، لمحلَّلين آخرين يقتربون هم أنفسهم من نهاية تحليلاتهم. ثم يقوم هؤلاء المحلَّلون الآخرون (المعروفون باسم passeurs) برفع ما سمعوه إلى لجنة، من غير ذكر أسماء أو معلومات تعريفية بالطبع، فتستطيع اللجنة أن تقيّم نوع العمل التحليلي الجاري في معهدهم ونوع النتائج التي يحققها. إنه نوع من حلقة التغذية الراجعة التي تمكّن المعاهد المحددة من مواجهة الفجوة المحتملة بين نظريتها في الممارسة التحليلية النفسية وبين ما تستطيع بالفعل إنجازه مع المرضى على الأريكة. وما يتعلمونه مما تحقّق عبر "العبور" يوجّه تنظيرهم المتواصل للعملية التحليلية، وهو ما يؤثر بدوره في ممارستهم اللاحقة.
ما الذي تظن أنه يقف وراء هذا التشديد المتزايد على مثل هذه الدراسات والمطالبة بها؟
إن كثيرًا من الطلب على دراسات النتائج في العلاج النفسي يصدر عن شركات التأمين، التي يهمها أساسًا صافي أرباحها. فشركات التأمين لا ترغب، في الغالب، إلا في دفع تكاليف علاج نفسي مرة واحدة أو مرتين في الأسبوع، وقليل جدًا من شركات التأمين الصحي يسدد جلسات أسبوعية حتى لمدة سنة كاملة. ومعظمها يوقف الدفع بعد عشر جلسات أو عشرين، إلا إذا منحتَ مريضك، طبعًا، تشخيصًا مدمرًا بصورة خاصة من تشخيصات DSM، فعندئذ قد يسمحون بثلاثين جلسة أخرى أو نحو ذلك. ولو سمحوا يومًا بمئتي جلسة لكان الأمر لا يكاد يُصدق. لكن حتى مئتي جلسة لا تعادل، تقريبًا، إلا السنة الأولى من التحليل.
وهذا يعني أن التحليل النفسي والتأمين يشبهان، إلى حد ما، الزيت والماء: لا يختلطان. وتأكيدًا لذلك، فإن شركات التأمين لا تعوّض للمحللين النفسيين بوصفهم كذلك، إلا إذا كانوا أيضًا أخصائيين نفسيين إكلينيكيين مرخَّصين أو أطباء نفسيين.
يكاد أي محلل يريد أن يرى المرضى ثلاث مرات أو أربعًا أو خمسًا في الأسبوع أن يكون مضطرًا إلى الاستغناء عن التأمين، ولعل ذلك أفضل في النهاية. فمن الجيد أن يبقى اللاكانيون وغيرهم من المحللين إلى حد ما خارج نظام الرعاية الصحية الراهن، منفصلين عن بعض مطالب الثقافة الأوسع. لقد عالجت كثيرًا من المرضى الذين كانوا، قبل أن يبدؤوا التحليل النفسي معي، قد جرّبوا كل أنواع العلاجات التي تغطيها شركات التأمين، ولم ينالوا منها إلا قليلًا من الراحة أو لم ينالوا شيئًا. فكثير من العلاجات المعاصرة المغطاة بالتأمين تتضمن نوعًا من المساندة اليدوية ومحاولة خفض القلق؛ ومع أن تلك العلاجات تزعم أنها تستهدف غايات ملموسة جدًا مثل تخفيف الأعراض، فإن المرضى يظلون تعساء على نحو عميق ويستمرون في المعاناة من الأعراض نفسها التي بدؤوا بها.
لعل هذا انتقال جيد إلى مناقشة ما الذي يقدمه التحليل النفسي اللاكاني للمرضى، إن لم يكن مجرد التخفيف من أعراضهم. فالواقع أن لاكان يتحدث عن "التماهي مع العرض"، وهي فكرة قد تبدو محيرة جدًا لكثير من المعالجين.
على الرغم من أن التحليل النفسي لا يستطيع أن يعد صراحة بالسعادة، فإنه يستطيع كثيرًا أن يعد بشيء ليس مناقضًا تمامًا وبالكامل للروح الأمريكية: يمكنه أن يعد بتخفيف بعض أشكال التعاسة. وأظن أن كل محلل سيوافق على أن تخفيف الأعراض يحدث في مجرى العلاج التحليلي النفسي، لكننا، نحن المحللين، لا نريد أن نَعِد بشيء شديد التحديد. فإذا جاءنا شخص يشكو من الشقيقة، فنحن لا نريد أن نقول إننا على يقين مطلق بأننا سنتمكن من إزالة كل نوبات الشقيقة. لقد طرح لاكان، في أواخر حياته، تصورًا مخالفًا للحدس عن الكيفية التي يمكن أن ينتهي بها التحليل الناجح، في بعض الحالات، بوصفه "تماهيًا مع العرض". ولو ذكرتَ ذلك في بداية العلاج، لهرب معظم المرضى في الاتجاه المعاكس. ومع ذلك، فثمة تحولات مهمة جدًا تقع في مسار التحليل، ومفهوم لاكان عن "التماهي مع العرض" لا يعني أن العرض يبقى بمنأى عن العملية التحليلية. بل إنه، في العادة، يتغير تغيرًا جذريًا.
عندما يسألني أحدهم شيئًا مثل: "ما الذي يمكنني أن أرجوه؟" في الجلسة الأولى أو الثانية، فإن جوابي يعتمد على ما كان قد شكا منه قبل أن يطرح هذا السؤال. فإذا كان، كما يحدث كثيرًا جدًا، قد شكا من علاقاته بالآخرين المهمين في حياته، فأنا أشعر بثقة تمكّنني من أن أعده بأنه يستطيع أن يرجو تغيرًا جديًا في علاقاته بالآخرين. وغالبًا ما يكون ذلك كافيًا، فالمرضى المحتملون نادرًا ما يطلبون نعيمًا كاملًا عندما يبدؤون العلاج.
ومع ما قد يكون للتخفيف السريع للأعراض من فائدة للمريض، فإنه قد يدفعه إلى ترك العلاج قبل الأوان، معرّضًا إياه لخطر أن يعود العرض بسرعة شديدة. فعندما تُزال الأعراض في فترة قصيرة جدًا، وهو ما يحدث أحيانًا حتى في التحليل النفسي، تكف تلك الأعراض عن تزويد المريض بالدافع الضروري للمضي أبعد. وغالبًا ما يكون من الضروري الذهاب أبعد، حتى لا يتعرض بعد سنة مثلًا لنوبات هلع جديدة، لأن شيئًا ما يكون قد عولج بصورة نهائية لا رجعة فيها.
وغالبًا ما يُنظر إلى تخفيف الأعراض على أنه المعيار الوحيد للنجاح العلاجي، ولا شك في أنه مهم للمريض. وأظن أنه يُتخذ على هذا النحو لأنه يُظن أنه الأسهل في القياس: تسأل المريض "هل صارت نوبات الهلع أقل منذ بدأ علاجك؟" فيجيب بنعم أو لا؛ وتسأله "هل صارت نوبات الهلع أقل شدة منذ بدأ علاجك؟" فيجيب بنعم أو لا. لاحظ أولًا أن الباحث يفترض هنا، كما في غيره، أن المريض كان يتتبع بالفعل تكرار نوبات الهلع وشدتها، وهو أمر نادر. لكن ما يغوي الباحثين هو الطبيعة الحاسمة، "النظيفة"، والثنائية للجواب: نعم أو لا. ومع ذلك، فقد يشعر المرضى أن علاجهم ساعدهم بطرق لا تُحصى، حتى وإن لم تخف نوبات الهلع عندهم، لا من حيث التكرار ولا من حيث الشدة. وهذا يعني أن كون السؤال ينتج جوابًا ثنائيًا واضحًا، نعم أو لا، لا يعني بالضرورة أنه يلتقط مجمل تجربة المريض. ولا يفعل ذلك أيضًا مجرد إضافة مزيد من الأسئلة التي تنتج أجوبة ثنائية واضحة على المنوال نفسه.
كثيرًا ما لاقى لاكان اللوم من محللين على جانبي الأطلسي لأنه يتجاهل الوجدانات والانفعالات في العملية الإكلينيكية. فما الدور، إن كان لها دور، الذي تؤديه الوجدانات في التحليل النفسي اللاكاني؟ وهل الوجدان مرتبط بمفهوم لاكان عن jouissance؟
لقد اتهم الناس لاكان بأنه لا يتحدث عن الوجدان، لكن الحقيقة أن معظم المحللين في فرنسا كانوا يتحدثون باستمرار عن الوجدان في زمنه، وكان هو يحاول أن يفعل شيئًا يوازن، في الواقع، هوسهم به. وأعتقد أن لاكان قد أسهم إسهامًا مهمًا حين تحدث عن jouissance والرضا، وهو أمر كان ولا يزال مهملًا إلى حد بعيد. أنا أشرف على عدد كبير من المحللين، والأخصائيين النفسيين، والأطباء النفسيين في عملهم الإكلينيكي، وإذا كان هناك شيء واحد لا يتلقون تدريبًا عليه، فهو النظر في الكيفية التي يستمتع بها المريض بالشيء نفسه الذي يشكو منه. فالشيء الذي يبدو للمحلَّل الذاتي أكثر ما يزعجه، وأكثر ما يؤلمه، هو نفسه الموضع الذي يكمن فيه الرضا، أي jouissance. وهذا ما يغفله، في خبرتي، معظم الأطباء الإكلينيكيين الذين يأخذون شكاوى المرضى على ظاهرها، بوصفها إحالات إلى انفعالات ينبغي التخلص منها.
وهذا يعيدنا إلى الفكرة المضللة عن تخفيف الأعراض. فإذا لم تدرك أن المرضى يشكون من الأشياء نفسها التي تمنحهم أعظم قدر من jouissance في الحياة، والتي هم أشد تعلقًا بها، وإن كان ذلك على نحو سري، فسوف تُغرى بتخفيف شكاواهم، وبذلك تحرمهم من الـ jouissance الوحيدة التي يعرفون حاليًا كيف يحصلون عليها في حياتهم. وهذا مسار خطير، لكنه يُسلك كل يوم على أيدي أطباء يصفون أدوية يُزعم أنها صممت لتهدئة القلق وتخفيف الاكتئاب، وما إلى ذلك.
إن أسباب الاكتئاب متعددة جدًا، ويصعب القول إن اكتئابًا واحدًا يشبه آخر في سببيته النفسية. فالناس ينشغلون بالنظر إلى أعراض بعينها مثل فقدان الشهية أو النهام، أو ينشغلون بالحزن، أو بالمالنخوليا. وهذا يميل إلى أن يجعلنا نظن أننا نستطيع أن نجمع المرضى في فئات إكلينيكية على أساس سلوك رئيسي أو وجدان ظاهر لديهم، وهو إغواء لا يساعدنا حقًا على اكتشاف مناهج علاج أفضل.
إن انتشار الاكتئاب في عصرنا قد يكون نتيجة تطورات في ثقافتنا. غير أن ازدياد تشخيص الناس بالاكتئاب قد يعكس أيضًا، أو بدلًا من ذلك، حقيقة بسيطة هي أن شركات الأدوية قد ركبت مزيدًا فأكثر من مضادات الاكتئاب، وحين يكون لديك "علاج" فلا بد أن تجد له "مرضًا" يمكن أن يعالَج به. وهذه مشكلة معروفة على نطاق واسع وموثقة جيدًا في الثقافة الأمريكية الحديثة، حيث يُسمح لشركات الأدوية بتسويق بضائعها مباشرة للمستهلكين (راجع Whitaker, 2010).
إذا اقتنع الأطباء، بفعل مندوبي شركات الأدوية، بأنهم يستطيعون علاج الاكتئاب بحبة دواء، فسيكونون أميل إلى وسم المرضى بالاكتئاب بدلًا من وصفهم بأنهم منقسمون بالكامل داخل أنفسهم، مثلًا، بين الحب والكراهية اللذين يشعرون بهما تجاه الوالد نفسه. ويبدو أن مثل هذا الصراع هو بوضوح شديد سبب "الاكتئاب" عند أحد محلَّليَّ الذوات، الذي أعطي مضادات اكتئاب لعقود، مع أنها لم تمنحه إلا قدرًا ضئيلًا جدًا من الراحة وكان لها أثر خطير في ليبدوِه. لكن شركات الأدوية لا تملك حبةً من أجل "الصراع داخل-النفسي"، ولذا فليس مرجحًا أن يُغرى الأطباء بإدراجه تشخيصًا، حتى لو استطاعوا إدخاله في DSM-V.
أرى كثيرًا من المرضى يأتون إليّ بعد أن شُخِّصوا بالاكتئاب ووُضعوا على نصف دزينة من الأدوية المختلفة. وهم غالبًا ما يتوقفون عن معظم هذه الأدوية بسرعة كبيرة ومن غير أي تدخل مني. ويبدأ الاكتئاب في الانقشاع خلال وقت قصير نسبيًا، ويتضح أن الاكتئاب أثر لصراعات عصابية قديمة العهد. إن ما ينبغي أن يركز عليه العلاج هو الصراعات العصابية، لا الوجدان، الذي قد يكون أحيانًا غطاءً أو ستار دخان تختفي خلفه الصراعات عن النظر. الوجدان أثر لا سبب. وهذا ما يميل إلى أن يَلتبس حين يركز الناس بشدة على الوجدان.(1)
لقد تبع لاكان فرويد في فهمه القلق بوصفه أهم الوجدانات بالنسبة إلى التحليل النفسي. وبينما يهدف معظم المعالجين إلى خفض القلق بأسرع ما يمكن، اقترح لاكان أن يستخدم المحلل القلق "بجرعات صغيرة" من أجل دفع التغير الذاتي عند المريض. كيف تتصور القلق أداة علاجية في العملية التحليلية؟
القلق هو العملة الكونية للوجدان: يمكن تحويل jouissance إليه، وكذلك الألم، والذنب، والحزن. وعندما يظهر القلق، قد لا تعرف بالضرورة معناه، لكنك تعرف أن شيئًا مهمًا يجري، وأن نوعًا من الـ jouissance حاضر في الموقف.
وقد أخبرني عدد من المحللين الذين أعمل معهم، ممن تلقوا تعليمهم في الولايات المتحدة، أنهم يُقال لهم في تدريبهم: إذا جعلتم المريض قلقًا فأنتم تفعلون شيئًا خاطئًا. والغاية من العلاج، كما يتعلمونها، هي أن يفضي إلى أقل قدر ممكن من القلق. وعلى الرغم من أن المحللين الأمريكيين يتحدثون باستمرار عن الوجدان، وغالبًا عن وجدانهم هم، فإن منهجهم العلاجي يبدو مصممًا لتقليل ظهوره إلى الحد الأدنى، على الأقل في أكثر صوره كونية.
يلعب القلق دورًا في العمل الإكلينيكي من حيث إن ظهوره يشير إلى الإكلينيكي بأنه يقترب من شيء ما، وأن التأويل يمكن أن يكون له في تلك اللحظة أثر بالغ الأهمية فعلًا. إنه يدل على شيء يخص object a، أي إنه يعمل في تلك النقطة، وأن هناك انشغالًا بالفقد، وسؤالًا عن الخصاء. إن علاجًا لا يظهر فيه القلق يكاد يكون غير قابل للتصور؛ فإذا لم تُثر قط أي قلق في مرضاك، فالأغلب أنك لن تصل إلى شيء.
كان فرويد يعتقد في البداية أن المرضى يستطيعون، في الظروف المناسبة، أن يتذكروا كل ما يلزم لفك جميع صراعاتهم العصابية؛ وكان يشعر أنهم يستطيعون، عبر علاقة النقل بالمحلل، أن يتذكروا كل ما كبتوه يومًا، وأن يتكلموا به في النهاية كله. لكن كلما طال عمله مع المرضى أدرك أكثر أن هناك عاملًا كمّيًا، ليبيديًا، ينبغي أخذه في الحسبان أيضًا، وقد صاغ لاكان له مصطلحات مختلفة مثل object a وjouissance. فثمة عوائق معينة تحول دون تذكر المرء لماضيه ودون قدرته على صياغة ما كُبت. ويظهر القلق دائمًا في اللحظة التي يكون فيها شيء مكبوت حاضرًا: إما أن المكبوت على وشك أن يظهر على نحو ما، أو أنه في صلب الفعل، يُلامس على نحو ما.
وشعوري إزاء الحقل التحليلي النفسي المعاصر في الولايات المتحدة هو أنه، كما قال Russell Jacoby في منتصف سبعينيات القرن العشرين، قد نُسي فيه اللاوعي. هناك نوع من فقدان الذاكرة الاجتماعي يعمل هنا: كثير من أهم بصائر فرويد الأولى حول المكبوت أُلقي بها من النافذة. وكثير من الإكلينيكيين الذين تحدثت إليهم يبدون كأنهم لا يعرفون أصلًا ما الذي أعنيه حين أتكلم عن المكبوت.
يضع المحللون النفسيون والمعالجون البريطانيون والأمريكيون، ولا سيما القادمين من خلفية علاقات الموضوع، تشديدًا خاصًا على دور الخبرات الطفولية السابقة لأوديب والمتعلقة بالأم. أما لاكان، مقتفيًا أثر فرويد، فقد شدد بالأحرى على الآثار التي تترتب على فقدان الفرد لتلك الخبرة الأمومية من أجل بلوغ هوية رمزية منفصلة. هل يمكنك أن توضح نقد لاكان للمبالغة في التركيز على الأمومة؟
يبدو أن كثيرًا من التحليل النفسي المعاصر منخرط في محاولة لإصلاح الفقد الأساسي الذي لا بد لنا جميعًا من أن نخضع له: الفقد الناشئ عن انفصالنا عن أمهاتنا ونحن ننمو. فبدلًا من قبول أن مثل هذا الفقد ضروري، وهو ما يعرفه المحللون الفرويديون باسم "الخصاء"، ومساعدة المرضى على تجاوز هذا الفقد، أو تخطيه، أو مصارعته، نقل كثير من المحللين المسألة إلى مشكلة مختلفة تمامًا: أمهاتنا كن غير كافيات، وعلى المحلل أن يخدم المرضى بوصفه "أمًا جيدة بما فيه الكفاية" تأتي متأخرة. وبذلك لا تعود المشكلة هي كيفية مصارعة الخصاء، بل كيف نعوّض المريض عن فقد كان ضروريًا.
هذا يبدو لي ضربًا من الخيال المستحيل، ويقود إلى نوع من العلاج يتمحور كله حول الأمومة ومحاولة إعادة تربية الطفل. وربما يقود حتى إلى تحليل لا ينتهي، لأنه إذا صار المحلل أمك الجديدة، ولم تكن هناك محاولة لدفعك إلى مصارعة الفقد، فلماذا تريد أصلًا أن تتوقف عن رؤية المحلل؟ إن التركيز في التحليل النفسي اللاكاني على object a وعلى الفانتازم الأساسي يتعلق بإعادة تشكيل علاقة الذات بالفقد. إنه يركز العلاج على سؤال آخر: "حسنًا، لقد أُجبرتُ طفلًا على التخلي عن أشياء كثيرة، ولا أشعر بأنني عُوِّضت عنها على نحو كاف؛ فكيف أتجاوز ذلك من غير أن أظل الآن أتلقى تعويضًا لا نهاية له؟"
لقد انتهى لاكان إلى فهم نهاية التحليل أيضًا بوصفها متعلقة بالدوافع، وهو ما يبدو كأنه يعني أن المريض يسمح بإشباعات اندفاعية، جزئية، ومؤقتة، بدلًا من أن يعلق في الفانتازات والتكهنات حول ما يريده الآخرون منه أو منها. لكن ألا يقود هذا موضوع الدوافع إلى شخص لا اجتماعي ومتهور، لا يبالي بالآخرين؟ أليست هناك أسئلة أخلاقية هنا؟
يعتقد لاكان أننا نستطيع أن نؤثر تأثيرًا عميقًا في دوافع العصابي، أي أن التحليل يمنح الدوافع نوعًا من الحرية. وهذا التصور يوحي بأن القيود المفروضة على دوافع العصابي تكون، في الحالة المثالية، أقل بكثير، وكذلك تثبيط هذه الدوافع، عند النهاية المنطقية للتحليل. ولذلك كان لاكان يؤمن، منذ الستينيات بالفعل، بأن الذات يمكن أن تكون لها في نهاية تحليلها علاقة مختلفة بـ jouissance.
وهذا بالتأكيد شيء مختلف عن Looking Out for Number One، إن كنتَ تعرف ذلك الكتاب من سبعينيات القرن العشرين. فالأمر لا يتعلق بتعلم الأنانية وتجاهل الآخرين. الفكرة هي أن معظمنا مشدود على نحو مفرط إلى ما نظن أن الآخرين يريدونه، وما نظن أنهم يريدونه منا، حتى نصير مثبطين جدًا، ونادرًا ما نقول ما نريده وكيف نشعر.
حين يتحدث لاكان عن سعي أكثر حرية للدوافع في نهاية التحليل، فهو يتحدث عن العصابيين، لا عن السيكوباثيين الذين يخرجون مسدساتهم حين يغضبون ويطلقون النار على الناس. إنه يتحدث عن عصابيين يجدون صعوبة شديدة في التعبير عن الشهوة أو الكراهية للآخرين، وفي الإقرار برغباتهم الخاصة وامتلاكها. لاكان لا يطرح ذاتًا عديمة المسؤولية تمامًا في نهاية التحليل، بل ذاتًا تكون قد شقت طريقها، بطريقة ما، إلى ما بعد الآخر. فالانفصال عن مثل الآخر، وقيمه، ورغباته، ومطالبه، لا يعني أن الذات تبدأ في التفكير في مصالحها وحدها وتدوس الجميع، بل يعني أنها تبدأ في إقامة علاقة مختلفة بالأعراف الاجتماعية وبالمبادئ الأخلاقية التي فُرضت عليها في أثناء تنشئتها، وهي مبادئ قبلتها أو لم تقبلها بطرق معينة، أو قبلتها جزئيًا فقط. إنها، أخيرًا، تصارعها وتصير بعض هذه المبادئ لها هي، بدلًا من أن تراها دائمًا مفروضة من الخارج، مفروضة من آخرين.
يبدو أن هذا يردّد تعريف لاكان للحب بوصفه ما يسمح للرغبة والدوافع بأن يتعايشا. فهل ترتبط نهاية التحليل بالحب؟
أنت تشير بلا شك إلى تعليقه في الندوة العاشرة عن القلق (Lacan, 2004, p. 209) بأن "الحب وحده هو الذي يسمح للـ jouissance بأن تنحدر إلى مستوى الرغبة." لا أظن أن لاكان قد صاغ النهاية المنطقية للتحليل بمصطلحات الحب، لكن هذا قد يكون مسارًا مثمرًا للبحث.
هذه المقابلة، التي جرت في صيف 2008، ظهرت تحت عنوان "Lacan in the United States: An Interview with Bruce Fink" في Contemporary Psychoanalysis, 47(4) (2011), 549–57.
ملاحظة
1 انظر كتاب Colette Soler الصادر حديثًا (2011) بعنوان Les affects lacaniens.
16
بضع كلمات مع محرري MonoKL
ماذا تعني "العودة إلى فرويد" في سياق الخطاب اللاكاني؟ وما أوجه الشبه والاختلاف بين فرويد ولاكان؟
إن عودة لاكان إلى فرويد تعني أشياء كثيرة جدًا، لكن معناها الأول، وربما الأهم، هو العودة إلى الاهتمام بالـ unconscious كما يُستكشف من خلال language. ففي زمن لاكان نفسه، كانت relationship بين المحلل والمحلَّل الذاتي قد بدأت تحتل الأسبقية، في نظر كثير من الإكلينيكيين، على استقصاء اللاوعي. وقد مضى هذا الاتجاه بعيدًا إلى حد أن بعض المحللين اليوم يصرحون بأن "العلاقة هي كل شيء"، وأن مضمون التحليل أمر تافه قياسًا إليها. ففي نظرهم، لا يهم ما الذي يقوله المحلَّل الذاتي، ولا ما الذي يرد به المحلل، ما دام بينهما "تحالف علاجي" داعم. وقد اقترنت هذه القطيعة مع فرويد بالاقتناع بأن الوجدان هو الكأس المقدسة: أي إن كل تجلٍّ للوجدان أثناء الجلسة دليل على أن التحليل يسير في الاتجاه الصحيح. وكل من فرويد ولاكان يشكان، بحق، في صدق الوجدان، لأن الوجدان قد يكذب حتى وهو يشير إلى jouissance.
هناك أوجه شبه واختلاف أكثر مما يمكن عده بين فرويد ولاكان بحيث يتعذر أن أجيب عن سؤالكما هنا بتفصيل. لكن من الواضح أن فرويد ولاكان دافعا كلاهما دفاعًا صلبًا عن ضرورة أن يذهب التحليل أبعد بكثير من خدش السطح إذا أريد له أن يبلغ العرض وأن يعيد تشكيل الفانتازم الأساسي للمحلَّل الذاتي. أما غالبية المقاربات التحليلية النفسية المعاصرة الأخرى، فيبدو أنها تكتفي بالبقاء على السطح، بمعنى أنها تكتفي بالعمل على ما يتحدث عنه المحلَّل الذاتي تلقائيًا بدل أن تقوده إلى الحديث عما يكره الخوض فيه أشد الكره.
ما الروابط التي تجمع التحليل النفسي اللاكاني بغيره من المقاربات التحليلية النفسية التالية لفرويد، مثل علاقات الموضوع وعلم نفس الأنا؟
تقريبًا لا شيء. فمقاربات علاقات الموضوع وعلم نفس الأنا تعمل، وفق المصطلحات اللاكانية، كلهـا تقريبًا على المستوى imaginary، في حين يقتضي لاكان منا أن نعمل على المستويين symbolic وreal. ولاحظ أيضًا أن الأشكال المعاصرة من علاقات الموضوع وعلم نفس الأنا نادرًا ما تميز بين العصاب والذهان، بل تستخدم التقنيات نفسها تمامًا في كل المجموعات التشخيصية تقريبًا ("التأويل العميق"، والاحتواء، وما إلى ذلك)، بينما طور اللاكانيون مقاربات مختلفة جدًا في علاج العصاب والذهان، حتى لو صار التمييز بين الفئتين التشخيصيتين يُفهم اليوم على أنه أكثر تعقيدًا مما كان عليه في عمل لاكان في ستينيات القرن العشرين.
في The Lacanian Subject: Between Language and Jouissance، تقول إن على المحلَّلين الذوات أن يتصالحوا مع رغبة الآخر وأن يتحملوا السبب، object a، على عاتقهم، لكي يتمكنوا من تصيير سبب وجودهم ذاتيًا وأن يصبحوا ذوات قدرهم هم. ما دور المحلل هنا في مساعدة المحلَّل الذاتي على الانتقال من الشكوى القائلة: "لقد حدثت لي كل هذه الأشياء الفظيعة"، إلى قول: "لقد سمعت، لقد رأيت..."؟
على المحلل أن يبقي عينه دائمًا على الموضع الذاتي للمحلَّل الذاتي، وهذا يعني، على الأقل جزئيًا، فكّ إحداثيات الموضع الذي يواصل المحلَّل الذاتي وضع نفسه فيه، وما الذي يجنيه منه على مستوى jouissance. فبدل أن ينظر المحلل إلى حلم المحلَّل الذاتي بوصفه قصة طريفة لا تتعلق حقًا بالذات، ينبغي له أن يركز على ما يبدو مرغوبًا في الحلم وما الذي يجري التمتع به في الحلم. ينبغي تشجيع المحلَّل الذاتي على أن يأتي إلى الوجود بوصفه ذات الرغبات والـ jouissance في الحلم. وما دام المحلل يُبقي التركيز على الرغبات اللاواعية وعلى jouissance التي يفضّل المحلَّل الذاتي ألا يعرف شيئًا عنها، فإن التذويت سيقع في النهاية. أما إذا أهمل المحلل الرغبة اللاواعية وأهمل jouissance، فلن يواجَه المحلَّل الذاتي أبدًا بما ينبغي أن يصيّره ذاتيًا.
لقد ترجمت مؤخرًا Écrits كاملًا إلى الإنجليزية. وبفضل ترجمتك وكتبك، ولا سيما تلك التي تتناول التطبيقات الإكلينيكية للنظرية اللاكانية، يتزايد الاهتمام بالتحليل النفسي اللاكاني في أمريكا. ومع ذلك، لا توجد إلا قلة من الجامعات أو معاهد التدريب التي تدرّس المقاربات الإكلينيكية اللاكانية. لماذا هذا الضعف في الاهتمام بالتحليل النفسي اللاكاني في الحقول الإكلينيكية لعلم النفس؟
لاكان كاتب بالغ الصعوبة، وقد جعلت الترجمات الإنجليزية المبكرة لعمله كتاباته أشد غموضًا، لما كانت حافلة به من أخطاء ومن تعبيرات فرنسية منقولة كما هي. ومع أن الإكلينيكيين في أمريكا نادرًا ما يتدربون على النصوص الفلسفية والأدبية التي تشكل جزءًا كبيرًا من الخلفية التي يقوم عليها عمل لاكان، فإن عددًا أكبر منهم صار اليوم مستعدًا وقادرًا على مصارعة عمل لاكان بفضل نصوص تمهيدية أفضل وترجمات أيسر تناولًا. وكثير من الإكلينيكيين صاروا أيضًا، في خبرتي، أكثر دافعًا إلى التعمق في عمل لاكان لأنهم بلغوا درجة عالية من الإحباط من النتائج الضعيفة التي يحصلون عليها مع مرضاهم عندما يستخدمون التقنيات التي تدربوا على استعمالها.
من الصعب أن نعرف هل من الخير أم من الشر ألا يُدرّس لاكان في كثير من البرامج الجامعية؛ ولعل الأمر ليس سيئًا إلى هذا الحد، أن يبقى لاكان بديلًا يمكن للإكلينيكيين المدربين على مقاربات أخرى أن يعودوا إليه حين يصادفون حدود تدريبهم الخاص...
وقد جرت هذه "المقابلة" الموجزة عبر تبادل رسائل إلكترونية مع محرري العدد الخاص الضخم عن لاكان (Lacan Özel Sayisi) المنشور بالتركية في MonoKL, 6–7(2009), 740–41.
17
العنف في التحليل النفسي
موضوع هذه الندوة هو العنف، وحين تأملتُ ما الذي يمكنني أن أقدمه، من موقعي بوصفـي إكلينيكيًا، وجدتُ نفسي أفكر في عدد من الأمور.
أولًا، هناك مسألة العنف في السياق العلاجي؛ فالإكلينيكي كثيرًا ما يضطر إلى التعامل مع آثار العنف داخل الأسرة وخارجها، سواء أكان جسديًا أم عاطفيًا، وفي بعض الحالات يمكن للعنف في التاريخ العائلي للشخص أن يجعل مجمل العلاج يُعاش من جانب المحلَّل بوصفه تكرارًا لذلك العنف. وفضلاً عن ذلك، إذا لم يجد المحلَّل العنف في العلاج بسهولة، أو ذلك النوع من العنف الذي يألفه، فقد يسعى إليه ويستفز المحلل كي يفعله.
وهذا يبرز حقيقة أوسع: إن خبرة رغبة الآخر وjouissance الآخر يمكن، في الغالب، أن تُفهم بوصفها خبرة عنيفة، مقلقة، منفرة، ومع ذلك آسرة. وبقدر ما تُحرَّك رغبة الآخر في التحليل، وبقدر ما تُستثار في النقل رغبات من حول المحلَّل الذاتي ممن صاروا يمثلون الآخر لديه أو لديها، وهم عادة الوالدان وغيرهما من الأقارب المقربين، فإن العنف الكامن في رغبة الآخر يكون جزءًا لا يتجزأ من التحليل. ويُحَسّ المحلل، في الحضور المباشر الملموس للغاية هنا والآن في الوضع التحليلي، بأنه يريد من المحلَّل الأشياء نفسها التي كان الآخر الوالدي يريدها، وأنه يحصل على المتعة المقيتة نفسها من إخضاع المحلَّل لإرادته كما كان يفعل الوالدان. ومن ثم فإن العنف الكامن في jouissance الآخر هو أيضًا جزء لا يتجزأ من التحليل.
لقد قال لي محلَّل كنت أعمل معه منذ شهرين بالكاد إنني أبدو له كاهنًا وعاهرةً في آن واحد: فهو كان يتوقع، بل ويقتضي، أن أعترف له بكل خطاياه وخيالاته الفاحشة، ولكنني، على خلاف الكاهن الذي لا يفعل سوى أن يصغي إلى مثل هذه الأمور بوصفها جزءًا من عمله، كنت أتقاضى الأجر وفي الوقت نفسه "أستمتع" بمرضه. كنت أستفيد من سقمه، تمامًا كما كانت أمه تفعل، كما اتضح. وحتى لا يُظن أن هذا لم يكن سوى "لحظة نقلية بسيطة"، أضيف أن خبرة هذا المحلَّل بي، بوصفـي كاهنًا وعاهرةً معًا، كانت من الشدة بحيث دفعته إلى أن يترك التحليل وهو لم يكد يبدأه؛ تلك كانت عنف اشمئزازه حين واجه ما اعتقد أنه jouissance الخاص بي. ("عاهرة حقيقية"، قال، "كانت ستكون أرخص وأفضل.")
وأود أيضًا أن أذكر الطريقة التي يُدخل بها التحليل نفسه نوعًا معينًا من العنف. فكما يقول فرويد (1963a, p. 463)، مستخدمًا استعارة جراحية: "إذا لم يقطع السكين، فلا يمكن استعماله للشفاء أيضًا"؛ وبعض التقنيات التحليلية، مثل جلسات التقطيع، تقطع فعلًا. فالتقطيع، حين يُستعمل في سياق الجلسة متغيرة الطول، يشكل قطعًا زمنيًا أو وقفة، وانقطاعًا في كلام المحلَّل، وتمزقًا في عملية صناعة المعنى المقصود، أي في النقطة التي كان المحلَّل يحاول أن يبرهن عليها، والتي قد يجعلها المحلل تبدو غير ذات صلة بتدخله، وكذلك اضطرابًا في استمرارية حضور المحلل.
والتأويل، هو الآخر، قد يخلّف آثارًا مقلقة ومزعزعة، فيربك مسار التفكير، أو طريقة كاملة في رؤية علاقات المرء بالآخرين، أو فهمًا معينًا لسبب تصرفه في حياته على النحو الذي تصرف به. ويختبر بعض المحلَّلين حتى أكثر التأويلات استعدادًا بوصفها لكمة في البطن، أي بوصفها ذات أثر جسدي فيهم. وغالبًا ما يُعلَّم المحللون تجنب التأويل الجامح، أي ذلك النوع من التأويلات الفورية التي يميل بعض المعالجين النفسيين والأطباء النفسيين إلى إطلاقها بعد الحديث مع المريض خمس عشرة دقيقة فحسب. غير أنني تحدثت مع عدد كافٍ من الناس لأعلم أن بعض "المحللين" أيضًا يلجأون إلى التأويلات الفورية الجامحة، من غير اكتراث يذكر بما قد تخلّفه من عواقب. نظريًا، لا ينبغي أن تُطرح التأويلات التي يُحتمل أن تكون مقلقة إلا بعد أن تنشأ الثقة بين المحلل والمحلَّل، بحيث يمكن العمل على أثر التأويل واستيعابه. كما تعلمنا النظرية أن نخفف ما قد يكون في التأويل من عنف عبر تمهيد الأرض له، وألا نلقيه إلا عندما يكون المحلَّل على وشك أن يصوغه بنفسه، أو لا يفصله عنه إلا خطوة قصيرة. وتعلمنا النظرية أيضًا أن نترك المحلَّل هو من يقوم بالتأويل، متى كان ذلك ممكنًا. ومع ذلك، فإن كثيرًا من الإكلينيكيين يتجاهلون هذه المبادئ الأولية.
ومن ثم يتضح أن العنف متأصل في العمل التحليلي نفسه، سواء أكان العنف في حياة الناس الذي يدفعهم إلى العلاج أم العنف الذي يبدو ملازمًا على نحو لا ينفصم لعملية العلاج نفسها، وهي عملية لا يمكن التخفيف من حدتها بالكامل.
ثم هناك موضوع آخر فكرت في تناوله هنا، ويتعلق بالعنف الذي وقع على نظرية فرويد وممارسته على أيدي أجيال لاحقة من المحللين والمعالجين النفسيين. فقد أمضى لاكان سنوات وهو ينتقد الطرق المتعددة التي، باسم التقدم المزعوم على فرويد، عاد بها المحللون، عن جهل، إلى مواقف ما قبل فرويد.
فبينما انتقلت ممارسة فرويد من التلقين إلى النقل، أي من العلاج التنويمي القائم على التلقين إلى شكل من العلاج يُقلَّل فيه التلقين الخالص إلى الحد الأدنى، عاد المحللون بعد فرويد إلى التلقين بأعداد كبيرة. فالتقنيات التحليلية التي تُروِّج لتماهي المحلَّل مع المحلل، وتختزل "الرغبات غير العقلانية" لدى المحلَّل إلى "عقلانية" مطالب "العالم الواقعي" الذي يمثله المحلل، تنطوي كلها، بحسب لاكان، على اختزال النقل إلى تلقين.
وفي حين انتقل فرويد في تسعينيات القرن التاسع عشر من التركيز على "سياق العالم الواقعي" المفترض للمريض - ولنتذكر أن فرويد كان يستجوب أفراد أسرة المريض ليتحقق من صدقية بعض أقواله ويثبت تواريخ الأحداث - إلى التركيز على الواقع النفسي للمريض، عاد المحللون المعاصرون إلى الاعتقاد الساذج بأنهم هم أنفسهم يرون الواقع بوضوح أكبر من مرضاهم، وأن من واجبهم أن يعلِّموا هؤلاء النفوس المسكينة الضالة أن ترى الأشياء كما يراها محللوها. وبعبارة أخرى، فقد وقع، مرة أخرى، تحول في التفكير التحليلي الحديث عودةً إلى موقف ما قبل فرويد تُهمَّش فيه الحقيقة النفسية، ويُؤخذ "العالم الواقعي" بوصفه أمرًا معروفًا بيسر وشفافًا، على الأقل بالنسبة إلى المحلل.
وهذه الحجج ليست متقادمة بأي حال، وإن تغيرت الشخصيات الرئيسية. فنحن نرى، في كل مكان في الولايات المتحدة، "العلاج بالواقع"، و"العلاج المعرفي السلوكي" الذي يسعى إلى تصحيح معتقدات المريض غير العقلانية، و"البرمجة اللغوية العصبية" التي تسعى إلى تصحيح أفكار المريض غير الدقيقة. الواقع ليس عقلانيًا، بحسب هؤلاء المعالجين الجدد؛ وبعبارة أخرى، فإن معتقدات المريض لا معنى لها، وهي ليست موجودة لسبب وجيه، بل هي ببساطة غير دقيقة، غير عقلانية، وتحتاج إلى التغيير. ولا يُؤخذ عالم المريض بعين الاعتبار بوصفه متضمنًا رغبات وخيالات؛ فكل هذا لا يُحسب، لأنه كله غير عقلاني. وما هو واقعي هو الأفكار، ولديك إما الأفكار الصحيحة أو الخاطئة! وإذا كان بعضكم يشك في أن مثل هذه الرؤى الساذجة يمكن أن تكون وراء الأشكال المعاصرة من العلاج النفسي، فسيسرّني أن أريكم سلسلة من التسجيلات لجلسات علاج معرفي سلوكي جمعها أحد زملائي.
ومع ذلك، لا أستطيع أن أتوقع من مثل هذه المسائل الإكلينيكية الصارمة أن تكون ذات صلة كبيرة بعملكم في الإنسانيات هنا. ولذلك سأناقش اليوم بدلًا من ذلك شيئًا ربما يكون أقرب إلى قلوبكم: ترجمة النظرية.
يمكن العثور على بقية هذه المحاضرة - التي ألقيت تحت عنوان "سياسة الترجمة" في المعهد الدولي بجامعة ميشيغان في آن آربر في ديسمبر 1998، بدعوة من سلافوي جيجيك - في "Lacan in 'Translation'" في Journal for Lacanian Studies, 2(2) (2004), 264–81.
1 انظر كتاب كوليت سولير الصادر حديثًا (2011) بعنوان Les affects lacaniens.
16
بضع كلمات مع محرري MonoKL
ماذا تعني "العودة إلى فرويد" في سياق الخطاب اللاكاني؟ وما أوجه الشبه والاختلاف بين فرويد ولاكان؟
إن عودة لاكان إلى فرويد تعني أشياء كثيرة جدًا، لكن معناها الأول، وربما الأهم، هو العودة إلى الاهتمام بالـ unconscious كما يُستكشف من خلال language. ففي زمن لاكان نفسه، كانت relationship بين المحلل والمحلَّل الذاتي قد بدأت تحتل الأسبقية، في نظر كثير من الإكلينيكيين، على استقصاء اللاوعي. وقد مضى هذا الاتجاه بعيدًا إلى حد أن بعض المحللين اليوم يصرحون بأن "العلاقة هي كل شيء"، وأن مضمون التحليل أمر تافه قياسًا إليها. ففي نظرهم، لا يهم ما الذي يقوله المحلَّل الذاتي، ولا ما الذي يرد به المحلل، ما دام بينهما "تحالف علاجي" داعم. وقد اقترنت هذه القطيعة مع فرويد بالاقتناع بأن الوجدان هو الكأس المقدسة: أي إن كل تجلٍّ للوجدان أثناء الجلسة دليل على أن التحليل يسير في الاتجاه الصحيح. وكل من فرويد ولاكان يشكان، بحق، في صدق الوجدان، لأن الوجدان قد يكذب حتى وهو يشير إلى jouissance.
هناك أوجه شبه واختلاف أكثر مما يمكن عده بين فرويد ولاكان بحيث يتعذر أن أجيب عن سؤالكما هنا بتفصيل. لكن من الواضح أن فرويد ولاكان دافعا كلاهما دفاعًا صلبًا عن ضرورة أن يذهب التحليل أبعد بكثير من خدش السطح إذا أريد له أن يبلغ العرض وأن يعيد تشكيل الفانتازم الأساسي للمحلَّل الذاتي. أما غالبية المقاربات التحليلية النفسية المعاصرة الأخرى، فيبدو أنها تكتفي بالبقاء على السطح، بمعنى أنها تكتفي بالعمل على ما يتحدث عنه المحلَّل الذاتي تلقائيًا بدل أن تقوده إلى الحديث عما يكره الخوض فيه أشد الكره.
ما الروابط التي تجمع التحليل النفسي اللاكاني بغيره من المقاربات التحليلية النفسية التالية لفرويد، مثل علاقات الموضوع وعلم نفس الأنا؟
تقريبًا لا شيء. فمقاربات علاقات الموضوع وعلم نفس الأنا تعمل، وفق المصطلحات اللاكانية، كلها تقريبًا على المستوى imaginary، في حين يقتضي لاكان منا أن نعمل على المستويين symbolic وreal. ولاحظ أيضًا أن الأشكال المعاصرة من علاقات الموضوع وعلم نفس الأنا نادرًا ما تميز بين العصاب والذهان، بل تستخدم التقنيات نفسها تمامًا في كل المجموعات التشخيصية تقريبًا ("التأويل العميق"، والاحتواء، وما إلى ذلك)، بينما طور اللاكانيون مقاربات مختلفة جدًا في علاج العصاب والذهان، حتى لو صار التمييز بين الفئتين التشخيصيتين يُفهم اليوم على أنه أكثر تعقيدًا مما كان عليه في عمل لاكان في ستينيات القرن العشرين.
في The Lacanian Subject: Between Language and Jouissance، تقول إن على المحلَّلين الذوات أن يتصالحوا مع رغبة الآخر وأن يتحملوا السبب، object a، على عاتقهم، لكي يتمكنوا من تصيير سبب وجودهم ذاتيًا وأن يصبحوا ذوات قدرهم هم. ما دور المحلل هنا في مساعدة المحلَّل الذاتي على الانتقال من الشكوى القائلة: "لقد حدثت لي كل هذه الأشياء الفظيعة"، إلى قول: "لقد سمعت، لقد رأيت..."؟
على المحلل أن يبقي عينه دائمًا على الموضع الذاتي للمحلَّل الذاتي، وهذا يعني، على الأقل جزئيًا، فكّ إحداثيات الموضع الذي يواصل المحلَّل الذاتي وضع نفسه فيه، وما الذي يجنيه منه على مستوى jouissance. فبدل أن ينظر المحلل إلى حلم المحلَّل الذاتي بوصفه قصة طريفة لا تتعلق حقًا بالذات، ينبغي له أن يركز على ما يبدو مرغوبًا في الحلم وما الذي يجري التمتع به في الحلم. ينبغي تشجيع المحلَّل الذاتي على أن يأتي إلى الوجود بوصفه ذات الرغبات والـ jouissance في الحلم. وما دام المحلل يُبقي التركيز على الرغبات اللاواعية وعلى jouissance التي يفضّل المحلَّل الذاتي ألا يعرف شيئًا عنها، فإن التذويت سيقع في النهاية. أما إذا أهمل المحلل الرغبة اللاواعية وأهمل jouissance، فلن يواجَه المحلَّل الذاتي أبدًا بما ينبغي أن يصيّره ذاتيًا.
لقد ترجمت مؤخرًا Écrits كاملًا إلى الإنجليزية. وبفضل ترجمتك وكتبك، ولا سيما تلك التي تتناول التطبيقات الإكلينيكية للنظرية اللاكانية، يتزايد الاهتمام بالتحليل النفسي اللاكاني في أمريكا. ومع ذلك، لا توجد إلا قلة من الجامعات أو معاهد التدريب التي تدرّس المقاربات الإكلينيكية اللاكانية. لماذا هذا الضعف في الاهتمام بالتحليل النفسي اللاكاني في الحقول الإكلينيكية لعلم النفس؟
لاكان كاتب بالغ الصعوبة، وقد جعلت الترجمات الإنجليزية المبكرة لعمله كتاباته أشد غموضًا، لما كانت حافلة به من أخطاء ومن تعبيرات فرنسية منقولة كما هي. ومع أن الإكلينيكيين في أمريكا نادرًا ما يتدربون على النصوص الفلسفية والأدبية التي تشكل جزءًا كبيرًا من الخلفية التي يقوم عليها عمل لاكان، فإن عددًا أكبر منهم صار اليوم مستعدًا وقادرًا على مصارعة عمل لاكان بفضل نصوص تمهيدية أفضل وترجمات أيسر تناولًا. وكثير من الإكلينيكيين صاروا أيضًا، في خبرتي، أكثر دافعًا إلى التعمق في عمل لاكان لأنهم بلغوا درجة عالية من الإحباط من النتائج الضعيفة التي يحصلون عليها مع مرضاهم عندما يستخدمون التقنيات التي تدربوا على استعمالها.
من الصعب أن نعرف هل من الخير أم من الشر ألا يُدرّس لاكان في كثير من البرامج الجامعية؛ ولعل الأمر ليس سيئًا إلى هذا الحد، أن يبقى لاكان بديلًا يمكن للإكلينيكيين المدربين على مقاربات أخرى أن يعودوا إليه حين يصادفون حدود تدريبهم الخاص...
وقد جرت هذه "المقابلة" الموجزة عبر تبادل رسائل إلكترونية مع محرري العدد الخاص الضخم عن لاكان (Lacan Özel Sayisi) المنشور بالتركية في MonoKL, 6–7(2009), 740–41.
المراجع
Adorno, T. (1973). The jargon of authenticity. London: Routledge & Kegan Paul. (Original work published 1964.)
Avital, E. and Jablonka, E. (2000). Animal traditions: Behavioural inheritance in evolution. Cambridge: Cambridge University Press.
Brothers, D. (2008). Toward a psychology of uncertainty. New York: Analytic Press.
Bulfinch, T. (1979). Myths of Greece and Rome. New York: Penguin, 1981.
Bychowski, G. (1966). Psychosis precipitated by psychoanalysis. Psychoanalytic Quarterly, 35(3), 327–39.
Cardinal, M. (1983). The words to say it. Cambridge, MA: Van Vactor & Goodheart. (Originally published as Les mots pour le dire. Paris: Grasset & Fasquelle, 1975.)
Czermak, M. (1977). Sur le déclenchement des psychoses. Ornicar?, IX, 15–28.
Derrida, J. (1975). The purveyor of truth. Yale French Studies, 52, 31–113. (Originally published in Poétique, 21(1975), 96–147.)
——— (1982). Autobiographies: L’enseignement de Nietzsche et la politique du nom propre. Paris: Galilée. (In English, see The ear of the Other: Autobiography, transference, translation. Lincoln, NE: University of Nebraska Press, 1985.)
——— (1987). The post card: From Socrates to Freud and beyond (A. Bass, Trans.). Chicago: University of Chicago Press.
——— (1988). The Purloined Poe (J. Muller and W. Richardson, Eds.). Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press.
Erikson, E. (1963). Childhood and society. New York: W. W. Norton & Co. (Original work published 1950.)
Federn, P. (1943). The psychoanalysis of psychoses. Psychiatric Quarterly, 17(1–3), 3–19; 246–57; 470–87.
Ferenczi, S. (1916). Some clinical observations on paranoia and paraphrenia. In Contributions to psychoanalysis, pp. 238–49. Toronto, Canada: Richard G. Badger.
Fink, B. (1990). Alienation and separation: Logical moments of Lacan’s dialectic of desire. Newsletter of the Freudian Field, 4, 78–119.
——— (1995a). The Lacanian subject: Between language and jouissance. Princeton, NJ: Princeton University Press.
——— (1995b). Logical time and the precipitation of subjectivity. In Reading Seminars I & II: Lacan’s return to Freud (B. Fink, R. Feldstein, and M. Jaanus, Eds.). Albany, NY: SUNY Press.
——— (1997). A clinical introduction to Lacanian psychoanalysis: Theory and technique. Cambridge, MA: Harvard University Press.
——— (2002). Knowledge and jouissance. In Reading Seminar XX: Lacan’s major work on love, knowledge, and feminine sexuality (B. Fink and S. Barnard, Eds.). Albany, NY: SUNY Press.
——— (2003). The use of Lacanian psychoanalysis in a case of fetishism. Clinical Case Studies, 2(1), 50–69. (Included in Volume 1 of the present collection as Chapter 9.)
——— (2004a). Lacan to the letter: Reading Écrits closely. Minneapolis, MN: University of Minnesota Press.
——— (2004b). Lacan in “translation.” Journal for Lacanian Studies, 2(2), 264–81.
——— (2005). Lacanian clinical practice. The Psychoanalytic Review, 92(4), 553–79. (Included in Volume 1 of the present collection as Chapter 2.)
——— (2007). Fundamentals of psychoanalytic technique: A Lacanian approach for practitioners. New York and London: W. W. Norton & Co.
——— (2010a). The psychoanalytic adventures of Inspector Canal. London: Karnac.
——— (2010b). Against understanding: Why understanding should not be viewed as an essential aim of psychoanalytic treatment. Journal of the American Psychoanalytic Association, 58(2), 259–85. (Included in Volume 1 of the present collection as Chapter 1.)
——— (2013). Death by analysis: Another adventure from Inspector Canal’s New York agency. London: Karnac.
Fourier, C. (1968). The passions of the human soul. New York: Augustus M. Kelley.
Freud, S. (1953). Fragment of an analysis of a case of hysteria (Dora). In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 7, pp. 1–122). London: Hogarth. (Original work published 1905.)
——— (1955a). Notes upon a case of obsessional neurosis. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 10, pp. 155–318). London: Hogarth. (Original work published 1909.)
——— (1955b). Beyond the pleasure principle. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 18, pp. 7–64). London: Hogarth. (Original work published 1920.)
——— (1955c). Some neurotic mechanisms in jealousy, paranoia and homosexuality. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 18, pp. 223–32). London: Hogarth. (Original work published 1922). [Sur quelques mécanismes névrotiques dans la jalousie, la paranoïa et l’homosexualité (J. Lacan, Trans.). Revue Française de Psychanalyse, 3 (1932).]
——— (1955d). A child is being beaten: A contribution to the study of the origin of sexual perversions. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 17, pp. 179–204). London: Hogarth. (Original work published 1919.)
——— (1955e). Group psychology and the analysis of the ego. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 18, pp. 67–143). London: Hogarth. (Original work published 1921.)
——— (1955f). The psychogenesis of a case of homosexuality in a woman. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 18, pp. 147–72). London: Hogarth. (Original work published 1920.)
——— (1957a). A special type of choice of object made by men. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 11, pp. 163–75). London: Hogarth. (Original work published 1910.)
——— (1957b). On the universal tendency to debasement in the sphere of love. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 11, pp. 177–90). London: Hogarth. (Original work published 1912.)
——— (1957c). On narcissism. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 14, pp. 73–102). London: Hogarth. (Original work published 1914.)
——— (1958a). The interpretation of dreams. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vols. 4–5). London: Hogarth. (Original work published 1900.)
——— (1958b). On beginning the treatment. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 12, pp. 123–44). London: Hogarth. (Original work published 1913.)
——— (1958c). Psychoanalytic notes on an autobiographical account of a case of paranoia [Schreber]. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 12, pp. 9–82). London: Hogarth. (Original work published 1911.)
——— (1958d). Recommendations to physicians practising psychoanalysis. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 12, pp. 111–20). London: Hogarth. (Original work published 1912.)
——— (1961a). Civilization and its discontents. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 21, pp. 64–147). London: Hogarth. (Original work published 1929.)
——— (1961b). Negation. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 19, pp. 235–39). London: Hogarth. (Original work published 1925.)
——— (1961c). The economic problem of masochism. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 19, pp. 159–70). London: Hogarth. (Original work published 1924.)
——— (1962a). Charcot. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 3). London: Hogarth. (Original work published 1893.)
——— (1962b). Further remarks on the psychoneuroses of defense. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 3). London: Hogarth. (Original work published 1896.)
——— (1963a). Introductory lectures on psychoanalysis. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vols. 15–16). London: Hogarth. (Original work published 1916–17.)
——— (1963b). Fetishism. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 21, pp. 152–57). London: Hogarth. (Original work published 1927.)
——— (1964). Moses and monotheism. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 23, pp. 7–137). London: Hogarth. (Original work published 1939.)
——— (1966). Project for a scientific psychology. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 1, pp. 295–397). London: Hogarth. (Original work written 1895.)
Gherovici, P. (2003). The Puerto Rican syndrome. New York: The Other Press.
Gunn, D. (2002). Wool-gathering. London: Routledge.
Horkheimer, M. (1948). Ernst Simmel and Freudian philosophy. International Journal of Psychoanalysis, 29(2), 110–13.
Horkheimer, M., and Adorno, T. W. (1972). Dialectic of enlightenment. (J. Cumming, Trans.). New York: The Seabury Press.
Jacoby, R. (1975). Social amnesia: A critique of contemporary psychology from Adler to Laing. Boston, MA: Beacon.
Kant, I. (1999). Practical philosophy (The Cambridge Edition of the Works of Immanuel Kant). (M. Gregor, Ed.) Cambridge: Cambridge University Press.
Kierkegaard, S. (1995). Works of love. Princeton, NJ: Princeton University Press. (Original work published 1847.)
Kohut, H. (1994). The two analyses of Mr. Z. Northvale, NJ: Jason Aronson.
Kuhn, T. S. (1962). The structure of scientific revolutions. Chicago: University of Chicago Press.
Lacan, J. (1933–34). Le problème du style et la conception psychiatrique des formes paranoïaques de l’expérience and Motifs du crime paranoïaque: le crime des soeurs Papin. Le Minotaure, 3–4. [In English, see Lacan, J. (1988). The problem of style and the psychiatric conception of paranoiac forms of experience and motives of paranoiac crime: The crime of the Papin Sisters (J. Anderson, Trans.). Critical Texts, 5(3), 4–11.]
——— (1958–59). Le séminaire, livre VI, Le désir et son interprétation [“Desire and its interpretation”]. (Unpublished).
——— (1966). Écrits. Paris: Seuil.
——— (1966–67) Le séminaire, livre XIV, La logique du fantasme [“The logic of fantasy”]. (Unpublished).
——— (1968). Proposition du 9 octobre 1967 sur le psychanalyste de L’École (Proposal regarding the analyst of the School, dated October 9, 1967). Scilicet, 1, 14–30.
——— (1972). Seminar on “The purloined letter.” Yale French Studies, 48, 39–72. [The translation was reprinted in The Purloined Poe, eds. John Muller and William Richardson, Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1988.]
——— (1973). Les quatre concepts fondamentaux de la psychanalyse (1964) (J.-A. Miller, Ed.). Paris: Seuil.
——— (1973–74). Séminaire XXI, Les non-dupes errent (unpublished).
——— (1975). Le séminaire, Livre XX: Encore. Paris: Seuil.
——— (1976). Conférences et entretiens dans des universités nord-américaines. Scilicet, 6–7, 5–63.
——— (1976–77). Séminaire XXIV, L’insu que sait de l’une-bévue s’aile à mourre (unpublished).
——— (1977). Écrits: A selection (A. Sheridan, Trans.). New York: W. W. Norton & Co.
——— (1978a). The four fundamental concepts of psychoanalysis (1964) (J.-A. Miller, Ed. and A. Sheridan, Trans.). New York and London: W. W. Norton & Co. (Original work published 1973.)
——— (1978b) Discours de Jacques Lacan à l’Université de Milan le 12 mai 1972, in Lacan in Italia 1953–1978. En Italie Lacan (pp. 32–55). Milan: La Salamandra.
——— (1980) De la psychose paranoïaque dans ses rapports avec la personnalité. Paris: Seuil. (Original work published 1932).
——— (1982). Feminine sexuality: Jacques Lacan and the École freudienne (J. Mitchell and J. Rose, Eds. and J. Rose, Trans.). New York: W. W. Norton & Co.
——— (1983) Interview donnée par Jacques Lacan à François Wahl à propos de la parution des Écrits (broadcast on the radio on February 8, 1967). Bulletin de l’Association Freudienne, 3, 6–7.
——— (1984). Les complexes familiaux. Paris: Navarin. (Original work published 1938.) [In English, see the partial translation: Lacan, J. (1988). The Family Complexes (J. Anderson, Trans.). Critical Texts, 5(3), 13–29.]
——— (1988a). The seminar of Jacques Lacan, Book I: Freud’s papers on technique (1953–1954) (J.-A. Miller, Ed., and J. Forrester, Trans.). New York and London: W. W. Norton & Co. (Original work published 1978.)
——— (1988b). The seminar of Jacques Lacan, Book II: The ego in Freud’s theory and in the technique of psychoanalysis (1954–1955) (J.-A. Miller, Ed. and S. Tomaselli, Trans.). New York and London: W. W. Norton & Co. (Original work published 1978.)
——— (1989a). Geneva lecture on the symptom, Analysis, 1. (Lecture given in French in 1975.)
——— (1989c). Science and truth (B. Fink, Trans.). Newsletter of the Freudian Field, 3.
——— (1992). The seminar of Jacques Lacan, Book VII: The ethics of psychoanalysis (1959–1960) (J.-A. Miller, Ed. and D. Porter, Trans.). New York and London: W. W. Norton & Co. (I have modified the translation of passages quoted from this text.)
——— (1993). The seminar of Jacques Lacan, Book III: The psychoses (1955–1956) (J.-A. Miller, Ed. and R. Grigg, Trans.). New York and London: W. W. Norton & Co. (Original work published 1981.)
——— (1994). Le séminaire de Jacques Lacan, Livre IV: La relation d’objet (1956–1957) [The seminar of Jacques Lacan, Book IV: The relation to the object (1956–1957)] (J.-A. Miller, Ed.). Paris: Seuil.
——— (1998a). The seminar of Jacques Lacan, Book XX, Encore: On feminine sexuality, the limits of love and knowledge (1972–1973) (J.-A. Miller, Ed. and B. Fink, Trans.). New York and London: W. W. Norton & Co. (Original work published 1975.)
——— (1998b). Le séminaire de Jacques Lacan, Livre V: Les formations de l’inconscient (1957–1958) [The seminar of Jacques Lacan, Book V: Unconscious formations (1957–1958)] (J.-A. Miller, Ed.). Paris: Seuil.
——— (2001a). Le séminaire de Jacques Lacan, Livre VIII: Le transfert (1960–1961) (J.-A. Miller, Ed.). Paris: Seuil. [Forthcoming in English as The seminar of Jacques Lacan, Book VIII: Transference (1960–1961) (B. Fink, Trans.). London: Polity Press.]
——— (2001b). Autres écrits [Other writings]. Paris: Seuil.
——— (2004). Le séminaire de Jacques Lacan, Livre X: L’angoisse (1962–1963) [The seminar of Jacques Lacan, Book X: Anxiety (1962–1963)] (J.-A. Miller, Ed.). Paris: Seuil.
——— (2005). Des noms-du-père. Paris: Seuil. [In English, see Lacan, J. (2013). On the Names-of-the-Father (B. Fink, Trans.). London: Polity.]
——— (2006a). Écrits: The first complete edition in English (B. Fink, Trans.). New York and London: W. W. Norton & Co. (Original work published 1966; page numbers given in this volume are those found in the margins that correspond to the pagination of the original French edition.)
——— (2006b). Le séminaire de Jacques Lacan, Livre XVI, D’un Autre à l’autre (1968–1969) [The seminar of Jacques Lacan, Book XVI: From one Other to another (1968–1969)] (J.-A. Miller, Ed.). Paris: Seuil.
——— (2006c). Le séminaire de Jacques Lacan, Livre XVIII, D’un discours qui ne serait pas du semblant (1970–1971) [The seminar of Jacques Lacan, Book XVIII: On a discourse that would not be based on semblance (1970–1971)] (J.-A. Miller, Ed.). Paris: Seuil.
Laing, R. D. (1960). The divided self. London: Tavistock.
Laplanche, J. and Pontalis, J.-B. (1973). The language of psychoanalysis. New York: W. W. Norton & Co. (Original work published 1967.)
Lévi-Strauss, C. (1943). The art of the Northwest Coast at the American Museum of Natural History. Gazette des Beaux-Arts, 175–82.
——— (1963). Structural anthropology. New York: Basic Books. (Original work published 1958.)
——— (1982). The way of the masks (S. Modelski, Trans.). Seattle, WA: University of Washington Press. (Original work published as La Voie des masques. Paris: Plon, 1975.)
Malin, E. (1978). A world of faces. Portland, OR: Timber Press.
Miller, J.-A. (1982–83). Du symptôme au fantasme et retour [“From symptom to fantasy and back”]. (Unpublished seminar.)
Miller, M. (2011). Lacanian psychotherapy: Theory and practical applications. New York and London: Routledge.
Mitchell, S. A. and Black, M. J. (1995). Freud and beyond. New York: Basic Books.
Nacht, S. (Ed.) (1956). La psychanalyse d’aujourd’hui (“Contemporary psychoanalysis”). Paris: Presses Universitaires de France.
Nancy, J.-L. and Lacoue-Labarthes, P. (1992). The title of the letter (F. Raffoul and D. Pettigrew, Trans.). Albany: SUNY Press. (Original work published 1973.)
Ogden, T. H. (1999). The analytic third: Working with intersubjective clinical facts. In S. A. Mitchell and L. Aron (Eds.), Relational psychoanalysis: The emergence of a tradition (pp. 461–92). Hillsdale, NJ: Analytic Press. (Original work published 1994.)
Queneau, R. (2003). We always treat women too well. New York: New York Review Books Classics. (Originally published as On est toujours trop bon avec les femmes. Paris: Editions du Scorpion, 1947.)
Reich, W. (1972). Character analysis (V. R. Carfagno, Trans.). New York: Simon & Schuster. (Original work published 1933.)
Richards, I. A., and Ogden, C. K. (1945). The meaning of meaning. New York: Harcourt, Brace. (Original work published 1923.)
Rogers, A. (2006). The unsayable: The hidden language of trauma. New York: Random House.
Rose, J. and Mitchell, J. (Eds.) (1983). Feminine sexuality: Jacques Lacan and the École freudienne. New York and London: W. W. Norton & Co.
Rosenhan, D. L. (1973). On being sane in insane places. Science, 179(70), 250–58.
Rousselot, P. (1907). Pour l’histoire du problème de l’amour au moyen âge. Münster: Aschendorffsche Buchhandlung.
Sacher-Masoch, L. (1991). Masochism: Coldness and cruelty & Venus in furs. New York: Zone Books.
Sade, Marquis de (1965). The Marquis de Sade: Three complete novels (R. Seaver and A. Wainhouse, Trans.). New York: Grove. (French original: Oeuvres complètes, tome 3. Paris: Pauvert, 1986. First edition of this collection published 1966.)
Schneiderman, S. (1977). How Lacan’s ideas are used in clinical practice. Northvale, NJ: Jason Aronson.
Schreber, D. P. (1988). Memoirs of my nervous illness. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Smith, A. (1759). Theory of the moral sentiments.
Soler, C. (2011). Les affects lacaniens (Lacanian Affects). Paris: Presses Universitaires de France. [Forthcoming with Routledge in English (B. Fink, Trans.).]
Spinoza, Benedict de (1994). A Spinoza reader (E. Curley, Ed. and Trans.), Princeton, NJ: Princeton University Press.
Swales, S. (2012). Perversion: A Lacanian psychoanalytic approach to the subject. New York and London: Routledge.
Whitaker, R. (2010). Anatomy of an epidemic: Magic bullets, psychiatric drugs, and the astonishing rise of mental illness in America. New York: Random House.
Williams, D. (1998). Nobody nowhere: The remarkable autobiography of an autistic girl. London: Jessica Kingsley.
Winnicott, D. W. (1949). Hate in the counter-transference. International Journal of Psychoanalysis, 30(2), 69–74.
——— (1965). The theory of the parent–infant relationship. In The maturational processes and the facilitating environment (pp. 37–55). London: Hogarth. (Original work published 1960.)
——— (1978). The Piggle: An account of the psychoanalytic treatment of a little girl. London: Hogarth.
الفهرس
ملاحظة: أرقام الصفحات التي تتبعها “f” تشير إلى الأشكال، والتي تتبعها “n” تشير إلى الحواشي.
التحليل النفسي الأمريكي: في سوق عالمية تنافسية 14–15؛ التركيز على البحث التجريبي 241–2؛ ممارسة محدودة للتقنية اللاكانية 154–5؛ التعامل مع اللاوعي 154، 155، 247
تشكيل الهوية لدى الأميش 191، 192
العلاقة بين المحلِّل والمحلَّل 24، 154، 201، 209–10، 224–6، 234–5، 250، 253
لغة الجسد 23، 36n؛ الدوالّ الدالة على الجسد العصابي 103
هنري بواس 96f
دوريس براذرز 25
المبادئ التجارية المطبَّقة على العلاج النفسي 241–2
BusinessWeek 6، 54
غوستاف بيتشوفسكي 65
أقنعة كادوفيو 97–9، 98f
ماري كاردينال 50
دراسات الحالة x–xiii؛ المنهج المتبع فيها xiii–xv انظر أيضًا دراسة حالة الفانتازيا الأساسية؛ دراسة حالة تشكيل الهوية؛ دراسة حالة الهوس؛ دراسة حالة الصدمة
الخصاء 8، 82، 209، 210، 216–17، 247
الأمر الأخلاقي المطلق 106، 113، 123، 126
الرقابة 110–11
خطاب «اختلالات الكيمياء الحيوية» xvi
فانتازات إساءة معاملة الأطفال 200–6، 215
«كان يُضرَب طفل» 43، 204، 206، 215
الحضارة وسخطها 57
شعارات النبالة 102، 102f، 103
العلاج المعرفي السلوكي 255
الروابط بين الموضوعات 29–31
التحليل النفسي المعاصر 62
كوبرنيكوس 63
علم الكونيات القديم 63
النقل المضاد 19، 21، 64
نقد العقل العملي 113
الاستمناء الإلكتروني 228–9
مارسيل تشيرماك 65
das Ding 61، 113، 114، 116، 117
دافع الموت 103، 234، 235
إعلان الاستقلال 68
الاكتئاب 212، 245–6
جاك دريدا 68، 74، 83
الرغبة: عند كل النساء 85–6؛ تأويل الطفل لرغبة الآخر 46–7؛ التعايش بين الدوافع والرغبة 248؛ «انكماش» الرغبة 212؛ الأحلام والرغبة 25–7، 251؛ الفانتازيا بوصفها رغبة الآخر 48–9، 209؛ الأب بوصفه آخر الرغبة 44؛ اندماج الحب والرغبة 137–9؛ الفجوة التي تُبقيها قائمة 176، 177، 178؛ مخطط الرغبة 42، 118، 119؛ والرغبة والشعور بالذنب 56–8؛ المستحيلة 178، 211، 227؛ والقانون 60–1، 108–11، 126–7؛ وبنى الحب 138؛ والحب لدى النساء 134، 139، 140؛ في المازوخية 124، 125، 126؛ الأم في مقابل رغبتها 40–1؛ ومع الموضوع a 41، 121، 202–3؛ رغبة الآخر 22، 46–7، 209–11، 212، 213؛ مفارقة الإشباع والإنسان 61، 64؛ موقعها في التحليل النفسي اللاكاني 25–7؛ إثارة الرغبة في موضع آخر من الآخر 50، 215؛ والتحليل النفسي والعمل عليها 55–6، 59؛ إدراك العصابيين لرغبتهم 66–7؛ الرغبة السادية 121f، 122؛ وبنية اللغة 110؛ اللاوعي 25–7، 37–8n، 55، 59؛ والعنف الكامن في رغبة الآخر 253
التشخيص: الصعوبات المتعلقة به xi، xiii، xv؛ وصلاته بسمات الشخصية 93؛ والذهان والحاجة إلى تشخيص صحيح 65–6؛ تأملات فيه 65–8؛ تقنيات في علاقات الموضوع وعلم نفس الأنا 251؛ وفي دراسة حالة صدمة 226، 231–5، 236
جدل التنوير 105
«أهمية القضيب» 83–4
«توجيه العلاج» 39، 42، 45، 49، 204
الخطابات: الأربعة 76، 89، 120؛ التحليلية النفسية 75–7؛ ساد وخطاب حقوق الإنسان 115–16؛ بوصفها مظهرًا 79–80؛ الجامعي 76
فعل الصواب 56–7، 111–15
دون جوان 85، 86
الأحلام: تحليلها لدى محلَّل فنان 20، 26–7؛ الروابط بين المشاهد فيها 30؛ والرغبة 25–7، 251؛ تتبع تقدمها في الجلسات التحليلية 33، 34؛ فرويد عن الأحلام 25، 26، 27؛ في دراسة حالة الفانتازيا الأساسية 200، 201، 203، 213؛ في دراسة حالة تشكيل الهوية 186؛ في دراسة حالة الهوس 168–9، 171، 175، 179، 181؛ المسح بعد مناقشتها 32؛ في دراسة حالة الصدمة 222، 225؛ الرغبات اللاواعية غير المتوقعة فيها 25، 26–7، 30
الدوافع: «المقيَّدة بالغاية» 140؛ دافع الموت 103، 234، 235؛ حضورها في نهاية التحليل 248؛ الحب الذي يتيح تزامن الرغبة والدوافع 248؛ دوافع العصابيين 248؛ الجنسية 137، 140؛ غير المُشبَعة 57–8
الأب: المشهد الطفولي مع أبي فرويد 199؛ في دراسة حالة الفانتازيا الأساسية 199، 201–2، 203–4، 205، 207–8، 210–11، 212؛ في دراسة حالة تشكيل الهوية 186–7، 193؛ في دراسة حالة الهوس 164، 170–3؛ بوصفه «آخر الرغبة» 44؛ النقلات 180–1؛ في دراسة حالة الصدمة 219–20، 221، 223، 226، 231
بول فيدِرن 65
ساندور فيرينتسي 65
الوثنية الجنسية 145
الاستثمارات المالية 5–6
صيغ التذكير الجنسي 85–8، 121
مدرسة فرانكفورت 105
«المركب الأخوي» 144، 145
التداعي الحر 30، 34
آنا فرويد 54
رجل فرويد انظر دراسة حالة الفانتازيا الأساسية
سيغموند فرويد: القلق والانفعال 38n، 246–7؛ المشهد الطفولي مع الأب 199؛ حالة دورا 28–9؛ توحُّد محلَّل مع فرويد 198–200؛ «العودة إلى فرويد» عند لاكان 26، 250؛ المراحل الليبيدية 62؛ تحليل لاكان لـ«هانس الصغير» 51n، 120؛ الفانتازيا الذكورية 43–4، 204، 206–7؛ النرجسية والحب 132–5؛ مفهوم الحياد 34؛ عن الأحلام 25، 26، 27؛ عن كلفة المرض 8، 54–5؛ عن الفانتازات 198؛ عن الحب 136–40؛ عن علاج مريض ذهاني 65؛ مبدأ اللذة 59، 60، 198؛ رجل الجرذان 27، 37n، 164؛ مبدأ الواقع 59؛ الانتقال من «سياق العالم الواقعي» إلى الواقع النفسي للمريض 254–5؛ صراع الإخوة 142؛ أوجه الشبه والاختلاف بين لاكان وفرويد 250؛ الطوطم والتابو 85، 86، 87؛ الدوافع غير المشبَعة 57–8؛ العنف الواقع على نظرية فرويد وممارسته 254–5
«الوظيفة والمجال» 45، 67
الفانتازيا الأساسية: بوصفها بديهية 47–8، 205–6؛ طبيعتها المتغيرة 206، 227؛ أمثلة 49–51؛ الخلفية التاريخية 39–42؛ التمتع، ضمان تمتع الآخر 211–12؛ الماثيم الخاص بها 39، 41، 49–51؛ غايتها 212؛ وشعور الضحية بالإهمال 46–7؛ المصطلحات 40، 42؛ الأساس النظري لها 42–6 انظر أيضًا دراسة حالة الفانتازيا الأساسية
دراسة حالة الفانتازيا الأساسية 197–217؛ أن يصبح أبًا 200، 201، 203؛ فانتازات إساءة معاملة الأطفال 200–6، 215؛ التعامل مع رغبة الآخر 209–11، 212، 213؛ الأحلام 200، 201، 203، 213؛ العلاقة مع الأب 199، 201–2، 203–4، 205، 207–8، 210–11، 212؛ التماهي مع فرويد 198–200؛ التمتع، ضمان تمتع الآخر 211–12؛ وسوء التعرف 211–12؛ العلاقة مع الأم 201–4، 205، 207–8، 210، 212؛ التحرك نحو حل للمثلث الأوديبي وفانتازيا أساسية جديدة 206–9؛ الدينامية الأوديبية 201–5؛ فانتازيا هستيرية محتملة 215؛ المرحلة ما قبل الأوديبية 206–7؛ إعادة تشكيل الفانتازيا الأساسية 213–14؛ العلاقة مع المحلِّل 201، 209–10؛ صياغة فانتازيا الضرب لدى المحلَّل 204–5؛ زلات اللسان 212–13؛ فانتازيا المواجهة 208–9، 212، 213؛ مراحل تطور فانتازيا المحلَّل 214؛ استخدام اللغة 208؛ العلاقات مع النساء 208، 212–13
تمويل الترجمات 153
نظرية الألعاب 5
جيد، أندريه 99–101
الخير 56، 57، 60–1، 111–15؛ الواقع والخير 58–60
فعل الخير 56–7، 111–15
مخطط الرغبة 42، 118، 119
«ملاحظات توجيهية لاتفاقية حول الأنثوية الجنسية» 85
الذنب: والرغبة 56–8؛ بوصفه مغايرًا للندم 56
غَن، دان 50
Gute 112، 113
هاملت 119–20، 120f
الانسجام بين الجنسين 61–3
المثلية الجنسية 80، 142، 145، 146
هوركهايمر، ماكس 105
ساد وخطاب حقوق الإنسان 115–16
الهستيريات: الرغبة 48؛ الخطاب 76؛ العناصر في التشخيص 212، 217n، 221، 232، 233، 236؛ الفانتازات 129n، 215؛ الفانتازيا الأساسية بوصفها سمة لها 50–1؛ والاهتمام العاطفي الشديد بالمرأة الأخرى 146، 215؛ بوصفها toute femme 86
دراسة حالة تشكيل الهوية 185–96؛ المُثُل الأمريكية الخاصة بها 190، 191؛ رفض المحلَّل للمعايير 193؛ الامتثال فيها 191–2؛ التناقضات بين المُثُل والسلوك الفعلي 189، 191، 195، 197؛ التعامل مع الفقد 190؛ الرغبة في الهيمنة 187–8؛ الأحلام 186؛ العلاقة مع الأب 186–7، 193؛ العلاقة مع الصديقة 187، 189، 194؛ التماهيات 188–90؛ هوية المحلَّل 185–8؛ تأثير أستاذ المدرسة الثانوية 187–8؛ الاستمناء 187–8، 193؛ التماهي مع الجد الأمومي 188–9؛ العلاقة مع الأم 188، 189؛ التماهي مع الجد الأبوي 188؛ التماهي مع الجدة الأبوية 189–90؛ تقنيات التحليل النفسي المرتبطة بالمظهر 195–6؛ المظهر فيها 190–6؛ الفانتازات الجنسية 187؛ انتحار العم 188، 189
الخيالي: مناقشة القضيب 82؛ الفانتازيا وعلاقته به 40، 41؛ والنرجسية 135؛ خلط رايخ بين الرمزي والخيالي 102–3؛ والمظهر 79
صورة المزدوج 144، 145، 146
العجز الجنسي 137–8؛ التمتع لدى المحلَّل في إفقاد النساء سعادتهن عبره 31؛ في دراسة حالة الهوس 168، 175، 177
سفاح القربى: في دراسة حالة الهوس 162، 164، 167، 175–6، 181؛ تأويل سلوك المحلَّل المرتبط به 29–30؛ تعامل الرجال معه 139؛ تحريمه 44، 61، 86، 111، 137، 138، 175–6
شركات التأمين 14، 15، 16، 243–4
التأويل 23–5، 254، 255؛ السعي إلى تحويل موضع المحلَّل الذاتي 27–31، 251
تفسير الأحلام 25، 55، 153، 199
المنظور البيني الذاتي 18، 19
البينذاتية xv، 22، 96
«الازدواج الحميم» 145
«مركب الاقتحام» 144–5
الشريعة الإسلامية 110–11
الغيرة 145، 146، 207
jealouissance 207
أيوب 190
التمتع: إحضار الشريك 228؛ في دراسة حالة الهوس 163–4؛ الفارق بين المعرفة والتمتع 76؛ الفانتازات الضامنة لتمتع الآخر 211–12؛ التركيز على تمتع المحلَّل 27–31، 163–4، 251؛ والقانون 86، 115–16؛ فقدانه 6–7، 8، 10، 11، 82؛ في مخطط المازوخية 123، 124، 126–7، 127–8؛ الإهمال الذي يتعرض له في التحليل النفسي 245؛ تمتع العصابيين 119؛ مفارقة التمتع 60–1؛ تمتع المنحرفين 119؛ القضيب والتمتع الأنثوي 83؛ التمتع البدئي 119؛ العلاقة في نهاية التحليل بالتمتع 248؛ في مخطط السادية 118؛ العنف الكامن في رغبة الآخر 253؛ إرادة التمتع 123، 126، 127
جولييت أو التنوير والأخلاق 105، 106
«كانط مع ساد» 42، 105–30؛ نقد أدورنو للعلم والعقل 106–8؛ الرغبة والقانون 108–11، 126–7؛ الخير أو فعل الصواب 111–15؛ الانحراف والآخر 117–28؛ ساد وخطاب حقوق الإنسان 115–16؛ الوصايا العشر 116–17
كيبلر، يوهانس 63
كيركغور، سورين 113، 190
ملك إنجلترا أحمق 108–10
كلاين، ميلاني 39–41
المعرفة 62، 76؛ معرفة المحلِّل والمحلَّل 154
كوهوت، هاينز x
كون، توماس xv
مخطط L 41–2، 42f، 95، 120؛ للوسواسيين 45، 45f
التحليل النفسي اليوم 62
التحليل النفسي اللاكاني: موضع المحلِّل ودوره فيه 31، 34–5، 64، 154، 234–5، 251؛ القلق بوصفه أداة علاجية فيه 246–7؛ إخراج اللاوعي إلى الكلام 28، 154؛ التنافس في الاقتصاد العالمي من أجل التحليل النفسي 14–15؛ نقد الإفراط في التمركز حول الأمومة 247–8؛ علاج الاكتئاب 245–6؛ الفاعلية 155، 206، 244–5، 246؛ البحث التجريبي 241–4؛ نهاية التحليل 248؛ التركيز على التمتع في مقابل التركيز المعاصر المعتاد 27–31؛ الاهتمام به 251–2؛ التخلي عن الفقد 8، 247–8؛ الصلات مع غيرها من المقاربات النفسية ما بعد الفرويدية 250–1؛ إحراز تقدم فيه 34–5؛ نهج الوساطة مقارنة بنهج محللين آخرين 19–25؛ التداخل بين المحلَّل وموضوع المحلِّل الآخر 24؛ دراسة نتائج «المرور» 243؛ موضع الرغبة في مقابل موضعها في أشكال أخرى من التحليل النفسي 25–7، 55–6، 59؛ العلاقة بين المحلِّل والمحلَّل 154، 201، 209–10، 224–6، 234–5، 250، 253؛ ودور الانفعال 245–6؛ التقنيات المرتبطة بالمظهر 195–6؛ الزمن بوصفه تقنية، الابتكار المثير للجدل فيه 15، 31–5؛ تحويل التقنية التحليلية اليوم 154؛ العنف في العملية العلاجية 254
الذات اللاكانية: بين اللغة والتمتع 251
لاجاش، دانيال 95–9
اللغة: بوصفها حاجزًا أمام الفهم 23؛ ولغة الجسد 23؛ والرغبة وبنية اللغة 110؛ استكشاف اللاوعي عبرها 21–2، 250؛ والتأويل 23–5؛ الإصغاء إلى كلام المحلَّلين 20–1؛ عملية الوساطة 19–25، 82؛ بوصفها الآخر 19–20، 22، 25، 41؛ لغة الذهانيين 67؛ والكتابة 89
اللغة، الغموض، الزلات، وتعدد الدلالة فيها 20–1، 80؛ في دراسة حالة الفانتازيا الأساسية 208، 212–13؛ في دراسة حالة الهوس 166، 168، 169، 174، 175، 177، 181
الفقد 6–8؛ والسبب في الرغبة 202–3؛ التعامل معه 190؛ أمثلة على أعراض مرتبطة به 9–13؛ فقدان التمتع 6–7، 8، 10، 11، 82؛ فقدان وحدة الأم والطفل 144؛ في الأسواق المالية 6–8؛ والتحليل النفسي والتخلي عنه 8، 247–8
الحب: العاطفي 140؛ الذي يتيح تزامن الرغبة والدوافع 248؛ الحب الإسنادي 134–5، 137، 139؛ في التقليد الكاثوليكي 131؛ إقامة الحواجز لزيادة لذات الحب 139–40؛ تحقير الموضوع الجنسي 138، 139؛ العنصر الدافع في الحب 140؛ «الأرضي» 140؛ الحب للأنا-المثالية 135–6؛ فرويد عن الحب 136–40؛ اختلافات فرويد بين الرجال والنساء 134؛ اندماج الرغبة مع الحب 137–9؛ في التقليد اليوناني 131؛ النرجسية والحب 132–5؛ أسطورة نرسيس 141–2؛ اختيار الموضوع 133–5، 137، 139؛ «الحب الذكوري» الوسواسي 136–7؛ «حول الميل العام إلى تحقير الحياة الجنسية في مجال الحب» 137–40؛ العاطفة 140–6؛ احترام النساء 139؛ الحسي 140؛ صراع الإخوة 142–4؛ «نوع خاص من اختيار الموضوع عند الرجال» 136–7؛ العنصر الرمزي 135، 136، 139، 140، 145؛ المثلثات 136–40؛ النساء والحاجة إلى الحب 134، 139، 140
المازوخية 233–5؛ الدور الذي تؤديه في السادية 145؛ المخططات 123–9، 123f، 124f، 125f، 127f، 128f؛ في دراسة حالة صدمة 233، 234–5
الدال السيد 67–8
الاستمناء 168، 187–8، 193، 203، 226، 228؛ الفانتازات 42، 226، 232؛ مع شركاء على الإنترنت 228
القضيب الأمومي 203، 217n
الماثيم الخاص بالفانتازيا 39، 41، 49–51
الوساطة في التحليل النفسي اللاكاني 19–25
الرجال من المريخ، والنساء من الزهرة 62–3
اللغة الفوقية 89
ميلر، جاك-آلان 41
«مرحلة المرآة» 141
مرحلة المرآة 141–2، 145
ميتشيل، ستيفن 18
المال: تأثيره في العمل التحليلي مع الأعراض 9–13؛ المقامرة به 5–6، 7–8؛ دفع أجر التحليل 13–14، 16–17؛ التحليل النفسي في الاقتصاد العالمي 14–17
الأمر الأخلاقي 115
القانون الأخلاقي 56، 111–12، 113، 114–15
القيم الأخلاقية 54
الأم: اختيارها الموضوعي الإسنادي 134–5، 137، 139؛ «ألعاب السيرك» معها 45، 178، 204، 206؛ الرغبة فيها 44، 111، 137، 138؛ الفانتازيا والعلاقة الأولى للطفل بها 40–1؛ في دراسة حالة الفانتازيا الأساسية 201–4، 205، 207–8، 210، 212؛ في مقابل رغبتها 40–1؛ المثالية المنسوبة إليها 139؛ في دراسة حالة تشكيل الهوية 188، 189؛ جدل العذراء/العاهرة 136–7؛ إهمالها 48، 49، 201، 202؛ امتثالًا لقانونها 110؛ في دراسة حالة الهوس 161–2، 164–6، 168، 170–1، 173–4، 178، 181؛ مشكلات الاندماج بين الحب والرغبة فيها 137–8؛ الانفصال عنها 144، 202–3، 247–8؛ النقلات المرتبطة بها 179–80؛ دراسة حالة الصدمة وعلاقتها بها 218–19، 221، 223، 231
وحدة الأم والطفل 144
نقد الإفراط في التمركز حول الأمومة 247–8
ناخت، ساشا 62
اسم-الأب 68، 81
النرجسية، والحب 132–5
الليبيدو النرجسي 141
«العالم النرجسي» لدى الطفل 145
أسطورة نرسيس 141–2
المؤسسة الوطنية للعلوم الإنسانية 153
صياغة الحاجة 110
الإهمال 46، 48، 49، 201، 202
البرمجة اللغوية العصبية 255
العصابيون: نهج العلاج 251؛ الأنماط السريرية داخل العصاب 118؛ التعامل مع الفقد 7؛ التشخيص 65–7، 226، 234؛ في نهاية التحليل 248؛ حسد المنحرفين 119؛ تأويل رغبة الآخر 209؛ القانون، قبول 67–8؛ الدال السيد، قبول 67–8؛ الوسواسيون 45، 107، 227؛ دراسة الأجور والعصابية 54–5؛ السعي إلى الاعتراف في العلاج 66–7؛ دوال الجسد 103؛ اجتياز الفانتازيا 213
حياد فرويد 34
نيوتن، إسحاق 63، 72
الموضوع a 41، 103، 121، 178، 247–8
اختيار الموضوع 133–5، 137، 139
ليبيدو الموضوع، والليبيدو الأناوي 132–5، 142
علاقات الموضوع 247، 250–1
دراسة حالة الهوس 161–84؛ «حسد الثدي» 167؛ اختيار الكلمات 173–6؛ مسار العلاج والخلاصات 181–2؛ التعامل مع مشاعر العدوان 169–70؛ الأحلام 168–9، 171، 175، 179، 181؛ الفانتازات 167، 169، 171، 178، 180؛ العلاقة مع الأب 164، 170–3؛ النقلات الأبوية 180–1؛ سمات الهوس 177–8؛ الفجوة بين المحلَّل والنساء 164، 165، 166، 174، 176–7، 178، 179؛ العجز الجنسي 168، 175، 177؛ سفاح القربى 162، 164، 167، 175–6، 181؛ دلائل البارانويا 180، 181؛ أزمة التمتع 163–4؛ المنعطفات الكبرى في حياة المحلَّل 171–2؛ أمّ المحلَّل 161–2، 164–6، 168، 170–1، 173–4، 178، 181؛ النقلات الأمومية 179–80؛ العصاب الوسواسي قبل سن العاشرة 170، 172؛ إدراك الأعضاء التناسلية الأنثوية 165، 173؛ الأحداث الحاسمة 161–3؛ العلاقات الجنسية 165، 168، 170، 175، 176؛ الأخت والنساء الأخريات 167–70؛ قتل الأخت 161–2، 170–1، 173؛ ردود الفعل على وفاة الأخت 162، 173، 182؛ الزلات وتعدد الدلالة والغموض في الكلام 166، 168، 169، 174، 175، 177، 181؛ الأخت غير الشقيقة 163–4؛ إيقاف رغبة الآخر 213؛ صورة ابن عرس 166، 169، 181؛ العلاقات مع النساء 163–4، 164–6، 167–8، 175–6، 178؛ الكتابة 173، 174–5، 176–7
العصابيون: في التحليل 13؛ «أن يكون المرء ضامنًا للآخر» 48، 49؛ تجميع النساء 86–7؛ رغبة 212، 213، 214؛ تدمير الآخر 178؛ عناصر في التشخيص 197، 204، 217n، 232، 236؛ صياغة السيناريو الأوديبي فيهم 204؛ الرغبة المستحيلة في العصاب الوسواسي 178، 211، 227؛ مخطط L لهم 45، 45f؛ الحب 134، 136–7
الأسطورة الأوديبية 86
المثلث الأوديبي 136–7
عقدة أوديب 86؛ في دراسة حالة الفانتازيا الأساسية 201–5؛ في دراسة حالة الهوس 170، 172
«نكون دائمًا طيبين أكثر مما ينبغي مع النساء» 108
«حول الميل العام إلى تحقير الحياة الجنسية في مجال الحب» 137–40
سيكولوجيا الجسد الواحد، والنقاش مع سيكولوجيا الجسدين 19
المخططات البصرية 96، 96f، 97f
النشوة الجنسية 168، 222
الآخر (بحرف كبير): تأويل الطفل لرغبة الآخر 46–7؛ «للرغبة» 44؛ رغبة الآخر 22، 46–7، 209–11، 212، 213؛ صياغة القانون 115–16؛ الفانتازات الضامنة لتمتع الآخر 211–12؛ الفانتازيا بوصفها رغبة الآخر 48–9، 209؛ النقص في الآخر 164، 173، 174؛ اللغة بوصفها الآخر 19–20، 22، 25، 41؛ في مخططات المازوخية 123–4، 125–6، 127؛ تدمير العصابيين له 178؛ التداخل بين المحلَّل وموضوع المحلِّل الآخر 24؛ الانحراف والآخر 117–28؛ إثارة الرغبة في موضع آخر من الآخر 50، 215؛ في عمل ساد 115، 118؛ في مخططات السادية 120–1، 122؛ استراتيجيات العصاب في التعامل معه 118؛ خطابه اللاواعي 21–2، 55، 114؛ التجربة العنيفة له 253
الآخر (بحرف صغير) 19؛ الخلط البدئي بين الذات والآخر 145
دراسات النتائج 241–4
البارانويا 142، 144، 145؛ مؤشرات عليها في دراسة حالة الهوس 180، 181؛ وعلاقتها بالشخصية 92–4
دفع أجر التحليل 13–14، 16–17؛ تأثيره في العمل التحليلي 10، 13
persona 95، 97، 99
الشخصية: لاكان عنها 92–104؛ أطروحته للدكتوراه 92–5؛ عن جيد 99–101؛ عن لاجاش 95–9؛ عن رايخ 102–3؛ المخطط البصري لتمثيل الأنا المثالية والأنا-المثالية 96، 96f، 97f؛ البارانويا والشخصية 92–4؛ الذهان والشخصية 93، 94–5؛ المعنى الأصلي للمصطلح 95؛ الأقنعة المنقسمة للشخصية 97–101، 98f، 100f، 101f؛ نظرته إلى المصطلح بعد 1960 103
الانحراف: والتشخيص في دراسة حالة الصدمة 232–3؛ والقانون 127–8؛ المازوخية، مخططاتها 123–9، 123f، 124f، 125f، 127f، 128f؛ والآخر 117–28؛ السادية، مخططاتها 118–19، 118f، 120–3، 121f؛ مخططاتها 119–20
القضيب 48، 81–5، 88؛ القضيب الأمومي 203، 217n
مفهوم كلاين عن الفانتازيا 39–41
شركات الأدوية xvi، 246
الفلسفة 106
الفلسفة في غرفة النوم 118
أفلاطون 63، 112
مبدأ اللذة 59، 60، 198
plus-de-jouir pressé 77–8
المرحلة ما قبل الأوديبية 206–7، 247
الحشد البدئي 85، 86، 88؛ أمثلة على الصلة السريرية به 90–1
النرجسية البدئية 132، 135
الطب النفسي xvi، 14، 93–4، 154، 254
الواقع النفسي 47، 59–60، 254–5
«التحليل النفسي للذهانات» 65
الخطاب التحليلي النفسي 75–7
علم النفس 54، 62–3، 195
الذهانيون: نهج العلاج 251؛ علاج فرويد لمريض 65؛ لغة الذهانيين 67؛ أمّ محلَّل وسواسي 161–2، 164–6، 168، 170–1، 173–4، 178، 181؛ الحاجة إلى تشخيص صحيح لهم 65–6؛ شخصيتهم 93، 94–5؛ الاعتراف ليس ضروريًا لهم 66–7؛ رفض القانون 68؛ وضع الآخر 118
الناشرون: مواقفهم من الترجمة 152، 153، 155؛ الناشرون الفرنسيون 156
العقاب 30، 109، 110، 111؛ بحث المحلَّل عن العقاب 224–6، 231، 232، 234
الدرس الحادي عشر المفاهيم الأساسية الأربعة في التحليل النفسي 42، 52n
الدرس الرابع عشر منطق الفانتازيا 47، 206
الدرس السابع عشر الجانب الآخر من التحليل النفسي 76
الدرس الثامن عشر خطاب لا يقوم على المظهر 204؛ الخطاب التحليلي 76–7، 78؛ أمثلة على الصلة السريرية بأسطورة الحشد البدئي 90–1؛ صيغ التذكير الجنسي 85–8، 121؛ القضيب 81–5؛ المظهر 78–81؛ البنية 77–8؛ عنوانه وترجمته 71–7؛ الخطاب الجامعي 76؛ الكتابة 88–9
الدرس العشرون عن الأنوثة الجنسية، حدود الحب والمعرفة 72، 74، 76، 77، 82، 126، 134
الدوالّ: التمييز بين الحرف و74–5؛ مساواتها بالمظهر 74؛ الدال السيد 67–8؛ الوساطة به 82؛ دوال الجسد العصابي 103؛ القضيب بوصفه فاصلاً بين الدال والمدلول 82
الخطيئة والقانون 60–1، 109، 193
سقراط 58، 60، 112
الأنا الانعزالية 142
«بعض الآليات العصابية في الغيرة والبارانويا والمثلية الجنسية» 142
الخير الأعلى 61
«نوع خاص من اختيار الموضوع عند الرجال» 136–7
الكلام 23، 59، 109؛ إخراج اللاوعي إلى الكلام 28، 154؛ نقد دريدا لتفضيل الكلام على الكتابة 74؛ الإصغاء إلى كلام المحلَّلين 20–1، 23؛ والحقيقة 73، 79؛ والكتابة 74–5، 88–9 انظر أيضًا اللغة
المجال، كماله 63
سبينوزا، بنديكت دي 25، 27، 37n، 106
«التمثيل المنقسم في فن آسيا وأمريكا» 97
الأسواق المالية 5–6، 6–8
الموضع الذاتي للمحلَّل، التأويل الساعي إلى تحويله 27–31، 251
الذاتية 103، 114؛ بوصفها مازوخية في جوهرها 233–4
subjet brut du plaisir 119
التسامي 61، 64
«تقويض الذات» 48، 49، 209، 211، 217n
الأنا الأعلى 43، 89، 94، 96، 111، 116؛ في الرغبة في فعل الخير 56–7؛ الأنا الأعلى المتشددة 226؛ والرغبة غير المشبَعة 57
علاقة المشرف/المشرف عليه xii، 66
الرمزي: عنصره في الحب 135، 140، 145؛ عنصر الفانتازات 40–1؛ في فرويد عن الحب 136، 139؛ النظام 22، 24، 110؛ خلط رايخ بين الخيالي والرمزي 102–3؛ والمظهر 79
Symposium (أفلاطون) 63، 112
الأعراض: «التماهي مع العرض» 244؛ المال وتأثيره في العمل التحليلي مع الأعراض 9–13؛ التحليل النفسي وتقليص الأعراض 244–5؛ الأعراض المرتبطة بالفقد 8، 9–13؛ والمظهر 81
العلاج بالكلام xvi
الوصايا العشر 116–17
«مقدمة نظرية في وظائف التحليل النفسي في علم الإجرام» 108
الشيء 61، 117
الموضوعات، الروابط بينها 29–31
الطوطم والتابو 85، 86، 87
تدريب المحللين النفسيين xi–xiii
النقل 19، 51n، 247، 253؛ في بحث المحلَّل عن العقاب 224–6؛ في دراسة حالة الهوس 173، 179–80، 180–1؛ الترجمات 153
الترجمات 151–6؛ نقدها 155–6؛ تمويلها 153؛ ترجمة لاكان في سبعينيات القرن العشرين 153–4، 251؛ تشجيع النقاش وتحديث الترجمات القائمة 155–6؛ اقتراح لجنة استشارية للترجمات 156
دراسة حالة الصدمة 218–36؛ الخلفية 218–20؛ استمرار العلاج مرهون بالتوقف عن نشاط «س/م» 234–5؛ تطور التوجه الجنسي 220–1، 231؛ التشخيص 226، 231–5، 236؛ الأحلام 222، 225؛ آثار الأحداث الصادمة في المحلَّل 224–30؛ الفانتازات 222، 226–7، 228، 229، 231، 234؛ بنية الفانتازيا 230؛ العلاقة مع الأب 219–20، 221، 223، 226، 231؛ المتابعة 235–6؛ إخفاء الرغبة في أن يكون محبوبًا 230؛ الأنا الأعلى المتشددة 226؛ العجز عن التعبير عن الغضب مباشرة 224، 231؛ قبلة على الرقبة 221، 222؛ الحياة العاطفية 227–8؛ الاعتداء من ابن العم 222–4؛ «الاعتداء» من العم 220–2؛ العلاقة مع الأم 218–19، 221، 223، 231؛ «أوديب معكوس» 220؛ جنس «س/م» 225–6، 229–30، 232–3؛ البحث عن العقاب 224–6، 231، 232، 234؛ الحياة الجنسية 228–30؛ الفانتازات الجنسية 228، 229، 231، 234؛ الصدمة بوصفها فجوة 222؛ الأحداث الصادمة 220–4؛ فهم «الحدث الصادم» 230–1
الحقيقة 46–7، 73، 79–80، 84
التحليلان للسيد Z x
سيكولوجيا الجسدين، والنقاش مع سيكولوجيا الجسد الواحد 19
اللاوعي: السعي إلى جعل المحلَّل ينطقه 28، 154؛ التحليل النفسي الأمريكي والتعامل معه 154، 155، 247؛ الصراع بين المُثُل واللاوعي 195؛ الرغبات غير المتوقعة في الأحلام 25، 26–7، 30؛ الرغبة 25–7، 37–8n، 55، 59؛ خطاب اللاوعي 21–2، 55، 114؛ استكشافه عبر اللغة 21–2، 250؛ فرويد وتأويله 28–9؛ الحقيقة بوصفها قابلة للتتبع إلى اللاوعي 80
الشمولية 114–15
الجامعات: مواقفها من الترجمة 152، 153
الخطاب الجامعي 76
دستور الولايات المتحدة 68
الجلسات ذات المدة المتغيرة 15، 31–5؛ بوصفها اضطرابًا 254؛ هدف التقطيع فيها 34–5؛ قلب المنظور وإنهاء الجلسة 32–4؛ صياغة لافتة: إنهاء الجلسة على 32
«تنويعات على العلاج القياسي» 102
الإحساس بالضحية 46
العنف: في التحليل نفسه 254؛ في الحقل السريري 253–4؛ الواقع على نظرية فرويد وممارسته 254–5
وينيكوت، دونالد xi، 21، 37n، 40
Wohl 112، 113
المرأة، عدم وجودها 85–7
النساء: الرغبة والحب 134، 139، 140؛ فانتازيا دون جوان 85، 86؛ فرويد عن الاختلافات بين الرجال والنساء 134؛ احترام النساء 139
Wool-Gathering 50
The Words To Say It 50
العمل: الرفض 13–14؛ العلاقة بين التحليل النفسي والعمل 15–17
A World of Faces 100
الكتابة: كتابة المحلَّل في دراسة حالة الهوس 173، 174–5، 176–7؛ نقد دريدا لتفضيل الكلام عليها 74؛ مناقشتها في الدرس الثامن عشر 88–9؛ والكلام 74–5
[غلاف مصوَّر في الأصل]
ضد الفهم، المجلد 2
يُلقي ضد الفهم، المجلد 2 الضوء على مكانة دراسات الحالة في التحليل النفسي، وهي دراسات تُستعمل في العادة لإبراز خبرة المعالجين وإحكامهم أكثر مما تُستعمل لإظهار المسارات الفعلية للمرضى. فعندما تُعرض حالة ما، تميل المادة المعقدة، المنفلتة، وكثيرة التناقض في المسار العلاجي إلى أن تُبسَّط تبسيطًا مفرطًا بغية إنتاج سرد خطي يبدو كأنه يطابق تمامًا معايير الإطار النظري الذي يفضله الممارس.
يحاول بروس فينك أن يتجنب مظهر «الإحكام» عند جمع المادة السريرية، وعند مناقشة مقاربته للممارسة والنظرية في الحالات المرضية العديدة واللمحات السريرية الواردة في المجلدين الأول والثاني من ضد الفهم. ولموازنة ذلك النوع من تشذيب المادة الذي يُجرى عادة لجعل الحالات تنسجم مع نموذج بعينه، تتضمن تقارير الحالات المعروضة هنا قدرًا كبيرًا من «المعطيات الخام» التي تُحذف كثيرًا: اقتباسات حرفية من المرضى عن حياتهم، وخلفياتهم، وأحلامهم، وتخيلاتهم؛ وتفاصيل عن المراحل الكثيرة الغامضة، والمترددة، والمنفلتة من العلاج. ويأمل فينك، بذلك، أن يتيح للقراء تكوين آرائهم الخاصة بشأن متانة صوغاته وتأويلاته وتدخلاته أو وهنها.
يوفر هذا الجزء الثاني من مجموعة من الأوراق، والمقابلات، ودراسات الحالة الممتدة على مجلدين، مئات الأمثلة على النظرية اللاكانية في الممارسة، وسيكون مرجعًا أساسيًا للمحللين النفسيين، والمعالجين النفسيين، والأطباء النفسيين، وعلماء النفس، والأخصائيين الاجتماعيين، والمرشدين.
بروس فينك محلل نفسي لاكاني ممارس ومشرف تحليلي في بيتسبرغ، بنسلفانيا. تلقى تدريبه محللًا نفسيًا في فرنسا سبع سنوات، مع المعهد النفسي التحليلي الذي أنشأه لاكان قبيل وفاته، وهو الآن عضو فيه، وهو
École de la Cause Freudienneفي باريس. وهو أيضًا عضو منتسب فيPittsburgh Psychoanalytic Society and Institute.ضد الفهم، المجلد 2
حالات وتعليقات في مفتاح لاكاني
بروس فينك
[صورة في صفحة العنوان في الأصل]
نُشر أول مرة سنة 2014
من قبل
Routledge27 Church Road, Hove, East Sussex BN3 2FA
وكذلك من قبل
Routledge711 Third Avenue, New York, NY 10017
Routledgeبصمة نشر تابعة لـTaylor & Francis Group، وهي شركة من شركاتinforma© 2014 بروس فينك
أكد بروس فينك حقه في أن يُعرَّف بوصفه مؤلف هذا العمل وفقًا للمادتين 77 و78 من
Copyright, Designs and Patents Act 1988.جميع الحقوق محفوظة. لا يجوز إعادة طباعة أي جزء من هذا الكتاب أو استنساخه أو استخدامه بأي صورة أو بأي وسيلة إلكترونية أو ميكانيكية أو غير ذلك من الوسائل، المعروفة الآن أو التي قد تُبتكر لاحقًا، بما في ذلك التصوير والنسخ والتسجيل، أو إدخاله في أي نظام لتخزين المعلومات أو استرجاعها، من دون إذن خطي من الناشرين.
إشعار العلامات التجارية: قد تكون أسماء المنتجات أو الشركات علامات تجارية أو علامات تجارية مسجلة، وهي تُستخدم هنا للتعريف والتوضيح فحسب، من دون قصد إلى التعدي.
بيانات الفهرسة أثناء النشر في المكتبة البريطانية
سجل فهرسي لهذا الكتاب متاح من المكتبة البريطانية
بيانات الفهرسة أثناء النشر في مكتبة الكونغرس
فينك، بروس، 1956–
ضد الفهم: تعليقات، وحالات، ونقد في مفتاح لاكاني / من تأليف بروس فينك.
صفحات؛ سم
يتضمن مراجع ببليوغرافية وفهرسًا.
ISBN 978-0-415-63542-4—ISBN 978-0-415-63543-1
1. الفهم. 2. علم النفس. I. العنوان.
BF325.F56 2014
150.19’5—dc23
2013009094
ISBN: 978-0-415-63546-2 (hbk)
ISBN: 978-0-415-63547-9 (pbk)
ISBN: 978-1-315-88403-5 (ebk)
ضُبط بالحروف بخط
Times New Romanمن قبل
RefineCatch Limited, Bungay, Suffolkإلى إيلويز
إن الحيز الذي يشغله عدم الفهم هو الحيز الذي تشغله الرغبة. وبقدر ما لا يُدرَك ذلك، ينتهي التحليل قبل أوانه ويكون، بصراحة تامة، قد أُفسد.
— لاكان، 2001a، ص. 250
المحتويات
الأشكال
المقدمة
شكر وتقدير
تعليقات
في الممارسة السريرية
1 المُحلَّل والمحلِّل في الاقتصاد العالمي، أو لماذا قد يدفع أي شخص سليم العقل مقابل التحليل النفسي
2 ما المختلف حقًا في مقاربة لاكان للتحليل النفسي؟
3 الخيالات والفنتازيا الأساسية: مقدمة
4 أخلاقيات التحليل النفسي
5 لماذا التشخيص؟ بعض التأملات في التشخيص
في قراءة لاكان
6 مقدمة إلى سمينار لاكان الثامن عشر:
D’un discours qui ne serait pas du semblant
7 لاكان والشخصية من ثلاثينيات القرن العشرين إلى خمسينياته
8 مقدمة إلى «كانط مع ساد»
9 فرويد ولاكان في الحب: استكشاف أولي
في الترجمة
10 مهمة الترجمة
حالات
11 في أعقاب ميديا: حالة وسواس من منظور لاكاني
12 دور المظهر في بناء «الهوية»
13 رجل فرويد والفنتازيا الأساسية
14 معالم الصدمة
نقد
15 حوار: لاكان في أمريكا
16 حوار: كلمات قليلة مع محرري MonoKL
17 العنف في التحليل النفسي
المراجع
الكشاف
الأشكال
المقدمة
لأن المحلِّلين يفهمون أشياء كثيرة، فإنهم، في الجملة، يتخيلون أن الفهم غاية في ذاته، وأنه لا يمكن إلا أن يكون «نهاية سعيدة». غير أن مثال الفيزياء قد يبيّن لهم أن أكثر النجاحات إدهاشًا لا تتطلب أن يعرف المرء إلى أين يمضي.
— لاكان، 2006a، ص. 615
عادةً ما تُعرَض التحليلات النفسية اللاكانية، في نظر معظم المؤلفين في العالم الناطق بالإنجليزية، بوصفها مجرد نظرية لا أكثر. أما العمل السريري القائم على مبادئ لاكانية فنادر العرض في أدبياتنا المعاصرة،[^seg005-1] فضلًا عن أن يُقارَن بعمل سريري قائم على مبادئ أخرى.
يقارب نصفُ المادة المضمّنة في هذه المجموعة ذات المجلدين الطابعَ السريري؛ وبعضها لمحات سريرية مقتضبة، لكن قدرًا كبيرًا منها دراسات حالات مفصلة إلى حد ما (انظر، مثلًا، الفصول 11-14 في هذا المجلد، والفصول 9-13 في المجلد الأول). لذلك يبدو لي أن عددًا من الملاحظات على عرض الحالات يقتضي الذكر هنا.
ما دراسة الحالة؟
كان [فرويد] يفضّل أن يتخلى عن مجمل ثبات نظريته على أن يسيء تمييز أدق خصوصيات حالة قد تضع نظريته موضع سؤال.
— لاكان، 2006a، ص 385-386
ما الذي يمكن أن يكون أشد اختزالًا، بل أشد فجاجة، من دراسة الحالة؟ لعلك لا تجد في عالم عمل الممارس موضعًا يبلغ فيه الإغراء هذا الحد، إغراء حشر جبال من المادة السريرية المرهقة داخل إطار نظري، واستخدام المسار المعقد والمتعرج الذي يقطعه المريض في التحليل من أجل «إثبات» قيمة تقنية بعينها أو مفهوم بعينه. ففي The Two Analyses of Mr. Z، أقدم المحلل النفسي البارز هاينز كوهوت (1994) على جرأة لا تخفيف فيها حين اخترع من ألفه إلى يائه تحليلًا لم يُجره قط، لكي يروّج لطريقته المزعومة في الممارسة: عرض التحليل «الفرويدي التقليدي» الذي خضع له هو نفسه ضمن تدريبه كما لو كان تحليلًا يخص شخصًا آخر، ثم اخترع تحليلًا ثانيًا مستنيرًا بعلم نفس الذات لهذا الرجل نفسه كما لو كان كوهوت هو محلله. يا له من انغلاق على الذات!
ويبدو لي أن عروض الحالات، بحكم طبيعتها تقريبًا، مآلها إلى التبسيط المفرط والمبالغة، وإلى أن تُشوَّه وتُساق وتُختطف حتى لتخدم أغراض الكاتب نفسه، لأن معظمها يُكتب ويُنشر أساسًا لأسباب تتعلق بالترويج الذاتي. فكثيرًا ما يسعى مؤلفو تواريخ الحالات إلى الإعلان عن توافرهم، وإبراز براعتهم السريرية و/أو النظرية، بل وإلى إقناع الجمهور أحيانًا بتفوّقهم على جميع الممارسين الآخرين المتاحين. ونادر هو الإكلينيكي الذي يعترف مطبوعًا بأنه كان في ارتباك حقيقي حيال ما كان يجري لمريضه، أو بأنه ارتكب أخطاء واضحة أثناء العلاج، و/أو بأنه لم تكن لديه أدنى فكرة عن تشخيص مريضه، إلا إذا قُدِّم هذا الاعتراف، بالطبع، بوصفه أمرًا كان يخص مرحلة مبكرة من العلاج ثم أفسح المجال لاحقًا لـ«فهم كامل» للوضع.
وباختصار، تُكتَب دراسات الحالات وتُنشر عمومًا لإظهار سيطرة الإكلينيكي: سيطرته على نظرية، وسيطرته على مقاربة مخصوصة للممارسة، وباختصار، سيطرته على كل ما يمكن أن يبحث عنه المرضى المحتملون والمتدرّبون تحت الإشراف. فعروض الحالات مصممة للاحتفاء بالممارس السيد.
وبالنظر إلى هذا الدافع شبه البنيوي في عالمنا العلاجي النفسي اليوم، فهل يُستغرب أن تكون دراسات الحالات المنشورة غير نافعة وغير مُرضية في كثير من الأحيان؟ وفي أفضل الأحوال، يمكننا أن نأمل أن يكون المؤلفون قد تركوا بعض تفاصيل الحالة تتسرّب من خلال الإطار الذي فرضوه عليها، أي من خلال العمى أو الرقابة، لأنهم لم ينتبهوا إلى أن هذه التفاصيل لا تلائم نظريتهم، أو أنهم ضمّنوا قدرًا كافيًا من المادة الخام، أي روايات تكاد تكون غير مصفّاة عما جرى واقتباسات حرفية وافرة من كلام المريض، بحيث يمكننا أن نرى ما يتجاوز الصياغة التي انتهوا هم إليها، وربما نرى شيئًا مختلفًا تمامًا. ومن أمثلة هذا الصنف الثاني، الذي كثيرًا ما كلّفت به في الدراسات العليا، كتابُ وينيكوت (1978) The Piggle، إذ يقدّم وصفًا لحظة بلحظة للعب وينيكوت وحديثه مع فتاة صغيرة على مدى ثلاث سنوات؛ ويضم قدرًا كبيرًا من «المعطيات الخام» وقليلًا جدًّا من التأملات النظرية، وغالبها محال إلى تعليقات مطبوعة في الهوامش.
فهل يمكن أن توجد صياغةٌ لحالة تتسم بشيء من الصدق، أي دراسة حالة لا تكتفي بسرد «الوقائع»، على ما تكون عليه هذه الوقائع أصلًا من ترشيح لا مفر منه عبر خلفية المؤلف وتدريبه وافتراضاته النظرية، بل تحاول أن تفسّر ما حدث في حياة المريض كما في عمله مع المحلل؟ قد يظن المرء أن الإكلينيكيين يستطيعون، في مجموعات العمل الصغيرة، أن يتجاوزوا إغراء التباهي بخبرتهم وأن يطلب بعضهم من بعض عونًا حقيقيًا في الحالات الصعبة. غير أن البنية العامة لمعاهد التدريب التحليلي النفسي، على الأقل في العالم الناطق بالإنجليزية (انظر Fink, 2013)، تجعل هذا نادر الحدوث فيما يبدو؛ فالمحللون الراسخون يسعون بدلًا من ذلك إلى استدراج المتدربين إلى معسكرهم، إن لم يكن إلى أرائكهم، والمتدربون يسعون إلى كسب رضا المحللين الأقدم داخل المعهد، وذلك بعرض الأمور على نحو يوحي بأنهم ينجزون عملًا رائعًا، رجاءَ التخرج، والحصول على الإحالات وفرص النشر، وما شابه. وربما يفسر هذا جزئيًا على الأقل شيوع الإشراف بين الأقران لدى الإكلينيكيين في بدايات مسارهم، إذ يبدو أنه يوفّر منتدى يمكن فيه عرض الحالات من غير أي ادعاء للسيطرة، ما دام المرء لا يكاد يجني من أقرانه شيئًا في باب المكانة أو السلطة.
وأحسب، استنادًا إلى ما يقارب عقدين من الإشراف الفردي والجماعي، أن أكثر عروض الحالات وصياغاتها صدقًا تقع في خصوصية علاقة المشرف بالمتدرّب حين لا توجد أي صلة مؤسسية، أكاديمية كانت أو مهنية، بينهما. ويبدو أن الصراحة القاسية لا تكون ممكنة إلا حين لا يعود هناك ما يهمّ المتدرّب ويتصل بالدرجات أو بالمكانة داخل برنامج أكاديمي للدراسات العليا أو برنامج للترخيص المهني أو بالتخرج، وحين لا يبقى على المحك إلا محاولة شق الطريق في غابة العمل السريري المعتمة على نحو مدهش، بكل ما فيها من طرق مسدودة، واضطرابات، وانفجارات، وتعثر، وانتكاسات، وتجارب شاقة. وهذه، من المؤسف حقًا، سمة من سمات التدريب في جميع البيئات المؤسسية تقريبًا، لأسباب واضحة إلى حد بعيد، إذ ترى كل مؤسسة نفسها على نحو ما ضامنًا لكفاءة متدربيها، ومن ثم عليها أن تقوّم تلك الكفاءة باستمرار. لذلك كثيرًا ما يتعذر حدوث نقاش منفتح حقًا حول العمل السريري إلا بعد التخرج. (والاستثناء هنا مرة أخرى هو الإشراف بين الأقران، وقد يكون نافعًا جدًّا، وإن كان أقران المرء غالبًا لا يتقدمون عليه كثيرًا، لأنهم ساروا في المنهج نفسه تقريبًا). وهذا يعني أن أكثر جوانب الحالات إرباكًا، وأنحاها التي لا تلائم صياغة المتدرّب، وهي صياغة قد يحفزها في صف معين رغبته في الظهور بمظهر المنسجم مع رؤية الأستاذ للعالم أو مع ما يشيعه برنامجه أو معهده، تظل كثيرًا ما غير مذكورة، ومن ثم غير مفحوصة قبل التخرج.
وفوق ذلك، فإن قلة من النقاشات المنفتحة حقًا حول العمل السريري التي تقع بعد التخرج بين المشرف والمتدرّب تجد طريقها إلى المطبوعات، وكأن الأدب المتخصص لا يتسع لمثل هذه الأمور، وهو ما يورث الممارسين قيد التدريب تصورًا زائفًا عما تنطوي عليه الممارسة السريرية حقًا. وقد دفعتني هذه المعضلة إلى أن أخصّ في مقرراتي للمعالجين قيد التدريب روايات المرضى عن خبرتهم هم في العلاج بوصفها قراءات لازمة، روايات لأشخاص مثل ماري كاردينال (1983)، ودونا وليامز (1998)، ودان غَن (2002)، مع أن الروايات المباشرة هي الأخرى تُكتَب لدوافع شخصية تخص أصحابها، وبعضها ليس بعيدًا تمامًا عن طلب الشهرة والثراء.
ولعل الإشراف الذي يتلقاه الإكلينيكيون بعد التخرج هو الطريق الرئيس الذي يدركون عبره أن كثيرين غيرهم يواجهون الصعوبات نفسها التي يواجهونها، وأنهم يستطيعون أخيرًا أن يشعروا بأنهم قُبلوا في نوع من «الدائرة الداخلية» لمن يعرفون، لمن يدركون ما يجري فعلًا خلف الأبواب المغلقة.
وقد درّست طوال القسم الأكبر من عشرين عامًا حلقة دكتوراه بعنوان «صياغة الحالة» (وكان اسمها في وقت مبكر «التطبيق المتقدم») حاولت فيها مقاومة ميل الإكلينيكيين قيد التدريب إلى أن يعرضوا على الأساتذة أسهل حالاتهم، أو على الأقل الحالات التي يشعرون فيها أنهم يؤدون أفضل ما يكون. وطلبت منهم بدلًا من ذلك أن يصوغوا للصف، الذي لم يزد لحسن الحظ قط على سبعة طلاب في المرة الواحدة، أصعب حالاتهم، تلك التي كانوا يواجهون معها أكبر قدر من المتاعب ولم يكن لديهم، أو يكاد، أي تصور عما كان يجري فيها. وحاولت أن أعزز نظامًا للتقييم قائمًا على مدى جودة صياغتهم للحالة، بكل ما فيها من صعوبات ولا يقين بل وأخطاء، لا على مقدار ما أراه أنا من حسن أدائهم كإكلينيكيين. وشجعتهم، مثلًا، على أن يحاولوا التخلّي عن ادعاء السيطرة حين يتعلق الأمر بالتشخيص، وأن يكتفوا في ختام عروضهم الممتدة ساعة كاملة، وفي التقارير المكتوبة التي تقع في 15 إلى 20 صفحة، بمناقشة كيفية تفكيرهم في التشخيص. فمثلًا، كانت سمات معينة في الحالة تحملهم على التفكير في الذهان، فيما تحملهم سمات أخرى على التفكير في الوسواس (وللاطلاع على مثال، انظر الفصل 14 في هذا المجلد).
وبالمثل، طلبت من طلاب ذلك الصف أن يذكروا كل ما شعروا أنهم أخطؤوا فيه وأن يبيّنوا ما أحدثته تلك الأخطاء من آثار في العلاج، رجاء أن أخلق جوًا يمكن فيه مناقشة ممارستنا العسيرة بصراحة ومن غير نزعة عقابية. ومن الطبيعي أن مجرد إعلان مثل هذه الأهداف لا يكفي لتحقيقها فعليًا، ولا ريب أنني أنا نفسي عرقلت تحقيقها في بعض الحالات؛ غير أن إحساسي كان أنني نجحت في حالات كثيرة في تشجيع طلاب أفراد، بل وأحيانًا صفوفًا كاملة، على ممارسة تأمل ذاتي إيجابي جدًّا في عملهم السريري، في الصف وعلى الورق، خالٍ في الغالب من الانشغال بما قد يكسبونه أو يخسرونه من مكانة داخل البرنامج بسبب الصعوبات التي كانوا يلقونها مع المرضى. ولا شك أن مهمتي كانت أيسر لأنني لم أكن في أي وقت مدير عيادتهم أو مدير تدريبهم السريري، أي واحدًا من أولئك المسؤولين عن كتابة تقارير قد تضر بالمسار المهني عن «أدائهم» السريري وترسل إلى مواقع التدريب الداخلي المحتملة وأرباب العمل.
مقاربتي لدراسات الحالة هنا
لكي يملك المحلِّل ما يفتقر إليه المُحلَّل، ينبغي أن يحوز اللاإدراية بوصفها لاإدراية. [...] ينبغي ألا يبعد إلا خطوة قصيرة واحدة عن أن يكون جاهلًا بقدر جهل مُحلَّله.
— لاكان، 2001a، ص 279-280
هل يمكن أن يوجد تاريخ حالة قابل للنشر لا يدّعي السيطرة على المادة السريرية، أو على مقاربة الممارسة، أو على النظرية المستخدمة؟ لعل هذا ممكن في بعض السياقات. (ومع ذلك، قد ينبغي الحذر من ميل إلى تقديم الذات بوصفها سيدة على عدم السيادة، كما نجد في بعض الممارسات الروحية، وهو قريب من الميل إلى الترويج للنفس بوصفها الأكثر تواضعًا بين المتواضعين في بعض الجماعات الدينية). فهل أزعم أن دراسات الحالات الواردة في مجلدي هذه المجموعة لا تتظاهر بمثل هذه السيطرة؟ كلا، بعيدًا عن ذلك.
فمعظم تواريخ الحالات المدرجة هنا كُتبت أصلًا لمؤتمرات بعينها ذات موضوع محدد اختاره شخص غيري. وحين كان الموضوع يُعرض علي، سواء أكان الإدمان، أم الصدمة، أم القلق، أم الهستيريا، أم الفنتازيا، أم المظهر، أم غير ذلك، كنت أنظر في أيٍّ من حالاتي يمكن أن يُستخدم لمعالجة موضوع المؤتمر، ثم أنظم المادة التي سأقدمها، وكان الوقت في الغالب لا يتجاوز 30 إلى 45 دقيقة، على نحو يعالج ذلك الموضوع. وكان هذا يعني كثيرًا أن أقرأ مئات الصفحات من الملاحظات التي دوّنتها عن حالة ما على مدى سنوات من التحليل، وأن أختار نسبة ضئيلة جدًّا من المادة تبدو ذات صلة بالموضوع.[^seg005-2] وكان يمكن تقديم كل تاريخ من التواريخ الواردة في هذه المجموعة على صور شتى وبإسهاب أكبر بكثير، فدراسات فرويد الكبرى للحالات كلها أطول من الدراسات المدرجة هنا، مع أنها تناقش تحليلات كانت أقصر، في الجملة، من تلك التي تُناقش هنا. ولا يقدّم أيٌّ من نصوصي هنا صورة سريرية كاملة للحالة، حتى عند اللحظة الخاصة التي عُرضت فيها. فقد كانت المادة دائمًا خاضعة لاجتزاء شديد، وكان يُفرض عليها دائمًا إطار مخصوص قائم على موضوع المؤتمر، وكنت أشعر، صوابًا أو خطأ، بحاجة عامة إلى الوصول إلى نوع من الخلاصة، سواء اتصلت بالتقنية أم بنقطة نظرية، في حيّز زمني قصير.
وفوق ذلك، ومثل كثيرين غيري، كنت أنا أيضًا أسعى في أحيان كثيرة إلى إقناع جمهوري بمتانة مقاربتي للنظرية والممارسة معًا، وكنت كثيرًا ما أدفع إلى الأقواس أو الحواشي، التي لم أكن أقرأها بطبيعة الحال بصوت مرتفع في المؤتمرات، جوانب من الحالات لا تلائم الصياغات التي كنت أقدمها على نحو أنيق. وباسم الاتساق والوضوح المفترضين، كنت أجد نفسي كثيرًا أتجاوز جوانب من الحالة كنت أراها محيرة، ولا سيما عندما أكون قد كتبت مادة أكثر مما يمكنني مناقشته فعليًا في الوقت المخصص وأواجه خيار حذف شيء أظن أنني أفهمه أو شيء أظن أنني لا أفهمه. وعندما كان الأمر يتعلق بتحرير الحالات للنشر، سواء في دوريات بعينها أو حتى في هذه المجموعة، كانت العناية بالتماسك وقابلية القراءة تتقدم في ممارستي الكتابية كثيرًا على حفظ كل تلك التفاصيل التي لا تنسجم مع الإطار. ومع أنني أعتقد أن من النافع العودة إلى كتابة الحالة بعد بضعة أسابيع من وضعها على الورق من أجل إعادة فحص كل ما كُبت في المسودة الأولى، وإعادة ما يناقض الصياغة التي تم الوصول إليها أو يبدو وكأنه يقع خارجها إلى موضعه المستحق، أو على الأقل حفظه في أقواس أو حواشٍ (انظر Fink, 2007, pp. 163-165)، فلا أستطيع أن أقول إنني فعلت ذلك هنا على نحو منهجي دائمًا، ولا سيما في ما يتعلق بالتواريخ التي أُعدت قبل سنوات كثيرة.
ومع ذلك، آمل أنني ضمّنت قدرًا كافيًا من «المعطيات الخام»، بما في ذلك تاريخ حياة المريض وخلفيته وزلاته واقتباساته الحرفية، بما فيها زلات اللسان وروايات الأحلام وما إلى ذلك، وضمّنت كذلك قدرًا كافيًا من التفاصيل السريرية المربكة والمرهقة والمتناقضة، بحيث يستطيع القراء أن يكوّنوا آراءهم الخاصة في الحالات وفي مدى متانة صياغاتي وتأويلاتي وتدخلاتي أو ضعفها. وقد سعيت إلى إحباط ميلي الشخصي إلى تنحية الأقوال العابرة التي تصدر عن المُحلَّل وتناقض أطروحتي، وهذه الأقوال كثيرة في كل حالة تقريبًا بحكم طبيعة اللاوعي نفسها وبحكم المسار الجدلي للتحليل. وكما قال شاركو قولته الشهيرة، كما نقلها فرويد (1962a، ص. 13)، ردًا على طالب احتج بأن واقعة سريرية بعينها مستحيلة لأنها تناقض نظرية يونغ-هيلمهولتس: «النظريات كلها حسنة وجميلة، لكنها لا تمنع الأشياء من أن تكون ما هي عليه» (la théorie, c’est bon mais ça n’empêche pas d’exister).
وفي غير حالة، كنت آمل أن أتلقى تعليقات نافعة وإشرافًا من الزملاء الذين عرضت عليهم هذه الحالات، إذ كنت أنا نفسي أعدّها محيّرة، وكنت أعتقد أن مجرد كتابة الحالة سيساعدني على أن أرى الغابة لا الأشجار الكثيفة للمادة السريرية اليومية. وكثيرًا ما أجد أنني لا ألاحظ إلا أثناء تدوين الملاحظات وجمع الأشياء أن عدة أشخاص في حياة المُحلَّل يحملون الأسماء نفسها، أو أن أحداثًا معينة وقعت في الوقت نفسه تقريبًا، إلى غير ذلك. ولقد كنت محظوظًا بما يكفي لأن أتلقى في بعض المناسبات تغذية راجعة شديدة الفائدة من زملاء.
لقد علمتني أولى دراساتي الجامعية في علم النفس أن النظريات قد تؤكد نفسها بنفسها: كانت دراسة روزنهان (1973) «On being sane in insane places» قد نُشرت لتوها، مبيّنةً مدى سهولة أن يفسّر علماء النفس والأطباء النفسيون والعاملون في المستشفيات حالة المريض المحتمل انطلاقًا من توقعاتهم، وأن يفسّروا سلوكه كله اللاحق انطلاقًا من تشخيص أولي خاطئ. ثم رسّخ عمل كون (1962) عندي النقطة نفسها، محذرًا إيانا، كما يفعل، من أن نمنح أي نظرية بعينها نتبناها قدرًا مفرطًا من التصديق، وحاثًا إيانا على إعادة فحص الصياغات النظرية والنظر جديًا في طرحها جانبًا قبل أن ننتظر تراكم أدلة سريرية ساحقة ضدها.
وقد جادل بعض طلابي، على مر السنين، بأن أفضل سبيل لضمان ألا يكون المعالجون يسلكون طريقًا خاطئًا في صياغاتهم هو أن يشاركوا هذه الصياغات مع مرضاهم، وأن يسألوا المرضى إن كانوا يوافقون عليها. وأعتقد أن بعض الممارسين قد فعلوا هذا أحيانًا وكتبوا عنه في الأدب المتخصص، لكن ينبغي لنا، فيما أرى، أن نخفف الحماسة لمثل هذه المقاربة بملاحظة أن المرضى، مثل المعالجين، لا يحيطون إحاطة كاملة بدوافعهم وأفكارهم ومشاعرهم، وقد يوافقون تبعًا لذلك على وجهات نظر جزئية ومائلة مثل وجهات نظر معالجيهم أو يعتنقونها. ويمكن لمنظوري المرضى والمعالجين معًا أن يشتمل كل منهما على حقائق مهمة من غير أن يلزم أن يتطابقا. فقد يُنظر إلى مؤرخين مختلفين بوصفهم يقدمون وجوهًا متعارضة ولكنها متساوية الأهمية من التاريخ، كأن يقدّم أحدهم منظورًا اجتماعيًا أكثر، ويقدّم آخر منظورًا اقتصاديًا أكثر عن الحرب الأهلية، مثلًا. وربما كان كل منظور يلتقط وجهًا مختلفًا للموضوع، كصور لشيء واحد التُقطت من زوايا متعددة.
إن الاعتقاد بأن المعالج والمريض ينبغي، في المثالي، أن يتفقا في ما يجري أو جرى، يفترض ضمنًا الإيمان بإمكان نوع من التذاوت الكلي. وفي نظر لاكان، لا إمكان لمثل هذا التذاوت، لأن ثمة دائمًا فجوة أو انفصالًا أساسيًا، أي سوء فهم أو فواتًا في الفهم، بين الناس، وذلك لأننا، أولًا، نسيء فهم أنفسنا، إذ لا نريد أن نعرف أمورًا معينة عن أنفسنا، ولأننا، ثانيًا، نسيء فهم بعضنا بعضًا، فنُسقط على الآخرين ما نفكر فيه نحن، أو ما نظن أننا سنشعر به لو كنا مكانهم، فضلًا عن أننا نقفز إلى استنتاجات بشأن ما قالوه انظر Fink, 2007, [الفصل 7]. ومن ثم ينبغي أن تؤخذ روايات المرضى المباشرة، وروايات المعالجين عن العلاج، جميعًا بقدر كبير من التحفّظ، ولعل الأجدر بنا أن نحتفي بتبايناتها المحتملة بدلًا من أن نستنكرها.
هل نحتاج إلى معرفة لماذا ينجح الكلام ما دام ينجح؟
نحن لا نستطيع أن نفهم شيئًا سوى ما هو موجود أصلًا في رؤوسنا.
— لاكان، 2006c، ص. 105
الكلام يغيّر الأشياء. وتُبنى النظريات لتفسير كيف ولماذا، وغالبًا ما تُكتب تواريخ الحالات لتوضيح تلك النظريات. والاختلاف بين النظريات يقود إلى حرب بين مدارس التحليل النفسي والعلاج النفسي المختلفة، إذ يذهب كل منها إلى أن الكلام يغيّر الأشياء للسبب س لا للسبب ص.
غير أنه، حفاظًا على المنظور السليم، فإن كون الكلام يغيّر الأشياء أمرًا مقبولًا على نطاق واسع لدى شريحة عريضة جدًّا من مجتمع العلاج النفسي، وقد يقال إن الأسباب التي تجعل الكلام يغيّر الأشياء أقل أهمية من الناحية السريرية، في نهاية المطاف، من حقيقة أنه يغيّرها فعلًا.[^seg005-3] وفي مواجهة الادعاءات المتزايدة ضخامتها التي يطلقها الأطباء النفسيون وشركات الأدوية، والذين لا يرون في جميع المشكلات النفسية والآلام النفسجسدية إلا أعراضًا لـ«اختلالات كيميائية» في الدماغ، قد يحسن بنا نحن المعالجين بالكلام أن نعيد تجمّعنا استراتيجيًا خلف أبسط مبادئ عملنا. بل إنني وجدت في السنوات الأخيرة أن مشروعًا يزداد أهمية بالنسبة إلى المعالجين المنخرطين في الممارسة السريرية يتمثل ببساطة في البقاء والصمود أمام شك المرضى في العلاج بالكلام نفسه، بعدما ابتلع عدد كبير من الناس، من غير تمحيص، الخطاب العبثي الصريح عن «الاختلالات الكيميائية» (وقد بين مؤلفون مثل Whitaker, 2010 بصورة مقنعة أنه هراء). لقد صار الصمود أمام شك المرضى مشروعًا قائمًا بذاته.
ويجب أيضًا مواجهة هذا الشك عند أولئك الذين تبنّوا، على الأقل على مستوى الوعي، في السنوات الأخيرة، تصورات عن العقل طرحتها ممارسات تأمل مختلفة توصي بمجرد ملاحظة الأفكار والمشاعر والرغبات وتركها تمر. فكثير من الذين يؤيدون مثل هذه التصورات، شأنهم شأن الذين تناولوا الأدوية سنوات طويلة من غير جدوى تُذكر أو بلا جدوى أصلًا، ينتهون في المطاف إلى أبوابنا لأن شيئًا لم ينجح معهم، ومع ذلك يظلون غير مقتنعين البتة بمشروعية مشروع العلاج بالكلام نفسه. فجميع رغباتهم، في نظرهم، لا بد من التخلي عنها فحسب، إذ غايتهم ضرب من الانفصال السامي عن الحياة يبدو لي على بعد سنوات ضوئية من الغاية الضمنية للتحليل النفسي، أي حياة منخرطة تتضمن «الحب والعمل»[^seg005-4] على نحو ما. بل إن بعض أشكال التأمل، وربما لا جميعها، تبدو وكأنها تعزز نوعًا من فك الارتباط لا يفعل إلا أن يرسّخ عزلة باتت شديدة الانتشار في زماننا، عزلة مفرطة إلى حد أن المعالج صار، في كثير من الأحيان، الشخص الوحيد الذي يتفاعل معه المرضى فعلًا في حياتهم اليومية.
وربما كان من الأفضل لنا، في الظرف الراهن، أن نؤكد أن الكلام يفيد، أن الكلام ينجح، بدل أن نخوض الحروب حول الكيفية الدقيقة التي يفعل بها ذلك.
ملاحظات
حرصًا على السرية، غُيِّرت معلومات تعريفية وبعض الملابسات أو حُذفت من المادة السريرية المعروضة.
[^seg005-1]: مع استثناءات قليلة جديرة بالذكر، مثل Schneiderman, 1977؛ وGherovici 2003؛ وRogers, 2006؛ وMiller, 2011؛ وSwales, 2012.
[^seg005-2]: بخلاف كثير من المتحدثين الذين سمعتهم في المؤتمرات، ويبدو أنهم يتحدثون عما يحلو لهم الحديث عنه أو عما سبق أن كتبوه، بصرف النظر عن الموضوع المعلن للمؤتمر، فقد حرصت دائمًا، سواء عُدَّ ذلك فضيلة أم لا، على أن أبذل جهدًا مقصودًا لمعالجة موضوعات المؤتمرات في مداخلاتي.
[^seg005-3]: في الممارسة السريرية، يستطيع المحللون في كثير من الأحيان أن ينظّروا لسبب إفادة الكلام عن موضوع معين لمُحلَّل ما، لكنهم نادرًا ما يعرفون على وجه الدقة أي جانب من جوانب المناقشة هو الذي أحدث الأثر، ولا يلزمهم أصلًا أن يعرفوا ذلك. وقد يفيدهم أن يعرفوا، من حيث إنه قد يساعدهم على تكرار الأمر في المستقبل، لكن لا يلزم أن يكون بوسعهم معرفته على نحو حاسم. ثم إن ما أفاد مرة قد لا يفيد مرة أخرى بالقدر نفسه أو بالطريقة نفسها.
[^seg005-4]: نُسبت صيغة «الحب والعمل» فيما يبدو إلى فرويد عن طريق إريك إريكسون. أما فرويد نفسه (1958d) فقال إن العلاج التحليلي النفسي يسعى إلى أن يتيح للمُحلَّل «القدرة على العمل والتمتع» (ص. 119).
شكر وتقدير
نُشر فصل «المُحلَّل والمحلِّل في الاقتصاد العالمي، أو لماذا قد يدفع أي شخص سليم العقل مقابل التحليل النفسي» في عدد خاص من مجلة الدراسات الثقافية New Formations بعنوان «Psychoanalysis, Money and the Global Financial Crisis»، العدد 72 (2011): 20-32.
ونُشر فصل «ما المختلف حقًا في مقاربة لاكان للتحليل النفسي؟» في The Psychoanalytic Review، 98، 6 (ديسمبر 2011): 843-869، ويُعاد نشره هنا بإذن كريم من Guilford Press.
ونُشر فصل «أخلاقيات التحليل النفسي» أولًا في The Psychoanalytic Review، 86، 4 (1999): 529-545، ويُعاد نشره هنا بإذن كريم من Guilford Press.
وقُدِّمت دراسة «مقدمة إلى سمينار لاكان الثامن عشر: D’un discours qui ne serait pas du semblant» في دبلن، أيرلندا، في 18 سبتمبر 2009، إلى معهد التحليل النفسي APPI، بدعوة من Pauline O’Callaghan. ثم نُشرت في Lacunae: Journal for Lacanian Psychoanalysis، 1، 1 (2010): 62-90، ويُعاد نشرها هنا بإذن كريم من هيئة التحرير.
وظهر فصل «لاكان والشخصية من ثلاثينيات القرن العشرين إلى خمسينياته» أولًا في Journal of European Psychoanalysis، 26/27 (2008، I-II): 257-274، ويُعاد نشره هنا بإذن كريم من هيئة التحرير.
وظهر فصل «فرويد ولاكان في الحب: استكشاف أولي» أولًا في Acta Philosophica-Filozofski vestnik، 27، 2 (2006): 236-282، ويُعاد نشره هنا بإذن كريم من هيئة التحرير.
وظهر «لاكان في أمريكا، حوار مع Bruce Fink أجراه Loren Dent» تحت عنوان «Lacan in the United States: An Interview with Bruce Fink» في Contemporary Psychoanalysis، 47، 4 (2011): 549-557، ويُعاد نشره هنا بإذن كريم من محرري Contemporary Psychoanalysis.
واستُخدمت مقتطفات من Écrits لجاك لاكان، بترجمة Bruce Fink، ومن The Seminar of Jacques Lacan: Book VII: The Ethics of Psychoanalysis 1959-1960 لجاك لاكان، بترجمة Dennis Porter، بإذن كريم من W. W. Norton.
تعليقات
في الممارسة السريرية
1
المحلَّل والمحلِّل في الاقتصاد العالمي، أو لماذا يدفع المرء في كامل قواه العقلية ثمن التحليل
بحسب لاكان (2006b)، ابتكر باسكال نظرية الألعاب حين طرح فكرة أن الرهان الموضوع في لعبة حظ ينبغي أن يُعدَّ خاسرًا منذ اللحظة التي يوافق فيها المرء على اللعب. فكل مبلغ يرضى المرء بالمخاطرة به يجب أن يُنظر إليه بوصفه خسارة خالصة منذ البداية، ومن هنا جاءت النصيحة التي تُعطى أحيانًا للمقامرين بألا يحملوا معهم إلى الكازينو مالًا أكثر مما يطيقون خسارته، بالنظر إلى الاحتمال الكبير أن يخسروا كل ما معهم. غير أن هذه النصيحة الحسنة النية تبدو عديمة الجدوى في عصر أجهزة الصراف الآلي وبطاقات الائتمان، إذ يستطيع أي من يمر بسلسلة خسائر أن يحصل بسهولة على مال إضافي يراهن به.
وعوضًا عن أن يصرّح السياسيون والمستشارون الماليون علنًا بأن الشراء والبيع في سوق الأسهم لا يختلفان عن المقامرة، أي بوصفهما مجالًا لا ينبغي فيه أن يراهن المرء بمبلغ يفوق ما يطيق خسارته، أخذوا يُخفون الطابع القماري لسوق الأسهم خلف فكرة «الاستثمار». وروّجوا لفكرة أن الاستثمار المحافظ على المدى الطويل يمكن أن يدرّ نسبة معقولة ومستقرة إلى حدٍّ ما، ليست بالطبع بالروعة التي تدّعيها عوائد بيرني مادوف الإيجابية الدائمة المستحيلة على التصديق،(1) ولكنها أفضل من العوائد الممكنة تقريبًا في أي مكان آخر، سواء في حساب ادخاري أو شهادة إيداع أو سندات حكومية.
ومع إلغاء معاشات الشركات تدريجيًا في الولايات المتحدة، ومع تحوّل ادخار المال للتقاعد إلى شأن فردي على نحو متزايد حتى في فرنسا، جرى التخفيف من الطابع المضاربي لسوق الأسهم، والترويج على نطاق واسع لفكرة الاستثمار المحافظ طويل الأجل. وكانت مثل هذه الحيل ضرورية إذا أراد السياسيون أن يجعلوا الناس ينسون هيئات الضمان الاجتماعي التي توشك على الإفلاس، والتي كان من المفترض أن تصرف منها الدولة الكريمة دخل التقاعد، وأن يعتمدوا بدلًا من ذلك على جهودهم الشخصية لتأمين سلامتهم المالية بعد سنوات العمل. وقد رُوِّج للتنويع، أو ما يسمى بتخصيص الأصول، المبني على «نظرية المحفظة الحديثة»، بوصفه العلاج الشامل لتقلبات سوق الأسهم؛ وحاولت الحكومات، بالتعاون مع المستشارين الماليين على اختلاف أنواعهم، أن تقنع العامة بأن السوق يمكن ترويضه عبر استثمارات حذرة ومحافظة ومتنوعّة في المواد الخام والرعاية الصحية والتكنولوجيا، بل وحتى المصارف، وهي استثمارات يمكن تحوّطها أيضًا لتخفيف المخاطر باستخدام عقود البيع والشراء والمركّبات الثنائية والثلاثية والياقات الثلاثية، وما شابه ذلك.
وبحسب بعضهم، فقد جرى ترويض دورات الأعمال الصعودية والهبوطية التي كشف ماركس أنها ملازمة للرأسمالية في القرن التاسع عشر واحتواؤها. وكانت مجلة BusinessWeek، وهي مجلة مالية معروفة في الولايات المتحدة، تقضي جزءًا كبيرًا من العقد الأخير في الإعلان عن مجيء ما سمّاه كتّابها «الاقتصاد الجديد»، وكانوا يقصدون به نظامًا اقتصاديًا محصنًا ضد الانكماشات والانهيارات الجدية.
وقد صار كل ذلك اليوم غبارًا في السنوات القليلة الماضية، لكن الحقيقة الباسكالية القائلة بأن على المرء أن يبدأ «الاستثمار» على أساس أن ما يراهن به خاسر سلفًا قد جرى تجاوزها أو رفعها إلى القوة الثانية، بل ربما إلى ما فوقها، بفعل الاستخدام الواسع للرافعة المالية في الأدوات المالية. فهناك مزيد من صناديق المؤشرات المتداولة، المتاحة مثل الأسهم العادية في بورصة NYSE Euronext، التي تعرض مضاعفة الأرباح أو حتى تثليثها في فئات أصول مختلفة أو مؤشرات سوقية، ناهيك عن مضاعفة الخسائر أو تثليثها. وعندما يشتري المستثمرون مثل هذه الصناديق بالهامش، أي بأموال مقترضة على أساس القيمة المزعومة لأصولهم الورقية الأخرى، كما فعل كثيرون خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، يمكنهم بسهولة شديدة أن يخسروا أكثر بكثير مما راهنوا به. ومن يعبث بأنواع معينة من العقود الآجلة والخيارات ينبغي بالطبع إخطاره بالمخاطر.
وهذا صحيح أيضًا في سوق العقار، حيث كان من الممكن، على الأقل في الولايات المتحدة، حتى وقت قريب أن يشتري المرء منزلًا بلا دفعة أولى، ليكتشف بعد ذلك أن قيمة البيت قد انخفضت بما يصل إلى 40 في المائة خلال عام واحد. وكثيرًا ما خسر أصحاب الرهون العقارية في بضعة أشهر قصيرة مالًا يفوق بكثير ما كانوا يأملون في كسبه خلال عقد كامل.
ولو أننا اتبعنا باسكال، لمالَ بنا الأمر إلى استبدال الصيغة الشائعة التي تظهر اليوم في أسفل شبه كل نشرة لصناديق الاستثمار المشتركة، وهي: «الأداء السابق لا يضمن العوائد المستقبلية»، وهي عبارة متواضعة إلى حدٍّ بعيد إن وُجدت، بالتحذير الباسكالي التالي: «توقّع أن تخسر قدر ما تضع. وإذا كنت تشتري بالهامش، فتوقّع أن تخسر أكثر».
الحياة مقامرة
يقترح باسكال أن الحياة نفسها لعبة حظ، مقامرة، وأننا نحن الأحياء قد وضعنا رهاننا سلفًا بالفعل (on est déjà engagé، وتدور اللعبة هنا حول الله)؛ أو، كما قد يصوغها هايدغر، نحن «مطرودون»، أُلقي بنا في اللعبة شئنا أم أبينا.
وهنا يلتقي باسكال بالتحليل النفسي، إذ يفترض المحلِّلون أننا يجب أن نحسب منذ البداية حساب وجود خسارة بنيوية لا مفر منها لكل ما نراهن به في الحياة.(2) فنحن نطوّع أجسادنا وعقولنا للغة الآخر وأعرافه؛ وبامتثالنا لرغبات والدينا وغيرهما من الكبار وخضوعنا لمحظوراتهم، نمرّ منذ وقت مبكر في حياتنا بخسارة لا رجعة فيها لشيء ما: خسارة الموضوع البدئي، الأم، كما يسميها بعضهم، أو، بعبارة أعم، خسارة jouissance، أي اللذة المرتبطة بالتماس القريب مع من يتولى الرعاية الأولية، ذاك الذي يعتني بالكثير من وظائفنا الجسدية الأساسية، والذي يوفّر لنا، في أفضل الأحوال، الحب والدفء أيضًا.
لماذا نمتثل ونخضع بدرجة أو بأخرى طواعية؟ أملًا في أن نكسب شيئًا ما: الاعتراف، الإقرار، الحب، الرعاية؛ و/أو درءًا لشيء ما: الهجر أو الرفض. ومعظمنا، بل كثيرون حتى ممن يخوضون تحليلاً نفسيًا طويلًا، يواصلون طوال حياتهم محاولة استعادة قدر يسير على الأقل مما يشعرون أنهم فقدوه ولم يُعوَّضوا عنه تعويضًا كافيًا.(3)
نحن نشعر أننا قدّمنا تضحية هائلة: تخلّينا عمّا كان أعزّ ما نملك، ولم نتلقَّ في المقابل إلا القليل أو لا شيء إيجابيًا على الإطلاق.
وأزعم أن أحد الجوانب الأساسية للعُصاب هو المحاولة المتكررة بلا انقطاع لاسترداد شيء لا سبيل إلى استرداده. وهو غير قابل للاسترداد إلى حدٍّ كبير لأننا في الحقيقة لم نكن نملكه أصلًا على النحو الذي نتصوّر أننا امتلكناه به: لم تكن لنا قط علاقة حصرية، اندماجية، مع من تولوا رعايتنا الأولية، مثلًا. ومع ذلك، قد نميل، ونحن نلتفت إلى الوراء، إلى الاعتقاد بأننا كنا نملك ذلك بالفعل.
إن جاذبية الحصول على شيء بلا مقابل، سواء في متجر أو في سحب يانصيب أو عبر مراهنات ناجحة في سوق الأسهم، تبدو مرتبطة بنيويًا بالتضحية التي نشعر أننا اضطررنا إلى تقديمها، والتي نشعر نحن الأغلبية الساحقة أننا لم نُكافأ عليها يومًا بما يكفي. نحن نعتقد أننا تخلّينا عن شيءٍ ما بلا مقابل، وأننا لم نتلقَّ شيئًا في المقابل. وفي نظرنا، لا يمكن للتعويض أن يأتي متأخرًا أكثر مما ينبغي، ولا أن يكون كبيرًا أكثر مما ينبغي؛ إذ لا يعرف أي حدٍّ بعينه.
ولو حالفنا الحظ إلى درجة تحقيق مكاسب مذهلة في سوق الأسهم، فلن يكون ذلك سببًا لمغادرة اللعبة. فلا توجد نقطة توقّف واضحة، لأن هناك لا تجانسًا أساسيًا بين ما نكسبه، وهو محسوب داخل نظام دالٍّ من الأعداد، وبين اللذة أو jouissance التي فقدناها. فـما خسرناه، بعد كل شيء، كان لا يُقدَّر بثمن! (ولكل شيء آخر، هناك ذلك الشيء المعروف …) لا يمكن لأي عدد محدد أن يقابل الخسارة التي لحقت بنا. ولا يمكن لأي مقدار من المال أو السلع أن يعوّض عما ضحينا به، فهذه الخسارة غير قابلة بطبيعتها للحساب وغير قابلة للقياس.
وإذا ابتُلينا بخسائر بدلًا من المكاسب في سوق الأسهم، فإن تلك الخسائر ستزيد حتمًا من حدة التذكيرات الدائمة بالخسارة الأولى المبكرة. وهذا يجعل بعض المستثمرين أكثر يأسًا في عزمهم على تعويض خسائرهم، ويشجع على سلوك أكثر مضاربية.
وقد يصاب آخرون بالقرف الشديد فيقرّرون «قصّ خسائرهم» ويستثمرون ما استطاعوا إنقاذه في العقار. وقد حدث هذا في فرنسا والولايات المتحدة مثلًا بعد انهيار سوق الأسهم في سنة 2000، ولا سيما بين من دخلوا سوق الأسهم لأول مرة في العقد الذي سبق الألفية الجديدة. فقد غادروا البورصات ومالهم ممزق، باحثين عن شيء صلب، عن الطوب والملاط، عن الأصول الملموسة المزعومة. وقليلون هم الذين يتخلّون تمامًا عن الاعتقاد بإمكان تعويض الخسارة، ولو من باب لعب اليانصيب.
وأرى أنه يمكن توصيف قدر غير يسير من السلوك التجاري وصفًا مثمرًا بالاعتماد على نظرية التحليل النفسي في الموضوع المفقود (انظر Fink, 2010a). ولعل هذا يفسر انشغال المؤسسات المالية بإخراج العنصر البشري من المعادلة وإسناد جزء على الأقل من التداول إلى الحواسيب. فالحواسيب، في الظن، لا تحاول استرداد jouissance ضاعت في بداية وجودها؛ فـjouissance ليست للآلات، حتى في ربيعها الأول حين تُبرمج للمرة الأولى. لكن، من الذي برمجها على أي حال؟ البشر. ولأي شيء؟ للقيام بالأشياء نفسها التي يجد البشر أنفسهم يقومون بها على نحو «لاعقلاني» كما يقول الناس، من دون أن يلحظوا المنطق الكامن في المحاولة المتجددة دائمًا لتعويض الخسائر التي يشعرون أنهم تكبدوها.
التخلي عن الخسارة
يمكن صياغة هدف التحليل النفسي ببساطة على هذا النحو: أن نتخلى عن الخسارة، وأن نتوقف عن المحاولة اليائسة لاسترداد شيء لا سبيل إلى استرداده. بكلمة واحدة: أن نخسر الخسارة؛ أو، بلغة تجارية، أن نتوقف عن إلقاء المال الجيد خلف المال الرديء.
ولماذا يدفع المرء في كامل قواه العقلية ثمن التحليل، ولماذا يدفع لكي يفقد شيئًا، هذا سؤال مشروع، في نظري؛ لكنني أستشهد بفرويد (1958b) حين يقول إن «لا شيء في الحياة أغلى من المرض»، والمرض العصابي على وجه الخصوص. ففي الواقع، قد تنفق مالًا أكثر بكثير وأنت تحاول استرجاع ما تظن أنك فقدته، مما سيكلفك أن تتوقف عن القلق بشأن تلك الخسارة وعن الدوران حولها عبر القيام بالتحليل!
وكما أن قلة من المستشارين الماليين تخبر المستثمرين المحتملين بأنهم قد يخسرون كل شيء بسهولة، بل وينبغي أن يكونوا مستعدين لذلك أيضًا - وهؤلاء المستشارون الذين يفعلون ذلك لا يبقون على الأرجح في العمل طويلًا - فكذلك قلة من المحللين النفسيين يخبرون المحلَّلين المحتملين بأنهم سيتعين عليهم التخلي عمّا يشكل الآن مصدر أعظم jouissance في حياتهم، وأن عليهم أن يجدوا شيئًا آخر. ذلك أنهم، وإن كانوا يشعرون بخسارتهم بوصفها كل شيء إلا أنها ممتعة، فإن تعلقهم بها أو تثبيتهم عليها يمثل عَرَضًا، عَرَضًا يسعى سرًّا إلى تعويض تلك الخسارة. وبصياغة مبسطة جدًا، فالأعراض هي طرائق لاستخلاص اللذة من البؤس المرتبط بالخسارة، وهذه اللذة في البؤس أو الشفقة على الذات هي ما ينبغي التخلي عنه في أثناء التحليل.
إن هذا الشكل بعينه من أشكال اللذة، هذه jouissance في المعاناة، يجب أن يُتخلّى عنها أو تُضحّى بها أو «تُخصى»، كما نقول نحن المحللين بلغتنا الخشنة. فأن نخسر خسارة يعني أن نتخلى عن البؤس، وأن نتخلى عن التثبّت المشحون بـjouissance عند الخسارة، ذلك الذي يدفعنا إلى تغذية الأحقاد وإلى أن نعدّد لأنفسنا وللآخرين على الدوام مظالمنا ضد كل من نشعر أنهم حرمونا أو سدّوا الطريق أو تجاهلونا أو حطّوا من شأننا أو أوقعوا بنا ضررًا بأشكال أخرى (بما في ذلك، في بعض الحالات، الخليقة كلها).
وقليل من المحللين هم من يجرؤون أو يتهورون إلى حدّ أن يصرّحوا منذ بدء العمل مع محلَّل محتمل بأنه سيتعرض أثناء العمل الآتي لعملية إخصاء. ومن يفعلون ذلك سيجدون، على الأرجح، أن غرف الانتظار لديهم تفرغ سريعًا. وقد ينتهي بهم الأمر، طبعًا، إلى جمهور حصري من المرضى المازوشيين المزعومين.
ثلاث لمحات سريرية
مع هذه الأفكار العامة في الذهن، دعوني أقدم الآن ثلاث لمحات سريرية توضح كيف ترتبط الأعراض بالخسارة، وكيف يؤثر المال في العمل التحليلي مع الأعراض. والأسماء والمعلومات التعريفية الأخرى عن المحلَّلين الذين أناقشهم هنا قد جرى تغييرها، بطبيعة الحال، كما جرى حذف عدد لا يحصى من التفاصيل من أجل التركيز على هذه الجوانب المحددة من الحالات.
جعل الآخر يدفع
اللمحة الأولى تتعلق بشاب يبدو، بمعنى ما، مشلولًا بثروته الخاصة. سأشير إليه هنا بالاسم المستعار جيفري. ورغم أن جيفري كان يطمح لسنوات طويلة إلى أن يكون موسيقي روك، فإن شيئًا لم يترتب على تدريبه وتأليفه عندما وافق والده على مضض على أن يجرّب أن ينجح بوصفه موسيقيًا. فما دام والده يعارض مساره المهني، كان جيفري يلاحقه بحماسة؛ وما إن استسلم الأب، حتى فقد جيفري زخمه. وبدلًا من ذلك، رضخ للعمل في وظيفة شبه مهنية بأجر منخفض نسبيًا. ثم تغيّر هذا فجأة حين توفي والده قبل سنوات، تاركًا لجيفري بضعة ملايين من الدولارات.
تمكّن جيفري من إنفاق بعض المال تقريبًا على الفور بشراء شقة، لكنه شعر بأنه غير قادر على السفر - وهو ما كان يفعله كثيرًا قبل ذلك - أو استخدام المال بطرق أخرى كثيرة. ويرفض جيفري أن يقضي أي وقت في التعرّف إلى كيفية استثمار أمواله، إذ كان والده قد أنشأ له صندوقًا ائتمانيًا قبل وفاته، كما يتجنب أن يتعلم شيئًا عن الاستثمار عمومًا، إذ يشعر أن المال ليس له حقًا كي يتصرف فيه كما يشاء.
وفي الوقت نفسه، جعل وجود المال باسمه جيفري عاجزًا عن إنجاز أي نوع من العمل - سواء الموسيقي أو غيره. فمن جهة، يشعر أنه استحق أن يحصل على المال لأن والده، في نظره، عامله معاملة سيئة في حياة الأب؛ ومن جهة أخرى، يدرك على نحو ما أنه هو نفسه كان لسنوات طويلة غير لطيف وغير عادل مع والده.
وكانت أعظم لذة في حياة جيفري تأتيه من استفزاز والده عبر فعل العكس تمامًا مما يريده الأب. كان أبوه يملك شركة ويريد من جيفري أن يدرس الأعمال وأن يعمل معه فيها، لكن جيفري اختار مجالًا بدا خاليًا تمامًا من أي اهتمام عند والده: موسيقى الروك. وكل ما فعله كان يبدو مصممًا ليحطّ من أنف والده، ولكي يضمن حقًا أنه يحطّ من أنفه بالطريقة المناسبة تمامًا، كان عليه أن يتأكد من أن أفعاله تثير انزعاج والده فعلًا وبصدق، ناهيك عن الرجال الآخرين الذين صاروا، مع مرور الوقت، يمثلون له صورة الأب.
وكانت شكوى جيفري عند قدومه إلى التحليل أن الجميع قد ظلمه: فوالده أخذه ظلمًا من أمه بعد فترة قصيرة من انفصال والديه، وأمه ظلمته حين سمحت له ظلمًا بأن يعيش مع والده. ولم يكن جيفري قد فعل شيئًا ليستحق الوضع الذي آل إليه، وهو وضع الشلل و«الاكتئاب» - والاكتئاب، في خبرتي، ينشأ كثيرًا من كون المرء يكره الجميع، بما في ذلك نفسه، ولا يستطيع أن يواجه الكراهية التي تسكنه أو يتعامل معها.
وكان هاجس جيفري الأعم منذ سنين طويلة هو محاولة جعل والديه يدفعان ثمن ما فعلماه به. وفي الحقيقة، هذا جانب واسع الانتشار بشكل مذهل من العصاب: أن نجعل الجميع يدفع ثمن ما حدث لنا، وثمن وضعنا الراهن أيضًا. وأحد الأشكال التي تجلّى بها ذلك في تحليل جيفري هو أنه، لمدة طويلة، كان يذهب إلى الفراش متأخرًا جدًا في الليل بحيث ينام خلال جلساتنا مهما كان موعدها في اليوم التالي. وكان هدفه أن يجعل والده يدفع الثمن - فالمال الذي يدفعه لي كان، بعد كل شيء، من مال أبيه - أن يجعل والده يدفع ثمنًا لا شيء فيه (إذ كنت أُجريه الدفع عن الجلسات التي يفوّتها). وقال لي إن «إهدار المال» كان، في نظر والده، «خطيئة مميتة». ولم تكن القضية مجرد أن يجعل والده يدفع ثمن العلاج الذي شعر أنه يحتاجه بسبب معاملة والده السيئة له، بل أن يدفع ثمنًا لا مقابل له إطلاقًا: فهناك تكمن أشهى أشكال الانتقام!
أن يجعل والده يدفع ثمن خدمة حقيقية كان سيصبح أفضل من اللازم بالنسبة له. الأفضل أن يُجبر والده على إلقاء المال من النافذة.
وكان في التغيب عن الجلسات فائدة أخرى لجيفري. فقد كان يشعر شيئًا فشيئًا بأنه يقترب من فكرة أنه كان كثيرًا ما يستفزّ والده حتى يسيء معاملته، وأن ثمة رقصة خفية من الاستفزاز كانت قائمة بينهما، وأن إلقاء اللوم في جميع مشكلاته على والده كان، إلى حد ما، مبالغة. ومع ذلك، ما دام إلقاء اللوم على والديه فيما سلباه إياه - وهو ما وصفه هو بعلاقة غبطة حصرية مع أمه في الطفولة المبكرة - هو ما يمنحه أعظم قدر من المتعة في حياته، فقد كان مترددًا في التخلي حتى عن أصغر كمية ذرية من تلك المتعة. وكلما بدأ يرى دوره هو في ما جرى بينه وبين والده في أثناء جلسة، زادت احتمالات أن يفوّت الجلسة التالية.
وكلما اقترب من التخلي عن قدر من jouissance مرتبط بكيفية رؤيته لنفسه في علاقته بوالديه - وفي علاقته بالآخر بحرف O كبير، كما يسميه لاكان - ازداد انسحابه من التحليل. كان يفضّل أن يدفع بدل أن يتكلم، وأن يدفع بدل أن يتخلى عن هذه اللذة المشلِّلة، وأن يدفع بدل أن يتخلى عن أي جزء من تمتعه العرضي وأن يمضي في حياته. ولأستعير شعارًا قديمًا لإحدى ماركات السجائر، فقد كان «يفضل القتال على أن يبدّل». كان يفضّل القتال ضد العمل التحويلي، الإخصائي، في التحليل، بدلًا من أن يكتشف طريقة أخرى للاستمتاع، أو شكلًا آخر من أشكال الرضا في الحياة. فهدف التحليل ليس حرمان المحلَّلين من كل متعة، بل تفكيك المتعة التي يستمدونها من أعراضهم، وهي متعة يكونون غالبًا منقسمين حيالها، أو تحويل طريقتهم في اختبار تلك المتعة بحيث لا يعودون منقسمين بشأنها.
ويجب أن يكون واضحًا أنه، في مثل هذه الحالة، لا يكفي أن نشجع المحلَّل على تغيير موضعه بمجرد رفع الأجر، إذ كان المحلَّل مستعدًا تمامًا لمعاقبة والده بدفع المزيد مقابل جلساته. وقد يفضّل هذا الحلّ لدى بعض المعالجين الذين لا يهمهم سوى نقل الأصول من حسابات المرضى إلى حساباتهم الخاصة.(4) غير أن معظم المحللين، في نظري على الأقل، يريدون أكثر من المال وحده - إنهم يريدون الدم أيضًا، بمعنى ما، إذ يقتطعون «رطل اللحم» (أو «الـjouissance السيئة»، كما عبّر أحد المحلَّلين). ونحن، نحن من نعمل بتدرج في الأجر، نطلب مالًا أكثر أو أقل بحسب الوضع المالي للمحلَّل وقدرته على الكسب، لكننا نقتطع دائمًا رطل اللحم نفسه؛ فنحن نحاول دائمًا أن نجعلهم يخسرون تعلقهم بالخسارة نفسها.
لا أستطيع لأنهم …
كانت إحدى محللاتي - وسأشير إليها بالاسم المستعار سارة - تجد نفسها في وضع يشبه إلى حد بعيد وضع جيفري. فقد ورثت سارة مبلغًا كبيرًا من المال قبل عقود، ولم تعمل إلا نادرًا لكسب عيشها منذ ذلك الحين. وبعد أن اختارت الكتابة الروائية بوصفها مهنة، من دون أن تكون لديها حاجة ملحة إلى نشر شيء تتلقى مقابله مالًا، لم تحاول قط أن تتغلب على مشكلة أساسية تواجهها في كل مشروع من مشاريعها الطويلة: إن أعمالها تفتقر إلى البناء، ولا يبدو أنها تبدأ بالتفكير في الخط الدرامي العام إلا بعد أن تكتب مسودة كاملة.
وفي نهاية المسودة، تكون هي نفسها غير راضية عن المخطوطة، ويعلّق قراؤها جميعًا على الحاجة إلى مزيد من الاهتمام بالحبكة والبناء. لكن إضافة البنية والحبكة بعد الواقعة تدفعها إلى الجنون. إنها تكره إعادة العمل على نصوصها، وتعتقد أنها ليست جيدة في هذا النوع من العمل التصحيحي. ومع ذلك، كلما تخلّت في النهاية عن المشروع القديم وانتقلت إلى مشروع جديد، واصلت فعل شيء تصفه هو نفسه بأنه «تجريبي»، متجنبة مرة أخرى الانتباه إلى البنية والحبكة.
وترى نفسها طفيلية على المجتمع، لأنها لا تقدّم له شيئًا ثقافيًا أو فكريًا، ومع ذلك ترفض أن تنصاع لتقاليد المهنة التي اختارتها. وهي تُعجب بعمل عدد كبير من الكتّاب التجريبيين، حتى وهي تكرر لي أنها لا تملك العبقرية اللازمة لتنجح كما نجحوا هم عبر تجاهل أعراف حرفتهم.
ومع ذلك، فكلما اقتربنا من تحديد دورها هي في فشلها المتكرر - أي في رفضها العنيد أن تفعل ما يفعله تقريبًا كل روائي على وجه الأرض - أخذت تزعم، كما أنها ليست ذكية بما يكفي للكتابة، أنها ليست ذكية بما يكفي للقيام بتحليل. واحتجّت بأن مشكلاتها في الحياة تعود إلى أنها أُبقيت جاهلة بأشياء كثيرة مدة طويلة جدًا من قبل أسرتها، وأنها ببساطة ليست ذكية بما يكفي.
وتزعم أنها لم تُمنح، في البداية، المعرفة أو الأدوات الضرورية، ولذلك فهي الآن غير معترف بها رغم رغبتها المُلِحّة في الاعتراف بها. وهي نفسها، في نظرها، لم تلعب أي دور في وضع نفسها في هذا المأزق. وتسعد سارة بالحديث معي عن أحلامها، لكنها لا تبذل عملًا ترابطيًا عليها، ونادرًا ما تحاول، إن فعلت أصلًا، أن ترى فيها شيئًا. فإذا حثثتها على أن تخبرني إن كانت ترى شيئًا في حلم ناقشناه، احتجّت بأنها ليست ذكية بما يكفي لتفسير الأحلام. وعلى خلاف جيفري، لم تفوّت جلسة قط، لكنها نادرًا ما تملك شيئًا تريد الحديث عنه عندما تبدأ الجلسة.
وكما هو حال جيفري، فهي تفضّل أن تدفع بدل أن تتخلى عن ما هو أعز من المال: أي jouissance - أي الرضا المقلق - الذي تستمده من عرضها. ويبدو أنها تستمد نوعًا من الإشباع المؤلم من كونها بلا صوت في العالم الأوسع، كما تشعر أنها كانت بلا صوت طفلة وهي تكبر في البيت. وهناك ما يبدو في هذا الإحساس بأنها لا تزال تُخنق أو تُسكت شيئًا شديد الإحباط لها، ومع ذلك فهو مألوف ومريح.
وعلى عكس جيفري، لم تصف طفولتها المبكرة يومًا بأنها مثالية، أو جنّة طُردت منها قسرًا. بل إنها ترى والديها قد حرماها من الأشياء نفسها - المعرفة، والذكاء، والبنية - التي تحتاجها أكثر ما يكون كي تعيش وتُقبل في العالم الأدبي الذي تتوق إلى القبول فيه. وهي لا تستطيع أن تتخيل أنها، في هذا العمر، وفي أوج عمرها، يمكن أن تتعلم ما تحتاج إلى معرفته كي تنجح هناك. لقد فات الأوان عليها.
وإن اعترفت، في حالات نادرة، بأن الأشياء يمكن أن تُتعلَّم، وأن ثمة ورشات عمل وبرامج للكتابة يمكن أن تساعد في الحبكة والبنية، سارعت إلى إضافة أن البنية مملة بالنسبة إليها، وأنها ليست جيدة فيها. وهنا قد يخطر على البال الدفاع الذي ذكره فرويد (1958a، ص 120) على لسان رجل اتهمه أحد الجيران بأنه أعاد قدرًا تالفًا: لقد أعدته سليمًا، وكانت فيه ثقبة عندما استعرته، وأنا لم أستعر قدرك أصلًا. لكن منطق سارة، من زاوية ما، منطقي تمامًا: فلو أنها بذلت جهدًا متواصلًا لتحسين مهاراتها الروائية، لما أمكنها بعد ذلك أن تلوم والديها على حرمانها من صوت، وهو ما تستخرجه الآن بأكبر قدر من الفاعلية، رغمًا عنها، بوصفه أشقى أشكال الإشباع. فكلما قلّ نجاحها، زادت مسؤوليتهم هم، وزاد ما لحق بها من ظلم، وزاد شعورها هي بالتبرير - وإن لم يكن على مستوى الوعي.
ولست بالطبع أشرح هنا تعقيدات كل حالة على حدة؛ إنما ألمس فقط بعض الطرق التي يؤثر بها المال في تنظيم العمل داخل التحليل وخارجه. فمشكلات المرضى تتحدد على مستويات متعددة، إذ تكاد لا توجد حالة واحدة لا تمسك بها عوامل كثيرة في آن. ومن ثم، فما أقدمه هنا مبسّط وأحادي البعد إلى حدٍّ كبير.
إخفاء بعضه جانبًا
دعوني أذكر سريعًا حالة ثالثة، حالة شاب احتضن الماركسية على المستوى الفكري بكل حماس، بعد أن كره علاقة عائلته الممتدة بالمال منذ كان مراهقًا. سأشير إليه بالاسم المستعار جورج.
كان أحد أقرباء جورج يحظى في عائلته بتقدير كبير واحترام بوصفه رجل أعمال ناجحًا وشخصية ذات سلطة. وكان تقريبًا كل أفراد الأسرة الممتدة يسعون إلى البقاء على علاقة جيدة بهذا القريب، وإلى تنفيذ ما يطلبه، طبعًا، كي يُدرجوا في وصيته. وقد توفي هذا القريب قبل عامين تقريبًا، وكان جورج، الذي كرّس مشروعه الفكري كله لنقد كل ما تمثله أسرته، قد ورث مبلغًا كبيرًا من المال في نظره.
وقبل وفاة هذا القريب الميسور، أوصى جورج ألا ينفق المال، بل أن يستثمره ويتركه ينمو إلى أن يصبح مستعدًا لبدء عمل تجاري. غير أن جورج يحتقر الأعمال التجارية، ويأمل أن يكتب يومًا نقدًا ساحقًا لا يُدحض للرأسمالية. وكما قد يتوقع المرء، وجد نفسه مشلولًا إلى حدٍّ كبير في مساعيه الفكرية منذ اليوم الذي ورث فيه المال. وكما قال فرويد وكرر لاكان، فالأب الميت أكثر هيبة بكثير من الأب الحي.(5)
وليس مستغربًا أن يكون جورج منقسمًا بشأن الصندوق الائتماني الذي صار في حوزته: فمن جهة، هو سعيد بوجوده، ومن جهة أخرى تمكّن من إيجاد طريقة تُقتطع بها منه حصة كبيرة بوصفها جزاءً على الشلل في برنامجه الأكاديمي. ولو استطاع المضي قدمًا في دراسته، لكان ذلك دليلًا على أن أسرته لم تكن سيئة إلى هذا الحد - وهذا ما لا يرضى أن يفعله.
ويبدو أنه أكثر من سعيد بأن يدفع ثمن تحليله من مال هذا القريب، وعلى خلاف المحللين السابقين الذكر، يعمل بجد شديد في تحليله، إذ يميل إلى لوم نفسه على كل شيء أكثر بكثير من لوم الآخرين - وبالمصطلح التشخيصي، هو أقرب بكثير إلى الوسواسي منه إلى الهستيري. وبعبارة أخرى، فهو مستعد تمامًا للاعتراف بأنه لعب دورًا في إحداث شقائه، لكن هذا لا يعني أنه يريد أن يرى ما هو ذلك الدور بالضبط أو ما الذي يفعله له.
فالعمل الجاد الواعي على شيء ما في التحليل لا يعني بالضرورة أنك ستحقق نتائج. فالموسوسون يعملون بجد كي يشعروا أنهم يؤدون وقتهم ويحصلون على مقابل أموالهم، لكن هذا كثيرًا ما يعوق ذلك النوع من العمل الترابطي غير الموجّه إلى هدف محدد الذي يتطلبه التحليل النفسي. وكما أن الوقت ليس مالًا في التحليل النفسي، فإن العمل لا يفضي تلقائيًا إلى نتائج.
وفي حالة جورج، فإن المال الذي انتقل إليه بالوراثة يتيح له طلب المساعدة، ومع ذلك يمثل كل ما يمقته. إنه تعويض عن ما يشعر أنه لم يحصل عليه من أسرته - الانتباه، والحب، والاعتراف بمن هو هو، لا بما أرادوه هم أن يكونه. غير أن هذا كله لا يمكن أن يعوّض حقًا عن كل ذلك، وهو، بعد كل شيء، لا يقدّر بثمن؛ وإن مجرد ادعائه التعويض عنه يجعل المال نفسه ملوثًا.(6)
رفض العمل
تشير هذه الحالات إلى أن الوضع المالي للمحلَّل يؤثر دائمًا في التحليل - في ديناميته ومساره - ويدخل في اقتصاده الليبيدي. غير أن العينة المعروضة هنا ليست تمثيلية بأي معنى حقيقي: فجميع المحلَّلين الثلاثة الذين ذكرتهم هنا لديهم صناديق ائتمانية، وكانوا يعلمون أنهم سيحصلون على مثل هذه الصناديق قبل أن يتسلموها فعلًا بوقت طويل.
في التحليل، اعتدنا أن نطلب من المحلَّلين أن يدفعوا ثمن الجلسات من أرباحهم الخاصة، لكننا نستثني عمومًا الأطفال والمراهقين والأزواج الذين لا يكسبون أجورًا والمتقاعدين، وأحيانًا حتى المعوزين. أما من لديهم صناديق ائتمانية فكثيرًا ما لا يعملون داخل نظام الأجور كي يدفعوا ثمن التحليل، ويمكن النظر إليهم، في بعض الحالات على الأقل، بوصفهم يحتجون على هذا النظام. وجعل الدخول إلى ذلك النظام أو العودة إليه شرطًا لبدء التحليل يدفع بعض المحلَّلين البالغين إلى التراجع في الاتجاه المعاكس؛ وجعل ذلك شرطًا بعد مدة محددة قد يؤدي إلى تحاليل متعثرة أو شبه متعثرة.
وفي حالة ما، وافقت على بدء العمل مع رجل في الأربعين من عمره كان والده يعيله، بشرط أن يبدأ هو نفسه بدفع ثمن جلساته خلال سنة. وقد ذكّرته بهذا الشرط قبل انتهاء السنة بشهر، فأخبرني أنه كان يظن أنني لا أتكلم بجدية، وأن الأمر «كان مزحة!». وعندما اقترب الموعد الحاسم ورأى أنني لا أزال جادًا، قطع التحليل. وبعد ثلاثة أيام استأنف الجلسات وشرع في العمل بدوام جزئي. أما في حالة مشابهة أخرى، فقد قطع المحلَّل العمل التحليلي ولم يعد قط.
وللناس أسباب مختلفة لرفض العمل، بالمعنى المتعارف عليه. ففي حالات كثيرة على الأقل، يشعر الناس أن الآخر قد غشّهم أو حرمهم، فيصرون على جعل الآخر يدفع ويستمر في الدفع، سواء تجسد هذا الآخر في الوالدين أو أقرباء آخرين أو الدولة. أما أن يصبحوا «أعضاء منتجين في المجتمع» فسيعادل عندهم الاعتراف للعالم بأن العالم لم يعاملهم بسوءٍ إلى ذلك الحد بعد كل شيء.
المحلِّل بوصفه رأسماليًا؟
في العقود الأولى من تاريخ التحليل النفسي، كان المحللون النفسيون يعملون عبر نوع من نظام الطوائف الوسيطة في العصور الوسطى، وكانوا يحتكرون العلاج النفسي تقريبًا في معظم الغرب. ولم تكن الطبّ النفسي قد تطورت بعد تطورًا كبيرًا في صورتها الحالية القائمة على صرف الأدوية، وكان التحليل النفسي هو العلاج الحقيقي الوحيد بالكلام المتاح في السوق. فإذا لم يُجْدِ الحديث مع كاهنك أو حاخامك المحلي، وإذا رفع الأطباء الذين ذهبت إليهم أيديهم يأسًا، لم يكن أمامك خيار كبير سوى الذهاب إلى محلل نفسي. وكان المحللون قد احتكروا السوق فعليًا.
كان المحللون في موقع يمكّنهم من فرض الشروط - عدة جلسات في الأسبوع وأجرًا مرتفعًا للجلسة الواحدة - وكان المريض يأخذ ذلك أو يتركه. وكما كانت الطوائف الوسيطة في العصور الوسطى تتمتع عادة بامتيازات أو تراخيص ملكية حصرية لممارسة حرفتها لا يستطيع أحد أن يتسلل إليها، كان المحللون النفسيون يحتكرون المهنة. وكان منافسوهم الوحيدون هم المحللين الآخرون، وبما أنهم هم أنفسهم يشرفون على تدريب المحللين الجدد ومنحهم الاعتماد، فقد كان لديهم بعض القدرة على الحد من أعدادهم هم أيضًا.
والأمر نفسه ما يزال صحيحًا، إلى حد كبير، بالنسبة إلى الأطباء الأمريكيين، إذ يظل عدد كليات الطب والطلاب محدودًا لأسباب شتى، من أهمها الحفاظ على الرسوم المرتفعة للخدمات الطبية. وقد أخذت شركات التأمين تعيق الأطباء في السنوات الأخيرة، لكن البعد الطائفي في عملهم ما يزال، على الأقل، قائمًا إلى حد ما في الولايات المتحدة.
أما بالنسبة إلى المحللين النفسيين الأمريكيين فالأمر ليس كذلك. فقد حافظوا على أسعارهم المرتفعة مدة طويلة جدًا - لا شك تعويضًا عما شعروا هم أنفسهم أنهم خسروه حين اختاروا التحليل النفسي بدلًا من تخصص طبي مربح، وقد كانت الجمعية الدولية تتطلب منهم رؤية مريض واحد فقط في الساعة - حتى جرى استنزاف معظم سوقهم من قبل الوافدين الجدد، أي علماء النفس والمعالجين النفسيين من كل صنف، الذين تدربوا هم أيضًا، بشكل أو بآخر، في صورة من صور العلاج بالكلام. كما اخترق قطاعًا مهمًا آخر من سوقهم، على حدّ تعبير الاقتصاديين، الأطباء النفسيون. وكانت الحصيلة أن الغالبية العظمى من المحللين النفسيين العاملين اليوم في الولايات المتحدة يجدون أنفسهم في منافسة مباشرة مع مرشدين من كل اتجاه، وقد حوّل هؤلاء العلاج النفسي فعليًا إلى خدمة قابلة للتبادل والاحلال، إذ يُنظر إلى كل معالج على أنه لا يختلف عن أي معالج آخر - إن لم يكن من وجهة نظر المريض، فمن وجهة نظر شركة التأمين على الأقل.(7)
وقد قذف هذا المحللين النفسيين، أو بالأحرى جرّهم جرًا وهم يكافحون، خارج ثقافة الطائفة المهنية الخاصة بهم، وأدخلهم إلى السوق التنافسية لخدمات العلاج النفسي. ولو نظرت في كرة بلوري وتنبأت، لقلت إنه خلال بضعة عقود لن يعود الأمر مقتصرًا على الناطقين بالإنجليزية من الهند وإندونيسيا الذين يتصلون من بعيد بمعالجين ومحللين غربيين للحصول على خدمات العلاج النفسي. بل ستبدأ شركات التأمين الطموحة في نقل خدمات العلاج النفسي إلى ناطقين بالإنجليزية في العالم الثالث، سيتقاضون أجرًا أقل بكثير على أساس الساعة.(8)
وعندها سيدمج المحللون النفسيون بالكامل في السوق العالمية، متنافسين مع معالجين مرخصين ومعتمدين في كل أنحاء العالم. ولن يبقى لهم سبيل للتمايز إلا باعتبارهم متخصصين يعملون في أسواق متخصصة، أو ذوي سمعة خاصة في هذا الأمر أو ذاك. الأمر لا يبعث على السرور، لكن الكتابة على الجدار تبدو واضحة.
ومن المرجح أن يزيد هذا من إبراز العلاقة الغريبة بين التحليل النفسي والعمل. فشركات التأمين تود أن تنظر إلى جميع المعالجين النفسيين بوصفهم «مقدِّمي خدمات»، أي عاملين يقدمون خدمة متشابهة إلى حد ما ويمكن دفع مبلغ قريب من المبلغ نفسه لكل واحد منهم مقابل وقته. وبإدخاله الجلسة ذات المدة المتغيرة، أحدث لاكان اضطرابًا في مسألة الزمن - فشكك على وجه الخصوص في المعادلة التي تقرر، حتى في كثير من مدارس التحليل النفسي، أن المال يساوي الوقت. وقد فعل ذلك، جزئيًا على الأقل، اعترافًا بعمل اللاوعي ووقته؛ فكما ذكرت سابقًا، فإن عددًا معينًا من ساعات الجهد لا يؤدي تلقائيًا إلى نتائج إنتاجية، وحيث الأمنيات اللاواعية لا زمنية، بينما قد تقع الومضات والتغيّر في ثانية منقسمة. وتؤكد الجلسة ذات المدة المتغيرة على العمل المنجز داخل الجلسة، لا على مدتها.
وبالمقارنة مع معظم أشكال العلاج النفسي، التي يعمل فيها المعالج عبر تقديم المعرفة والنصيحة، يركّز التحليل النفسي على العمل الذي يقوم به المحلَّل نفسه. ويُذكَر عمل المحلِّل أيضًا أحيانًا، لكنه أقل حضورًا بوضوح. فالمحللون النفسيون يطلبون من المحلَّلين أن يعملوا، لكننا، بدلًا من أن ندفع لهم مقابل عملهم، نجعلهم هم يدفعون مقابل امتياز العمل. (ويدرّب المدربون الشخصيون الناس على الشيء نفسه تقريبًا: الناس يدفعون لهؤلاء المدربين لكي يجعلوهم يتعرقون.) ولا يقتصر الأمر على أن عملهم غير مدفوع الأجر، بل إنهم مُلزمون بدفع المال إلى شخص يبدو لهم في كثير من الأحيان أنه لا يعمل بالقدر نفسه الذي يعملون به هم. وأتذكر أنني عاتبتُ محللي الخاص مرة على أنه يأخذ «مالًا من لا شيء»، وأضافت - بما أننا كنا في ثمانينيات القرن الماضي، استمرارًا في اقتباس Dire Straits - أنه يأخذ «فتياته مجانًا».
وإذا فكرنا بلغة القيمة الاستعمالية، فإن العمل الذي يؤديه المحلَّلون مفيد لهم أساسًا هم أنفسهم - وإن كان مفيدًا أيضًا للمحلِّل، الذي، كما ذكّرنا وينيكوت، يتدرّب بفضل عمل المحلَّلين وقد يجد في اكتشافاتهم فائدة أيضًا في حالات أخرى.(9) أما العمل الذي ينجزه المحلَّلون فكثيرًا ما يُعد عديم الفائدة، إن لم يكن ضارًا، في نظر محيطهم، الذي كان يفضلهم ويجد التعامل معهم أسهل قبل التحليل. ولا يمكن بسهولة تحويل هذا العمل إلى مال، أو منحه قيمة تبادلية - فالقليل، القليل جدًا، يكتبون روايات عن مسارهم التحليلي ليبيعوها إلى جمهور أوسع. ولا يستطيع المحلَّل ولا المحلِّل إعادة بيع العمل التحليلي الذي أنجزاه معًا لشخص آخر لكي يحققا منه قيمة زائدة أو ربحًا (مع ذلك، وجدت شركات التأمين سبيلًا للعيش من عملهما).
أما عمل المحلِّل فيدخل فعلًا في نظام واضح من قيم التبادل - إذ يمكن لمحللين آخرين أن يقدموا خدمات مشابهة إلى حد ما، كالإصغاء والتأويل - فإن عمل المحلَّل لا يفعل ذلك.(10)
فما هو عمل المحلِّل على وجه الدقة؟ وبعبارة أخرى، ما الذي يدفع المحلَّل ثمنه للمحلِّل؟ في كل المجالات الأخرى تقريبًا، ندفع لنحصل على شيء إيجابي: منتج أو خدمة. وفي مجالات معينة، ندفع لكي نتلقى كلامًا: ندفع لنحصل على نصيحة من خبراء أو محاسبين أو مستشارين ماليين أو محامين أو مدربين أو مرشدين؛ وندفع مقابل برامج التلفزيون أو الأفلام التي تُعلّمنا أو تسلينا، وبعضنا حتى يتصل بأرقام هاتفية معينة (تسمى في الولايات المتحدة أرقام 900) لكي يتحدث الآخرون إلينا نحن تحديدًا، بل لكي يتحدثوا إلينا بكلام فاضح.
أما في التحليل النفسي، فنحن ندفع لكي نتكلم، ندفع مقابل فرصة أن نتكلم ثم نتكلم ثم نتكلم. نتكلم بكلام فاضح أحيانًا، ربما، لكن الأهم أننا نتكلم كما نشاء نحن أن نتكلم، وهو ما يعني أحيانًا ألا نتيح للطرف الآخر أن يدخل بكلمة أو يتحدث عن نفسه. وفي معظم المجالات الأخرى يحتج محاورونا عندما نتكلم معهم كيفما نشاء. إنهم يرفضون أن يتخذوا الموضع الذي نضعهم فيه حين نتكلم: أن يُساء إليهم، وأن يُتحدث إليهم بفوقية، وأن يُهانوا، وأن يُشتبه بهم في هذا أو ذاك، و/أو أن يُعامَلوا كما لو كانوا شخصًا ليسوا هم أنفسهم كذلك. فمحاورونا يريدون أن يُنظر إليهم بوصفهم أنفسهم، وأن يُحبوا أو يُكرهوا لما يعتقدون أنهم هم عليه، لا للدور الذي يشعرون أننا نُقحمهم فيه.
«كفّ عن معاملتي كما لو كنت أمي، من أجل الله!» يحتجون. «ألا ترى أنني أحاول أن أساعدك؟» إنهم يرفضون إسقاطاتنا، واستدعاءاتنا، ونقلنا العلاقي.(11)
أما المحلِّلون فلا يفعلون. فهم يلعبون طوعًا دورًا، بل أدوارًا عديدة، بقدر ما نُسقط عليهم من أدوار. إنهم لا يقولون - أو على الأقل أغلبهم يعلمون أنهم لا ينبغي أن يقولوا - «توقّف عن الإسقاط، فأنا لست ذلك النوع من الأشخاص الذي تتصرف كما لو كنت أراه. أنا لست أمك». إنهم يوافقون على أن يقفوا مقام الأم، مؤقتًا، لكي يمكن العمل على شيء مما يخص علاقتنا بأمهاتنا.
إنهم يقبلون الإسقاطات ويحاولون ألا يأخذوها على محمل شخصي، وهذا ليس دائمًا أمرًا سهلًا. إنهم يتقاضون أجرًا لأن يكونوا ممثلين، وأن يؤدوا جميع الأدوار في درامانا النهارية والليلية. ونحن ندفع لكي نُسند إلى المحلل أي دور نريده، ونحن نعلم أنه سيقبل أن يشغل موضع الحامل المؤقت. ويشغل المحلل، كما يقول لاكان، موضع سبب رغبتنا، ونحن نستخدم هذا السبب ونساء استعماله بقدر ما يغوينا أو يخرجنا عن طورنا. (وهذا السبب هو الرافعة التي يمكنها أن تحرك الأعراض وتزيلها.)
ومعنى المال الذي ندفعه للمحلِّلين أنهم لا يؤدون هذا الدور على سبيل الجميل الذي ينبغي أن نظل شاكرين له إلى الأبد، كما نشعر كثيرًا أنه ينبغي أن نكون لوالدينا الذين لا يمكننا أبدًا أن نشكرهم بما يكفي على أننا جئنا إلى هذا العالم. فالدفع يعني أن المحلِّلين لا يفعلون ذلك من باب الصدقة، ولا لأنهم يحبوننا، ولا لأنهم يروننا جميلين أو ظرفاء أو لأننا قد نثبت نفعًا لهم بطريقة ما. والدفع يعني أنهم يفعلون ذلك لأنه عملهم، مهما كان هذا العمل غريبًا.
قُدمت هذه الورقة في مؤتمر بعنوان «التحليل النفسي والمال» برعاية متحف فرويد في لندن، إنجلترا، في 3 يوليو 2010، ونظمها ديفيد بينيت، ونُشرت في عدد خاص من مجلة الدراسات الثقافية New Formations بعنوان «Psychoanalysis, Money and the Global Financial Crisis»، 72 (2011)، 20–32. ثم أُعيد نشرها في Loaded Subjects: Psychoanalysis, Money and the Global Financial Crisis (لندن: Lawrence & Wishart، 2012)، ص 52–66.
حواشٍ
1 كان ينبغي لاسم مادوف نفسه أن يلفت الناس إلى الأمر، إذ ينقسم، كما هو الحال، إلى made off (بأموالهم)، فضلاً عن احتوائه على mad.
2 ما عدا جميعنا، أي المشخَّصين ذهانيًا، لأن الذهانيين يرفضون التخلي عن نوع معين من التمتع في سبيل كسب الحب والقبول من العالم الآخر من حولهم: إنهم، بمعنى ما، يرفضون لعب لعبة الحياة، يأخذون كرتهم ويعودون إلى البيت.
3 من التضحيات الواضحة التي نقدمها: الثدي، بالنسبة إلى الأطفال الذين يرضعون ثم يفطمون، دائمًا قبل الأوان في شعورهم؛ واللذة المباشرة المرتبطة بالتبول والتغوط متى حرّكنا الطبعُ ذلك، بدلًا من ذلك في أماكن محددة وفي أوقات معينة؛ ولمس أجسادنا والعبث بها كما نشاء وأينما نشاء.
4 يخطر ببال المرء هنا فيرديليوني.
5 لم يعد حاضرًا أحيانًا، بل صار حاضرًا في كل مكان؛ ولم يعد يرى أحيانًا، بل صار يرى كل شيء.
6 لمناقشة أكثر تفصيلًا لوضع جورج في سياق مختلف، انظر الفصل 12 في هذا المجلد.
7 حتى إن بعض الدراسات تدّعي أن جميع أشكال العلاج تحقق معدلات نجاح متشابهة إذا أمكن للمريض في النهاية أن يصف علاقته بالمعالج بأنها كانت جيدة. ويخلص الباحثون الذين أجروا مثل هذه الدراسات إلى أن ما يسمى بالتحالف العلاجي هو المتغير الوحيد المهم.
8 وسيُقدَّم التحليل عبر الاتصال المرئي على يد الدول نفسها التي يجري حاليًا نقل كتابة برامج الاتصال المرئي إليها.
9 حتى في حالاتهم الخاصة، بحسب لاكان (2006a). انظر مناقشتي لهذه النقطة في الفصل 5 من المجلد الأول من هذه المجموعة.
10 ومع ذلك، يمكن القول، كما فعلت آنا فرويد، إن المحلَّلين يحققون في العادة نجاحًا أكبر في حياتهم المهنية بفضل تحليلهم.
11 توجد، بالطبع، استثناءات، ولا سيما في بدايات العلاقة، حيث يكون أحد الشريكين مستعدًا مؤقتًا غالبًا لتحمل إسقاطات الشريك الآخر من أجل الحصول على الحب أو الجنس أو الرعاية على الفور.
2
ما المختلف إلى هذا الحد في مقاربة لاكان للتحليل النفسي؟
في عام 1995، طلب مني ناشر لكتب التحليل النفسي كان مهتمًا بمخطوطة كتبتها (انظر Fink, 1997) لتعريف القراء الناطقين بالإنجليزية بأعمال لاكان، أن أقارن في تلك المخطوطة بين مقاربة لاكان للتحليل النفسي ومقاربة محللين آخرين هم أكثر شهرة لدى جمهوره. واضطررت إلى الاعتراف له بأنني كنت غير مهيأ إطلاقًا للقيام بذلك، إذ كنت قد أمضيت أكثر من عقد آنذاك في معالجة كتابات لاكان ومحاضراته، ولم أكن أعرف إلا القليل جدًا عن سائر المقاربات الأخرى للتحليل النفسي. ومع ذلك، كنت ولا أزال أعتقد أن هذا مشروع يستحق العناء، ولذلك سعيت هنا إلى رسم بعض أوجه المقارنة والتباين.
وطبيعي أنه لا توجد مقاربة لاكانية واحدة، تمامًا كما لا توجد مقاربة علائقية واحدة. فآراء نانسي تشودورو تختلف في وجوه كثيرة مهمة عن آراء جيسيكا بنجامين وتوماس أوجدن وأوين رنيك، على سبيل المثال لا الحصر. وأعمال لاكان مفتوحة على تفسيرات عديدة، بفعل صداها المتعدد المتعمد وصياغاتها الصعبة. فضلًا عن ذلك، فقد تطور تفكير لاكان تطورًا ملحوظًا من ثلاثينيات القرن العشرين إلى سبعينياته، ويجوز لمن يفسرون عمله أن يركزوا على فترات وأطر مفهومية مختلفة. سأحاول إذن هنا أن أقارن بين وجهة نظري اللاكانية الخاصة، وبين ما فهمته من الأدبيات التي كتبها مؤلفون يرتبطون بوجهات نظر سيكولوجيا الأنا، والعلاقات الموضوعية، والكلاينية، والعلائقية، والبينشخصية، والبينذاتية. ولا بد أن يرى المتخصصون أن معرفتي بهذه التقاليد معرفة ناقصة ومبسطة ومختزِلة أكثر مما ينبغي، وأنا لا أستطيع إلا أن أوافقهم سلفًا، لأنني بعيد كل البعد عن أن أكون خبيرًا في هذه التقاليد. وكما قال ميتشل وبلاك (1995، ص 207) يومًا:
ومع ذلك، فسأغامر هنا بطرح بعض المقارنات المتجاورة التي، وإن بدت نظرية في البداية، فإنها تقود، في اعتقادي، إلى فروق مهمة على مستوى التقنية التحليلية النفسية.
مديح لاكان للوساطة
وأنا أقرأ بعض الأدبيات العلائقية والبينذاتية حول موضوع النقل والنقل المضاد، استوقفني الجدل بين ما يسمى سيكولوجيا الجسد الواحد أو الشخص الواحد، التي تركز على فرد يشبه المونادة وتكون وكالاته النفسية الداخلية في حرب بعضها مع بعض، وبين ما يسميه بعضهم سيكولوجيا «الجسدين» أو «الشخصين»، التي تؤكد العمليات البينذاتية والتبادلات عبر الحدود السائلة. ولا شك أن ما استوقفني في هذا هو شعوري بأن لاكان لا يتبنى أيًا من هذين الموقفين، كما أنه لا يتبنى ما يشير إليه كل من روبرت س. واليرشتاين ونانسي تشودورو بوصفه مقاربة «كلتا/وكلا»؛ أي مقاربة تؤكد أحيانًا الجوانب الفاعلة في مقاربة الشخص الواحد، وأحيانًا أخرى الجوانب بين الشخصية في الحياة والتحليل.
ولو أردت أن أصف ما يفعله لاكان، من خلال ترقيم أطراف التحليل، لقلت إنه، على الأقل في عمله المبكر في خمسينيات القرن العشرين، يقترح حدًّا ثالثًا بالغ الأهمية: اللغة. فاللغة لا تتموضع في المحلل أو في المحلَّل بذاتهما، بل تقع بينهما بوصفها طرفًا ثالثًا، إن صح التعبير. وربما يكون الأدق أن نقول إن اللغة تشمل كلًا من المحلل والمحلَّل، فهي أكبر منهما معًا، ولا يملك أي منهما، منفردًا أو مجتمعًا، معرفة الكل أو السيطرة عليه في اللغة التي يتكلمان بها معًا.
وعندما تكون هذه اللغة هي لغتهما الأم معًا (والأمر أكثر تعقيدًا حين لا تكون كذلك)، يكون كلاهما قد غمر فيها تمامًا منذ بداية الزمن الذاتي: فقد كانت أمهما ومن حولهما يتكلمون بها إليهما منذ أن وُلدا («الإنسان يولد [مغمورًا] في حمّام من الدوال»؛ لاكان، 2006b، ص 214). ويشير لاكان إلى اللغة بوصفها الآخر بحرف O كبير، ليبين أن اللغة ليست شخصًا كما يكون المحلل في بعض الوجوه بالنسبة إلى المحلَّل، وكما يكون المحلَّل في بعض الوجوه بالنسبة إلى المحلل؛ أما الأشخاص فيسميهم لاكان «آخرين» بحرف o صغير، بحيث يكون المحلل والمحلَّل آخرين أحدهما للآخر في هذه الوجوه، تمامًا كما يمكن لأي شخصين في العالم - مثل الأشقاء أو الأصدقاء - أن يكونا كذلك. أما اللغة بوصفها الآخر بحرف O كبير فشيء مختلف نوعيًا، طرف ثالث يختلف جذريًا عن الجسدين أو الشخصين اللذين يوجدان في حضرة بعضهما بعضًا.(1)
فاللغة هي التي تتيح للمحلَّل أن يعبّر عن الحصة الكبرى من خبراته ومشاعره وأفكاره للمحلِّل، وهي التي تتيح للمحلِّل أن يحاول تتبع ما يقوله المحلَّل. وقد يستخدم أحد الطرفين كلمات وتعبيرات معينة بطريقة لا يفهمها الطرف الآخر في البداية، وقد يضطر كل منهما إلى الرجوع إلى القاموس أو إلى تعريفات أو استعمالات أخرى للكلمات والتعبيرات كي يدرك الطرف الآخر معناها، فيشير بذلك إلى شيء خارج كليهما، سواء كان أفلامًا أو برامج تلفزيونية أو تعبيرات عامية أو مدونات أو معجم ويبستر، أي إلى شيء في الثقافة الأوسع، أي إلى شيء في الآخر بحرف O كبير. ويشمل الآخر جميع الطرق التي استُعملت بها كلمة أو عبارة ما في الأغاني والأفلام والكتب والقصص المصورة، وما إلى ذلك.
وقد يشعر أحد الطرفين أن الطرف الآخر يستخدم كلمات وتعبيرات معينة على نحو خاطئ، بحسب تعريف Oxford English Dictionary مثلًا، ومع ذلك، إذا أدرك كيف يستخدم الطرف الآخر تلك الكلمات والتعبيرات، فقد يوافق على استخدامها بالطريقة نفسها، أو على الأقل على فهمها بالمعنى الذي قصده الطرف الآخر. ومع هذا، فإن بدء أحد الطرفين في محاولة فهم الطرف الآخر يتطلب بالضرورة الاستناد إلى هذا الآخر الموجود خارج كليهما؛ بل إن كلاهما يعتمد عليه باستمرار أثناء الكلام. وهذا الآخر نفسه هو الذي يتيح للمحللين على الأقل فرصة معقولة لأن يفهموا بعضهم بعضًا حين يناقشون حالاتهم.
إن ألفتنا، نحن المحللين، بلغة أمّ المحلَّل هي التي تتيح لنا أن نسمع في كلامه أكثر مما قصد هو نفسه. ولأعطي مثالًا بسيطًا، كان أحد محلَّليّ مترددًا بشدة طوال عقود في متابعة عمله الفني. كانت هناك دفعات متقطعة من النشاط الفني، تتبعها فترات طويلة من السكون، كان خلالها لا يفعل سوى أن يتخيل نفسه أعظم رسام منذ بيكاسو. وفي حلم رآه، نظر صديق فنان سابق إلى لوحاته وقال له إنه، رغم وجود بعض الأعمال الجيدة، لا يملك ما يكفي من القطع عالية الجودة لإقامة معرض. وشرع المحلَّل في الارتباطات على عدد من عناصر الحلم، وعلى طبيعة علاقته بصديقه الفنان السابق، وعلى مشاعره حيال المعارض، وما إلى ذلك، وانتهى إلى القول عن عمله الفني: «إنه آخر شيء أحتاج إلى التخلي عنه».
وكان يقصد بوعي أنه، مثل كثير من المثل والأحلام الأخرى التي شعر بأنه اضطر إلى التخلي عنها خلال حياته، يعتقد أنه يحتاج إلى أن يتخلى عن أي إيمان متبقٍ بقدراته الفنية، وأن يتجاوز رغبته المتضخمة في أن يكون أشهر فنان منذ بيكاسو، وأن يمضي في حياته. لكن كما يعرف معظم الناطقين الأصليين بالإنجليزية، وهذا المحلَّل كان واضحًا أنه ناطق أصلي بها، يمكن للمرء أيضًا أن يقصد شيئًا مختلفًا تمامًا حين يقول: «إنه آخر شيء أحتاج إلى التخلي عنه» - أي: «أستطيع أن أتخلى عن أي شيء إلا ذلك» أو «ذلك هو الشيء الوحيد الذي أحتاجه حقًا!»
وكان من السهل عليّ أن أستند إلى وجود تعبير اصطلاحي في الإنجليزية التي نتكلمها نحن الاثنان مثل «that’s the last thing I need to do» (يقارب تعبير: «أحتاج إلى ذلك كما أحتاج إلى ثقب في رأسي») لكي أجعل المحلَّل يدرك أنه ربما يعتقد كلتيهما: أنه يحتاج إلى التخلي عن رغبته المتضخمة في إحداث ثورة في الفن، و أنه لا يستطيع العيش من دون عمله الفني.
لقد سمح لي نحوه بالتشديد على عبارة أدركها المحلَّل نفسه فورًا بوصفها متعددة الدلالة. ولم أدّعِ بأي حال أنني أرى واقع موهبته الفنية بوضوح أكبر منه، كما قد يظن البعض.(2) إنما سمعت بوضوح شديد، وسمعه هو أيضًا ما إن أبرزته له، أنه قال شيئين مختلفين جدًا في الوقت نفسه: «أنا بحاجة إلى أن أتخلى عنه» و«أنا بحاجة إليه كي أعيش». وكان عليه هو أن يقرر كيف يوفق بينهما، وأن يجد، إن استطاع، طريقة يستمتع بها بعملية الخلق الفني من دون أن يظل يفكر باستمرار فيما إذا كان ما يفعله ثوريًا أم لا. لكنه، إن أراد أن يفعل ذلك، كان عليه أولًا أن يواجه حقيقة أنه كان مأهولًا بهاتين الحاجتين المحسوستين معًا.
وفي هذا المثال البسيط، تكون الإنجليزية المنطوقة هي الآخر بحرف O كبير، وهي التي أتاحَت لنا معًا أن ندرك فورًا شيئًا ذا معنى ربما لاواعي.(3) كانت هناك غموضية دلالية أو تعدد دلالة في ما قاله، ويمكن لمعظم المتكلمين بالإنجليزية الأمريكية أن يسمعوها بسهولة. ويمكننا حتى أن نقول إن في الأمر شيئًا لا يرقى إليه الجدل، بل شيئًا موضوعيًا حتى. ويمكن للقارئ أن يدرك هذا الغموض أو التعدد في الدلالة بسهولة كما أدركته أنا وكما أدركه هو، رغم أننا قلنا هذه الأشياء بعيدًا عن القارئ منذ سنوات، وفي سياق لا يطّلع عليه أي قارئ، ولا يعرف شيئًا عن تاريخ المحلَّل أو عن تاريخ التحليل.
وثمة شيء في التعدد الدلالي لفعل كلام مكتمل، شيء في المعاني المتعددة للصيغ كما نُطقت في أثناء الجلسة، يمكن إظهاره للآخرين بوصفه دليلًا على قصدية منقسمة أو متعددة، أو بوصفه دليلًا على الانقسام بين الواعي واللاواعي. (والنبرة أو السخرية أو التهكم تعقّد الأمور بوضوح، ويجب بالطبع أخذها في الاعتبار. انظر مثلًا عبارة «أنت تتكلم!» التي يمكن أن تكون أمرًا أو اتهامًا. كما أن سوء السماع ممكن بالطبع أيضًا، لكن في حالة مثل الحالة الراهنة لم يكن هناك خلاف بين المتكلم والمستمع حول ما قيل.) وأجرؤ على القول إن هذا هو النوع الوحيد من الموضوعية المتاح لنا في التحليل النفسي. فبحسب لاكان (1968)، لا يرى المحللون الواقع بوضوح أو موضوعية أكبر مما يراه محللوهم - فنحن جميعًا نرى ما يسمى بالواقع من خلال عدسات تاريخنا وتعليمنا وثقافتنا وخبرتنا وخيالاتنا، حتى بعد تحليل طويل. وما لا يمكن إنكاره هو ما قاله المحلَّل فعلًا، وهذا ليس كثيرًا، لكنه ليس لا شيء أيضًا! وهناك، بالطبع، أوقات يكون فيها ما يقوله المحلَّل مضطربًا أو متمتمًا أو متداخلًا، ولا يكون واضحًا للمحلِّل ولا للمحلَّل ما قيل. لكن حين لا يسمع المحلِّل المعنى فحسب بل يسمع حرف خطاب المحلَّل، يصبح الكثير مما يقوله المحلَّل غير قابل للنقاش، بمعنى أنه لا يوجد خلاف بين طرفي وضع الكلام حول ما قيل. ولا يوجد خلاف أيضًا حول كونه متعدد الدلالة. (أما ما يعنيه ذلك، فذاك شأن آخر.) وفي مثال آخر، قالت محلَّلة كانت تتحدث عن رجل رائع تعرفه «contention» بدلًا من «contentment» من غير قصد، وهي تقصد أن تقول إن بينهما «ألفة، وcontentment».
والـcontention يبدو شيئًا مختلفًا تمامًا عن الـcontentment، على الأقل في نظر كثير من الناس، ورغم أننا لا نعرف سلفًا ما الذي يعنيه هذا الزلل، فإن من حقنا تمامًا أن نتعامل معه بوصفه زلة وأن نبحث فيه عن طبقة أخرى من المعنى (على افتراض، بالطبع، أن المحلَّل عصابي وليس ذهانيًا). فإذا سألني زميل كيف أستطيع أن أكون واثقًا إلى هذا الحد من أن هذه المحلَّلة لديها بعض العدوانية المكبوتة أو أنها تستمتع بالصراع على مستوى ما، فيمكنني أن أشير إلى الزلة. ومن وجهة نظري، هذا هو أقصى ما يمكن أن نأمله من الموضوعية في التحليل النفسي، لا بوصفها واقعًا خارجيًا معروفًا معرفة موضوعية، ولا بوصفها نوعًا من «النقل المضاد الموضوعي» (Winnicott, 1949, p. 70). فالشيء الموضوعي ليس المعنى النهائي لأي قطعة كلام بعينها - بل ما هو موضوعي هو ما قيل، والغموض الدلالي لما قيل.
وحين يقول لاكان (2006a، ص 16 و379) إن اللاوعي هو خطاب الآخر، فهو يعني عددًا كبيرًا من الأشياء، لكن أحدها ببساطة أن اللاوعي يمكن التقاطه في الغموضات التي تسمح بها كل لغة طبيعية، بل تزخر بها. وأمر آخر هو أن اللاوعي يتكون من كل أنواع الأشياء التي سمعناها من الآخرين، سواء أكانت موجهة إلى آذاننا أم لا. فاللاوعي مفعم بالأشياء التي سمعناها من والدينا وإخوتنا وأصدقائنا ومعلمينا وحتى الممثلين في التلفزيون. وكانت إحدى محلَّلاتي تكره شراء الحاجيات من البقالة مدة عشرين عامًا تقريبًا لأن معلمتها في الأحياء وصفت المشيمة يومًا بأنها متجر البقالة للرضيع حديث الولادة. ولم تتوقف عن كراهية التسوق للبقالة إلا في اليوم الذي أخبرتني فيه في التحليل بصياغة معلمة الأحياء تلك. وكانت تكره أيضًا أعمال البيت طوال حياتها، جزئيًا على الأقل، لأن جدتها استخدمت مرة لفظًا شديد الازدراء في لغتها الأم لوصيفات البيوت.
وحين يقول لاكان (1998a، ص 15) إن «اللاوعي منظم مثل اللغة» - ثم يضيف لاحقًا أن «اللاوعي في جوهره لغة» (لاكان، 1973–74، الدرس المعطى في 20 نوفمبر 1973) - فإن جزءًا مما يعنيه هو أن اللاوعي منظَّم بالكلمات التي ينطق بها من حولنا. فهذه المقاطع من خطاب الآخرين تتسرب إلينا عبر آذاننا، وتعلق بنا وتؤثر فينا، غالبًا لعقود. وحين يقول لاكان إن «رغبة الإنسان هي رغبة الآخر» (انظر مثلًا 2006a، ص 628)، فجزءًا مما يعنيه هو أننا نسمع الآخرين ونسمعهم من وراء السمع يعبرون عن رغباتهم بالكلمات، وتنساب رغباتهم أيضًا إلينا عبر آذاننا، وتعلق بنا وتؤثر فينا.
وبهذا المعنى، يدخل كل ما سمعناه يومًا، وكل ثقافتنا وتاريخنا، إلى غرفة الاستشارة التحليلية في صورة اللغة التي يتكلم بها المحلل والمحلَّل. ولا يوجد تمييز حاد بين الفرد وبيئته الثقافية؛ بل لا يوجد شيء اسمه كائن متكلم غير متجذر تمامًا في خطابات الآخرين ورغباتهم وانفعالاتهم. فبمجرد أن يصير المرء كائنًا متكلمًا، يجد نفسه مأهولًا برغبات يشعر أنها ليست كلها له، ويجد نفسه يسعى خلف الأشياء نفسها التي يسعى إليها الآخرون حتى حين لا يرغب بوعي في السعي إليها. ويجد نفسه يفكر بعض الأفكار نفسها التي تفكر فيها الشخصيات في الكتب التي يقرأها والأفلام التي يشاهدها، ويمتلك بعض الخيالات نفسها التي يسمع عنها.
ومع ذلك، فإن كل واحد منا يسمع أشياء مختلفة عن أشخاص مختلفين؛ فلا نقرأ جميعًا الكتب نفسها، ولا نشاهد الأفلام نفسها، ولا نرتل الشعر نفسه، ولا نتعلم الأغاني نفسها. وحتى لو كان اللاوعي (ممتلئًا عن آخره) بخطاب الآخر، فإن الآخر الذي يشكّل خطابه لاوعينا يكون مختلفًا قليلًا من واحدٍ منا إلى آخر.
وأكاد أذهب إلى أن إدخال لاكان لمفهوم الآخر بحرف O كبير بوصفه لغة - وإدخاله لمفهوم النظام الرمزي، وهو مجرد طريقة أعم للتكلم عن الشيء نفسه تقريبًا - يتيح نوعًا من البينذاتية الجذرية: فكل واحد منا نتاج للنظام الرمزي.(4) وفي الوقت نفسه، فإن مفهوم الآخر بوصفه لغة يعني أن شخصًا لا يمكنه أن يملك وصولًا مباشرًا إلى لاوعي شخص آخر. ما دام اللاوعي مؤلفًا من اللغة، ومنظمًا مثل اللغة، ويصل إلينا عبر خطاب الآخرين، فلا يمكننا أن نلمح لاوعي شخص آخر إلا بطرائق توسَّطها اللغة والثقافة.
فالكلام هو الوسيط الأساسي في جميع أشكال العلاج بالكلام، ومع ذلك فهناك كثيرون في الوسط التحليلي يظنون أنهم قادرون على إدراك معنى الآخر أو فهمه فهما غير متوسَّط. أما لاكان، فمن وجهة نظره، فاللغة وسيط يمكننا من خلاله أن ننقل أشياء إلى بعضنا بعضًا، لكنها أيضًا جدار - جدار بيننا - لأننا لا نتكلم لغة بعضنا بعضًا بالكامل أبدًا (لاكان، 2006a، ص 233). علينا أن نبذل جهدًا كبيرًا جدًا حتى نبدأ فقط في فهم بعضنا. فخطاب المحلَّل لا يتيح لنا وصولًا مباشرًا إلى أفكاره أو مشاعره؛ بل لا بد أن يُفسَّر، وهو يُساء تفسيره، جزئيًا على الأقل، في كل الأحوال تقريبًا، إذ إن كل تواصل هو تواصل خاطئ. وكما يقول لاكان (1993، ص 163)، «إن الأساس نفسه للخطاب بين البشر هو سوء الفهم».
وأولئك الذين يعتقدون أنهم يتعلمون من «لغة الجسد» لدى المحلَّل أكثر مما يتعلمون من كلامه، يجدر بهم أن يرجعوا إلى الكتب الكثيرة المتاحة عن لغة الجسد والإيماءات اليدوية في فرنسا وإيطاليا وثقافات أخرى، لأنهم سيكتشفون سريعًا أن طرائق التعبير عن الأفكار والانفعالات بالجسد وفيه تختلف كثيرًا من ثقافة إلى ثقافة، ومن جماعة لغوية إلى جماعة لغوية، بل حتى من جزء من بلد إلى آخر.(5)
وهذا صحيح حتى بالنسبة إلى انفعال مثل القلق. فالفرنسيون، مثلًا، يشعرون بالقلق قبل كل شيء في حناجرهم (ولديهم وفرة من التعابير الاصطلاحية التي تشير إلى ذلك، بما في ذلك ça me prend à la gorge، و j’ai la gorge nouée، و ça m’est resté en travers de la gorge، و j’ai une boule dans la gorge، و j’ai les boules)، بينما يميل الأمريكيون إلى أن يصيبهم عقدة في المعدة، أو فراشات في البطن، أو اضطراب القولون العصبي. فالأمريكي الذي تناول وجبة كبيرة لكنه متوتر، من المرجح أن يُصاب باضطراب في المعدة أو بحرقة أو بارتجاع حمضي، بينما الفرنسي من المرجح أن يتعرض لهجوم في الكبد (crise de foie). إن الجسد يتكلم، في «لغة الجسد»، بطرائق لا تُفهم مباشرة، لكنها، مثل أي شكل آخر من أشكال التعبير لدى كائنات مأهولة باللغة، يجب أن تُفسَّر. وبعبارة أخرى، لغة الجسد لا تمنحنا وصولًا مباشرًا إلى المشاعر الحقيقية لأي شخص - فلو كانت كذلك، لما أمكن خداعنا بلغة الجسد من أحد، ولما أمكن لمهنة التمثيل أن توجد بالشكل الذي نعرفه اليوم، ولما استطاع المحتالون الإفلات بأي شيء.
وقد يكون لوضعية الجسد المستقيمة جدًا، مثلًا، معانٍ مختلفة في الثقافات الآسيوية عنها في الثقافات الغربية، وقد تحمل حتى في ثقافتنا الواحدة عدة معانٍ: فقد توحي بالجمود، أو بنوع من التماهي مع القضيب (تأمل الفتنة في الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة بـ«الأجساد الصلبة»)، أو حتى بـ«الاستقامة»، بما يعني تطعيم الجسد بتوجيهات أحد الوالدين الأخلاقية أو موقفه الأخلاقي. لغة الجسد ليست بديهية بأي حال. إنها تحتاج إلى تفسير، وهذا التفسير يتطلب معرفة كبيرة بالسياق الثقافي واللغوي والديني للمحلَّل.
كل ما نفعله في التحليل النفسي يتضمن التأويل: تأويل كلام المحلَّل، سواء أكان متداخلًا أم واضحًا، وتأويل إيماءاته، وتأويل أفعاله وانفعالاته، بل وحتى تأويل صمته (ولست أعني أن علينا أن نفسر كل هذه الأشياء للمحلَّل لفظيًا: فمعظم هذا العمل التأويلي يجري في صمت داخلنا، ويهدي عمليات التقطيع والإدخالات الأخرى التي نقوم بها). ولا يمكن للمحلِّل أن يفهم أياً من هذه العوامل فهمًا مباشرًا. بل لا بد من النظر إليها كلها في سياقها - في السياق الاجتماعي والثقافي والسياسي، ولكن أيضًا في سياق كل ما جرى حتى الآن في التحليل.
فمعانيها ليست شفافة لأحد - بل يجب تأويلها في كل حالة على حدة. وقد يحدث التأويل للمحلِّل تلقائيًا جدًا في بعض الحالات، إلى درجة تدفعه إلى الاعتقاد بأنه يصل إلى معانيها بطريقة غير متوسّطة، من دون أي ترشيح أو تدخل من خلفيته أو تعليمه أو تكوينه الديني أو نشأته أو عصاباته. ومع ذلك، فإذا تأمل جيدًا، فغالبًا ما سيدرك أنه يشعر بأنه يملك أقرب وصول إلى خبرة المحلَّل حين يكون هناك قدر كبير جدًا من التداخل بين الآخر لدى المحلَّل والآخر لديه هو: حين يكونان من الطبقة الاجتماعية الاقتصادية نفسها، ومن الخلفية الدينية والفكرية نفسها - بكلمة واحدة، حين ينتميان معًا إلى النظام الرمزي نفسه. فالمحلَّلون الناطقون بالإنجليزية يشعرون غالبًا بأنني أستطيع أحيانًا قراءة أفكارهم أكثر من المحلَّلين الناطقين بالفرنسية، كما أن المحلَّلين من الشمال الشرقي في الولايات المتحدة يشعرون غالبًا بأنني منسجم مع طرائق تفكيرهم وشعورهم أكثر من المحلَّلين من الجنوب أو الغرب الأوسط.(6)
وتختلف عملية الوساطة في كل حالة من هذه الحالات، لكن لا توجد في أي منها لديَّ وصول مباشر إلى خبرة المحلَّل. فهذا الوصول يكون دائمًا متوسَّطًا بواسطة تأويلي أنا للغة المحلَّل، ولغة جسده، وأفعاله، وانفعالاته، وصمته. وقد لا أكون واعيًا بالطريقة التي وصلت بها إلى تأويل معين، لكن هذا لا يعني إلا أن عملي التأويلي كان ضمنيًا لا صريحًا. وما دفعني إلى تأويل خطاب المحلَّل بهذه الطريقة أو تلك قد يكون ما قبل واعٍ لا واعيًا - بل إنه في الغالب كذلك فعلًا، ولا أستطيع أن أشرح لماذا أولت شيئًا كما فعلت إلا بعد وقوع التأويل.
وأرى أن بعض المحللين يخلطون في هذا العملية الضمنية، ما قبل الواعية، إذ يظنون أنهم يملكون وصولًا مباشرًا إلى خبرة شخص آخر، وصولًا من النوع الذي يتجاوز التأويل. يسميه بعضهم حدسًا،(7) بينما يبدو أن آخرين يعتقدون أن لديهم حساسية فائقة، وأنهم قادرون على أن يشعروا بمشاعر الناس الآخرين، إن لم يكن طوال الوقت، فعلى الأقل معظم الوقت. وأعترض على ذلك قائلًا إن ثمة عملية وساطة ضرورية تجري، وهم ببساطة غير واعين بها. فعندما يقال إنهم قد شعروا بمشاعر الآخر، فإن ما حدث، في تقديري، هو أنهم مرّوا بخبرات مشابهة لخبرة المحلَّل، ومن ثم وجدوا أنفسهم متوائمين بسهولة مع مشاعره، أو أنهم فسروا على نحو صحيح تعابير وجه المحلَّل، ونفضاته، ولغة جسده. لكن هناك فرق شاسع بين الانسجام وبين أن يشعر المرء فعلًا بمشاعر شخص آخر (ناهيك عن أن يكون «مغزوًّا» بها أو «مخترقًا» بها).(8)
وعوضًا عن أن نندب أننا لا نستطيع أن نفهم بعضنا بعضًا مباشرة في نوع من الالتحام العقلي الفولكاني، على نحو ما كان السيد سبوك يفعل في Star Trek، حيث أتاح له ذلك تماسًا فوريًا مع آلام الكائنات الأخرى ورغباتها، فإن لاكان كان، في ظني، يريد منا أن نُنشِد مديح الوساطة، بل وأن نرفع أنشودة إلى الوساطة. ذلك أن الوساطة نفسها هي ما يفرض علينا الاعتراف بالاختلاف: الاعتراف بأن الآخرين يختلفون عنا اختلافًا جوهريًا إلى درجة أن فهم ذواتهم المنقسمة والمعقدة جدًا يتطلب منا، في العادة، جهدًا كبيرًا. ولا يمكن أن يوجد تأويل من دون وساطة - فالآخر موجود دائمًا بوصفه طرفًا ثالثًا، بحيث لا تكون هناك صلة مباشرة بين المحلِّل والمحلَّل.
إن ألفتنا، نحن المحللين، بلغة أمّ المحلَّل هي التي تتيح لنا أن نسمع في كلامه أكثر مما قصد هو نفسه. ولأعطي مثالًا بسيطًا، كان أحد محلَّليّ مترددًا بشدة طوال عقود في متابعة عمله الفني. كانت هناك دفعات متقطعة من النشاط الفني، تتبعها فترات طويلة من السكون، كان خلالها لا يفعل سوى أن يتخيل نفسه أعظم رسام منذ بيكاسو. وفي حلم رآه، نظر صديق فنان سابق إلى لوحاته وقال له إنه، رغم وجود بعض الأعمال الجيدة، لا يملك ما يكفي من القطع عالية الجودة لإقامة معرض. وبعد أن ارتبط المحلَّل بعدد من عناصر الحلم، قلت له ببساطة: «لماذا تظن أنك جعلت ذلك الصديق السابق يقول لك هذا في الحلم؟» إن سؤالًا بسيطًا كهذا يوحي بوضوح بأن للمحلَّل يدًا في صنع ما يكرهه في الأحلام، وأن كراهيته لا تُلقى عليه من شيطان شرير يظهر من العدم. وإذا أخذنا الأمر خطوة أخرى، فهو يوحي أيضًا بأن له يدًا في صنع كراهيته في الحياة كذلك. وتمكّن المحلَّل بسهولة من أن يستنتج أنه يريد أن يتحرر من الضغط الذي كان يشعر به كي يصبح فنانًا مشهورًا بقدر شهرة صديقه، وأنه يريد أن يتخلى عن مشروعه الفني كله. وكما ذكرتُ سابقًا، فقد ختم العبارة بصياغة ملتبسة: «إنه آخر شيء أحتاج إلى التخلي عنه».
وكما نرى في هذا المثال، فإن الأمنيات التي تتحقق في الأحلام تكون غالبًا مخالفة للحدس: فهي كثيرًا ما تكون النقيض التام لما نعتقد بوعي أننا نريده، وهو ما يدل على وجود أمنيات لاواعية فينا هي النقيض الدقيق لأمنياتنا الواعية.(13) ويمكن إبراز الصراع نفسه بين الرغبات الواعية واللاواعية بسهولة في أحلام اليقظة والخيالات وزلات اللسان والأفعال الفاشلة وما إلى ذلك. والعمل ذي التوجه اللاكاني يأخذ مأخذ الجد قول سبينوزا إن «الرغبة هي جوهر الإنسان»، ويركّز على الرغبات، ولا سيما الرغبات اللاواعية، بطريقة تبدو نادرة في كثير من أشكال التحليل النفسي الأخرى اليوم. وكما فعل فرويد، يعلّمنا لاكان (2006a، ص 522–25) ألا نكتفي بالرغبة الأولى التي تلوح في تأويل حلم ما، ويناقش حلم «زوجة الجزار» (فرويد، 1958a، ص 146–51) على نحو مفصل ليفضح الرغبات الواعية، وكذلك الرغبات اللاواعية التي ليست سهلة التشكّل، والتي يمكن العثور عليها فيه.(14)
وبعد أن ناقشتُ الأهمية المستمرة للرغبة في التحليل النفسي، سأنتقل الآن إلى تركيز لاكان على jouissance بدلًا من التركيز المعاصر الأكثر شيوعًا على المزاج والشعور والانفعال بوصفها بوصلة كل شيء تحليلي.
التأويل يهدف إلى تحويل موضع المحلَّل الذاتي
يركّز لاكان على أنواع jouissance التي يستمدها الناس - سواء أكانوا واعين بذلك أم لا - من أحلامهم وخيالاتهم وأفعالهم، وتشير jouissance هنا إلى رضا قد يختبره المرء بوصفه ممتعًا أو مضايقًا، وغالبًا بوصفه الأمرين معًا في آن. ويقدّم فرويد (1955a) مثالًا جميلًا على ما يعنيه لاكان بـjouissance في حالة رجل الجرذان؛ إذ يلاحظ فرويد هناك أنه عندما يروي المحلَّل له قصة تعذيب الجرذان الشهير، «تلوّح على وجهه تعابير مركبة غريبة جدًا»، ثم يضيف: «لم أستطع إلا أن أفسرها على أنها تعبير عن رعبٍ من متعةٍ خاصةٍ به هو نفسه لم يكن واعيًا بها» (ص 166–67). وقد صاغ لاكان هذه الصورة من الإشباع والرعب في آنٍ واحد وأكدها بأكبر قدر من القوة في عمله خلال الستينيات والسبعينيات، وربطها أقل بالنظام الرمزي وأكثر بالواقع. ويمكن مقارنة تركيزه على jouissance بوصفها من الواقعي تركيز كثير من المحللين النفسيين المعاصرين على الانفعال، وهو، كما علّمنا فرويد (1958a)، كثيرًا ما يكون مضللًا لأنه كثيرًا ما يكون مزاحًا أو مبالغًا فيه أو استعراضيًا.(15) وقد أخبرني أحد محلَّليّ أنه أدرك أنه بكى وارتبك في إحدى الجلسات السابقة عمدًا كي يواصل الجلسة، رغم أنه كان يعرف أنه قال للتو شيئًا ذا أهمية قصوى، من النوع الذي كنت سأنهي الجلسة عنده غالبًا. فكانت الدموع إذن مصممة لثنيي عن وقف الجلسة عند النقطة المهمة التي صاغها للتو، ومن ثم فلم تكن في شيء من ذلك لحظة «شعور حقيقي» يمكن أن تدلنا على jouissance لديه.
علينا أن نحدد من أين تأتي jouissance لدى المحلَّل (بدلًا من الانشغال الوسواسي بحالات الانفعال العارضة) إذا أردنا أن نتعامل مع شكواه من أنه لا يقرّ بالطريقة التي يتمتع بها هو نفسه، أو من أنه يعدّها خاطئة أخلاقيًا أو مقززة. وما يمنح المحلَّل jouissance يرتبط بالإشكالية الأوسع التي يسميها لاكان «موضعه الذاتي»، أي موقفه الأعم في الحياة. وسأتناول هذا المفهوم المركب اليوم من خلال موضوع التأويل.
من منظور لاكاني، يهدف التأويل، كما يُستخدم مع العصابيين لا مع الذهانيين، لا إلى تقديم المعنى - كما هو الحال في كثير من صور التحليل النفسي المعاصرة - بل إلى إحداث تموجات، وإلى هزّ التصورات الراسخة لدى المحلَّلين عن من هم ولماذا يفعلون ما يفعلونه في العالم، بما يؤدي إلى توليد مادة جديدة. ولتحقيق هذا الغرض، يستخدم اللاكانيون لغة متعددة الدلالة وموحية عمدًا، لا لغة أحادية المعنى ومحددة. فالهدف هنا ليس جعل اللاوعي واعيًا - وهنا يختلف لاكان (2001b، ص 139–40) عن فرويد (1963a، ص 282 و435) - بمعنى أن يأتي المحلَّل إلى فهم ما في لاوعيه، بل أن يُدفع المحلَّل إلى قول ما في اللاوعي - أي ما لم يُنطق به من قبل بصوت مسموع إلى شخص آخر، سواء أكان معروفًا له غامضًا من قبل أم لا - ثم يُترك لهذا القول أن يؤثر فيه، من دون أن يعرف بالضرورة ما يعنيه (إن كان يعني شيئًا أصلًا؛ انظر Fink, 2010).
وفي العمل اللاكاني مع العصابيين، لا يراد من التأويل أن ينمّي لدى المحلَّل أناً مراقبة يرى المحلَّل بالطريقة التي يراه بها المحلِّل، بل أن يركز مباشرة على موضعه الذاتي وأن يهزه. ويكون التأويل أفضل ما يكون حين يصدر من المحلَّل نفسه، لكن هذا يصحّ بوجه خاص حين نحاول اكتشاف الدور الذي لعبه ذات ما في تاريخه هو، وهو في البداية يدّعي أنه لم يلعب فيه أي دور على الإطلاق - أي أنه لم يكن أكثر من قطعة صغيرة في مخططات أكبر بكثير منه، وأنه لم يجنِ هو نفسه أي شيء من اللذة من موضعه في تلك المخططات.
تذكّروا أنه في حالة دورا، كانت دورا تلقي في البداية باللوم في مأزقها على أبيها وعلى السيد ك، مدعية أنها أُجبرت على موضع محرج بفعل تبادل النساء الصامت بينهما، حيث أُعطيت دورا إلى السيد ك مقابل أن تُعطى السيدة ك إلى والد دورا. واستنتج فرويد مما أخبرته به دورا أن هذا التبادل قد ساعدت فيه دورا نفسها، إذ كانت ترعى أطفال أسرة ك كثيرًا لكي تتفرغ السيدة ك لقضاء وقت مع والد دورا، وكانت تأخذ السيد ك في نزهات معها حتى لا يقطع خلوتها مع والدها. وعلى الرغم من أن دورا نفسها بدأت تتساءل عن سبب فعلها بعض الأشياء التي كانت تفعلها، فإن فرويد (1953، ص 95) بدا، للأسف، مفضّلًا أن يؤول ذلك لها هو. وكما أظهر تطور الحالة لاحقًا، فإن الإشارة إلى مشاركة الذات في مأزق تشعر في البداية بأنه فُرض عليها يمكن أن يختبره المحلَّل بوصفه اتهامًا، ومن ثم يجب التعامل معه بحذر شديد، هذا أقل ما يقال.
وبدلًا من التركيز الصريح على حالات الشعور أو الانفعال يومًا بيوم أو دقيقة بدقيقة، كما يفعل كثير من أشكال العلاج النفسي المعاصرة، يركز اللاكانيون على أنواع jouissance التي يشتكي منها محلَّلوهم، من أجل التأثير في قدرتهم على التمتع بالحياة وهزّ الخيال الأساسي أو الموضع الذاتي الذي يجعلهم في هذا القدر من الشقاء.
في حالة من الحالات، بدأ أحد محلَّليّ جلسة بالحديث عن شيء ذكره عدة مرات في السابق: وهو أنه، منذ وفاة أبيه وهو طفل صغير وحتى بلوغه سن المراهقة، كان ينام بجوار أمه مباشرة، وأنها كانت تضع يدها على قضيبه وخصيتيه وهما نائمان. وأكد أن هذه كانت بالنسبة إليه نوعًا من العلاقة النموذجية التي ظل يبحث عنها مع نساء أخريات. ومن دون أي انتقال، انتقل إلى موضوع آخر كان يشتكي منه مرارًا بأقسى العبارات: وهو أنه كان يُهان ويُضرب من الأولاد الآخرين حين كان صغيرًا.
كنت أعرف تاريخه معرفة جيدة، بما في ذلك واقعة واحدة دافع فيها عن نفسه بنجاح كبير ضد صبي أكبر منه بكثير. ولذلك كنت أعلم أن ما كان يمنعه عادة من الدفاع عن نفسه هو تثبيط داخلي، لا نقص جسدي من جانبه؛ وكان هذا التثبيط الداخلي يظهر أيضًا في سياقات أخرى، مثلًا عندما كانت أمه تتشاجر مع عمه، وهو سكير عنيف. وكانت أخت المحلَّل، وهي ليست أقوى منه، تحاول فضّ الشجارات المتكررة بين الأم والعَمّ، أما المحلَّل نفسه فكان غالبًا ما ينكمش في زاوية أو يهرب.
وكان من السهل عليّ أن أربط بين الموضوعين اللذين ظهرا من دون أي انتقال في هذه الجلسة: فالسبب الذي جعله يشعر عادة بأنه عاجز عن الرد على الأولاد الآخرين هو أنه كان يخجل مما كان يفعله مع أمه. فحتى وهو صغير جدًا كان يعرف أن ذلك يُعد «محرمًا» و«خطيئة»، وأنه، بمعنى ما، مجرم لأنه أخذ مكان أبيه في سرير أمه. وهذا جعله يشعر بأنه يفعل شيئًا خاطئًا وأنه يستحق أن يُسخر منه وأن يُعاقب من أي شخص وكل شخص.
كان لهذا التأويل أثر كبير عليه، لأنه تضمّن انقلابًا مهمًا في المنظور. فقد كانت الرؤية التي دافع عنها دائمًا من قبل هي أنه كان يشعر بالدونية أمام الأولاد الآخرين لأن والده مات وهو صغير ومن ثم لم يكن لديه من يدافع عنه. ولم يكن قد فهم قط لماذا يقف متفرجًا بينما كان عمه يهاجم أمه لفظيًا وجسديًا في نوبة سكر، وهو يشعر بالسوء طوال الوقت، رغم أننا كنا قد استكشفنا على الأقل احتمال أنه كان غاضبًا من أمه لأنها كانت شديدة وقاسية وانتقادية معه، وأنه كان يسرّ سرورًا خفيًا، على نحو ما، لأن عمه كان يعاقبها. ومع ذلك، فإن ذلك التفسير المعقول لم يترك أثرًا دائمًا كبيرًا فيه. أما هذا التأويل الجديد، المبني على التقارب الزمني داخل الجلسة لموضوعين بدا أنهما غير مرتبطين، فقد جلب معه منظورًا جديدًا: إذ شعر أن كلاً منه وأمه مجرم بسبب سلوكهما السفاحي، وأن كليهما يستحق أي عقاب ينالانه. فهي تستحق أن يعاقبها عمّ الصبي، وهو نفسه يستحق أن يعاقبه أي متنمر محلي يهوى ضربه.
وهنا كان نوع الربط الذي يقوم عليه التأويل يتمثل في إقامة علاقة سببية بين فكرتين مختلفتين أو بين جانبين من حياة المحلَّل. ففي حالة هذا المحلَّل تحديدًا، كان يسمح لنفسه عادة بأن يُضرب لأنه كان يعتقد نفسه مجرمًا؛ وكان يظن أن يديه مغلولتان عندما يواجه متنمرين لأنه شعر أنه يستحق العقاب على خطاياه. وبصورة أعم، كان يشعر أن عددًا كبيرًا من الناس في حياته الراشدة كانوا ينتظرون فرصة للتنمر عليه، لا شك لأنه استمر، وهو بالغ، في الانخراط في أنشطة ربطها بسلوكه الجنسي الإجرامي مع أمه. وكان يشعر أنه يتعرض لهجوم دائم - بل إن موقفه الحاكم في الحياة كان موقف مجرم قلق على الدوام من أن تفضح جرائمه وأن يعجز عن الدفاع عن نفسه من العقاب عليها. وكان يريد أن يواصل الخطيئة وأن يُعاقب عليها (أي أن يُخصى) في الوقت نفسه. وحتى مع تقدمه في العمر واستمراره في سلوكه العابر للحدود (وكان قريبًا من سن التقاعد حين بدأ العمل معي)، كان يطارده التفكير في أن الرجال الآخرين يعتزمون فضحه ومهاجمته. وبقدر ما يبدو قول ذلك مضادًا للحدس، فإن إشباعه الأساسي وعدم إشباعه في الحياة - أي jouissance الأساسية لديه - كانا، على ما يبدو، يدوران حول: 1) انتهاك المحرمات والآداب الجنسية، و2) الخوف من العقاب على ذلك (وهو، كما يخبرنا فرويد، يعني تمني العقاب). وكان موضعه الذاتي يبدو متضمنًا تحدي الآخر أن يعاقبه كما كان يخاف، وكما كان يؤمن، أنه يستحق.
وطبعًا، لا يهدف كل تأويل - سواء صنعه المحلِّل أو المحلَّل أو الاثنان معًا - إلى موضع المحلَّل الذاتي الجوهري في الحياة بهذه المباشرة، حتى لو كان يهدف في الاتجاه نفسه تقريبًا. فبعض أبسط أنواع التأويلات يقيم صلات بين موضوعين يُطرحان في جلسة واحدة، لكنهما يبدوان غير مرتبطين بعضهما ببعض. وكما يخبرنا فرويد (1958a، ص 247) أن هناك صلة منطقية ما بين مشهدين في حلم يتبع أحدهما الآخر مباشرة، وأن علينا نحن أن نحدد ما هي تلك الصلة لأن الأحلام نفسها نادرًا ما تخبرنا بها، فكذلك فإن موضوعين يظهران واحدًا بعد الآخر في جلسة ما يكونان، في أحيان كثيرة جدًا، مرتبطين على نحو غامض.
فالتجاور - أي قرب موضوعين من بعضهما في الزمن أثناء الجلسة - شيء يجب فك شفرته. وهذا جزء من مفارقة التداعي الحر: فعندما نشجع المحلَّل على أن يقول ما في ذهنه ببساطة، فإنه غالبًا ما يقول الشيء التالي الذي يخطر بباله مباشرة. ورغم أنه يبدو له غير مرتبط، لأنه كان «تداعيًا حرًا»، فلا شيء أقل حرية منه (كما يخبرنا فرويد). دعوني أحاول أن أوضح كيف يسمح تأويل موضوعين يبدوان غير مرتبطين، يجيء أحدهما مباشرة بعد الآخر، بتحديد موضع الذات ولو جزئيًا.
كان أحد المحلَّلين الذين يعانون من مشكلات انتصاب يروي لي ما اعتقد أنه أول مرة واجه فيها مشاكل في الحصول على الانتصاب والحفاظ عليه. ودخل في قصة طويلة متكلفة، ثم أدلى بملاحظة عرضية، كأنه يغيّر الموضوع، عن ملصق رآه في غرفة سكن طالبة خلال سنته الأولى في الجامعة، ولم يسبق له أن ذكره من قبل. وكان الملصق يصور رجلًا وسيمًا عاري الجذع مفتول العضلات، وكتب عليه: «الرجل الصلب سهل العثور عليه». وعلّق المحلَّل بأنه استنتج حين رأى الملصق أن «هذا هو ما تريده النساء حقًا».
وكان قد بدأ قبل سنوات عدة من سنته الجامعية الأولى في رفع الأثقال من أجل امتلاك «جسد صلب». لكنه، منذ رؤيته الملصق، توقف عن رفع الأثقال وتوقف عن أن يصير صلبًا مع النساء. وكنا قد ناقشنا في جلسات سابقة احتمال أنه كان، بطريقة ما، مصممًا ألا يمنح النساء ما يردنه، تمامًا كما كان مصممًا على إحباط طلبات أمه ورغباتها. وقد وافق على أن شيئًا من هذا القبيل كان يجري، لكنه لم يستطع أن يفهم كيف أو لماذا، فبقي الأمر لديه مجردًا إلى حد ما. وفي هذه الجلسة تمكّنا من أن نثبت بثقة معقولة أنه رأى هذا الملصق قبل وقت قصير جدًا من أول مشكلة لديه في الحصول على انتصاب والحفاظ عليه لا صلة له بالكحول. وبما أنه كان يظن الآن أنه يعرف تمامًا ما تريده النساء، فقد صار يعرف تمامًا كيف لا يعطيهن إياه! ومن ثمّ، فقد اتضح أن السبب المباشر لمشكلاته الانتصابية هو رغبته في حرمان النساء من شيء ما، وفي خيبتهن، وفي أن لا يكون ما ظن أنه يردنه منه. أما لماذا كان يرغب في ذلك فكان سؤالًا أوسع بكثير، لكن كان قد اتضح على الأقل مسار معين. وقد سمح القول العرضي عن الملصق بإقامة صلة بين ما يسمى عجزه الانتصابي وبين المتعة التي كان يجدها في إحباط النساء وخيبتهن، وهما أمران بدا أنهما يذهبان إلى صميم موضعه الذاتي في الحياة. وكان يفضّل أن يتخلى عن jouissance الجنسية مع النساء اللاتي يواعدهن - ويحتفظ بها للاستمناء على المواد الإباحية في الإنترنت - كي يحصل على نوع آخر من jouissance، وهو فرح لا يُصرَّح به في جعل النساء تعيسات.
الزمن بوصفه تقنية
سأنتقل الآن إلى ما يُعد، عند كثيرين، أكثر ابتكارات لاكان إثارة للجدل في التقنية التحليلية النفسية. فخلافًا لأي محلِّل آخر في عصره، أوصى لاكان بأنه بدلًا من مواصلة الجلسة بعد أن يقول المحلَّلون شيئًا يبدو شديد الأهمية، ومن ثم يدفنون عبارة ثقيلة تحت أشياء قد تكون أقل أهمية بكثير، ينبغي أن نوقف الجلسة أو «نقطّعها» مباشرة بعد الصياغة المهمة (وهذا ما يجعل المحلل يدير جلسات متفاوتة الطول). ففي النهاية، نحن نتذكر أفضل ما قلناه نحن أنفسنا أخيرًا، تمامًا كما نتذكر أفضل ما قاله آخر متحدث في سلسلة أو الجزء الأخير من خطاب سياسي.(16) وبدلًا من المخاطرة بأن ينسى المحلَّل ما يبدو مهمًا جدًا، كان لاكان يريد منا أن نوقف الجلسة عند ذلك الحد. وحتى لو لم يتذكر المحلَّل بوعي أين انتهينا عندما نلتقي في المرة التالية، فإن القطع قد أدى عمله، لأنه يكون قد فكّر فيه خلال الفترة الفاصلة في العادة، وغالبًا ما يكون قد أثر في أحلامه أو أحلام يقظته، حتى لو لم يكن يريد التفكير فيه. وبعبارة أخرى، يكون قد أثر فيه، وترك أثرًا في لاوعيه، حتى لو لم يعد يتذكره.
وبدلًا من أن أحاول هنا أن أبرر تقنية وُوجهت بقدر كبير من الاستنكار،(17) سأكتفي بتقديم مثالين مختصرين على نوعين مختلفين من القطع: إنهاء الجلسة عند صياغة لافتة بشكل خاص، وإنهاء الجلسة بعد حدوث انقلاب مهم في المنظور.
جاء مثال من عملي مع محلَّلة بعد مناقشة طويلة لحلم معقد ضم عددًا كبيرًا من الناس في حياة المحلَّلة، وكان فيه غموض كبير حول ما إذا كانت كل شخصية في الحلم ذكرًا أم أنثى. وأنهيت الجلسة عندما قالت المحلَّلة، التي كانت حتى بعد عامين من التحليل مترددة بشدة في الكلام عن الموضوعات الجنسية: «ربما أتمنى لو كان [زوجي] فتاة». وجاء هذا القطع بعد نحو 35 دقيقة من مناقشة الحلم، وقد قادها إلى أن تذكر في الجلسة التالية مباشرة أن شيئًا ما قد تغير في زواجها منذ بدء التحليل: فالجنس مع زوجها صار بالنسبة إليها أقرب إلى عبء وأشد نفورًا. وكان هذا شيئًا لم تكن قد التفتت إليه من قبل، فضلًا عن أن تصوغه بالكلام.
ويمكن أيضًا أن تكون الصياغة اللافتة، التي عند نطقها ينهي المحلل الجلسة، سؤالًا. فمثلًا، شكت محلَّلة عانت لسنوات طويلة من صداع نصفي، في جلسة، من أنها لا تتلقى أي اعتراف من زملائها، ولا من والديها أيضًا. غير أنها، وهي تتكلم، تذكرت أنها بدأت تتلقى بعض الاعتراف من أبيها، الذي كان شديد الانتقاد عادة، بسبب بعض النجاحات التي حققتها في مجالها، وكان ذلك تقريبًا في الوقت نفسه الذي بدأ فيه الصداع النصفي لديها. وأنهيت الجلسة عندما سألت بصوت عالٍ إن كان هناك أي رابط «بين حصولي على الاعتراف وبين صداعاتي؟» وربما كان الأمر، بالنسبة إليها، صداعًا كبيرًا أن تُعطى المسؤولية والسلطة وأن يُعترف بها بسبب ذلك. ولم تكن قد فكرت في هذا الاحتمال من قبل، وكان السؤال الذي طرحتْه هي نفسها قد قاد إلى عدة جلسات مثمرة.
أما مثال إنهاء الجلسة بعد انقلاب في المنظور، فإليكم الآتي. جاءني رجل للتحليل بعد أكثر من عشرين عامًا من العلاج والتحليل بأشكال مختلفة، لم تُوضَع خلالها أيّة موضع شك الاستنتاجات التي كان قد توصل إليها في طفولته عن أسرته. وخلال عام ونصف من التحليل معي، كان يكرر كثيرًا ادعاءه بأن أمه كانت شرسة وتريد النيل منه - رغم أن علاقته الحالية بها كانت عمومًا ودية، وغالبًا حتى حميمة. وكان مقتنعًا بأنها عاقبته بوحشية وهو طفل، لكنه لم يستطع أن يتذكر ما هو أسوأ من أن ألقت لعبة وضعها في بعض البراز. وكان يثور عليها في الجلسات، ومع ذلك لم تُظهر أي من أحلامه أو أحلام يقظته وجود أي ضرب أو جلد من قبلها أو من قبل أي شخص آخر في ماضيه. وعندما كنت أسأله إن كان يتذكر أمثلة على العقاب، كان يقول إنني أبدو وكأنني لا أصدقه؛ فبالنسبة إليه كان من الواضح أنه قد كبت ببساطة كل آثارها.
ومع ذلك، بدا أن شكواه الأرجح كانت أن أمه لم تمنحه اهتمامًا كافيًا قط. وفي يوم من الأيام بدأ يتحدث من جديد عن اقتناعه بأن أمه تريد قتله، فقلت إنه ينبغي على المرء أن يكون مهمًا جدًا لشخص ما حتى يريد ذلك الشخص أن يذهب إلى حد قتله. وكان مستعدًا بوضوح لسماع الدلالة، إذ خلص إلى شيء من قبيل: «إذًا أنت تقول إنني أريد أن أعتقد أنها تريد قتلي لأن ذلك يعني أنني مهم جدًا بالنسبة إليها». وقد جرى هذا الحوار في الدقائق الأولى من الجلسة، ثم عاد المحلَّل لاحقًا إلى موضوع كان قد ناقشه كثيرًا، وهو أنه كان يبدو دائمًا أنه يريد أن يرتبط بفتيات مفتولات العضلات. وكان تفسيره المعتاد لذلك أنه، بما أنه كان يشعر دائمًا بأنه ضعيف، وفق نظره هو، فإنه كان يحتاج إلى امرأة قوية تعتني به وتدافع عنه ضد العالم القاسي في الخارج.
وبالنظر إلى ما كنا قد ناقشناه في الجزء الأول من الجلسة، كان من السهل قلب تلك الصياغة: فقد كان في الحقيقة يحاول أن يُبقي على اعتقاده بأن امرأة ما تريد أن تهاجمه - فذلك كان سيعني أنه مهم بالنسبة إليها - وكان يشعر بأنه مضطر إلى أن يجد نساء مفتولات العضلات يظن أنهن قادرات على مهاجمته بنجاح. وأوقفتُ الجلسة بعد أن صغنا هذا الانقلاب في المنظور، بدلًا من أن أتركه يختفي وسط موضوع آخر، وقد أطلق ذلك سلسلة متتابعة من الآثار. فقد أدرك أن معنى أن يكون المرء محبوبًا بالنسبة إليه هو أن يكون محاصرًا. ورغم أنه كان يعتقد حتى ذلك الحين، وبثبات، أن النساء لا يحببن الرجال حقًا، بل إنهن يحببن فقط المال الذي يستطيع الرجال إعطاءه لهن، فقد شعر فجأة أن ثمة أملًا بالنسبة إليه، وأن الحب بين الجنسين قد يكون ممكنًا يومًا ما في مستقبله.
وفي الأسابيع التالية بدأ يتخيل ما سمّاه نساء محبوبات، طفوليات، على عكس النساء المفتولات، وبدأت مشاهد الرقة تظهر في أحلامه، بعد أن لم تكن تظهر من قبل إلا مشاهد العنف وصراعات القوة. وكانت الجلسات، على حد قوله، «مربحة جدًا»، واستمرت آثار انقلاب المنظور والقطع الذي رافقه في الإثمار مدة من الزمن.
وقد وقع انقلاب آخر في المنظور مع محلَّل عندما رأى حلمًا عن أن والده يُبقيه متأخرًا على مركب بحيث لا يستطيع الوصول إلى العمل. ناقشنا دور القوارب في حياة والده، لكن عبارة «يُبقيه متأخرًا» لفظيًا كانت هي التي دفعت إلى سلسلة طويلة من الارتباطات. فقد كان المحلَّل يصور نفسه دائمًا على أنه قد أُبقي متأخرًا بسبب كل شيء وكل أحد، وكان يشعر بأنه مخدوع ومظلوم في الحياة عمومًا. وتذكّر أنه أُبقي متأخرًا في المرحلة الإعدادية، وعندما بدأ يتحدث عن الظروف الفعلية لذلك، أشار إلى أن مدير مدرسته لم يكن في الواقع ألزمه بأن يبقى سنة إضافية، بل أوصى فقط بأن يبقى سنة أخرى. وكان المحلَّل نفسه سعيدًا بذلك، لأن أفضل أصدقائه كان متأخرًا عنه بسنة في المدرسة نفسها، وكان يستلذ فكرة أن يكون مع ذلك الصديق بدلًا من أن يواصل مع الطلاب في سنته هو والذين لم يكن يحبهم. وفجأة أدرك أنه هو نفسه شارك في أن يُبقي نفسه متأخرًا، وهو انقلاب كبير في المنظور بالنسبة إليه. وقطعت الجلسة عند هذا الحد، وفي الجلسات اللاحقة بدأ يتكلم عن كيف أنه كثيرًا ما شارك في إبقاء نفسه متأخرًا، وما زال يواصل إبقاء نفسه متأخرًا حتى اليوم.
وكما لا شك صار واضحًا الآن، يستحيل عرض أي حالة قطع واحدة من دون قدر كبير من السياق الذي حدثت فيه. غير أن هدف القطع غالبًا ما يكون واحدًا: إبقاء المحلَّل مركزًا على ما يبدو أكثر ما يكون إيلامًا أو صدمة أو راديكالية أو حيرة. والقطع أحد الوسائل التي نبلغ بها المحلَّلين ما نعدّه هو الأبرز، وفي بداية الجلسة التالية يعودون غالبًا جدًا إلى النقطة نفسها التي أنهينا عندها؛ وفي أحيان أخرى يظهر ما أنهيناه عنده في حلم يروونه في الجلسة التالية. ومع ذلك، ومن أجل التداعي الحر، يجب أن نسمح لهم بأن يطرحوا في الجلسة التالية ما يشاؤون طرحه، لكنهم كثيرًا ما يبدأون من تلقاء أنفسهم من المكان الذي قطعنا عنده. ولا مفر من أن بعض عمليات القطع تفشل أو لا تولد مادة جديدة إلا بعد مرور فترة أطول أو أقصر، لا على الفور. وكأي تقنية تأويلية، لا ينجح المرء دائمًا في العثور على الذهب.
وفي نظر لاكان، خلط عدد كبير من المحللين بين مفهوم فرويد للحياد - أي ألا يكون المحلل حكمًا معلنًا (أو حتى سرًا، على أمل) على أفكار المحلَّل ومعتقداته ورغباته وخيالاته - وبين نوع من فضيلة اللافعل، حيث لا يعود المحلل، خوفًا من توجيه المريض، يوجّه العلاج أصلًا (2006a، ص 490). غير أن مسؤولية المحلل هي أن يوجّه العلاج، وذلك بأن يحرص، كما فعل فرويد بلا شك، على أن يتكلم المحلَّل طويلاً عن الأشياء التي تعوقه أكثر ما يكون في الحياة. ومن خلال تشجيع المحلَّل على التأمل في الرغبات في الأحلام وأحلام اليقظة والخيالات، وعلى قطع الجلسات عند ما يعدّه المحللون أكثر النقاط أهمية أو استفزازًا أو حتى أكثرها حيرة، يسعى المحللون اللاكانيون إلى إبقاء العمل مركزًا - وإن كان على الطريقة التحليلية النفسية غير المنتظمة المعتادة - على النواة أو العقدة الجوهرية لمشكلات المريض في الحياة، بدلًا من السماح له بأن يقضي الحصة الكبرى من جلسة واحدة، فضلًا عن تحليله كله، في الكلام عن أمور قليلة الأهمية تحليليًا. ورغم أن المحللين لا يستطيعون، بطبيعة الحال، أن يعرفوا مسبقًا أي الموضوعات ستكون الأهم، فإنهم يعرفون بوضوح أن تجارب الطفولة والخيالات الجنسية والأحلام تميل إلى دفع العلاج إلى الأمام أكثر بكثير من الروايات المفصلة عن الحياة اليومية، بما فيها من صعود وهبوط صغيرين، مهما بدت هذه الروايات درامية أحيانًا في نظر المحلَّل.
فالتحليل لا يتطلب من المحلَّل أن يسرد كل ما جرى له خلال الأيام أو الأسبوع السابق للجلسة؛ بل إن مثل هذه الأحاديث كثيرًا ما تكون مشتتات عن العمل الأساسي للتحليل. والمحلون بالطبع بحاجة إلى معرفة قدر لا بأس به عن حياة المحلَّل اليومية، لكنهم لا يحتاجون عمومًا إلى سردها حدثًا بعد حدث. ويتيح القطع للمحللين أن يظلوا مركزين على العمل المهم للتحليل.
ولا يعني هذا أن المطلوب من المحلَّل أن يبقى على موضوع واحد مدة طويلة جدًا. فكما يدرك معظم المحللين، نادرًا ما يتحقق أي تقدم بمجرد محاولة التعامل مباشرة مع عرض أو خيال أو علاقة شديدة الإشكال. فالتحليل يتقدم غالبًا بالانتقال من موضوع إلى آخر، ربما مرتبط به، ثم العودة مرة أخرى، والدوران حوله والتعمق فيه في كل مرة أكثر فأكثر. وغالبًا ما لا يظهر جانب آخر من جوانب حياة المحلَّل إلا بعد أن يُستكشف جزء من الأرضية في أحد وجوه حياته، فتغدو أرضية أخرى قابلة للنظر، ويصبح جانب آخر من حياته مفتوحًا للنقاش. وهذا، في العادة، بعيد كل البعد عن أن يكون عملية خطية. بل هو، عمومًا، عملية ديالكتيكية، يمرّ فيها المحلَّل بعد أن يستكشف فترة معينة من حياته بتغيّر في اتجاه ما، ثم بعد استكشاف فترة أخرى من حياته يبدأ في التغير في اتجاه معاكس تمامًا. ولا يتبلور اتجاه حاكم واحد إلا بعد أن يستكشف الجزء الأكبر جدًا من تاريخه. وهذا التغيير هو ما نصبو إليه، لا صياغة سرد كبير عن حياته، ولا فهم نفسي من جانبه لأصل عصابه ودينامياته.
ملاحظات ختامية
آمل أن يكون هذا العرض الموجز لبعض الفروق بين المقاربة اللاكانية والمقاربات المعاصرة الأخرى (ومزيد من المقارنة والتباين في موضوعات مثل الحياد والنقل والنقل المضاد والتطبيع وعلاج الذهان يمكن العثور عليه في Fink, 2007) قد أوضح أن، بالنسبة إلى لاكان:
1 لا يمكن للمحللين أن يملكوا وصولًا مباشرًا إلى خبرة المحلَّل: فهم لا يستطيعون أن يدركوا أفكاره مباشرة أو أن يشعروا بمشاعره، ناهيك عن أن يشعروا بما لا يشعر به هو؛
2 يجب ألا يكتفي المحللون بالارتباطات التلقائية التي يقدمها المحلَّل حول حلم أو حلم يقظة أو خيال، بل عليهم أن يعملوا بجد لاستثارة ارتباطات بكل أوجه هذه التكوينات اللاواعية (كما يسميها لاكان، 1998b) وأن يعيدوا تركيب الرغبات الواعية، وفوق ذلك الرغبات اللاواعية المضادة للحدس، التي دخلت في إنتاجها؛
3 يجب ألا يسمح المحللون لأنفسهم بأن ينزلقوا إلى اللافعل؛ فرغم أنهم لا يمكن أن يكونوا أبدًا على يقين تام ما اللحظة الأهم في الجلسة، فإنهم يستطيعون مع ذلك أن يفعلوا الكثير لتشجيع المحلَّل على أن يقضي معظم جلساته في الحديث عن موضوعات ذات أهمية تحليلية نفسية حقيقية، بدلًا من أن يراوغ الموضوعات الصعبة بل والصادمة أحيانًا، كما يميل إلى أن يفعل خلاف ذلك.
قُدمت هذه الورقة - تحت عنوان «النقل والنقل المضاد في التحليل النفسي اللاكاني» - إلى مركز سان فرانسيسكو للتحليل النفسي في 12 مايو 2008، بدعوة من ميتشل ويلسون، دكتور في الطب. ونُشرت في The Psychoanalytic Review, 98(6) (ديسمبر 2011)، 843–69.
حواشٍ
1 يفضّل كثير من الكتّاب عبارة «الآخر الكبير» لما أشير إليه هنا بعبارة «الآخر بحرف O كبير» (لاحظ أن لاكان يستخدم le grand Autre وl’Autre avec un grand A على نحو متبادل). لكن عبارة «الآخر الكبير» في الإنجليزية تستدعي، في ذهني، لا محالة «الأخ الأكبر» الأورويلي الشهرة، وهو ما أراه مؤسفًا ومضللًا؛ ومن هنا فضّلت عبارة «الآخر بحرف O كبير».
2 لا أزال على موقف لا أدريّ من قدراته الفنية، ولا أستطيع أن أقول ما إذا كان ينبغي له أن يتابع الفن أم لا - فلست حكمًا في مثل هذه الأمور، ولا أنا رأيت أعماله الفنية قط. وحتى لو ظننت نفسي حكمًا جيدًا في مثل هذه الأمور، أليست هناك أعداد كبيرة من الفنانين يُساء فهمهم ولا يُعترف بهم إطلاقًا خلال حياتهم؟ في رأيي، لا شأن للمحللين بأن يخبروا المحلَّلين أنهم جيدون في هذا وسيئون في ذاك، ومن ثم ينبغي أن يختاروا الأول بدلًا من الثاني. فالناس الذين ينصّبون أنفسهم حكامًا على أعمال الآخرين وقدراتهم ينتهون في الغالب إلى أن يبدوا حمقى جدًا.
وفي ما يخص الفنون الأدبية، قرأت مرة أن الكاتب الأمريكي الشهير جاك لندن تلقى 600 رفض من دور النشر قبل أن يبيع قصته الأولى، وأن أول كتاب للدكتور سيوس رُفض من 24 دار نشر مختلفة، وأن رواية جون غريشام الأولى رُفضت من 15 ناشرًا و30 وكيلًا أدبيًا، وأن Roots لأليكس هيلي رُفضت من 200 محرر مختلف - والقائمة تطول وتطول، وينبغي أن تكون درسًا متواضعًا لكل من يتصدى للحكم على جودة إنتاج فني لشخص آخر أو قابليته للبيع.
3 في بعض الحالات، قد نخرج عن المسار عندما نعتمد بهذه الطريقة على الإنجليزية المنطوقة، لأن المحلَّل قد لا يعرف التعبير الذي نشير إليه؛ وهذا يوحي بأنه قد لا يكون ثمة قدر من العبارة التي سمِعناها فيه بقدر ما سمعناه نحن، وأن علينا أن نتخلى عنه. ولو كنا نحن أنفسنا قد قلنا مثل هذا الشيء، ربما لكان المعنيان مقصودين بطريقة ما، لكننا لم نكن نحن من قاله. فالإنجليزية المنطوقة كما نعرفها نحن والإنجليزية المنطوقة كما يعرفها المحلَّل لا تتطابقان تمامًا أبدًا.
ومع ذلك، يمكن للمحلَّل والمحلِّل كليهما أن يحتكما إلى جميع المعاني المتفق عليها بينهما، سواء أكانت مجازية أم حرفية، مما يقوله الطرف الآخر مما تسمح به الإنجليزية: فكان بإمكاني أن أقترح على المحلَّل المذكور آنفًا أنه، رغم اعتقاده أنه يحتاج إلى التخلي عن عمله الفني كلية، فإن شيئًا فيه يشعر أن العمل الفني هو ما يحتاج إليه كي يعيش؛ وكان بإمكانه هو أن يصر على أنه عندما قلت له شيئًا مثل: «أرجوك ذكرني بمواعيد عطلتك عندما نقترب أكثر»، فإنني كنت أشير إلى قرب علاقتنا لا مجرد القرب الزمني.
4 يُشار أحيانًا إلى «النظام الرمزي» أيضًا، على نحو زائد بعض الشيء، بوصفه «الآخر الرمزي».
5 كما يقول لاكان (1988a) في الدرس الأول، «إن الإيماءة البشرية أقرب إلى اللغة منها إلى كونها مظهرًا من مظاهر النشاط الحركي» (ص 255، مع تعديل الترجمة). وهذه قائمة قصيرة بكتب تبيّن كم تختلف الإيماءات البشرية - سواء كانت يدية أو وجهية أو جسدية - باختلاف الثقافات:
• Italian Without Words، لدان كانغلوسي وجوزيف ديلّي كاربيني
• The French Way: Aspects of Behavior, Attitudes, and Customs of the French، لروس ستيل
• Body Language in Business: Decoding the Signals، لأدريان فرنهم وإيفغينيا بيتروفا
• Cultural Intelligence: Living and Working Globally، لديفيد سي. توماس وكير إنكسون
• Understanding Cultural Differences: Germans, French and Americans، لإدوارد تي. هول وميلدرد ريد هول
• Culture Shock! Korea، لسونجا فيغدال هور وبن سيونغ هوا هور
• Cultural Anthropology، لكونراد فيليب كوتاك
• Gestures: The Do’s and Taboos of Body Language Around the World، لروجر إي. أكستل
6 ويزداد هذا الانسجام أيضًا مع الزمن، بطبيعة الحال، كلما تعرف المرء إلى كل محلَّل على حدة معرفة أفضل فأفضل.
7 جعل كتاب مسلسل Frasier اللطيفون فريزر كرين، طبيب الراديو النفسي، يتباهى بـ«موهبته الموهوبة من الله في الحدس»، ثم أظهروه وهو مخطئ تمامًا في حدوسه المزعومة في كل مناسبة تقريبًا (انظر خصوصًا الحلقة المعنونة «Can’t Buy Me Love»).
8 انظر نقدي المفصل لـ«التماهي الإسقاطي» (Fink, 2007، ص 165–88).
9 يمكن التعبير عن ذلك على نحو أكثر تقنية بالقول إنه لا توجد صلة مباشرة بين a و a´ - أي بين المحلل والمحلَّل بوصفهما أناين. وفي الواقع، يقدم لاكان (2006a، ص 53) نموذجًا من أربعة أطراف، يكون فيه الآخر ولاوعي المحلَّل (المكوِّنان معًا «المحور الرمزي») عائقًا أمام أي صلة مباشرة من هذا النوع. ولاحظوا كم يختلف هذا عن «الثالث التحليلي» عند أوجدن (Ogden, 1999)، الذي يوجد بالفعل داخل المحلل، حتى لو كان قد تشكل، نظريًا، بفعل التحليل.
10 ولم يكن وينيكوت (1965، ص 50–51) بالطبع يؤمن بنوع من الالتحام العقلي الفولكاني بين المحلل والمحلَّل، بل قال بدلًا من ذلك:
من المهم جدًا … ألا يعرف المحلل الأجوبة إلا بقدر ما يعطيه المريض الدلائل. فالمحلل يجمع الدلائل ويصوغ التأويلات، وكثيرًا ما يحدث أن يعجز المرضى عن إعطاء الدلائل، وبذلك يتأكد أن المحلل لا يستطيع أن يفعل شيئًا. وهذا التحديد لقدرة المحلل مهم للمريض.
11 انظر سبينوزا (1994، ص 188): «الرغبة هي ماهية الإنسان بعينها، بقدر ما تُتصور بوصفها محددة، من أي انفعال منها، إلى القيام بشيء ما».
12 كما قال لاكان (2006b، ص 198):
ما يوجّهنا عندما نفسر حلمًا ليس بالتأكيد سؤال: «ماذا يعني ذلك؟» وليس أيضًا: «ماذا يريد [المحلَّل] أن يقول بذلك؟» بل هو: «ماذا يريد [الحلم]، أو الهو، وهو يتكلم؟» فهو، على ما يبدو، لا يعرف ما يريد.
وأشار أيضًا إلى أن صياغة الحلم لنا من قبل المحلَّل تؤدي إلى «جملة مُعاد تركيبها» (أي الفكرة المعاد بناؤها التي كانت تحتّ حلمه) وأننا نبحث فيها عن الفجوة أو خط الصدع حيث نرى شيئًا مشبوهًا، شيئًا لا يبدو على ما يرام تمامًا (qui cloche) - «ذلك هو الرغبة» في الحلم (ص 197).
13 كما يكتب فرويد (1955a، ص 180) في حالة رجل الجرذان:
بحسب النظرية التحليلية النفسية، قلتُ لرجل الجرذان إن كل خوف يقابله تمني سابق صار الآن مكبوتًا؛ ومن ثم كنّا مضطرين إلى الاعتقاد بالنقيض التام لما كان قد أكده. وهذا ينسجم أيضًا مع مطلب نظري آخر، وهو أن اللاوعي يجب أن يكون النقيض الدقيق للواعي.
14 إليكم مثالًا آخر: جاء شاب إلى معالج لأنه وجد نفسه شديد القلق 1) لعدة أيام بعد مسابقات فريقه الرياضي التي لم يؤدِّ فيها أداءً مثاليًا، و2) لعدة أيام بعد الامتحانات التي لم يؤدِّ فيها أداءً مثاليًا (بحصوله مثلًا على المركز الثاني من بين ثمانية، أو على A- بدلًا من A). لاحظوا أنه لم يشتكِ من أمر أكثر شيوعًا - قلق الأداء قبل المسابقات أو الامتحانات - بل فقط من القلق بعدها.
وتبيّن أن الشاب قال إنه انضم إلى هذا الفريق لإرضاء والديه، وأنه كان يسعى إلى الحصول على درجات جيدة في برنامجه الأكاديمي لإرضاء أمه التي كانت تريده أن يسير على خطاها المهنية. وقد بدا موقفه الملتبس من الرياضة واضحًا من حقيقة أنه في اليوم الذي استبعدت فيه الجامعة الفريق لتوفير المال، لم يمارس تلك الرياضة بعدها مرة واحدة؛ كما بدا موقفه الملتبس من مساره الأكاديمي واضحًا من حقيقة أنه «نسي» أن يسجل لاجتياز الاختبار المعياري المطلوب للقبول في برنامج الدراسات العليا الذي كان يفترض أنه يعمل للوصول إليه.
ويبدو أنه، على مستوى ما، لم يكن يريد حقًا أن يفوز بالسباقات أو أن يحسن أداءه في الامتحانات: لقد تمنى لاواعيًا أن يزعج والديه بدلًا من أن يرضيهما. وحين جاء ثانيًا أو حصل على A-، كان راضيًا عن نفسه، لكن ذلك لم يكن ينسجم مع صورته لنفسه بوصفه ولدًا جيدًا يحاول إرضاء والديه، ومن ثم لم يكن في وسعه أن يختبره بوصفه إشباعًا. وبعبارة أخرى، لم يكن الإشباع ليكون «متوافقًا مع الأنا». ومن ثم أُجبر هذا الإشباع على اتخاذ شكل مختلف: شكل القلق. وقد أكد هذا قول فرويد بأن القلق هو العملة العالمية للانفعال، أو، بصياغة أدق، «العملة المتداولة عالميًا التي يمكن أن يُستبدل بها أي دافع انفعالي أو يمكن أن يستبدل بها إذا خضع المحتوى التصوري المرتبط به للكبت» (1963a، ص 403–404). ويبدو أن المحتوى التصوري الذي خضع للكبت هنا كان الفكرة: «أريد أن أزعج أمي» أو، بعبارة أكثر عامية: «حاشا أن أرضي أمي، حاشا أن أمنحها مثل هذا الإشباع!»
وكما يقول فرويد (1963a، ص 409)، «إن أقرب ما يطرأ على [الانفعال] [المرتبط بفكرة تتعرض للكبت] هو أن يتحول إلى قلق»؛ وبعبارة أخرى، عندما نصادف القلق يمكننا عمومًا أن نفترض أن فكرة ما (فكرة تمني) قد كُبتت، وأن الانفعال المرتبط بها، بغض النظر عن نبرته الأصلية، قد تحرر وصار غير قابل للتعرّف. وكان لتحويل اللذة إلى قلق ما بعد المنافسة فائدة ثانوية غريبة، إذ أتاح للشاب فرصة أن يشكو لوالديه - وأن يجعلهما يدفعان ثمن العلاج بسببه - من الشيء نفسه الذي منحه اللذة: أي القلق الذي نشأ بسبب تحديه لهما. ولربما عُد ذلك شكلًا جيدًا من «المكسب الثانوي»!
15 «[إن] انفعالات [العُصابيّين] تكون دائمًا مناسبة، على الأقل في كيفيتها، رغم أننا يجب أن نسمح بزيادة شدتها بفعل الإزاحة…. ويمكن للتحليل النفسي أن يضعها على الطريق الصحيح عبر الاعتراف بأن الانفعال … مبرَّر، وعبر البحث عن الفكرة التي تخصه لكنها كُبتت واستبدلت ببديل» (Freud, 1958a، ص 461).
16 وبالمثل، فإن مهمة غير منتهية تشغل الذهن غالبًا أكثر بكثير من مهمة منتهية (ويُعرف هذا في علم النفس بـ«أثر زيغارنيك»).
17 أناقش مبرر الجلسة ذات المدة المتغيرة بتفصيل في Fink (2007، الفصل 4).
3
الفانتازيات والفانتازم الأساسي
مقدمة
الفانتازيا، في الواقع، أمر مزعج إلى حد كبير، لأننا لا نعرف أين نضعها، بسبب أنها تقف هناك ببساطة، مكتملة في طبيعتها بوصفها فانتازيا، ولا تملك من الواقع إلا واقع الخطاب، ولا تنتظر شيئًا من قدراتك؛ بل إنها تطلب منك، على العكس، أن تصفّي الحساب مع رغباتك أنت.
—لاكان، 2006a، ص 779
الخلفية التاريخية والمصطلحية
يستعمل لاكان مصطلح «الفانتازمات الأساسية» منذ السيمينار الأول، Freud’s Papers on Technique (1953–54)، حيث يبدو بوضوح شديد أنه مستند إلى ميلاني كلاين أو مقتبس منها (لاكان، 1988a، ص 17). غير أن هذا المصطلح، في رأيي، لا يبلغ تمامه إلا حين يصوغ المعادلة أو المتاتيم (
◊ a)، التي تظهر لأول مرة بعد نحو أربع سنوات، في السيمينار الخامس، Les formations de l’inconscient [«تشكيلات اللاوعي»] (1957–58).(1) وقد جرى تفصيل الفانتازم الأساسي على نطاق واسع في السيمينار السادس، Le désir et son interprétation [«الرغبة وتأويلها»] (1958–59)، وفي سيمينارات لاحقة كذلك. أما أول مناقشات لاكان المكتوبة له فترد في مقالته من عام 1958 «Direction of the Treatment» (لاكان، 2006a، ص 614 و637).
في الأسابيع التي سبقت إدخال متاتيم الفانتازيا في السيمينار الخامس، يناقش لاكان (1998b، ص 303) ميلاني كلاين، ويذكر مفهومها للفانتازيا (phantasy بالـ ph) من غير أن يتبنّاه قط. ولتوضيح موقف لاكان من مفهوم phantasy (بالـ ph)، وهو مفهوم تتبناه بعض التحليلات الفرنسية الأخرى، سأقدّم هنا ترجمتي الخاصة لبعض المقاطع من ذلك السيمينار:
في نظر كلاين، [...] يبدو أن التمرّن الكامل للذات على الواقع، إن جاز التعبير، يُعَدّ منذ البدء ويُسند بالتركيب الهلوسي والفانتازي للأشياء الأولى - المصنفة إلى أشياء جيدة وأخرى سيئة - بقدر ما تنشئ علاقة أولية بدئية ستحدد السبل الرئيسة التي ستتصل بها الذات بالواقع طوال حياتها. وهي تبلغ من ذلك إلى القول إن عالم الذات يتكون من علاقة غير واقعية جوهريًا بين الذات والأشياء، وهذه الأشياء ليست سوى انعكاس لدوافعها الأساسية.
هذا العالم من الفانتازيا* [يستعمل لاكان هنا المصطلح الإنجليزي الذي استخدمته كلاين]، بالمعنى الذي يُستعمل به هذا المفهوم في المدرسة الكلاينية، يتنظم، مثلًا، حول عدوانية الذات الأساسية، في سلسلة من إسقاطات حاجات الذات. وتحدث على سطح هذا العالم سلسلة من التجارب، أكثر أو أقل حظًا، ومن المرغوب أن تكون حظوظها وافرة بما يكفي. شيئًا فشيئًا يسمح عالم الخبرة، تبعًا لذلك، برسم خريطة معقولة لما هو، كما يقولون، قابل للتعيين موضوعيًا في هذه الأشياء، بوصفه مطابقًا لواقع ما، بينما تظل البنية [trame] الخاصة باللاواقعية أساسية على الإطلاق.
لدينا هنا ما يمكن أن نسميه بحق بناءً ذهانيًا للذات. ومن هذا المنظور، فإن الذات السوية هي، باختصار، ذهانٌ انتهى على نحو حسن، ذهانٌ انسجم، لحسن الحظ، مع الخبرة. وما أقوله لكم هنا ليس إعادة بناء. فالكاتب الذي سأناقشه الآن، وينيكوت، يعبّر عن هذه النقطة نفسها في نص كتبه بشأن استعمال الارتداد في العلاج التحليلي. فالذهان والعلاقة السوية بالعالم يُصرَّح في نصه بوضوح بأنهما متجانسان من حيث المبدأ.
تنشأ من هذا المنظور صعوبات عظيمة جدًا ...
(لاكان، 1998b، ص 215–16)
والآن، كما تشير الفقرة التالية في السيمينار، فإن الترجمة إلى الفرنسية التي يقترحها لاكان لمصطلح كلاين «phantasy» هي fantaisie، وهي كلمة تعني في الفرنسية شيئًا أقرب إلى الخيال المزاجي، أو الهَوَس، أو التخيل المترف، أو الفكرة المتخيلة.
يمضي لاكان في نقد مفهوم كلاين للفانتازيا بوصفه تصورًا خياليًا محضًا، أي بوصفه قائمًا على المحور التخيلي وحده، حيث لا تُلقى الأم إلا في أحد موقعين: الإشباع أو الإحباط، أي بوصفها موضوعًا جيدًا أو موضوعًا سيئًا. ولاكان يوافق على أن الأم تُلقى في سجلين مختلفين، لكنهما ليسا الخير مقابل الشر؛ بل هما الأم في مقابل رغبتها هي - رغبتها بوصفها رغبة في شيء آخر، أي بوصفها رغبة مشكّلة باللغة. ومن هذا المعنى، فإن نقده الضمني هو أن مفهوم الفانتازيا في عمل كلاين يحيل إلى المحور التخيلي وحده، في حين أن رغبة الأم تدخل، بوضوح، البعد الرمزي أيضًا.
المصطلح الفرنسي الذي يفضله لاكان بدلًا من fantaisie هو fantasme. وهو يقابل، في رأيي، في الإنجليزية كلمة fantasy بحرف f، ويتضمن المحورين التخيلي والرمزي معًا؛ لأن الفانتازيا، كما يفهمها لاكان، تكون فيها البنية التخييلية قد جرى بالفعل تحويلها أو تشكيلها أو الكتابة فوقها بواسطة الرمزي. وكما يقول لاكان (1998b) لاحقًا في السيمينار الخامس: «سأعرّف الفانتازيا [...] بوصفها التخييلي وقد أُدخِل في استعمال دالٍّ معيّن [usage de signifiant]» (ص 409).(2)
بحسب لاكان، يدخل العنصر الرمزي في الفانتازيا إلى الصورة في وقت مبكر جدًا من حياة الطفل، لأن أمه (أو القائم/ة الأول/ى على رعايته) كانت كائنًا ناطقًا منذ سنوات طويلة قبل ولادته، ولأن علاقتها بطفلها وبالأشياء التي يناديها الطفل مشكَّلة باللغة التي تشكّل عالمها، فتقطع هذا العالم إلى أشياء منفصلة قابلة للعزل. (لاحظ أن حتى المفاهيم الجسدية الأولية التي تدل عليها في الإنجليزية كلمات مثل “nipple” و“lap” و“loins” و“wrist” لا يكون لها في كثير من اللغات مقابل واضح.) يواجه الطفل هذه البنية منذ اليوم الأول، إن لم يكن داخل الرحم (in utero) أيضًا، حين تتحدث الأم إلى طفلها - على أي حال، قبل زمن طويل من أن يتمكن من فهم أي جزء منها، أو أن يوافق عليها، أو أن يستوعبها، أو أن يعيد إنتاجها في الكلام. وبعبارة أخرى، فإن واقعًا يتجاوز الأم وعلاقتها الجسدية البحتة بالطفل يُدخَل فورًا بفعل كون الأم نفسها كائنًا ناطقًا. فـاللغة، بوصفها ما يقع خارج الكائنين البشريين الحاضرين في لقاء الأم والطفل، تدخل منذ اللحظة التي تتحدث فيها الأم إلى طفلها. وهكذا يكون هناك ثلاثة أطراف حاضرة منذ البداية: الأم، والطفل، والآخر (باعتباره اللغة).(3)
نقد لاكان لكلاين هنا هو أنها لا تمنح التخيلي أولوية على الرمزي فحسب، بل إنها في الواقع تتجاهل البعد الرمزي كله في العلاقات الأولى للطفل بأمه. وقد لا يوافق الكلايينيون على تفسيره لعملها، لكن النقطة التي أريد التشديد عليها هنا هي أنه، باستثناء نصوص لاكان من أربعينيات القرن العشرين، حيث يعمل مفهومٌ ذو نزعة كلاينية للفانتازيا (phantasy بالـ ph)، فإن الفانتازيا بحرف f في عمل لاكان لا يمكن فهمها من دون إدخال البعدين التخيلي والرمزي معًا. بل إن جاك-آلان ميلر (1982–83) اقترح أن الأبعاد الثلاثة كلها يمكن العثور عليها في مفهوم لاكان للفانتازيا: فالبعد التخيلي يظهر في الطبيعة الصورية/المشابهة للصورة في الفانتازيا، بما في ذلك صورة جسد الآخر (a)؛ والبعد الرمزي يظهر في كون الفانتازيا غالبًا ما تتخذ شكل جملة مصوغة بمبتدأ وفعل ومفعول به؛ والبعد الواقعي يظهر في الطبيعة البديهية للفانتازيا، كما سنرى بعد قليل. وهذا ليس إلا امتدادًا لحقيقة أن لاكان يعتبر التحويل/النقل (transference) متضمنًا الأبعاد الثلاثة كلها؛ لاكان، 1988a، ص 112–13.
وينبغي ألا نغفل أنه حين قدّم لاكان لأول مرة متاتيمه الخاص بالفانتازيا، لم يكن قد طوّر بعد مفهوم الموضوع a بوصفه السبب الواقعي للرغبة، إذ إن الموضوع a لا ينتقل في إطار تصوره من التخيلي إلى الواقعي إلا ابتداءً من السيمينار السابع، The Ethics of Psychoanalysis (1959–1960)، والسيمينار الثامن، Transference (1960–1961). وعندما جرى إدخال متاتيم الفانتازيا في السيمينار الخامس (1998b، ص 311)، وُصفت الفانتازيا بأنها علاقة بين الذات والآخر الصغير (الذي يُكتب أيضًا petit a، من autre) أو الشبيه. ولاحظ أيضًا أنه حين أُدخل أول مرة المعين المعيّن (◊) بين الذات والموضوع، قال لاكان (1998b) إن المعين «يفرض ببساطة [...] أن كل ما هو على المحك هنا تحكمه العلاقة التربيعية [...] التي تقرر أنه لا توجد ذات محجوبة يمكن تصورها [...] لا تسندها العلاقة الثلاثية A a′ a″» (ص 316). وبعبارة أخرى، يمثّل المعين (poinçon) حقيقة أن كل ذات تتحدد بكامل مخطط L (انظر الشكل 3.1)، أي بكل رؤوسه الأربعة التي تنطوي على المحورين التخيلي والرمزي (ولكن لا تنطوي على a بوصفه واقعيًا).
الشكل 3.1 مخطط L (مبسّط)
وهذا، على نحو واضح، ليس إلا مسودة أولى؛ فبعد بضعة أشهر فقط، يكتب لاكان (2006a، ص 634) في هامش لمقالة «Direction of the Treatment» أن «العلامة ◊ تسجل علاقات الاحتواء-الاسترسال-الاقتران-الانفصال». ومع ذلك يظل مخطط L حاضرًا بصورة مركزية في رسوم لاكان الخاصة بفانتازيا سادي في «Kant with Sade»، المكتوبة عام 1962 (لاكان، 2006a، ص 774 و778). ثم إنه، في السيمينار الحادي عشر، The Four Fundamental Concepts of Psychoanalysis (1964)، يشير إلى أن المعين يمكن فهمه بوصفه إحالة إلى عمليات الاتحاد والتقاطع في نظرية المجموعات وإلى العمليات التحليلية الخاصة بالاغتراب والانفصال.(4)
ولأضف ملاحظة تمهيدية أخرى تتعلق بالمصطلح: لاكان يمضي وقتًا طويلًا في تفصيل مفهوم الفانتازم الأساسي ووضعه على مخطط الرغبة (لاكان، 2006a، ص 817) في السنوات الممتدة بين 1958 و1960، لكنه يختصر المصطلح سريعًا جدًا من «الفانتازم الأساسي» إلى مجرد «الفانتازم». والمصطلح الذي نجده غالبًا بعد ذلك هو ببساطة «le fantasme»، متضمنًا أداة التعريف، وهذا، في رأيي، ليس أكثر من اختصار لعبارة «الفانتازم الأساسي». وفي الواقع، نادرًا جدًا ما يتحدث لاكان عن أي نوع آخر من الفانتازيا. فمناقشات أحلام اليقظة وفانتازيات الاستمناء نادرة جدًا في عمله، إلا إذا كان يعلّق على عمل محلل آخر.(5)
الخلفية النظرية للفانتازم الأساسي
تكمن ضمنًا في فكرة أن لكل شخص فانتازمًا أساسيًا، فكرةُ أن جميع الفانتازيات الخاصة التي قد يملكها الفرد - بما في ذلك بالطبع أحلام اليقظة وفانتازيات الاستمناء، لكن أيضًا سائر أنواع المشاهد التي تومض في ذهن الشخص وقد يصفها بطرق مختلفة، بوصفها أفكارًا اقتحامية أو لقطات أو مسودات أو حوارات أو مشاهد أو جملًا تطرأ أو تنبثق خلال زمن قصير جدًا - إنما تنبثق كلها، تقريبًا، من البنية نفسها، أي من فانتازم أساسي يحدد أقدم علاقة للذات بالآخر، وأساس موقفها إزاء الآخر.
ومن ثمّ فإن كثرة الأفكار الاقتحامية والمشاهد وأحلام اليقظة وفانتازيات الاستمناء لدى أي ذات تُفهم عند لاكان بوصفها تبديلات على الفانتازم الأساسي، وتعرض في العادة أحد أوجه ذلك الفانتازم الأساسي. وبصياغة أخرى، فإن تلك الأفكار الاقتحامية والمشاهد وأحلام اليقظة وفانتازيات الاستمناء التي لا تُحصى تُختزل نظريًا إلى فانتازم «واحد» أساسي.
غير أن هذه الوحدانية المفترضة للفانتازم الأساسي موضعُ تساؤل إلى حد ما بسبب صياغة فرويد (1955d) في مقاله لعام 1919 المعنون «A Child Is Being Beaten» - والذي، بالمناسبة، يعتبره لاكان (1998b) «رائعًا تمامًا»، ويقترح أن «كل ما قيل بعده [من محللين آخرين] لم يكن سوى فُتات أو هباء» (ص 230). ففي مقال فرويد لا يتضح بالضبط ما ينبغي أن نعدّه الجزء الأكثر أساسية من فانتازيا الضرب التي يرسمها لنا، والتي تنطوي على ثلاث مراحل:
الفانتازيا الذكورية (وفقًا لفرويد)
المرحلة الأولى: أنا محبوب من أبي.
المرحلة الثانية: أنا أُضرب من أبي.
المرحلة الثالثة: أنا أُضرب من أمي.
في مقاله، يقترح فرويد أنه، وإن كانت الصياغة الثالثة هي التي تظهر في ذهن المريض - في صورة فكرة اقتحامية أو فانتازيا - فإن المرحلة الثانية، التي تكاد لا تُتذكر أبدًا، هي الأكثر «خطورة» أو «أهمية حاسمة». ومع أن فرويد يصرّح بأن هذه الصياغة الثانية ليست إلا «بناءً تحليليًا» (1955d، ص 185)، فإنه يبدو أنه يعتبرها الأشد حسمًا لأنها الأكثر تعرضًا للكبت. وفي ما يسميه «الفانتازيا الذكورية» - وهي ليست معروفة بالقدر نفسه الذي نعرف به المراحل الثلاث لـ«الفانتازيا الأنثوية» التي يناقشها قبل ذلك في المقال (ويركّز لاكان تقريبًا حصريًا على النسخة الأنثوية من الفانتازيا في مناقشته في السيمينار الخامس) - يمثّل الضربُ المحبةَ. وهذه واحدة من أكثر أنواع الإزاحة أو الإخفاء شيوعًا التي يزخر بها اللاوعي، كما يظهر مثلًا في ما يسميه فرويد «عمل الحلم»: قلبُ الشيء إلى نقيضه.
قد تكون المرحلة الثالثة من الفانتازيا الذكورية واعية أحيانًا، ولذلك لا يعتبرها فرويد (1955d، ص 198) «أولية». وعلى المحلل الذي يقدَّم له من قِبل محلَّل عليه فانتازيا الضرب من أمه أن يعمل، من الناحية المفهومية، إلى الخلف من المرحلة الثالثة إلى الثانية، التي تُستحصل بتغيير جنس الوالد الذي يقوم بدور الفاعل (فتتحول الأم إلى الأب، بحيث تصبح المرحلة الثالثة «أنا أُضرب من أمي» هي المرحلة الثانية «أنا أُضرب من أبي»)، وهذه المرحلة تكاد تبقى دومًا لاواعية. وإذا واصلنا الرجوع مفهوميًا إلى الخلف، فسنصل إلى ما يسميه فرويد «الصيغة الأصلية للفانتازيا الذكورية اللاواعية»، أي المرحلة الأولى، التي تُستحصل بقلب الضرب إلى محبة (فتصبح المرحلة الثانية «أنا أُضرب من أبي» هي المرحلة الأولى «أنا محبوب من أبي» أو، بصيغة أشيع، «أبي يحبني»). ويُفترض أن المرحلة الأولى قد أضحت متخفية في المرحلة الثانية لأن الحب المنشود من الأب كان ينطوي على رابط حسي و/أو شهواني وثيق، وكانت هذه الرغبة تُعد، من منظور الأنا الأعلى للطفل أو ضميره، أمرًا مستهجنًا أو غير متوافق مع علاقة الطفل بأمه و/أو بأفراد الأسرة الآخرين، ولذلك جرى كبته.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: أي مرحلة، إن وُجدت، ينبغي أن توصف بأنها الفانتازم الأساسي؟ أهي ما يسميه فرويد «الصيغة الأصلية للفانتازيا الذكورية اللاواعية»، أي المرحلة الأولى: «أنا محبوب من أبي»؟ أم هي ما يسميه المرحلة الأكثر «أهمية حاسمة» من الفانتازيا، أي المرحلة الثانية: «أنا أُضرب من أبي»؟ فالمرحلة الأولى، في نهاية الأمر، هي شيء يستطيع المحلَّل عليه، وإن لم يكن فورًا، أن يتعرف عليه بوصفه رغبة، أي رغبة في أن يُحَب من أبيه، وفقًا لفرويد.
وقبل أن أحاول الإجابة عن هذا السؤال، اسمحوا لي أن أقترح أن المرحلة الأولى من فانتازيا ذكورية أخرى نموذجية عن الضرب هي، كما رأيتها في ممارستي السريرية الخاصة، الرغبة في أن يُحَب المرء من أمه.(6) وقد تتخذ هذه الرغبة، بوضوح، شكل الرغبة في أن تغوي الأمُ ابنَها أو أن يغويها هو، أو الرغبة في أن تستدرجه إلى علاقة حب أو علاقة شهوانية وثيقة، أو أن يستدرجها هو إلى مثل هذه العلاقة. أما المرحلة الثانية (انظر أدناه) فيمكن، في هذه الحالة، فهمها لا بوصفها مجرد قناع لرغبة غير مقبولة أو مستهجنة من هذا النوع، بل أيضًا بوصفها دليلًا على النجاح في إغواء الأم أو في أن يُغوى المرء من أمه - والفكرة هنا أن الأب يضرب ابنه بسبب العلاقة غير المشروعة التي تربطه بأمه. ولعل عدد الأبناء الذين لديهم فانتازيا كهذه عن أنهم أغووا أمهاتهم أو أُغووا منهن أكبر بكثير من عدد الأمهات اللواتي يغرين أبناءهن فعليًا أو يتركن أنفسهن يُغوين منهم (وهذا يتوقف بالطبع على كيفية تعريفنا لـ«الإغواء»)، ولذلك فإن هذه الرغبة تبقى، في العادة، غير مشبعة في الحياة الواقعية.
الفانتازيا الذكورية (بعد تعديل)
المرحلة الأولى: أُغوى من أمي، أو أنجح في إغواء أمي (ويشهد أبي ذلك).
المرحلة الثانية: أُضرب من أبي (بسبب الإغواء).
المرحلة الثالثة: طفل يُضرب (غالبًا على يد شخصية ذكورية).
وتستمر الرغبة في المرحلة الأولى في المرحلة الثانية، لأن إرادة الأب في ضرب ابنه تثبت أن الأم كانت تريد أن تستدرج الطفل أو أن تستجيب لإغوائه، وقد فعلت ذلك بالفعل - فيُلام الابن من قِبل الأب على ذلك - أو لم تفعل بسبب تدخل الأب وحده. وبذلك تصبح العقوبة التي يوقعها الأب على الابن دليلًا له على حب أمه إياه.
إن هذا البناء لفانتازيا الضرب كما عاينته في خبرتي السريرية يشير، على وجه الخصوص، إلى الدرجة التي يمكن أن نجد عندها أحيانًا المشهد الأوديبي بأكمله داخل الفانتازم الأساسي؛ فمثل هذا الفانتازم يتضمن الأم بوصفها «الآخر الخاص بطلب الحب» (أي بوصفها الآخر الذي يتوجه إليه طلب الحب، والذي يتوجه هو نفسه بطلب الحب إلى الطفل) وكذلك الأب بوصفه «الآخر الخاص بالرغبة» - أي بوصفه الآخر الذي يضع قانون تحريم الزنا المحارم، فيُدخل الرغبة إلى الوجود (فلا يبدأ المرء، بالمعنى الدقيق، في رغبة شيء ما إلا حين يُقيد الوصول إليه أو يُمنع صراحة). بل يمكن فهم المرحلة الأولى هنا بوصفها تقابل نوعًا من المشهد البدئي المتخيَّل، حيث يتخيل الطفل أنه يغوي الأم أو يُغوى منها تحت أنف الأب مباشرة (وربما يتخيل نفسه في موضع الأب في مشهد جرى سمعه فعلًا أو تمت مشاهدته)، وبوصفها أيضًا توضيحًا لتعليقات لاكان حول العصاب الوسواسي في نصوص عديدة من Écrits، بما في ذلك «Function and Field» و«Direction of the Treatment» (وكذلك في السيمينار الرابع). فهو هناك يشرح الكيفية التي يعرض بها الوسواسي مشهدًا أو «يرتب ألعاب سيرك» (لاكان، 2006a، ص 630) بينه هو بوصفه أنا، وبين أمه بوصفها الآخر الصغير، أو a´، أمام متفرج، والمتفرج هنا هو الآخر (الأب في هذه الحالة)، وهو متفرج يتماهى معه الوسواسي على المستوى اللاواعي. ويمكننا وضع ذلك على مخطط L كما في الشكل 3.2.
الشكل 3.2 مخطط L للوسواسيين
بحسب لاكان، فإن الوسواسي يعرض كامل مخطط L ما عدا موضع الذات. فالمحور الرمزي هنا مقطوع، ومحروم من امتداده نحو موضع الذات، إذ تنهار موضعية الذات إلى موضع الآخر. وتُرفع رغبة الذات اللاواعية من اللعبة وتنسحب إلى موضع المتفرج. وعلى المحلل، بحسب لاكان (2006a، ص 304)، أن يجعل نفسه معترفًا به «في المتفرج، الذي لا يُرى من على الخشبة» - وفي هذه الحالة، في المتفرج الذي سيَسعى، بعد مشاهدة هذا العرض الخاص من الإغواء، إلى معاقبة الذات.
كما يقول لاكان (1994) في السيمينار الرابع: «النقطة هي أن نبرهن على ما صاغه الموضوع لهذا المتفرج الآخر الذي هو فيه، من غير علمه بنفسه» (ص 27–28). وبعبارة أخرى، ينبغي أن يُقاد الموضوع هنا إلى أن يتعرف إلى أنه، حين يدفع بأبيه أو بمن يقوم مقام الأب إلى معاقبته، فإنه يحاول أن يثبت شيئًا لنفسه.
سأقول شيئًا عما يحاول إثباته لنفسه في القسم التالي، لكن دعوني أشير أولًا إلى أن هذا لا يبدو أنه يحل المشكلة المتعلقة بمكان الفانتازم الأساسي نفسه هنا: أهو في المرحلة الأولى أم في المرحلة الثانية؟
ولتعقيد الأمور أكثر، ينبغي أن نلاحظ أن المرحلة الثالثة من الفانتازيا هي التي تثير غالبًا اشمئزاز المريض، وهي التي تمنحه ذلك القدر من اللذة المزعجة الذي نتوقعه من الفانتازم الأساسي. وتُستحصل هذه المرحلة الثالثة من المرحلة الثانية، في نموذج فرويد، عبر قناع إضافي، أو إزاحة مَجازية من أحد الوالدين إلى الآخر، من الأب إلى الأم؛ أما في الحالات التي عملت معها، فهي تُستحصل بالأحرى عبر إبقاء الفاعل غامضًا (مع أنه يكون، في العادة، شخصية ذكورية) وإزاحة موضوع الضرب، بحيث يكون الموضوع الجديد عادةً طفلًا يتماهى معه الذات على مستوى ما.(7)
ومن ثمّ نجد أنفسنا في وضع تكون فيه المرحلة الأولى هي الأكثر «أصالة» وتمثل، على ما يبدو، أقدم رغبة، أو الرغبة البدئية؛ وتكون المرحلة الثانية قد خضعت لأشد درجات الكبت؛ وتكون المرحلة الثالثة هي الأكثر إزعاجًا للذات حين تظهر في حلم أو فكرة اقتحامية أو مشهد يمر في ذهنها. وهكذا تبدو المراحل الثلاث جميعها وكأن لها حقًا في حمل اسم الفانتازم الأساسي، وربما ينبغي النظر إليها أكثر بوصفها وحدةً واحدة لا بوصفها ثلاث فانتازيات منفصلة.
محاولة إثبات شيء لنفسه
ومع ذلك، فإن ما بدا أنه يكمن تحت بناء هذه الوحدة كلها في المحلَّل عليهم الذين عملت معهم كان الشكوى الأساسية من أن الذوات شعرت بأنها غير محبوبة أو محبوبة بقدر غير كافٍ من أمهاتها؛ فقد كانت غير واثقة من حب أمها لها. ويمكننا أن نفترض أن الذوات الذكورية في حالات فرويد شعرت بأنها غير محبوبة أو محبوبة بقدر غير كافٍ من آبائها. وبعبارة أخرى، يمكننا أن نقول إن ما هو أعمق من المرحلة الأولى أو الثانية أو الثالثة هو شعور المرء بأنه كان ضحية إهمال على يد أحد الوالدين.
وهذا، في الحقيقة، وجه مهم من الفانتازم الأساسي منذ البداية: فهو يسند رغبة الذات أو يدعمها في نوع من الإنكار أو الإزاحة لهذا الشعور بالضحْوية. يتيح الفانتازم للمرء أن يشعر بأنه لم يكن، في الواقع، ضحية إهمال أمه؛ بل كان محبوبًا منها إلى درجة أنه صار ضحية على يد أبيه (وبالامتداد على يد شخصيات سلطوية أخرى مثل أبيه). وما كان يحاول إثباته لنفسه، بجعل شخصيات الأب تعاقبه، هو أن أمه كانت تحبه حقًا وبصدق.
وإذا استطعنا، بمعنى ما، أن نقول إن الاعتقاد بالإهمال أو الشعور بالضحوية هو ما يكمن تحت بناء الفانتازيا أو ينهض به، بوصفه نوعًا من المرحلة الصفرية للفانتازيا، فإننا نستطيع أن نرى أن الضحوية تُزاح من المرحلة الصفرية إلى المرحلة الثانية، حيث يدخل الضرب إلى الصورة.
الفانتازيا الذكورية (تعديل ثانٍ)
المرحلة الصفرية: أمي لا تحبني بما يكفي: أنا ضحية إهمالها.
المرحلة الأولى: أُغوى من أمي (ويشهد أبي ذلك).
المرحلة الثانية: أُضرب - أي أُجعل ضحية - من أبي (بسبب الإغواء).
المرحلة الثالثة: طفل يُضرب (غالبًا على يد شخصية ذكورية).
وهذا ينسجم مع ادعاء لاكان في «العلم والحقيقة» بأن الذات، إذا كانت لها فانتازم أساسي، فإن ذلك يكون «بالمعنى الأكثر صرامة على أنه إقامة لواقع يغطّي الحقيقة (ويغطيها فوقها)» (لاكان، 2006a، ص 873). ومن ثمّ يمكن النظر إلى شعور الطفل بأنه غير محبوب، وأنه ضحية إهمال، بوصفه الحقيقة التي يغطيها بناء الفانتازيا. فالفانتازيا تغطي دائمًا حقيقة أساسية، وليس معنى ذلك أنها حقيقة موجودة «هناك» في «الواقع» - أي إن أصدقاء الطفل أو أقرباءه لن يوافقوا بالضرورة على أنه أُهمل أو لم يُحب بما يكفي من أمه (بل إن إخوته قد يرون أنه كان مدللًا على نحو مفرط لأنه كان المفضل لدى أمه)، كما لن يوافق على ذلك مراقبون خارجيون يفترضون أنهم موضوعيون. لكن ذلك لن يمنعه من أن يشعر بذلك! فالحقيقة التي تغطيها الفانتازم الأساسي هي حقيقة مؤسسة، مشكَّلة بتأويل الطفل الخاص لرغبة الآخر، أي بتأويله الذاتي لرغبات والديه. وعلى هذا النحو، فهي تشكّل الواقع النفسي للطفل.
الفانتازم الأساسي بوصفه بديهية
كيف ينسجم هذا مع أطروحة لاكان في السيمينار الرابع عشر، La logique du fantasme [«منطق الفانتازم»] (1966–67)، القائلة إن الفانتازم الأساسي بديهية؟ لاحظ أن البديهية، في الهندسة أو في نظرية المجموعات مثلًا، ليست شيئًا ينبغي إثباته أو البرهنة عليه في ذاتها؛ ومع ذلك، وبالاقتران مع بديهيات وتعريفات أخرى، فإنها تولّد جميع العبارات المسموح بها داخل حقل معين. وفي الحقل الفرويدي، تبدو البديهية شيئًا يوجّه جميع أفعال الذات والطريقة التي ترى بها العالم بأسره.
إن الطبيعة البديهية للفانتازم الأساسي هي واحدة من الاستنتاجات القليلة التي يخلص إليها لاكان بشأن الفانتازم الأساسي في السيمينار الرابع عشر، وهو أحد تلك السيمينارات المراوغة التي يتحدث فيها لاكان عن أفكار شتى، ولا يصل إلى الموضوع المذكور في عنوان السيمينار إلا في الصفحات الأخيرة. ووفقًا للاكان هناك، فإن فانتازيا مثل «يُضرب طفل» تعمل، وإن كانت لها معانٍ قابلة للتحليل، بوصفها بديهية في طريقة المحلَّل عليه في رؤية العالم المحيط به. إنه يرى العالم من خلال عدسة هذا الفانتازم الأساسي.
ومغزى ذلك في الحالات التي عملت معها هو أن الذات تعود مرارًا إلى رؤية نفسها بوصفها ضحية لشخصيات ذكورية أكبر سنًا حولها، وكأنها «في مشكلة» أصلًا إزاء هذه الشخصيات، وكأنها قد ارتكبت أصلًا شيئًا خاطئًا وهي على وشك أن تُعاقَب عليه، حتى لو لم تستطع أن تقول ما هو الخطأ الذي ارتكبته.(8) وهذا يلوّن عالمها كله.
غير أنه لا ينبغي أن ننخدع فنظن أنه لمجرد أن فانتازمًا أساسيًا معينًا يعمل، قبل التحليل، بوصفه بديهية بالنسبة إلى الذات، فإنه يجب أن يواصل عمله بوصفه بديهية مع تقدّم التحليل. فالتحليل النفسي يُحدث أثرًا لا في فانتازيات المريض اليومية فحسب، بل في بديهياته أيضًا. ويبدو لي أنه يجب أن نكون حذرين وألا نستنتج بشأن أي فانتازيا معينة أنها فانتازيا إلى الأبد؛ بل إنني أميل إلى القول إن المحلَّل عليه، حين يكون قد أخرج معظم عناصر فانتازم أساسي، يكون ذلك الفانتازم قد بدأ بالفعل في التغيّر وفي إفساح المجال لشيء آخر. وهذه سمة معتادة في العمل التحليلي، حيث يكون المحلَّل عليه أكثر قدرة بكثير على أن يصوغ شيئًا لم يعد يملك عليه القيد نفسه، من قدرته على أن يصوغ شيئًا لا يزال في قبضته تمامًا.
ولكي أقيم تشبيهًا بين البنية النفسية وحقول أخرى، يمكننا أن نتذكر أن هناك هندسات متعددة ممكنة: فهناك الهندسة الإقليدية، وهناك الهندسات غير الإقليدية، وبديهياتها مختلفة. والأمر نفسه صحيح في نظرية المجموعات: فلا توجد نظرية مجموعات واحدة، بل نظريات متعددة؛ وقد دار جدل هائل منذ نشأة هذه النظرية بشأن أي البديهيات ينبغي قبولها فيها وأيها ينبغي رفضه. ويمكننا أن نقول، على نحو مبسط جدًا، إن عبور الفانتازيا أو إعادة تشكيلها يشبه تغيير البديهيات: فهو يقتضي أن يترك الموضوع وراءه هندسته الإقليدية لمصلحة شكل من أشكال الهندسة غير الإقليدية (أو بالعكس). ومن ثمّ فإن عبور الفانتازيا يستلزم انتقالًا في النظم، أي انتقالًا في المقدمات التي تسند طريقة المرء في رؤية العالم والتصرف فيه أو الامتناع عن التصرف. وفي الحالات التي كنت أناقشها، يستلزم ذلك تغييرًا في التأويل الذي صنعه الطفل لرغبة الآخر.
الفانتازم هو رغبة الآخر
عندما نفترض [الفانتازم بوصفه رغبة الآخر]، نجد أن طرفي الفانتازم ينفصلان، إن جاز التعبير: الأول في حالة الوسواسي، بقدر ما ينفي رغبة الآخر، ويصوغ فانتازمَه على نحو يبرز استحالة محو الذات؛ والثاني في حالة الهستيري، بقدر ما لا تُسند الرغبة في الفانتازم إلا بواسطة نقص الإشباع الذي يجلبه الهستيري إلى الرغبة حين يفلت بوصفه موضوعها.
تؤكد هذه السمات حاجة الوسواسي العميقة إلى أن يكون ضامنًا للآخر، وخيانةَ الهستيري في المؤامرة.
—لاكان، 2006a، ص 824
لأعود قليلًا إلى الوراء، إلى إحدى عبارات لاكان الأقدم بشأن الفانتازم الأساسي، أود أن أذكّر بأنه في عام 1960، في «Subversion of the Subject»، يقرر لاكان (2006a، ص 824) أن الفانتازم هو رغبة الآخر. كيف يمكننا فهم هذا الادعاء في هذا السياق؟ من الواضح أنه بقدر ما تُعبَّر رغبة الآخر (بين السطور) في الكلام، فلا مرجع دقيق لها ولا دلالة ثابتة، ولذلك لا بد من تأويلها.
قد ينتابنا أحيانًا انطباعٌ بأن النظرية التحليلية النفسية تقول إن الطفل حين يُهمَل أو لا يلتفت إليه أمه بما يكفي فإنه يستنتج فورًا أن السبب هو اهتمام الأم بالأب، وفي النهاية اهتمامها بالعضو الذكري المرتبط بالأب، أي بالشيء الذي يشعر الطفل أنه لا يستطيع هو نفسه أن يقدمه لها.
وأرى هنا أن هذا ليس بالضرورة أول تأويل يصنعه الطفل، وليس بالتأكيد التأويل الممكن الوحيد. فهناك استنتاج آخر ممكن يوقف السعي إلى فهم ما الذي يملكه الأب ولا يملكه الطفل، والذي يجذب الأم إلى هذا الحد، وبالتالي يوقف تمامًا ترسيخ العضو الذكري بوصفه الدال على رغبة الأم. وبعبارة أخرى، لا يلزمني أن أستنتج أن أمي تفضل أبي عليّ لأنه يملك شيئًا لا أملكه؛ يمكنني أن أؤوّل رغبتها على أنها موجّهة حقًا إليّ، لكنها أُحبطت في مقصدها الحقيقي بسبب تدخل أبي.
فالمرحلة الأولى (في الفانتازيا الذكورية، التعديل الثاني) تقدّم إذن تأويلًا رغبيًا لرغبة أمي يكون مُرضيًا لي، كما تقدم المرحلة الثانية تأويلًا لرغبة أبي يكون مُرضيًا لي، وبصورة مضاعفة، لأنها تؤكد المرحلة الأولى - أي تؤكد أن رغبة أمي موجهة إليّ - وتقترح أن أبي يعترف بي بوصفى منافسًا جادًا على عطف أمي.
وعلى هذا النحو يمكن النظر إلى بناء الفانتازيا بوصفه تأويلًا لرغبة الآخر، جرى تفصيله بحيث يضفي عليها أفضل صورة ممكنة. وليس من المستغرب، ربما، أن بعض المرضى الذين لديهم فانتازيات ضرب كهذه يأتون إلى التحليل وهم يعتقدون أن التحليل سيساعدهم على تذكّر حادثة طفولة صادمة تفسر فانتازيات ضرب الأطفال هذه، أو مشهد بدئي تمت مشاهدته، أو إغواء حقيقي شاركوا فيه مباشرة. لكننا نرى هنا كيف يمكن أن تنشأ فانتازيات الضرب لا بوصفها النتيجة المباشرة لحدث أو أحداث صادمة، بل بوصفها نوعًا معينًا من تأويل رغبة الآخر.
وقد يُفهم هذا على أنه يؤكد ادعاء لاكان في «Subversion of the Subject» بأن الوسواسي يحتاج «إلى أن يكون ضامنًا للآخر» (لاكان، 2006a، ص 824)، لأنه هو نفسه يمنح رغبة الآخر هنا تماسكًا، رابطًا رغبات الوالدين المتقلبة والمتناقضة أحيانًا في حزمة أنيقة محكمة. كما يؤكد هذا البناء ادعاء لاكان بأن الفانتازم الأساسي، بوصفه خوارزمية، يشكّل «دلالة مطلقة» (ص 816)، لأنه يؤسس الطريقة الكاملة التي يرى بها الذات العالم حولها: فهو يرى النساء اللاتي يهتم بهن على أنهن غير متاحات له بسبب تدخل رجل آخر، ويرى الرجال الأكبر سنًا وكأنهم يريدون معاقبته على جريمته البدئية، وهي إغواء أمه أو أن يُغوى منها. وهذه الدلالة تظهر مرارًا في جميع الظروف والمواقف تقريبًا.
ولا يثير ذلك الدهشة: فمثل هذه الذوات تتجنب عادةً وضع رغبة الأم تحت الاختبار. فأية امرأة تأتي لتأخذ أهمية الأم بوصفها موضوعًا لرغبة الذات يجب أن تُحافَظ معها على مسافة معينة؛ إذ إن رغبة الوسواسي هي، كما يقول لاكان (2006a، ص 632) في «Direction of the Treatment»، رغبة في الاستحالة - أي في وضع تبقى فيه المرأة غير قابلة للوصول. فإذا أصبحت قابلة للوصول، لكان عليه أن يتعامل مع ما هو عصي على الفهم في رغبتها، وهو ما يتجاوز بكثير ما صنعه هو من رغبتها من خلال تأويله الرغبي. وبعبارة أخرى، فإن أحد الآثار العرضية لهذا الفانتازم الأساسي قد يكون عجزًا عن إدراك متى تكون المرأة مهتمة به، وعجزًا عن التصرف على ذلك الأساس؛ أو، إذا استطاع، فهو يمتنع عن اختبار حبها ويدفعه هاجس إلى تركها قبل أن تستطيع هي أن تتركه.
أفهذا نابع من الخوف من مواجهة الحقيقة من جديد - أي الشعور التأسيسي بالإهمال أو بعدم المحبة الكافية من امرأة - وهي الحقيقة التي غطاها الفانتازم؟
الفانتازم الأساسي بوصفه (
◊a)
كيف تنسجم هذه الأقوال المتعددة عن الفانتازيا مع صيغة لاكان للفانتازيا، (
◊a)، ومع الصور المختلفة للموضوع a التي يعدّدها: النظرة، والصوت، والثدي، والعضو الذكري التخيلي، والبراز، وتدفق البول، والفونيم، واللاشيء (لاكان، 2006a، ص 817)؟ بهذه المتاتيم، يقترح لاكان أن الفانتازم الأساسي يقدّم الذات في علاقة ما بالموضوع الذي يسبب رغبتها. وغالبًا ما يكون استخراج مثل هذه الفانتازيات من روايات الكتّاب عن تحليلاتهم الخاصة أمرًا سهلًا نسبيًا، وسأناقش بإيجاز مثالين من نصوص أدرّسها أحيانًا.
في Wool-Gathering لدان غَنّ (2002)، وهو رواية حديثة عن الشهر الأخير من تحليل، نرى المؤلف مأخوذًا على نحو خاص بالطريقة التي «تلتف» بها امرأة، كما يقول هو. ويبدو من السياقات المختلفة التي يذكر فيها هذا الالتفاف أن ما يلتقطه حقًا هو الطريقة التي تحوّل بها المرأة نظرتها بعيدًا عنه لتنظر إلى شيء أو إلى شخص آخر. وهذا يوحي بأن نظرة المرأة هي التي تعمل عنده بوصفها الموضوع a، ولا سيما حين تنتقل هذه النظرة من النظر إليه إلى النظر إلى شخص آخر، حين تنتقل من جعله يتلاشى بوصفه ذاتًا إلى الإشارة إلى رغبة الآخر بوصفها رغبة في شيء أو شخص آخر. فإذا وُجّهت نظرتها إليه، صارت مظهرًا من مظاهر رغبة الآخر ومصدر تهديد له - «ماذا تريد؟ ماذا تريد مني؟» يتساءل بقلق. وبصفته وسواسيًا، فهو ميّال إلى أن يتخيل الأسوأ، ويتلاشى في حضرة تلك النظرة. أما حين تتجه نظرتها إلى مكان آخر، فإنه يشعر بالارتياح لأنه يستطيع أن يستنتج: إنها تريد ذلك الشيء الآخر أو ذلك الشخص الآخر.
يمكن فهم هذه الفانتازيا بسهولة بوصفها متضمنة جانبًا كبيرًا من المشكلة الأوديبية: فوالد المحلَّل عليه مات في سن مبكرة، تاركًا إياه وحيدًا إلى حد بعيد مع أمه. وهو يوضح أنه شعر، بطرق كثيرة، بأنه مخنوق من قِبل أمه، وكان دائم البحث عن تجليات رغبتها في شيء غيره، أو في رجل آخر مثلًا. ولم يكن هذا وحده ما يسمح له بتجنب الشعور بأنه ليس سوى موضوع تمتّعها أو jouissance الخاصة بها. ومن ثمّ فهذه الفانتازيا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بإمكان أن يوجد بوصفه ذاتًا منفصلة عن تمتع الآخر.
وعلى الرغم من أن صيغة لاكان للفانتازم الأساسي تبدو، في كثير من الأحيان، أكثر ملاءمة لتوصيف الوسواسيين منها للهستيريين، فإن المثال التالي، من كتاب ماري كاردينال Les mots pour le dire (1975)، المنشور بالإنجليزية بعنوان The Words To Say It (1983)، يبدو أنه يوضح فائدتها في الهستيريا أيضًا. ففي هذا السرد الذاتي المتخيَّل قليلًا عن تحليل نفسي طويل الأمد، نرى المؤلفة مأخوذة في عدد كبير من الأحلام برجل قريب منها جدًا، لكنه لا ينظر إليها. وفي بعض الحالات كانت ترقص معه التانغو، وهو كان ينظر بعيدًا عنها، كما يفعل المرء كثيرًا في التانغو، وهي رقصة تبدو وكأنها صُممت تمامًا لإظهار أن الرغبة، في جوهرها، هي ولا بد في شيء آخر. وفي حالات أخرى كان فارس يطوف حولها على ظهر حصان، وكانت هي تعرف أنه مهتم بها جدًا ومع ذلك كان ينظر بعيدًا.
تقول لنا ماري إنها لم تستطع أن تتحمل أن تكون وحدها مع أبيها وهو يغمرها بكل اهتمامه: كان ذلك أكثر مما تحتمل. ولعل هذا كان مبالغًا فيه بالنسبة إليها بسبب تعليقات أمها على كونه فتىً فاسقًا ومستهترًا. وبدلًا من أن ترى رغبته فيها بوصفها رغبة جنسية صريحة قد يرغب في إشباعها معها، كانت لا شك أكثر ارتياحًا في المواقف التي كانت تراه فيها مع نساء أخريات، مواقف كانت تستطيع فيها أن تتخيل أن رغبته فيها موجّهة إلى شيء آخر غير ما كان يريده من «العاهرات» أو «النساء الساقطات»، كما كانت أمها تسميهن، اللاتي كان يقضي وقته معهن. فكونه ينظر إلى مكان آخر، حتى وهو حاضر أمامها، يبدو كأنه صار يعمل بوصفه سببًا لرغبتها هي.
لقد كان أبو ماري، الذي كان شوكة في جنب أمها، وشخصية مهمة في خطاب أمها على الرغم من حضوره الجسدي النادر في حياتها، حاجزًا خفيفًا بين أمها وبينها، لكن رغبته كان لا بد أن تشير إلى طريق رغبة ماري نفسها بدلًا من أن تبدو وكأنها تجد إشباعها فيها. ويبدو واضحًا إلى حد كبير أنها اتجهت إلى الدراسة الأكاديمية بإيعاز منه، وتفوقت في دراسة الرياضيات بفعل تماهٍ مع خلفية أبيها في الهندسة (وهذه المادة، التي أُدرجت في الطبعة الفرنسية لعام 1975، حُذفت على نحو غريب من الترجمة الإنجليزية). وبهذا المعنى، تماهت على مستوى الرغبة مع الرجل الذي كان شوكة دائمة في جنب أمها، والذي بدا أنه يسهم في تعاسة أمها.
لا أريد أن أقول إن هذه الفانتازيات بعينها هي بالضرورة الفانتازمات الأساسية حقًا في مثل هذه الحالات؛ بل إن هذه تبدو لي فانتازمات أساسية ممكنة، وبالتأكيد فانتازمات أساسية نجدها في حالات أخرى. كما لا أريد أن أقول إننا نستطيع دائمًا وعلى نحو موثوق أن نميز الفانتازمات الأساسية في السرديات المتخيَّلة عن التحليل، وإن كان يبدو لي أن مؤلفي مثل هذه السرديات يسيئون في كثير من الأحيان التعرف على فانتازماتهم الأساسية، ولا يفكرون حتى في محاولة إخفاء هذه الجوانب الخاصة من حياتهم النفسية.
ولست أريد، فضلًا عن ذلك، أن أقول إن هناك دومًا فانتازمًا أساسيًا يمكن استخلاصه لدى كل فرد. إن مفهوم الفانتازم الأساسي نفسه يقابل لحظةً أو حقبة بعينها في عمل لاكان - لحظة استمرت مدة أطول من بعض اللحظات الأخرى، لكنها ليست بالضرورة الكلمة الأخيرة للاكان في بنية الذات.
أُعطيت هذه الورقة في مؤتمر APW الذي عقد في جامعة دوكين بتاريخ 16–18 مايو/أيار 2003، تحت عنوان «Fundamental Fantasies: Écrits and After». وقد ظهرت نسخة أسبق من الورقة باللغة التركية في العدد الخاص الكبير عن لاكان (Lacan Özel Sayisi) المنشور في MonoKL, 6–7 (2009)، 388–98.
الهوامش
1 قد يظن المرء أن بعض صيغ لاكان لفوبيا الصغير هانس في السيمينار الرابع، La relation d’objet [«العلاقة بالموضوع»] *(1956–1957)*، تمهّد لمتاتيم
◊a، مثل I(σp°)، حيث يرمز I إلى الدال الذي تنتظم حوله فوبيا هانس من الحصان، وتشير σ إلى ما جرى ترميزه، بينما يرمز p° إلى ما جرى ترميزه - وفي هذه الحالة غياب الأب (لاكان، 1994، ص 346). غير أن عددًا من المتاتيم التي يقدّمها لاكان في السيمينار الرابع تقوم على صيغته الخاصة بالاستعارة في «The Instance of the Letter in the Unconscious» (لاكان، 2006a، ص 515)، وهي في الواقع تنويعات على الاستعارة الأبوية (ص 557). ويمكن القول إن المتاتيم في السيمينار الرابع مصممة لكتابة العرض الرهابي نفسه أو توصيفه، لا الفانتازم بوصفه كذلك. فالعرض المرضي والفانتازم مفهومان منفصلان منذ البداية، ويظلان منفصلين طوال عمل لاكان.
2 يوازي نقد لاكان لمفهوم كلاين للفانتازيا نقده في السيمينار الرابع (لاكان، 1994) لمفهوم التحويل في معظم النظرية الكلاينية ونظرية علاقات الموضوع: «هناك، في الواقع، عنصر تخيلي وعنصر رمزي في التحويل، ومن ثمّ لا بد من الاختيار» (ص 135) في كيفية تناوله. والمقصود هنا، في هذا السياق، أن بإمكاننا أن نختار التركيز حصريًا على البعد التخيلي للتحويل - التنافس والعدوان مقابل التماهي، مثلًا - لكن لاكان يرى أن التركيز على البعد الرمزي للتحويل أكثر إنتاجية في العلاج التحليلي. ولاحظ أنه في السيمينار الأول يقرر أن التحويل «ينطوي على عدة سجلات: الرمزي، والتخيلي، والواقعي» (لاكان، 1988a، ص 112–13).
3 قارن النقاش حول التصورات ذات الجسم الواحد أو الجسمين مقابل التصورات الثلاثية العناصر لوضعية التحويل (وللإطار التحليلي عمومًا) في الفصل 2 من هذا المجلد.
4 انظر مناقشاتي المطوّلة حول الاغتراب والانفصال في Fink (1990، 1995a، و1997). ولاحظ أن آلان شيريدان يترجم، طوال ترجمته للسيمينار الحادي عشر للاكان (1978a)، مصطلح لاكان النظري بالمجموعات réunion (الاتحاد) ترجمةً خاطئة إلى «joining».
5 للاستثناء، انظر لاكان (2005، ص 23–25).
6 ولعل من أمثلة ذلك الممكنة، انظر حالة «The Freud Man» في الفصل 13 من هذا الكتاب.
7 في الفانتازيا الذكورية المعدَّلة، تُستحصل المرحلة الثانية من الأولى بتغيير جنس الفاعل وقلب الحب إلى ضرب. وربما يمكن إدخال خطوات وسيطة أكثر إذا أردنا أن يكون هناك انقلاب واحد فقط في كل مرة؛ فمثلًا، قد تكون المرحلة 1.1 إما «أُغوى من أبي» أو «أُضرب من أمي».
8 وإذا كان الشعور بكونه في ورطة لا يجد دعائم كافية في حياته اليومية، فعادة ما يكون الموضوع ماهرًا جدًا في إيجاد سبل - ولو عبر أفعال الامتناع - للدخول في ورطة. ففي حالات معينة، «ينسى» المحلَّل عليه أن يدفع الفواتير (الهاتف، الرهن العقاري، تأمين السيارة، رسوم الشقة المشتركة، إلخ)، أو أن يفحص سيارته، أو أن يعدّ الإقرارات الضريبية ويقدّمها، وما إلى ذلك، مما يجعل «الرجل» يجيء باحثًا عنه.
4
أخلاقيات التحليل النفسي
من أكثر المصطلحات شيوعًا في علم النفس اليوم الصفة «غير المناسب». ففي كل عيادة، وفي كل اجتماع للحالات، نسمع أن «المراجع أظهر انفعالًا غير مناسب»، أو أن «المراجع كان غير مناسب»، وهكذا. وإذا لم أكن مخطئًا، فهذه الاستعمالات حديثة نسبيًا وتستحق التأمل. فما هو الانفعال المناسب؟ وما الذي يجعل حالة انفعال المرء مناسبة أو غير مناسبة؟ ولأي شيء أو لأي غرض يكون انفعال ذلك الشخص مناسبًا؟
ليس المقصود من «مناسب» هنا، على ما يبدو، معنى أفلاطونيًا بوصفه صفةً كونية ثابتة وغير قابلة للتبدل لعاطفة ما: فأغلب علماء النفس الذين يستعملون هذا المصطلح لا يزعمون، على ما أظن، أنهم يقولون إن إظهار انفعال معين غير مناسب في كل ظرف، وفي كل مكان على الأرض، وفي كل ثقافة، وفي كل حقبة تاريخية. ومع ذلك فهم يزعمون أنه، في زمانهم ومكانهم التاريخي المحدد على الأرض، تكون بعض الانفعالات دائمًا غير مناسبة في ظروف معينة - مثل العيادات أو المستشفيات أو البيئة العلاجية. فإذا صار المريض عدوانيًا لفظيًا خلال جلسة علاج، سارع كثير من المعالجين إلى اتهامه أو اتهامها بسلوك غير مناسب. لكن أليس هذا في الغالب مجرد استجابة نقلية عادية، تعكس الطريقة التي اعتاد بها المريض التعامل مع أحد الوالدين أو كليهما، أو ردًّا سلبيًا من المريض على نهج علاجي معين اعتمده المعالج؟ كيف يمكن اعتبار أي شيء يحدث في الإطار العلاجي غير مناسب؟ وإذا ألقى المريض مزهرية من نافذة المعالج، أليس في ذلك معنى؟ أليس، في الواقع، كاشفًا عمّا لم يسمح له المعالج أن يعبّر عنه، أو لم يأتِ به إلى التعبير عنه بطريقة أخرى؟
يمكن فهم سلوك المريض هنا بوصفه «فعلًا تمثيليًا» -لا بالمعنى المنحط تمامًا الذي أخذته العبارة في الممارسة المعاصرة، حيث لا تعني أكثر من «التصرف بشكل سيئ»، بل بالمعنى التحليلي النفسي الذي لا يُنظر فيه إليه على أنه «خطأ المريض». لأن الفعل التمثيلي يتعلق بأشياء يجد المريض أنه من المستحيل أو غير المريح أن يقولها، أو بما لا يتيح له المعالج أن يقوله أو أن يواجهه عبر الكلام. ويمكن أيضًا فهم سلوك المريض هنا بوصفه مقاومة، وهي، كما يقول لاكان (2006a، ص 595)، مقاومة المحلل نفسه لفعل شيء أو قوله من أجل إبقاء المحلَّل عليه متكلمًا، ومتحدثًا عما يهم فعلًا («لا توجد مقاومة أخرى للتحليل غير مقاومة المحلل نفسه»). وأميل إلى القول إنه لا توجد انفعالات غير مناسبة في العلاج؛ وإنما توجد فقط طرق غير مناسبة لممارسة العلاج. وهذا لا ينفي وجود أشخاص، مهما كانت التقنية المستخدمة، لا يكونون مستعدين أو راغبين في الدخول في عمل علاجي حقيقي. لكن بالنسبة إلى من هم مستعدون وراغبون، لا شيء اسمه انفعال غير مناسب - فالانفعالات هي ببساطة انفعالات.
في نظري، تشير ألفاظ مثل «مناسب» و«غير مناسب» إلى أن قدرًا كبيرًا من علم النفس المعاصر قد جعل نفسه في خدمة الأخلاق المألوفة والأعراف السائدة، وكرّس نفسه لصوغ سلوك المرضى بحيث يكون مناسبًا لظروف العمل الحديثة والقيم الغالبة. ويُفترض أن المريض الذي يُظهر «انفعالًا مناسبًا» في العلاج سيمضي غالبًا إلى إظهار «سلوك مناسب» في البيت، وفي مكان العمل، وفي المجتمع على نطاق أوسع. ويكشف علم النفس، في استعماله المتزايد لمثل هذه الألفاظ، أنه منخرط تمامًا في مهمة جعل الأفراد يمتثلون للأعراف الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية السائدة. وكما يقول لاكان (2006a، ص 859) بأسلوبه الصارم المعتاد، فقد «اكتشف علم النفس [...] طريقة للبقاء على قيد الحياة من خلال تقديم خدمات للتكنوقراطية». وكما يقول في سيميناره من 1959–60، The Ethics of Psychoanalysis (لاكان، 1992)، فإن علم النفس، شأنه شأن عدد من «العلوم الإنسانية» الناشئة الأخرى - مثل علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، إلخ - قد التحق بخدمة السلع، وصار «فرعًا من خدمة السلع» (ص 324)، يعمل في خدمة مجتمع تصبح فيه السلعة هي السيد.
وبفعل ذلك، فإن قدرًا كبيرًا من الممارسة العلاجية النفسية - لا كلها بالطبع، فثمة استثناءات ملحوظة - قد تبنّى ببساطة القيم الأخلاقية والثقافية لـ«المجتمع ككل»، إن كان لهذا المجتمع وجود أصلًا. وكان لاكان ينتقد حقيقة أن المحللين الذين جاؤوا إلى أمريكا قبل الحرب العالمية الثانية أو أثناءها كانوا كثيرًا ما يعدّلون الممارسة التحليلية بحيث تتوافق مع القيم السائدة آنذاك في الثقافة الأمريكية. بل إن لاكان ينتقد حتى آنا فرويد، التي لم تهاجر إلى أمريكا، لأنها أشارت إلى معايير من قبيل «تحقيق دخل أعلى» لتدل على أن التحليل الذي أجرته كان ناجحًا (لاكان، 2006a، ص 604). وهكذا بدأ المحللون أنفسهم يعدون المرضى بالنجاح الاجتماعي والاقتصادي، ويكيفون ممارستهم على نحو يسعى إلى تعزيز هذه الأهداف في التحليل.
وبعبارة أخرى، فإن ليس علم النفس وحده، بل حتى قدرًا كبيرًا من التحليل النفسي، يبدو أنه تبنى هدف مساعدة المريض على أن يعمل بصورة أفضل في مجتمع السلع، أي في شكلنا الراهن من الرأسمالية الاستهلاكية (ويسميه بعضهم «ما بعد الرأسمالية»). فيجب مساعدة المريض على تجاوز العقبات التي تقف في طريق تحسين تركيزه في ميدان العمل، وعلى التحسن في التعامل مع رؤسائه ومرؤوسيه وزملائه، وبالتالي على الحصول على قطعة أكبر من الكعكة لنفسه (ولمن هم قريبون منه أيضًا، بالطبع).
وقد أُجري مؤخرًا استبيان في جامعة كورنيل بشأن الارتباط بين الراتب والعُصاب لدى المديرين التنفيذيين في الشركات (ونُقل عنه في BusinessWeek بتاريخ 27 يوليو/تموز 1998). وقد تبيّن أن المديرين الذين اعتُبروا، من قِبل زملائهم، أكثر عُصابية قليلًا من المتوسط كانوا يتقاضون في المتوسط 15,756 دولارًا أقل سنويًا - مؤكّدين بذلك ادعاء فرويد (1958b) بأن «لا شيء في الحياة باهظ الثمن مثل المرض» (إلا، ربما، التورط مع متدربة في البيت الأبيض ثم الكذب بشأن ذلك أمام هيئة محلفين كبرى - لا أقول إن ذلك حدث، لكنني أقول إنه كان سيكلف كثيرًا؛ وعلى أي حال، قد تندرج مثل هذه الأفعال تحت عنوان العصاب). ومع ذلك، لا أعتقد أنه يمكن للمرء أن يحتج بشكل معقول بأن الاهتمام الرئيسي لفرويد في العلاج كان براغماتيًا بحتًا، أي مكرسًا لمساعدة المريض على جني قطعة أكبر من الكعكة. فبينت تقنيته، على نحو كبير، أنها مكرسة لكشف الرغبة - أي لرفع الحجاب عن تلك الأمنيات التي كان المريض يخفيها عن الأنظار وعن الوعي.
النقطة الأولى، إذن، التي أود طرحها بشأن أخلاقيات التحليل النفسي هي أنها تتعلق برغبة المحلَّل عليه. وهذه الرغبة تؤثر، بوضوح، في كل جانب من جوانب حياة المحلَّل عليه، لكن المهمة الأولى للتحليل هي الانتباه إلى الرغبة ذاتها.
والآن، رغبة الإنسان عصية إلى حد كبير، ومتمردة، وغير قابلة للضبط. أولًا، نقضي وقتًا وجهدًا كبيرين في التظاهر بأن ما نريده ليس حقًا ما نريده، وفي إبقاء رغبتنا بعيدة عن الأنظار - بعيدًا عن الآخرين وعن أنفسنا. وإذا أشار الآخرون إليها لنا، أنكرنا وجودها بشدة.
ثانيًا، يعلّمنا لاكان أن رغبتنا ثمينة جدًا بالنسبة إلينا إلى درجة أننا، حين نواجه احتمال إشباعها، نولي الأدبار غالبًا، مفضلين البقاء في حالة عدم إشباع حتى تبقى رغبتنا حيّة - وبعبارة أخرى، ثمة قدر من الإشباع يكمن ببساطة في الاستمرار في الرغبة. فإشباع الرغبة يميل إلى جعل الرغبة تختفي، ونحن غالبًا نفضّل توتر الرغبة ذاته على إشباعها. ويشير فرويد إلى هذا في The Interpretation of Dreams (فرويد، 1958a، ص 148–49) بوصفه الرغبة في «رغبة غير مُنجزة».
ثالثًا، تبدو لنا الرغبات التي نكشفها في أنفسنا خلال العلاج التحليلي أحيانًا غريبة عنا، وليست رغباتنا حقًا. وكما يقول لاكان، فإن رغباتنا هي في الحقيقة في الأصل رغبة الآخر: فحين نكون رُضّعًا نرغب فيما يملكه إخوتنا وأخواتنا الصغار، حتى لو لم نكن نعرف ما الذي سنفعله به؛ ومع نموّنا، تصير رغبتنا متماثلة مع رغبة والدينا ورغبة الآخرين من حولنا. ولهذا نجد أنفسنا غالبًا مأهولين برغبات الجيل السابق، نريد ما يبدو أن والدينا أراداه، إذ تنتقل بعض تشكيلات الرغبة بهذه الطريقة من جيل إلى جيل. وحين نكشف تلك الرغبات في الأحلام والفانتازيات، قد نشعر فعلًا بأنها غريبة، أجنبيّة، أخرى - ليست لنا. فالرغبة اللاواعية رغبة غريبة؛ إنها رغبة لا نتعرف إليها بسهولة بوصفها رغبتنا نحن. وكما يقول لاكان كثيرًا، «اللاوعي هو خطاب الآخر» (انظر مثلًا لاكان، 2006a، ص 16 و379): إنه يتألف من كلام أشخاص آخرين عن الأشياء التي أرادوها. «كيف تسلّل خطابهم ورغبتهم إلى داخلنا؟» نتساءل، «وكيف نخلص منهما؟»
وبالنظر إلى أن الرغبة، بطبيعتها نفسها، هي رغبة الآخر - وبالنظر إلى أن «الرغبة تأتي من الآخر» (لاكان، 2006a، ص 853) - فكيف لي أن أعرف ما الذي أريده أنا حقًا؟ بل من هو هذا الـ«أنا» الذي أسعى إلى تحديد رغبته؟ إن جزءًا كبيرًا من عمل التحليل يتضمن غربلة ما أريده أنا مما أراده الآخرون من حولي - فقد تكون رغبتهم في الواقع مثيرة للاشمئزاز بالنسبة إليّ، ومع ذلك تحتوي سر أشد أشواقي خصوصية. لا بمعنى أن هذين الأمرين منفصلان انفصالًا تامًا، لكن الأمل هو أن أجعل من الرغبات التي تسكنني رغباتي الخاصة.
ومع أن التحليل النفسي لا يتخذ، في رأيي، من تغيير رغبة المحلَّل عليه هدفًا فوريًا، فإن جزءًا لا مفر منه من العمل التحليلي يتألف من تمحيص الرغبات التي يسكنها المرء، والعثور على طريقه الخاص داخل الإقليم الذي رسمه الآخرون سلفًا.
الرغبة والذنب
لأنتقل الآن إلى العلاقة بين الرغبة والذنب. يبدو أن الأمر متفق عليه على نطاق واسع وهو أن الفعل وفقًا للرغبة كثيرًا ما يجلب الذنب. فإذا كانت رغبتي المؤقتة أو المزمنة، على سبيل المثال، أن أهين شخصًا أهانني، وقد سنحت لي أخيرًا فرصة فعل ذلك، فقد تتدخل إحساسي الأخلاقي بالصواب والخطأ بعد أن أفعل ذلك وتجعلني أشعر بالذنب لأنني انحدرت إلى أخلاق «العين بالعين». غير أن لاكان (1992) يقدّم ملاحظة مدهشة عن الذنب في السيمينار السابع، The Ethics of Psychoanalysis. فهو يدّعي على العكس أن الذنب ينشأ بالضبط حين لا أفعل ما تمليه رغبتي: عندما أفوّت، مثلًا، فرصة التعبير عن عدائي أو أبلع كبريائي بدلًا من أن أنفجر غضبًا.
علينا هنا أن نميّز بين الذنب والندم. فقد يكون الندم هو ما أشعر به بعد أن أهين هذا الشخص وأبدأ بالتفكير في العواقب - ربما سيحاول الرد، ربما سيصل ما فعلته إلى شخص لا أريد أن يعرف به، ربما كان ينبغي عليّ أن أفعل الأمور على نحو مختلف. هذا لا يجعلني أشعر بالذنب - فأنا، على مستوى ما، ما زلت سعيدًا بما فعلت. أما الذنب فليس من هذا النسيج. «الشيء الوحيد الذي يمكن للمرء أن يشعر بالذنب حياله»، يقول لاكان، «هو أن يتخلى عن رغبته» (لاكان، 1992، ص 319).
وفي هذا السياق نفسه، يتحدث لاكان عن الأسباب التي تدفع الناس إلى التخلي عن رغبتهم، أو إلى التراجع حين يتعلق الأمر برغبتهم - وبعبارة أخرى، إلى إعطاء أولوية لرغبة شخص آخر على رغبتهم هم. ويقترح أحيانًا أن ذلك يُفعل من أجل «فعل الخير»، أي بدافع من فكرة ما عن فعل الصواب. يقول لاكان (1992):
إن الفعل باسم الخير، بل وأكثر من ذلك باسم خير الآخرين، أمر بعيد كل البعد عن حمايتنا، لا من الذنب فحسب، بل أيضًا من جميع أنواع الكوارث الداخلية. وللتدقيق، إنه لا يحمينا من العصاب ولا من عواقبه.
(ص 319)
وفي الحقيقة، كما اكتشف فرويد منذ وقت مبكر جدًا في عمله مع الهستيريات، ينشأ العصاب بالضبط من المحاولة المتكررة لخنق رغبة المرء من أجل فعل الخير، أو فعل ما يعتقد المرء أنه الشيء الصحيح، أو طاعة أوامر الأنا الأعلى. والأنا الأعلى واحد من أكثر وجوه النفس البشرية مفارقة: فهو يلاحق أولئك الأكثر انشغالًا بفعل الصواب أكثر من غيرهم؛ ويكون أشد قسوةً ولا هوادة فيه مع أولئك الذين يكون سلوكهم أكثر استقامة (فرويد، 1961a، ص 125–28). وكما يقول لاكان: «كل من يحاول أن يخضع للقانون الأخلاقي يرى مطالب الأنا الأعلى لديه تزداد تحذلقًا وقسوة» (لاكان، 1992، ص 176). وفي الواقع، يتمتع الأنا الأعلى بلذّة في توبيخ الأنا حتى عندما تبذل الأنا كل ما في وسعها لكبح اندفاعات الهو. وهكذا تتشكل حلقة مفرغة يُشبع فيها جزء من الطاقة العدوانية للهو عبر هجمات الأنا الأعلى على الأنا.
وعليه، ينبغي أن يُنظر إلى ما يُسمّى رغبة الشخص في فعل الخير بعين من الشك: فالمرء كثيرًا ما يستخرج، على الأقل، إشباعًا إضافيًا واحدًا من «الأعمال الصالحة» المزعومة. دعوني أقدّم مثالًا من ممارستي السريرية. كان أحد محلَّليَّ ينظر، لسنوات عدة، إلى رجل معين في برنامج الدراسات العليا على أنه «أحمق متعجرف» و«مغفل»، وكان يتخيل أن يقول ذلك في وجهه. وقد سنحت الفرصة، وفكر المحلَّل عليه في أن يفعل ذلك، ثم تراجع. وبعدها، وهو يشعر بالذنب رغم أنه لم يقل شيئًا، أخبرني بأنه تراجع لأن الأمر «لم يكن سيحقق شيئًا»، لكنه أضاف أيضًا أنه «شعر بالرضا لأنه تمكن من ضبط نفسه» - وبعبارة أخرى، سمح له ذلك بالإشباع النرجسي المتمثل في الشعور بتفوقه على «الأحمق». ومع ذلك واصل القول إنه «لن يغفر» لنفسه أبدًا لأنه أضاع الفرصة - وبعبارة أخرى، كان ينوي أن يأخذ إشباعًا يبدو عكسيًا للبديهة في توبيخ نفسه إلى الأبد لأنه لم يقل شيئًا. مثل هذه المكاسب الشخصية تضع بوضوح قيمة الحل المزعوم «الأخلاقي الأعلى» المتمثل في التراجع موضعَ شك؛ والذنب الذي شعر به المحلَّل عليه إزاء هذه الحاجة لا ينبغي أن يُفهم على أنه ناتج عن «أفكار شريرة» أراد بها أن يوبّخ الرجل، بل عن تخليه عن رغبته هو، وتراجعه عن مواجهة طال انتظارها.
إذا وُجد هنا أمرٌ أخلاقي يمكن استخلاصه في السياق التحليلي النفسي، فهو: «تجنّب الذنب، لأنه يقود إلى العصاب!» لا تعمل وفق ما تعتقد أنه خير جارك أو جارتك؛ بل اعمل وفق رغبتك أنت. فذنبك لا يزول لا عندما يعانقك المعالج ويكرر لك مرارًا أن «الأمر ليس خطأك» - وهذا ما يفعله روبن وليامز مع «المريض» في Good Will Hunting. ومهما كان ذلك يبعث على الارتياح لحظةً، فإن الذنب لا يختفي حقًا إلا عبر نوع من الفعل الإنساني: عبر مقاربة مدى الحياة قائمة على الفعل انطلاقًا من رغبتك أنت.
وينبغي ألا يغيب عن البال أن لاكان لا يتحدث هنا عن البنى السريرية التي لا يدخل فيها الذنب إلى الصورة ولا يشعر فيها المحلَّل عليه بأنه مقيد بأي قيد أخلاقي على الإطلاق؛ فهذا النقاش لا ينطبق مثلًا على السيكوباثيين.
وفي كثير من الجوانب، لا يفعل لاكان هنا أكثر من إعادة صياغة ما يقوله فرويد (1961a) في الفصل 7 من Civilization and Its Discontents. ففيه يخبرنا فرويد أنه عندما يتخلى المرء عن إشباع دافع معين - دافع عدواني مثلًا (وهو في الحقيقة المثال الذي يقدمه) - فإنه يشعر، مع ذلك، بالذنب لأن الرغبة في الاستسلام لذلك الدافع تظل حاضرة في الذهن ويأخذ الأنا الأعلى علمًا بها. ثم يضيف أن طاقة الدافع غير المشبع تنتقل بعد ذلك إلى الأنا الأعلى، الذي يستخدمها ضد الأنا. وتبدو هذه القاعدة الاقتصادية لفرويد ثابتة إلى حد يجعلُه يقول: «سنكون ميالين إلى الدفاع عن العبارة المتناقضة القائلة إن الضمير هو نتيجة التخلي الغريزي» (ص 128–29). وبصياغة أبسط قليلًا، فإن مشاعر الذنب تنتج من التخلي عن الدوافع؛ فالضمير المذنب هو نتيجة التراجع حين يتعلق الأمر بالدوافع.
إن استنتاج لاكان أن «الذنب ينتج عندما تتخلى عن رغبتك» قريبٌ بوضوح شديد من فرويد هنا. بل إن صياغة فرويد تذكّرنا بأن لاكان يعدّل لاحقًا استنتاجه بعض الشيء (لاكان، 2006a، ص 851–54)، فيقول أساسًا إن الذنب ينتج حين لا تسعى إلى إشباع دوافعك. وكان لاكان نفسه قد أخبرنا أن الرغبة الإنسانية تميل أصلًا إلى تجنّب الإشباع كي تواصل الرغبة، ولذلك فإن انتقاله في أوائل ومنتصف الستينيات إلى الاهتمام بالدوافع إنما يمثل في الأساس تأكيدًا متجددًا على الإشباع ذاته. ويمكننا القول إنه، بخلاف فرويد، يبدو لاكان كأنه يحوّل هذا إلى وصية: «لا تتخلَّ عن رغبتك»، أو، بصورة أدق، «لا تتراجع حين يتعلق الأمر بإشباع دافعك».
الواقع و«الخير»
حين يخبرنا لاكان ألا «نعمل وفق ما نعتقد أنه خير زميلنا أو زميلتنا»، فهو يقترب من الوصية التي يصوغها في السيمينار الثامن، Transference (لاكان، 2001a)، بخصوص دور المحلل؛ إذ يقول إن المحلل يجب ألا يستهدف ما يراه خيرًا للمحلَّل عليه، بل يجب أن يستهدف إيروس الأوسع لدى المحلَّل عليه. وإيروس، بوضوح، أوسع بكثير من الرغبة؛ إذ يشمل الحب والمتعة وإشباع الدوافع. والفكرة العامة هنا هي أن العلاج الذي يُدار بهدف تحقيق ما يعتقد المحلل أنه خيرٌ للمحلَّل عليه سيظل دائمًا محدودًا بتحيزات المحلل ومعتقداته وأحكامه المسبقة ومنظوراته الشخصية (سواء كانت سياسية أو دينية أو نظرية أو غير ذلك). أما المحلَّلون عليهم فهم ميّالون إلى التراجع حين يتعلق الأمر بإيروسهم - أي إن الهدف الذي يسعى إليه المحلل هو أن يجعلهم يكفون عن ذلك.
وفي نهاية الأمر، من البديهي أن يدير المحلل العلاج وفقًا لما يعرف شيئًا عنه، ويقترح لاكان أن الشيء الوحيد الذي يمكن للمحلل أن يدعي، على غرار سقراط، أنه يعرف عنه شيئًا بحق هو إيروس - أي الرغبة الإنسانية، أو بصيغة أخرى، الأهواء الثلاثة: الحب، والكراهية، والجهل، حيث يشمل الجهل الطرق الكثيرة التي نحاول بها ألا نعرف شيئًا عن الحب والكراهية. ويبدو أن من المعقول تمامًا أن يوجّه المحلل العلاج نحو إيروس الأعظم لدى المحلَّل عليه. (كما يقول لاكان، نحن لسنا هناك من أجل خير المريض، بل «من أجل أن يحب»؛ لاكان، 2001a، ص 25.)
أما فيما يتعلق بخير المحلَّل عليه، فليس المحلل مؤهلًا لمعرفة ذلك أكثر من صديقة المحلَّل عليه أو كاهنه أو مدربه الشخصي أو مدرّسة الباليه. ففي النهاية، خير المرء - إذا أمكن بالفعل تقديم أي سرد متماسك عن الخير - مرتبط دائمًا بعالمه هو، وما يعرفه المحلل هو عالم خطاب المحلَّل عليه، لا التفاصيل الخاصة بالعالم الاجتماعي-الاقتصادي الذي يعمل فيه المحلَّل عليه. وعلى الأقل، لا يعرفها إلا قليلًا أفضل ممن يعيشون مع المحلَّل عليه يومًا بعد يوم.
ولم يمنع هذا بعض المحللين من الاعتقاد أنهم موجودون لمساعدة محالّيهم التعساء على التوقف عن العيش في عالم خيالي، ورؤية الواقع بوضوح أكبر - أو، بحسب مصطلحاتهم، اكتساب «اتصال أفضل بالواقع». ففي كثير من الحالات، لا يبدو أن مفهوم المعالج المعاصر لـ«اتصال الواقع» أعمق من هزّ العميل وقول: «استفق واشمّ رائحة القهوة! أنا أعرف كيف يعمل العالم، وهو لا يعمل بالطريقة التي تظنها».
وهذا بعيد كل البعد عن التمييز الدقيق والمعقد لدى فرويد بين مبدأ اللذة - الذي يميل، في سعيه إلى الإشباع الفوري، إلى اختزال نفسه في أحلام اليقظة والهلوسة - وبين مبدأ الواقع، الذي يتعلّق، كما يبين لاكان في السيمينار السابع، بالانتباه إلى علامات حالاتنا الداخلية الخاصة. فنحن نصير واعين بما يجري داخلنا حين نسمع أنفسنا نتكلم، أو نردّ، أو نصيح، وهكذا. والواقع الذي نلامسه، بحسب نصوص فرويد، هو واقعنا النفسي نفسه - وبعبارة أخرى، واقع الطريقة التي تتشابك بها الإدراكات واللغة في النفس. لن أدخل في تفاصيل وصف فرويد لمبدأ الواقع في «Project for a Scientific Psychology» (فرويد، 1966) وفي الفصل 7 من The Interpretation of Dreams (فرويد، 1958a)، ولا في مناقشة لاكان المطولة له في السيمينار السابع، لأنني أرى أن ذلك سيأخذنا بعيدًا جدًا عن الموضوع هنا. غير أن شيئًا واحدًا يتضح عند الفحص الدقيق، وهو أن الأمر لا يتعلق باختبار الواقع الخارجي بطريقة مباشرة غير وسيطة، بل بالحصول على دلائل عما يجري داخل نفوسنا من خلال قراءة الكلام الذي يخرج من أفواهنا ومن أفواه الآخرين.
والنقطة هنا هي أن فرويد لم يقل، على حد علمي، إن المحلل، بعد أن يمر بتحليله الخاص، يرى العالم الخارجي بوضوح أكبر أو يملك اتصالًا أفضل بالواقع من المحلَّل عليه - ويقول لاكان إننا جميعًا نواصل، حتى بعد التحليل، رؤية الواقع من خلال عدسة فانتازيا، مهما تكون قد تغيّرت في نهاية التحليل. بل إن ما ينبغي للمحلل أن يكون قد اكتسبه، عبر مروره بتحليله الخاص، هو إدراك أفضل لواقعه النفسي - أي للرغبات والدوافع التي تسكنه، وكيف تؤثر في العمل الذي يقوم به مع محلَّليه.
لا يأمرنا التحليل بأن «نتخذ رغباتنا واقعًا»، بالمعنى الشائع لشعار الكتابة على الجدران في الستينيات، بل أن نواجه الواقع الخاص للرغبة. إنه يأمرنا أن نتوقف عن وضع رغباتنا جانبًا، وأن نتوقف عن تعليقها مؤقتًا كي نمضي في مشروعاتنا داخل عالم العمل اليومي. فالواقع الذي نتعامل معه في التحليل ونستكشفه هو واقع الرغبات اللاواعية التي تشكّل المحرّك الأساسي لأفعالنا ومزاجاتنا من غير أن نشعر - أي «الواقع الذي هو قائم في صميمنا ذاته» (لاكان، 1992، ص 26). وهذا لا يأخذ شكل وصية يصدرها المحلل إلى المحلَّل عليه، بحيث يمكن للمحلَّل عليه ألا يرقى إليها ومن ثم يُتَّهم بأنه لم يبذل جهدًا كافيًا. فمواجهة الواقع الخاص للرغبة ليست مبدأً إراديًا يمكن تنفيذه لمجرد أن المرء أراده بقوة كافية. بل توجد قيود واقعية جدًا هي التي عادةً تمنع المحلَّل عليه من أن يعمل وفق رغبته.
وفي مجرى عمله، يبتعد لاكان عن مصطلح «الواقع»، ليقدّم لاحقًا مصطلح «الواقعي»، الذي يعرّفه بأنه ما يعود دائمًا إلى الموضع نفسه. ففي الواقع النفسي، يكون الواقعي هو ما نعود إليه مرارًا وتكرارًا، أو ما نعاود الفعل عليه مرة بعد أخرى، أو ما نتحاشاه مرارًا من غير أن نعرف لماذا، ومن غير أن نستطيع أن نفعل حياله شيئًا. والواقعي، بعبارة أخرى، هو سلوكياتنا وانفعالاتنا العرضية التي تقوم دائمًا على الرغبة اللاواعية نفسها، أو الحب نفسه، أو الكراهية نفسها، أي على الدافع أو القوة المحرِّكة اللاواعية نفسها. وهذا هو النوع الوحيد من «الواقع» الذي يستطيع المحلل أن يضع المحلَّل عليه في تماس معه.
وهذا يقتضي أخلاقيات في التحليل النفسي قوامها مجابهة الواقع النفسي، أي التصالح مع الرغبة اللاواعية بكل ما تنطوي عليه من التباسات ومواقف مزدوجة ومآزق.
مفارقة التمتع
يذهب لاكان إلى أبعد من ذلك قليلًا عندما يستكشف الحقيقة المفارقة القائلة إن لذتنا تكون، في كثير من الأحيان، أكبر حين تنطوي على انتهاك أو كسر قانون. فهذه ليست مجرد لذة تقع تحت مبدأ اللذة، بل لذة لا بد لها من تجاوز عقبة داخلية، لذة تتجاوز مبدأ اللذة. وفي هذا المجال، قد نسلك فعلًا مسارات ليست ممتعة، بالمعنى العادي للكلمة، لكنها مع ذلك تمنح نوعًا من الإشباع يسميه لاكان «التمتع» (jouissance) - أي الإشباع الذي يؤخذ في فعل أشياء نعرف أنها يفترض أن تكون «سيئة» لنا أو للآخرين.
يشير لاكان (1992، ص 193) إلى استخراج الإشباع مما يُعتقد أنه سيئ بالنسبة إلينا و/أو للآخرين بوصفه «مفارقة التمتع»، مذكرًا إيانا بأنها مفارقة حاول سقراط تجاوزها بالقول إن معرفة الخير وعدم العمل وفقه أمر مستحيل. وبعبارة أخرى، حاول سقراط حل المفارقة بالقول إن معرفة مثل هذا الشخص بالخير لا بد أن تكون ناقصة. أما أرسطو فحاول حل المفارقة بالقول إن مثل هذا الشخص لا بد أن يخطئ في الحكم، لا بشأن العبارة الكلية «من الجيد تذوق الحلو»، بل بشأن العبارة الجزئية «هذه الشيء بعينه حلو». ووفقًا لأرسطو، لا بد أن يكون الخطأ الذي دخل القياس الأخلاقي قد وقع هنا.
ولا ينبغي للمحللين أن يظنوا أنهم يستطيعون التملص من مفارقة التمتع بمجرد اتهام الذات التي تعمل ضمن هذا النمط بـ«الانحراف»، لأن هذا النمط من العمل هو في صميم قدر كبير من السلوك العصابي - كما في حالة العصابي الذي يسرع في الطريق تحديدًا عندما لا يكون مضطرًا إلى الوصول إلى أي مكان على وجه الاستعجال، أو السارقة التي تسرق من متجر تحديدًا عندما تكون تحمل في جيبها ما يكفي من المال، وهكذا.
وترتبط هذه المفارقة بالعلاقة الحميمة بين الرغبة والقانون، وهي علاقة يستكشفها لاكان على مدى واسع في عمله. ففي The Ethics of Psychoanalysis، يستشهد برسالة بولس إلى الرومان 7:7، حيث يتضح أن العلاقة بين الخطيئة والقانون كانت معروفة بالفعل لدى آباء الكنيسة الأوائل: «لا أستطيع أن أعرف الخطيئة إلا بواسطة القانون. بل لم أكن لأفكر قط في الاشتهاء لو لم يقل القانون: لا تشتهِ». إن فكرة الخطيئة نفسها وجاذبية فعل ما هو خاطئ تُنشآن بواسطة القانون ذاته. فلا توجد رغبة، بالمعنى الدقيق، من غير تحريم، إذ لا أبدأ حقًا في رغبة شيء إلا عندما يُعاقُ وصولي إليه أو يُمنع. إن وصف المرضى الميّالين خصوصًا إلى ما لا يمكنهم الحصول عليه، أو إلى ما هو محظور أو غير قانوني، بأنهم مرضى منحرفون أو أخلاقيًا منحطون، ليس إلا تجاهلًا لطبيعة الرغبة نفسها.
والقانون، في الواقع، يمكن فهمه على أنه يخلق الشيء الوحيد الذي قد يقابل، في التحليل النفسي، ما يسمى الخير الأعلى في الفلسفة: الخير الأسمى الذي يتكون بالقانون الذي يحظر الزنا المحارم - أي الأم. ولاكان لا يستعمل أبدًا مصطلح «الخير» في تصوره لأخلاقيات التحليل النفسي، لكنه يقول إنه إذا كان هناك شيء اسمه الخير في التحليل النفسي، فهو الأم. فهي تُستحضر بوصفها الخير الأسمى تحديدًا عندما يُقيَّد وصولنا الجسدي المبكر إليها أو يُنكر حتى. ويمنحها لاكان لقبين آخرين أيضًا: «الشيء» بحرف T كبير، في إشارة إلى أنها أهم شيء، وdas Ding، وهو مصطلح يعني «الشيء» في الألمانية، ويوجد في عدد من نصوص فرويد، بل حتى «الشيء الفرويدي».
وبالنظر إلى أننا نرغب في ما هو محظور بالضبط، فكيف يمكن للتحليل النفسي أن يدّعي أنه يستهدف مصالحة تامة أو انسجامًا كاملًا بين رغباتنا؟ إذا كانت أعمق رغباتنا متجذرة في ما لا نستطيع الحصول عليه، فكيف يمكن للتحليل النفسي أن يقدّم بلا اكتراث حلولًا لمعضلة الرغبة الإنسانية؟
لقد نظر فرويد وبعض المحللين الآخرين إلى التسامي بوصفه وسيلة لإشباع أعتى تلك الرغبات عبر موضوع مختلف. ويقدّم فرويد عدة روايات مختلفة عن التسامي، ويقترح لاكان أن التسامي ينطوي على رفع موضوع عادي إلى مرتبة «الشيء». ولن أدخل هنا في مناقشة التسامي، إلا لأقول إنه مجال شائك نظريًا، لكنه مهم إذا أردنا ألا نقع في الطريق المسدود المتمثل في ما يسمى «الحلول» لمفارقة الرغبة والاشباع الإنساني التي يقدّمها كثير من علماء النفس والمحللين النفسيين المعاصرين. دعوني أحاول أن أقول شيئًا عن هذا الطريق المسدود الآن، وأن أتناول نقد لاكان له في عمله الممتد عبر الستينيات والسبعينيات.
انسجام بين الجنسين؟
على الرغم من تشاؤم فرويد بشأن قابلية العلاقات الإنسانية للكمال، يعود كثير من المحللين مرارًا إلى الإيمان بانسجام تام وقابل للتحقيق بين الجنسين. ويرتبط هذا التصور، في تاريخ الفكر، بما يمكن أن يسمى اعتقادًا ما قبل علمي، ويختلف كثيرًا عن المعرفة في السياق العلمي الحديث. ويقول لاكان إن المحللين النفسيين يواصلون الانزلاق إلى شتى البنى ما قبل العلمية، وإلى شتى الأشكال التبسيطية من الزيف العلمي والمفاهيم الفلسفية القديمة.
إن رؤية العصور القديمة للعالم كانت، بحسب لاكان، قائمة على فانتازيا - فانتازيا انسجام سابق الوجود بين الذهن (nous) والعالم (لاكان، 1998a، ص 128)، بين ما يفكر فيه الإنسان والعالم الذي يفكر فيه، وبين العلاقات بين الكلمات التي يتحدث بها عن العالم والعلاقات القائمة في العالم نفسه. أما العلم الحديث فقد قَطع، على نحو حاسم إلى حد ما، مع هذا التصور، إذ يفترض، إن افترض شيئًا، عدم ملاءمة لغتنا المسبقة للتعامل مع الطبيعة والحاجة إلى مفاهيم وكلمات وصياغات جديدة.
والفانتازيا التي ميّزت رؤية العصور القديمة للعالم تمتد، وفقًا للاكان (1998a)، إلى مدى بعيد - وهي، وأظن أنه لم يكن أول من قال ذلك - متعلقة كلها بالجماع (ص 82)، أي أنها استعارة معقدة للعلاقات بين الجنسين. فالصيغة تخترق المادة أو تُخصبها؛ والصيغة فاعلة والمادة منفعلة؛ وهناك علاقة، بل علاقة أساسية، بين الصيغة والمادة، وبين الفاعل والمنفعل، وبين المبدأ الذكري والمبدأ الأنثوي. وكان كل علم في ذلك الوقت يشارك، بعبارة لاكان، «في فانتازيا كتابة الرابطة الجنسية» (ص 82)، أي في الفانتازيا القائلة بوجود شيء اسمه العلاقة الجنسية (وهو ما ينكره لاكان نفيًا قاطعًا؛ ولشرح ما يعنيه بذلك انظر Fink، 1995a) وأن هذه الرابطة أو العلاقة متحققة من حولنا في كل مكان. وكانت العلاقة بين المعرفة والعالم مفهومة على نموذج الجماع.
وقد يبدو من غير المتصور أن تكون فانتازيا كهذه ما تزال تعمل في التحليل النفسي اليوم، لكن انطباعي أنها ما تزال حية وبخير. فكثير جدًا من المحللين والمعالجين النفسيين يؤمنون بحرارة بأن العلاقة المتناغمة بين الجنسين يجب أن تكون ممكنة! ويستند هذا الرأي إلى ما يُظن أنه منظور غائي في عمل فرويد، ينشأ بدوره من «التدرج» المفترض في المراحل الليبيدية المعروفة بالفموية والشرجية والتناسلية. فبينما يرتبط الطفل في المرحلتين الفموية والشرجية بأشياء جزئية، لا بشخص آخر بوصفه كليًا، زعم بعض المحللين ما بعد الفرويديین أنه في المرحلة التناسلية يرتبط الطفل بشخص آخر بوصفه شخصًا كاملًا، لا بوصفه مجموعة من الأشياء الجزئية.
لا أظن أنك ستجد مثل هذا الادعاء في عمل فرويد، لكن مجلدًا سميكًا بعنوان La psychanalyse d’aujourd’hui [«التحليل النفسي اليوم»] (Nacht، 1956) خُصص لمثل هذه الأفكار في فرنسا، حيث طرح جيل كامل من المحللين فكرة أنه حين يبلغ المرء المرحلة التناسلية بنجاح، يصل إلى حالة من الانسجام التام يُؤخذ فيها الشريك الجنسي بوصفه ذاتًا لا موضوعًا، بوصفه غاية في ذاته على الطريقة الكانطية، لا وسيلة إلى غاية. وأعلى إنجاز لهذه المرحلة هو أن يصبح المرء ما يسمونه «oblative» - أي أن يغدو متفانيًا حقًا، قادرًا على فعل الأشياء للآخرين من غير أي تفكير في ما قد يعود عليه هو من فائدة. (وقد ناقشت سابقًا الفضائل الأخلاقية المشكوك فيها لفعل الأشياء من أجل «خير» شخص آخر.)
هل رأى ذلك الجيل من المحللين مثل هذا الأمر أصلًا؟ من الصعب تصديق ذلك. ومع هذا، لم يترددوا في افتراض حالة مثالية كهذه من الانسجام بين الجنسين، ومن الإلغاء التام للنرجسية والأنانية، وفي الدفع بالعلاقات التناسلية بوصفها علاقات إيثارية، وبالعلاقات الفموية والشرجية بوصفها أنانية، في عملهم مع محلَّليهم. وحتى وإن لم ير أحد من قبل شيئًا من هذا القبيل، فلا بد أنه موجود.
وبعبارة أخرى، كانت فانتازيا تشوه النظرية والممارسة التحليليتين. وأظن أن لا حاجة إلى تذكير أحد بأن فانتازيا مماثلة تعمل في علم النفس المعاصر، على الأقل في أكثر أشكاله شعبية: الكتاب الأشهر على الإطلاق في علم النفس الشعبي، Men Are from Mars, Women Are from Venus. يبدو العنوان نفسه واعدًا، لأنه يوحي بأنه لا شيء يقدّر الرجال والنساء على علاقات متكاملة؛ لكن كل ما يأتي بعد الفصلين الأولين في الكتاب مصمم لمساعدة القارئ على تجاوز الاختلاف وإقامة الوحدة (أو الواحد) التي لا بد أن تكون موجودة، أي ذلك الانسجام المتناغم الذي تتطلبه الفانتازيا القديمة.
هدف لاكان هو القضاء على جميع هذه الفانتازيات من النظرية والممارسة التحليليتين. ويمكن، في رأيي، فهم القضاء على مثل هذه الفانتازيات، ولا سيما بقدر ما تعوق إيروس المتاح للذات، بوصفه جزءًا من أخلاقيات التحليل النفسي.
إن فانتازيا التكامل تترافق مع تصور الانسجام الدائري أو الكروي - أي مع الفكرة القائلة إن الدائرة أو الكرة هما أتمّ الأشكال وأكملها. ففي Symposium لأفلاطون، يطرح أريستوفانيس الرأي القائل إنه كان منّا يومًا ما كائنات كروية لا ينقصها شيء، لكن زيوس شطرنا إلى نصفين، ونحن الآن جميعًا نبحث عن نصفنا الآخر. ونحن، بوصفنا كائنات منقسمة، نتوق إلى أن يُعاد إلصاقنا معًا؛ وإذا أخفق ذلك، نجد على الأقل بعض العزاء في أحضان بعضنا البعض (شكرًا لزيوس لأنه أشفق علينا وقلب أعضاءنا التناسلية إلى الداخل). وكما يقول أريستوفانيس: «إذن فالحب يسعى إلى أن يعيد العثور على حالتنا الأولى، متطلعًا إلى جمع اثنين في واحد وشفاء الجرح البشري». فالحب هو ما يمكنه أن يصلح الانقسام البدئي، وبذلك يمكن بلوغ الانسجام.
وقد قامت كثير من الكوسمولوجيا وعلم الفلك القديم حتى زمن كبلر على فانتازيا كمال الكرة، وكان قدر كبير من العمل «العلمي» مكرسًا لـإنقاذ الحقيقة (salva veritate) عبر إظهار كيف يمكن تفسير الحركة غير الدائرية للأجرام السماوية على أساس الحركة وفق ذلك الشكل الأشد شكلية، أي الدائرة. واستُخدمت الأفلاك الصغرى حتى عند كوبرنيكوس، ومن ثم لم تكن الثورة الكوبرنيكية كوبرنيكية إلى هذا الحد. كل ما قاله كوبرنيكوس هو: إذا وضعنا الشمس في مركز العالم، فيمكننا تبسيط الحسابات - وهو ما كان يعني في تلك الحالة ما يشبه الاختزال من 60 فلكًا صغيرًا إلى 30.
ووفقًا للاكان، فليس مثل هذا الإجراء، الذي يترك مفهومي المركز والمحيط intact تمامًا، ما يمكن أن يشكل ثورة: فالأشياء تواصل الدوران كما كانت من قبل. إن الذي أحدثه كبلر، بإدخاله شكلًا أقل كمالًا، أي القطع الناقص، هو ما هزّ الأمور قليلًا، ومشكّلًا مشكلة لفكرة المركز. أما الإجراء الأهم بعد ذلك، كما يراه لاكان، فهو فكرة أنه إذا كان كوكب يتحرك نحو نقطة، أو بؤرة، فارغة، فليس من السهل وصف ذلك بأنه دوران أو مدار، كما كان يسمى في الماضي: لعل الأمر أقرب إلى السقوط. وهنا يدخل نيوتن. فبدلًا من أن يقول ما كان الجميع يقولونه لآلاف السنين - «الأشياء تدور في دوائر» - قال نيوتن: «الأشياء تسقط».
وعلى الرغم من هذه الثورة النيوتنية، يزعم لاكان أنه بالنسبة إلى معظمنا يظل «تصور عالمنا ... كرويًا تمامًا» (لاكان، 1998a، ص 42). وعلى الرغم من الثورة الفرويدية التي ترفع الوعي من مركز تصورنا لأنفسنا، فإنه لا يلبث أن يعود إلى المركز، أو يُعاد تأسيس مركز ما في مكان ما لا محالة. ويقول لاكان إن «إزاحة المركز» التي يقتضيها التحليل النفسي صعبة على الاستمرار، وإن المحللين يواصلون الانزلاق مرة بعد أخرى إلى طريقة التفكير القديمة القائمة على المركز/المحيط. ومن هنا الحاجة إلى «تخريب» آخر، تخريب آخر لن يكون، قطعًا، الأخير.
خاتمة
ينبغي للمحلل، من منظور لاكاني، أن يوجّه العلاج لا وفق أي تصور مسبق عن خير المحلَّل عليه أو مصلحته القصوى، بل بما يسهّل إيروس الأكبر لدى المحلَّل عليه. كما ينبغي للمحلل أن يصوغ نظرية تحليلية نفسية، ويعيد صياغتها باستمرار، تحاول أن تتحرر بدرجة متزايدة من رؤية للعالم تقوم، على نحو دائم ولا مفر منه، على فانتازيات - بعضها أقدم من بعض. وتلك الفانتازيات، المؤسسة للـWeltanschauung التي يجلبها المحلل معه أو معها إلى العلاج، هي جزء من نقلية المحلل المضادة، وجزء من الأمتعة النقلية المضادة التي يجلبها إلى العلاج، إلى جانب سائر تحيزاته وأحكامه المسبقة. فالنقلية المضادة، كما يعرّفها لاكان، هي «المجموع الكلي لتحيزات المحلل وشغفاته وصعوباته، أو حتى معلوماته الناقصة، في أي لحظة من لحظات التحليل» (لاكان، 2006a، ص 225، مع التشديد).
على المحللين أن يعيدوا فحص وجهات نظرهم باستمرار ليروا إلى أي مدى يوجّه أو يشوّه مقاربتهم للعلاج أوهامُ العصر الحديث والأزمنة السالفة. وهذا يتطلب تأملًا متواصلًا في النظرية والممارسة التحليليتين.
لا أزعم أنني استوفيت، بأي حال، آراء لاكان في الأخلاق في هذه المحاضرة القصيرة المبسطة - بل لقد لم أبلغ إلا سطحها. فقد خصص لاكان قدرًا كبيرًا من الاهتمام لمفارقات أخرى تتعلق بالرغبة والتمتع، مثل دافع الموت، والتجاوز، والصراع بين الرغبة والدوافع؛ كما يستكشف طبيعة «الشر» والتسامي على نحو مفصل؛ ويستعرض عددًا من النظم الأخلاقية المختلفة، بما في ذلك نظام أرسطو وكانط وساد وبنتام؛ ويقدم بعض الرؤى حول العنصرية والتمييز الجنسي من خلال فكرته القائلة إن ما نتسامح معه على نحو أقل ما يكون في الآخرين هو طريقتهم الخاصة في الحصول على التمتع.
إذا كان لاكان يقدم أي شيء يشبه «حلًا» لمفارقة الرغبة والاشباع الإنساني، فإني أقول إن ذلك ليس عبر التسامي، بل عبر علاقة متبدلة بين الرغبة والدوافع في كل واحد منا؛ فالرغبة تعمل عادةً على كبح إشباع الدوافع، ولا بد من تخفيف هذا الكبح إذا أُريد للإشباع أن يتحقق. لكن توضيح هذا الحل يتطلب، مع ذلك، محاضرة أخرى كاملة، وقد عرضتُه أصلًا في كتابتي (انظر Fink، 1997). ومع ذلك، آمل أنني قد منحتكم على الأقل لمحةً من مقاربة لاكان لأخلاقيات التحليل النفسي.
أُلقيت هذه الورقة في الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية لعلم النفس، القسم 39، في سان فرانسيسكو في أغسطس/آب 1998 بدعوة من Michael Guy Thompson، ونُشرت بعنوان «The Ethics of Psychoanalysis: A Lacanian Perspective»، في The Psychoanalytic Review, 86(4) (1999)، 529–45.
لماذا نُشخِّص؟
بعض التأملات في التشخيص
لماذا يهم أن يكون المعالج قادرًا، في وقت مبكر نسبيًا من العلاج، على التمييز بين المريض العصابي والمريض الذهاني؟ أبسط جواب عن هذا السؤال الواسع هو أن العلاج ينبغي أن يُدار مع الذهانيين على نحو يختلف عن إدارته مع العصابيين. فعلى سبيل المثال، يحتاج المعالج مع العصابيين إلى أن يفتش باستمرار عن المواضع التي يتعثر فيها كلام المريض أو يزل أو ينزلق أو يضطرب، لكي يساعد على إبراز التردد والالتباس وتعدد الدلالة، وكل ما يدل على أن الذات ليست على رأي واحد مع نفسها، وليست موحدة أو مكتملة، بل هي منقسمة بين الوعي واللاوعي. أما محاولة من هذا النوع مع المريض الذهاني، فمن المرجح أن تثير ضيقًا شديدًا، وربما أطلقت نوبة ذهانية.
يخبرنا فرويد (1962b)، على سبيل المثال، أن أول محاولة له لاستخدام طريقته التحليلية النفسية المعتادة مع مريض ذهاني، أي إضجاع المريض بعد بضع مقابلات تمهيدية وتقديم قدر غير قليل من التأويلات، انتهت إلى فشل ذريع: فقد تدهورت حالته، واضطر إلى إدخاله المستشفى، وهو ما وضع حدًا للعلاج فعليًا.
ووضع فيدرن (Federn, 1943) مقالًا بعنوان "التحليل النفسي للذهانات"، عرض فيه عدة حالات كارثية لم يؤد فيها العلاج التحليلي النفسي إلى خير. ففي إحداها، أصيبت فتاة أخطأ فيدرن فعدها وسواسية بهذيان العشق، وبدأت تهلوس، ثم انتهى بها الأمر إلى الانتحار.
كما عرض شاندور فرنزي (1916) حالة عمل فيها اثنتي عشرة سنة مع مريض ذهاني من دون الأريكة ومن دون تأويل، وكان كل شيء يسير على ما يرام إلى أن قرأ المريض مقالًا نشره فرنزي في مجلة، عرض فيه تأويلات للبارانويا لم يكن قد حاول قط استخدامها مع ذلك المريض. وكان هذا وحده كافيًا لدفع المريض إلى حافة الانهيار، مع أن التأويلات لم تكن إلا مطبوعة على الورق.
وذكر بيخوفسكي (1966) الآثار المزعزعة للاستقرار الناتجة من التأويل مع الذهانيين، واستشهد كذلك بعدة مقالات أخرى تناقش ظواهر مشابهة. وروى تشيرماك (1977) حالة أثار فيها تأويل تحليلي نفسي الذهان لدى محلَّل.
وثمة من هذه الوقائع أكثر بكثير مما يُنشر عنه، إذ قلما يرغب الممارسون في إعلان مثل هذه الزلات على الملأ. وأنا أعلم، من خبرتي الخاصة في الإشراف على الممارسين السريريين، أن الأخطاء يُرجَّح أن تُروى في علاقة إشراف زمالية بين المشرف والمتدرِّب أكثر من روايتها في المطبوعات.
ومن ثم، فمن الناحية العملية، يكتسب التمييز بين العصاب والذهان أهمية كبيرة إذا أردنا أن نضمن قدر الإمكان ألا يقع ضرر في توجيه العلاج (primum non nocere: واجبنا الأول ألا نؤذي).
العصابي يبني دعوى
كثيرًا ما ينتابنا شعور بأن المريض العصابي يبني دعوى، كأنه يرافع أو يدافع عن قضيته في محكمة، واضعًا إيانا ضمنًا في موضع القاضي وهيئة المحلفين. ومن الأسئلة الشائعة التي يوجهها إلينا بعد هذه المرافعة، وبعد المرافعة الافتتاحية وعرض البيِّنات من الألف إلى الياء والمرافعة الختامية: "ألا توافقني، يا دكتور؟" و"ألستُ على حق، يا دكتور؟" و"أنت لا تظن أنني مجنون، أليس كذلك؟" ومع العصابي يمكننا أن نترك هذه الأسئلة بلا جواب؛ ويمكننا أن نُبقي مسألة إمكان جنونه معلقة، بوصفها شيئًا يواصل تقليبه في ذهنه، وهو يتساءل عما يظنه المحلل.
ونادرًا ما يوجه الذهانيون إلينا مثل هذه الأسئلة. فلا يبدو أن تأكيد الآخر أساسي للذهاني بقدر أساسيته للعصابي. وليس الاعتراف بكون المرء على حق ذا تلك الأهمية عنده. فالعصابي الذي يرى نفسه ضحية في الحياة، ويريد أن يقنع المحلل بأنه بالفعل ضحية، لا نجد له نظيرًا في العمل مع الذهانيين. بل قد يقال إن الذهاني لا يسعى إلى إقناع المحلل بشيء محدد يتعلق بأعمق كيانه، في حين يسعى العصابي إلى إقناع المحلل بأشياء شتى، وإلى حمله على الإقرار بأشياء كثيرة، وبكلمة واحدة إلى نيل الاعتراف بموضع المريض الذاتي أو مأزقه، أي الاعتراف ("التصديق") بشيء يشعر المريض بأنه حقيقي أو واقعي. أما الذهاني، فقد يسعى، في سياق أنظمة الضمان الاجتماعي أو الصحة النفسية، إلى إقناع المحلل بأن يضعه على قائمة العجز أو أن يصف له الأدوية، لكنه نادرًا، إن حصل أصلًا، ما يسعى إلى إقناع المحلل بتزكية روايته عن مأزقه الذاتي.
وهذا لا يعني أن على المحلل أن يمنح العصابي هذا التصديق. فعلى المحلل أن يتجنب الاقتناع، حتى لو تعاطف مع كثير من شكاوى العصابي، بالنظر إلى ما في حياة المريض من مشقات. فالمحلل، في أغلب الأحوال، لا يشتري القصة ولا يوافق الذات على إحساسها بأنها مجرد ضحية أو شهيد أو بطل. وهو لا يمنح ذلك الاعتراف الذي يطلبه العصابي بوجوده المؤلم الذي لا فكاك منه، ولا بالموقف الدرامي الذي يجد نفسه فيه، والذي يميل إلى الإيحاء بأنه ليس من صنعه هو.
وهكذا فالعصابي يطلب الاعتراف، ومع أننا يجب ألا نعترف بما يود هو أن نعترف به، فإننا نُعلمه أننا نسمع ما يقوله، وأن ما نعترف به هو الرغبة التي يجهلها هو نفسه، تلك التي تكمن داخل خطابه أو تطوف به. وبعبارة أخرى، فبدل أن نعترف باغترابه بوصفه ضحية أو شهيدًا، نسعى إلى إبراز الرغبة فيه لشيء آخر، وإظهارها والاعتراف بها. (ومع ذلك، يجب ألا يعمل "اعترافنا" برغبته عملَ التزكية لها؛ بل إن إقرارنا بها إنما يخدم تعزيز إقراره هو بوجودها، ثم يعود إليه بعد ذلك أن يقرر ماذا يصنع بها).
غير أن الذهاني لا يبدو طالبًا لهذا النوع من الاعتراف. وكما يقول لاكان (2006a) في "الوظيفة والمجال":
وحين يقول لاكان إن كلام الذهاني "كف عن السعي إلى نيل الاعتراف"، يمكن أن يُفهم على أنه يشير إلى أن الذهاني ربما حاول بالفعل، وهو طفل، أن ينال الاعتراف، لكنه لما لم يتلق شيئًا منه في ذلك الوقت، انتهى به الأمر إلى أن كف عن طلبه نهائيًا. كما أن عبارة "لغة خالية من الجدل" توحي بلغة خالية من الاستعارة، لا تعرف فجوة بين الدال والمدلول، ولا انزلاقًا في المعنى.
وإذا جاز لنا أن نقول إن من بين ما يطلبه العصابي، على الأقل، حين يأتي إلى العلاج هو الاعتراف، وجب أن نطرح السؤال: "ماذا يريد الذهاني؟" حين يأتي ليتكلم مع محلل. ولن أتناول هذا السؤال هنا، فقد عالجته بإسهاب في موضع آخر (انظر Fink 2007، الفصل 10).
علة القانون ومسوغه
يشتهر لاكان بربطه العصاب باستيعاب القانون، وربطه الذهان برفض القانون أو "استبعاده" (foreclosure). فما الذي كان يعنيه بـ"القانون" في هذا السياق؟
كثيرًا ما نتكلم عن القانون كما لو كنا جميعًا نعرف ما ينبغي أن يكون عليه: عادلًا ومنصفًا وغير تمييزي، وما إلى ذلك. ومع ذلك، يبقى في القانون دائمًا جانب من قبيل "لمجرد أن الأمر كذلك"، أي شيء لا يقوم على المنطق أو العقل، بالمعنى المعتاد لهاتين الكلمتين. ففي أصل القانون يوجد دائمًا "لأنني قلت ذلك". وكما سأل هنري ديفيد ثورو: لماذا نطيع القانون إذا كان القانون نفسه جائرًا؟ ومهما يكن القانون عادلًا أو منصفًا، يظل ممكنًا أن نسأل: "لماذا نكون منصفين؟" وقد يبدو هذا سؤالًا عابثًا، لكنه سؤال مهم في النظرية الأخلاقية والفلسفة الخلقية.
وبعبارة أخرى، ففي أصل القانون يوجد تأكيد على أن ما نقوله نحن، نحن واضعي القانون، نافذ لأننا السادة. وهذا يرتبط بشيء يسميه لاكان الدال السيد، أي الدال الذي يحسم الأمر: ففي فرنسا، حتى ما قبل قرنين، كان كثير من الأشياء يُنجز باسم الملك؛ وفي الولايات المتحدة كان الشعار في أحيان كثيرة هو "الديمقراطية" أو "العلم" أو "التقدم". وكما في حالة الإنصاف، يمكننا أن نسأل: "ما العظيم في التقدم؟" فالتقدم، عند كثير من الناس، دال سيد، غاية في ذاته لا تُسأل. وفي حين تكون الديمقراطية، عند بعضهم، غاية في ذاتها، فإنها عند آخرين ليست إلا دالًا آخر يتقمص هيئة السيد، ويجب بالتالي إخضاعه للسؤال.
أما العصابي، فعلى الرغم من كل ما قد يلقاه من مشقة مع الدال السيد (واختصار لاكان له هو S1) الذي نشأ عليه، وعلى الرغم من كل ما قد يسعى إليه من إنكار له أو تدمير أو تقويض، فإنه يظل يقبل الموضع الذي يشغله ذلك الدال السيد. فشخص غير ذهاني مثل جاك دريدا (1982) يستطيع أن يضع موضع السؤال أصل كل قانون في الولايات المتحدة، أي إعلان الاستقلال والدستور الأميركي، بحجة أن الموقعين على هاتين الوثيقتين لم يكن لهم حق التوقيع إلا بأثر رجعي؛ أي إنهم لم يصبحوا الموقعين الشرعيين على الوثيقتين المؤسستين للقانون إلا بعد أن وقعوهما.
أما القدرة على سن إعلان الاستقلال والدستور، فشيء آخر، ولعله كان مستندًا إلى قوة السلاح. وأما حقهم في إنشاء مثل هذا النظام من القوانين، فلم يأت إلا من الوثيقتين نفسيهما. وهذه هي المشكلة الزمنية الملازمة لكل فعل تأسيسي: إذ عليه أن يخلق مشروعيته بنفسه (قارن ذلك بقول لاكان الشهير إن "المحلل يجيز نفسه بنفسه"). غير أن الإشارة إلى المفارقة المنطقية أو الزمنية الملازمة للفعل التأسيسي شيء، واقتلاعها من جذورها شيء آخر. والعصابي لا يستطيع اقتلاعها: فـ"لأنني قلت ذلك" كانت قد فعلت فعلها لديه سلفًا، وهي غير قابلة للمحو.
وهكذا يستطيع العصابي أن يكون واعيًا تمامًا بالسلطة الأبوية وأن يحتج عليها، مع أنها في نهاية الأمر ليست إلا نوعًا من الادعاء. فالأب يزعم أن من حقه أن يضع القانون، ولكن لماذا هو؟ ولماذا لا يكون شخصًا آخر؟ ولماذا هذا القانون بالذات؟ ولماذا الآن؟ ومع ذلك، فإن مبدأ السلطة نفسه يبقى، لدى العصابي، بمنأى عن التحدي على مستوى ما. وحتى إذا سلَّم العصابي بأن القانون لا يقوم على علة داخلية أو سبب معقول، فقد يرى أن سيادة القانون نفسها لا غنى عنها.
بل حتى الفوضوي، الذي يفترض أنه ينبذ كل سلطة، كثيرًا ما يكرس جهده لقضية الفوضوية، ويخضع عمله للدال السيد "الفوضوية"، ويعمل من أجل الفوضوية. ففعله ذاته في التمرد على السلطة يقوم، على مستوى ما، على قبول السلطة، أي على قبول سبب أو قانون يضع جميع الأسباب والقوانين الأخرى موضع المساءلة. وبعبارة أخرى، فذلك شكل من أشكال النفي العصابي.
ووحده الذهاني يرفض S1 (وله "الحرية السلبية" التي تحدث عنها لاكان آنفًا في شأن المجنون). والواقع أن S1 يؤسس شيئًا ويُنشئه. فهو يتضمن فعلًا تأسيسيًا لا رجعة منه. وهذا الـ"لا!" الأولى، أي القانون الذي يحيل إليه لاكان باسم-الأب، يربط الدال بالمدلول في نقطة واحدة، بما يتيح لهما أن يتفارقا في كل موضع آخر.
يتضمن هذا النص بعض التأملات القصيرة المقتطفة من ورشة عمل نهاية أسبوع بعنوان "في التشخيص التفريقي: العصاب والذهان من منظور بنيوي"، قُدمت في Northwest Center for Psychoanalysis في سياتل، واشنطن، يومي 19 و20 أبريل/نيسان 2002.
في قراءة لاكان
6
مقدمة إلى السمينار الثامن عشر عند لاكان
عن خطاب لا يكون من المظهر
كنتُ قد تجرأت، على نحو غير حكيم، على أن أقترح على بولين أوقالهان - وهي، بصفتها رئيسة اللجنة العلمية في APPI، كانت لطيفة بما يكفي لأن تستجيب لطلبي - أن أقدّم إليكم السمينار الثامن عشر، وهو سمينار عملتُ عليه كثيرًا في ثمانينيات القرن العشرين وبدايات التسعينيات، ثم لم أعد إليه منذ ذلك الحين. وقد صدر مؤخرًا له طبعة منشورة (Lacan, 2006c)، بفضل جهود جاك-ألان ميلر، فتصورتُ أن اقتراحي التحدث عن السمينار سيجبرني على إعادة قراءته مرتين أو ثلاثًا، وصياغة بضعة أفكار بشأنه، وهو أمر، من خبرتي، أكثر صعوبة بكثير مما قد يظنه المرء. ويصدق هذا على السمينار الثامن عشر أكثر مما يصدق على بعض السمينارات الأخرى، جزئيًا لأن لاكان غاب عنه لبضعة أشهر أثناء انعقاده، بل إنه يعتذر في نهايته عن الطابع «المبتور» وغير المدعوم بما يكفي للعمل المعروض فيه.(1)
عنوان السمينار
لأبدأ بهذا العنوان الغريب، D’un discours qui ne serait pas du semblant. لاحظوا أن هذا السمينار يحمل واحدًا من تلك العناوين الغامضة إلى حد ما - مثل عدد قليل من سمينارات لاكان الأخرى - التي يجد لاكان نفسه مضطرًا إلى العودة إليها مرارًا خلال السمينار كي يشرحها أو يوسعها أو يقوضها.
D’un discours: «عن خطاب» أو «بخصوص خطاب» - ليس من الصعب كثيرًا ترجمة هذا الجزء الأول. ومع ذلك، يخبرنا لاكان مرتين في الصفحتين الأوليين من السمينار أنه لا يتحدث عن خطابه هو، مما يثير فضولنا بشأن سبب إصراره على أنه ليس كذلك، ويدفعنا إلى التساؤل عمّا إذا كان بالفعل كذلك. وسنرى لاحقًا أن هذه طريقته في القول إن الخطاب المعني هنا خطابٌ منظم ليس قائمًا على شخصه هو. ولاكان، كما تعلمون على الأرجح، ينفر عادة من السيرة النفسية، ويعدّ من السخافة محاولة استخراج النظرية التحليلية النفسية من حياة فرويد ومن شخصيته المزعومة؛ وبالطريقة نفسها، يرى أن الخطاب الذي يتحدث عنه هنا منظم على نحو مخصوص يمكن أن يتولاه عدد كبير من المحللين. وسواء وافقتم على مشروعه القصير العمر في مجلة Scilicet بأن لا يوقّع المؤلفون أسماءهم على أعمالهم أم لا، فإن الفكرة كانت أنهم يعملون داخل البنية نفسها، ومن ثم فإن بصائرهم تتصل بالبنية ذاتها أكثر مما تتصل بكل واحد منهم بوصفه فردًا. ومع ذلك، كما سنرى - أو نأمل أن نرى - فهو يبدو أنه يشير إلى نوع من الخطاب التحليلي النفسي الذي يرغب هو نفسه في بلوغه أو رسم معالمه، لكنه لم ينجح بعد في ذلك.
Qui ne serait pas - لدينا هنا صيغة شرطية، كما يشير لاكان نفسه في الصفحة 163، حيث يقول إن «موضع الرهان هنا هو فرضية، الفرضية التي بها يُبرَّر كل خطاب وكل خطاب [tout]». وبعبارة أخرى، لا بد أن تفترض شيئًا ما أو تضعه فرضًا إذا كنت ستنتج خطابًا، أيًّا كان نوعه. تذكّروا أنه حين يتعلق الأمر بادعاء نيوتن hypotheses non fingo («لا أصطنع - أو لا أصوغ - فرضيات») يقول لاكان: «كلا، أنت تفعل ذلك بالفعل». لا يمكنك أن ترى شيئًا أو تبتكر شيئًا إذا لم تبدأ بفرضية من نوع ما، حتى لو اضطررت في النهاية إلى الرجوع وتعديل الفرضية التي بدأت بها. وفرضية نيوتن هي: بدلًا من الدوران في حلقات، فإن الأشياء تسقط (Lacan, 1998a, ص. 141).
ما إن توضع الفرضية في مكانها حتى يمكنك البدء في إنشاء النظام وملاءمة شتى التجارب والحسابات مع ذلك النظام، لكنك لا تؤكد الفرضية نفسها ولا تدحضها أبدًا. الفرضيات لا تتغير إلا في سياق «الثورات» العلمية. وبقوله هذا كله، يشير لاكان إلى أن فرضيته هنا - أي أن ثمة ضربًا من الخطاب يمكن أن يكون منظمًا على نحو مخصوص بالنسبة إلى ما يسميه le semblant - ليست شيئًا قابلًا للاختبار أو البرهنة. لكن هذا لا يمنعنا من الحديث عنها.
وهذا يسمح لنا بترجمة هذا الجزء من العنوان على أنه «الذي لا يكون». فهو يفترض الوجود الافتراضي لنوع معين من الخطاب: «خطاب لا يكون ...»
وأضيف هنا تحفظًا صغيرًا: فبعضكم قد يدرك أن الصيغة الشرطية في الفرنسية يمكن أن تعمل، في الوقت نفسه، كما يعمل الشرط الإنجليزي الأقدم would في عبارة مثل «I would go»، وهي عبارة كان لا بد في الإنجليزية الأمريكية من ترجمتها الآن إلى «I would like to go». وهذا يتيح لنا أن نقدم ترجمة ثانوية ممكنة للعنوان على النحو الآتي: «عن خطاب لا يرغب في أن يكون ...»
لا يرغب في أن يكون ماذا؟ هذا هو السؤال! لدينا هنا مشكلتان: كيف نترجم حرف الجر الظاهري البساطة de، وهو، في خبرتي، أصعب حروف الجر ترجمة في عمل لاكان، وكيف نترجم كلمة semblant. حين ترجمتُ السمينار العشرين، اقترحتُ أن تُترجم semblant إلى «semblance»، وهو - بحسب Webster - المظهر الخارجي أو هيئة الشيء؛ أو هيئة مزعومة أو غير حقيقية، أو استعراض؛ أو شبه أو صورة أو نسخة؛ أو ظهور طيفي أو شبح.
أما Oxford English Dictionary فهو، كعادته، أكثر سخاءً: إذ يورد مظهر الشخص أو الشيء الخارجي؛ أو الشكل أو الشبه أو الصورة لشخص أو شيء، بالنظر إلى آخر مشابه؛ أو مظهر الشخص أو سلوكه، بما يعبّر عن أفكاره ومشاعره، إلخ، أو يكون مصطنعًا لإخفائها؛ أو مظهرًا أو تبدّيًا خارجيًا لشيء غير موجود فعلًا أو تختلف حقيقته عن مظهره؛ أو شبحًا أو رؤية لشخص، إلخ؛ أو مجرد المظهر؛ أو شخصًا أو شيئًا يشبه آخر؛ أو شبهًا أو صورة أو نسخة من شيء؛ أو حقيقة التشابه أو كونه شبيهًا بشيء؛ أي: الشبه، والتماثل.
يمكن استعمال اللفظ الفرنسي في المفرد والجمع، في حين أن اللفظ الإنكليزي يُستعمل عادة من دون أداة تعريف أو جمع، لكن مجال المعنى والجذر الاشتقاقي يكادان يكونان متطابقين. فضلًا عن ذلك، لا يوجد في الفرنسية - في حدود علمي - لفظ آخر يقابل «semblance» الإنكليزية. ومع ذلك، لم يمنع هذا أحدًا في العالم الناطق بالإنجليزية من تبنّي الترجمة الشاذة «semblant».
يسجل OED كلمة «semblant» في الإنجليزية على أنها غامضة وقديمة، ونسختي الشخصية منه تعود أصلًا إلى عام 1971. وكان يمكننا بطبيعة الحال إحياءها لو لم توجد ترجمة جيدة للفرنسية semblant، كما في حالة semblable.
لكن يبدو لي أن «semblance» تؤدي المهمة جيدًا في جميع السياقات التي صادفتها حتى الآن. وأعتقد أيضًا أنه من الأفضل تجنب تحويل كل كلمة فرنسية عادية يستخدمها لاكان إلى شيء فتيشي، بحيث يتحول الخطاب اللاكاني في الإنجليزية إلى حقل متصلب ومزدحم بالمصطلحات.
«عن خطاب لا يكون [أو لا يرغب في أن يكون] [de] من المظهر».
ونصل هنا إلى الجزء الأصعب. فـ«of» و«from»، وهما الخياران الأرجح، لا تبدوان دالتين كثيرًا، مما يوحي بأنه لا بد من النظر أبعد قليلًا، كما هي الحال كثيرًا مع لاكان. وبالنظر إلى شروح لاكان للعنوان في الصفحتين 18 و19 من السمينار، قد نخلص إلى أن «about» هو الأنسب: «عن خطاب لا يكون عن المظهر». ويفترض أن مثل هذا الخطاب، بتجنبه الحديث عن مجرد المظاهر، سيكون خطابًا عن الحقيقة ذاتها!
غير أنه إذا تذكرنا الدرجة التي يرى بها لاكان أن الحقيقة متشابكة لا انفصام فيها مع بنية تخييلية، مثل قوله: «الحقيقة لا تتقدم إلا على أساس بنية تخييلية» (ص. 133)،(2) وأنها لا تظهر إلا داخل أطر الخيال - سواء كانت أطر الفانتازيا أو الأحلام أو القصص القصيرة لإدغار آلان بو - فلابد أن نتساءل هنا. فالبحث التحليلي النفسي يتعلق بالحقيقة بوصفها شيءًا يُفكك انطلاقًا من خطاب المُعالج/المُعالَجة الذي لا يكذب إلا بالضرورة، خطاب لا يستطيع إلا أن يقول الحقيقة نصفَ قول، أو أن يقول الحقيقة نصفَ قول، بدل أن يقول «الحقيقة كلها ولا شيء سوى الحقيقة». وكما يقول لاكان في الصفحة 26 من السمينار: «الحقيقة ليست نقيض المظهر. الحقيقة هي البعد - demansion [وهذه نحتٌ لفظي يجمع بين dimension وmansio اللاتينية، أي المسكن أو المأوى، ويمكن ترجمته إلى مسكنٍ، أو مجالٍ للسكنى، أو dwealm؛ كما أن تحويل الحرف الأول من i إلى e يجعله يشبه كلمة “demand” أيضًا] - الذي يرتبط ارتباطًا صارمًا ببعد المظهر».
«خطاب لا يكون عن المظهر» ولكن عن الحقيقة نفسها، سيقترب إذن، على ما يبدو، من نوع من الحقيقة عن الحقيقة، أي من خطاب يعتقد أن له وصولًا مباشرًا إلى الحقيقة من غير أن يمر عبر الممرات الماكرة والمخادعة للكلام. وربما لا يكون التمييز بين المظهر والحقيقة هو الوحيد الملائم هنا. وهذا لا يعني أننا مضطرون إلى استبعاده: فمع لاكان، التراكم هو اسم اللعبة - إذ تُختار العناوين لأنها تسمح بقراءات متعددة!
يخبرنا لاكان مبكرًا في السمينار أنه يساوي بين الدال والمظهر («هذا المظهر هو الدال في ذاته»، ص. 14؛ «الدال مطابق لحالة المظهر بما هي كذلك»، ص. 15؛ وانظر أيضًا، في وقت متأخر جدًا، «الدال، أي المظهر بامتياز»، ص. 121). ومن أهم الفروق التي يواصل التأكيد عليها في السمينار الفرق بين الدال والحرف، أي بين الكلام - وتذكروا أن لاكان يذكّرنا في السمينار العشرين بأن الدال هو ما تسمعه بأذنيك - والكتابة. وكما يعبّر في الصفحة 118: «لا شيء يسمح لنا بأن نخلط، كما حصل [مع ذلك]، بين الحرف والدال». وهذا جزء من الجدل غير المعلن بالكامل في السمينار مع دريدا، الذي لا يذكره لاكان اسمه مرة واحدة، رغم أنه يصف ورقته عن لوح فرويد السحري بأنها هراء محض في الصفحة نفسها (ويورد ميلر إحالةً إلى ورقة دريدا عن Wunderblock فرويد، المعروفة بالإنجليزية باسم «اللوح الكتابي [أو السحري] العجيب»).
وعلى الرغم من أن دريدا لم يكن قد نشر بعد نقده الواسع والسّاخر للاكان في «Le facteur de la vérité»، الذي نُشر في مجلة Poétique عام 1975 (ودخل في العام نفسه Yale French Studies 52 بعنوان «The Purveyor of Truth»، ثم في The Post Card عام 1987، وجزئيًا في The Purloined Poe عام 1988)، فإن لاكان كان يدرك بوضوح أن دريدا كان يشرع في نقده هو والتحليل النفسي عمومًا بسبب تفضيلهما الكلام على الكتابة. (والإحالة إلى arché في السمينار، في الصفحات 83 وما يليها، هي بوضوح إحالة إلى دريدا).
يبذل لاكان في السمينار الثامن عشر جهدًا كبيرًا لكي يوضح مواقفه الأكثر نضجًا بشأن التداخل بين الكلام والكتابة، وبين تطور اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة، بما في ذلك استطراد غامض إلى حد ما حول العلاقة بين الحروف الصينية المكتوبة والكلام الياباني، وهو استطراد من المرجح أن يمر فوق رؤوسنا نحن الذين لا نعرف هاتين اللغتين إلا معرفة محدودة جدًا.
نجد في هذا السمينار ما قد يكون أطول عودة من لاكان إلى المواقف التي صاغها في «سمينار حول “الرسالة المسروقة”» - إذ يوضح هنا مرارًا متى يكون يشير إلى الحرف بوصفه رسالة ومتى يكون يشير إليه بوصفه نقشًا، وهو ما كان نادرًا ما يفعله في تلك المقالة بعينها؛ ويبدو أن ذلك أدى إلى كثير من سوء الفهم أو التأويلات الجائرة التي نجدها في The Title of the Letter لنانسي ولوكوبار-لابارت (1992). وأظن أن الوقت كان قريبًا من هذه الفترة، حين كان دريدا يتحدث عن لاكان وعن الرسالة المسروقة في سميناره هو مع هؤلاء الطلبة البارزين، وأن لاكان كان يتلقى على الدوام تقارير عمّا دار في ذلك السمينار من أشخاص يعرفهم؛ وتذكروا أنه في السمينار العشرين يشير إلى هذين المؤلفين بوصفهما sous-fifres، أي صغار الخدم - وهو، بعبارة ما، يراهما عملاء أو أتباعًا لذلك الجاك الآخر.
إن التمييز بين الدال - بوصفه قائمًا على الكلام والسماع، ومن ثم أكثر عرضة لسوء الفهم - والحرف بوصفه مكتوبًا أو منقوشًا، يقودنا إلى ترجمة أخرى ممكنة لعنوان السمينار: «عن خطاب لا يكون قائمًا على المظهر» - أي: «عن خطاب لا يكون قائمًا على الدال بل على الحرف، خطاب لا يقوم على الكلام بل على الكتابة». وإذا دفعنا هذا خطوة أخرى - وهي خطوة يهيئنا لاكان لها صراحة في الصفحة 122 من السمينار، حيث يقول: «الكتابة - أي الحرف - في الحقيقي، والدال في الرمزي» - أمكننا أن نفسر العنوان هكذا: «عن خطاب لا يقوم على الرمزي بل على الحقيقي». وهذه الشروح الثلاثة، إذا أخذناها معًا، تشكل عنوانًا طويلًا جدًا، لكنها ربما تكون أبلغ قليلًا بالنسبة إليكم من العنوان الأصلي.
ومن الدعم الإضافي لترجمة du semblant على أنه «قائم على المظهر» ما يقوله لاكان في موضع آخر (ص. 124) عن الأدب الطليعي بوصفه «لا يستند إلى المظهر» (ne se soutient pas du semblant)، وهي عبارة تعني حرفيًا أيضًا «لا يقوم على المظهر» أو «لا يُؤسَّس على المظهر».
ولأعقد حياتكم قليلًا أكثر، لا بد من أن أذكر، بضمير حي، أن du semblant يمكن، اصطلاحيًا، أن يعمل مثل عدد من الألفاظ الفرنسية الأخرى، مثل du toc. فعندما تقول بالفرنسية: ça, c’est du toc، فأنت تعني أن الشيء مزيف؛ فبدل أن يكون مثلًا ألماسة حقيقية، يكون زركونًا مكعبًا؛ وبدل أن تكون حقيبة شانيل أصلية، فهي تقليد صيني رخيص. وبدل أن يكون غرانيتًا، فهو بلاستيك رمادي. C’est du bidon - إنه هراء/رديء.
Semblant أرفع قليلًا وأكثر تهذيبًا من toc أو bidon، لكن المعنى متقارب جدًا: فنحن هنا نتحدث عن خطاب لا يكون مجرد كلام فارغ أو خرافة، إن صحّ التعبير، بل يكون الشيء الحقيقي نفسه، أو الأصل بعينه! ومن هنا: «عن خطاب لا يكون مجرد مظهر» - وهي عبارة يطلقها الوضعيون المنطقيون على التحليل النفسي - أو، بصيغة ألطف قليلًا: «عن خطاب لا يكون إلا مظهرًا».
وهنا يتبادر إلى الذهن حتمًا التعبير الفرنسي faire semblant، الذي يعني التظاهر أو الادعاء. والتقابل إذن بين خطاب هو مجرد تظاهر، يخدع العين، وخطاب يفتح العين. ففي السمينار، يورد لاكان مثال ماركس في المجلد الأول من رأس المال: فالرأسمالية تحاول أن تخدعنا بمفهوم توليد الربح، بينما ما يجري في الواقع هو استخراج فائض القيمة غير المدفوع من العامل (ص. 165). وفرويد بالطبع يشتغل على الموضوع نفسه، بقدر ما يؤكد الخداع المتضمن في الوعي، وهو ما يمكننا تفكيكه عبر استكشاف اللاوعي. ويقول لاكان بوضوح في نهاية السمينار (ص. 166) إن الخطاب التحليلي النفسي «ينصت إلى خطاب لا يكون، وفي الواقع ليس» خطاب المظهر. وبعبارة أخرى، فإن المحلل الذي ينصت إلى اللاوعي يبحث عن خطاب لا يقوم على المظهر، بل يعثر عليه فعلًا.
اسمحوا لي، إذا احتملتم ذلك لحظة، أن أعيد كتابة عنوان السمينار على النحو الآتي:
عن
مجرد
قائم على
فكيف يكون الخطاب القائم على الحرف، والكتابة، والحقيقي؟ لقد قدّم لاكان بعض الأمثلة عليه في السمينار السابع عشر من خلال كتابته الخادعة في بساطتها للخطابات الأربعة:
وهو يعلّق صراحة على عدد منها في هذا السمينار، فيحدد، عرضًا، الموضع العلوي الأيسر في كل خطاب بوصفه موضع المظهر، والموضع السفلي الأيسر في كل خطاب بوصفه موضع الحقيقة. ومع استهلاله الاستكشافات الأولى في السمينار لما سيغدو لاحقًا صيغ التمايز الجنسي، نجد أيضًا رسومات إضافية لما قد يبدو عليه خطاب قائم على الكتابة - ومن الواضح أن لاكان يواصل الذهاب أبعد فأبعد في هذا الاتجاه مع نقوشه الطوبولوجية! والأشكال الطوبولوجية مثل crosscap عسيرة الوصف بالكلمات، ومستحيلة التخيل، وهي تعطل إمساك الخيال والرمزي معًا بها.
لاحظوا هنا ما قد نجده متناقضًا، إن لم يكن متعارضًا صراحة، في 1) القول إن الخطابات لا تتجاوز أربعة، وأن الماتيم الموجود في الركن العلوي الأيسر من كل واحد من هذه الخطابات الأربعة يشغله ما يعمل بوصفه المظهر في ذلك الخطاب، و2) فرضية وجود خطاب لا يكون قائمًا على المظهر! فقد يبدو أن لاكان يقترح هنا إمكانية خطاب غير مدرج ضمن الخطابات الأربعة التي سبق أن رسمها وكتبها لنا (خطاب المُحلَّل؟)؛ أو قد يبدو أنه يقترح أن واحدًا من الأربعة لا يقوم على المظهر بالطريقة التي تقوم بها الثلاثة الأخرى.
ولا شك أن من أكثر الخطابات فسادًا في نظر لاكان الخطاب الجامعي، الذي يضع المعرفة في موضع المظهر، أو كما يعبّر: حيث نرى «المعرفة موضوعة موضع الاستعمال على أساس المظهر» (ص. 118). ولأن كل شيء تقريبًا في زماننا صار جزءًا من الخطاب الجامعي أو واقعًا تحت مظلة الخطاب الأكاديمي،(3) يمكننا أن نقول إن لاكان يهدف إلى خطاب تُوضع فيه المعرفة في موضع مختلف، كما يحدث مثلًا حين تتصل المعرفة بالحقيقة، كما في استكشاف اللاوعي في الخطاب التحليلي النفسي. وبهذا المعنى، يمكننا أن نقول إن لاكان يقابل بين الخطاب الأكاديمي والخطاب التحليلي النفسي، بحيث يكون الأخير هو الخطاب الذي لا يقوم على المظهر.
إذا صح هذا، فقد يساعدنا على فهم الملاحظة التي يوردها لاكان في الصفحة 117 حين يتحدث عن الفاصل بين التمتع والمعرفة، حيث يشكل الحرف برزخًا أو حدًا بينهما. ففي الخطاب التحليلي نجد التمتع فوق المعرفة (a/S2)، وهما مفصولان بالشرطة، وما هي الشرطة في النهاية إن لم تكن نقشًا، شكلًا من الكتابة، أي حرفًا؟ ويقول لاكان ذلك مرة أخرى في السمينار العشرين: «لا يوجد شيء يمكنك أن تفهمه في الشرطة» (Lacan, 1998a, ص. 34). ولا أعتقد أنه كان يشير إلى ذلك النوع من الحانات الذي يشرب فيه المرء أكثر مما ينبغي فيفقد القدرة على فهم أي شيء يقوله له الآخرون.
أما الأمثلة الأساسية التي يوردها لاكان هنا على الخطابات القائمة في جوهرها على الكتابة بدلًا من الكلام، فهي المنطق الرمزي والمنطق الرياضي، لكنه لا يفوّت أبدًا التذكير بأن أي شيء تقريبًا في هذين المجالين لا يمكن أن يُنقل إلى الطلاب من دون استعمال اللغة العادية، أي من دون استعمال ما هو غير مكتوب. وهذا يعني أن حتى الخطابات التي تعتمد أكثر ما تعتمد على الكتابة لا تستطيع أن تستغني كليًا عن الدال.
«كيف يُبنى السمينار؟»
كما ترون، أبدأ من أبسط ما يمكن في السمينار، وسأواصل ذلك بطرح السؤال: «كيف يُبنى السمينار؟»
وكما في السمينار العشرين، يدّعي لاكان هنا أنه في موضع المُحلَّل (ص. 11)، بينما يكون جمهوره في موضع المحلل (a) - مما يوحي بأن لاكان كان لديه عدة مئات من المحللين، وهذا كثير جدًا بأي معيار تقريبًا. ويصف جمهوره بأنه plus-de-jouir pressé. ويمكن ترجمة هذا الأخير بطرق مختلفة، ولم يكن عددًا قليلًا من الحاضرين مرتاحًا له، على ما يبدو! فـplus-de-jouir - كما تعلمون - صياغة لاكانية مبنية على نحو فضفاض على الترجمة الفرنسية لـMehrwert الماركسية، أي فائض القيمة بالإنجليزية وplus-value بالفرنسية، وهو ما يجعل ترجمته إلى «فائض التمتع» أو «فائض اللذة» معقولة. وكان لاكان نفسه يترجم plus-dejouir إلى الألمانية بوصفه Mehrlust.
أما pressé فلها معانٍ متعددة، وأول ما خطر ببالي على الأقل كان مرتبطًا بعصائر الفاكهة التي يمكن أن تشتريها في فرنسا، مثل un citron pressé - وهو ما نسميه في الولايات المتحدة ليمونادة - أو une orange pressée، التي يُفترض أنها عصير برتقال معصور حديثًا، حتى لو كانت أحيانًا مجرد رغوة لا عصيرًا معصورًا فعلًا! (وأقترح أن citron هي الكلمة الناقصة في الصفحة 29 من السمينار.) وعلى هذا المستوى على الأقل، يصف لاكان جمهوره بأنه فائض تمتع معصور حديثًا، وقد نتساءل عندئذ: من الذي عُصِرَ، ومن الذي كان يعصر؟ ويبدو، ربما، أن لاكان يعتقد أنهم كانوا يعصرون منه فائض التمتع بأن يضعوه في العمل، ويجعلوه يقدّم السمينار عامًا بعد عام. ويمكن أيضًا أن نفكر في أنه يعني أنهم يستمتعون على نحو هائل بالاستماع إليه.
وبعض المُحلَّلين/المُعالَجين، بالمثل، يعتقدون أن محلليهم يتعلمون كثيرًا ويستمتعون استمتاعًا هائلًا بالاستماع إليهم، وأنه ينبغي في الواقع أن يدفعوا هم للمُحلَّلين بدل أن يكون العكس. وأظن أن ثمة معنى في التساؤل عن سبب دفع أي أحد ثمن التحليل أصلًا، لأنك تدفع أساسًا ثمن الفقد، وتدفع لتفقد شيئًا، وفي الواقع تقوم بتدريب محللك أيضًا؛ لكن هذا يصلح لموضوع آخر! ربما في متحف فرويد في لندن العام المقبل، حيث سيكون الموضوع هو التحليل النفسي والمال (انظر الفصل 1 من هذا المجلد).
لكن لاكان يذكر أيضًا presse لديهم، أي كونهم حشودًا متراصة متزاحمة في هذا المدرج، إذ يبدو أن عددهم كان أكبر بكثير من عدد المقاعد المريحة للجلوس. وبهذا المعنى، بدوا فائضَ تمتعٍ مضغوطًا.
غير أن pressé تعني أيضًا «على عجلة»، ويشير لاكان إلى أنهم، على الرغم من تموضعهم في موضع المحلل بالنسبة إليه، لا يملكون المعرفة المرتبطة بذلك الموضع في خطاب المحلل (ص. 12):
وربما كان يراهم مستعجلين إلى حد يمنعهم من اكتساب المعرفة اللازمة لشغل موضع الموضوع a في خطاب المحلل! ومن قرأ السمينارات بتفصيل يدرك كثرة الملاحظات التهكمية التي يوجهها لاكان إلى جمهوره بدءًا من هذه الفترة، إذ كان يجد صعوبة في فهم سبب استمرار المئات من الناس - الذين لم يكونوا، على ما يبدو، على دراية بكثير من النصوص التي يناقشها، وربما لم يكونوا يقرؤونها رغم حثه المتكرر - في الحضور إلى سميناره.
ومن ثم فثمة أمر غريب في بنية السمينار كما يصفها لاكان: فحديثه في السمينار بوصفه مُحلَّلًا يضع الجمهور بنيويًا في موضع المحلل، لكن هذا موضع يعجزون عن شغله على نحو كافٍ. يبدو أن لدينا هنا مُحلَّلًا غير مألوف يبحث عن محلل يليق به، لعلّه شبيه بشخصيات بيرانديللو الستة الباحثة عن مؤلف.
المظهر
الموضوعات الرئيسة في السمينار، في نظري، هي ما يلي: المظهر، والكتابة، والفالوس، واسم-الأب، و«لا وجود لما يسمى علاقة جنسية» (ص. 65). ويظهر هذا الادعاء في هذا السمينار للمرة الأولى في عمل لاكان، رغم أنه كان قد أصر قبل ذلك عدة مرات على أنه «لا وجود لما يسمى فعلًا جنسيًا» (انظر ص. 33 هنا)، والفعل هنا، من الواضح، ينبغي أن يُؤخذ بمعنى مخصوص جدًا، على نحو يشبه معنى «العلاقة» في العبارة الأشهر. وعبر قوله «لا وجود لعلاقة جنسية» فإنه لا يقصد - كما يوضح لاكان لاحقًا - أن العلاقة بين الجنسين ليست موجودة فعلًا، بل إن كل المحاولات الرامية إلى ربطها بالكلام أو بالمنطق العادي تسقط في مجال المظهر.
في المجال الإنساني، لا يُفترض المظهر إلا في الخطاب، وهو لا يتكوّن إلا بفعل الخطاب. وفي الصفحة التالية يخبرنا لاكان أن الخطاب عمومًا هو مظهر، وأنه يخلق ما نسميه عالمًا، عالمًا قائمًا على المظهر. «كل ما هو خطاب لا بد أن يتبدّى بوصفه مظهرًا، ولا شيء يُبنى فيه إلا انطلاقًا مما يُسمّى الدال» (ص. 15).
ولترجمة ما يقوله هنا إلى مصطلحات قد تكون أَقرَب إلى بعضكم، يمكن القول إن كل كلام، وكل خطاب، يدور حول البناء الاجتماعي للواقع، حيث تُهمَل مسألة الحقيقة بحرفها الكبير. لا شك أن هناك بنيات سائدة وأخرى غير سائدة، وما يُسمّى خطابات مهيمنة مقابل خطابات أقلوية، وقد يشترك أعضاء مختلفون من الجماعة الاجتماعية المعنية في بناء معين للواقع وقد لا يشتركون. لكن الغالب أن الصراعات بين هذه البنيات الاجتماعية للواقع، أو بين «الرؤى للعالم» كما كان يُقال قديمًا، تُخاض على مستوى براغماتي وسياسي، حيث يغيب مفهوم الحقيقة المطلقة غيابًا لافتًا.
إن مجرد فكرة التعددية تفترض وجود جماعات مصالح متنافسة متعددة، وهذا لا يكون ممكنًا إلا حين تُعلَّق الحقيقة بحرفها الكبير أو تُرحَّل إلى دروس الفلسفة داخل الأكاديمية.
قلّ أن يلتفت الناس إلى زلات اللسان أو إلى الحقيقة الممكنة التي تكشفها صياغة ملتبسة عندما تكون المفاوضات جارية بين الإدارة والعمل في مصنع، أو بين أحزاب سياسية متنافسة، أو بين شركاء تجاريين أو دول تحاول تسوية نزاعات حدودية.
ومع ذلك، فإن التحليل النفسي يلتفت دائمًا إلى زلات اللسان وإلى الصيغ الملتبسة - يلتفت دائمًا إلى الحقيقة بوصفها قابلة للتتبع إلى اللاوعي، سواء سمّينا هذه الحقيقة بحرفها الكبير أم لا! ففي التحليل النفسي ليست الزلات والأفعال الخاطئة مسائل هامشية أو تشتيتات، بل هي الجاذب الرئيس، والمادة الأساسية، ومركز الاهتمام.
وحين يكون اللاوعي في مركز اهتماماتنا، تصبح كل المظاهر المختلفة - سأستعمل هنا صيغة الجمع - تصبح كل المنظورات الإيديولوجية المختلفة، كأنها خطابات أناوية، أي تبلورات لرؤى عن العالم وعن الذات، ورؤى للذات في العالم، تستبعد استبعادًا منهجيًا شيئًا ما، وهذا الشيء يسمى في التحليل النفسي اللاوعي.
ومع تقدم التحليل النفسي - وأولئك منكم الذين خاضوا قدرًا كبيرًا منه يمكنهم أن يشهدوا على ذلك - تتداعى أمور كثيرة كان المرء يعتقدها عن العالم وعن نفسه. وما يُشار إليه اليوم في علم النفس المعاصر، وفي كثير من الخطابات السياسية أيضًا، باسم «الهوية» يمر في التحليل النفسي بتحول جذري، وكذلك يفعل التصور للعالم أو الواقع الاجتماعي الذي كان المرء قد أقرّه، إن لم يكن قد اعتنقه، وهو ما يقترن به عادة.
تتعرّض هوية المرء بوصفه «مغايرًا جنسيًا» للاهتزاز حين يبدأ في الانتباه إلى أفكاره ومشاعره المثلية. وقد تصبح هوية المرء بوصفه «مثليًا» أكثر تعقيدًا مع الاعتراف بجاذبيات مغايرة جنسيًا. ويتضح أن كل هوية إنما تستند تحديدًا إلى ما تستبعده وما تكبته. وتُفتح هوية الرجل أو المرأة على الشقوق الكامنة في الدرع، وحتى أولئك الذين تبنّوا فكرة أن الجندر أداءٌ لا بد أن يواجهوا الفانتازم الجوهري، وهو ليس أداءً، بل شيء آخر غير الأداء تمامًا.
يبدو أن المظهر هنا يتناول مجموع الأفكار والمعتقدات التي نحتفظ بها عن العالم وعن أنفسنا في العالم، وهي من مادة المتخيل بقدر ما يُلتقط داخل الخطاب. وتبيّن لنا هذه الأفكار والمعتقدات أنها مسنودة بالفانتازم الأساسي، وحين يُعاد تشكيل هذا الأخير في سياق التحليل النفسي، يعاد تشكيلها هي أيضًا. وهذا لا يعني أننا لم نعد مخدوعين في نهاية التحليل، أو أننا لم نعد نمتلك أي أفكار أو معتقدات لا تعدو أن تكون مظهرًا!
وقد نذهب إلى حد القول إن بعض الأفكار والمعتقدات التي نتمسك بها في نهاية التحليل لا تستبعد اللاوعي. وبهذا المعنى، فهي ليست منفصلة عن الحقيقة بالطريقة نفسها التي كانت بها الأفكار التي تمسكنا بها من قبل.
وثمة أمر آخر يقوله لاكان عن المظهر هنا يتصل بمناقشته لاسم-الأب: «لا يوجد اسم-أب يمكن أن يقوم من غير الرعد، الذي يعلم الجميع أنه علامة، حتى وإن كنا لا نعرف علامةً على ماذا هو. تلك هي الصورة عينها للمظهر» (ص. 15).
إن الرعد (tonnerre) هو العلامة النموذجية، والتي بدونها لا يمكن أن يوجد اسم-الأب، لكننا لا نعرف ما الذي يدل عليه. وطبعًا نحاول أن نعطي الرعد معنى؛ فالصينيون يسمونه حكم الله أو حكم السماء. ها نحن نسرق دجاجات جارنا، وفجأة ينفجر الرعد بصوت عالٍ. ماذا يعني ذلك؟ أننا كنّا نرتكب خطأً وقد نُعاقَب عليه قريبًا؟
في أمريكا قد تسمعون أحيانًا الناس يقولون: «لتضربني الصاعقة إن كنت أكذب». ولأن هذا لا يحدث تقريبًا أبدًا - فغالبية من يقتلهم البرق يكونون وقتها يلعبون الغولف، يلوّحون بعصيهم بدلًا من الكلام - فهذا، في الغالب، ما أسميه ادعاءً مبالغًا فيه، والناس الذين يقولون مثل هذه الأشياء كاذبون. لكن المقصود، مع ذلك، هو أنه كما أن الدال يمثل ذاتًا بالنسبة إلى دال آخر، من غير أن نعرف من هذه الذات أو ما هي، فإن العلامة تمثل شيئًا لشخص ما، لكننا هنا لا نعرف ما هذا الشيء.
ويقول لاكان الشيء نفسه عن الأعراض هنا: «الأعراض [...] أشياء تبدو لنا علامات، لكننا لا نفهم عنها شيئًا» (ص. 52).
نحن نحاول أن نسحبها إلى المعنى، أن نجد لها معنى - وهذا هو ما يفعله الطفل عندما يواجه صوت الأب الرعدي. فالطفل يفسره بوصفه نهيًا، لكن عمَّ ينهى؟ لا أحد سوى الطفل يمكنه أن يقدّم تفسيرًا له بنفسه - إذ لا معنى ملازم له من ذاته.
الفالوس
من تابع لاكان مدة من الزمن يدرك أهمية مفهوم الفالوس في عمله. وعلى الرغم من حساسيته الشديدة، خاصة في زماننا، لا يتردد لاكان في العودة إليه مرارًا، شارحًا إياه بطرائق مختلفة ومساويه بلفظ مختلف في كل مرة يتناوله فيها. وكما لا يمكنك أن تنزع النقص من لاكان أو السيد من الاستمناء، يبدو مفهوم الفالوس محوريًا جدًا في صوغ لاكان لوظيفة اللغة ولعمل الجنسية، بقدر ما تكون الجنسية لدى البشر معتمدة اعتمادًا كاملًا على اللغة.
وبحسب السمينارات والكتابات التي قرأتموها من لاكان، قد تكونون تعلمون أنه لا يفهم الفالوس بوصفه عضوًا بيولوجيًا، أي القضيب، بل بوصفه شيئًا يقع في الحقل الرمزي: الدال على الرغبة، والدال على رغبة الآخر، بل وحتى بوصفه الحاجز بين الدال والمدلول. ويذكّرنا لاكان في السمينار الثامن عشر بأنه ساوى مرةً بين الفالوس واسم-الأب، ويذكر أن بعض الأشخاص المتدينين قد صدمتهم تلك المساواة عندما طرحها أول مرة (ص. 172).
وحين يتحدث عن الفالوس في الحقل المتخيل، فإنه يكون دائمًا شيئًا سالبًا، أو ناقصًا، أو خسارة من نوع ما: ناقص فاي. وبهذا المعنى يقابل الخصاء - أي الخسارة المتخيلة للتمتع المنسوب إلى القضيب لدى الأولاد، والخسارة المتخيلة للتمتع على نحو أعم لدى البنات.
بالنسبة إلى لاكان، يشكّل الفالوس نوعًا من الحد الثالث الذي يأتي بين الرجل والمرأة، فيجعل العلاقة بينهما مستحيلة. ومن هذه الجهة هو شبيه باللغة نفسها، إذ يقيم جدارًا لا يُتخطى بين جميع البشر - رجل ورجل، وامرأة وامرأة، ورجل وامرأة - فيجعل كل تواصل بينهم سوءَ تواصل، وكل فهم بينهم سوءَ فهم. وفي نظر لاكان، لأننا كائنات ناطقة، لا توجد علاقة واضحة بين الجنسين، ولا توجد طريقة بسيطة لتعريف الرجل والمرأة.
في المملكة الحيوانية، تنظم العلاقات بين الأفراد على نطاق واسع بفعل الغريزة - وإلى حد ما، كما نتعلم، بفعل نوع من التطور الاجتماعي أو الثقافي أيضًا (انظر Avital & Jablonka, 2000) - وتكون الأدوار الجنسية محددة عادة على نحو جيد، رغم اختلافها الواضح من نوع إلى آخر. لكن أي حيوان، لأسباب واضحة، لن يخطر بباله أصلًا أن يحاول تعريف شيء مثل العلاقة بين الذكر والأنثى - بل إن أي حيوان لن يحلم حتى بمحاولة تعريف أي شيء على الإطلاق!
ما إن تظهر اللغة إلى الوجود حتى تصبح العلاقة بين الأشياء والكائنات علاقةً وسيطة، لا تحكمها الغريزة، ولا طقوس الخطبة والتزاوج التي تمليها الغريزة، بل الدوال - الدوال في صورة حكايات وأساطير وطقوس هي جزء لا يتجزأ من كل ثقافة، بما تحمله من قصص وحكمة عن علاقة الزوجين والجماعة، وعن العلاقات بين الآلهة وبين البشر والآلهة. ولا أظن أنني أكون قد بالغت لو قلت إن الفالوس اختصارٌ من نوع ما في مفردات لاكان لـالوساطة التي تُدخلها اللغة. إنه ليس وسطًا (medium, ص. 142) بين الرجل والمرأة يسمح لهما بالتفاوض حول علاقة، بل هو عقبة في وجه أي علاقة من هذا النوع.
وهذا ما يسمح للاكان في السمينار العشرين بأن يساوي بين الفالوس والحاجز بين الدال والمدلول، وذلك الحاجز يمثل استقلال المستويين النسبي، أي حقيقة أن الدال يهيمن على المدلول، وأن كلاً من الدال والمدلول يظل مستقلًا عن المرجع - المرجع الواقعي المفترض في العالم، الذي يعتقد بعض الناس، بسذاجة (مثل Richards & Ogden, 1945)، أن مهمة اللغة هي تمثيله لنا في الكلام والفكر.
وهذا أيضًا ما يتيح للاكان أن يقول إنه لا توجد علاقة جنسية لأن «العلاقة الجنسية هي الكلام نفسه» (السمينار الثامن عشر، ص. 83).(4)
كيف يتناول لاكان الفالوس في السمينار الثامن عشر؟ يبدأ بإعلانه أن «لا وجود لما يسمى علاقة جنسية» (ص. 65) بمعنى أنه مهما تكلمنا عن العلاقات الجنسية، فإن أي شيء معقول يلتقط علاقة الجنسين لا يمكن أن يُكتب. ثم يخبرنا أن «وظيفة الفالوس [...] تجعل الثنائية الجنسية غير قابلة للقيام، غير قابلة للقيام على نحو يدمر حرفيًا كل ما يمكن أن يُكتب عن هذه العلاقة» (ص. 65). ثم يواصل:
الفالوس، من خلال تركيزه على عضوٍ ما، لا يعيّن بأي حال العضو المعروف بوصفه القضيب مع فسيولوجيته، ولا حتى وظيفة الجماع التي يمكن أن [...] تُنسب إليه بشيء من الشبه بالواقع. وعندما نطالع النصوص التحليلية النفسية نرى أن الفالوس يستهدف بلا التباس صلته [العضو] بالتمتع. ومن هذه الناحية تميّزه النصوص التحليلية عن الوظيفة الفسيولوجية.
(ص. 67)
ولم يكتفِ لاكان بالتمييز بين الفالوس والقضيب بوصفه عضوًا، فقال أيضًا في الصفحة نفسها إن «الفالوس هو العضو [الذكري؟] بقدر ما هو تمتع أنثوي» (ص. 67). ويكرر ذلك في الصفحة 69، تحسّبًا لأننا لم نسمعه في المرة الأولى. لكن التكرار لا يجعل الأمر أكثر وضوحًا بالضرورة!
ويتابع قائلًا: «الأداة الفالوسية» ينبغي ألا تختلط بالقضيب. فالقضيب «يضبط نفسه على» [se règle sur، أي يتكيّف مع، أو ينحو إلى، أو يستهدف] القانون، أي الرغبة، أي الفانتازم» (ص. 70). «ومن المستحيل تمامًا وضع الأداة الفالوسية في اللغة»، أو كما يقول الناس اليوم بصورة متزايدة: «من المستحيل تمامًا “لغة” الأداة الفالوسية» (ص. 71).
أما القشة الأخيرة على الكعكة هنا - وهذا بعض ما يجعلني مقتنعًا بأن دريدا كان لا بد أنه كان يتحدث بالفعل عن «سمينار حول “الرسالة المسروقة”» في مقرره هو - فهي أن لاكان يخبرنا بأنه أمضى صباحًا قبل إعطاء درسه يعيد قراءة مقاله الصادر عام 1956 عن «الرسالة المسروقة»، فوجدَه رائعًا بطبيعة الحال؛ ويخبرنا أيضًا أنه في ذلك المقال كان «ما أتحدث عنه هو الفالوس. وسأذهب أبعد من ذلك: لم يسبق لأحد أن تحدث عنه أفضل من هذا!» (ص. 94).
وطبعًا لا يُذكر الفالوس مرة واحدة بالاسم في مجرى «سمينار حول “الرسالة المسروقة”». فنحن، مثل بقية جمهور لاكان، لا نملك في الحقيقة أي فكرة عن مكان دخول الفالوس في حديثه عن إدغار آلان بو، لكن لاكان يخبرنا في الحصة التالية، في إشارة إلى وصف بو للوزير بأنه رجل «يجرؤ على كل شيء، ما لا يليق بالرجل كما يليق به»، أن «الفالوس هو الجانب الذي لا يقال، والجانب المخزي، الذي لا ينبغي أن يُتحدث عنه فيما يخص الرجل» (ص. 96). ومهما كان معنى ذلك! (هل للفالوس علاقة بجرأة الأشياء التي لا تليق [بالرجل]؟).
ويمضي لاكان حتى يكرر شيئًا ألمح إليه في عنوان مقاله لعام 1958، «Die Bedeutung des Phallus». وكما أشرت في هامش على ترجمتي لـÉcrits، فإن العنوان الفرنسي، الذي يعني حرفيًا «دلالة الفالوس»، يمكن أيضًا أن يُفهم بوصفه «الفالوس بوصفه دلالة». وهنا يقول لاكان صراحة إن عنوانه هو:
حشو لغوي. ففي اللغة لا توجد دلالة أخرى غير الفالوس. وفي التحليل الأخير، لا تشير اللغة [...] إلا إلى استحالة ترميز العلاقة الجنسية بين الكائنات التي تسكن هذه اللغة، لأن قدرتهم على الكلام تنبع من هذا المسكن [qu’ils tiennent la parole].
(ص. 148)
ويضيف في الصفحة التالية: «اللغة مؤلفة من Bedeutung واحدة فقط (دلالة واحدة)» (ص. 149).
وهذا ما يمنح اللغة بنيتها، التي تقوم في كوننا لا نستطيع، لأننا نسكنها على وجه الدقة، ألا نستعملها إلا استعاريًا، ومن ثم تنشأ عنها كل حالات الجنون الأسطورية التي يعيش بها قاطنوها، وبالمجاز المرسل، منها يستمدون القدر الضئيل من الواقع الذي يبقى لهم في صورة فائض التمتع.
(ص. 149)(5)
وقد تتذكرون أن لاكان يترجم أحيانًا Bedeutung لا على أنها دلالة بل على أنها signifiance، وقد اقترحتُ أن تُترجم هذه الأخيرة إلى «الدالّية» أو «دالّية الدال» - إن شئتم - (انظر Lacan, 1998a, ص. 18-19، الحاشية 12).
يبدو أن لاكان يدعي هنا أن كل خطابنا المعقد وكل كتابتنا المعقدة إنما تتحرك بدافع، ومن ثم ترتبط بدرجة أو بأخرى، بعدم وجود علاقة قابلة للصياغة بين الجنسين. نحن نتكلم ونكتب لكي نشهد على عدم وجود تلك العلاقة و/أو ننكره - أي لكي نشكو من أنها لا توجد، أو لنبيّن كيف أنها توجد أو لا بد أن توجد على نحو جانبي أو مجرد أو منزوع الدسم (مثلًا، في العلاقة بين الشكل والمادة). ومن ثم تميل كل نظرياتنا في كل مجال إلى الدوران حول صور واستعارات تقوم على الرغبة في أن تكون مثل هذه العلاقة موجودة! ولهذا السبب تتألف اللغة من دلالة واحدة فقط (وهي أساس الدالّية كلها): الفالوس الذي يجعل أي علاقة بين الجنسين مستحيلة.
وفي نهاية السمينار، يشير لاكان إلى أن الفالوس له علاقة بالصفر، الذي يسمح بانطلاق سلسلة كاملة، ويربط الصفر هناك بمقتل الأب في الحشد البدئي (ص. 176-77). فبمجرد قتله، يمكن إنشاء سلالة أو سلسلة من القادة (n + 1 عند بيانو)، مثل هنري الأول، هنري الثاني، إلخ. وسنعود قليلًا إلى الحشد البدئي.
وبالعودة إلى القسم الأسبق من السمينار، نلاحظ أنه يطرح: «العلاقة الجنسية مفقودة من حقل الحقيقة لأن الخطاب الذي يثبتها لا يقوم إلا على أساس المظهر» (ص. 149).
لأننا نتكلم، فإن هناك
انقسامًا لا يُداوى بين التمتع والمظهر. فالحقيقة تقتضي الاستمتاع بالتظاهر أو التصنع [jouir à faire semblant]، وألا نقر في أي حال بأن واقع هذين النصفين [التمتع والمظهر] لا يهيمن إلا بقدر ما يؤكد كل منهما أنه قائم على الآخر، أي بالكذب بالتناوب عبر أسناننا. هذه هي نصف-قول الحقيقة.
(ص. 151)
ولا ينبغي أن يفاجئنا، بعد هذا كله عن المظهر، أن ينتهي لاكان إلى توصيف الفالوس نفسه بوصفه مظهرًا: «إنه على وجه الدقة الفالوس بوصفه مظهرًا [le semblant du phallus] الذي يشكل النقطة المحورية، مركز كل ما يمكن أن يُبسط ويُحتوى بخصوص التمتع الجنسي» (ص. 170).
وإذا كان علينا أن نعدّ الفالوس نفسه مظهرًا، فيجب مع ذلك أن نتذكر أنه - بوصفه الحاجز بين الدال والمدلول - هو الأساس الذي يقوم عليه النظام الدال كله. ولكي نتجاوزه، ولكي ندخل في خطاب لا يقوم على المظهر أو لا يتكون به، يبدو أننا مضطرون إلى الانتقال إلى مستوى الكتابة.
صيغ التمايز الجنسي
وهذا ما يقودنا إلى المناقشة الكاملة لصيغ التمايز الجنسي، التي تبدأ في السمينار الثامن عشر وتستمر في السمينارات التاسع عشر والعشرين والحادي والعشرين. ينبغي أن تكونوا على علم بأن هذه الصيغ لا تظهر فجأة ذات يوم في خطاب لاكان، بل تتطور ببطء على مدى عدة سنوات، وأن ليس كل ما يقوله عنها متوافقًا بالضرورة مع ما يقوله في مواضع أخرى (كما رأينا مع الفالوس).
وقد قُدمت هنا مباشرة بعد عودة وجيزة إلى التمييز بين الوجود والامتلاك الذي قدّمه لاكان أول مرة في «ملاحظات توجيهية لمؤتمر حول الجنسية الأنثوية» المكتوبة عام 1958 (وهي مدرجة في Lacan, 2006a، ص. 725-36). ويسبق ذلك إعلانه لنا، ولعلها المرة الأولى في ظني، أن «المرأة لا توجد». ثم يواصل:
النساء يتمنين لو أن المرأة توجد، ويحْلمن بأن المرأة موجودة، وهذا التمني (أو الحلم) هو ما قاد إلى [اختراع] دون جوان. وكان سيكون رائعًا لو وُجد رجل توجد عنده المرأة، لأننا كنا سنكون متأكدين من رغبته. دون جوان هو تخييل أخرق من جانب النساء.
(ص. 74-75)
ويشير إليه في موضع آخر بوصفه فانتازم المرأة. وسأعود بعد قليل إلى أهمية دون جوان.
ويذكر لاكان أن الأسطورة التي يطورها فرويد في الطوطم والمحظور يمكن، للوهلة الأولى على الأقل، «أن تمرّ نفسها بوصفها نقشًا أو كتابة للعلاقة الجنسية» (ص. 105).
توحي الأسطورة بأن الأب البدئي يسيطر على جميع النساء ويملك الوصول إليهن، وهو ما يصفه لاكان بأنه «علامة واضحة على استحالة» (ص. 106). وفي موضع آخر يخبرنا أن الرجل يعاني أصلًا ما يكفيه من العناء في إرضاء امرأة واحدة - ففكرة أنه قد يرضي أكثر من واحدة هي، على أقل تقدير، بعيدة عن المعقول!
أما الفكرة الأهم هنا - بما أن أسطورة فرويد لا تقول في الحقيقة ما إذا كانت نساء الحشد البدئي راضيات أم لا - فيبدو أنها تكمن في أنه من الممكن فقط، من المنظور الأسطوري، أي من وجهة نظر أب الحشد البدئي، أن نجمع كل النساء ونصفهن بأي صفة واحدة بعينها - وفي هذه الحالة يوصفن بأنهن تابعات للأب البدئي.
وبعبارة أخرى، لا يمكن القول إن جميع النساء يشتركن في خاصية مشتركة إلا داخل هذه الوضعية الأسطورية، وبذلك لا يمكن بناء مجموعة النساء كلها إلا انطلاقًا من سمة أو خاصية معينة (هي الانتماء إلى الأب البدئي). وهذا، بحسب لاكان، هو الشيء الوحيد الذي يتيح لنا استعمال عبارة «كل النساء هن y»، وهو الشيء الوحيد الذي يتيح لنا الحديث عن La femme، والشيء الوحيد الذي يتيح لنا الحديث عن المرأة بحرف كبير W.
وبعبارة أخرى، حين يقول لاكان إن «المرأة (بحرف كبير W) لا توجد» فهو يعني أنه، خارج عالم الأساطير الفرويدية، لا توجد خاصية مشتركة بين جميع النساء تسمح لنا بأن نقول إنهن جميعًا ينتمين إلى المجموعة نفسها أو يمكن جمعهن في أي مجموعة بعينها. لا يوجد شيء يمكن أن يُقال بأي معنى إنه ماهية النساء، أو يعرّف ما يشترك فيه كل النساء بحيث يجيز لنا أن نسميهن جميعًا نساء. وإذا صغنا ذلك بشكل مختلف قليلًا، فحين نصادف فردًا ما، لا توجد سمة يمكن أن نبحث عنها في ذلك الفرد وتسمح لنا تلقائيًا بوصفه بأنه امرأة.
غير أن دون جوان هو الرجل الأسطوري الذي يرغب في جميع النساء، وهذا قد يوحي بأن ثمة ربما سمة مشتركة بين النساء جميعًا تجعل كل واحدة منهن مرغوبة لديه. ومن خلال قوله إن النساء يوددن أن يصدقن وجود مثل هذا الرجل، وبتسميته دون جوان فانتازمًا أنثويًا، يبدو لاكان كأنه يقول إن النساء يتمنين أن يُجمعن في فئة واحدة، ربما لأنه يرى أن ذلك يتيح لهن أن يطمئنن إلى كونهّن مرغوبات. فبقدر ما يوجد رجل يرغب فيهن جميعًا لمجرد أنهن نساء، فإنهن يعرفن أنهن مرغوبات. ومن ثم تنبثق من عدم اليقين لدى النساء بشأن كونهن مرغوبات منطقيةُ رغبتهن في الإيمان بامرأة بحرف كبير W. فإذا وُجد دون جوان، عرفت كل امرأة أنها مرغوبة على الأقل من أحد ما.
وهذا ما يتيح للاكان أن يقول إن الهستيريّة ليست امرأة بل تضع نفسها بدلًا من ذلك بوصفها toute femme، أي بالنسبة إلى كل امرأة، أو المرأة بحرف كبير W (ص. 155)، أي بالنسبة إلى ما تظنه جوهر الأنوثة، وهو شيء تعتقد أنها تشاركه مع جميع النساء ويجعلها عضوًا في مجموعة النساء كلّهن. وجزء من المشروع التحليلي النفسي هو المساعدة في تحويل هذا الوضع بحيث تضع نفسها بوصفها امرأة، لا بوصفها المرأة بما هي كذلك (ص. 155-56).
لاحظوا أنه في المثالين معًا، أي الطوطم والمحظور ودون جوان، تتكوّن مجموعة النساء كلها أسطوريًا في علاقتها برجل: أب الحشد البدئي الذي يمتلك جميع النساء، أو النبيل الذي يرغب في جميع النساء.
ويوضح لاكان أنه يرى الطوطم والمحظور إنتاجًا عصابيًا، لكنه يصر على أن كون النص من إنتاج عصاب فرويد لا يطعن بأي حال في حقيقة البناء (ص. 161). وما يشير إليه هو العكس الموجود في الطوطم والمحظور بالنسبة إلى عقدة أوديب. ففي الأسطورة الأوديبية، على الأقل كما يرويها سوفوكليس، يكون فرض القانون ضد سفاح القربى هو الذي، بطلبه من أوديب أن يغادر سرير أمه الملكة، يخلّص المدينة من الطاعون ويضمن التمتع للطيبيين (القانون
التمتع). أما في أسطورة الحشد البدئي، فنجد التمتع في البداية والقانون لاحقًا (التمتع
القانون)، والنتيجة أن جميع الأبناء الذين توحدوا لقتل الأب صاروا محرومين من كل النساء، لا من الأم وحدها (ص. 160؛ وينشأ هنا نظام التزاوج الخارجي). وهذا أمر نصادفه بوضوح في عملنا السريري مع الوسواسيين، ويبدو أنه الطريقة الخاصة جدًا التي يجمع بها الوسواسي جميع النساء - فهن جميعًا محرمات عليه بقدر ما ينتمين جميعًا إلى الأب! وبعبارة أخرى، فإن الأسطورة التي يقدّمها فرويد في الطوطم والمحظور ليست شيئًا ينبغي أن يُحشر في الماضي السحيق: إنها لا تزال حيّة في كثير من العصابيين حتى اليوم.
لنتخيل أنكم، لأي سبب أخرق ومختلق، أردتم التعبير عن عدم وجود المرأة بلغة رياضية. ماذا ستقولون؟ إذا أخذنا أي فرد، ولنسمِّ هذا الفرد x، فبوسعنا حتى أن نربط ذلك الفرد بمحور x، الذي يضم جميع الأفراد المحتملين -
مهما كان الشيء الذي نفكر فيه، ومهما بلغ إبداعنا في ابتكار خصائص مختلفة، فلن نتمكن من القول إن كل x يقع على هذا المحور يمتلك خاصية معينة، ولنسمها y. لماذا لن نتمكن من ذلك؟
قد يمتلكها بعضهم، وقد لا يمتلكها بعضهم الآخر. وبالنسبة إلى من يمتلكها، سنتمكن من كتابة x·F(x) - وتُنطق عادة، على حد علمي، «إكس بحيث إن F لإكس». يوجد فرد x بحيث يمتلك x الخاصية y، ومن ثم يمكن وصفه بالدالة F.
F(x) = y.
وهذا سيسمح لنا برسم عدد من النقاط على الرسم البياني، لكن «المنحنى» الناتج لن يكون متصلًا.
والشيء الوحيد الذي سنكون قادرين على قوله بدرجة من اليقين هو أن ليس كل فرد x يمكن وصفه بالدالة F. ليس جميعهم قابلين للوصف بهذا الشكل: ومن هنا جاءت pas-toutes الشهيرة عند لاكان. وهنا (ص. 141 وما بعدها) لا يذهب إلا إلى حد القول: «ليس من شأن كل x أن تُكتب الدالة Phi لـx».
ومن الواضح أنه لا يشير هنا إلى خاصية بيولوجية ما، أو إلى خصوصية تشريحية أو صبغية، بل إلى خاصية تتصل بالعالم الاجتماعي للغة. فلو كان ثمة حشد بدئي يحكمه أب بدئي، لكان بالإمكان أن نصف جميع النساء في ذلك الحشد بأنهن تابعات له. لكن بما أنه لا يوجد مثل هذا الحشد، فلا يمكننا ذلك (بغض النظر عمّا يظنه الوسواسي؛ انظر اللقطات السريرية التي تلي هذا المقال).
لاحقًا، كما تعلمون على الأرجح، يدفع لاكان هذا الأمر أبعد بكثير، لأننا لا نحتاج إلى كتابة tout بحرف s في النهاية، ما يعني أننا ننتقل من «ليست كل» النساء إلى «ليست المرأة كلها» في أي امرأة بعينها.
Pas-toutes: ليست كل [النساء]
Pas-toute: ليست كلها [ليست المرأة كلها]
ويتعقد الأمر، بطبيعة الحال، بسبب أن حرف الـs الدال على الجمع لا يُنطق في الفرنسية المنطوقة، ولأن أغلب مؤلفات لاكان قيلت شفهيًا - حسنًا، تفهمون الصورة! ولن أطيل هنا في شأن «اللا-كلية»، فقد ناقشتها بإسهاب في موضع آخر (انظر Fink, 1995, 2002).
ويترتب على دعوى لاكان هنا ما يبدو بدهيًا من الناحية المقابلة، أي أن الأمر بالعكس مع الرجال - أي أن ثمة خاصية y توجد لدى جميع الرجال. والسؤال هو: ما تكون تلك الخاصية؟
الطريقة التي يصوغ بها لاكان الأمر هنا، وترجمتي المتحفظة تعكس الفرنسية غير المعتادة، هي:
الرجل هو الوظيفة الفالوسية/وظيفة الفالوس/بقدر ما هو كل رجل [L’homme est fonction phallique en tant qu’il est tout homme.]. لكن كما تعلمون، ثمة شك هائل في ما إذا كان ذلك «كل رجل» موجودًا بالفعل. فهذه هي مواضع الرهان هنا: لا يستطيع أن يشكل الوظيفة الفالوسية إلا بقدر ما يكون كل-رجل، أي على أساس دال، لا أكثر.
(ص. 142)
وهذا يطابق بوضوح صيغة التمايز الجنسي الخاصة بالرجال التي ستأخذ الشكل النهائي: ∀xФx.
وتوحي شروح لاكان هنا بأن المسألة ليست أن كل رجل يتصف بالوظيفة الفالوسية، بل إن الفرد لا يكون موصوفًا بها، أو مدرجًا تحتها، أو خاضعًا لها، إلا بقدر ما يكون كل-رجل. إنه فالوسي بقدر ما هو كل-رجل. وفي الاستعمال اليومي، كل-رجل هو الرجل العادي، الرجل الشائع، الرجل الذي نصادفه في الشارع.
الكتابة
قبل أن أختم، دعوني أشير إلى أمر يتعلق بالكتابة هنا. فالكلام، الذي يعتمد على اللغة بوصفها نظامًا (la langue)، يتصل بمجال المظهر، لأننا في ذلك المجال نسعى عمومًا إلى sens، أي المعنى - أي أننا نحاول أن نعقل المعنى. أما الصرامة فتظهر في الرياضيات، حيث لا يوجد معنى، بحسب بعض الرياضيين، كما يحب لاكان أن يكرر.
أما بحسب لاكان:
لا يمكن التحقيق في سوى مجال الحقيقة [demansion] في مسكنها [demeure] [...] إلا عبر الكتابة، لأن المنطق لا يتأسس إلا على الكتابة.
(ص. 64)
لا يمكن أن يوجد منطق إلا على أساس الكتابة، بقدر ما أن الكتابة ليست لغة. ومن هذه الجهة قلتُ إنه لا يوجد شيء اسمه لغة فوقية. والكتابة نفسها، بقدر ما تتميز عن اللغة، موجودة لتبيّن لنا أنه إذا أمكن التحقيق في اللغة عبر الكتابة، فلأن الكتابة ليست لغة، بل لأنها لا تُبنى أو تُصنع إلا على أساس إحالتها إلى اللغة.
(ص. 65)
ومن ثم فالكتابة لا تشكل لغة فوقية، وهي نفسها تترك آثارًا على اللغة والكلام، ومع ذلك فهي تتيح لنا التحقيق في طبيعة الخطاب والجنسانيّة: يشهد على ذلك كتابات لاكان للخطابات الأربعة وصيغ التمايز الجنسي، التي تتيح مناقشات لا يتيحها الكلام العادي.
لاحظوا هنا دعوى غريبة لم يفسرها لاكان، لكنها ستعود لاحقًا في عمله: «الكتابة/المكتوب [l’écrit] هو التمتع» (ص. 129).
خاتمة
إن النقاط القليلة التي ناقشتها اليوم لن تساعدكم على فهم كل شيء في السمينار، لكن لا شيء يمكنه أن يساعدكم على فهم كل شيء! وقد تجنبتُ التطرق إلى الجوانب العديدة من السمينار التي لا أشعر أن لي أيّ قدر من الإمساك بها، وقصرتُ انتباهي على ما آمل أنني قلت عنه شيئًا مثيرًا، إن لم يكن مضيئًا.
ولكي أشجعكم على قراءة السمينار أو إعادة قراءته، دعوني أذكر فقط أن لاكان يصف فيه، على نحو شهير، الـsuperego بأنه يقول للذات «تمتَّع!» (ص. 178)، وأن لاكان يخبرنا كيف يمارس الحب. وقد قُدمت هذه الورقة في دبلن، أيرلندا، في 18 سبتمبر 2009، أمام جمعية التحليل النفسي والعلاج النفسي في أيرلندا (APPI) بدعوة من بولين أوقالهان. ونُشرت في Lacunae: Journal for Lacanian Psychoanalysis, 1/1 (2010)، ص. 62-90. وفي اليوم التالي، قدّمتُ حالةً بعنوان «دور المظهر في تكوين “الهوية”» (وهي مدرجة هنا بوصفها الفصل 12 في هذا المجلد)، مسبوقةً باللقطات السريرية الآتية:
الصلة السريرية لأسطورة فرويد عن الحشد البدئي
سأصف هنا بإيجاز حالتين مختلفتين تبيّنان، على الأقل جزئيًا، صلة أسطورة فرويد عن الحشد البدئي.
الحالة 1
في الحالة الأولى، نجد سلسلة كاملة من التعليقات التي كان والدُ المُعالَج يدلي بها عن الفتيات اللاتي كان الابن معجبًا بهن أو اللاتي كن في صفوفه. وقد أخبره والده مباشرة أنه وجد صديقته الأولى جذابة جدًا، وسرق المُعالَج مرةً ورقة نقدية من فئة مئة دولار من محفظة أبيه ليعطيها لها، رغم أنه لا يستطيع أن يتذكر هل كان ذلك قبل أو بعد تعليق والده على جمالها.
ولاحقًا وجد الأب إحدى زميلات ابنه في الصف جذابة جدًا ذات يوم على الشاطئ. وعلى الرغم من أن الابن لم تعجبه ملامحها، فإنه شعر بعد ذلك أنه ينبغي أن ينجذب إليها.
ثم صار يريد من أبيه أن يقول شيئًا لطيفًا عن صديقته في الجامعة، وشعر بخيبة أمل كبيرة لأن أباه لم يفعل، كما لو كان قد تعمد أن يجد امرأة لأبيه، أو على الأقل امرأة يوافق عليها أبوه.
ويقول إنه يراودَه أحيانًا إحساس بأنه ينبغي أن يحصل على امرأة من أجلي: إذ يظن أنني أريده أن يفعل ذلك ليبرهن أن التحليل قد مكنه من التغلب على ضعف الانتصاب، لكنه يظن أيضًا بالتناوب أنني أريده أن يتعلم «الاستمتاع بكونه وحيدًا».
التحليل النفسي معي، كما يقول، يعوقه عن أن يكون مع امرأة، ومع ذلك ربما يساعده على التغلب على ضعف الانتصاب. وقبل أن يبدأ التحليل، كان يخرج أكثر للقاء النساء؛ أما الآن فيبقى في البيت يفكر في أشياء يقولها لي، وقد أصبحت ليبيدوه مشغولة بالصراع معي أو بالاشتباك معي.
فكل امرأة ارتبط بها تقريبًا كانت مرتبطة أصلًا بشخص آخر، شعر أنه يسرقها منه، حتى لو كانت علاقتها بالرجل الآخر قد انتهت منذ زمن طويل.
إنه يحب أن تكون، على نحو ما، امرأةً لرجل آخر، ويفضّل أن تكون امرأة لرجل يشبه أباه: قويًا، فالوسيًا، ومتسلطًا. ويرى نفسه ذلك الصغير الماكر الذي يلتف من خلف ظهورهم. (وهو لا يشبه الفحل الصغير الذي يثير مباشرةً الفحل الأكبر، قائد القطيع، فيجبره على الابتعاد عن القطيع حتى ينهك، ثم يعود الأصغر في النهاية ويقترن بالمهرات). إنه لا يثير أحدًا مباشرة - بل يتسلل. وهو في جوهره يستمتع بخداع الرجال الآخرين أو خيانتهم، حتى عندما يكونون أفضل أصدقائه.
ومتى وجد نفسه جالسًا على الأريكة في غرفة الجلوس بجوار فتاة يعتقد أن أباه سيجدها جذابة، سواء هو وجدها كذلك أم لا، شعر وكأن ثمة صوتًا يقول له: «قبّلها!». وهو يشعر أنه ليس رجلًا إن لم يفعل ذلك من أجل أبيه، مع أن أباه كان ميتًا منذ عدة سنوات. ويشعر أنه حين يكون مع امرأة، عليه أن يستدعي قدرة أبيه ليتمكن من مضاجعتها، وأنها تبقى بطريقة ما ملك أبيه لا ملكه.
جميع النساء، في ذهنه، ملك أبيه لا ملكه. وبهذا المعنى، يكون أبوه، في نظره، شبيهًا بأب الحشد البدئي.
الحالة 2
تبدأ اللقطة الثانية بالمثل الياباني القديم: «المسمار البارز يُطرق إلى أسفل». يشعر هذا المُعالَج أنه سيُعاقَب إذا سعى وراء امرأة لأنها تخص شخصًا آخر. ومع ذلك فهو، في الغالب، يفضّل هذا السيناريو حين يلاحق النساء، بل إنه أنجب طفلًا من امرأة من وراء خطيبها.
وفي إحدى أكثر فانتازياته شيوعًا، تُظهر امرأة أنها تريده فعلًا وتحبه؛ أما هو فلا يفعل شيئًا وليس لديه شيء يجعله محبوبًا: لا مكانة اجتماعية، ولا مال، ولا إنجازات (ربما كانت هذه تهدد أباه؟). ولو كانت لديه مكانة أو مال أو إنجازات، فقد تحبه المرأة لتلك الأمور فقط، لا لذاته، وفي النهاية ستتركه من أجل شخص يملك من تلك الأمور أكثر منه.
إذا رغبَتْ فيه ولم يفعل هو شيئًا يسبّب ذلك، فلن يستطيع الأب أو أي رجل آخر أن يحسبها عليه: فالمرأة هي الطرف المسؤول الوحيد، ورغبته هو ليست داخلة في الحساب. أما لو دخلت رغبته هو في الحساب، فستصطدم برجل أو أب تؤول إليه - بحق، في نظره - جميع النساء.
ملاحظات
1 «أعتذر لأن الأمور كانت لا بد أن تكون مبتورة هذا العام» (ص. 177).
2 مثال آخر: «الذات [هي] ما ينقسم في الفانتازيا - وبعبارة أخرى، في الواقع بقدر ما يولّده تركيب تخييلي» (ص. 134).
3 وذلك فيما يزداد خضوعًا في الوقت نفسه لمنطق الأعمال، أي خطاب الرأسمالية، بما فيه من تأكيد على الحساب العددي للإنتاجية عبر «أدوات» مثل استبيانات فاعلية التدريس (TEQs) واستطلاعات تقييم الطلاب (SESs)، وعبر مفاهيم مثل المعادل بدوام كامل (FTE).
4 لا توجد علاقة جنسية لأن «لا سبيل حاليًا إلى كتابتها» (ص. 83).
5 «لا شيء تسمح لنا اللغة بفعله هو إلا استعارة أو مجاز مرسل»، كما يضيف لاحقًا (ص. 170).
7
لاكان عن الشخصية من ثلاثينيات القرن العشرين إلى خمسينياته
في تناولي موضوع الشخصية في عمل لاكان المبكر، سأبدأ بعرض شديد التقعيد لتعليقاته على الشخصية في أطروحته للدكتوراه، المنشورة أصلًا عام 1932. ففي أطروحته، يجادل لاكان (1980، ص. 36-37) ضد تصور ميتافيزيقي للشخصية، بما في ذلك الروح والشكل و/أو الجوهر، وضد تصور نفسي للشخصية، بما في ذلك «تركيب خبرتنا الداخلية»، و«الواقع القصدي»، و«المسؤولية الشخصية [أي الأخلاقية]» (ص. 32-33). ويقترح بدلًا من ذلك تصورًا للشخصية يقوم على «تطور الشخص» الجدلي (ص. 37). وأفهم من «الجدلي» هنا أنه يقصد ببساطة أن تطور الشخص لا يسير في اتجاه ثابت، بل يتردد أحيانًا أو يتأرجح بين بدائل، ويغيّر مساره، وهكذا. «فنجد هنا إذن قانونًا لتطور [الشخص] بدلًا من تركيب نفسي» (ص. 38)، و«تطورًا منتظمًا ومفهومًا» (ص. 39).(1)
ويمضي لاكان ليقدّم «تعريفًا موضوعيًا لظواهر الشخصية» (ص. 42)، ينص على أنه إذا أردنا أن نربط شيئًا ما يتبدّى في البشر بالشخصية، فلا بد أن يتضمن ثلاثة أمور:
التطور السيري - أي الطرق الانفعالية التي يقرأ بها المرء تاريخه الخاص (أي يفهمه)؛
تصورًا للذات يتضمن تقدمًا جدليًا (أو حركة)؛
توترًا في العلاقات الاجتماعية - أي الصراع بين استقلالية المرء الخاصة وروابطه الأخلاقية مع الآخرين.(2)
ويمكننا أن نرى هنا، منذ الصفحات الأولى من الأطروحة، أن الشخصية عند لاكان ليست مبنية على تركيب شخصي أو وحدة نفسية، وهو ما سيكون تزامنيًا؛ بل إن الشخصية تعاقبية، بالمعنى المهم للكلمة (ص. 43). إنها شيء لا يكون حاضرًا دفعة واحدة، بل يتحدد فعلًا بحركته وتقدمه، أي بتكشفه الدال - وإن لم يكن بالضرورة قابلًا للتنبؤ - عبر الزمن.
ويبدو أن اهتمام لاكان بالشخصية هنا جزء من جدل أوسع حول أصول الذهان (وخاصة البارانويا): أهي محددة بيولوجيًا أم نفسيًا؟ أهي مولَّدة بيولوجيًا أم نفسيًا؟ أهي دستورية أم قائمة على الشخصية؟
ويبدو أن الشخصية كانت تُناقش كثيرًا في أوائل القرن العشرين بصيغة الطبع أو الخُلق، ويتناول لاكان هذا السؤال: هل البارانويا طبعية - أي تُحدَّد بسلسلة من سمات الخُلُق - أم أنها تقوم، بدلًا من ذلك، على أحداث الحياة، وترتبط بتطور الشخصية وتؤثر فيه؟
ويجادل لاكان، أولًا، بأنه لا توجد صلة لا لبس فيها بين الذهان و«استعداد خُلقي قابل للتعريف» (ص. 53). «ما نأخذه في البداية على أنه هوية خُلُقية [بين المصابين بالذهان] قد لا يكون إلا تماثلًا شكليًا بين مظاهر متشابهة تتصل في الواقع ببنى مختلفة تمامًا» (ص. 51). فقد تكون الصفات المتشابهة، لدى أشخاص مختلفين، ثمرة لبنى نفسية مختلفة جدًا، ولشخصيات كامنة مختلفة جدًا إن شئتم. (ويمكننا أن نوسّع هذا الخط الحجاجي المهم: قلّما توجد صلة لا لبس فيها بين سمة شخصية معينة، أو حتى عرض معين، وبين بنية تشخيصية تحليلية نفسية معينة. فقد يعبّر السلوك نفسه، أو أسلوب الخُلُق، أو العرض نفسه، عن شيء مختلف تمامًا في العصاب عمّا يعبّر عنه في الانحراف، أو في الوسواس عمّا يعبّر عنه في الهستيريا. فالإمساك مثلًا ليس مرتبطًا بذاته بالوسواس، ويمكن أن يوجد في أي فئة بنيوية تقريبًا في وقت أو آخر. وكذلك النرجسية ليست مرتبطة على نحو لا ينفصم ببنية مخصوصة - فهي موجودة عبر طيف التشخيص بأكمله).
ثانيًا، يجادل لاكان بأن:
السمة الدستورية [propriété] المفترضة - حين تكون وظيفة يرتبط تطورها بتاريخ الفرد، وبالتجارب التي يتكون منها تاريخه، وبالتعليم الذي يتلقاه - لا ينبغي أن تعتبر فطرية a priori إلا بوصفها آخر الاحتمالات.
(ص. 51)
وبعبارة أخرى، إذا كان لشيء ما في شخصية الذات معنى بالنسبة إلى الذات (أي إذا كانت ترى فيه صلة بتاريخها، أو بأحداث حياتها، أو بلغتها)، فيجب أولًا وقبل كل شيء أن يُعتبر نفسي التوليد.
وما يشغله بالأساس هو ألا يرى ما إذا كانت هناك مطابقة بين البارانويا و«استعداد خُلقي أو دستوري قابل للتعريف»، بل أن يرى بدلًا من ذلك ما الذي يفعله تطور البارانويا وعلامياتها بالشخصية، بحيث تُعرَّف الشخصية هنا بوصفها تصورًا للذات عبر الزمن يتطور في توتر مع الآخرين. وبعبارة أخرى، ما يشغله هو ما أنواع الخبرات الحياتية التي تقود إلى البارانويا، وماذا يحدث لشخصية المرء حين تُثار البارانويا أول مرة.
ويقول لاكان إن «الكتاب الألمان، منذ البداية، اعترفوا بوجود تنوع واسع في الاستعدادات الخُلُقية لدى المصابين بالأوهام» (ص. 82). ولم يكن هذا صحيحًا إلى الحد نفسه عند الفرنسيين، الذين كانوا يميلون إلى رسم أنماط خُلُقية محددة. (ولهذا في الفكر الفرنسي تقليد طويل يعود على الأقل إلى مخطط شارل فورييه في القرن التاسع عشر الذي أحصى 810 أنواع من الشخصية.) غير أن السمات التي كانت تُعرِّف هذا النمط البارانويدي من الخُلُق لدى الفرنسيين كانت مختلفة جدًا بحسب المؤلف الذي تسأله! وبعبارة أخرى، لم يكن الأطباء النفسيون الفرنسيون متفقين فيما بينهم على ما يميز خُلُق المصاب بالبارانويا. وفي خمسينيات القرن العشرين، يسترجع لاكان (1993، ص. 4) سنواته الأولى في الطب النفسي ويشير إلى أن السمات الخُلُقية المنسوبة إلى المصابين بالبارانويا كانت تشمل عناصر غامضة من قبيل الخبث، وعدم التسامح، والتعالي، والريبة، وفرط الحساسية، وامتلاك صورة مبالغ فيها عن الذات.
وفي موضع من أطروحته، يبدو لاكان (1980، ص. 253) نفسه وكأنه ينزلق نحو تقديم تصنيف لأنماط الشخصية: إذ يقول إن مريضته، إيمي - وهي الحالة الرئيسة التي نوقشت في الأطروحة - تحمل «السمات البارزة» عند المصابين بالوهن النفسي (جانيت) وعند الأنماط الحساسة (كريتشمر). بل إن هذا الانزلاق يوصله إلى الحديث عن «الشخصية التي تعاقب نفسها» (ص. 254). ومع ذلك يمكن أن نفهم في نهاية هذه المناقشة أن لاكان يستخدم مصطلح «الشخصية» بالدرجة الأولى للحديث عن النفس مقابل الكائن العضوي: «ما قادتني إليه أبحاثي، وأود أن أؤكد ذلك، هو مشكلة لا معنى لها إلا بوصفها وظيفة للشخصية، أو إذا أردتم قولها على هذا النحو، بوصفها مشكلة نفسية التوليد» (ص. 254).
وأخلص هنا إلى أن سبب تبني لاكان لمصطلح «الشخصية» ليس أنه مؤمن راسخ به، بل لأنه يستعمله استعمالًا جدليًا لمقاومة الاعتقاد السائد آنذاك بالطابع البيوجيني للمرض النفسي. إنه لفظ مختصر في معجمه يدل على النفس، ومن الواضح جدًا في نهاية أطروحته أنه يفهم الشخصية بوصفها مؤلفة من الأجهزة أو الهيئات التحليلية النفسية الكلاسيكية: الهو، والأنا، والأنا الأعلى. ومن الواضح أيضًا أنه لا يرى هذه الهيئات تعمل على نحو متناغم أو موحد، بل يراها تشكل نظامًا متنازعًا ومتطورًا.
وضربًا لآخر المسامير في نعش الدستورية، يقول لاكان إن ما يسمى الدستورية البارانويدية (أي المجموعة المفترضة من السمات الخُلُقية عند المصابين بالبارانويا) لا نجدها كثيرًا في الحالات الفعلية للبارانويا، بينما نجد بدلًا منها «دساتير» أخرى (مثل الوهن النفسي والأنواع الحساسة) (ص. 346).
وخلاصته العامة هي أن:
مفتاح المشكلة النوسيولوجية، والإنذارية، والعلاجية للذهان البارانويدي لا بد أن يُطلب في تحليل نفسي-اجتماعي ملموس يُطبَّق على التطور الكامل لشخصية الذات - أي على أحداث تاريخها، وعلى تقدم وعيها، وعلى ردود أفعالها في الوسط الاجتماعي.
(ص. 346)
وبعبارة أخرى، فإن المفتاح هو أمر شديد الفردية، أقرب إلى ذلك النوع من التحليل الذي ينطوي عليه التحليل النفسي نفسه!
ومع أنه لا يزال يسمح بأن «العمليات العضوية» (البيولوجيا) قد تؤدي دورًا ما في توليد الذهان، وأن «الصراعات المهددة للحياة» (الصدمة) قد تعمل بوصفها «السبب الفاعل» (المحرّض الفوري) للذهان، فإن ثمة «عاملًا نوعيًا» ثالثًا يجب أخذه دائمًا في الاعتبار، وقد يتخذ الأشكال الآتية (ص. 347):
شذوذ في الشخصية (مثل التاريخ الانفعالي للذات)؛
شذوذ في تطور الشخصية؛
شذوذ في وظائف الشخصية (التثبيتات الطفولية في المرحلتين الفموية والشرجية).
بوجه عام، يمكننا أن نرى أن الهمّ الأكبر الذي دفع لاكان إلى تبني لفظ «الشخصية» كان مقاومة نزعات مختلفة سائدة آنذاك، منها الميل إلى عزو كل المرض النفسي إلى أسباب بيولوجية (أمراض أو مشكلات مخصوصة) أو إلى دساتير معينة حاضرة منذ الولادة، وإن كانت ربما تتطور مع الزمن. وكان تأكيده منذ البداية يقع على أهمية التطور، سواء كان هذا التطور سلسًا أم سار عبر انقطاعات؛ وعلى أهمية وجهة نظر الذات إلى نفسها في فهم ذلك التطور (وبعبارة أخرى، الطريقة التي تقرأ بها الذات تاريخها الخاص)؛ وعلى صراعات الذات مع الآخرين. ويبدو أن هذا التصور يفتح الباب أمام نظرته اللاحقة المتعددة الطبقات إلى النفس أو الشخصية في مخطط L (انظر Lacan, 2006a، ص. 53، و1988b، ص. 243).
وقد احتفى السرياليون وغيرهم في ثلاثينيات القرن العشرين بأطروحة لاكان بوصفها خطوة كبيرة نحو رؤية المصابين بالذهان بوصفهم بشرًا، لا بوصفهم طفرات أو مرضى يعانون من حالة بيولوجية المنشأ.(3)
لاكان عن لاجاش
لنعجل الآن بالزمن نحو خمسة وعشرين عامًا، ولننتقل إلى عمل لاكان في Écrits (2006a)، ولا سيما مقاله المعنون «ملاحظات على عرض دانييل لاجاش: “التحليل النفسي وبنية الشخصية”». وغالبًا ما يُشار إلى دانييل لاجاش (1903-72) بوصفه الأب المؤسس لعلم النفس السريري في فرنسا. درس الفلسفة في المدرسة العليا للأساتذة، ثم أصبح طبيبًا، ثم محللًا نفسيًا، بعد أن خضع للتحليل على يد رودولف لوفنشتاين، الذي كان أيضًا محلل لاكان. وصار لاجاش أستاذًا لعلم النفس في السوربون بعد الحرب العالمية الثانية، وساند عمل تلامذته لابلانش وبونتاليس في إعداد معجمهم الشهير لأعمال فرويد: The Language of Psychoanalysis (1973).(4) والمقال الذي يعلّق عليه لاكان هنا - والمعنون «التحليل النفسي وبنية الشخصية» - نُشر سنة 1961 في La Psychanalyse، وهي مجلة كان لاكان نفسه يديرها. ومع ذلك، فإن مقال لاجاش وتعليق لاكان عليه يعودان إلى مؤتمر عُقد عام 1958 في بلدة روايومون بفرنسا.
وبحسب لاكان، فإن رؤية دانييل لاجاش للشخصية تتناقض مباشرة مع الطبوغرافيا الثانية لفرويد، التي يزعم لاكان أنها «ليست شخصية-مركزية»، أي إنها لا تشكل حالة متناغمة تحكمها «تركيبة عليا» من نوع ما، كما يرى لاجاش.
ويذكّرنا لاكان (2006a، ص. 671) بأن جذر مصطلح «الشخصية»، persona، يعني القناع؛ أما الجذر الإتروسكي للفظ اللاتيني persona فيعني قناعًا مسرحيًا، أي القناع الذي يرتديه الممثل على الخشبة. ويمكن فهم مثل هذا القناع بوصفه يوحّد الشخصية لأنه ثابت في التعبير؛ إذ يخفي تغاير الشعور، والتردد، والتفتت، ويخلق بدلًا من ذلك شيئًا واحدًا صلبًا متجانسًا. إن الحديث عن الشخصية إذن إغراءٌ، أي الوقوع في إغراء الكلية، في الوهم بأن الشخص هو أو يصبح كلاً موحدًا.(5) ويشير لاكان تحديدًا إلى أن جانبين مما يسميه لاجاش شخصية، أي الأنا المثالية ومثال الأنا عند فرويد، لا يندمجان بأي حال ولا يشكلان كلًا تركيبيًا، لأن الأول تكوين متخيل بينما الثاني إلى حد كبير تكوين رمزي (ص. 672).
وفي تعليقه على لاجاش، يعرض لاكان مخططات بصرية لتصوير الأنا المثالية ومثال الأنا (2006a، ص. 673 و674 و680). ولن أدخل في جميع تعقيدات هذه الرسوم لأنها ستأخذنا بعيدًا جدًا؛ ولكني أكتفي هنا بالإشارة إلى أنه في هذه المخططات البصرية ينقل المزهرية من موضعها المكشوف (في الشكل 7.1) إلى الموضع المخفي (في الشكل 7.2)، ما يوحي ربما بأن الحاوية نفسها تشكل نوعًا من الوهم (إذ يساوي بينها وبين الجسد بوصفه حاوية في الصفحة 676، ويساوي بين الزهور والأشياء الجزئية أو علاقات الموضوع). وحين نفكر في الشخص بوصفه كلاً أو في الشخصية بما هي كذلك، فإن هذا وهم، وهذا الوهم بعينه يقوم على رؤيتنا للآخر الذي نراه كلاً، في حين أننا لا نرى من أنفسنا إلا أجزاء، ما لم نتمكن من التقاط لمحة لأنفسنا في مرآة - وعندئذ نبدأ في رؤية أنفسنا كما نرى الآخرين.(6) ويؤدي ذلك إلى وهم الوحدة، أي إلى تصورنا لأنفسنا بوصفنا وحدة منسجمة من نوع ما.
وبحسب لاكان، يحاول لاجاش «أن يقدّم ترجمة شخصية-مركزية للطبوغرافيا الثانية لفرويد» (ص. 678) - أي إنه يحاول أن يصنع وحدة من تنوع الهو، والأنا المثالية، ومثال الأنا، والأنا الأعلى. ويرى لاجاش أن «وسيط بين-الذاتيات» ليس الكلام، بل المسافة البسيطة بين الأنا المثالية ومثال الأنا.
غير أن لاكان يقترح أن مثال الأنا هو مجموعة إشارات القوة الخاصة بالآخر (الوالدي)، أي قوة الآخر في «أن يحوّل [صرخة الذات] إلى نداء» (ص. 679) - أي في أن يؤنسنها، ويحوّلها إلى لغة بشرية، إلى الرمزي. «إن الشخص يبدأ حقًا مع per-sona [حيث تشير sona إلى الصوت، أي صوت الأنا الأعلى]، لكن أين تبدأ الشخصية؟» (ص. 684). وهو في قوله هذا يستخدم «الشخص» مرادفًا لـ«الذات»، لا مرادفًا لـ«الشخصية». ويبدو أنه يقول هنا، بعبارة أخرى، إن الذات تبدأ استجابةً لصوت الآخر القوي الصادح.(7) فهذا الصوت هو الذي يحوّل صرخة الذات إلى نداء، مؤنسنًا إياها. ومن ثم فالذات كيان شديد التغاير، لأنها تضم داخلها صوت الآخر في داخلها.
الشكل 7.1 وهم باقة بوآس المقلوبة عند لاكان (Lacan, 2006a، ص. 673)
الشكل 7.2 المخطط البصري الأول عند لاكان (Lacan, 2006a، ص. 674)
اسمحوا لي أن أعود قليلًا إلى الوراء وأن أحاول تفكيك شيء يقوله لاكان في موضع سابق من مقاله عن لاجاش:
أن نلفت إلى أن persona قناع، فذلك ليس مجرد لعب اشتقاقي بسيط؛ بل هو استدعاء للغموض الكامن في العملية التي استطاع بها هذا المفهوم أن يكتسب قيمة تجسيد وحدة يُفترض أنها مؤكدة في الوجود.
أما المعطى الأول في خبرتنا فيُظهر لنا أن هيئة القناع، بما أنه مشقوق، ليست متناظرة. ولتجسيد ذلك بالصورة، يجمع الشكل بين ملفين جانبيين لا يكون اتحادهما قابلًا للتحمل إلا إذا بقي القناع مغلقًا، غير أن تنافرهما يرشدنا مع ذلك إلى فتحه. لكن ماذا عن الوجود إذا لم يكن ثمة شيء خلفه؟ وإذا لم يكن هناك إلا وجه، فماذا عن persona؟
(ص. 671)
إذا لم يكن المرء قد قرأ مقال ليفي-شتراوس «التمثيل المنشق في فن آسيا وأمريكا» في الأنثروبولوجيا البنيوية (1963)، فمن المحتمل أن يضيع هنا، لأن الأقنعة المنشقّة ليست شيئًا نصادفه كل يوم. ويشير ليفي-شتراوس إلى أن أقنعة الكادوڤيو (انظر رسم أحد هذه الأقنعة في الشكل 7.3) تكون في كثير من الأحيان منقسمة إلى أربعة أرباع، بحيث يكون التماثل بين العلوي الأيمن والسفلي الأيسر، وبين السفلي الأيمن والعلوي الأيسر (وهو ما يذكّر بمخططي L وI عند لاكان). ومع ذلك فالتناظر بعيد عن الكمال: ففي بعض الحالات تكون الأرباع المتقابلة أكثر تكاملًا من كونها متناظرة. وهذا يتبدى في الرسم الثنائي الأبعاد المعروض هنا أكثر مما يتبدى في الوجوه المرسومة ثلاثيًّا (انظر مثلًا Lévi-Strauss, 1963، اللوحات IV وV وVI بعد الصفحة 251)، لأننا لا نستطيع في الحالة الأخيرة رؤية الملفين الجانبيين المختلفين في الوقت نفسه على نحو تام.
الشكل 7.3 اللوحة الثامنة: رسم لامرأة من الكادوڤيو يمثل هيئة ذات وجه مرسوم
في ثقافة الكادوڤيو، يُعدّ المرء «غبيًا» (حيوانًا) قبل أن يُرسم وجهه على هذا النحو؛ فرسم الوجه يكتب المرء في النظام الاجتماعي في موضع مخصوص، موضع يقوم على نسبه وعلى الرتبة الاجتماعية لعائلته. كما تُدرَج فيه رسائل روحية: «إنه ليس مجرد تصميم منقوش على اللحم، بل كل تقاليد العِرق وفلسفته منقوشة في الروح» (Lévi-Strauss, 1963، ص. 257، مع تعديل في الترجمة). وكما يقول ليفي-شتراوس:
في الفكر الأصلي ... يكون التصميم هو الوجه، أو بالأحرى هو الذي يخلق الوجه. فالتصميم هو الذي يمنح الوجه وجوده الاجتماعي، وكرامته الإنسانية، ودلالته الروحية. ومن ثم فإن التمثيل المزدوج للوجه ... يعبّر عن انقسام أعمق وأكثر جوهرية - أي الانقسام بين الفرد البيولوجي «الغبي» والشخص الاجتماعي الذي يجب على الفرد أن يجسده.
(ص. 259، مع تعديل في الترجمة)
ومن ثم نرى هنا الوجه الاجتماعي للذات، الذي يضم مُثلها ومُثل عائلتها وجماعتها، في مقابل الكائن الخام، البدائي، «الغبي» الذي لم يُدخَل بعد إلى اللغة ولم يُغترب فيها. وربما نستطيع الآن أن نبدأ في فهم كلمات لاكان المذكورة آنفًا (2006a، ص. 671):
[ت]ُظهر لنا خبرتنا أن هيئة القناع، بما أنها منشقّة، ليست متناظرة. ولتجسيد ذلك بالصورة، يجمع الشكل بين ملفين جانبيين لا يكون اتحادهما قابلًا للتحمل إلا إذا ظل القناع مغلقًا، غير أن تنافرهما يرشدنا مع ذلك إلى فتحه. لكن ماذا عن الوجود إذا لم يكن وراءه شيء؟ وإذا لم يكن هناك إلا وجه، فماذا عن persona؟
ولا يزال الجزء الأخير من الاقتباس غامضًا إلى حد ما، فلننظر إلى نص آخر لنرى إن كان يمكن أن يلقي بعض الضوء على هذا النص.
لاكان عن جيد
ها هنا مقطع قريب الصلة من مقال لاكان المعنون «شباب جيد، أو الحرف والرغبة» (وهو أيضًا مكتوب عام 1958):
هل عليّ، لكي أوقظ انتباههم، أن أريهم كيف يتعاملون مع قناع لا يفضح الوجه الذي يمثله إلا حين ينشق إلى اثنين، ولا يمثل هذا الوجه إلا عبر إعادة إخفائه؟ ثم أشرح لهم أنه حين يكون القناع مغلقًا فإنه يركّب هذا الوجه، وحين يكون مفتوحًا فإنه يشقه؟
(Lacan, 2006a، ص. 752)
إن قناع الكادوڤيو «يكشف الوجه الذي يمثله فقط عبر انشقه إلى اثنين» (الملف الأيمن والأيسر؛ المنطقة فوق الأنف والمنطقة تحته)، وهو «لا يمثل هذا الوجه إلا عبر إعادة إخفائه» - فالوجه لا يمكن تمثيله إلا عبر قناع، إذ لا تمثيل من غير نظام تمثيلي يختلف عن الكائن الحي. وقد يبدو فتح القناع وإغلاقه إشارة إلى بسط الملفين المختلفين على سطح واحد، إذ لا يمكن للإنسان رؤيتهما في مجرى الحياة العادي (كما في الشكل 7.3)؛ وقد يبدو الإغلاق إشارة إلى كل ملف بوصفه منظورًا على حدة. غير أن ليفي-شتراوس (1963، ص. 262) يذكر أيضًا أنواعًا معينة من:
أقنعة ذات أغطية (volets) تعرض، بالتناوب، وجوهًا متعددة للسلف الطوطمي: أحيانًا مسالمًا، وأحيانًا غاضبًا، وأحيانًا بشريًا، وأحيانًا حيوانيًا. ودورها هو أن تقدم سلسلة من الأشكال الوسيطة التي تضمن الانتقال من الرمز إلى الدلالة، ومن السحر إلى العادي، ومن فوق الطبيعي إلى الاجتماعي. ومن ثم فوظيفتها أن تخفي وتكشف في آن. لكن حين يتصل الأمر بالكشف، فإن القناع هو الذي - عبر نوع من الانشطار العكسي - ينفتح إلى نصفين، بينما ينشطر الممثل نفسه، في التمثيل المنشق الذي يهدف، كما رأينا، إلى أن يعرض القناع ويكسره في الوقت نفسه على حساب لابسه.
(مع تعديل في الترجمة)
بعد أن قرأت ذلك، قررت أن عليّ أن أبحث عن صور لهذه الأقنعة، لأن ليفي-شتراوس لم يورد أية صور منها في ذلك المقال بعينه. وصادفتُ مقدمة ليفي-شتراوس إلى La voie des masques (1975)، المترجمة بعنوان The Way of the Masks (1982)، حيث يقتبس بإسهاب من مقاله الصادر عام 1943 بعنوان «فن الساحل الشمالي الغربي في متحف التاريخ الطبيعي الأمريكي»، وهو المقال الذي من المرجح جدًا أن لاكان قد قرأه. وفيه يذكر ليفي-شتراوس صراحة المجموعة الواسعة من الأقنعة التي صنعها هنود أمريكا الشمالية على الساحل الشمالي الغربي والمعروضة في متحف التاريخ الطبيعي في نيويورك؛ وكان هذا ما قاله عن تلك الأقنعة سنة 1943:
بالنسبة إلى المتفرجين في طقوس البدء، فإن هذه الأقنعة الراقصة - التي تنفتح فجأة إلى شطرين، فتسمح برؤية وجه ثانٍ وأحيانًا وجه ثالث خلف الثاني، وكلها وجوه غامضة ومتجهمة - تشهد على الحضور الشامل للقوة فوق الطبيعية وعلى تكاثر الأساطير.
(Lévi-Strauss, 1982، ص. 11-12)
ثم تمكنت أخيرًا من العثور على بعض الكتب التي تحتوي صورًا لهذه الأقنعة الراقصة. وتعرض الأشكال 7.4 و7.5 مثالًا واحدًا فقط من A World of Faces (1978) لادوارد مالين.
الشكل 7.4 قناع شعار العائلة مغلقًا (اللوحة 27A)
الشكل 7.5 قناع شعار العائلة مفتوحًا (اللوحة 27B)
كما ترون من هذه الأشكال، يكون القناع الخارجي في الغالب تمثيلًا أسلوبيًا لحيوان أو سمكة أو طائر، بينما يكون القناع الداخلي عادة وجهًا بشريًا، وغالبًا ما يكون وجه السلف؛ غير أن القناع الداخلي نفسه لا ينفتح أبدًا ليكشف وجه الممثل الذي يرتديه. وبالنظر إلى العلاقة بين الإنسان وسلفه الطوطمي، يمكننا الآن ربما أن نفهم ما يعنيه لاكان (2006a، ص. 751-52) حين يتحدث عن «قناع لا يكشف الوجه الذي يمثله إلا بانشقاقه إلى اثنين، ولا يمثل هذا الوجه إلا عبر إعادة إخفائه». وربما يمكننا أيضًا أن ندرك أن «القناع، حين يكون مغلقًا، هو الذي يركّب هذا الوجه، وحين يكون مفتوحًا هو الذي يشقه». فحين يكون القناع مفتوحًا على هذا النحو، نرى صورًا واضحة للقناع الخارجي يحيط بالداخلي؛ نحن لا نرى قناعًا واحدًا وحده: بل نرى القناع الداخلي وبعض جوانب القناع الخارجي في الوقت نفسه.
ولنتأمل من جديد المقطع المقتبس أعلاه:
[ت]ُظهر لنا خبرتنا أن هيئة القناع، بما أنها منشقّة، ليست متناظرة. ولتجسيد ذلك بالصورة، يجمع الشكل بين ملفين جانبيين لا يكون اتحادهما قابلًا للتحمل إلا إذا ظل القناع مغلقًا، غير أن تنافرهما يرشدنا مع ذلك إلى فتحه. لكن ماذا عن الوجود إذا لم يكن وراءه شيء؟ وإذا لم يكن هناك إلا وجه، فماذا عن persona؟
(ص. 671)
فنحن لا نرى أبدًا الشخص أو الكائن وراء القناع. كل ما نراه هو تصادم الوجوه الطوطمية والبشرية، وانتقالًا من أحدها إلى الآخر. وهنا لدينا تعددية تشمل أسلافنا - صوت الآخر الرعدي الذي أوجدنا - وبعض التماهيات العائلية: وهذا بالكاد يكون كلًا متناغمًا!
رايش: خلط المتخيل بالرمزي
متابعًا هذا النقاش عن لاكان والشخصية خطوة أخرى، سأتناول تعليقاته على فيلهلم رايش في «تنويعات على العلاج القياسي» (2006a)، وهي مقالة نُشرت أصلًا عام 1955. وهنا يصوغ لاكان نوعًا من المنهج «التفكيكي» (avant la lettre)، الذي كان يستخدمه كثيرًا: «فلنتبع طريق نوع من النقد يضع النص أمام اختبار المبادئ نفسها التي يدافع عنها» (ص. 341). وبعبارة أخرى، نطبّق المبادئ التي يطرحها النص على حجة النص نفسه، ونرى ما الذي سنحصل عليه.
فماذا يقول لاكان عن مفهوم رايش (1972) للشخصية ودرع الشخصية؟ يبدو أنه يقترح أن هذا الأخير مرتبط بالمتخيل - أي بالصورة النرجسية. فهو يقول إن فكرة الدرع توحي بوجود دفاع ضد شيء مكبوت (ومن ثم فالدرع مبني على نحو يشبه العرض المرضي)، بينما ما يسميه رايش الشخصية (أو الخلق) هو، بالأحرى، شعار أو coat of arms (ص. 342). والشعار هو ترتيب من العلامات النبالية (انظر الشكل 7.6)، وتلك العلامات مصممة لكي تؤثر في الناس بصريًا وتعرض المكانة، وتُستعمل لتحديد الأسبقية في الاحتفالات العامة التي تحكمها طقوس معينة، وتقوم على الرتبة الاجتماعية. ويربط لاكان هذا بوضوح بسلوك الاستعراض عند الحيوانات (في طقوس التكاثر وتحديد الإقليم العدوانية).
وعلى الرغم من أن رايش يصوغ ما يفعله في العلاج التحليلي بوصفه اختراقًا للدفاعات، يبدو أن لاكان يقترح هنا أن الذات، في نهاية هذا «العلاج»، لا تزال تحمل ثقل دفاعاتها؛ غير أن العلامة شبه الرمزية التي كانت تحمله في السابق قد محيت. فهذه الدفاعات «لا تؤدي إلا دور وسيط أو مادة، لأنها تبقى بعد انحلال التوترات التي بدت وكأنها تحركها. وهذا الوسيط أو هذه المادة لا شك في أنها منتظمة على نحو يشبه المادة الرمزية في العصاب» (ص. 342).
الشكل 7.6 شعار دوق سانت ألبانز
بينما يجادل رايش بأن هذه الدفاعات تختفي أثناء العلاج، فإن لاكان يؤكد أنها تبقى: إنما الذي يُمحى هو أصلها وسلالتها، فيدفع ذلك رايش إلى افتراض أن الذات قد تحررت منها (ومما فوق الخط؟). وفي نظر لاكان، قد مُحيت علامتها لكن ثقلها لم يُمح. ويبدو أن لاكان يرى أن على المحللين أن يعتبروا العلامة غير قابلة للمحو، لأنها العلامة المميتة للموت. فشعار العائلة يُدخلُك في الوجود داخل تقليد أو خط عائلي معين، لكنه يحدد مصيرك أيضًا: فأنت مقدر لك أن تموت في خدمة x أو y أو z. ووفقًا للاكان، يحاول رايش أن يستبعد العلامة المميتة التي نحملها حين يرفض قبول مفهوم فرويد عن الدافع إلى الموت.
وقد يُقال إن رايش يفشل في إدراك أن جسد العصابي مكتوب فوقه بالدوال. فمثلًا، يمكن فهم القوام المفرط في الاستقامة بوصفه دالًا فالوسيًا (signifiance)، لكنه قد يكون أيضًا تجسيدًا لـ«الاستقامة»، ما يوحي بغرس في الجسد لمواعظ والدية أخلاقية، أو بتماهٍ مع موقف أخلاقي صارم لدى أحد الوالدين (انظر Fink, 2007، ص. 196-98). أما رايش فيبدو أنه يأخذ الجسد كما لو كان شيئًا طبيعيًا (إذ يرى أن الانحناء إلى الأمام فعلٌ وقائي، وعلامة على «شخصية» تدافع عن نفسها، كما قد يكون ذلك في المملكة الحيوانية، وكما قد نراه في معظم البشر الذين تلقوا للتو ضربة في المعدة) أو باعتباره مقاومة خالصة، بدل أن يراه مظهرًا لتماهيات لاواعية مع الأسلاف، أو لتبنّي شعارهم العائلي، وأسلحتهم، وشاراتهم، وهكذا - باختصار، بوصفه شيئًا انطبعت فيه حتميّة مصيره المميت.
فما هي قراءة لاكان «التفكيكية» هنا؟ إذ يأخذ مبدأ رايش في تفسير كل شيء بوصفه حركة دفاعية، يفسر لاكان رفض رايش للدافع إلى الموت - وهو بمثابة وكيل للرمزي في النظرية اللاكانية - بوصفه دفاعًا هو نفسه. وكما كان رايش، في عمله السريري، يتهم المُعالج دائمًا بأنه يدافع عن نفسه ضد التحليل، يتهمه لاكان بوصفه محللًا بأنه يدافع ضد النظرية التحليلية النفسية ذاتها. وكما هي الحال كثيرًا، لا يطوّر لاكان الحجة هنا على نحو كامل - إنما يلمح إليها فقط.
الذاتية غير قابلة للتجميع أساسًا
بعد عام 1960، يصعب أن نجد لاكان يستخدم مصطلح «الشخصية» إلا على نحو سلبي، ساخرًا ممن يتحدثون عن «الشخصية الكلية» أو عن الشخصية بوصفها وحدة موحِّدة (أو وحدة). وبدلًا من ذلك يصرّ مرارًا على أنه «لا توجد وحدة للذات» (انظر مثلًا Lacan, 1983) وأن اللاوعي لا يمكن فهمه بوصفه نوعًا من شخصية ثانية (شريرة أو خبيثة). ويبدو أنه يرى المصطلح نفسه متجهًا، على نحو يكاد يكون لا فكاك منه، إلى تصور كلي للحالة الإنسانية، أو تصور كلي للذاتية، وبالتالي إلى تجاهل ذاتيتنا المنشطرة. وفي الموضع الوحيد الذي يتناول فيه الكلمة باسمه هو يقول إن «الشخصية هي الطريقة التي يَثْبُت بها أحدٌ ما في مواجهة الموضوع a» (Lacan, 1978b)، حيث يرى لاكان أن الموضوع a هو على وجه الدقة ما يجعلنا ذواتٍ منقسمة. وقد قُدمت هذه الورقة أصلًا في 23 سبتمبر 2004، خلال ورشة عمل امتدت يومًا كاملًا بعنوان «الشخصية واضطرابات الشخصية» في أوماها، نبراسكا، برعاية كلية كريتون الطبية ومجموعات العمل التحليلي النفسي التابعة لها (APW). ونُشرت في Journal of European Psychoanalysis, 26-27(1-2) (2008)، ص. 257-74.
ملخص: يلعب مفهوم الشخصية دورًا جدليًا مهمًا في عمل لاكان المبكر، حيث يشدد على أهمية المحددات النفسية بدلًا من البيولوجية في المرض العقلي. ويعرّف الشخصية في تلك المرحلة بوصفها تصورًا للذات يمتد عبر الزمن ويتطور في توتر مع الآخرين، على أنه لفظ مختصر في معجمه يدل على النفس. وحين يعلّق على عمل لاجاش (1958)، يشير إلى أن من يهتمون بـ«الشخصية» قد انخدعوا بإغراء الكلية، واستسلموا للوهم القائل إن الشخص وحدة متماسكة أو يصبح كذلك. وبدلًا من ذلك يؤكد لاكان الطابع القنعي للشخصية، مستعينًا بعمل ليفي-شتراوس لتقويض فكرة أن طبوغرافيا تحليلية نفسية يمكن أن تتيح لنا تصور الشخص بوصفه كيانًا واحدًا. كما يقدّم عمل لاكان عن جيد ورايش عددًا من النقاط الأخرى المتعلقة بالأقنعة وما يسمى الشخصية.
ملاحظات
1 يبدو أنه يدمج أفكار «القصدية» و«المسؤولية» داخل هذا التطور، على أن تُفهم القصدية بوصفها ثمرة «التعليم» وبوصفها قائمة على «مجموع تطور المرء الشخصي».
2 تُعاد هذه الجوانب الثلاثة (التطور، تصور الذات، والتوتر في العلاقات الاجتماعية) في الصفحة 56، ويمكن، من دون عناء كبير، وضعها في مخطط L، بحيث يرتبط a–a´ بتصور الذات، ويرتبط S–A بالتوتر في العلاقات الاجتماعية.
3 في العالم الناطق بالإنجليزية، يُعتقد على نطاق أوسع أن آر. دي. لاينغ كان أول من اتخذ هذه الخطوة، لكن كتابه Divided Self لم يُنشر أصلًا إلا عام 1960.
4 في «محاضرة جنيف عن العرض»، يعلّق لاكان (1989a، ص. 18) قائلًا: «في The Language of Psychoanalysis، a là gaché [تلاعب لفظي يوحي بالإفساد أو الإتلاف] لاجاشُ التحليلَ النفسي كله. حسنًا، في الحقيقة، ليس الأمر سيئًا إلى هذا الحد، ولا ينبغي لي أن أبالغ. الشيء الوحيد الذي كان يهمه على الأرجح هو أن “لاجشف” ما قلته» (مع تعديل في الترجمة).
5 يمكن العثور على هذا الوهم، مثلًا، في عمل إريك إريكسون عن «الاندماج» في Childhood and Society (1963)؛ انظر مرحلته الثامنة في التطور، حيث يكون الصراع المركزي هو «الاكتمال مقابل اليأس».
6 كما يوضح لاكان (2006a، ص. 675)، وفقًا للمخطط البصري، كي يرى i´(a)، أي الأنا المثالية، لا بد أن يتموضع الذات على نحو يسمح لها بأن ترى نفسها في المخروط x´y´ - أي أن ترى نفسها بوصفها i´(a). وبهذا المعنى ترى نفسها في «الآخر» («هيئة الآخر») بوصفه كلاً هناك. وهي لا تأتي إلى التفكير في نفسها بوصفها كلاً إلا لأنها ترى الآخر بوصفه كلاً، أي بوصفه جسدًا أو حاوية. لاحظوا هنا أن i(a) هي الصورة الواقعية وأن i´(a) هي الصورة الافتراضية؛ أما a فتمثل الموضوع الجزئي، الذي يقول عنه لاكان: لا يوجد «تكامل مثالي لهذا الموضوع» (ص. 676).
7 في السمينار الرابع والعشرين، يصوغ الأمر بطريقة مختلفة قليلًا، مقترحًا أن الذات تبدأ استجابةً لـS1، أي دال أول، يأتي من الآخر.
8
مقدمة إلى «كانط مع ساد»
الآخر ضروري على نحو مطلق، وهذا ما أردتُ أن أصوغه عندما قدّمتُ سمناري عن أخلاقيات التحليل النفسي، بربط ساد بكانط، وبإيضاح أن مساءلة ساد الجوهرية للآخر تبلغ حدّ محاكاة مقتضيات القانون الأخلاقي، لا على سبيل المصادفة فحسب.
— لاكان، 2004، ص 193
كُتب «كانط مع ساد» سنة 1962، ونُشر في أبريل/نيسان 1963 في مجلة Critique. وقد ناقش لاكان كانط مقرونًا بساد على نحو جدي للمرة الأولى في ديسمبر/كانون الأول 1959، في السيمينار السابع أخلاقيات التحليل النفسي (1959–1960)، ثم واصل مناقشة الأسئلة التي أثارها هناك في السيمينار العاشر القلق (1962–1963).
ومن الطريف أن أدورنو وهوركهايمر (1972) تحدثا هما أيضًا عن كانط وساد في نفس السياق، إن جاز التعبير، في فصل من عملهما المشترك جدل التنوير،(1) المعنون «جولييت أو التنوير والأخلاق». وأشير إليه هنا لاحقًا بوصفه عمل أدورنو، لأن هوركهايمر يبدو أنه كان يعاني عجزًا شديدًا عن الكتابة، وأن أدورنو كتب بالنيابة عنه قدرًا كبيرًا مما وقّعه هوركهايمر باسمه، إن لم يكن كله. ويبدو أمرًا مدهشًا حقًا أن مفكرين متباعدين إلى هذا الحد في توجهاتهما، مثل لاكان وأدورنو، قد حولا إيمانويل كانط وماركيز دو ساد، خلال أقل من 15 عامًا، أي بين 1944 و1959، إلى أكثر الشركاء استبعادًا على الإطلاق!
كيف استطاع فرنسي مشبع بالسريالية والطب النفسي والسيبرنيتيكا، و«فرانكفورتي» ألماني متكلف مهتم بالموسيقى اللاتونالية والثقافة الجماهيرية والشخصية السلطوية، أن يتوصلا إلى هذا الاقتران غير المحتمل بين واحد من أعظم الوسواسيين في التاريخ، الذي كان أهل البلدة يضبطون ساعاتهم على إيقاعه، وبين رجل ارتبط اسمه، على مدى قرنين، بالانحراف والجلد والإفراط الجنسي بكل أشكاله وصوره؟ هل كان لاكان قارئًا للنظرية النقدية؟ ثمة على الأقل سبب واحد يبعث على الاعتقاد بأن لاكان كان على علم بوجود مدرسة فرانكفورت: إذ نشر هوركهايمر (1948) مقالًا في المجلة الدولية للتحليل النفسي.
نقد أدورنو لـ«العلم» و«العقل»
لننظر بإيجاز في العلاقة التي يرسمها أدورنو بين كانط وساد. مثل لاكان، يعدّ أدورنو الفلسفة جزءًا لا يتجزأ من خطاب السيد. وهو يصف الفلاسفة بازدراء بأنهم «بورجوازيون حقيقيون». ورغم استعمال كلمة «الأخلاق» في عنوان الفصل («جولييت أو التنوير والأخلاق»)، فإنه يبدو أنه ينظر إلى كانط من زاوية نسقية أكثر منها أخلاقية، مركزًا على مفهومي العلم والكونية. وهو يعدّ الأمر المطلق، على وجه الخصوص، ليس أكثر من نكتة: «إن المواطن الذي يعفّ عن الربح بدافع احترامه لمجرد صورة القانون الكانطية لا يكون مستنيرًا، بل خرافيًا - أحمق» (ص 85). ويقول إن كانط يؤكد «النظام العلمي بوصفه صورة الحقيقة»؛ وبذلك «يختم الفكر على عدمه الخاص، لأن العلم ممارسة تقنية، بعيدة عن التأمل في غايته الخاصة بقدر ابتعاد سائر أشكال العمل الأخرى تحت ضغط النظام» (ص 85). وبعبارة أخرى، يؤاخذ كانط لأنه يروّج لصيغة شديدة التجريد من العلمية، ولأنه يبطل كل أشكال الفكر الأخرى.
ينقل أدورنو عن كانط أن التنوير هو «خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه. والقُصور هو العجز عن استخدام الفهم من دون هداية شخص آخر» (ص 81). وفي نظر أدورنو، تمثل الفاشية التطبيق الأقصى لمثل هذا النظام «المستنير». فهي تتعامل مع العاطفة “ac si quaestio de lineis, planis aut de corporibus esset” («كما لو كان الأمر يتعلق بخطوط ومستويات و[أجسام صلبة]» (سبينوزا، 1994، ص 153)). وهي تعفي رعاياها من عناء امتلاك «مشاعر أخلاقية» أو «أحاسيس أخلاقية»،(2) كما يطلق عليها أحيانًا، إذ لم تعد هناك حاجة إلى امتلاكها:
يرى أدورنو أن العلم أمدّ «أصحاب السلطة» بالوسائل اللازمة لإعادة إنتاج مجتمع جماهيري خاضع، وأن «ساد أقام نصبًا مبكرًا لروح التخطيط لديهم» (ص 87). وقد فعل ذلك بإبراز التنظيم، وهو مصطلح محوري في نقد أدورنو لكانط ولساد ولغيرهما. وأدورنو نفسه يقيم بناءً يثير الدهشة من حيث ضخامته وتكراره، ومن حيث درجة تشييده البنيوي ونزعته الشمولية الكلّية - وما الذي يمكن أن يكون أشد جفافًا من قراءة أدورنو؟ - ثم ينتقد كانط وساد على النهج نفسه حين يطبّق على السياسة والأشكال الاجتماعية. يقول عن «العقل»:
هذا تعليق ممتاز على مشاهد الجنس في عمل ماركيز دو ساد. ويمكن، نفسيًا، أن يُفهم وصف أدورنو لِساد على أنه اتهام له بعُصاب وسواسي شديد، لا يُترك فيه شيء للمصادفة، بل يلزم أن يكون لكل شيء نظام - حتى «الفراغ». ولا أظن أن أحدًا سينكر أن مثل هذا الوسواس يبدو شموليًا إلى حد بعيد حين يُترجم إلى المجال السياسي. ويقتبس أدورنو هنا من فرانسافيلا عند ساد ثم يعلّق هو بنفسه:
ومادام العقل لا يضع غايات جوهرية، فإن كل الانفعالات تكون على السواء خارجة عن نطاق تدبيره.
ويبدو أن اعتراض أدورنو على ساد هو أن العاطفة لا مكان لها في عالم ساد، وإذا حضرت أصلًا فإنها تُدنَّس أو تُستعمل في خدمة الأيديولوجيا. ويكتب عن كانط وساد معًا: «الحماس سيئ. والهدوء والحسم يشكلان قوة الفضيلة. […] تؤمن جولييت بالعلم. وهي تحتقر تمامًا أي شكل من أشكال العبادة لا يمكن البرهنة على عقلانيته» (ص 96).
ويبدو أدورنو أقرب ما يكون إلى لاكان حين يقول إن عمل ساد «يمثل النقد المتصلب للعقل العملي، وعلى خلافه يبدو نقد كانط نفسه وكأنه إلغاء لفكره هو» (ص 94). فهنا يبدو أن أدورنو يلمّح، كما يفعل لاكان أيضًا (2006a، ص 765–66)، إلى أن ساد يكمّل عمل كانط، ويأخذه أبعد مما ذهب إليه كانط نفسه: أي أن ساد يدفع ما صاغه كانط إلى نتيجته المنطقية.
ويؤكد لاكان أيضًا الجانب العلمي في مقاربة كانط، ويذهب إلى حد إعادة صياغة مقولته «اعمل بحيث يمكن دائمًا اتخاذ المبدأ الذي يهدي إرادتك بوصفه مبدأً لقانون يكون صالحًا للجميع» بمصطلحات مستمدة من السيبرنيتيكا المبكرة: «لا تعمل أبدًا بطريقة أخرى غير تلك التي يمكن برمجة فعلك بها» (لاكان، 1992، ص 77). لاحظوا أن القانون هنا يبدو شفافًا على نحو كامل: نحن نعرفه، ونعرفه كله أيضًا.
الرغبة والقانون
إحدى الإشكاليات المركزية في «كانط مع ساد» هي العلاقة بين الرغبة والقانون، وأحد استنتاجات لاكان بشأن هذه العلاقة هو أن «القانون والرغبة المكبوتة شيء واحد» (لاكان، 2006a، ص 782).(3) وهذه الصياغة ليست أول ما يقدمه لاكان بشأن العلاقة بين الرغبة والقانون. فلننظر إلى مناقشة يطرحها في السيمينار الثاني، حيث يتناول لاكان (1988b) مقطعًا من رواية صغيرة غريبة لريمون كينو بعنوان On est toujours trop bon avec les femmes (وبالإنجليزية: Queneau, 2003).
في هذا الكتاب، […] تكتشف شابة تعمل كاتبة طباعة، وقد تورطت في الثورة الأيرلندية وبعض المغامرات الفاضحة جدًا، اكتشافًا وهي محبوسة في الحمام ذات يوم، يضاهي من كل وجه اكتشاف الأب كرامازوف.
كما تعلمون، يقود ابن كرامازوف، إيفان، والده إلى المسالك الجريئة لفكر المتعلمين، ويقول على الخصوص: «إذا لم يكن الله موجودًا، فكل شيء مباح». وهذه، بوضوح، فكرة ساذجة، لأننا نحن المحللين نعلم جيدًا أنه إذا لم يكن الله موجودًا، فإن شيئًا واحدًا فقط لا يعود مباحًا، بل لا يكون مباحًا شيء على الإطلاق. والمرضيّون العصبيون يثبتون لنا ذلك كل يوم.
أما كاتبة الطباعة لدينا، المحبوسة في الحمام، فتتوصل إلى اكتشاف أكثر إثارة بالنسبة إلى من هو رعية لجلالة الملك. إذ يحدث ما يخلّ بالنظام القائم في دبلن، فيقودها ذلك إلى الشك، والشك يقودها إلى الصياغة التالية: «إذا كان ملك إنجلترا أحمقًا [un con]، فيمكننا أن نفعل ما نريد». ومنذ ذلك الحين […] لم تعد تمتنع عن أي شيء.
ولا يعني هذا، بالطبع، أن القانون المكتوب الذي ينص على أن «كل من يقول إن ملك إنجلترا أحمق [con تعني أحمق، وغبيًا، وحقيرًا، وما إلى ذلك] ستُقطع رأسه»(5) قد اختفى فجأة. فرغبة الذات في وصف ملك إنجلترا بالأحمق - أو بما هو أسوأ - مرتبطة بوجود هذا القانون نفسه، وتعتمد عليه.
وكان لاكان قد قال ما يقارب هذا المعنى من قبل في مقاله الصادر سنة 1951 «مقدمة نظرية إلى وظائف التحليل النفسي في علم الإجرام»، حين ناقش رسالة بولس إلى الرومان 7:7، حيث نجد ما يلي: «لا أستطيع أن أعرف الخطيئة إلا بواسطة القانون. بل لم أكن لأفكر أصلًا في الاشتهاء لولا أن القانون قال: لا تشتهِ» (لاكان، 2006a، ص 126). نحن نتعلم أن نرغب في الشيء الذي يحرّمه القانون. لكنه هنا يذهب خطوة أبعد:
ويبقى القانون قائمًا بالضبط بقدر ما لا نفهم لماذا وكيف يعمل. إنه يواصل العمل فينا حتى ونحن ننتهكه.(6)
إن الأمر الصعب الذي نواجهه في الممارسة التحليلية هو مجرد وجود قانون أصلًا. وهذا ما لا يمكن توضيحه بالكامل أبدًا في الخطاب القانوني: لماذا يوجد قانون من الأساس.
في الحلم المعني، لا يحلم المرء بأنه يصرخ من فوق الأسطح بأن الملك أحمق؛ غير أن إنفاذ القانون يبدو كأنه يفترض أنه فعل ذلك بالفعل. ويعمل القانون هنا بوصفه الآخر بوصفه لغة - أي بوصفه النظام الرمزي. نحن مغمورون فيه، ولا يمكننا بأي حال أن نحيط به أو نستوعبه في مجموعه: إنه أوسع بكثير من أن يحتويه فرد واحد، وأعرض بكثير من أن يستوعب التأثيرات اللغوية الأخرى، والتغيّر اليومي الذي يحدثه الناطقون به، الأصليون منهم وغير الأصليين.
أما الرغبة فهي منسوجة بخيط لغوي. وتذكّروا أنه، بحسب لاكان، لكي تُصاغ الحاجة، لا بد أن تمر عبر مرشح اللغة.
Need
Language
Desire(7)
غير أن الرغبة، خلال هذه العملية، تنشأ بوصفها شيئًا خاضعًا للعلاقات القائمة سلفًا بين العناصر، والتفاعلات فيما بينها، داخل السلسلة الدالة: فـ«conversation» ترتبط بـ«conservation» لا لأن هناك ترابطًا واعيًا للأفكار أو علاقة مفهومية بينهما، بل لأنهما تتضمنان الفونيمات والحروف نفسها. وهكذا تنبثق الرغبة من لغة ذات بنية خاصة، لغة توفر عبارات ملتوية مثل «جلالة الملك»، على سبيل المثال، تسمح للمرء بأن يلفظ عبارات جاهزة في حضرة الأحمق من دون أن يجر على نفسه المتاعب. إن قوانين البلد، بمعنى ما، متجسدة سلفًا في التشكيلات اللغوية نفسها التي نعبر بها عن أفكارنا.
ومع ذلك، فإن الرغبة، بما أنها مكتوبة أو مركوبة باللغة التي تتجسد فيها القاعدة، تصبح منذ البداية هادمة لذاتها: فبقدر ما تسمح الرغبة لنفسها أن تشتهي التعدي، يكون العقاب آتيًا سلفًا. انظروا إلى المثال التالي لمريض كانت أمه تكره ذوي الشعر الأحمر. كلما حاول أن يتحدث إلى فتاة ذات شعر أحمر - وكان يقع فورًا في الحب مع كل فتاة حمراء الشعر تقع عليها عيناه - صار أخرق، وأرعن، يرقص كمن له قدمان يسريتان، ويضع لسانه في فمه مباشرة كلما حاول أن يتحدث إليهن. لقد أُطيع قانون الآخر، أي منع الأم ذوات الشعر الأحمر، في الفعل، وإن كان قد تم التعدي عليه في الخيال.
ومثال لاكان هنا أشد راديكالية، إذ إن الرعية البريطانية التي تحلم بأن رأسها يرقد في سلة قرب المقصلة لن تحلم حتى بأن تقول: «ملك إنجلترا ابن زنا». فالرقابة تختصر مرحلة التعدي نفسها - المرحلة التي كان يمكن للمرء فيها أن يستمتع بقول: «الملك أحمق تمامًا» - لتنتقل مباشرة إلى مرحلة العقاب.
وهذا يقودنا إلى عبارة أخرى للاكان (1988a): «الكبت وعودة المكبوت شيء واحد» (ص 191). لاحظوا أن هذه العبارة تتخذ البنية نفسها تمامًا التي نجدها في «كانط مع ساد»: «القانون والرغبة المكبوتة شيء واحد» (لاكان، 2006a، ص 782).(8)
ولتوضيح فكرة أن الكبت وعودة المكبوت شيء واحد، فلننظر إلى مثال آخر يقدمه لاكان في السيمينار الثاني:
كان مريض لاكان (المشار إليه أيضًا في لاكان، 1988a، ص 196–98، وفي فينك، 2004a، ص 9–10) قد نسي هذا الوجه من القانون الإسلامي أو رفضه، أي كبته، لكن القانون لم يكن قد نسيه. لقد عاد، فأوقع في الابن عقوبةً (إذ صار فعليًا غير قادر على استعمال يده التي يكتب بها) كان من المفترض أن تُوقع على أبيه بسبب اتهام الأب بالسرقة. وما كان مكبوتًا (أن يد السارق يجب أن تُقطع) وعودته (أن اليد، من جميع الوجوه العملية، قُطعت) كانا من النسيج نفسه، شيئًا واحدًا.
في السيمينار العاشر، يشرح لاكان (2004) «التماثل في الهوية بين الرغبة والقانون» (ص 176) من خلال قوله إنهما «يشتركان في موضوع» (ص 126) - أي إنهما كلاهما يتعلقان بالأم. فالرغبة، التي تكون في البدء رغبة الأب في الأم، «مطابقة لوظيفة القانون. فبقدر ما يحرّمها القانون، يجعلنا نرغب فيها، إذ إن الأم، بعد كل شيء، ليست بذاتها أكثر الموضوعات قابلية للرغبة» (ص 126). إن التحريم نفسه للاِغتراب الجنسي بين الأقارب (ص 176) هو ما يخلق الرغبة في الأم، وهي رغبة يجب - في معظم الحالات - أن تُكبَت بعد ذلك. وحين تعود - حين تتجلى في حياة الذات - تكون صلتها بالأم وبالآخر المانع واضحة لا لبس فيها، إذا كنا نعرف كيف نرى ما وراء أقنعتها الهشة في كثير من الأحيان (انظر، مثلًا، حالة المستحلَة التي وصفتها في الفصلين 10 و11 في المجلد الأول من هذه المجموعة).
الخير أو فعل الصواب
لننتقل الآن إلى الذات، لا بوصفها ذات تعدٍّ محتمل، بل بوصفها فاعلة وفق القانون الأخلاقي، أو بحسب المثل القديم المعروف باسم «الخير». وهذا المثل يعيدنا، على الأقل، إلى سقراط وأفلاطون. فسقراط يخبرنا أن معرفة ما هو صواب تكفي لكي نفعله. وبحسب أفلاطون، فإن من يعرف الخير لا يواجه مشكلة في تطبيقه؛ فالمعرفة وحدها كافية لتحديد الإرادة، ولحمل المرء على فعل الصواب. والشر يرجع إلى تفكير خاطئ، إلى سوء فهم ما هو خير وما هو شر، وما هو صواب وما هو خطأ. ويبدو أن مفهوم الخير، بحرف كبير، يعود إلى هذا الحد على الأقل.
في «كانط مع ساد»، يقترح لاكان (2006a، ص 766) أن قرونًا من الجدل الأخلاقي دارت حول السؤال التالي: «هل تشعر بالرضا حين تفعل الصواب؟» ورغم الفوارق النظرية بين النفعيين والواجبيين والغاياتيين وسائر طوائف الأخلاقيين الذين ينشغلون بتحديد ما قد يبدو عليه الصواب، فثمة مشكلة عملية: كيف نقنع الناس - بعد أن نجعلهم يؤمنون بنسختك من الصواب - بأن يفعلوا الصواب بالفعل؟ لأن ما هو صواب كثيرًا ما يبدو كأنه ينطوي على شيء غير مريح، مجسَّدًا على نحو مناسب في الكلمة ذاتها التي نستعملها للحديث عنه بالإنجليزية: duty. فهو يبدو دائمًا منطويًا على نوع من التضحية، أو على شقاء، أو ألم (انظر لاكان، 1992، ص 80 و108)، أو كبت. وقد واجه الأخلاقيون والمصلحون الاجتماعيون والثوريون جميعًا، في مرحلة أو أخرى، معضلة النظرية/الممارسة المتمثلة في إقناع الناس بأن التضحية الملازمة لأداء الواجب تستحق العناء، وأن العائد أكبر مما يبدو للوهلة الأولى.
يجادل أفلاطون بأنه لا وجود لما يسمى بالفجوة بين النظرية والممارسة؛ فمعرفة ما هو صواب هي نفسها الرغبة في فعله، والرغبة هي نفسها الفعل (على مقتضى تلك الرغبة). وإذا لم يتصرف الناس على نحو يحقق الصواب، فلا بد أن شيئًا ما ناقص في معرفتهم بما هو صواب. ويبدو ذلك حسنًا على الورق، لكنه لا يثبت في الممارسة. بل إن إجراءات التكفير المعقدة التي طوّرتها تقريبًا كل ديانة تبدو شاهدًا على تعذر تطبيق حجة أفلاطون. بل يمكننا حتى أن نفهم كلمات وأفعال ألكيبيادس الفاضحة في محاورة أفلاطون المأدبة بوصفها نقدًا ضمنيًا من أفلاطون نفسه لهذه الفكرة الخاطئة بوضوح.
يلاحظ لاكان (2006a، ص 766) أن الألمانية لا تسمح بصياغة تسمح بها الفرنسية: «on est bien dans le bien». فالألمانية تقتضي أن ينتقل هذا القول المأثور بين لفظين مختلفين: wohl وGute؛ Man fühlt sich wohl im Guten. وتبدو الإنجليزية أكثر مرونة قليلًا، إذ يمكننا ترجمة الفرنسية إما بـ«فعل الصواب يشعرنا بالصواب»، أو بـ«يشعر المرء بالرضا حين يفعل عملاً خيرًا». لكن الترجمة بهذه الصور، مع استعمال الفرنسية والإنجليزية كلمة واحدة لتمثيل المصطلحين الألمانيين المختلفين wohl وGute، تحجب التمييز الجذري بين استعماليهما. فـWohl هو مفهوم الرفاه أو الطمأنينة الذي سأطلق عليه «الشعور بالراحة»؛ وêtre bien في الفرنسية يعني أن يشعر المرء بالارتياح، وبأن كل شيء على ما يرام في العالم؛ وwohl وêtre bien يحيلان إلى الانفعالات أو المشاعر. أما Gute، من جهة أخرى، فهو مفهوم فلسفي: الخير بحرف كبير؛ ويسمى في الفرنسية le Bien، بحرف كبير أيضًا؛ وسأشير إليه هنا بوصفه «فعل الصواب». وهو يرتبط بما يسميه أفلاطون العدل، وبالتراث الفلسفي الغربي كله الذي يدور حول أسئلة العدل والإنصاف والأخلاق.
تركيبات الرغبة
«نوع خاص من اختيار الموضوع لدى الرجال» (1957a)
البعد الرمزي يبرز بصورة أقوى عند فرويد في بحثين من أبحاثه المبكرة عن الحب، أولُهما «نوع خاص من اختيار الموضوع لدى الرجال» (نُشر أصلًا عام 1910). يصف فرويد هنا نوعًا محددًا من «الحب الذكوري» الوسواسي (مقابل «الحب العادي») لا بد فيه من وجود منافس شبيه بالأب حتى يقع الرجل في حب امرأة. فهي لا تثير اهتمامه من دون هذا الشرط الصوري البنيوي الرمزي، وهو شرط يرتبط بوضوح بالمثلث الأوديبي (انظر فينك 1997، الفصل 8، مثالًا). ويشير فرويد إلى أن الرجل يحتاج إلى أن يشعر بالغيرة، وأن لديه «دوافع مُرضية من المنافسة والعداء» تجاه الرجل الآخر. والعلاقة بالمرأة وحدها ليست مُرضية له بما يكفي. وقد تكون للرجل سلسلة كاملة من مثل هذه التعلقات، مما يدل على أن المهم ليس النساء اللواتي يرتبط بهن بعينهن، بل الوضع البنيوي نفسه. فإذا تركت امرأة يهتم بها حبيبَها أو خطيبَها أو زوجَها، انهار المثلث، ولم تعد المرأة تهمه بعد ذلك.(4)
وهنا يطرح فرويد ديالكتيكه الشهير بين العذراء والعاهرة. فالأم، التي كانت تُرى سابقًا بوصفها صورة عذراء خالصة على طريقة العذراء مريم، تسقط من عليائها حين يكتشف الطفل حقائق الحياة، ويدرك أنها لا بد أن تكون قد أقامت علاقات جنسية مع والد الصبي. وفجأة تُرى على أنها لا تختلف كثيرًا عن العاهرة. ويؤدي هذا، بحسب فرويد، كثيرًا إلى خيال إنقاذ: أي العثور على عاهرة وإعادتها إلى حالتها الأولى من الطهارة.
ويقترح فرويد هنا أنه في «الحب العادي» لا يُعثر في الموضوع الذي يختاره الرجل إلا على عدد قليل من خصائص الأم بوصفها النموذج الأول. أما في «الحب الذكوري» من النمط الذي يصفه في هذا المقال، فإن البدائل الأمومية تكون شديدة الشبه بالأم (وإن كان ذلك راجعًا، على الأرجح، إلى وضعهن البنيوي في المقام الأول). وسأطرح فقط بعض الأسئلة بشأن صياغة فرويد هنا: لقد كانت الأم مشحونة بكميات كبيرة من الليبيدو ثم فقدت الكثير منه؛ فهل النساء «الساقطات» اللواتي يهتم بهن لا يُشحنّ بكثير أصلًا، ويحتجن إلى أن يُعاد لهن ما فُقد؟ أم أن الليبيدو، بعد سقوط الأم، انتقل كله إلى الصورة المثالية القديمة عنها، وأن الذكر يحاول أن يعيد توجيه بعض ذلك إلى نفسه؟ وهل إذا أنقذ امرأة صار هو نفسه مستحقًا للحب من جديد؟ أكان قد فقد أهليته للحب بسبب سقوط أمه؟ هل حين سقطت هي سقط هو؟ أليس ثمة مستوى إجمالي ثابت لليبيدو هنا (كما في 1914)؟ ألم يتحول ليبيدو الموضوع إلى ليبيدو الأنا من جديد؟
«عن الميل الكوني إلى الانتقاص في مجال الحب» (1957b)
تاريخيًا، يبدو هذا المقال (المنشور أصلًا عام 1912) قديمًا في بعض المواضع، ولا سيما في مناقشته للبيت البرجوازي الفيني، ومع ذلك فإن بعض جوانبه ما تزال صحيحة. فـ«الحب» هنا يُميَّز أولًا من «الرغبة»، التي يبدو أن فرويد يحصرها في الرغبة الجنسية (ص 183)، لكن ربما يختلط الاثنان لاحقًا في Trieb، أي «الدافع»، وهي كلمة تُترجم للأسف دائمًا في الإنجليزية بـ«instinct»، وربما تدل على الاستثمار الليبيدي العام الذي يضعه المرء في موضوع، بصرف النظر عن كيفية توزيعه بين الحب («الارتباط»؟) والرغبة الجنسية.
يوضح فرويد منذ البداية أن ثمة ما هو فاسد في دولة إيروس أو في la carte du tendre:(5) «علينا أن نحسب حساب إمكانية أن شيئًا في طبيعة الدافع الجنسي نفسه لا يساعد على تحقيق الإشباع الكامل» (ص 188–89). ويمكن النظر إلى هذا بوصفه سلفًا لعبارة لاكان الشهيرة والمكرورة: «لا وجود لشيء اسمه علاقة جنسية» (انظر مثلًا لاكان، 1998a، ص 57).
والمثال الذي يقدمه فرويد هو رجل يميل إلى اختيار موضوع ارتكازي، أي اختيار يقوم على التشابه بين امرأة وأمه؛ فهو يملك رابطة حسية قوية بأمه وأخته (فرويد، 1957b، ص 182)، وبسبب تحريم سفاح القربى يصاب بالعجز الجنسي. وما يبدو أنه يحدث هنا هو أن التيار الودّي يبقى فعالًا، فيستطيع الرجل أن يختار امرأة تشبه أمه، لكن التيار الحسي أو الجنسي يُكبَت كليًا وبصورة تامة. وبما أن موضوع الحب المناسب له ليس إلا امرأة تشبه أمه أو أخته، ومع ذلك فكل جنس مع مثل هذه المرأة محظور، فإن الرغبة الجنسية، في صورة الانتصاب بحضور الموضوع، تصبح مستحيلة. ويُساوى موضوع الحب الجديد في ذهنه بأمه أو أخته، من جميع النواحي الجنسية.
ويقترح فرويد هنا أن التيار الودّي (الحب) والتيار الحسي (الرغبة الجنسية) يجب أن يتحدا أو يندمجا في «الذكر العادي» (ص 180). لكن بحسب فرويد، هذا يحدث نادرًا؛ بل إنه يلمّح إلى أن العجز الجنسي لأسباب نفسية واسع الانتشار جدًا، ولا سيما إذا أخذنا في الاعتبار حالات العجز الجزئي (الذي يُشار إليه اليوم عمومًا بضعف الانتصاب أو ED، بما يذكّرنا بأوديب) وميل الرجال إلى اختيار زوجات من الطبقة الدنيا (ص 184–85)، وهي على الأرجح لا تشبه أمهاتهم البرجوازيات. ويُفترض أن اختيار زوجات من أصل طبقي أدنى من أصل أمهاتهم يسمح للرغبة الجنسية بأن تظهر منفصلة: فهؤلاء الرجال لا يحبون هؤلاء الزوجات كما أحبوا أمهاتهم، ولا يحدث هنا اتحاد أو اندماج حقيقي بين الحب والرغبة؛ إنهم يشتهون هؤلاء الزوجات من الطبقة الدنيا، لكنهم لا يحبونهن في حد ذاتهـن.
ومن ثم فمكوِّنا إيروس هنا هما:
والصيغة المعتادة لاقتران الحب والرغبة لدى الرجال المصابين بعجز جزئي هي كما يلي:
فهنا يبدو أن هناك نوعًا من الرابطة الحسية بالأم التي هي أيضًا موضوع للحب، لكن ثمة أيضًا إمكانية لرغبة جنسية في نساء أخريات ما دمن لا يصبحن موضوعات للحب. فإذا أصبحن موضوعات للحب مع مرور الوقت، فإنهن يستدعين صورة الأم، وإذا أصبحن موضع تقدير على نحو يشبه الأم، نتج العجز؛ ومن هنا أهمية إهدار الموضوع الجنسي باستمرار حتى لا يبدو أبدًا جديرًا بالتقدير على نحو يشبه الأم. ولا تسير الأمور على ما يرام إلا ما دامت الحب والرغبة منفصلين. ويبدو أن فرضية فرويد الضمنية هنا هي أنه إذا اندمج الحب والرغبة لاحقًا في الحياة (على الموضوع ما بعد الأوديبي لا ما قبل الأوديبي)، فلا حاجة إلى كبت أحدهما أو استبعاده من معادلة إيروس. غير أن فرويد، مع ذلك، يقول في توصيفه للحالة الأكثر شيوعًا: «حيث يحبّون لا يشتهون، وحيث يشتهون لا يستطيعون أن يحبوا» (ص 183).
وهناك، إذن، احتمالان مختلفان: في الحالة الأولى، حيث نرى عجزًا جنسيًا كاملًا، يكون قد حصل اندماج كامل بين الحب والرغبة بالنسبة إلى الأم (بوصفها موضوعًا ما قبل أوديبي)، ثم تُكبَت الرغبة بسبب تحريم سفاح القربى؛ وهنا يبقى الحب، لكن الرغبة تصبح مستحيلة. أما في الحالة الثانية، حيث نرى عجزًا مع نساء يشبهن الأم ولكن لا مع «نساء من الطبقة الدنيا»، فليس هناك إلا اندماج جزئي للحب والرغبة بالنسبة إلى الأم. ولاحظوا أنه رغم قول فرويد في بداية المقال إن من الطبيعي أن يندمج الحب والرغبة، فإن اندماجهما لا يمكن - على ما يبدو أنه يلمّح هنا - أن يتضمن الأم أو يتمركز حولها. فاندماج الحب والرغبة - أي التيارين الودّي والحسي - لا ينبغي أن يقع قبل تحريم سفاح القربى، بل بعده فقط، بعد التخلي عن الأم بوصفها موضوع الحب الأول. وفي 1921، يوضح فرويد (1955e) أنه يرى هذا الاندماج ينبغي أن يقع في المراهقة، أي بعد حل عقدة أوديب؛ لكن ما الذي يسببه إذن؟ الهرمونات؟ التنشئة الاجتماعية؟ فرويد لا يخبرنا كيف أو لماذا يحدث هذا الاندماج.
ويخلص فرويد (1957b) هنا بشأن الرجال إلى ما يلي: «كل من يريد أن يكون حرًا وسعيدًا حقًا في الحب لا بد أن يتجاوز احترامه للنساء، وأن يتصالح مع فكرة سفاح القربى مع أمه أو أخته» (ص 186). ويبدو، بعبارة أخرى، أن على الرجل أن يتوقف عن وضع النساء على قاعدة التمثال، وأن يكف عن رؤيتهن في صورة العذراء المريمية (وأفترض أنه لا يقصد أن يفقد الرجل كل احترامه للنساء، رغم أن بعضهم قد يخالفني هنا؛ هل يضع الاحترام المرأة تلقائيًا في فئة الأم والأخت؟)، لأنه في مثل هذه الحالات لا يستطيع أن يشتهيهن جنسيًا. أما الشطر الثاني من جملة فرويد فيوحي بأن على الرجل أن يتصالح مع حقيقة أن الجنس مع امرأة ينطوي دائمًا على عنصر سفاحي ما؛ وأن النزعات السفاحية تظهر حتمًا في كل تحليل، إذا ما أُخذ إلى مداه الكامل، سواء حصل تماس جنسي مباشر بين الأخوة أو بين الوالد والولد أم لا.
ليس واضحًا تمامًا كيف ينبغي أن نصف هذه البنية من منظور الخيالي والرمزي والحقيقي. ففرويد يقترح أن اختيار موضوع يشبه الأم هو اختيار موضوع ارتكازي، ومع ذلك فالأم هنا مُمجَّدة، موضوعة على قاعدة رمزية، إن جاز التعبير. ويبدو أن هذا التمجيد رمزي في الأساس، بقدر ما لا يقوم على شبه مع الذات على مستوى الصور (التشابه الجسدي)، أي على مستوى الخيالي، بل يقوم على خصائص ذات قيمة ثقافية تؤدي إلى «الاحترام»: المكانة الاجتماعية والرتبة والاحتشام والطهارة وما إلى ذلك.
وماذا يقول فرويد عن النساء في هذا المقال الذي يتحدث ظاهريًا عن ميل كوني إلى الانتقاص في مجال الحب؟ يقول إن النساء لهن حاجة قليلة إلى الانتقاص من موضوعهن الجنسي (ص 186)، لكنه يكاد لا يقول شيئًا في السبب. أليس في علاقتهن بأبائهن أيضًا شيء من الحب والتعلق الجنسي الجزئي؟ أهو لأنهن لا يحتجن إلى التخلي عنه حقًا؟ لأنهن لا يحتجن إلى كبت حبهن له في الواقع؟ أهو مجرد انتقال تدريجي من رجل إلى آخر، ربما؟ أم أن الأمر، بدلًا من ذلك، هو أن الحب يبقى في معظم الحالات مربوطًا بالأم، بينما تتجه الرغبة الجنسية إلى الأب؟
مهما يكن، يقترح فرويد أن النساء غالبًا ما يحتجن إلى وجود حظر لكي يُثارن جنسيًا؛ وقد أظهر هذا بصيرة لافتة تجاه سلسلة كاملة من الأفلام الفرنسية التي لا تستطيع فيها الزوجة أو العشيقة أن تثار إلا إذا مارستا الحب في أماكن عامة حيث يمنع ذلك ويخشى أن يُضبطا. ويقول فرويد إن هذا يؤدي لدى النساء إلى حب قائم على شروط بنيوية معينة تتصل بالمنع أو «التحريم» (ص 186). لكنه لا يشرح فعلًا السبب. هل لأن تحريم سفاح القربى لم يكن قويًا بما يكفي، فيجب استدعاؤه أو استفزازه؟
ويستبق فرويد بعض ملاحظات لاكان حول تقليد الحب العذري حين يقول هنا إن الرجال يصنعون حواجزهم الخاصة أمام الحب كي يضاعفوا لذته (ص 187). فـ«إذا كانت الحرية الجنسية غير مقيدة» فإن الإشباع لا يكون كاملًا: في الواقع، إنه لا يكون كاملًا أبدًا. والتربية تجعل الإشباع غير كامل دائمًا. والحضارة تعرقل نفسها إلى حد ما في هذا الصدد: فتنشئة «دوافع الحب» لا تحدث إلا بثمن، وهذا الثمن هو «فقدان محسوس [أي ملموس أو قابل للإحساس] للذة» (ص 189–90).
ولتعويض بعض من تلك الخسارة، يبدو أننا نبني الحواجز لكي نرفع مستوى اللذة؛ فهل يفسر هذا، بأي وجه، افتتان النساء كثيرًا بـ«الأولاد الأشرار»، أولئك الرجال الذين لا يطابقون صورة آبائهن المثاليين؟ أم أن هؤلاء الأشرار ليسوا سوى طبعات جديدة من آبائهن أنفسهم، الذين لم يكونوا جديرين بالتقديس من الأساس؟ في بعض الحالات على الأقل، يبدو أنه لكي تشتهي المرأة، لا ينبغي أن يكون هناك شبه كبير بين الأب المحبوب المثالي والرجل الذي تستطيع أن تشعر تجاهه بالرغبة الجنسية؛ وربما هي أيضًا لا تستطيع بسهولة أن تحب وتشتهي في المكان نفسه، أو أن تحب وتشتهي الموضوع نفسه. ولكي تُثار جنسيًا، لا بد أن تكون مع الرجل الخطأ، الرجل الذي جاب العالم، والذي لا يعاملها كأميرة كما فعل والدها، لأن ذلك سيقود إلى الحب لا إلى الرغبة. لا بد ألا ينظر إليها بنظرة محترمة محبة، بل بنظرة وقحة شهوانية.
وقبل الانتقال إلى لاكان بشأن العاطفة، فلننظر إلى كيفية صياغة فرويد لمكوّن الدافع في الحب. ففي 1921، يقترح فرويد (1955e) أن الحب الحسي «ليس سوى استثمار موضوعي من جانب الدوافع الجنسية بقصد الإشباع الجنسي المباشر، وهو استثمار ينتهي، فضلًا عن ذلك، حين يتحقق هذا الهدف». كما يصف الحب الحسي هنا بأنه «حب أرضي» (ص 112)، ويشير إلى أنه غير مثبط من حيث الهدف. ويبدو أن «الحب الأرضي» يطابق ما كان قد سماه سابقًا «الرغبة الجنسية». فالاستثمار في الموضوع هنا قصير العمر، ويختفي بمجرد تحقيق الإشباع الجنسي. لكنه يضيف بعد ذلك أن الأهداف الحسية، حين تُمنع، تُكبَت، وغالبًا ما تولد «دوافع مثبطة الهدف» (ص 111–12)، فيشير إلى الحب الودّي بوصفه مثل هذا الدافع المثبط الهدف. ويبدو أن الحب الودّي هنا ينطوي على تمجيد للموضوع، بحيث يُلتفت إلى فضائله الروحية بدلًا من فضائله الحسية.
لاحظوا أن الحب الودّي لا يُنظر إليه هنا بوصفه سابقًا على الحب الجنسي، بل بوصفه ناتجًا عن تثبيط الحب الحسي. ففي أعمال فرويد السابقة، كانت هذه تبدو تيارات منفصلة ومستقلة نسبيًا عن بعضها؛ أما هنا فيبدو أن منع بعض الإشباعات الواقعية هو ما يولّد نوعًا من المثالية الرمزية، مؤديًا إلى تيار وديّ ثانوي لا أولي. ومن ثم يبدو أن المثالية، كما نراها في الحب العذري، تنطوي على تسامي الدوافع الجنسية. وهذه الصياغة لعام 1921 تختلف كثيرًا عما قاله فرويد من قبل: فـ«الحب الودّي» كان إما ارتكازيًا أو نرجسيًا.
العاطفة: الأنا المثالية ومثال الأنا
نظرًا إلى قيود المساحة هنا، سأقتصر على مناقشة أقدم صيغ لاكان بشأن الحب والعاطفة. وسأفترض أن القارئ على معرفة بأعمال لاكان «المرحلة المرآوية» و«العدوانية في التحليل النفسي»، حيث يؤكد الدور التكويني المحدِّد للصور في عالم الحيوان، ويشير إلى أن تطورًا مهمًا في كثير من الأنواع يقتضي رؤية شيء ما: صورة لعضو من النوع نفسه. وهو يفترض أن الأنا عند البشر تتشكل أولًا بين سن ستة أشهر وثمانية عشر شهرًا على أساس الصور التي يراها المرء لنفسه في المرآة (أو أي سطح عاكس آخر)، أو صور الأطفال المشابهين له في العمر. ويقترح لاكان أن الأنا كما تتجلى في المرحلة المرآوية تُشحن بقدر معين من الحب أو الليبيدو، يسميه الليبيدو النرجسي. وخلافًا لفرويد، لا يرى أننا نشحن أنفسنا تلقائيًا، كما تفعل الحيوانات. وفي صيغته المعدلة للمرحلة المرآوية في السيمينار الثامن، يقترح لاكان (2001a) أن صورة المرآة تُستدخل وتُستثمر بالليبيدو بفضل إيماءة موافقة - مثل إيماءة إيماء بالرأس، على سبيل المثال، مرتبطة بـeinziger Zug عند فرويد [1955e] - تصدر من الوالد الذي يحمل الطفل أمام المرآة أو يراقبه وهو ينظر إلى نفسه فيها. فبفضل اعتراف الوالد أو إقراره أو موافقته، تكتسب الصورة المثالية للذات المرئية في المرآة («الأنا المثالية») هذه الأهمية البالغة. وهي لا تُستدخل إلا إذا جرى التحقق منها من شخص مهم بالنسبة إلى الطفل، وهذا التحقق هو ما يثبت ما يسميه فرويد «مثال الأنا» (Ichideal).(6)
نرسيس
لننظر بإيجاز إلى حالة نرسيس. في الأسطورة، لا يهتم نرسيس بالفتيات - وهو لا يهتم بالحوريات، لا إيكو ولا غيرها. وتدعو فتاة رفضها أن يقع في حب بلا جواب، فيقع فعلًا في هذا الحب. ويبلغ به الولع بصورته في بركة ماء، إذ يظنها روح ماء تسكن البركة، أنه «ظلّ يغذي النار التي التهمته، حتى فقد تدريجيًا لونه وهيأته و[جماله] … فذبل ومات» (Bulfinch, 1979, ص 121).
إن الصورة التي يراها نرسيس لنفسه ليست سوى صورة، أي بالضبط من ذلك النوع من الصور الذي تتكون منه المرحلة المرآوية. فهو لا يسبغ على الصورة خصائص رمزية مثل الأمانة أو النزاهة أو الذكاء أو غير ذلك، بل يسبغ عليها الجمال فحسب. وهذا الجمال يأسره؛ فهو مأخوذ به كما تُؤسر بعض الحيوانات المفترسة ببقع الطاووس على ريشه أو كما يأسر ابن عرس الأرنب بنظراته الساحرة. إنها تستحوذ عليه، وتنوّمه مغناطيسيًا، فلا يستطيع إلا أن يحدّق فيها. ثمة هنا شغف مميت أو انجذاب قاتل إلى هذه الصورة، إلى هذا الانعكاس الجميل لذاته الذي يشبهه - يا له من شبه قريب، قريب جدًا - وهو لا يزال أكثر مثالية منه لأنه يقدمه على نحو شامل، أي يعرضه تقريبًا كله دفعة واحدة، فيخلق له كلاً متناغمًا لا يمكنه أن يحظى بنظرة إليه بأي طريقة أخرى.
ومشكلة نرسيس أنه يعجز عن إدخال هذه الصورة إلى داخله، أو استدخالها، أو استبطانها بالطريقة التي تحدث بمساعدة الآخر في المرحلة المرآوية. وحتى عندما ينجح المرء في استبطانها، فإنه يظل غريبًا عنها بقدر ما لا يستطيع إلا أن يقترب منها اقترابًا تقاربيًا، كما يقول لاكان؛ فهو يظل دومًا على مسافة ما من أن يسكن هذه الصورة المثالية لذاته على نحو كامل. ومع ذلك، فإن الصورة في حالة نرسيس تبقى خارجية، خارجه بمعنى ما.
التنافس بين الأشقاء
يبدو أن مقالًا لفرويد صدر عام 1922 بعنوان «بعض الآليات العصبية في الغيرة والبارانويا والمثلية الجنسية» قد لعب دورًا مهمًا في عمل لاكان على الحب؛ ولا شك أن من اللافت أن لاكان نفسه ترجم هذا المقال تحديدًا لفرويد (1955c) إلى الفرنسية عام 1932. في هذا المقال، يلاحظ فرويد تباينًا مثيرًا بين أمر يحدث في بعض حالات المثلية الجنسية وأمر يحدث في البارانويا. ففي بعض حالات المثلية الجنسية، نجد، كما يقول فرويد، وضعًا يصبح فيه الأخوان، اللذان كانا قد تنافسا في البداية على انتباه الأم، «أول موضوعات الحب المثلية» لبعضهما البعض (ص 231). وبسبب كبت التنافس بين الأشقاء، تنتقل المحبة من الأم إلى الأخ الذي كان المرء يتنافس معه. يتحول العداء المبكر إلى مودة:(7)
وما يلفت فرويد هنا ليس مجرد انقلاب العداء إلى حب، وهو أمر شائع بما يكفي، بل إن هذا الانقلاب هو، على وجه الدقة، عكس ما يحدث في البارانويا، حيث يصبح الشخص الذي كان محبوبًا في الأصل هو المضطهِد المكروه لاحقًا. في البارانويا يتحول الحب إلى كراهية، وفي هذه الحالة من التنافس بين الأشقاء تتحول الكراهية إلى حب. ولاحظوا أن هناك هنا مكسبًا في ليبيدو الأنا: فليبيدو الموضوع المرتبط بالأم يعود إلى الذات التي تقع في حب من يشبهها.
ويعلّق لاكان على هذا في مقاله عن أختي بابان في Le Minotaure 3/4 (1933–34)، المكتوب بعد عام من نشر ترجمته لنص فرويد. ويقول إن «الخفض القسري للعداء المبكر بين الإخوة، عندما يحدث، يمكن أن يؤدي إلى انقلاب غير عادي لهذا العداء إلى رغبة» يولّد «تثبيتًا وجدانيًا قريبًا جدًا من الأنا السوليبسية، تثبيتًا يبرر وصفه بأنه نرجسي، ويكون فيه الموضوع المختار شديد الشبه بالذات قدر الإمكان؛ ولهذا يأخذ طابعًا مثليًا».
وبعبارة أخرى، بينما ربما رأى فرويد هذا الانقلاب من الكراهية إلى الحب بين الإخوة بوصفه طريقًا غير ذهاني إلى المثلية الجنسية (غير ذهاني بقدر ما ينطوي على الكبت، وهو شكل نفي عصابي بالخصوص)، فإن لاكان، في هذه المرحلة المبكرة جدًا من عمله، يشدد على أهمية «الأنا السوليبسية» في مثل هذه الحالات. ويذكر أن جميع مضطهدي أميه، المرأة الذهانية التي ناقش حالتها بإسهاب في أطروحته للدكتوراه سنة 1932، كانوا مضاعفات أو بدائل لمضطهديها الأول، أي أختها الكبرى، التي كانت قد أحبّتها هي الأخرى سابقًا في حياتها. ويقترح هنا أن انقلابًا من الحب إلى الكراهية قد حدث في حالتها، ما أدى إلى اعتدائها الدرامي على ممثلة كانت إحدى بدائل أختها. وتتكون سلسلة مضطهديها من «النسخ الثنائية والثلاثية والطبعات المتعاقبة لنموذج أولي [لأختها الكبرى]. وهذا النموذج الأولي ذو قيمة مزدوجة، وجدانية وتمثيلية معًا» (لاكان، 1980، ص 253).
تأملوا بعض التعليقات التي يوردها عن أميه:
فالنساء اللواتي يصبحن مضطهديها هن نساء يعشن الحياة التي كانت هي نفسها تود أن تحياها. إنهن الصورة ذاتها للمرأة الجديرة بالحب في نظرها؛ إنهن ما تشعر أنها كان ينبغي أن تكونه لكي تُحب من ذاتها، ولكي تكون محبوبة من نفسها كما تحب الآخرين: إنهن مثالها. ويقول لاكان، في شأن إحدى المضطهِدات، المس ب. دو لا ن.، إن «الشخص المشار إليه هنا كان في الوقت ذاته أقرب صديقاتها والمرأة المهيمنة التي كانت تغار منها؛ ولذلك تبدو بديلًا عن أخت أميه» (ص 233).
ويقول بعد قليل:
ويستخدم حتى تعبير «العدو الداخلي» (ص 237) في موضع ما للدلالة على الشخص الذي اعتدت عليه (رغم أن السياق مختلف قليلًا). ويقول إن ضرب هذه الممثلة الشهيرة بسكين يعني أنه «ضرب نفسها»، وأن هذا كان بالضبط اللحظة التي شعرت فيها بالارتياح، وقد تجلى ذلك في بكائها، مع انحسار الهذيان فجأة (ص 250). وثمة هنا خلط واضح بين الداخل والخارج، وبين الداخلي والخارجي. وهذا جزء مما يسميه لاكان «المركب الأخوي» (ص 261)، وهو مصطلح يظهر أيضًا في عمل آخر للاكان (1984، ص 47).
ويقترح لاكان (1980) أن «هؤلاء الناس … يرمزون … إلى مثال أميه» (ص 263). وبصورة أعم، في البارانويا:
ويعلّق لاكان حتى في هامش هنا بأن كثيرًا من المؤلفين قدّموا حالات سريرية يصدق فيها هذا، لكن قلّة منهم أدركوا مدى انتظام ذلك. ويذكر أن الأوهام المشتركة تنطوي في الغالب على أزواج من الأم وابنتها أو الأب وابنه (ص 284).9
«المركبات العائلية» (1938)
قبل وقت طويل من أن يتوصل لاكان إلى فكرة أن موافقة الوالدين ضرورية لاستدخال الأنا المثالية في المرحلة المرآوية، وقبل أن يصوغ مفهوم الرمزي، كان يفترض وجود وحدة أم/طفل أولى تُفقد عند الفطام (لاكان، 1984). ففي لحظة الفطام يفقد الطفل «وحدة ذاته» - وهي وحدة كان قد وجدها، على ما يبدو، في عدم تمايزه عن أمه، وفي شعوره بتشكيل كلٍّ معها (وهو شعور لا يتكون، بالطبع، إلا بعد فواته، حين يُفقد)،(10) أو على الأقل مع صدرها («صورة الثدي الأمومي تهيمن على حياة الإنسان كلها»، ص 32). وفجأة يجد نفسه جسمًا مجزأً، ويختبر «ميلًا [أي اندفاعًا من نوع ما] … إلى استعادة وحدته المفقودة»؛ ويحاول استعادة تلك الوحدة بالاعتماد على «صورة المزدوج» (ص 44)، أي نموذج أو صورة «غريبة»: صورة شخص آخر. (ولا يبدو لاكان أنه يخبرنا لماذا يحدث هذا على هذا النحو.) ويسمي لاكان هذا «مركب الاقتحام»، ويقترح أنه «من هذه المرحلة نفسها يبدأ المرء أولًا في التعرف إلى منافس، أي إلى “آخر” بوصفه موضوعًا» (ص 37) - ويبدو هذا أول استعمال له لمصطلح «الآخر» بهذا المعنى.
إن «مركب الاقتحام» هذا، وهو الأكثر شيوعًا بحسب لاكان عندما يكون الفارق العمري بين الأطفال المعنيين صغيرًا جدًا، ينطوي على «موقفين متقابلين ومتكاملين» يبدو أن الأطفال مضطرون إلى اتخاذهما: المغوي والمغوى، المهيمن والمهيمن عليه. والفارق العمري الصغير بين الطفلين يعني أن على الذاتين أن تكونا متشابهتين جدًا في الحجم والقدرات. «وترتبط صورة الآخر ببنية جسد المرء نفسه، ولا سيما ببنية وظائفه العلائقية، من خلال تشابه موضوعي معين» (ص 38).
ولا يرى لاكان مواقع المغوي والمغوى، والمهيمن والمهيمن عليه، بوصفها اختيارات بقدر ما يراها مثبتة بالطبيعة - أي بالغريزة، إن جاز القول، بما أن هذه المواقع نفسها تُعثر عليها في أنواع أخرى كثيرة. ويقترح أنها أصل السادية المازوخية (ص 40): فكلا الطرفين مطالب بأداء هذين الدورين سواء أرادهما أم لا، وكلاهما يرتبط بالطرفين معًا على قدم المساواة، على الأقل في البداية. أما إحساسنا بالآخر في هذه المرحلة، فيقول، فهو خيالي بالكامل (ص 38): فالآخر ليس مختلفًا عن أنفسنا في العمق.
ويؤدي نوع التماهي مع الآخر الجاري هنا إلى وضع تصبح فيه العدوانية نحو الآخر مساوية للعدوانية نحو الذات؛ حتى إن لاكان يشير إلى الدور الذي يلعبه المازوخية في السادية بوصفه «بطانة داخلية» أو «ازدواجًا داخليًا» [doublure intime] (ص 40).
ويصف لاكان عالم الطفل في هذه المرحلة بأنه «عالم نرجسي» ويقول إنه «لا يحتوي على أشخاص آخرين [autrui]» (ص 45). وما دام الطفل لا يفعل سوى محاكاة إيماءات طفل آخر وملامحه وانفعالاته عبر شكل من التعدي الانتقالي، فإن «الذات [الطفلية] لا تتميز عن الصورة نفسها»، أي عن «صورة الشبيه»، عن شخص شديد الشبه به. فـ«الصورة لا تضيف سوى الاقتحام المؤقت لميل غريب» - ميل مستعار من الآخر - إلى ميول الطفل السابقة. ويسمي لاكان هذا «اقتحامًا نرجسيًا»، قائلًا: «قبل أن تؤكد الأنا هويتها، تكون مختلطة بهذه الصورة التي تشكّلها، لكنها تغربها جذريًا» (ص 45). (وبقدر ما لا يوجد هنا موضوعان مختلفان على نحو جوهري، إلا من وجهة نظر المراقب الخارجي، فليس من الدقيق تمامًا أن نتحدث عن “اقتحام” هنا، لأن الاقتحام يفترض وجود موضوعين منفصلين، يعتدي أحدهما على حيّز الآخر.)
ويحاول لاكان بعد ذلك أن يشرح كيف يُتغلب على هذا الخلط البدئي بين الذات والآخر عبر الغيرة، إذ تصبح المنافسة على موضوع ثالث هي ما يثَلّث الوضع ويُدخل عهدًا أو اتفاقًا بين الطرفين؛ وهنا نجد محاولة لاكان المبكرة لاستخدام ديالكتيك السيد/العبد الهيغلي لتجاوز صراع الموت، وهي محاولة يتخلى عنها لاحقًا عندما يدرك لاكان (2001a) الإسهام المهم للرمزي (الملمح الأحادي، einziger Zug، الآتي من الوالد) في المرحلة المرآوية. فبينما يحاول لاكان في البداية إدخال العهد الرمزي إلى الوجود من ديالكتيك خيالي خالص، فإنه يتخلى لاحقًا عن هذا المسعى بوصفه عقيمًا.
ومع ذلك، حتى مع أخذ آراء لاكان المعدلة في تكوّن الأنا في السيمينار الثامن في الاعتبار، ما زال بإمكاننا قبول فكرته هنا بأن «الأنا تتشكل» على «صورة المزدوج البدئية» (لاكان، 1984، ص 48). ويقترح أن نرى أهميتها لاحقًا في الحياة في عدد من الحالات المختلفة، بما في ذلك المثلية الجنسية والفتشية، وفي البارانويا حيث تلعب دورًا «في نمط المضطهِد، سواء أكان خارجيًا أم داخليًا» (ص 48).
وبعبارة أخرى، لا يحصر لاكان تأثير «المركب الأخوي» في البارانويا - حيث يؤدي إلى «تواتر موضوعات النسب، والاستيلاء، والسلب، [وإلى] الموضوعات الأكثر بارانوية: الاقتحام، والتأثير، والانقسام، والتضاعف، ومجمل التحولات الوهمية للجسد» (ص 49). بل قد يكون للمركب الأخوي دور مهم في فئات تشخيصية أخرى أيضًا.
ويقترح لاكان أن التحليل النفسي يتيح لنا أن نرى أن «موضوع الليبيدو الانتقائي في المرحلة التي ندرسها هو موضوع مثلي» وأن الحب والتماهي يندمجان في هذا الموضوع (ص 38–39). وفي أطروحته، يشير إلى كم كان المضطهِد كثيرًا ما يكون من الجنس نفسه للمريض، مقترحًا أن مسألة «المثلية المكبوتة» (ص 301) أو «الدفاع ضد المثلية» في الذهانات قد تكون مرتبطة فعليًا بالعاطفة المرتبطة بصورة شخص يشبه المرء إلى حد كبير (a-a´).(11)
ثم يقترح:
وبعبارة أخرى، فإن الاهتمام العاطفي بالمرأة الأخرى في الهستيريا، على سبيل المثال، يقوم أقل على تعلق عاطفي بالرجل الذي يُفترض أنه موضوع عواطفها الحقيقي، وأكثر على افتتان بالمرأة الأخرى (التي تراها منافسة) بوصفها الصورة الموجودة في صميم كيانها هي. ولا يشدد لاكان على هذا الجانب حين يناقش حلم زوجة الجزار بعد سنوات طويلة، لكنه ربما جانب مهم ينبغي إبقاؤه في البال على أي حال (انظر، مثلًا، لاكان، 2006a، ص 452). ويمكن أن يُفهم على أنه يلعب دورًا في افتتان دورا بالسيدة ك. بقدر ما تمثل الأخيرة أنوثة دورا نفسها. بل إن اهتمام النساء بسؤال الأنوثة، أي ما يعنيه أن تكون المرأة امرأة، قد يكون مرتبطًا بهذا الافتتان بصورة امرأة أخرى. (ولعل شيئًا مشابهًا يمكن أن يقال عن محاولة الرجال فهم معنى أن يكون المرء رجلًا: انظر «الزمن المنطقي» في لاكان، 2006a، ص 212–13.) وتأملوا أيضًا مدى شيوع حضور رجل ثانٍ في الخيالات الجنسية للرجال عن النساء، حيث يبدو أن وجود صراع مع رجل آخر ضروري لجعل الأمر مثيرًا: منافس شبيه بالأخ أو الأب.
لقد أثار هذا الاستكشاف الأولي أسئلة أكثر مما أجاب عنه، لكن، بحكم قيود المساحة هنا، يستحيل حتى الشروع في محاولة الإجابة عن بعض هذه الأسئلة بصيغ لاكان اللاحقة عن الحب العذري، والجمال، وما إلى ذلك. وآمل أن أناقش ذلك في كتاب مقبل عن الحب.
نُشر هذا البحث في الأصل في مجلة دولية للفلسفة والتحليل النفسي يصدرها معهد سلوفينيا للفلسفة: Acta Philosophica-Filozofski vestnik, 27(2) (2006)، 236–82. وهو يتضمن مادة قُدمت في سمنار نهاية أسبوع عُقد في شيكاغو في أكتوبر/تشرين الأول 2005 لمركز شيكاغو للتحليل النفسي، وفي ميامي في 19 فبراير/شباط 2005 لمجموعة LOGOS.
الهوامش
1 جميع ترجماتي لنصوص لاكان هنا من عندي.
2 قد توجد تشكيلات أكثر تعقيدًا في حالة اختيار الموضوع المثلي، لأن الموضوع المختار قد يشبه المرء نفسه ومقدِّم العناية المبكر في آن واحد.
3 يبدو اختيار الموضوع هنا إما/أو، لا ارتكازيًا جزئيًا ونرجسيًا جزئيًا حتى على المستوى النظري.
4 علمتني الخبرة السريرية أن النساء أيضًا يستمددن أحيانًا لذة أكبر من التنافس مع نساء أخريات - أي من أخذ الرجال منهن، كما ربما شعرن أنهن أخذن آباءهن من أمهاتهن أو حاولن أخذهم منهن حين كنّ صغيرات - أكثر مما يستمددن من الرجال الذين يرتبطن بهم.
5 La Carte du Tendre خريطة من القرن السابع عشر للمشاعر الرقيقة/العاطفية - وربما مقدمة لنظرية آدم سميث (1759) في الأحاسيس الأخلاقية - رسمتها مادلين دو سكوديري. وكانت تدّعي أنها تتتبع كل مراحل الحب، وكل مراحل تطور المشاعر الرقيقة، فضلًا عن كل العقبات والمشكلات التي قد يواجهها المرء في طريق الحب مثل الغيرة واليأس. ويمكن العثور عليها في روايتها ذات الأجزاء العشرة Clélie (1654–60). وتوجد الخريطة أيضًا في كتاب جوان ديجان Tender Geographies: Women and The Origins of the Novel in France (نيويورك: Columbia University Press, 1991).
6 لمناقشات الصيغتين المبكرة والمتأخرة للمرحلة المرآوية، انظر فينك (1995a، 1997، وخصوصًا 2005).
7 يصف فرويد (1922) هنا أيضًا طريقة أخرى قد ينشأ بها اختيار الموضوع المثلي: فهو يذكر صبيًا كان متمسكًا بأمه، ثم بعد بضع سنوات من البلوغ بدأ يتماهى معها واتخذ صبيًا في مثل عمره وقت حدوث هذا التماهي موضوعًا لحبه. وربما ظل طيلة سنوات لاحقة ينجذب إلى الصبيان في ذلك العمر - ففي حالة أحد محلَّليّ الخاصين، كان رجل مثلي ينجذب على نحو خاص لمدة عشرين عامًا تقريبًا إلى الصبيان بين الخامسة عشرة والسابعة عشرة، وكانت عقدته الأخلاقية هنا أنهم قاصرون دون السن القانونية. ويصف فرويد ذلك بأنه حل لعقدة أوديب، بما يعني أن يظل أمينًا لأمه مع التراجع لصالح أبيه من خلال عدم منافسته على حب أمه (ص 230–31)؛ وهذا يشبه الشرح الذي يقدمه، في صيغة معكوسة، بشأن الحالة الشهيرة لـ«المرأة المثلية الشابة» (فرويد، 1955f).
8 يقترح لاكان (1980) أيضًا أن «التثبيت النرجسي والدافع المثلي قد نشآ في هذه الحالة من نقاط تطور ليبيدي كانت متقاربة جدًا» (ص 264).
9 يذكر شيئًا قريبًا من ذلك في لاكان (1984، ص 49).
10 انظر أسطورة أريستوفانيس في المأدبة لأفلاطون.
11 هنا يتحول الحب إلى كراهية، ويتحول عقاب الآخر إلى عقاب للذات.
في الترجمة
10
مهمة الترجمة
كلمة ألقيت عند تسلّم جائزة على ترجمة Écrits
أود أن أبدأ بتوجيه الشكر إلى كثيرين: أشكركم جميعًا على حضوركم اليوم؛ وأشكر المؤسسة الفرنسية الأميركية ومؤسسة فلورنس غولد على هذه الجائزة السخية؛ وأشكر أعضاء لجنة التحكيم المرموقين على تقديرهم عملي بعد أن خصصوا وقتًا لقراءة كتاب كثيرًا ما وُصف بأنه غير قابل للقراءة وغير قابل للترجمة، بل قيل إن أول أستاذ درست معه هذا الكتاب كان يرميه مرارًا عبر الغرفة من شدة السخط؛ كما أشكر زوجتي، Héloïse Fink، لأنها راجعت صفحات الترجمة التسعمائة كلها، سطرًا سطرًا، بعناية شاقة. وقد ساعدني كثيرون آخرون في هذا العمل على نحو مهم، وإن كان متقطعًا أكثر، وقد شكرتهم في مقدمتي للترجمة؛ غير أن زوجتي تستحق ذكرًا خاصًا بسبب استعدادها الدائم لأن تضمن ألا «أضع قدمي في الطبق»، كما يقول الفرنسيون، أو على الأقل ألا «أضع قدمي في فمي»، وألا أرتكب شيئًا بالغ الحماقة، على الأقل فيما يخص الترجمة.
فالترجمة الحمقاء، في النهاية، أمر يسير الوقوع فيه، حتى في الأجزاء المباشرة. فالألفاظ المتشابهة بين اللغتين أصدقاءُ طقسٍ جميل لا أكثر، والتعابير الاصطلاحية ليست عسيرة النقل فحسب، بل كثيرًا ما تمر من دون أن يلحظها المترجم غير المتنبه، فلا يرى إلا المعنى الصريح أو غير الاصطلاحي، وينتهي به الأمر إلى ترجمة عبارات من قبيل “how do you like them apples” أو “you ain’t just a whistling Dixie” على أكثر الوجوه تنافرًا. وأنا أعرف ما أقول، إذ وقعتُ أنا نفسي في مثل هذه الشراك، وخلطتُ بين le geste وla geste بين حين وآخر...
ومع تركيزنا الراهن على ما نسميه بسذاجة «الطلاقة» في تعلم اللغات الأجنبية، يبدو أننا نؤكد سرعة انطلاق اللغة الأجنبية من أفواهنا أكثر مما نؤكد استعمال نحو مفهوم، أو دقة التعبير، أو القدرة على العثور على le mot juste. ومن عاش في الخارج يعرف أنه قد يبلغ بسرعة كلامه حدًا مقبولًا خلال سنة أو سنتين، لكنه لا يبدأ غالبًا في إدراك مقدار ما لا يفهمه إلا بعد نحو خمس سنوات من العيش في بلد أجنبي، ولا يبدأ حقًا في رؤية اتساع ما لا يفهمه إلا بعد عشر سنوات! فتعلم اللغة، سواء كانت ما يسمى لغتك الأم أم لغة أجنبية، مسعى يمتد مدى الحياة.(1)
وأشدد على صعوبات الترجمة وعلى الطبيعة الممتدة لعقود في تعلم اللغة لأن نسبة معتبرة من النصوص النظرية الفرنسية تُترجم اليوم إلى الإنجليزية على أيدي طلاب دراسات عليا جائعين على نحو يكاد يكون مثليًا، مستعدين للعمل لقاء أجر زهيد، لكن مهاراتهم اللغوية تترك الكثير مما ينبغي. فالناشرون لا يخصصون مالًا كافيًا لعمل الترجمة المهم، وغالبًا ما ينالون مقابل ما يدفعونه: عملًا رديئًا يبدو كأنه فرنسي، مع أن الكلمات في الظاهر إنجليزية. وهذا يقود، على غير مفاجأة، إلى أرقام مبيعات مخيبة للآمال. فيقف الناشرون حائرين: كيف لكتاب باع بهذا القدر في فرنسا أن «يسقط ميتًا من المطبعة»، كما قال هيوم، في الولايات المتحدة؟ أحقًا نحن إلى هذا الحد معادون للفكر؟
ولعل ناشري الأعمال الأدبية أرهف حسًا من ناشري كتب العلوم الاجتماعية تجاه أهمية الترجمة الجيدة، وأكثر استعدادًا لفتح محافظهم للحصول عليها. أما في العلوم الاجتماعية، فيبدو أن الناشرين يستسلمون للسياسة نفسها التي تحكم المؤسسات الأكاديمية عمومًا، حيث تُعد الترجمة في أحسن الأحوال نشاطًا ثانويًا. فقليل جدًا، إن وجد، من أساتذة الجامعات الأميركية نالوا التثبيت أو الترقية بفضل ترجماتهم الدقيقة المضنية للنصوص النظرية. وعمليًا، يُنصح الأساتذة غير المثبتين، بل وحتى المشاركين، ألا يكرسوا سنوات من البحث والصنعة لترجمة النصوص النظرية بعناية، لأن العمل الذي ينطوي عليه ذلك غير مقدّر ولا معترف بقيمته. وقليل من رؤساء الأقسام أو العمداء في عصرنا هذا يعرفون ما معنى تعلم لغة أجنبية بعمق، أو مقدار العمل الذي يتطلبه البحث في المواد والخلفيات والمصادر التي يلمح إليها المؤلفون؛ وأنتم ممن يقرأون النصوص النظرية الفرنسية تعلمون أن المؤلف الفرنسي نادرًا ما يذكر مصادره، فضلًا عن أن يحدد النص أو الطبعة أو رقم الصفحة التي يقتبس منها.
والغريب أن الترجمة تصبح شيئًا لا يستطيع القيام به إلا الأساتذة المتفرغون تمامًا، أي أولئك الذين سبق لهم أن صنعوا أسماءهم بالتعليق على نصوص لم يدرسوها قط بالقدر من الدقة الذي يُلزمهم به فعل ترجمتها. وهكذا تسبق تعليقاتهم على المؤلف ذلك الانخراط العميق في عمله الذي تفرضه الترجمة! إن النظام كله، في الواقع، مقلوب على قفاه، العربة أمام الحصان. وكان لاكان يحب أن يقول إن عليك أن تترجم فرويد قبل أن تفهمه، لا العكس. وقد كنت محظوظًا إذ شعرت، قبل عشرين سنة، بوجوب إعداد مسودات ترجمتي الخاصة لكثير من نصوص لاكان، قبل وقت طويل من شروعني في الكتابة عنها؛ كانت فرنسيته عسيرة إلى حد أن الترجمة المرتجلة لسطر أو سطرين هنا وهناك ضمن تعليق لم تكن تبدو لي مقنعة.
وإذا جاز لي أن أكون جريئًا فأقترح اقتراحًا أو اثنين، فأظن أنه سيكون رائعًا لو استطاعت المؤسسة الفرنسية الأميركية أن تقنع الناشرين والجامعات معًا بأن الترجمات الدقيقة المقروءة مهمة فعلًا، وأن «مهمة المترجم» صعبة، استحضارًا لنص Walter Benjamin في الموضوع، وأنه لا بد من فعل شيء يجعل من المجدي للمترجم أن يعمل ثم يعيد العمل ثم يعيد صياغة مسودات متعاقبة من الترجمة. ينبغي للمترجم أن يتبع نصيحة Boileau للشاعر: “vingt fois sur le métier remettez votre ouvrage.” وقد مرت مقالات لاكان التي ترجمتها في هذا المجلد بعشر مسودات كاملة أو أكثر، لا بعشرين، ولكن بعدد غير قليل على أي حال. وصحيح أن لاكان أصعب من كثير من المؤلفين، لكن Foucault وDerrida وBadiou وكثيرًا من الكتاب الفرنسيين الآخرين لا يقلون عنه كثيرًا! وقد أخبرتني ناشرة لكتب التحليل النفسي مؤخرًا أنها ستكون مستعدة لنشر كتاب مهم في علاج الذهان لمحللة فرنسية بارزة إذا كانت هذه المحللة نفسها مستعدة لدفع تكاليف الترجمة. وربما يعكس ذلك ضيق سوق الترجمات الإنجليزية للتحليل النفسي الفرنسي، لكنه يعكس أيضًا، في تقديري، بخسًا واسع النطاق لقيمة فعل الترجمة نفسه. بل إن مثل هذه الممارسات تبدو آخذة في التحول إلى قاعدة لا استثناء.
وأقترح أن تنظر المؤسسة الفرنسية الأميركية في توفير تمويل بذري لترجمة النصوص النظرية المهمة، فمثل هذا التمويل نادر جدًا في الولايات المتحدة. فعندما يرى مسؤولو الجامعات أن مشروعًا ما حصل على تمويل خارجي، مهما كان ضئيلًا، يقتنعون فجأة بأن للمشروع قيمة، ويُدفعون إلى مضاهاة التمويل الخارجي بمنح وقت معفى من التدريس؛ وكان لاكان يقول إن رغبة الإنسان هي رغبة الآخر، فأروا المسؤولين الأكاديميين أن أحدًا خارج الجامعة يريد إنجاز الترجمة، وسيريدونها هم أيضًا على نحو سحري. فالناس يريدون ما يريده الآخرون. وخلال السنوات العشر أو الخمس عشرة الماضية، أُضعف الوقف الوطني للعلوم الإنسانية تدريجيًا بخفض الميزانيات، وقد كنت محظوظًا بما يكفي للحصول على بعض من أمواله النادرة في أواخر التسعينيات. غير أن مصادر أخرى قليلة جدًا بقيت، وسيكون من الخير العظيم أن تتدخل المؤسسة الفرنسية الأميركية لسد هذا الفراغ.
وبالحديث عن الوقف الوطني للعلوم الإنسانية، أظن من المفيد أن أذكر أن أحد أعضاء اللجنة الذين كُلّفوا بالحكم على أهمية ترجمة Écrits للاكان إلى الإنجليزية علّق في تقييمه السلبي للمشروع قائلًا: «كنت أظن أن لاكان قد صار موضة بالية على أي حال.» ففي نظره كان لاكان قد شاخ وصار من الماضي حتى قبل أن يتاح عدد معتبر من أعماله بالإنجليزية. وربما صحّ ذلك، إلى حد ما، في الأوساط الأدبية، حيث أثارت أولى الترجمات الملتبسة حقًا لأعمال لاكان في السبعينيات اهتمامًا كبيرًا، ثم خبا هذا الاهتمام مع تزايد السأم من «النظرية» عمومًا في أقسام الأدب المقارن خلال السنوات الأخيرة. أما في الأوساط التحليلية النفسية، فلم تتح له فرصة أصلًا: فالترجمات التي أُنجزت في السبعينيات كانت، في معظمها، غير مفهومة لأي شخص تلقى تكوينًا تحليليًا نفسيًا أميركيًا، لا بسبب الخلفية الفلسفية لفكر لاكان التي لم يكن المحللون الناطقون بالإنجليزية مألوفين بها فحسب، ولا بسبب النقل الحرفي الملتبس لكلماته فحسب، بل أيضًا لأن المترجمين كانوا يعرفون القليل جدًا عن فرويد وعن التحليل النفسي عمومًا. فعندما كان لاكان يشير إلى حلم ذكره فرويد في تفسير الأحلام، لم يكن المترجم، لأنه لم يكلف نفسه عناء قراءة هذا العمل الفرويدي التأسيسي، يملك أي فكرة عما يتحدث عنه لاكان، بل إنه جعل المرأة صاحبة الحلم رجلًا. وقد رأيت حالات لمترجمين كبار، جهلًا منهم بأبسط المصطلحات التحليلية النفسية، نقلوا transfert لا إلى “transference” بل إلى “transfer” فحسب، وsouvenir-écran إلى “memory-screen” بدل “screen-memory” البديهية، فأخطؤوا حتى في الترتيب البسيط بين الاسم والصفة. وأكثر المحللين الذين أتحدث إليهم ممن حاولوا مجابهة عمل لاكان في السبعينيات والثمانينيات قالوا إنهم اقتنعوا بأن لاكان لا يعرف ما الذي يتحدث عنه أصلًا، ويا له من أمر غير مفاجئ!
فالترجمات الرديئة قد تصنع سمعة المؤلف أو تحطمها، وفي مجال كتحليل النفسي قد تدفن في مزبلة التاريخ ما يملك القدرة على إحياء ممارسة علاجية نفسية متصلبة. وسأعطي مثالًا واحدًا فحسب:
لقد اعتاد المحللون النفسيون في أميركا سريعًا عادة قبيحة هي الاعتقاد بأنهم سادة المعرفة، وأنهم يعرفون ما يوجد في لاوعي مرضاهم. وصاروا يظنون أن مهمتهم هي أن يكتشفوا كل شيء، ثم ينقلوا معرفتهم الكاملة إلى مرضاهم، ثم ينتظروا أن يوافقهم المرضى. فإذا اعترض هؤلاء على معرفتهم اتهمهم المحللون بالمقاومة. وكلما بدا المرضى أقل ميلًا إلى تصديق تأويلاتهم، ازداد أولئك المحللون توبيخهم على «مقاومة العملية». وكانوا يقولون لمرضاهم: «ستُشفون يوم تقبلون أن ما أقوله لكم حق.»
أما لاكان فكان له رأي آخر: فقد جادل بأن المرضى، وإن كانوا كثيرًا ما يفترضون أن محلليهم يعرفون الأسباب اللاواعية لأعراضهم، فإن المرضى أنفسهم هم من يعرفون أسباب مشكلاتهم في الحياة. وهذه المعرفة كامنة في لاوعيهم، ومهمة المحلل أن يحمل مرضاه على أن يستنبطوا هذه المعرفة اللاواعية. ليس دور المحلل أن يخمنها بنفسه ثم يمررها إليهم فحسب؛ فالمرضى يكونون أشد اقتناعًا وأعمق انخراطًا حين يكتشفونها هم بأنفسهم، بطبيعة الحال بمعونة المحلل. وقد ضاعت هذه النقطة الكبرى في الترجمات الأولى لعمل لاكان عندما كتب المترجم أن «المحلل يحاول أن يكشف لاوعي المريض»، بينما كان لاكان قد قال إن «المحلل يسعى إلى أن يجعل المحلَّل يخمّن (lui faire deviner)» ما في لاوعيه. إن المسافتين العلاجيتين هنا تفصل بينهما سنوات ضوئية، لكن تلك السنوات الضوئية أُبيدت في تلك الصياغة، فصار لاكان شبيهًا بكثير من المنظرين التحليليين الآخرين، سكارى بقدراتهم الخارقة على الاستبصار. قد يبدو الفرق دقيقًا على مستوى الترجمة، لكنه هو الخطوة العملاقة التي اتخذها لاكان حين خلّف وراءه معظم محللي الرابطة الدولية للتحليل النفسي.
وقد غيّر عمل لاكان في الواقع التقنية التحليلية في كثير من العالم غير الناطق بالإنجليزية اليوم. فالتحليل النفسي حي في إيطاليا وإسبانيا ومعظم أميركا الجنوبية، رغم صعود الطب النفسي والعلاج الدوائي النفسي، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى جهود لاكان. وربما يوجد اليوم في العالم محللون يمارسون على الطريقة اللاكانية بعدد لا يقل عن عدد غير اللاكانيين، لكنك لن تدرك ذلك بالنظر حولك في الولايات المتحدة. وأحد الأسباب الرئيسية في رأيي أن الترجمات الإنجليزية المبكرة لعمل لاكان كانت ببساطة غير جديرة بالثقة إلى حد يمنع أي نقاش جاد.
وقد اكتشفت أن انتقاد الترجمات يُعد في أميركا من المحرمات في كثير من الأحيان.(2) وحين حاولت في أحد كتبي الأخيرة أن أنشر تعليقًا على أخطاء ترجمة فادحة في نصوص تحليلية نفسية (Fink, 2004b)، طلب مني المحرر حذف ذلك الفصل؛ وقال إنه يراه قابلًا لأن يفضي إلى دعوى تشهير.(3) ويبدو لي من الفضيحة حقًا ألا نستطيع إقامة حوار مفتوح ونقدي حول ترجمات الآخرين في مجال بأهمية التحليل النفسي. فهذا الحوار ضروري إذا أريد للطلاب أن يدركوا أن أساتذتهم ومترجميهم لا يعرفون دائمًا ما يتحدثون عنه، وأنهم يدّعون معرفة لغات لا يملكونها بالفعل، وإذا أريد للمترجمين وناشريهم أن يُشجَّعوا على مراجعة طبعاتهم المعيبة بانتظام. أما أنا فقد طلبت من قراء ترجمتي لـÉcrits أن يتصلوا بي بأي أخطاء يظنون أنهم اكتشفوها، ومع أن تنبيهي إلى أخطاء في مشروع استغرق مني زهاء عشر سنوات وخرج أخيرًا العام الماضي أمر محبط لي، فقد تلقيت بالفعل نحو اثني عشر تصويبًا، معظمها طفيف لحسن الحظ. وستُدرج هذه التصويبات في الطبعة الثانية من الترجمة. بل آمل، بتعاون Norton، أن أواصل تحديث الترجمة بانتظام كلما تعلمت أكثر وكلما أعانني قرائي على أن أتعلم أكثر.(4) فلا أحد معصوم، ولا أحد يعرف جميع الحقول وجميع التعابير، ومن المهم لنا نحن المترجمين أن ننقل إلى قرائنا عدم سيطرتنا التامة على الموضوع، حتى ونحن نحاول أن ننقل أكبر قدر مما استطعنا فهمه حتى الآن. فالإيمان بالسيطرة المطلقة على الموضوع خطر على المحلل والمترجم معًا.
لقد ارتبط تاريخ التحليل النفسي في بلدان العالم المختلفة دائمًا ارتباطًا وثيقًا بتوقيت ترجمة أعمال فرويد أولًا، ثم أعمال المحللين الآخرين، إلى اللغات المتداولة في تلك البلدان، وبجودة تلك الترجمات. وفي ميدان كالتحليل النفسي، الترجمة شأن جاد تترتب عليه آثار واقعية تمس أناسًا يعانون. وينبغي أن يكون المترجمون مسؤولين عن تقليص فرص المرضى في أن يتلقوا مساعدة حقيقية. وكان لاكان من القلة بين ما بعد الفرويديّين الذين حافظوا على أهمية اللاوعي بوصفه مشهدًا آخر، شيئًا مجهولًا لنا، شيئًا لا نريد أن نعرفه. أما كثير من الممارسين الأميركيين فقد سارعوا إلى نسيان اللاوعي وحقائقه المزعجة، وأعادوا تركيز العلاج على تكييف المرضى مع تصور الممارس للواقع، وعلى إعادة توازن الهرمونات والناقلات العصبية، وما إلى ذلك. وقد قاد هذا، بالنسبة إلى كثير من المرضى، إلى علاجات لا تنتهي تقدم قدرًا قليلًا من التخفيف، أو إلى عمر كامل من الأدوية النفسية. وفي ممارستي الخاصة التقيت عددًا كبيرًا من المرضى الذين أمضوا عشرين سنة في أشكال أميركية معاصرة من التحليل النفسي والعلاج النفسي، أو ظلوا على مضادات اكتئاب مختلفة منذ طرحها في السوق. وبعد أن جرّبوا كل شيء، يأتون إليّ كما لو كنت نوعًا من مقدّم خدمات الصحة النفسية أو حتى من مقرضها الأخير، وغالبًا ما يحققون في سنة واحدة من التحليل النفسي اللاكاني أكثر مما حققوه في العقود السابقة كلها، ويتركون الدواء نهائيًا خلال أشهر أو سنوات قليلة من بدء التحليل. ليست العملية سهلة بالطبع، فالتحليل النفسي عمل شاق حقًا، لكنه يقدّم نتائج. ويمكن للتحليل النفسي اللاكاني أن يكون ثقلًا موازنًا جادًا للنزعة البيولوجية المتوطنة في معظم المقاربات المعاصرة لمشكلات الصحة النفسية.
وللعودة إلى اقتراحاتي التي آمل ألا تكون في غير موضعها، أطلب من أعضاء المؤسسة الفرنسية الأميركية أن ينظروا في العمل على تعزيز النقاش حول الترجمات القائمة للنصوص النظرية المهمة في العلوم الاجتماعية والإنسانيات، وأن يعملوا على تشجيع الناشرين على مراجعة تلك الترجمات وتحديثها. كما أطلب منهم أن ينظروا في تشكيل لجنة استشارية تضم أشخاصًا معترفًا لهم بعملهم في الترجمة من الإنجليزية إلى الفرنسية ومن الفرنسية إلى الإنجليزية؛ بحيث يستطيع المحررون والجامعات الرجوع إلى هذه اللجنة للمساعدة في تدقيق الترجمات، وطلب رأي خارجي في جودة أعمال المترجمين الآخرين.
ولو استطاعت المؤسسة كذلك أن تجعل التعامل مع الناشرين الفرنسيين أيسر، لكان ذلك نعمة حقيقية، غير أني أشك في أن يكون ذلك داخل حدود قدرتها، بل ربما خارج حدود قدرة أي جهة. لقد بلغت درجة إحباط محررتي الأولى في Norton ويأسها أنها تخلت تمامًا عن مشروع نشر لاكان بالإنجليزية. واضطرت محررتي الثانية، Angela von der Lippe، إلى قدر لا ينفد من الصبر لإعادة إبرام العقود من جديد، إذ لم تكن مرة واحدة تكفي أبدًا، فضلًا عن بعض الصبر معي أنا أيضًا. ومن ثم فهذه الجائزة تحية أيضًا إلى ذكائها ومثابرتها!
وسيكون من التقصير مني ألا أقول شيئًا عن أسلوب لاكان الكتابي الشهير، الذي كثيرًا ما وُصف بأنه باروكي، ويُظن عمومًا أنه غير قابل للمحاكاة. ولأصف سريعًا ما يفعله لاكان باللغة الفرنسية، لا أجد أفضل من كلمات ناقد موسيقي، Philippe Beaussant، في حديثه عن مؤلفات Antoine de Forqueray للفيولا دا غامبا في أواخر القرن السابع عشر وبدايات الثامن عشر:
كل مازورة، كل جملة، تطرح مشكلة وتقتضي من العازف أن يتجاوز نفسه. لقد بلغ Forqueray بلا ريب بعزف الفيول إلى ذروته. هناك موسيقى للفيول أشد رقة وعذوبة، وأشد إشراقًا وحسية، وأشد تعبيرًا وتشكيلًا. لكن لا شيء يعطي كما تعطي هذه الموسيقى الانطباعَ بأنها تدفع الآلة إلى حدودها القصوى، ولا شيء يُظهر المزيج نفسه من العظمة المتوحشة، والاستثارة، والعنف المتصل، والضبط، والقوة. [...] يبدو Forqueray كفارس يكاد دائمًا يجهد حصانه حتى الموت، لكنه يعرف حصانه معرفة تمنعه من الذهاب إلى هذا الحد تمامًا. [...] لقد كان الإفراط في صميم طبيعته، ولا يمكن أن تكون فيك النار التي كانت فيه من غير أن تخاطر بأن تحرق قليلًا كل ما تلمسه.
(من الكتيب المرفق بأسطوانة Jordi Savall بعنوان Forqueray, Pièces de viole, 2002)
وكما ترون من هذا، فإن أسلوب لاكان في التأليف يقع داخل تقليد فرنسي سابق الوجود. وأنا لم أحاول في ترجمتي لـÉcrits أن أُجهد الإنجليزية حتى الموت. بل سعيت إلى أن أفعل ما يفعله المؤدي Jordi Savall بموسيقى Forqueray: أن يجعل الأمر يبدو يسيرًا. ومع أني واثق من أني لم أنجح مع لاكان بالبراعة نفسها التي نجح بها Savall مع Forqueray، فإني آمل أني استطعت أن أنقل لاكان ما يزال يحرق قليلًا كل من يقرأ كتاباته.
شكرًا لكم مرة أخرى على هذا التشريف الرائع!
كلمة ألقيت في Century Club في نيويورك عند تسلّم جائزة ترجمة الأعمال غير الروائية التي تمنحها مؤسستا Florence Gould وFrench-American Foundations سنة 2007 عن Écrits: The First Complete Edition in English (New York: W. W. Norton & Co., 2006).
ملاحظات
1 لعل كثيرين منكم مروا بتجربة الظن بأنهم فهموا كلمة أو تعبيرًا استنادًا إلى سياق أو سياقين صادفوها فيهما، ثم اكتشفوا بعد سنوات، عندما سمعوها أو قرأوها في سياق ثالث، أنهم أخطؤوا المعنى تمامًا. فالمسألة ليست فقط أن اللغة المنطوقة تحوي من التعابير الاصطلاحية ما لا يمكن الإحاطة به، بل إن هذه التعابير تختلف جذريًا من لغة إلى أخرى، بحيث يحتاج المرء غالبًا إلى وقت طويل ليفهم تمامًا كيف تُستعمل.
2 قد يتساءل المرء عن المنطق الكامن وراء إمكان قول شيء إيجابي عن ترجمات الناس، مع منع قول أي شيء سلبي عنها. لكن المنطق نفسه يبدو فاعلًا في 1) إمكان الإشادة علنًا بعمل محلل ما، أو مدرسة تحليلية ما، في حين يُنظر بسوء شديد إلى نقدها، بل تُراقب التعليقات أحيانًا، و2) إمكان مدح عمل الطالب في جامعات اليوم إلى ما لا نهاية، في حين ينبغي توخي حذر شديد واقتصاد بالغ عند توجيه النقد. أليس الثناء نفسه موضع ريبة حين لا يعود النقد مسموحًا به؟
3 لقد حدث لي هذا الآن مرتين.
4 أحدث مجموعة من التصويبات متاحة دائمًا على موقعي: brucefink.com.
الحالات
في أعقاب ميديا
حالة من الوسواس من منظور لاكاني
ليس من السهل أبدًا أن يعرف المرء من أين يبدأ في إعداد تاريخ حالة، لكن يحدث أحيانًا أن يُرى حدثٌ محوري في حياة شخص ما يعيد بأثر رجعي تنظيم كثير مما سبقه ويعيد تنظيمه، ويترك بصمته التي لا تُمحى على كثير مما يليه. وفي الحالة الراهنة كان حدث محوري من هذا النوع بارزًا جدًا، واتخذ شكل جريمة قتل: خنق أمٍّ لطفلتها.
كانت هذه الطفلة، التي كانت في أوائل سنوات مراهقتها آنذاك، الأنثى الوحيدة بين أربعة أشقاء، وكانت الأم تعتقد أنها الابنة المفضلة لدى زوجها. قبل الجريمة بخمس سنوات، كان الزوج قد عيّن موظفة استقبال جديدة في مكتبه، وسرعان ما بدأ علاقة معها؛ وفي غضون ثلاث سنوات كان هو وزوجته قد تطلقا، وبعد ذلك بنحو ستة أشهر تزوج موظفة الاستقبال تلك. وبعد زواجه الثاني بنحو عام ونصف، اختارت زوجته السابقة يوم عيد ميلاده لتنتقم بقتل ابنته الوحيدة.
لا تبدو دوافع الأم هنا مطابقة تمامًا لدوافع ميديا في مسرحية يوربيديس التي تحمل الاسم نفسه. فقد أظهرت هذه الأم هنا كثيرًا من علامات الذهان قبل القتل (مع أن أحدًا لا يبدو أنه لاحظ ذلك حقًا أو اكترث به)، ويبدو أن حالتها أخذت منعطفًا خطيرًا نحو الأسوأ عند وفاة أمها هي نفسها قبل نحو تسعة أشهر من الحدث المشؤوم. وكانت تلك الجدة قد أُصيبت بسرطان الثدي قبل ذلك بمدة، ويبدو أنها جنّت بعض الشيء بعد استئصال ثديها؛ وربما تكون قد أُصيبت لاحقًا بورم دماغي أيضًا. وعندما زارت الأسرة قبر الجدة مع أمهم بعد شهرين من الجنازة، لاحظ أحد الأبناء أن على وجه أمهما شيئًا من «النظرة المجنونة».
يبدو أن الأم راجعت طبيبًا نفسيًا عدة مرات بعد وفاة أمها ببضعة أشهر، لكن ذلك لم يمنعها من تطوير نظام وهامي كلاسيكي إلى حد كبير ينطوي على عدد من المعتقدات الدينية، مع أن الدين نفسه لم يكن على ما يبدو ذا أهمية كبيرة لها من قبل. وقد اقتنعت بأن العالم مكان فاسد، وأخبرت أبناءها الأربعة أنهم سيذهبون إلى مكان أفضل عندما يموتون. واعتقدت أن هناك «شوائب» و«شرًّا في البيت» يجب القضاء عليهما؛ ومع اقتراب اليوم القاتل لم تعد تسمح لهم بشرب عصير البرتقال لأنه غير نقي، وأصبح الماء هو المشروب الوحيد المسموح به في المنزل.
صار أطفالها أكثر خوفًا واضطرابًا، وفي الليلة السابقة لعيد ميلاد الأب اتصلت ابنته به حتى وهي قلقة، طالبةً منه أن يأتي أو يسمح لها بأن تذهب إلى بيته. فقاطعت الأم المكالمة، ويبدو أن الأب لم يفعل شيئًا رغم أنه كان يسكن قريبًا نسبيًا.
الحالة التي سأعرضها اليوم هي حالة الابن الأصغر، الذي سأشير إليه باسم ويزلي. أمضى ويزلي الليلة السابقة لعيد ميلاد أبيه نائمًا عند قدم سرير أمه (ولا أعرف لماذا).(1) بدت الدار هادئة على نحو غريب صباحًا حين استيقظ، وهو (وكان في العاشرة) وأخوه الأكبر منه مباشرة، الذي سأشير إليه باسم جون، اتحدا سريعًا وقررا أن يذهبا على دراجتيهما إلى بيت أبيهما. لكن المطر سرعان ما اضطرهما إلى العودة، وعند دخوله البيت سمع ويزلي أصواتًا قادمة من غرفة الجلوس. فحدق من خلال الأبواب ذات المصاريع بين غرفة الطعام وغرفة الجلوس، وكان يستطيع أن يرى الأجزاء الحوضية العارية لكنه لم يرَ وجوهًا. وعندما سمعا أن هناك أحدًا في الداخل، اختفت الأجساد بسرعة، وتساءل ويزلي لاحقًا لماذا لم يدفع الأبواب إلى غرفة الجلوس: هل كانت موصدة أم أنه لم يكن يريد أن يرى؟(2)
ثم يتذكر ويزلي أن أحد إخوته نزل الدرج إلى غرفة الطعام وأخبره أن أخته ماتت. وتمدد ويزلي على أرضية غرفة الطعام تحت الطاولة وبدأ يضرب السجاد بقبضتيه، صارخًا ومرتعشًا.
وكما علم ويزلي البالغ من العمر عشر سنوات لاحقًا، فقد خنقت أمه أخته بواسطة وشاح مأخوذ من قطعة ملابس؛ ويبدو أنها فعلت ذلك بينما كانت الأخت نائمة، ثم غطت الجثة بحافظة غيتار ويزلي (ولم يرَ ويزلي الجثة فعلًا قط). وكما علم بعد نحو خمس سنوات من أخيه الأكبر - وهو الشخص الذي كان، كما اتضح، يمارس الجنس مع أمه على أرض غرفة الجلوس حين دخل ويزلي غرفة الطعام(3) - اقتادت الأم الأخ الأكبر إلى القبو عندما عاد ويزلي إلى البيت وأخبرته أنها تحتاج إلى مساعدته في القضاء على بقية الأولاد: الأخوين الأصغر على الأرجح. أما الأخ الأكبر، الذي سأشير إليه باسم نِد، فقد رفض على ما يبدو وصفع أمه. واستُدعيت الشرطة، فاعتُقلت الأم، وحوكمت، وأُرسلت إلى السجن ثم إلى علاج إلزامي، وأُرسل الصبيان الثلاثة ليعيشوا مع أبيهما وزوجته الثانية وابنتها (ويبدو أن عاملة اجتماعية وطبيبة نفسية طُلب منهما الحديث مع الأطفال مرة أو مرتين، لكن لم يبدأ لهم أي علاج).
هذه هي الخطوط الرئيسية للأحداث التي غيرت حياة الأسرة، وقد روى ويزلي بعضًا منها في الجلسة الأولى نفسها، لكن كثيرًا منها لم يظهر إلا شيئًا فشيئًا مع تقدم التحليل. بدا أن ويزلي لم يكن يريد أن يتذكر عددًا من هذه الأحداث، ولم يكن، في الحقيقة، متأكدًا مما إذا كان ينبغي أن يصدق بعض ادعاءات نِد أم لا.(4) (وفوق ذلك، عندما روى ويزلي بعض هذه الأحداث خلال جلستنا الأولى، أعتقد أنه قال إن أمه قتلت أخته بسكين، لا بخنقها بوشاح - وسنرى لاحقًا أهمية هذا «الخطأ» المحتمل.)
هدفي من سرد هذه الأحداث هو رسم مفارقة ظاهرة. فمع أنني سأذكر أولًا ما بدا أنه آثار هذه الأحداث الصادمة على ويزلي، سنرى لاحقًا أنها لم تكن، من بعض الوجوه، صادمة له إلى الحد الذي قد نظنه للوهلة الأولى.
ويزلي في أوائل الأربعينات من عمره الآن، وقد رأيته في التحليل لأكثر من ثلاث سنوات، بدأت بساعتين في الأسبوع تقريبًا خلال الأشهر العشرة الأولى، ثم ثلاث جلسات أسبوعيًا لنحو عام، ثم أربع جلسات في الأسبوع خلال العام والنصف الأخير. وينبغي أن يكون واضحًا أنه في الوقت المتاح لي لا أستطيع أن أقدم إلا جزءًا صغيرًا جدًا من المادة التي جُمعت خلال أكثر من 500 جلسة.
أزمة jouissance؟
أحد الأسئلة الأولى التي قد تخطر في بال الممارس هو: لماذا دخل ويزلي التحليل بعد نحو 30 سنة من الجريمة لا قبلها؟ فرضيتي العملية هي أن ذلك كان بسبب أنه وجد نفسه فجأة في وضع مشابه للوضع الذي كان فيه والده عند اللحظة التي تزوج فيها من أم ويزلي. بدا أن نوعًا من القدر أو المصير كان متورطًا هنا.
كان صديق ذكر له قد شجعه على الذهاب إلى العلاج بعد أن وجّه إليه ويزلي ملاحظات ناقدة عن صديقة ذلك الصديق، ووصف الصديق تلك الملاحظات بأنها «معادية للنساء». غير أن هذا التشجيع قُدم إليه قبل وقت طويل من أن يتصل بي فعلًا. فقبل نحو خمسة أشهر من أول اتصال له بي، ذكّره أخوه غير الشقيق، الذي سأشير إليه باسم سالي وهو أصغر منه ببضع سنوات، بأن والديهما كانا يقولان كثيرًا إن ويزلي وسالي يمكن أن يتزوجا يومًا ما، لأنهما لم يكونا من أقارب الدم، مع أنهما نشآ معًا تحت سقف واحد لسنوات كثيرة.
يبدو أن ويزلي كان يكره دائمًا سماع أبيه وزوجة أبيه يقولان هذا، ومع ذلك كان يعيشه بوصفه نوعًا من القدر أو المصير. وبعد أسبوعين من بدء التحليل، توصّل فجأة إلى أنه يحب سالي وكاد يقرر أن يقود ساعات طويلة ليقترح عليها الزواج. ويمكن للمرء أن يتخيل أنه نقل إلى هذه الأخت الجديدة كثيرًا من مشاعره تجاه أخته البيولوجية، التي حلت محلها في عائلته تقريبًا فورًا (حتى إن اسميهما كانا متشابهين بعض الشيء).
ويمكن للمرء أيضًا أن يتخيل أنه نقل إليها لاحقًا كثيرًا من صراعاته مع زوجة أبيه؛ فقد كانت علاقته بزوجة أبيه مضطربة جدًا، وكانت على ما يبدو جذابة جدًا وأصغر من أبيه بكثير. لم يكن ويزلي في البداية يستطيع احتمال محاولة زوجة أبيه تغيير الطريقة التي كان كل شيء يُدار بها في الأسرة من قبل، ومع ذلك كان منجذبًا إليها، بل مفتونًا بها بوصفها امرأة. ويبدو أنها كانت متدللة معه إلى حد ما، وربما كسبت حتى تواطؤه في خيانة زوجها مع عمال مختلفين كانوا يأتون إلى البيت.(5)
إن كون سالي قد ذكرت لويزلي احتمال أن يتزوجا، بعد نحو 20 عامًا من آخر مرة عاشا فيها معًا، يبدو أنه أدخله في دوامة واضطراب، وربما كان العامل الحاسم في دخوله التحليل. فقد كان حتى ذلك الحين قد نجح في تجنب الارتباط بنساء يردنه - ولأسباب بعضها واضح وبعضها غير واضح، كان يخشى جدًا دوافع النساء ويتساءل عمّا قد يخططن له ضده. وكان كذلك على الأرجح قلقًا، ولو على نحو لاواعي، من أنه إذا تزوج سالي فإنه سيعيد إنتاج شيء فعله والده نفسه، وهو أن يتزوج امرأة بدافع الشفقة، لأن سالي كانت تعاني من مشكلات في القلب، وقد أصابتها نوبة قلبية قبل أن يتصل بي ويزلي بوقت قصير. وكان والد ويزلي قد أخبره ذات مرة أنه التقى بامرأة ووقع في حبها قبل وقت قصير من الموعد الذي كان ينبغي أن يتزوج فيه أم ويزلي. لكن حين مات والد الأم فجأة قبل ستة أسابيع من موعد الزفاف، شعر الأب بالشفقة عليها وأتم الزواج على أي حال. فلو تزوج ويزلي سالي، فهل كان يمكن أن يصيبه مصير مشابه لمصير أبيه؟ ربما قد يُغرى بالزواج بدافع الشفقة، بدافع «طيبة قلبه». (وبسبب التشابه بين اسم أخته واسم أخته غير الشقيقة، ربما كان في الأمر أيضًا معنىً يجعل هذا الاقتران غير المحرم يبدو له محرمًا أكثر من اللازم، بل وكأنه زواج من الموت نفسه.)
لاحظ الشبه هنا مع حالة رجل الجرذان (فرويد، 1955a): فقد أعاد الابن، مع ابنة عمه الثرية و«سيدته»، تمثيل المأزق الذي كان والده فيه بشأن الاختيار بين خطيبته الثرية وفتاته الحبيبة الفقيرة، ابنة الجزار. وربما كان ويزلي يتمنى لو كان يستطيع، مثل أبيه، أن تكون لديه امرأتان يختار بينهما بدلًا من واحدة فقط، حتى لو كان محكومًا عليه بأن يتزوج امرأة لا يحبها بل يشفّ عليها فقط.
العلاقات مع النساء
بعد أن ناقشت «نداء المصير» - الذي أدى إلى نوع من أزمة الجوع للشهوة أو jouissance - التي ربما دفعت ويزلي إلى التحليل، سأنتقل إلى علاقاته مع الناس. إن علاقاته بوالديه لم تكن محددة بالطبع بالأحداث المأساوية التي وقعت عندما كان في العاشرة فقط. في الواقع، كان إدراكه لهذه الأحداث المأساوية قائمًا على علاقاته السابقة أصلًا مع والديه.
كان أكثر تعليق يكرره ويزلي عن أمه هو أنه كان يشعر بأنه «لا تأثير له فيها». كان يحاول لفت انتباهها وهي تنظر إلى أشخاص آخرين في نادي البلياردو المحلي، أو وهي تتحدث في الهاتف «مثل أبو الهول». وعندما كان طفلًا، كان يضرب رأسه على منطقتها التناسلية، تلك الكومة التي كانت تُجننه، بينما كانت واقفة تتحدث في الهاتف، وكان يجري عاريًا في أرجاء البيت محاولًا جذب انتباهها (لكنه لم يكن يفعل ذلك عندما يكون أبوه في البيت). «كانت تبذل جهدًا إضافيًا لتتجاهلني مع أنها كان يمكن أن تكون لي وحدي»، هكذا كان يشتكي.
وفي رأيه، كانت لا تعتقد أنه يستطيع أن تكون له أي أفكار تخصه هو. ولذلك بدا له أن التعبير عن الأفكار أمامها أمر بلا جدوى - بل كان في الغالب لا يستطيع أن يعبّر عن نفسه معها، وبدأ أيضًا يتكلم متأخرًا جدًا على نحو عام، كما سنرى لاحقًا. «هي لا تعتقد أنني منفصل عنها؛ إنها تضمني إليها»؛ وهذه العبارة تطرح الموضوع شديد الأهمية في روايته، وهو غياب أي فجوة بينه وبين المرأة. ولأنه لم يكن قد تكوّن لديه أبدًا انطباع بأن أمه يمكن أن تتأثر به بأي وجه، فقد بدا له أنه لا يوجد نقص فيها - أو على الأقل لا يوجد نقص يقابل بأي صورة شيئًا فيه هو، أو شيئًا يملكه أو يمكن أن يقدمه - الأمر الذي جعله في حيرة تامة وكاملة من أمر الأنوثة مدة طويلة جدًا.
حين كان ويزلي في التاسعة من عمره، أخذته أمه إلى مشاهدة فيلم The Godfather، وكان لذلك أثر عميق فيه. لقد كره الفيلم لكنه انجذب إليه، بل واشترى الكتاب. وأثناء قراءته له وهو في نحو العاشرة، صادف مقطعًا يقول: «دخل إليها»، ولم يستطع فهمه على الإطلاق. وعلّق قائلًا: «كان الأمر كأنه ثقب في منتصف النص ... بدا كأن كلَّه دخل فيها [إليها]»؛ «آلية ذلك أفلتت مني».(6)
في إحدى مراحل التحليل، أعلن ويزلي أن «أجساد النساء مستحيلة ... هناك هذه المنطقة العانة المسطحة الهائلة - أفظع شيء رأيته في حياتي!». وعندما كان في السابعة أو الثامنة، كان مقتنعًا بأن أخته تملك قضيبًا وأنها ستضطر لاستخدام دورة مياه الأولاد في المرحلة الإعدادية؛ وقد كان «غير مصدق» عندما أخبرته أمه أن أخته لا يمكنها استخدام مبولة. وكان استنتاجه في ذلك الوقت أن «النساء لا يملكن أعضاء تناسلية»، من غير أن يبدو أنه يدرك أنه قد تكون هناك هيئة أخرى من الأعضاء التناسلية غير الهيئة الذكورية.(7)
لاحقًا في التحليل، شبّه شعر العانة لدى فتاة بكلب أشعث هناك قد يعضك. وبعد ذلك، تساءل: «هل أكره المهبل؟ هناك هذا الشعر كله، لكن لا قضيب - هناك غياب ... إنه أمر فظيع». وشبّه المهبل بباب، وقال إن في الداخل شيئًا مخيفًا، وفي مخيلته كان يتصور هذا الباب ينفتح إلى اليسار - مثل باب غرفة نوم والديه، على حد قوله. وتذكر أنه سمع ذات مرة أمه تئن في غرفة نوم الوالدين، وظن أنها تُعذَّب أو تُشوَّه، وطرق الباب بقوة. فأخبره أبوه فورًا وبحدة: «لا تزعجنا - نحن مشغولون». قال إن ذلك أصابه في الصميم. وحتى في الجلسة كان يتخيل وجود درجة خلف هذا الباب/المهبل، ووجود شيء كارثي يحدث في الداخل. وعندما أعدتُ إليه كلمة «كارثي»، خطر بباله اسم كالميتي جين، التي ربطها بأمه، ثم خطر له بعد ذلك أنه قد يتعثر بتلك الدرجة خلف الباب ويسقط نزولًا إلى القبو، حيث كانت هي ونِد قد تآمرا - حسب زعمهما - على قتله.(8) لقد كانت الأعضاء التناسلية الأنثوية بالتأكيد مكانًا مظلمًا وخطيرًا بالنسبة إليه.(9)
وبشأن الجماع، علّق بأنه لا يريد أن يضع شيئًا في النساء، بل كان قلقًا أكثر من استخراج شيء منهن، «مثل الشراب من الأشجار». كان يريد شيئًا «يخرج منهن». وكان يتحدث أحيانًا عن الثديين والحلمات بوصفهما صلبين، غير مانحين ولا كريمين، وكأنه مضطر إلى أن يعمل بجهد شديد للحصول على شيء منهما. فما كان يريده لم يكن ينساب منهما بسهولة - لم يكن هناك أكثر من رذاذ خفيف.
وكان إدراكه أن النساء يردن منه أن يعطي، بينما هو يريد أن يأخذ منهن. وكان بالتأكيد لا يستطيع أن يعطي لامرأة يمكن أن تتلقى، بل فقط لامرأة لا تستطيع. وكان يذكر كثيرًا شعوره بوجود غشاء بينه وبين النساء، وكان يريد أن يدخل تحته، أو ينفذ خلاله، أو «يمزقه تمزيقًا». لم يكن هناك فراغ في النساء أو بينه وبينهن، بل كان هناك حاجز من نوع ما؛ وكما قال هو: «النساء عصيات على الاختراق - جنسيًا وعاطفيًا». وكان يشعر بأنه لا يستطيع أن يؤثر فيهن بأي شكل من الأشكال.
في أحد الأيام قال ويزلي إنه يتمنى أن يشق بطن أمه ويأكل أحشاءها، وأن يقتلها كما قتلت كلبه ذات مرة ابن عرس - وسنرى أهمية ابن عرس لاحقًا - وهو يهزّه في فكيه حتى مات. وقال إنه يريد «أن يدخل هناك» و«يقتلع كل شيء من هناك». وبحسب أذني التي تلقت تكوينًا لاكانيًا، بدا الأمر كأن الهدف هو خلق فجوة داخلها على نحو ما،(10) لكنني أظن أن الكلينينيين قد يتخذون موقفًا مختلفًا تمامًا من هذا.
وعلى الرغم من أن أمه كانت تبدو غير مهتمة به، فإنها كثيرًا ما كانت تُشعره بأنها تملكه. وعندما كان ويزلي في الثلاثينات من عمره ويحاول أن يشق طريقه الخاص في الحياة، قالت له أمه حتى: «ستكون كما صنعتك أنا». وحتى اليوم، ما تزال تعارض كل محاولة يقوم بها ليتبع مساره الخاص وتحاول أن تملي عليه ما ينبغي أن يهتم بالسعي إليه. وبحسب ويزلي، فإنها تريد أن «تسكن خيالك وتلغيه، أن تسكنه وتجعله غير طبيعي». وأشار إلى أنها لا تريد منه أن يستمع إلى نساء أخريات، ولا تقبل فكرة أن تكون له أفكاره الخاصة عن الأشياء - فهي تعرض أفكارها هي كما لو كانت تكفيهما معًا. («التحدث إلى أمي لا ينطوي على التفكير»، كما قال.) وهو يشعر أن أمه لا تريد له أن يكون مع امرأة أخرى أبدًا غيرها، وافترض مرة أن أمه ستـ«تمرض وتموت» عندما «أحصل على صديقات». ثم أسقط ذلك عليّ، إذ ظن أنني قد أغضب إذا خرج مع امرأة. (لاحظ استعمال كلمة «أحصل»، كما لو كان عليه أن يشتري الصديقات.)
ومع ذلك، فإن اهتمام الأم المستمر بشيء آخر - بزوجها، وبالناس في المسبح المحلي، وبالأصدقاء الذين كانت تتحدث معهم بلا نهاية في الهاتف - يبدو أنه أتاح لويزلي بعض الاعتراف بأنه ليس هو كل شيء في وجودها، وأنها تريد ما يتجاوزَه. وعلى قدر ما كان هذا الانتباه المتشرد يثير إحباطه، فقد يكون هو - لا تدخلًا من جهة أبيه(11) - ما سمح له بأن ينفصل عن أمه إلى حد ما على الأقل، وألا يسقط هو نفسه في الذهان.
إن درجة التشابك الذي ما يزال ويزلي عالقًا فيه مع أمه تتجلى في حادثة أخبرته فيها أنها اشترت لنفسها مدفنًا حجريًا عندما تموت، وسألته إن كان يريد أن يحجز له مكانًا فيه. ومع أنه فزع في البداية، فإنه سرعان ما قال نعم، وقال لي: «هناك جاذبية معينة في أن أرقد مع أمي».(12) ومع ذلك قال هذا بسخرية ذاتية كبيرة، والسخرية مؤشر مهم على المسافة من شيء ما؛ فالذهانيون، الذين لا توجد بينهم وبين غيرهم مسافة راسخة، يميلون إلى استعمال قدر مذهل من السخرية القليل!
كما كان ويزلي يشعر أيضًا أن أمه لا تضع أي حدود، ولا تريد هي نفسها أي حدود، «حتى يفصلنا الموت فقط». وقد جعله هذا يخاف أن يقتحم الناس حياته أو يلوّثوه أو يغيروا اندفاعاته الأصلية؛ وردًا على ذلك كان ينسحب، كما قال. وحتى مع بعض الأصدقاء المقربين الذين لم يجدوا صعوبة في التعبير عن آرائهم الخاصة، كان عليه أن يتراجع كي يحافظ على آرائه هو. لقد كانت العلاقات التخيلية الصعبة مع الـsemblables، كما يسميها لاكان (أي الناس المشابهين له على نحو ما)، بارزة جدًا في حياته.
العلاقات مع أخته ومع نساء أخريات
أقام ويزلي صلة بين الجنس والموت في وقت مبكر جدًا من التحليل (ويظهر هذا الارتباط أيضًا في كون رؤيته لأخيه وأمه ممددين عاريين وقعت بعد لحظات قليلة من علمه بوفاة أخته)، وذلك من خلال إشارته إلى أن أخته دخلت البلوغ قبل أن تُقتل بقليل (ولمدة طويلة جدًا كان يقول دائمًا: «ماتت»، بدلًا من أن يقول: «قُتلت» أو «اغتيلت»، على ما يبدو لتخفيف تورط أمه في الأمر). وقد كان بلوغها صعبًا جدًا عليه؛ فقد كان، كما قال، مفتونًا بـ«ثدييها» و«منفعلًا ومشمئزًا» منهما، وكان يحدق فيهما من طرف خفي (وليس في أعضائها التناسلية؟) عندما كانت تستحم. وفي التاسعة من عمره، كان يريد أن تنبت له هو أيضًا ثديان، وكان أحيانًا يضغط عضلات صدره بعضها على بعض ليبدو وكأن له ثديين. وربما ارتبط هذا «الحسد للثدي» بحقيقة أن والده، في ذلك الوقت تقريبًا، كان قد غادر البيت ليتزوج امرأة أخرى (مفضلًا إياها على ذريته الذكورية في معظمها)، وبإدراك ويزلي أن أخته، التي سأشير إليها هنا باسم ساندي، كانت الابنة المفضلة لدى أبيه. وكان ويزلي يحسد ساندي بالتأكيد على تلك المكانة المميزة، وأشار، بعد نحو عامين من التحليل، إلى أنه عندما أخبره أخوه أن أخته ماتت، وكان يضرب السجادة بقبضتيه في استعراض حداد غاضب، كان جزء منه يتساءل لماذا يفعل ذلك: «كان تمثيلًا صامتًا ... عرضًا متأثرًا جزئيًا بالعاطفة - هل كنت مبتهجًا لأنها ماتت؟» ثم تذكر لاحقًا أنه رأى غروب الشمس في ذلك المساء وقال لنفسه: «ستكون كل الأيام من الآن فصاعدًا مختلفة»، وعلّق بأنه لم يكن في الحقيقة مذعورًا، بل كان في الأساس مستسلمًا. لعل ويزلي كان يظن أنه سيحصل أخيرًا على فرصة ليصبح المفضل لدى أبيه؟
أكد ويزلي أنه لم يكن أحد في الأسرة يتحدث عن ثديي أخته حين بدأا يظهران أول مرة؛ وكان من الواضح أنه كان مفتونًا بهما كما كان مفتونًا بثديي زوجة أبيه. فكلتاهما كانتا تملكان ما يثير اهتمام أبيه ولا يملكه هو نفسه؛ وربما كان لدى ويزلي انطباع بأنه كان سيحظى باهتمام أكبر من أبيه لو كان لديه ما لديهما. ويبدو أن اهتمامه بامتلاك ثديين قد اختفى بعد موت ساندي.(13) وقد ذكر أنه شعر بشيء من الارتياح عندما ماتت أخته: «هذه الثديان [لم يكن واضحًا إن كان يقصد ثدييها أم ثدييه هو] لم تعد تمسك بي بعد الآن».(14)
في تخيلاته الجنسية، كانت امرأة غالبًا تكون فوقه، كما كانت أخته أحيانًا عندما كانت تجلس فوقه وهو صبي صغير. وكانت، كما قال، عدوانية ومتسلطة، وتثبّته وتقيّده؛ ولم يكن ذلك مرحًا في نظره. ومع أن هذا كان بوضوح وضعًا مثيرًا بالنسبة إليه - فقد أشار إليه مرة حتى بوصفه «الوضع»، بما يدل على أنه يراه وضعًا أنثويًا - فإنه كان يتحدث أيضًا عن محاولته «أن يخرج من تحت [أمه]». وكان يتكلم عن كونه تحت أمه بوصفه «لذة سامة» تنطوي على «الغضب ولذة طيبة في الوقت نفسه». والمشكلة، على حد قوله، هي أنه بينما يريد هو امرأة مسيطرة، فإن المرأة التي تبدو في البداية راغبة في أداء هذا الدور تنتهي إلى أنها تريد هي نفسها أن تُسيطر عليها.(15)
كان أكثر ما يجذبه هو ما سماه «النساء الكبيرات»، لكنه كان يخشى دائمًا أن يأتي «رجل أكبر» منه ويأخذ هؤلاء النساء منه. ويبدو الربط بأمه، بوصفها شخصًا أكبر منه سيأخذه رجل أكبر مثل أبيه، واضحًا بما يكفي (لكن أخته كانت أيضًا أكبر سنًا وأضخم منه، وكان يضيق ذرعًا بحقيقة أنها ونِد كانا يخرجان مع أصدقائهما في غرفة نِد، ويدفعانه إلى الخروج كلما حاول التسلل إلى الداخل). وكان عقد الأفكار حول النساء الكبيرات يُصاحبه عادة قلق بشأن حجم قضيبه وافتراض أن رجلًا أكبر سيكون لديه قضيب أكبر منه. وبينما يبدو أن تشريح الأنثى ظل غير قابل للتفكير لديه مدة طويلة، فإنه يبدو مع ذلك أنه انتهى إلى أن النساء مهتمات بقضبان الرجال (ربما بسبب اهتمام أمه بأبيه وبالرجال الآخرين، واهتمام أخته بـ...).
كما بدا له أن هناك مكانًا بين النساء لا يسهل الرؤية فيه ولكنه غير غائب. وكان يبدو أنه يجد في ذلك الجانب النسائي شيئًا من الموضع الأمومي الذي لا يمكن رؤيته، والذي لا يتيح له أن يرى ذاته بصورة منتظمة. وربما ارتبط هذا أيضًا بفكرة الاختراق التي كانت تشغله: إنه لا يستطيع أن يكون «داخل» المرأة كما يريد، لأن هناك دائمًا شيء يفصله عنها، لكنه لا يعرف ما هو.
العلاقات مع والده
مع انتقالي إلى علاقة ويزلي بوالده، أرى أنه من المهم أن أشدد من جديد على أن الحدث الذي وقع عندما كان ويزلي في العاشرة من عمره كان لحظة حاسمة في حياته، لكنه كان ما كان عليه بالنسبة إليه بسبب مجمل ما اختبره قبل ذلك الوقت، وهو ما أفضى إلى تطور بنية عصابية. ومع أنني كنت أُصغي بانتباه عندما أخبرني عن سلوك أمه الذهاني، فإنني لم أكن قط، ولو للحظة، أتصور أن ويزلي نفسه ذهاني. وكان واضحًا منذ البداية أن ويزلي يستطيع أن يسمع المعاني المتعددة للكلمات والتعابير التي يستعملها، وأن يبتكر استعارات جديدة، وأنه يرتكب كثيرًا من زلات اللسان التي يمكن تسخيرها بسهولة للعمل العلاجي. وقد بدا لي مبكرًا جدًا أن هناك وسواسًا عصابيًا متكاملًا كان حاضرًا قبل سن العاشرة. ويمكن رؤية دلائل الأوديبنة في ما بدا أنه غضب مكبوت من أبيه، وتماهٍ مع أبيه، ومنافسة مع أخته على انتباه الأب، وهو ما أدى إلى تردد ويزلي الشديد عند موت أخته: حزن واعٍ، لكن «ابتهاج» لا واعٍ، بما يفضي إلى شعور بأن ضرب الأرض بقبضتيه كان ينطوي على «تمثيل صامت». وسأحاول أن أروي تاريخ هذه المرحلة الأسبق من حياته كما انكشف أثناء التحليل نفسه.
بدأت القصة التي كان ويزلي قد رواها لنفسه على مدى يقرب من 30 عامًا عن الدراما الأسرية تتفكك ببطء، بعد نحو ستة أشهر من التحليل. كان يرى أباه سابقًا بوصفه «قديسًا، نقيًا، ومهنيًا». وفي التحليل بدأ يراه بوصفه «مستبدًّا - لا شهيدًا فحسب». وكان أبوه قد قدّم نفسه بوصفه شهيدًا حين روى لويزلي قصة أنه تزوج أم ويزلي شفقةً عليها: فقد قدّم نفسه على أنه ضحّى بحب جديد كان قد وجده للتو من أجل سعادة الأم (إذ كان والدها قد مات قبل وقت قصير من اللحظة التي كان سيُنهي فيها الأمر)، وعلى أنه كان لاحقًا ضحية لجنون الأم.
بدأ ويزلي يرى أن أباه كان له دور في مرض أمه وفي معاناة ويزلي اللاحقة. ففي النهاية، كانت علاقة الأب بموظفة الاستقبال في مكتبه هي التي أفضت إلى الاضطراب داخل البيت، ثم إلى طلاق الوالدين. وكان قتل الأم لابنتها موجهًا بوضوح إلى الأب، لأنه وقع في عيد ميلاد الأب ولأن الأم كانت ترى الابنة بوضوح بوصفها المفضلة لدى الأب.
قبل ذلك الوقت، بدا أن كل غضب ويزلي كان موجَّهًا إلى أمه، لكن بدأ مقدار أكبر من الغضب يتجه تدريجيًا نحو أبيه. ويبدو أن ثمة تلميحًا طفيفًا إلى هذا منذ الجلسة الأولى نفسها، لأن ويزلي أخبرني في تلك الجلسة (على افتراض أن الملاحظات التي دوّنتها بعد الجلسة كانت موثوقة) أن أمه قتلت أخته بسكين، مع أن هذا لم يكن صحيحًا من حيث الوقائع، واتضح أن السكاكين مرتبطة على نحو وثيق بأبيه: فقد كان الأب قد جرح ساقه مرة جرحًا سيئًا جدًا بـ«سكين سجاد»، ولأنه طبيب فقد خاط نفسه بإبرة وخيط. ويمكن فهم تمثيل ويزلي لسلاح الجريمة على نحو خاطئ في الجلسة الأولى بوصفه إقحامًا لأبيه في الجريمة أيضًا، كأن كليهما كان له يد فيها.
ثم روى لاحقًا حلمًا فيه شخصان، كان أحدهما أنثى؛ وبينما كان أحدهما يثبته، كان الآخر يغرز فيه سكينًا. ويمكن أن نفترض أن الأنثى هي التي ثبّتته، كما فعلت أخته عندما كانت تجلس فوقه (وكما كانت النساء يفعلن في تخيلاته الجنسية)، بينما كان أبوه هو الذي يحمل السكين. وكانت ساق ويزلي نفسه تنتفض أحيانًا عندما كان يفكر في مثل هذه الأمور، واتضح أنها الساق نفسها التي قطعها أبوه بسكين السجاد (وربما كان هذا العَرَض السيكوسوماتي العابر ينطوي على صورة لأبيه بوصفه شخصية مخصية، وقد خَصاه الأب، فوضع ساقه مكان قضيبه، أو مكان ساق أبيه).(18)
وتذكر ويزلي أنه كان قد تخيل ذات مرة قتل أبيه؛ وكان ذلك عندما كان في نحو الرابعة عشرة، وأخبره أبوه أنه هو وأم ويزلي قد مارسا «تبادل الزوجات» قبل سنوات خلال رحلة تزلج (كان الأب قد نام مع المرأة التي كان سيتزوجها لاحقًا، وكانت الأم قد نامت مع رجل آخر كان يعرفه ويزلي أيضًا). فهل يعني هذا أن ويزلي سمح لنفسه، إلى حد ما، أن يدرك في اليوم الذي روى له فيه أبوه هذه القصة أن الأب كان مسؤولًا عن الطلاق وعن المأساة الأسرية اللاحقة التي أفضت إليها؟ وعندما استعاد في جلسة غضبه من أبيه في ذلك اليوم، بدا أنه لم يكن يعرف لماذا غضب منه فجأة إلى هذا الحد. ثم تابع ويزلي قائلًا إنه بدلًا من أن يعبر عن غضبه لأبيه، كان قد قتل نفسه، بمعنى ما، بعد أن قتلت أمه أخته - وقال إنه كان أكثر «أصالة» قبل ذلك. ولعلّه بدأ، ابتداءً من سن العاشرة، يتصرف كما لو أنه «ساذج ولم يرَ شيئًا قط».
عندما انتقل الأب إلى خارج البيت العائلي في وقت الطلاق، كان يسكن وحده أول الأمر في شقة صغيرة؛ وشعر ويزلي بالشفقة عليه، كما لو أن الأب لم يعد سعيدًا. (ومن الواضح أن ويزلي افترض أنه كان سعيدًا وهو يعيش مع الأسرة، وربما أسقط ما كان يشعر به من قدر نسبي من السعادة في ذلك الوقت على أبيه.) ويبدو أن ويزلي كان قد كبَت آنذاك بعض غضبه من أبيه، وحوّله إلى شفقة.
وفي الآونة الأخيرة جدًا خلال التحليل، بدأ ويزلي يعبّر عن قدر كبير من الغضب من أبيه ربما كان قد شعر به قبل الطلاق وبعده معًا - غضبًا منه لأنه كان غير فعّال بوصفه أبًا، ولأنه سمح بمنافسة وصراع شديدين بين الأطفال في البيت، ولأنه كان يؤدبهم بطريقة «صاخبة، متقلبة، ومزلزلة»، ولأنه سمح لجنون الأم بأن يأخذ الغلبة. وربما لم يكن مدركًا حقًا آنذاك أنه كان غاضبًا جدًا من أبيه، أو أنه وضع غضبه جانبًا، بمعنى ما، حين انتقل للعيش مع أبيه بعد موت أخته، وربما وجد أنه من الأسهل والأكثر راحة أن يسقط هذا الغضب على زوجة أبيه.(19)
إذا جمعنا بعض المنعطفات الكبرى في حياة ويزلي، فسنجد أنها جميعًا تبدو متورطة بطريقة مهمة مع أبيه.
1 في إحدى المناسبات أثناء التحليل، ذكر ويزلي أنه كان متحمسًا ومبتهجًا حتى نحو سن الرابعة، بينما بدت سن الخامسة علامة على منعطف. وقد يكون هذا المنعطف مرتبطًا بالأوديبنة بالطبع، لكنه قد يكون أيضًا، أو بديلًا، مطابقًا للحظة التي بدأ فيها أبوه يقل اهتمامه بالأسرة لأنه شرع في علاقة مع موظفة الاستقبال الجديدة.
2 وقع منعطف آخر عندما كان ويزلي في الصف الثاني الابتدائي. كان يؤدي جيدًا في المدرسة، وكان معجبًا بمعلمته في الصف الثاني، التي بدا أنها كانت تحبه هي أيضًا. غير أنه مع نهاية الصف الثاني، وعندما كان في الثامنة من عمره، طلق والداه، ويدّعي أنه فقد ثقته في المدرسة عند سن التاسعة. ولم يعد نشاطه يلهمه، وعلّق بأنه كان منذ ذلك الحين «يمضي إلى الخلف» لا إلى الأمام في الحياة؛ وفي ذلك الوقت تحديدًا بدأ يهتم بتاريخ الأسلحة النارية والأحافير، و«ليس بالحياة»، كما قال. وصار أكثر اهتمامًا بما سبق الحاضر من اهتمامه بالحاضر أو المستقبل.
وادعى أيضًا أنه صار كثير النسيان بعد أن غادر أبوه البيت (وهو أمر كان أبوه يوبخه عليه كثيرًا). ويتساءل المرء إن لم يكن هناك شيء أعمق كان قد نسيه، وظهر في حالات النسيان الخاصة، مثل غضبه من أبيه! وكان ويزلي يعتقد أنه قبل مغادرة أبيه البيت كان يستطيع التعامل مع «الأشياء الدنيوية»، لكنه صار في سن الثامنة «معقدًا». ويمكننا أن نفترض أن قدرًا كبيرًا من الكبت قد وقع في هذين المنعطفين (في سن الرابعة إلى الخامسة، والثامنة إلى التاسعة).
لم تظهر هذه المنعطفات في ثقته بنفسه وتمتعه بالحياة خلال نقاش مجرد عن طفولته، بل جرى تذكرها حين بدأت ثقته بنفسه تتحسن بعد ثمانية أشهر من العلاج. وأشار في تلك اللحظة إلى أنه لم يشعر بهذه الثقة بالنفس منذ 30 عامًا، ما قاد إلى نقاش المنعطف في الصف الثاني. وبعد نحو ثلاث سنوات من التحليل ذكر أنه شعر بقدر كبير من الابتهاج لعدة أيام، وربط ذلك بحالة نفسية لم يكن قد اختبرها منذ سن الرابعة.
تشير هذه الأحداث الحاسمة من حياته المبكرة إلى أن الأحداث الصادمة التي وقعت عندما كان ويزلي في العاشرة أثرت في بنية وسواسية كانت قد تأسست أصلًا. لقد منحتها شكلًا قد يُساء التعرف عليه بسهولة من بعضهم، لكن خطوطها الرئيسة أصبحت أوضح فأوضح مع العمل التدريجي على صدمة سن العاشرة في التحليل.
تتجلى الدرجة التي ظل فيها غضب ويزلي من أبيه لا واعيًا طوال سنوات طويلة في الحادثة التالية: فقد أخذ ويزلي، وهو مراهق، بندقية صيد من عيار 20 تعود لأخيه وأطلق رصاصة أحدثت ثقبًا في كرسي بذراعين من نوع Lazy Boy وفي جدار غرفة نومه. وقد وصف ذلك بأنه كان اختبارًا لأبيه، إذ كان الأب في البيت وبدأ يصرخ، ظانًّا أن ويزلي أطلق النار على نفسه. وبشأن حادثة البندقية، علّق ويزلي قائلًا: «لم أكن أفكر في قتل أبي». وإذا حذفنا «لا» من هذا التعليق، كما يقترح فرويد (1961b) أن نفعل، فليس من المبالغة كثيرًا أن نفترض أن شيئًا ما في ويزلي كان يفكر في قتل أبيه.(20)
ومن زاوية مختلفة، ادعى ويزلي مرة أنه عندما كان صغيرًا كان غضب أبيه يخفف قلقه، لأنه كان يعرف على الأقل أين يقف حين ينفجر أبوه. ولم يكن أبوه ينفجر كثيرًا، لكن عندما كان يفعل ذلك، يبدو أنه كان يحدث فجأة وعلى نحو «مزلزل» جدًا.(21)
وفي السنة الثالثة من التحليل، عاد ويزلي إلى فكرة أن موت أخته كان ارتياحًا بمعنى أنه وضع حدًا للقذارة الصغيرة المستمرة في الحياة اليومية داخل البيت، مما جعل من الواضح أنه كان ينسب قدرًا كبيرًا من هذه القذارة إلى أبيه. وقد أتاح موتها حدادًا أو حزنًا عاديًا في الأسرة بدل القذارة الصغيرة. ويبدو أن القذارة الصغيرة عادت سريعًا بعد ذلك، مع ذلك، في بيت أبيه وزوجة أبيه.
وفي النقل، كان ويزلي كثيرًا ما يظن أنني أنا غاضب منذ اللحظة الأولى التي تبدأ فيها الجلسة، وبدا كأنه يعتقد أنني قد أكون قادرًا على النوع نفسه من الغضب المفاجئ والمتقلب الذي كان لأبيه. وبعد أن كان يقول تقريبًا فورًا إنني لا بد غاضب، كان كثيرًا ما يعلّق هو نفسه بأنه غاضب من هذه العلاقة أو تلك التي كان قد خاضها مع أحدهم.
الكلمات، الكلمات، الكلمات
يبدو أن ويزلي لم يكن يتكلم كثيرًا حتى بلغ ثلاث سنوات ونصف تقريبًا،(22) وكان والداه قلقين بشأنه. وفي أواخر الثلاثينات من عمره، كان لا يزال يشعر بأن الكلمات تُسحب أحيانًا «من [داخله]».
في عمل ويزلي لعب التسمية دورًا مهمًا جدًا، وكان يقلق من «ألا يكون الشيء المسمى محددًا على نحو صحيح» أو من «إعطائه الاسم الخطأ». «ماذا لو لم أعرف ما الموجود هناك؟» تساءل. وفي الجلسة التالية مباشرة استعمل تقريبًا الكلمات نفسها وهو يتحدث عن المنطقة الحوضية لأمه كما تُرى من خلال الباب ذي المصاريع بين غرفة الطعام وغرفة الجلوس، قائلًا: «لم أكن أعرف ما الموجود هناك». بدت هنا صلة وثيقة بين العجز عن التسمية عمومًا، والعجز عن تسمية الأعضاء التناسلية الأنثوية خصوصًا. فلم تكن لديه أي كلمات للأعضاء التناسلية الأنثوية، ولم يكن يستطيع أن يتصورها إلا بوصفها غياب الأعضاء التناسلية التي يعرفها هو - أي بوصفها غياب القضيب. ويبدو أن غياب اسم لـ«النقص في الآخر»، كما يسميه لاكان - وهو ليس مرتبطًا بالأعضاء التناسلية حصريًا، بل يرتبط على نحو أعم بما لا يملكه الآخر، وبالتالي بما يريده من الذات أو من شخص آخر - كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بصعوبة أوسع في التسمية.
وكان ويزلي يصرح أحيانًا بأنه يكره الكلمات لأنها عوائق أمامه، لا أدوات. وكان عليه أن «يُبعد الأشياء بالقطع» وينتهي به الأمر إلى الثغاء أو الصراخ؛ وكانت «نوبات الغضب التي يقبض فيها على قبضتيه» هي الطريقة الوحيدة التي كان يشعر أنه يستطيع أن يعبّر بها عن نفسه. وكانت محاولته في الكلام والكتابة هي أن ينفذ عبر الحاجز أو الغشاء الذي كان يشعر أنه يفصله عن النساء.
وعندما كان يكتب الأوراق في الجامعة، كان يشعر أنه لا يستطيع أبدًا أن يقول شيئًا أصيلًا، بل كان يستعمل «ملحقات معيارية»، أي عبارات ملتصقة بعضها ببعض. وحتى الآن يقول إنه يجد صعوبة في أن يعتقد أنه يستطيع اختيار الكلمات. ويدعي أنه لم يتعلم قط قواعد النحو الإنجليزي، قائلًا إن أحدًا لم يعلّمه قواعد النحو أبدًا حتى تعلم اللاتينية. وكان الأمر أسوأ من ذلك، في رأيه، مع أمه: فمعها لم تكن هناك قواعد إطلاقًا، بل مجرد أعراف، ولم يكن يستطيع أن يجد أي منطق داخلي في تلك الأعراف. «الكلمات قوة، لكن لا توجد قواعد»، كما اشتكى. «الكلمات ليست كلماتي». (ولعل من غير المستغرب أنه صار لاحقًا مفتونًا بالمنطق والرياضيات.) وأشار إلى أن أمه كانت تحتقر الأسئلة التي يطرحها بشأن اللغة، مثل: كيف يرتبط الفعل «ignore» بالاسم «ignorance». وذكر أن دراسته للغات الأجنبية كانت طريقة للابتعاد عنها.
وبعد عدة أشهر من التحليل أشار ويزلي إلى أن التفكير بات «أسهل، وتصريح الأشياء، وتسميتها، ونطقها» قد صار أسهل. وكانت التسمية لديه تبدو دائمًا مرتبطة بوجود فجوة أو مساحة بينه وبين امرأة، أو بينه وبين ذكرياته. ويمكن افتراض أن تركيزي المتكرر على الدلالات الجنسية في التحليل، وبخاصة على الدلالات المرتبطة بالاختلاف الجنسي، أسهم في قدرته على تسمية النقص في الآخر، بما سمح بوجود مساحة أو فجوة أوضح داخل الآخر، وفجوة أوضح تبعًا لذلك بينه وبين الآخر.(23)
في وقت مبكر من التحليل، ادعى ويزلي أن كلامه وكتابته كانا يعملان وفق «نمط but»، بمعنى أنه لم يكن يربط الأفكار بكلمة «و».(24) (كان يربطها بدلًا من ذلك بكلمة «but» - وهو ما جعله يفكر في «butt» و«buttocks»، وكانت أقدم ذكرى لديه أنه قد تغوط ذات مرة في حوض الاستحمام وهو في الثانية أو الثالثة، ووجد في ذلك لذة كبيرة؛ لكن أمه كانت، بوضوح، خائبة الأمل فيه بسبب ذلك.) ولو استعمل كلمة «و»، لكان يبني حجة، وفيها قدر من التصريح الواثق. أما هو فكان يقدّم أنه يظل دائمًا مقيمًا في الالتباس، وأنه يجد صعوبة شديدة في بناء حجة. وهنا نرى صلة بين انشغال شرجي محدد (إذ إن أمه كانت قد أعطته مرة ميزان حرارة شرجيًا) وبين عادة لفظية، بل وحتى عائق حجاجي. وبصياغة أخرى، يمكننا أن نرى هنا صلة بين مشكلة حياتية - وهي عدم الرغبة في استخلاص بعض الاستنتاجات الواضحة من خلال بناء حجة - وبين صعوبة في صياغة أطروحة والدفاع عنها. وهذه الصلات الشرجية تتوافق بوضوح مع فكرة وجود وسواس عصابي مكتمل قبل سن العاشرة.
وأشار ويزلي لاحقًا إلى أنه في كتابته وعمله عمومًا كان يهتم دائمًا بالتفاصيل أكثر من الصورة الكلية: «لا أريد أن أرى الكل! إنه ممل». (ولعل من المشروع بالقدر نفسه أن نتهجى ما قاله هنا على صورة: «لا أريد أن أرى الثقب».) ولو فكر في الصورة الكبرى، فقد يضطر إلى مواجهة ما يبدو من تدبير مسبق في أفعال أمه (مؤامرتها لقتل الأطفال الآخرين بعد أخت ويزلي)، وربما الرغبة في ارتكاب جريمة الكامنة في أفعاله هو نفسه (تذكّر النبوءة التي أطلقها بأنه ثمة احتمالًا جيدًا أنه سيُعتقل يومًا ما بسبب جريمة عنيفة). وقد علّق مرة بأنه لو نشر الكتاب الذي يعمل عليه منذ مدة، لكان يريد له أن «ينفجر كالقنبلة». وربما تعكس صعوبته في تطوير حجج منهجية، بدل أن يغرق في الالتباسات اللامتناهية لتفاصيل النصوص التي يعلّق عليها، تردده في أن يرى نواياه الخاصة، وجهته الخاصة، ودوافعه الخاصة مواجهةً مباشرة، وتردده في أن يتصالح مع بعض نزعاته العدوانية الموجَّهة إلى جمهور القراءة كله في مجال تخصصه.
كان ويزلي يقول كثيرًا إنه لكي يستطيع الكتابة يجب أن يواجه الأشياء مباشرة، وأنه من الصعب جدًا عليه أن ينظر إلى الأشياء، وأن ينظر في عيون الناس، وأن يرى ما يجري حوله، كأنه لا يريد أن يرى ما قد يراه، ويتمنى لو لم يرَ ما رآه يومًا. وفي أحد الأيام - بعد أن أخبرني بحلم كان يحاول فيه الوصول إلى البيت الأبيض ودخل من الخلف، وبعد أن أخبرني بقصة أنه زار البيت الذي نشأ فيه قبل سنوات قليلة ولم يكن يريد زيارة غرفة أخته أثناء وجوده في البيت لكنه كان ينظر إلى نافذتها من الجهة الخلفية للبيت - عندما عاد وذكر مرة أخرى أن الكتابة تعني أن يأخذ الشيء مباشرة، أضفتُ: «بدلًا من أن تذهب من الخلف».
وقد أدى هذا، خلال الجلسات القليلة التالية، إلى قدر كبير من المادة، بما في ذلك تذكره أنه كان يظن في السابعة أو الثامنة أن أخته تستطيع استعمال المبولة، والاستنتاج «المذعور» الذي توصل إليه عندما أخبرته أمه بأنها لا تستطيع، وهو أن النساء لا يملكن أعضاء تناسلية. وكان لدى ويزلي أيضًا حلم رتب فيه أبوه نوعًا من القتل. وفي الجزء الثاني من الحلم كان أبوه هو رئيسه في العمل، وكان هناك انقطاع في العمل الذي كانا يقومان به، فجوة بعرض نحو ست بوصات، تخيل أنها من صنع أبيه. ووصفها بأنها فجوة أنيقة، منظمة، لكنها مطلقة ومثيرة للاهتمام أيضًا. وعندما شددتُ على كلمتي «بعرض ست بوصات»، ادعى أنه لا يتذكر أبدًا أنه رأى الأعضاء التناسلية الأنثوية وهو طفل، مع أنه قبل أسابيع قليلة فقط كان قد ذكر أنه ربما رأى والديه يمارسان الجنس ذات مرة عندما كانا يقيمان في فندق - ولم يستطع أن يتذكر إن كان أبوه قد عاقبه على ذلك أم أنه شعر ببساطة أنه كان ينبغي أن يُعاقب.
«أنا أحفر الأشياء بمنقاري»، كما قال عن كتابته (التي يشعر فيها بالعمى)، بدلًا من أن ينظر مباشرة إلى الأشياء والناس (ما يوحي بتماهٍ مع كلب أو خنزير أو ابن عرس؟). وقال إنه لا يستطيع «الإبقاء عليه مرفوعًا»، في إشارة إلى «رأسه». وكان يشعر بالغضب إذا نظر مباشرة إلى شيء ما، «كأنني واقف تحت سطوته بما يُرى».
«محاولة ممارسة الجنس مع امرأة تشبه محاولة وضع الكلمات على صفحة»، كما قال مرة. فـ«أداته» ليست له، كما أن الكلمات ليست كلماته - لا يستطيع أن يفصلها وأن «يلوح بها». وفي كتابته، كان يشعر أنه يحاول «سد فجوة ... ودس الكلمات في أنبوب صغير». وكان لديه انطباع بأن كلماته لا تؤثر في المرأة على الإطلاق.(25)
وفي أحد الأيام، حين كان يتحدث عن شعوره بأنه لا يستطيع أن يحصل على رد فعل من أمه، تابع قائلًا إنه مع النساء يشك في «قدرته على إحداث انتصاب»، لكنه زلّ وقال «reection»، وهو ما استدعى إلى الذهن كلاً من «reaction» و«rejection». ولم يكن يبدو قادرًا على أن يربط هنا بأي شيء بكلمة «rejection» سوى يأسه المعتاد من إقامة علاقة مع امرأة، لكن يمكن للمرء أن يتخيل أنه، بما أن كل امرأة كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأمه في ذهن ويزلي، فإن الرفض كان يعني حظر سفاح المحارم، وما يترتب عليه من الحفاظ على فجوة أو مساحة بينه وبين المرأة. وفي الواقع، قد تكون هذه السمة الشائعة جدًا في العصاب - أي طلب الرفض بطريقة تبدو وكأنها تقود إلى الفشل الذاتي - مرتبطة، أكثر مما نعتقد، برغبة في دعم أو تدعيم حظر سفاح المحارم.
وبعد نحو ثلاث سنوات من التحليل، بدأ ويزلي أحيانًا يشعر بإثارة حول النساء، وشعر بأن هناك فجوة - يُفترض أنها فجوة يمكنه فيها أن يوجد وأن يثار. وقال إنه عندما توجد فجوة، يستطيع أن يكتب أو أن يكون مثارًا جنسيًا. ونجح حتى في الحصول على انتصاب بمجرد التفكير في امرأة مؤخرًا. (وعلّق في تلك اللحظة: «أنت تمكّن قضيبي». وربما يوضح هذا ما يعنيه لاكان عندما يقترح أن على المحلِّل أن يحاول أن يعزز Eros لدى المستحلَل [Lacan, 2001a, p. 18].)
استطراد بشأن الفجوات
ماذا ينبغي أن نفهم من الفجوة التي شعر ويزلي بأنها ضرورية عندما يتعلق الأمر بالكتابة؟ لعل هناك هنا عدة خيوط مختلفة على الأقل:
1 كان يشعر أن رأسه مضغوط إلى امرأة (كما كان يحدث كثيرًا مع أمه وجدته، اللتين كانتا تضغطان وجهه بإحكام في صدريهما)، وهو ما كان يمنعه من الحصول على أي نوع من المنظور تجاه شيء ما، أو أي مسافة عنه. وهنا كان يحفر بمنقاره، ويركز على التفاصيل، ويتمتع - أو يغرق - في إحباطه الخاص من الحصول على القليل جدًا منها بينما كان يحاول أن «يحلبها». (يمكن للمرء أن يتخيل أمه وهي تسحق رأسه في صدرها وهو رضيع يرضع.)
2 بعد مناقشة طويلة لملك صيفية كانت أسرته تقضي فيها وقتًا، نشأت من حلم كان فيه أخيرًا قادرًا على كتابة اسمه على شيء ما (على الأرض أو على قطعة ورق)، علّق ويزلي بأنه في كل ذكرياته السابقة عن ذلك المكان الصيفي كان يرى الأرض والأشياء هناك في ذهنه كما لو أنه لم يكن موجودًا هو نفسه هناك يتلقاها. وقال، بعد الجلسة الأولى التي ناقشنا فيها الحلم، إنه للمرة الأولى شعر أنه كان موجودًا فعلًا هناك، يفكر، ويدرك - بل إنه مضى إلى الاستشهاد بعبارة فرويد الشهيرة Wo Es war, soll Ich werden، في إشارة إلى وعيه الذاتي بوجود نوع من التخصيص الرجعي يحدث هنا (انظر Fink، 1995a). وبالمقارنة مع تعليقاته السابقة عن الكتابة، التي مؤداها أنه لا يختار كلماته ويستعمل ببساطة «ملحقات معيارية»، قد تكون الفجوة هنا مرتبطة بالمساحة التي يمكن للذات أن يوجد فيها بين دال وآخر، بين ذكرى وأخرى. وفي مناسبة لاحقة، علّق قائلًا: «لا بد من قدر من الانزلاق إذا كنت ستعيد ترتيب الأشياء وتضعها في نظام». وهذا يذكّرنا كثيرًا بلعبة الخمسة عشر، حيث توجد لوحة فيها 16 موضعًا (بتكوين أربعة في أربعة) و15 قطعة، ويكون غياب قطعة واحدة هو ما يتيح تحريك القطع الأخرى وترتيبها بطرائق مختلفة تؤلف كلمات أو صورًا (انظر، في هذا الصدد، Lacan، 2006a، ص 723).
3 قد تكون الفجوة مرتبطة بأهمية الانزلاق بين الدال والمدلول، وهو ما استطاع أن يوظفه في تمثيل مجازيته الخاصة بالرغبة (انظر Fink، 2004a، الفصل 1 و3). وربما كان هذا شيئًا كانت أمه تتجاوزه عندما كانت تطرح عليه أسئلة بشأن اللغة. ففي الذهان، لا توجد مساحة للالتباس في العلاقة بين الدال والمدلول.
كانت رغبته مرتبطة بالتأكيد بالعجز واللافعالية في بداية تحليله، وكان يتحدث مرارًا عن الصراع بين عمله على الحواسيب وكتابته. وفي إحدى اللحظات، أمضى جلستين يتحدث فيهما عن «هوسه بـ UNIX»، وهو نظام تشغيل الحاسوب. وعندما أشرت إلى أن صوت الكلمة يمكن تهجئته على نحو مختلف، مثل eunuchs، ضحك هستيريًا، وفي الجلسة التالية أخبرني أنني «قتلت» هوسه بتعلم لغات الحاسوب. كان UNIX، نظام تشغيل الحاسوب، حاضرًا في ذهنه بوضوح بوصفه موضوع دراسة، لكن الدافع إلى هذه الدراسة بدا أنه صدى لاواعي له (أو ارتباط به) مع الإخصاء، وتماهيه مع أبيه بقدر ما كان يراه هو نفسه رجلًا غير كثير الرجولة، قليل الفاعلية.
ولمدة طويلة جدًا، كان يربط كتابته ربطًا وثيقًا باحتمال الحصول على وظيفة جديدة في حقل آخر من العمل، إلى درجة أن معظم متعته بعملية الكتابة ذاتها كانت تختفي، وكان منشغلًا باستمرار بالأثر الذي سيحدثه كل سطر في قرائه. وتبيّن خلال مناقشاتنا الكثيرة للكتابة أن أمه كانت قد نشرت كتابًا ذات يوم، وأن أخته ساندي كانت منخرطة كثيرًا في الكتابة الإبداعية؛ وبدأ يتساءل إن كان مجرد منافسة لهما (أو استمرارًا لهما؟). وأشار إلى أن «طاقة هائلة» تحررت عندما قال في إحدى الجلسات إنه لا يريد أن يكون كاتبًا. «هل سيجعل تحليلي الكتابة أسهل أم سأدرك أنني لا أريد ذلك؟» سأل مرة، واصفًا ذلك بأنه «السؤال الكبير».
وكذلك تبيّن أن أخاه جون كان يقرأ بنهم وهو مراهق، وأن ويزلي كان يظن أن أخاه ربما كان مؤهلًا أكثر منه لمتابعة مهنة في الكتابة. وكان ويزلي يشعر أن أباه كان يعتقد أن ساندي وجون هما أكثر الأطفال إبداعًا في الأسرة؛ وربما كان ويزلي إذن يحاول ببساطة أن يثبت أن أباه مخطئ، أو أن يكسب عطفه بالإبداع، أو أن يدفع وجه جون إلى المهنة التي أهملها هو. وباختصار، خلص ويزلي إلى أن دوافعه في الكتابة ربما كانت «شخصية بحتة». وقد شددتُ على كلمتي «شخصية بحتة» - فبعد كل شيء، أي الدوافع ليست، في نهاية المطاف، شخصية على مستوى ما؟ - وفي الجلسة التالية قال: «ربما يكون ذلك لذيذًا إذا كنت أكتب لمتعة نفسي فقط».(26)
سمات الوسواس
وفي يوم ما، قدّم ويزلي ما يمكن أن يُسمى شعار الوسواسي: «حياتي كلها مجرد تمرين تجريبي»، وبذلك أشار إلى أنه كان لا يفعل في الحياة إلا الحركات الشكلية كما لو أنها لا تُحتسب حقًا، وأنه لم يكن قد أثبت نفسه يومًا فعلًا. وبهذا المعنى كان، على الطريقة الوسواسية المعتادة، يتظاهر بالموت، أو، كما قال لاكان (2006a، ص 633)، قد «خبأ [كيانه] بعيدًا» (وربما كان ينتظر أيضًا موت أبيه). وكان يضع رغبته على الهامش أو خارج اللعبة. ويمكننا أن نقول إن ويزلي كان يدير «ألعاب سيرك» (كما يسميها لاكان) مع أمه، في علاقة أنا-إلى-أنا على المحور التخييلي، بينما يضع رغبته إلى الجانب، خارج خط النار، متماهية مع أبيه بوصفه الآخر (انظر Lacan، 2006a، ص 630-633؛ Fink، 2004a، ص 24-37؛ والفصل 13 في المجلد الحاضر).
لم يكن ويزلي يستطيع أن يهتم بالنساء اللاتي كن ودودات معه، بل فقط بالنساء اللاتي لا يمكن الوصول إليهن - فتعذر الوصول إليهن كان يثيره، وكانت مسافتهن و/أو رفضهن هو ما يخلق الفجوة التي يحتاج إليها للحفاظ على رغبته. وهذه سمة شائعة جدًا في الوسواس. وكان أحيانًا يظن حتى أن امرأة غاضبة منه، بينما يتضح في الواقع أنها كانت «تغازله» (وهو تعبير عدواني أصبح متداولًا في الاستعمال المعاصر)؛ كما أشار إلى أنه كان يميل إلى رؤية الغضب في النساء اللاتي كان منجذبًا إليهن. وقد مكّنه اهتمامه بالنساء العصيات على الوصول (و«إدراكه» الغضب في المرأة كان يجعلها عصية على الوصول) من الحفاظ على رغبة مستحيلة؛ لقد أبقى رغبته حية، وفي الوقت نفسه حفظها من أي فرصة للظهور على مسرح الحياة، والتأثير في حياته.
في الجلسة التالية لتلك التي قدّمت فيها ما اعتبره ويزلي أول تفسير لي، والذي يبدو أنه كان مفاده أنه يرى على نحو أوضح عندما يكون غاضبًا (مكذِّبًا العبارة المكرسة «أعمى من الغضب»)،(27) علّق ويزلي بأنني أصغيت بانضباط لمدة عام ونصف ثم انتهزت الفرصة «لإعطاء قراءة على شيء ما». وأشار في تلك اللحظة إلى مدى صعوبة النظر إلى الناس والاستماع إليهم. ثم صاغ الأمر لاحقًا بحدة أكبر: «لا أستطيع أن أتحمل الاضطرار إلى فهم أشياء يتكلم بها أشخاص آخرون!» وضحك على ذلك ضحكًا هستيريًا، مدركًا تمام الإدراك صدقه بالنسبة إليه. ويمكن فهم هذا على أنه يوازي ما يشير إليه لاكان (2001a، ص 245) بوصفه إبطال الوسواسي أو إلغاؤه أو تدميره للآخر. ويمكن رؤية نظير ذلك، أي اقتلاع object a من الآخر، في حالة ويزلي أيضًا، إذ روى ذات يوم تخيلًا يقطع فيه ثديي أمه - فيفصل object a فعليًا عن الآخر في ذلك التخيل.
وأشار ويزلي إلى أنه يشعر بأنه دائمًا متأخر، بل يمكننا أن نقول «متأخر أصلًا على الدوام»، لأنه نام خلال الفعل القاتل الذي ارتكبته أمه - استيقظ متأخرًا جدًا بحيث لا يستطيع أن يفعل شيئًا. وهذا الشعور بالتأخر (أو بالتخلف، أو بعدم التزامن) شائع جدًا في الوسواس، مع أن الحدث الحياتي المحدد المرتبط به يختلف كثيرًا من حالة إلى أخرى. ففي حالة أخرى لي، كانت المستحلَلة قد شُجعت من معلميها على أن تتخطى سنة دراسية في مرحلة مبكرة، لكن أمها قررت أن تُبقيها في صفها؛ ومنذ ذلك الحين شعرت دائمًا بأنها متأخرة، خلف الجدول. وقد أدى ذلك إلى شعورها بضغط هائل كي تواصل التقدم في مهنة لم تكن متأكدة من أنها تريد أن تسلكها، بدل أن تأخذ استراحة وربما تغيّر المسار.
العلاقة بالمحلّل
«انتقالات الأم»
بعد نحو عامين ونصف من التحليل، صار ويزلي يطلب رقمي الهاتفي مرارًا كلما حاول الاتصال بأمه، وبعد نحو ستة أشهر صار يتصل بها مرارًا حين كان ينبغي أن يتصل بي (وأحيانًا جدًا كان يتصل بأبيه أيضًا «عن طريق الخطأ»). وكان يزل لسانه بانتظام عندما يقول إنه متأخر في إرسال شيك لي، فيقول إنه متأخر في إرسال «فاتورتي» إليّ. ولعل ذلك كان لأنني كنت كثيرًا ما أُقترن في ذهنه بأمه، وكان يشعر أنها هي التي تدين له بشيء لا العكس. وقد أرسل لي مرة شيكًا على مغلفه تنويعة على رمز بريدي انتهى إلى أن يشبه الرمز البريدي لأمه وأخيه الأكبر؛ وعلّق بأنه ربما يقتلانه حتى لا يكشف أحد السرَّ وهو أنهما مارسا الجنس، لكن ربما كان يستطيع استرضاءهما بإرسال المال لهما.
وفي حلم أخبرني به، كانت لديه محللة امرأة، وكان يريد منها أن «تفعل ذلك» بالطريقة التي أفعلها أنا؛ وكانت تشبه كوني تشونغ، التي التقطتها الكاميرا وهي «تتلاطف بالقبل» مع زوجها، كما أظن أنه قال. وقد أعلن أنه يكره مصطلح necking - إذ كان يبدو له كأنه اختناق. وكانت تشونغ متوددة إليه في الحلم - ربما كانت تريد أن تتلاطف بالقبل معه وتخنقه؟ وبما أنني «ألوي» الجلسة، كما قال مرة - أي أختنقها أو أخنقها - عندما أنهي إحدى جلساتنا ذات المدة المتغيرة، فربما كان هذا ما أريد أن أفعله به أيضًا؟ وفي الحلم كان ببساطة يجعل امرأة تفعل ذلك به بدلًا من ذلك؟
وكان ويزلي أحيانًا يتخيل أنني أرتكب الخيانة، أو أمارس الجنس مع أحد ما، قبل جلستنا مباشرة. بل إنه كان يتخيل أحيانًا أنه يقطع شيئًا عما يحدث بدخوله إلى بيتي (كما قطع هو على أمه وأخيه؟ أو أمه وأبيه؟).
وفي مرحلة ما بعد عامين أو أكثر من التحليل، بدأ ويزلي يطلق عليّ لفظ «عاهرة». وكان يتخيل أن لديَّ «ثديين» وقال إنه كان غاضبًا مني لأني أغريته بهما. وتخيل في حلم أن شيئًا يُسحب من فمه وحلقه، كأن ثديًا قد دُفع إلى حلقه، بالطريقة نفسها التي دُفع بها وجهه في أوقات مختلفة وصفها على مر السنين إلى صدور أمه وجدته. واشتكى من أنه لم يكن يستطيع التنفس في مثل هذه الحالات لأن ثديي المرأة يخنقانه إذا واجهها مباشرة. وكان يشعر أنه مضطر إلى أن ينفذ خلالهما أو يقرضهما، كما يفعل الجرذ، كي يخلق فجوة.
وقد ذكر أن هذا يرتبط بخوفه من وجود أحد خلفه وبخوفه من الاختراق الشرجي (إذ إن أمه مرة وضعت له ميزان حرارة شرجيًا من خلف ظهره، وأبوه مرة وقف خلفه وهو يخيط جرح فروة رأسه). واشتكى ويزلي من أنه لا يستطيع أن يلعب بعض الرياضات جيدًا لأنه لا يستطيع أن ينتبه إلى ما يجري خلفه وكان قلقًا بشأنه. وكانت هذه الأقوال، وغيرها مما سأصل إليه بعد قليل، هي التي جعلتني أنتظر وقتًا طويلًا قبل أن أضعه على الأريكة.
قال ويزلي مرة: «أنا لا أتخيل أمي وهي تخنقك»، غير أن النفي يبدو أنه كان يدل على أنه على مستوى ما كان يسلط أمه عليّ فعلًا (عليّ بوصفى أباه؟). ثم، حين بدأت الأمور تتغير، قال ذات يوم إنه كان سيأتي إليّ بفأس لو استطاع، وينهي الأمر. ولم يعد، على ما يبدو، يحتاج إلى أن يسلط أمه عليّ - صار هو نفسه قادرًا على التعبير عن العدوان! (وغني عن القول - وإن كان بعض الممارسين في خبرتي يحتاجون إلى تذكيرهم بذلك مع ذلك - أن هذه كانت تخيلات واضحة صيغت داخل النقل، لا تهديدات فعلية.)
«انتقالات الأب»
أود أن أكون مستفَزًّا بك؛ لست متأكدًا لماذا.
كان يحدث كثيرًا أن ويزلي، حين يستعيد الأحداث، لا يتذكر كيف كان يشعر بها في وقتها، لكن الانفعال كان يظهر تلقائيًا في أفكاره عني. فعلى سبيل المثال، كان يتحدث ذات مرة عما كانت عليه الأمور عندما كان يعيش مع أمه وأبيه قبل موت أخته؛ وتذكر أنه كان يجلس مع أبيه على مائدة العشاء، لكنه لم يستطع أن يتخيل كيف كان ذلك. وفجأة خطر له أنني غاضب منه، وكان الاستنتاج الواضح إلى حد ما أن أباه كان يغضب منه أحيانًا. وأكّد ويزلي ذلك بقوله إن أباه كان يصرخ فيه دائمًا كي «يأكل لحمه»، وهو لحم كان الابن غالبًا ما يجده مقززًا جدًا وهو طفل. وقد ظهرت سمة أبيه تجاهه أولًا في إسقاط النقل، ثم بعد ذلك فقط بوصفها ذاكرة.
«ماذا لو غضبتَ مني غضبًا أعمى؟» سألني مرة. وكان يتخيل أن هناك «نبرات قاسية» وأن «الضربات ستهطل». سأكون واقفًا فوقه؛ وستكون هناك ضجة فوقه ولن يستطيع أن يرى من أين تأتي الضربات. وعندما كان يناقش مثل هذه الأمور، كان يشعر بوخز في فروة رأسه، وتبين أن ذلك مرتبط بالوقت الذي خاط فيه أبوه فروة رأسه بعد أن علقت بها سنارة صيد ثلاثية الشوك. وقد خدر الأب المنطقة، وسمع ويزلي نوعًا من الصوت الخشن (وأشار أيضًا إلى كلمة «غضروف») وشعر بنوع من «الضجة» بينما كان أبوه يعمل على إخراج السنارة وهو واقف فوقه وخلفه.
بل بدا أن ويزلي يقلق من أنه لأنه لم يشعر بشيء في ذلك الوقت، فقد «لم تكن لديه أي وسيلة لمعرفة ما الذي فعله، وما الذي أخرجه». كان بإمكان أبيه أن يأخذ من رأسه أي شيء يريد من غير أن يدرك ويزلي ذلك حتى؛ وربما كان يستطيع أن يأكل دماغه. هذا القدر من الارتياب جعلني أنتظر وقتًا طويلًا قبل أن أضع ويزلي على الأريكة، كما فعل كذلك أنه كان يجلس عادة منحنِيًا بالكامل، محدقًا في الأرض التي لم يكن رأسه بعيدًا عن ملامستها، أو كان يتحدث وعيونه مغمضة خلال الجلسات معي، همسًا تقريبًا بدلًا من أن يتكلم إليّ فعلًا. وانتظرت حتى صار يجلس مستقيمًا وينظر إليّ بانتظام أكبر خلال الجلسات، وينطق بوضوح أشد بحيث أستطيع سماعه بسهولة. وعندما وجهته أخيرًا إلى الأريكة بعد نحو عامين من العمل معًا، كان أول ما قاله وهو يستلقي: «أتساءل عمّا تدبره».(27)
وهذا يدل على عدم ثقة أساسية إلى حد بعيد، تذكّر بعدم ثقته - عقب موت أخته - بمشاعر أمه، لأنها كانت قد عبّرت دائمًا عن حبها لابنتها، ومع ذلك قتلتها، فربما كانت قد كذبت أيضًا بشأن عاطفتها تجاه ويزلي.(28)
وفي حلم رواه، كان رجل كان يعجب به قد قُطع رأسه من الخلف؛ وأدرك ويزلي على نحو فظيع أنه في مثل هذه الحالة لن يعود قادرًا على التفكير. وبدا له وكأنني قد أستطيع إيقاع هذه الضربة الرهيبة في أي وقت. وقد يدل خوفه من أن أفعل ذلك أيضًا على رغبة أن أفعلها، لأن ذلك سيخفف قلقه: فلن يُجبر على أن يرى الأشياء بعد ذلك كما كان يشعر أنه مُجبر على ذلك في التحليل.(29)
وفي حلم آخر رواه، «أغرستُ بمهارة» عينه (التي يمكننا أيضًا أن نسمعها بوصفها «أنا»)، فحرمتُه من «ملكة بصرية معينة، وهو الغياب الذي [لا يفتقده] بسهولة»، كما قال (لاحظ هذه الصياغة المثيرة للاهتمام). وربما، كما تساءل، سأساعده على أن يصير أعمى حتى لا يضطر إلى الرؤية - وربما أتواطأ مع رغبته في ألا يرى بعض الأشياء. أو ربما سأجعله أوديبًا، الذي يُجبر على الرؤية وعليه لذلك أن تُقتلع عيناه. والغريب أن الذي هو أوديب هنا هو أخوه، لأنه هو الذي نام مع أمه، لكن ويزلي هو الذي يبدو أنه يقتلع عينيه بنفسه، بمعنى ما، برفضه أن يرى،(30) وبالتصرف كأنه «لم يرَ شيئًا قط». لأنه حين يرى، يغضب.
مسار العلاج والاستنتاجات
بعد ستة أشهر من التحليل قال ويزلي إنه لم يعد يرى العالم مسطحًا تمامًا وضده كما كان من قبل. ويبدو أن هذا يشير إلى انخفاض طفيف في الارتياب - أي في سيطرة المحور التخييلي، بمصطلحات لاكانية. ومن المثير للاهتمام أن لديَّ عدة مرضى استعملوا الصياغة نفسها حرفيًا تقريبًا: كانوا قد كبروا وهم ينظرون إلى العالم بوصفه «ضدهم» في الأساس، وقد غيّر التحليل ذلك - لم يعودوا يشعرون بأن الناس يحاولون مهاجمتهم إلى هذا الحد. وكان لمعظم هؤلاء المرضى والدٌ واحد على الأقل ذو بنية ذهانية.
وفي ما يتعلق بفكرة أن «الرجال الأكبر» سيأتون ويأخذون «النساء الكبيرات» منه، قال ويزلي (بعد نحو عام ونصف من التحليل): «ربما لا يوجد شيء خلف الستارة» من القوة المميتة التي يزعم هؤلاء الرجال امتلاكها، «ولا ساحر أوز العظيم». وفي حلم كان قد ناقشه للتو، حاول رجل أن يمنع ويزلي من ممارسة الجنس مع صديقة ويزلي؛ كان الرجل ابن عرس، لكن ويزلي أمسك به، وجرّده من جلده، ثم «شطره إلى نصفين». وبدا ويزلي في ذلك الوقت أقل انبهارًا بالناس الذين يستطيعون التعبير عن العدوان، وأكثر قدرة على التعبير عن عدوانه هو نفسه قليلًا (ففي الأحلام السابقة كان يكتفي بالوقوف متفرجًا بينما يعترض رجال آخرون علاقاته الجنسية مع النساء).
وقد ذكرتُ سابقًا تقاريره خلال التحليل عن زيادة الثقة بالنفس والتمتع بالحياة (المرتبطة بحديثه عن نقطة التحول في الصف الثاني الابتدائي)، وعن ابتهاجه المتقطع (المرتبط بحديثه عن نقطة التحول في سن الرابعة). وكما تمكنتُ أنا أيضًا من ملاحظته شخصيًا في التحليل، صار ويزلي أكثر قدرة على أن ينظر مباشرة إلى الناس وأن ينصت إليهم. وبعد ثلاث سنوات من التحليل، ذكر أنه كان لديه «مرح أكثر من اللازم» وهو يتحدث مع عدة نساء في حفلة ذهب إليها، وهو أمر كان قد وجده في السابق صعبًا جدًا عليه أن يفعله، وكانت عبارة «أكثر من اللازم» تبدو مرتبطة بأمه: إذ كان ويزلي يعتقد أنها لن تستحسن مقدار المتعة التي كان يحصل عليها مع نساء غيرها.
وفي الآونة الأخيرة جدًا، أشار ويزلي إلى أنه كان يشعر أن بعض تجاربه اللامتناهية في الربط الحر حول موت أخته كانت «مزيّفة أحيانًا»، ووصفها بأنها «مكان لتعليق [قبعته]». وعندما سألته عن هذا المكان الذي يعلّق فيه قبعته، علّق بأنه يشبه «البيت»، بمعنى ما، نوعًا من «إطار المرجع». ويمكننا أن نتخيل أن العقدة الكاملة من الأحداث المحيطة بموت أخته قد صارت مركز ثقل أو بيتًا عرضيًا له، مركزًا لم يعد يحتاج إليه ويمكنه أخيرًا أن يبدأ بالابتعاد عنه. وفي هذه المرحلة ذكر لأول مرة أن موت أخته كان ارتياحًا لأنه كان «حزنًا قديم الطراز» بدلًا من «الفظاعة الدائمة الوشيكة» للعلاقات اليومية في الأسرة؛ وفي الأحدث، بدأ يركز أكثر على الجوانب من حياته قبل سن العاشرة التي فصّلتها أعلاه. لقد خدم موت أخته أغراضًا مختلفة عدة بالنسبة إليه، لكنه كان أيضًا يشتته عن بعض المشكلات الأكثر أساسية المرتبطة باكتساب المسافة من النساء - وبخاصة الانفصال عن أمه - وقاده إلى إزاحة غضبه نحو أبيه على زوجة أبيه.
وبينما تبدو تلك العقدة العرضية آخذة في التفكك، يبقى أن نرى أين سيختار ويزلي أن يعلّق قبعته بعد ذلك ...
قُدمت هذه الورقة في مركز هارفارد للعلوم الإنسانية في 3 أكتوبر 2003، ثم قُدمت لاحقًا في جمعية بيتسبرغ للتحليل النفسي والمعهد في 19 نوفمبر 2003.
الحواشي
1 بعد نحو عامين كاملين من التحليل، ذكر ويزلي أخيرًا أنه كان قد نام عند قدم سرير أمه في الليلة التي قتلت فيها أخته (التي كانت تكبره ببضع سنوات). «كيف لم ألاحظ ذلك؟» تساءل. «كيف فاتني أن شيئًا بهذا الحجم كان يحدث؟» بل تساءل حتى عمّا إذا كان قد رأى أمه تنهض ليلًا. لكن لم يثبت قط بأي شكل أنه فعل ذلك.
2 لم تعد إليه ذكرى التحديق إلى غرفة الجلوس إلا بالارتباط بصورة شيء «أزرق أو أخضر» في حلم (في الواقع، هذا كل ما تذكره من الحلم؛ انظر Fink، 2007، ص 102–103)، واتضح أن ذلك كان لون السجادة في غرفة الطعام التي كان يقف فيها حين نظر من خلال الأبواب ذات المصاريع؛ ويبدو أنه لم يفكر في ذلك منذ زمن طويل جدًا.
3 ويبدو أنها قالت: «سأريكِ/سأريكَ ماذا يعني أن تكون رجلًا!». وروى الأخ أن الأمر لم يدم سوى 15 ثانية كاملة.
4 فالأخير ادعى، على سبيل المثال، أنه وضع فورًا الملاءات التي مارس هو وأمه الجنس عليها في آلة الغسيل كي لا يكتشف أحد الأمر، وكان قلقه أن الخبر في البلدة الصغيرة التي كانوا يعيشون فيها سيسري، وستُدمر سمعته إلى الأبد. لكن ويزلي لم يلاحظ أي ملاءات على أرض غرفة الجلوس، وتساءل ما إذا كان ذلك اختراعًا خالصًا من نِد أم أن الأم والأخ كانا قد مارسا الجنس أصلًا في غرفة نوم الأم أو غرفة نوم الأخت قبل أن يفعلا ذلك مرة أخرى على أرض غرفة الجلوس.
5 لم يكن ويزلي متأكدًا تمامًا من أن هذه التجاوزات وقعت فعلًا، لكنه كان يظن أنه يتذكرها وهي تبتسم وتقول: «لنحافظ على هذا سرنا الصغير، حسنًا؟». وقد أتاح له ذلك أن يكون أكثر تميزًا قليلًا في عينيها، وفي الوقت نفسه جعل أباه نفسه «أبلهًا» - سواء في خياله وحده أم لا.
6 وتساءل لاحقًا عمّا إذا كان الفيلم هو الذي أعطى أمه فكرة خنق أخته، لأن شخصية باسم كارلو تُخنق على ما يبدو في الفيلم.
7 وقد أخبرني في الجلسة التالية أنه كان قلقًا من أن ذلك التعليق كشف شيئًا عن عمق مرضه النفسي!
8 لم يذكر ويزلي لي لأول مرة - إلا بعد خمسة أشهر من بدء التحليل - أن أمه قالت لأخيه إنها ستحتاج إلى مساعدته في قتل بقية الأطفال في الأسرة. (وشعر ويزلي أنه مستبعد من هذا أيضًا؛ فلم يكن فقط غير مشمول في الجنس، بل كان «ليس مهمًا حتى إلى الحد الذي يجعله مشمولًا في الخطة».) وعندما خرجت هذه الإضافة الخاصة إلى القصة، ساعدت في تفسير شعور ويزلي بأن «هناك مؤامرة أكبر تتشكل» - أي أن «ثمة منهجًا في جنون [النساء]» وأنهن غالبًا ما ينوين أو يخططن لأكثر مما يظن. «أعتقد أن كثيرًا من النساء يردن أن يدفنّني»، كما قال. ويشعر أن كل امرأة قد تكون لديها خطة لقتله في الظلام، ولذلك عليه أن يبقي حذره مرفوعًا. وهذا يجعله «مكبَّلًا بالسترة المقيدة» مع الفتيات اللاتي يعجبن به.
9 شبّه مرة مظهر الأعضاء التناسلية الأنثوية بما يراه المرء عند سلخ حيوان، وبخاصة الموضع بين الفرو واللحم.
10 وربما لخلق فجوة داخل نفسه أيضًا، لأنه زلّ مرة وهو يتحدث عن «أمعائه العصبية» وقال «أمعائي القابلة للأكل» (وهو يكاد يبدو حتى كأنه «أمعاء أوديبية»!).
11 قد تكون دور الأب في فصل ويزلي عن أمه مُنشأة بأثر رجعي في أفضل الأحوال، واتخذت شكل «القاطع» أو «السكين»، ما دمنا رأينا مدى عدم تدخل الأب عندما فشل في الاستجابة لنداء ابنته طلبًا للمساعدة ليلة موتها.
12 ويمكننا بالطبع أن نسمع فيها معنى «سرد الأكاذيب» مع أمه، أي أن يضع نفسه في موضع أخيه الأكبر على أكثر من وجه.
13 ومع أنه لم يتخيل بقاء تشريحها حيًا فيه بعد موتها، فقد يكون حاول فعلًا أن يجعل مواهبها في الكتابة الإبداعية تستمر في عمله هو. وربما كان يظن أن أباه كان يقدّرها بسبب ذلك أيضًا.
14 كان عادة يرى ثديي النساء بوصفهما وجوهًا لئيمة، كما قال مرة، مع أنه لم يرَ ثديي ساندي على هذا النحو.
15 وكما قال، فهو يريد الفالوس منهُن، لكنهن يردنه من شخص آخر. فهل يريد هو استخراجه منهن؟
16 قد تكون هناك هنا صلة بين ابن عرس وأغنية الحضانة الشهيرة، “Pop Goes the Weasel”. والأخيرة تتضمن قردًا يطارد ابن العرس، والمثير أن الاسم الذي أطلقه ويزلي على بطانيته المريحة وهو صغير جدًا كان مزيجًا من اسمه الأول وكلمة «قرد». أما اسمه الأول الحقيقي فلا علاقة له بكلمة weasel.
17 وهذا يذكّر أيضًا باستعماله كلمتي «القطع» و«الحاد» في وصف صوت أبيه حين طرق ويزلي الباب بينما كان والداه يمارسان الحب في غرفة النوم. ويبدو أن أبا ويزلي كان في نظره قادرًا على خصاء الأم، لكنه لم يفعل.
18 كان ويزلي أحيانًا يتحدث عن رغبته في حماية أبيه والشعور بالشفقة عليه - حمايته من الأم ومن الأولاد؟ ربما كان مشغولًا، قبل كل شيء، بحماية أبيه من عنف ويزلي نفسه؟ (والرغبة في التفكير في أبيه بوصفه ضعيفًا من أجل السخرية منه؟)
19 روى ويزلي متغيرًا آخر مما زعم أنه قاله لأخيه مرة: أنه كان يخشى أن ينتهي به الأمر إلى السجن بسبب «قتل [نفسه]». والمنطق الغريب المتمثل في السجن بعد الموت ربما يخفي الضحية الحقيقية المقصودة، أي أباه، الذي كان ويزلي يتماهى معه.
20 لن يكون من الصعب جدًا رسم صلة بين غضب ويزلي الانفجاري وهو طفل وانفجارات أبيه المفاجئة.
21 هل كان هذا ما أتاح له الابتهاج والحماسة قبل سن الخامسة؟
22 ومع ذلك، لماذا كان هذا سيسمح بظهور فجوة قابلة للتسمية في حالة ويزلي أكثر من الحالات الأخرى (انظر، على سبيل المثال، الفصل 9 في المجلد الأول من هذه المجموعة)، فإني أجد صعوبة في الجزم؛ وربما كان ذلك راجعًا إلى أن ويزلي كان يدرك دائمًا أن أمه تريد شيئًا يتجاوزَه.
23 قارن هذا بحالة المستحلَل التي نوقشت في الفصل 10 من المجلد الأول من هذه المجموعة، والتي كان خطابها يعمل أيضًا وفق نمط الـ«but(t)».
24 إن انشغاله بشيء يوحي بدافع الموت، أي الانحراف إلى حركة المرور القادمة، يبدو مرتبطًا بهذا الإحساس بأنه لا يستطيع أن يؤثر في امرأة، لأنه أشار إلى أن ما أعجبه في الفكرة هو أنه قد يحصل أخيرًا على رد فعل حقيقي وفوري. وأضاف أن الأمر نفسه ينطبق على ما سماه «ملاحظات تقضي على المسار المهني»، أي النوع الذي يمكنه أن يفسد آفاقك المهنية المقبلة بشكل حاسم.
25 قد يرتبط هذا بصيغته الملتبسة المعتادة بشأن نشر عمله المكتوب: فهو لا يريد أن «يتخلى عن [كتابه]». وهو غير متأكد من استعداده لإطلاقه، كأنه براز يحتفظ به في داخله، يحركه، يتأمل فيه، يعبث به، حتى لا يستطيع أحد سواه أن يأخذه. إنه يكدّس أفكاره حتى لا يسرقها أحد.
26 لأنه بعدم رغبته في الرؤية كان سيتجنب الغضب، وبرفضه الغضب كان سيتجنب الاضطرار إلى الرؤية.
27 وكان ويزلي أيضًا يعبّر أحيانًا عن قلق بشأن ضربة لا يستطيع أن يراها قادمة، نوع من «ضربة الكاراتيه»، كما كان أبوه يقول.
28 ويمكن أيضًا ربما رؤية جانب من قصد أمه القاتل في ما يبدو أنه هلوسة مرت بها تخص ويزلي حين كان في الثانية أو الثالثة من عمره. فبحسب روايتها، كانا يقيمان في فندق، وقد طارت بالون اشترياه له من النافذة. وعندما نظرت من الشارع إلى نافذة الفندق، كان يُزعم أنه كان نصفه خارج نافذة الفندق على حافة. فركضت إلى الغرفة ووجدته جالسًا بهدوء في سريره الصغير. ولم يعرف هو أبدًا ماذا يصنع من هذا الأمر، لكنها كانت ترويها كثيرًا وهي تبكي. وقد ظهرت هذه الذكرى في اتصالها بمصطلح مُبتكر استعملته امرأة كان ويزلي يتحدث إليها، وهو «dilemmacy»، وكانت العلاقة أن أمه كانت تقول أشياء من هذا النوع لا معنى لها بالنسبة إليه.
29 وكان من الواضح أيضًا أنه لن يضطر إلى القلق بعد ذلك بشأن ما يريده منه الآخر.
30 مع أنه كان يتحدث أحيانًا عن كونه أعمى من الغضب وهو طفل صغير، يبدو أن الغضب والرؤية كانا مترابطين لديه وهو بالغ.
12
دور المظهر في بناء «الهوية»
الحالة التي سأناقشها اليوم هي حالة شاب في أوائل العشرينات، كان، شأنه شأن كثيرين من أفراد الجيل الأصغر اليوم، مهووسًا طوال نحو عشر سنوات بما يسمى هويته.
الهوية
لم أبدأ بمقابلة هذا الشاب، الذي سأشير إليه باسم جورج، إلا منذ نحو أربعة أشهر، لكن، بحسب ما أستطيع أن أرى حتى الآن، فإن هوسه بهويته بدأ عند منعطف حاسم يمر به كثير من الطلاب في الولايات المتحدة: الانتقال من المدرسة الابتدائية إلى الإعدادية. ويقول جورج إنه لم يكن حتى ذلك الوقت مدركًا أصلًا لمفهوم الشعبية. فقد بدأ أفضل أصدقائه في الابتدائية يتصرف فجأة كما لو أنه لا يعرف المريض بعد وصولهما إلى المدرسة الجديدة، وكان ذلك الصديق جزءًا من زمرة «المحبوبين» التي استُبعد منها المريض.
ومن الملائم هنا استخدام المبني للمجهول، «استُبعد»، لأن الأمر ليس واضحًا على الإطلاق: هل رُفض المريض رفضًا فعليًا من أعضاء تلك الزمرة، أم إنه ببساطة كان يشعر بعدم الارتياح في وجودهم ولم يخالطهم؟
لقد آلمه هذا الخذلان الصادر عن أفضل أصدقائه، كما وجد أنه من الظلم أن الفتيات بدأن أخيرًا يلتفتن إليه، في حين أن «خائناتهن» على ما يبدو لم يبالين به كثيرًا قبل أن يمر بالبلوغ. وقد عزم آنذاك على ألا يرغب في أن يُستحسن بسبب مظهره، وألا يهتم هو نفسه بالمظهر، وهو أمر أسهل قولًا من فعله.
من جهة، يدّعي الآن أنه سعيد لأن صديقته، التي ارتبط بها قرابة ثماني سنوات، لم تنجذب إليه يومًا بسبب شكله، بل فضّلت عقله، إن صح التعبير، وهو ما يشعره بأنه أكثر ارتباطًا به، وليس مجرد صدفة عابرة أو حظًا محضًا؛ ومن جهة أخرى، ينهكه أن هذه الصديقة لا تبدو منجذبة إليه جنسيًا، وأنها لا تبادر أبدًا إلى أي نشاط جنسي من أي نوع.
وعودًا إلى تجربته في مطلع المرحلة الإعدادية، فقد حاول في البداية أن يصير محبوبًا عبر إغضاب المعلمين عمدًا داخل الصف والحصول على توقيفات انضباطية، معتقدًا أن هذا سيجعله يبدو متمردًا ومثيرًا للإعجاب في نظر الطلاب الآخرين. لكن ذلك لم يوصله بعيدًا، فقرر بعد ذلك أن يزدري زمرة المشهورين وأن يهتم بكل ما لا يهتمون به. والمثير أن هذا جعله محل اهتمام من الجماعة نفسها التي كان يشعر بأنه مستبعد منها، وانتهى به الأمر إلى أن صار محبوبًا من خلال رفضه نفسه للشعبية. وقد أوضح لي بجلاء أنه، في أعماقه، لم يكن قد تخلّى فعلًا عن كل اهتمام بأن يكون محبوبًا، وكان راضيًا تمام الرضا عن نجاح هذه الاستراتيجية.
وقد استخدم الاستراتيجية نفسها بعد تسع أو عشر سنوات في الدراسات العليا، حين كان أساتذة برنامجه يشجعون بقوة الطلبة على ملاحقة الاتجاهات الرائجة في مجاله، بدلًا من المقاربات التقليدية. وكما وصف ذلك، في سياق حلم كان يحاول فيه أن يضع إرسالاته في التنس داخل الصندوق الصحيح في الملعب، فقد حاول أن يُرى بوصفه يفكر خارج الصندوق، وذلك تحديدًا عبر التفكير داخل الصندوق. وفي برنامجه للدراسات العليا، بدا له العمل داخل الأطر التقليدية لمجاله انحرافًا جذريًا عما يفعله زملاؤه الطلبة، أو بعبارة أخرى، كان يختلف عبر ألا يختلف. وكان مشروعه، على حد تعبيره، «أن أخرج [من الصندوق] عبر البقاء داخله».(1)
يبدو أن هدف جورج في المرحلة الإعدادية وفي الدراسات العليا كان أن يحقق الشهرة والشيوع بالضبط عبر تجنب الاثنين معًا أو التنصل منهما. أما السعي إلى الشعبية أو الاعتراف بها على نحو صريح وفعّال، فكان في نظره نشاطًا غير أصيل، وجورج غارق تمامًا في «لغة الأصالة» كما سماها أدورنو (1973). كما أن سروره بحصوله على الشعبية والاعتراف بطريقة ملتوية يبدو له أيضًا غير أصيل، وهو يجلد نفسه عليه بوجوه معينة، لكنه مع ذلك يستمتع به. وهو على الأقل أكثر قبولًا عنده إذا لم يكن قد سعى إليه سعيًا نشطًا ومتعمدًا، بل جاءه مصادفة.
ويعتقد أن هذا هو ما يحدث في حالة النجوم الحقيقيين، سواء أكانوا موسيقيين أم أكاديميين: إنهم فقط يفعلون ما يفعلونه، ثم تأتي قوة موسيقاهم أو عملهم الفكري نفسها فتجعلهم نجومًا من غير أن يحاولوا أن يصيروا كذلك عمدًا. وعلى مستوى الهوية، يمكن القول إن غايته النهائية هي أن يكون نجمًا أكاديميًا يكتسب شهرته من خلال نقده حجج الجميع وتدميرها، على نحو يشبه أبلار.
وقد بدأت وجوه كثيرة من هذه الهوية تتشكل عندما كان مراهقًا وكان لديه معلم غيّر حياته. فقد قرر هذا المعلم أن يقول للطلاب جميعًا إنهم أنانيون، من الطبقة الوسطى، يجهلون مشاكل 99 في المئة من سكان العالم، وعليهم أن يهبوا أنفسهم بلا أنانية لمساعدة الفقراء والمحرومين. أما الاستمتاع بفراغهم وثروتهم فكان، في نظره، معادلًا للتماهي مع الهولوكوست، وانتهى بجورج إلى أن يشعر بأنه مجرم ومذنب حيال كل ما تمثله أسرته تقريبًا. (ويرجح أنه كان يشعر بالذنب أساسًا تجاه شيء آخر، لكنه أُسقط على هذا الأمر.) وقد أيّد جورج وجهة نظر المعلم القائلة إن الشيء الوحيد الجدير بالاهتمام في الحياة هو مساعدة الآخرين، لا مساعدة النفس، وهو اعتقاد يكشف عن منطق غريب إذا عُمّم.
لقد وجّه هذا المعلم نقدًا قاسيًا إلى الحياة البرجوازية لآباء طلابه وإلى «عقلية النادي الريفي» التي لديهم، فدفع جورج فجأة إلى رفض صلات والديه بـ«الطبقة الراقية» في مدينتهما، ورفض اهتمامهما بأن يلتحق في العام التالي بمدرسة ثانوية خاصة، ورفض قلق والده من أن ينتمي جورج إلى أخوية جامعية في الكلية ترتبط بالدراسة الجادة وبالناس من «العائلات الجيدة» (وكان جورج مقتنعًا بأنه لن يستطيع أبدًا أن يتفاهم مع مثل هؤلاء الناس). وقد خاب أمل والده خيبة هائلة حين رفض جورج الانضمام إلى تلك الأخوية، وهي، بالمناسبة، الأخوية نفسها التي كان جدّ جورج قد انتمى إليها وكان قد أوصاه بقوة أن ينضم إليها.
وقد عامل والد جورج ابنه بالصمت شهورًا عدة بعد أن رفض الانضمام إلى تلك الأخوية، وكان هذا الرفض سبب أكبر صراع بينهما على الإطلاق. ومع ذلك، ينبغي أن نلاحظ أنه، مع دخول جورج سن البلوغ تقريبًا، كان قد قرر أصلًا ألا ينجز واجباته المنزلية مرة أخرى، وذلك في محاولة لإحباط أهداف والده له على نحو كامل، وكانت تلك الأهداف أن يحصل على درجات جيدة، وأن يقرأ كثيرًا، وأن يدرس بجد.
كان من المهم جدًا لجورج دائمًا أن يكون فريدًا وأصيلًا. ففي المرحلة الإعدادية كان يعذّبه أصلًا احتمال أن يفكر شخص آخر الفكرة نفسها في اللحظة نفسها بالضبط. وهو يريد أن يعتقد أنه يريد أشياء لا يريدها أحد سواه، وكانت فكرته الخيالية في الدراسات العليا أن ينضم إلى وكالة الاستخبارات المركزية، لأن ذلك كان سيكون أمرًا لا يمكن لأساتذته اليساريين وزملائه الطلاب أن يتخيلوه.
وقد كتب له معلمُه في المرحلة الثانوية رسالة توصية للجامعة جعله فيها يبدو عميقًا، كأنه نوع من الفلاسفة أو الشعراء، وعندما التحق بالجامعة حاول أن «يبدو عميقًا»، متظاهرًا بأنه عاش خبرات روحية لم يستطع أن يعبّر عنها لأي أحد. (ولكي يحاول أن يبدو عميقًا وروحانيًا، حاول أن يجبر نفسه على رؤية رؤى بواسطة المخدرات والتأمل.) وفي تلك المرحلة بدأ أولًا ينجذب إلى مؤلفين يبدو أنهم يقولون لقرائهم المحتملين: «أنت لست ذكيًا بما يكفي لتتابعني». ومن هنا، بلا شك، جاء اهتمامه بلاكان ...
لقد دفعه نقدُ معلم المرحلة الثانوية لفاشية الحياة البرجوازية اليومية، مع دراسته الجامعية، إلى أن يشعر بأنه هو نفسه فاشي بسبب رغبته في الهيمنة على المرأة جنسيًا. ومع أنه يزعم أنه يريد أن تُسيطر عليه صديقته وتدفعه وتفرض عليه سلطتها في وجوه كثيرة، فإنه في خيالاته الجنسية يتمنى أن يسيطر على امرأة وأن يجبرها على ممارسة الجنس معه. وغالبًا ما تكون المرأة في هذه الخيالات زوجة رجل أكبر سنًا يكن له الاحترام؛ وهي في البداية تقاوم محاولاته للإغواء. وفي تلك الخيالات يجبر المرأة، بما في ذلك أم صديقته، على القيام بأشياء لم تكن صديقته مستعدة أبدًا لفعلها. ويقول إنه في الواقع لا يستطيع أن يجعل صديقته تفعل معه أي شيء جنسي لأسباب أيديولوجية، لأنه يحتاج إلى أن يرى نفسه «نسويًا جيدًا». لكنه مع ذلك ينجح في أن يجعلها تنظف المنزل وتطبخ له، وذلك عبر امتناعه هو نفسه عمليًا عن فعل أيٍّ من ذلك. وهو مولع بأغنية نيل يونغ، A Man Needs a Maid، التي تدور حول أن الرجل يحتاج ببساطة إلى شخص ينظف منزله ويعد له طعامه؛ وبعد ذلك، في نظره، يمكنها أن ترحل.
لقد كانت له عدة علاقات افتراضية مع نساء عبر الإنترنت، وكلهن، بحسب قوله، كنّ منزليات إلى حد بعيد، وسهل السيطرة عليهن، وكل واحدة منهن كانت مستعدة لفعل ما يريده.
يقول جورج إنه لا يستطيع أن يفرض هيمنته على أحد في الواقع، مع أن الهيمنة هي ما يفكر فيه طوال الوقت خلال نشاطين رئيسيين: 1) الاستمناء، الذي مارسَه أحيانًا بما يصل إلى خمس ساعات يوميًا، و2) عمله الفكري، حيث يهاجم حجج الآخرين بلا رحمة، وكان أعمق أمانيه أثناء كتابة الأوراق أن يرد أساتذته إلى الصمت المطلق، إلى صمت كامل بحيث لا يستطيعون حتى الرد على أوراقه.
وهو في الوقت نفسه يعجب بالرجال الذين يراهم عدوانيين، ويكرههم، والرجال الذين، مثل جده، يهيمنون على الآخرين في عالم الأعمال وفي البيت معًا، ولا سيما زوجاتهم. وهو يخشى أن ينكشف أمره بوصفه فاشيًا، لأن رغبته في الهيمنة على امرأة واحدة تكافئ رغبته في السيطرة على الجميع.
سأعود إلى هذه الوجوه المختلفة من صراع جورج حول الهوية، لكنني أظن أنه بات واضحًا بالفعل أن بناء الهوية هنا بعيد كل البعد عن أن يكون عملية مستقيمة، إذ ينطوي على صور مثالية للذات متناقضة، وعلى كثير من صيغ «أفعل لكنني لا أفعل»، و«أفعل لكنني لا أستطيع»، و«أريد لكنني لن أفعل».
التماهيات
سأنتقل الآن إلى بعض تماهيات جورج. إن مستوى التماهي، في نظري، ليس هو نفسه مستوى الهوية، رغم التشابه بين الكلمتين.
نجد عددًا من التماهيات ذات الجذور العميقة، تمتد إلى تاريخ عائلته قبل ولادة جورج. فقد كان جده لأمه، الذي كان يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه بطريرك العائلة، لديه عدة بنات ولكن ابن واحد فقط. وقد كان هذا الابن محبوبًا من الجد، لكنه انتحر في منتصف المراهقة، ويبدو أن جورج كان يشبه هذا الابن كثيرًا في الشكل والقدرة منذ وقت مبكر جدًا. وكان من الشائع أن يُنادى جورج خطأ باسم ذلك الابن الميت داخل العائلة، بل إن أمّ صديقته المراهقة، التي كان لها تأثير كبير عليه، أخبرته أنه تجسد جديد لخاله الميت.
أما أم جورج نفسها، وكانت أكبر سنًا بكثير من خاله لأمه، فقد أخبرته أنها في الوقت نفسه الذي انتحر فيه أخوها، قررت أن تترك عملها معلمة وأن تبدأ الإنجاب من زوجها، وكأنها تولت بعد ذلك أن تعوّض ابن أبيها المفقود بابن من بناتها، وأن تمنح والدها وريثًا بديلًا للعرش، إذا جاز التعبير. وقد أشارت مرة على الأقل إلى هذا الأخ الميت بوصفه الملاك الحارس لجورج، مدعية أنها رأته ينقذ جورج من حركة المرور القادمة حين اندفع إليها ذات يوم وهو طفل صغير أثناء سيره مع أمه.
يعتقد جورج أن الابن الذي انتحر شعر بأنه تحت ضغط مفرط من أبيه ليكون مثل أبيه، وأن جورج نفسه شعر على مدى السنين بضغط رهيب لكي يفعل ما كان الجد يريده وأن يكون نوع الشخص الذي كان الجد يريده أن يكونه. وكان الجد رجل أعمال أولوية حياته تحقيق المال عبر العمل الشاق، بينما فعل جورج كل شيء ليتجنب العمل أو كسب المال. وفي الجامعة بدأ جورج يتبنى مواقف مناهضة للرأسمالية، وفي الوقت نفسه كان يسمح لجدّه بأن يدفع تكاليف دراسته الجامعية. وقد كان الخيار الأول للجامعة التي أراد الالتحاق بها قد تأثر إلى حد ما بجدّه، لأنها كانت مدرسة غير تقليدية كان من الواضح أن الجد سيعترض على دفع رسومها. لكن حين جاء الرفض المتوقع، خضع جورج، ولا يزال يندم منذ ذلك الحين على أنه كان خائفًا أكثر من اللازم لقطع علاقاته المالية مع جده، وتحمل القروض الطلابية والعمل الجزئي كي يذهب إلى الجامعة التي كان يفضلها أولًا. وانتهى به الأمر إلى الالتحاق بجامعة كان هو نفسه يعتقد أنها من الدرجة الأدنى، حيث كان يكره تقريبًا جميع الطلاب والمعلمين.
يمكن القول إن حياته كلها طوال معظم العقد الماضي كانت محكومة برقصة دقيقة بين التظاهر بأنه يقوم ببعض ما كان الجد يريده عبر متابعة التعليم العالي، وفي الوقت نفسه دراسة كل نوع من النظرية التي تفند رؤية الجد للعالم. وقد وصف هذا الموقف بأنه «تمرد غير مجدٍ»، ويتضمن إطالة شعره، وتعاطي الحشيش، وتبني أفكار سياسية يسارية. كما قال إن المصدر الرئيس لطاقة الكتابة لديه في الجامعة هو اهتمامه بتفنيد جده. وعندما توفي جده، عجز جورج بعد ذلك عن إكمال الأوراق، إذ لم يعد قادرًا على العثور على الدافع اللازم لكتابتها.
وبقدر ما كانت أمه تبدو دائمًا أكثر تعلقًا بأبيها منها بزوجها، يبدو أن جورج نفسه يفهم ما الذي ينبغي أن يكونه الرجل وما الذي ينبغي أن يفعله انطلاقًا مما كان يراه في جده، لا انطلاقًا من الطريقة التي يرى بها والده. وهكذا لا ترتبط الرجولة لديه كثيرًا بحساسية والده الظاهرة وتقلب مزاجه، بل ترتبط بنهج جده في العمل: «هيا بنا، بلا قيود، ارْكَبْها يا كاوبوي». ويصف جورج أمه بأنها تتبنى تقريبًا كل آراء أبيها، وبأنها كانت تتمنى في الواقع لو أنها كانت ابنًا لأبيها بدلًا من أن تكون ابنته، إذ يبدو أن الجد كان يغدق على ابنه الوحيد اهتمامًا يفوق بكثير ما كان يوليـه لجميع بناته مجتمعات.(2)
إلى جانب تماهي جورج القوي مع ابن انتحر وأمكنه أن يؤذي عائلته كلها، ولا سيما جده لأمه، بفعله ذلك، وهو نوع من التماهي القاتل، يتماهى جورج أيضًا مع جده لأبيه الذي قُتل وهو يؤدي عملًا في الخارج. والواقع أن عمل جده لأبيه في جزء خطير من العالم كان سببًا، إلى حد كبير على الأقل، في اختيار جورج لمجال دراسته. وقد راود جورج أكثر من مرة أن يدرس لغة ذلك الجزء من العالم وثقافته خلال إقامة طويلة هناك، لكنه ألغى رحلة واحدة على الأقل في اللحظة الأخيرة، بحجة أنه لا يستطيع أن يعيش من دون صديقته حتى لبضعة أشهر، لكن ربما لأنه كان يريد حقًا أن يترك صديقته، ولذلك لم يسمح لنفسه بأن يفعل.
وعلى أي حال، فقد أشار جورج إلى أن قدرًا كبيرًا من اهتمامه بالدراسة هناك ينبع من رغبته في أن يثير ذعر أبيه، لأن والده كان قد اضطرب اضطرابًا شديدًا بسبب موت أبيه هو في الخارج.
ولإضافة تماهٍ مميت آخر إلى القائمة: حين ماتت جدة جورج لأبيه بسرطان مرتبط بالتدخين، وكان جورج آنذاك في نحو السادسة عشرة، كان يجلس على ما يبدو في غرفته أيامًا متتالية وهو يدخن الحشيش، مع علمه الكامل بأن ذلك يجعل مشاركته في الأنشطة التي كان منغمسًا فيها في ذلك الوقت أصعب بكثير. وكان يعرف أيضًا تمامًا أن والديه سيكتشفان ذلك، لكنهما لم يتخذا أبدًا نوع الفعل الذي كان يريده منهما، ولم يصبحا أبدًا شديدي العقاب بشأنه. وقد قال لي جورج إنه كان منتشيًا كل يوم طوال أربع سنوات بعد ذلك، ويدخن السجائر معظم العقد التالي، إلى وقت قريب جدًا.
في الأشهر الستة الماضية كان يستعد لسباق، وقد أنهك نفسه حرفيًا بالجري، ويزعم أنه لن يكون سعيدًا حتى يحقق، لا الأزمنة التي استطاع تحقيقها قبل أن يبدأ التدخين وتعاطي المخدرات، بل الأزمنة التي كان سيستطيع تحقيقها لو أنه لم يبدأ التدخين أصلًا. ويبدو أن الهدف هو إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء وإعادة تلك الفترة كلها من حياته من جديد، كي يستعيد بالكامل ما يشعر أنه فقده.
وهذه تبدو طريقة كثيرين منا في التعامل مع الفقد، سواء في سوق الأسهم (انظر الفصل 1 في هذا المجلد) أو في غيره من جوانب الحياة؛ إذ لا يكفينا أن نستعيد ما كان لدينا مرة، بل نريد أكثر من ذلك: ما كان سيكون لدينا الآن لو أننا لم نفقد شيئًا من الأصل.
ويقدم كيركغور مثالًا تامًا على هذا النمط من التفكير في تصوره للتكرار كما يراه في القصة الكتابية عن أيوب: فأيوب لا يستعيد ما فقده فحسب، بل يستعيده مضاعفًا. فبعد محنه وابتلائه، ينال أيوب من الأرض والغنم وسائر عناصر الرخاء أكثر بكثير مما كان قد فقده في البداية. والمثير أن كيركغور يسمي ذلك تكرارًا! وبهذا المعنى، يكون جورج في صحبة جيدة، حتى لو لم يسمه هو نفسه «تكرارًا».
وعليه، فعلى مستوى التماهي، وهو في نظري أعمق من مستوى بناء الهوية، نجد ثلاثة تماهيات قاتلة إلى حد ما:
1 مع الابن الوحيد لجده لأمه، أي أخي أمه، الذي انتحر
2 مع جده لأبيه الذي قُتل في الخارج
3 مع جدته لأبيه التي ماتت بالسرطان عندما كان جورج مراهقًا.
المظهر
لا يمكن نسب أي اعتقاد أو شعور أو صراع بعينه في حياة جورج بالكامل إلى المظهر، أي بالكامل إلى أيديولوجيا أو منظومة اعتقادية أو مجموعة من المثل العليا تغذيها ديانة معينة أو مجتمع معين أو نظام تعليمي معين أو ما شابه ذلك، لأن هناك دومًا، لا محالة، تفاعلًا بين المظهر والتماهيات وغيرهما من العوامل أيضًا.(3) ومع ذلك، يمكن بسهولة الإشارة إلى قدر معيّن من المظهر.
فعلى مستوى بناء هويته، يبدو جورج بوضوح نتاجًا للمثل الأمريكي النمطي لرجل صنع نفسه بنفسه، إذ يحمل الرغبة الوسواسية الكلاسيكية في ألا يتأثر بأحد، وأن يرفع نفسه من حذائه برباطه، وأن يثبت أنه رجل عبر ألا يحتاج إلى قبول المال أو الدعم من أحد، سواء من جده أو من والديه أو من صديقته، رغم أنه كان، ولا يزال حتى الآن، معتمدًا عليهم جميعًا إلى حد كبير.
أما خياله الحالي فهو أن يترك الدراسات العليا، وأن يقضي العقد التالي يقرأ ويدرس بمفرده، ثم ينشر كتابًا يقذفه إلى مرتبة النجومية الأكاديمية المتفجرة؛ وهو يقول إن ماكس فيبر فعل شيئًا من هذا القبيل، إذ عزَل نفسه لسنوات ولم ينشر كلمة واحدة حتى أصدر كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية. ومن المفترض أن تمول صديقته كل هذا الدرس المستقل بعد أن تنهي هي برنامجها الأكاديمي.
ومن تخيلاته الراسخة الأخرى الاكتفاء الذاتي، لا على نحو يطابق بالضرورة توم وباربرا غود في المسلسل البريطاني في سبعينيات القرن العشرين The Good Life، بل في مزرعة لا يعتمد فيها، حرفيًا، على أحد في أي شيء، ويمكنه أن يُجهد نفسه جسديًا إلى حد لا يعود معه قادرًا على التفكير في أي شيء على الإطلاق.
وهو ليس فقط معتمدًا على كثير من الناس، بل إنه أيضًا شديد القابلية للإيحاء بصورة لافتة. فمثلًا، أخبرته والدة صديقته، التي تؤمن بالحيوات السابقة والمقادير والشاكرات وما إلى ذلك، بكل أنواع الأشياء عنه وعن صديقته التي صدقها: أنه لن يكون قادرًا أبدًا على التعبير بوضوح، رغم أنه أكثر وضوحًا في التعبير من معظم طلبة الدراسات العليا الذين عملت معهم؛ وأنه تجسد جديد لخاله الميت؛ وأن صديقته لها مهمة لإنقاذ الكوكب؛ وأنه هو وصديقته كانا معًا في حيوات سابقة، مما يعني أنه لا ينبغي له أن يتركها أبدًا، وهكذا دواليك. ومهما بدت الأشياء التي تقولها هي وغيرُها سخيفة، فإنه يميل غالبًا إلى تصديقها.(4)
كما أن اهتمام جورج بالأصالة وبالشعبية يظل، على نحو واضح، مشروطًا ثقافيًا؛ فهو، مثلًا، نادر الوجود في الثقافة الأميشية، لكنه متفشٍّ في الثقافة الأمريكية المعاصرة حيث نجد نداءً لا ينقطع إلى الأصالة من أجل الأصالة ذاتها. وقد بلغ جورج في المرحلة الإعدادية حد أن يتصرف أحيانًا بجنون لكي يُرى بوصفه غير مألوف ومختلفًا، حتى لو لم يكن هذا الجنون يُنظر إليه من قبل أقرانه بوصفه شكلًا مرغوبًا من الأصالة. ويمكن القول بوضوح إن الأمريكيين يشبه بعضهم بعضًا إلى حد بعيد في سعيهم نفسه إلى الأصالة، وإلى أن يكونوا مختلفين، وإلى أن يكونوا أفرادًا، حتى يطابقوا المثال الأمريكي لـ«الفردية الخشنة».
وليس السبب في أن هذا النمط من التفكير غبيًّا تحديدًا هو ما يجعلني أربطه بما يسميه لاكان المظهر، لأنه ليس بالضرورة أغبى من عنوان هيلاري كلينتون الانتهازي، It Takes a Village (لتربية طفل). فنحن جميعًا نعتمد بوضوح على عدد معين من الناس ونحن ننمو، والعالم عمومًا يزداد ترابطًا واعتمادًا متبادلًا. ومع ذلك، هناك بالفعل من يبتعدون عن نوع معين من «التفكير الجمعي» - حتى لو كان ذلك، أحيانًا، فقط لكي يحظوا بقبول أفضل من الجماعة التي يحاولون أن يختلفوا عنها، كما نرى في حالة جورج.
فاهتمام الأميش، مثلًا، بألا يبرز الفرد من الجماعة قدر الإمكان، وبأن يلبس ويتكلم ويمشي ويكون شبيهًا بالآخرين إلى أبعد حد، يشكل خطابًا يروّج لمثل عليا تؤدي دورًا مهمًا في بناء هوية أطفال الأميش، سواء اتفقوا مع تلك المثل أو عارضوها. وأذكر الأميش هنا مثالًا لأنني أعيش قريبًا من عدة جماعات أميش في بنسلفانيا، وقد قرأت عنهم كثيرًا وعن طرائقهم في ما يمكن أن نسميه تلقينًا عندما يتعلق الأمر بتنشئة أطفالهم اجتماعيًا.
وقد برزت لي ظاهرة مشابهة منذ نحو 30 عامًا حين كنت أسافر خلف الستار الحديدي الذي كان لا يزال قائمًا بوضوح في رومانيا. ذهبت إلى ملهى ليلي، إن جاز أن نسميه كذلك، في بوخارست، وفي منتصف السهرة جاءتني شابة وسألتني لماذا لا أستطيع أن أرقص مثل الجميع. ولم يكن هناك فقط نمطٌ ما من الرقص مقنن إلى حد ما بين رواد ذلك الملهى، كما هو الحال غالبًا إلى درجة معينة حتى في كثير من البلدان الغربية، بل كان يزعجها بوضوح أنني لا أرقص مثل بقية الناس! أما كونني لا أستطيع ببساطة أن أكون في جسدي أو أحمله بالطريقة التي كانت هي تحمل بها جسدها فلم يخطر ببالها، على ما يبدو ...
كان أن تكون مثل الجميع على الأرجح تقنية ناجية جيدة في الثقافة الشيوعية الرومانية آنذاك، لأن كثيرين ممن تحدثت معهم هناك كانوا يخافون كثيرًا من أن يُروا وهم يتحدثون مع أجنبي واضح مثلي، ولا شك أنهم كانوا يخشون أن يُؤخذوا للاستجواب إذا رآهم أحد أو سمعهم يتحدثون معي. وفي الخاص يمكنهم أن يكونوا أقرب إلى ميلان كونديرا الشهير تشيكيًا، لكن في العلن كان الانسجام مع الجماعة أكثر أمانًا بوضوح.
وقد تبنى الأميش - وربما، إلى حد ما، مثل الشيوعيين الرومانيين - الامتثال لا لأنه يفترض أن يردع الغرور فحسب (مع أنهم يدركون بوضوح أن المرء قد يصير مغرورًا بالامتثال نفسه على نحو أفضل من الآخرين)، بل أيضًا بوصفه موقفًا مضادًا للثقافة الغربية المهيمنة التي يجدون أنفسهم محاطين بها. وبهذا المعنى، يصبح الامتثال نوعًا من الهوية السلبية.
كثير من الطلاب في المدارس الأمريكية يجدون أنه من الأسلم أن يبرزوا بأقل قدر ممكن، إذ لا يكون وعاء الانصهار غالبًا مكانًا تُقبل فيه الاختلافات وتُحتفى بها، بل مكانًا تُمحى فيه حتى يتوقع من المرء أن يعتنق الثقافة الأمريكية بالكامل. والمدارس هي، بعبارة ما، الخطوط الأمامية للاستيعاب، ولا سيما للمهاجرين الجدد. والمعايير التي يُتوقع من الطلاب والبالغين أن يمتثلوا لها قد تغيّرت بطبيعة الحال قليلًا خلال القرن الماضي، وهي معايير أكثر أو أقل تقييدًا واختناقًا بحسب سيكولوجية المرء واهتماماته ومواهبه وميوله الجنسية ودينه وما إلى ذلك. وهي تُدافع عنها بضراوة بعض عناصر الجماعة، وغالبًا ما يكونون من المختارين ذاتيًا، بينما يعارضها بقوة بعض آخر.
ولن أكون، في رأيي، قد بالغت كثيرًا إذا قلت إن طغيان العادية أو السوية ازداد، في جوانب معينة، سوءًا وسوءًا في العقود الأخيرة، بسبب اتساع إمكان استخدام الاختبارات والمقاييس لقياس ما إذا كان الناس يمتثلون للمعيار أم لا، سواء تعلق الأمر بما يسمى منحنيات السوية في الذكاء أو الغضب أو القلق أو النرجسية.
ومع ذلك، فإن كل هذه الأنظمة المعيارية (الرومانية، والأميشية القديمة، والأمريكية النمطية) متشابهة في أنها توفر مثلًا يحاول الناس أن يرقوا إليه، وفرصًا لجلد الذات عندما يعجزون عن الارتقاء إليه، كما توفر - شأن القانون نفسه - فرصًا للشعور بنشوة أو إثارة حين يتحدونه أو يخرقونه عمدًا.
وبعبارة أخرى، يعمل كل نظام من هذه الأنظمة بوصفه خطابًا، وغالبًا ما تكون مصلحتنا كبيرة في أن نتصرف وأن نتكلم كما لو أننا نؤيد تلك المعايير، كما لو أننا نرتقي إليها، حتى عندما لا نفعل. فقد نعلم تمامًا أننا لا نفعل، أو قد نخدع أنفسنا فنعتقد أننا نفعل ذلك على الأقل إلى حد ما.
وسأعرض هنا بضعة أمثلة على الكيفية التي كرّس بها جورج نفسه لإهانة المعايير التي عرضتها عليه أسرته ودينه ومجموعته الاجتماعية.
• كان جدّه ووالده يريدان له أن يدخل مجال الأعمال، وقد أقسم أن يقضي وقته في تدمير الأعمال. وجميع أفراد عائلته محافظون سياسيًا، بالمقاييس الأمريكية، أي إنهم يميلون إلى اعتناق أكثر أشكال الرأسمالية الحرة الممكنة، بينما كان جورج في بعض الفترات يصف نفسه بأنه ثوري يساري.
• كان والده يريد من أخته الكبرى ومنه أن يدرسا بجد ويقوما بواجباتهما المنزلية؛ وكانت هي تقوم بواجباتها دائمًا، الأمر الذي كان يسر والدهما كثيرًا، وكان على جورج أن يختلف عنها، وأن يشغل حيزًا مختلفًا داخل العائلة، فتعهد منذ البلوغ تقريبًا ألا يقوم بواجباته المنزلية مرة أخرى. (هي كانت تنجح لأنها كانت تعمل بجد، ولم يكن جورج يرى في ذلك أي فضيلة - لقد قرر أنه سينجح هو دون أن يعمل بجد، وظل ينظر إلى نفسه على أنه شديد الموهبة حتى عندما بدأ أداؤه الدراسي يتراجع. وكانت غايته أن يكون الأفضل في المدرسة من غير جهد، وإذا لم يكن الأفضل فلا سبب إذن لمحاولة أي شيء أصلًا.)
• لم يخطر بباله، على ما يبدو، ولو مرة واحدة، أن يكون مثليًا حتى البلوغ حين أخبرته أمه بأنه لا يمكن أن يكون مثليًا لأن ذلك خطيئة.
• قضى عدة سنوات يجري في السباقات المدرسية، وكان يستمتع بذلك حقًا لأنه كان جيدًا فيه، ثم توقف في اليوم الذي سأله فيه جده إن كان يجري نحو شيء أم يهرب من شيء. ولم يكن يعرف حقًا ما الذي قصده جده، لكنه، لأنه لم يكن يريد أن يُظن أنه يجري نحو شيء، توقف فورًا.
• كان جده يريد له أن يفعل شيئًا عمليًا، لذلك لم يشأ جورج أبدًا أن يصبح عمله عمليًا.
• كان يستمني قليلًا في مراهقته، لكن الأمر لم يتحول إلى استمناء قهري لعدة ساعات يوميًا إلا بعد أن قرأ كتابًا دينيًا تبتيًا يقول إن كل مرة تستمني فيها عليك أن تعيش مئتي حياة إضافية في حال بشرية وضيعة. وكلما بدا الأمر أكثر فظاعة وإجرامًا، ازداد رغبته في فعله. وهذا يذكّرنا بتعليقات لاكان (2006a، ص. 126) على القديس بولس (رسالة إلى الرومانيين 7:7)، حين أشار إلى أنه لولا القانون لما عرفنا الخطيئة.
إن جورج، في خبرتي، ليس استثنائيًا في رغبته في أن يفعل ويكون نقيض ما يقوله الآخرون إنه ينبغي أن يفعله ويكونه. فكثير من المرضى، والمراهقين، والأطفال، وحتى البالغين الذين عرفتهم كانوا بنفس الإصرار في تعريف أنفسهم بوصفهم ليسوا ذلك، وبوصفهم ليسوا ما يقوله لهم أصحاب السلطة من حولهم إن عليهم أن يكونوه.
إن الأيديولوجيات التي تحيط بكل واحد منا تفضي إلى تكوين ما سماه فرويد الأنا-المثالي، أي المثال الذي يفترض بالأنا أن ترتقي إليه لكي تكون محبوبة في نظرنا وفي نظر الآخرين. فنحن نوبخ أنفسنا عندما لا نرتقي إلى ذلك المثال، أو ببساطة نفشل في ملاحظة أننا لم نكن نعيش بالكامل على وفقه، فنؤوّل سلوكنا بحيث يبدو منسجمًا مع ذلك المثال حتى حين لا يكون كذلك.
لقد رفض جورج بعض المثل، ولا سيما تلك التي قدمتها له عائلته، وتبنى بوعي مثلًا أخرى، غالبًا ما تكون على النقيض التام من مثل عائلته، مثل النسوية ومناهضة العنصرية واللاعنف. غير أن ما نعرفه جيدًا هو أن التبني الواعي لشيء ما لا يساوي أن يكون المرء قد تشرّبه في أعماقه وعاشه عفويًا.
• يحب جورج أن يعتقد أنه يقوم، على حد تعبيره، بكونه «نسويًا جيدًا» عبر دعمه لتعليم صديقته، لكنه يفضّل ألا يدرك أنه يدفعها إلى الطهو والتنظيف في البيت عبر امتناعه هو نفسه عن فعل أيٍّ من الأمرين، وبذلك يجعل عليها أن تذاكر لامتحاناتها بجهد أكبر.
• يستطيع جورج أن يقول لنفسه إنه ليس عنصريًا مثل بعض أفراد عائلته، وليس متعاليًا، لكنه يقضي ساعات وهو يلعب ألعاب فيديو عنيفة يهاجم فيها بلا رحمة كائنات فضائية من ألوان وأشكال وطبقات اجتماعية مختلفة.
• يتمسك أمام نفسه بمثال اللاعنف، ومع ذلك ربما بقي مع صديقته تحديدًا لأنهما في حرب مستمرة أحدهما مع الآخر، وهو قد عرف منذ زمن كيف يؤذيها عبر أن يدعها تكتشف علاقاته عبر الإنترنت مع فتيات أخريات، أو أن يترك عن قصد و«عن طريق الخطأ» الحاسوب في البيت مفتوحًا على محادثة مع إحداهن.
• يستطيع أن يتخيل نفسه من النوع الذي يكرّس حياته لإسعاد امرأة، مع أنه يريد في الوقت نفسه أن يكون سبب تعاستها. وهو يعتقد أنه يجسد فضيلة الوفاء ببقائه مع شريكته في السراء والضراء، بينما قد يكون ما يبقيه معها في الحقيقة هو متعته بأن تُرفض منه ومتعته بخيانتها. وقد شبّه علاقتهما مرة بفيلم شاهده عن مدينة تتعرض للقصف، والناس يرفضون مغادرتها مهما ساءت الأوضاع - وكأنه كان يريد لعلاقتهما أن تكون سيئة لكي يستطيع أن يرى نفسه شهيدًا لأنه بقي معها (مخلصًا لحبه، على خلاف أمه التي ربما رآها، في السيناريو الأوديبي المعتاد، غير مخلصة له؛ انظر الفصل 9 في هذا المجلد).
• يقول أحيانًا لنفسه إنه يريد أن يصبح معلمًا لكي يدمر الرأسمالية، بينما ربما كان دافعه الأكبر أن يكون في موضع يسخر فيه من أبناء الأخوية الذين سيلتحقون بفصوله. وبذلك ينال جورج انتقامًا مُزاحًا من أقربائه.
إن الأنظمة الأيديولوجية، سواء أكانت دينية أم سياسية أم عرقية أم ثقافية، تشجع على تكوين مثال، مثال نقارن أنفسنا به باستمرار، آملين ألا نجد أنفسنا قاصرين عنه بصورة فادحة. ولكي «ننقذ حقيقة» مطابقتنا لذلك المثال، أي لكي نقنع أنفسنا بأننا نرتقي فعلًا إلى تلك المثل، فإننا نقمع دوافع أخرى داخلنا، ونتغاضى عنها، أو نطمسها، أو نعمّيها، وهي رغبات أخرى لا تنسجم مع وصف مثالي لمشاعرنا وسلوكنا.
وقد أدى هذا في حالة جورج إلى بناء هوية سلبية إلى حد كبير، وخلال الأشهر القليلة القصيرة من التحليل، بدأ يرى التناقضات بين صورته المثالية عن نفسه وبين سلوكه وأسلوب حياته. فمثلًا، هو يعيش الآن على الفوائد التي يدرها محفظة من الأسهم والسندات تركها له جده، وعلى المال الذي أعطاه له والداه، وهو يجد نفسه غير راغب في رفض قبول المال من والديه، وغير مهتم بالتنازل عن المحفظة، مما يجعله يفكر في أنه ربما أقل راديكالية مما كان يعتقد في البداية. ولكن أين يتركه ذلك إذن؟ هل يعني ذلك أنه هو بالضبط ما كان يحاول أن ينفيه، أي رأسمالي حر؟ إنه يخشى أن يكون هذا صحيحًا.
وقد بدأ يدرك أنه أقل كونه نسويًا جيدًا مما كان يعتقد في البداية - فهل يعني ذلك أنه رجل ذكوري متعصب، شوفيني؟ أم، والأسوأ من ذلك، فاشي؟ وحين تبدأ الصفة السلبية التي تبناها في إظهار الشقوق، يتساءل إن كان لا يكون ببساطة هو الشيء نفسه الذي كان قد رفضه أصلًا؛ فلا يبدو أن هناك منطقة وسطى، ولا تركيب هيغليًا بين الاثنين، ولا موضعًا ممكنًا لا يكون هذا ولا ذاك.
إن التحليل النفسي، من غير أن يتخذ موقفًا من كون مجموعة من المعايير أرقى من أخرى، ومن غير أن يتبنى النسبية الثقافية، هو واحد من الخطابات القليلة التي تؤكد أن هناك صراعًا بين المثل واللاوعي. وعلى خلاف علماء النفس المعاصرين - الذين، في خبرتي، ينصبّون أنفسهم حكامًا لما هو سوي وما هو غير سوي، ويجيبون عن أسئلة المرضى، عن طيب خاطر وبإفراط، بشأن ما إذا كان ما يفعلونه أو يشعرون به أو يتخيلونه سويًا أم لا - فإن المحللين النفسيين يتجاوزون هذا السؤال لصالح أسئلة أبعد مدى: لماذا تظن أنك تشعر بما تشعر به، بغض النظر عما إذا كان الآخرون يشعرون بالشعور نفسه في ظروف مشابهة؟ هل تفعل ما تريد أن تفعله؟ وإن لم يكن كذلك، فلم لا؟
إن نوع التساؤل والتفكيك الذي نقوم به في التحليل النفسي، فيما يتصل بالمظهر، وبالمعايير، وببناء الهوية، قد يجعل المحلَّلين يشعرون أنهم تائهون مدة طويلة، وأنهم لم يعودوا يملكون هوية، ولم يعودوا يعرفون من هم (انظر، مثلًا، Cardinal, 1983). أما أن يدركوا أنهم ليسوا من كانوا يظنون أنهم إياهم، فلا يخبرهم من هم فعلًا. فالمحللون، في سعيهم إلى الوصول إلى ما يريده المحلَّلون ويستمتعون به، يقطعون عبر المظهر، ويضعون المثل والمعايير التي يكررها المحلَّلون ويلجأون إليها موضعَ مساءلة - إذ يطرحون أسئلة مثل: «هل هذا حقًا ما يعنيه أن يكون الإنسان شخصًا صالحًا؟» «هل هذا حقًا ما يعنيه أن تكون المرأة امرأة؟» «هل هذا حقًا الشيء الوحيد الجدير بالسعي إليه في الحياة؟» «هل هذا ما تستمتع به حقًا؟»
وإذا حدث نوع من إعادة التمركز خلال التحليل النفسي بعد هذا النوع من إزالة المركز، فإن هذا لا يمكن أن يتم إلا حول ما يرغب فيه المرء فعليًا ويتمتع به، لا حول ما يعتقد أنه ينبغي أن يكونه أو يفعله أو يسعى إليه أو يستمتع به.
في بداية التحليل، يعتقد المرء غالبًا أنه يريد ويستمتع بما يعتقد أنه من الطبيعي أن يُراد ويُستمتع به، وعلى الأقل يعتقد أنه ينبغي أن يريد تلك الأشياء ويستمتع بها حتى لو لم يكن متأكدًا مما إذا كان يفعل ذلك بالفعل. وهو يعتقد أنه يعيش وفق المظهر، سواء أكان المظهر السائد أو مظهرًا تشكّل ربما في معارضة المظهر السائد. وبعبارة أخرى، يسيء التعرف إلى ما يبدو أنه يريده فعلًا (بناءً على أفعاله ونتائجها الحقيقية، لا على معتقداته الواعية بشأن سبب قيامه بها) وإلى ما يثير متعته فعلًا (بناءً على ما يقوده إلى التمتع، لا على معتقداته الواعية بشأن ما يثير متعته).
إن التحليل النفسي، في تصديه لمثل هذا سوء التعرف، لا يقول لنا، في نظري، مباشرةً الكثير عما ينبغي أن نؤمن به أخلاقيًا أو اجتماعيًا أو سياسيًا أو ثقافيًا، وما إلى ذلك، كما أنه لا يخبرنا بالمثل العليا التي ينبغي أن نتبناها بشأن سلوكنا نحن ومساعينا في الحياة، إلا بقدر ما يقول إنه حين لا تكون تلك المثل منسجمة مع رغبتنا وتمتعنا، فإن سوء التعرف والعصاب يترتبان.(5)
قُدمت هذه الورقة في دبلن، أيرلندا، في 19 سبتمبر 2009 (أي في اليوم التالي لـ«مقدمة موجزة إلى سمينار لاكان الثامن عشر: D’un discours qui ne serait pas du semblant»، المدرجة بوصفها الفصل 6 في هذا المجلد)، أمام جمعية التحليل النفسي والعلاج النفسي في أيرلندا (APPI).
ملاحظات
1 وقد شبه هذه الاستراتيجية بأغنية عن الشهرة يجد فيها ما ينسجم معه؛ والأغنية هي «Mr Jones» لفرقة Counting Crows.
2 وهذا، للأسف، ليس أمرًا غير شائع على الإطلاق، وهو جزء منه على الأقل إرثُ ممارسة الميراث التي تعود إلى نحو ألف عام والمعروفة باسم حق البكورية. وكان هذا يعكس نرجسية الجد نفسه بوضوح أيضًا.
3 بشأن المصطلح اللاكاني «semblance»، انظر الفصل 6 من هذا المجلد.
4 وربما تنشأ قابلية الإيحاء لدى العصابيين الوسواسيين كثيرًا من الشك في صدقية كل أفكارهم هم أنفسهم؛ فإذا كانوا غير متأكدين من كونهم يحبون أحدًا أو يكرهونه، ولا سيما أهم شخص في حياتهم (إذ إن الازدواجية العاطفية شائعة جدًا بينهم)، فلن يستطيعوا هم أنفسهم أن يعرفوا أي شيء آخر (انظر في هذا الصدد فرويد، 1955a)، وسيحتاجون إلى الآخرين كي يخبرونهم بما ينبغي أن يفكروا فيه.
5 قارن تعليق لاكان (2006a، ص. 779) على «تسوية الحسابات مع [رغباتنا] الخاصة».
13
رجل فرويد والفانتازيا الأساسية
إلى حدٍّ ما، لا تحتمل الفانتازيات أن تُكشف في الكلام.
— لاكان، 1992، ص 80
غالبًا ما يلفت نظر قراء لاكان منذ البداية مصطلح «الفانتازيا الأساسية»، وهو مصطلح نادرًا ما، إن لم يكن أبدًا، يُعثر عليه في أعمال التحليل النفسي الأخرى. وهذا يوحي بأن ثمّة تمييزًا ينبغي إجراؤه بين الفانتازيات اليومية وبين شيء آخر، شيء أعمق، وأشد بدئية أو أولية، وأكثر تأسيسًا لكون الذات ذاته.
وقبل أن أحاول توصيف مثل هذه الفانتازيات الأساسية، لنتأمل ما نعنيه بـ«الفانتازيات اليومية». ففي الحالة التي سأعرضها هنا، كانت الطبيعة نفسها للفانتازيات العادية موضوعًا للنقاش. ففي الأشهر الأولى من عملي مع هذا المُحلَّل بعينه، كنت أحيانًا أسأله إن كان قد رأى أحلامًا أو راودته فانتازيات، وفي مرة قال لي إنه يجد من المزعج أن أذكر مثل هذه الموجودات المختلفة جذريًا في نفس الجملة، لأنه، على حد قوله، الأحلام تأتي من الآخر، أما هو فكان يشعر أنه يملك السيطرة على فانتازياته.
وتبيّن أن ما كان يسميه فانتازيات كان، في جوهره، سيناريوهات يدور بها في ذهنه، عمدًا كما كان يشعر. كان ينتقي مشاهد جنسية مفضلة من ماضيه، ويعيد تشغيلها ذهنيًا، وربما يدفعها أحيانًا في اتجاه مفضل معيّن. وأشار إلى أنه لم يكن أبدًا يتخيل شخصًا لم تكن له معه سابقة لقاء جنسي، وأنه نادرًا ما كان يخرج في فانتازياته عن نص السيناريو الجنسي كما جرى فعليًا. ومن ثمّ، كانت الفانتازيات في نظره مختلفة بوضوح عن الأحلام، إذ كان يشعر بأن الأخيرة غريبة عليه على نحو جذري، أو آتية من الآخر. وكان يرويها لي بوصفها أشياء طرأت له فجأة، وتجارب لا يملك عليها أي سيطرة.
ومع ذلك، اتضح في أثناء التحليل أن ثمة أفكارًا معينة كانت تأتي إلى ذهن المُحلَّل كأنه يسمعها تُنطق في رأسه، لكنه كان يسميها «أفكارًا اقتحامية» لا فانتازيات. والمحللون الذين قضوا هم أنفسهم سنوات طويلة على الأريكة ربما كانوا يميلون إلى التشديد على البعد الفانتازي في كل مثل هذه الأفكار الاقتحامية تقريبًا، لكن هذا المُحلَّل كان يرى أن ثمة فرقًا حاسمًا لا بد من إقراره.
وهذا يفتح السؤال الأوسع: ماذا نعني بالفانتازيات في التحليل النفسي، وكيف قد يختلف استعمالنا للمصطلح عن استعماله في الثقافة العامة؟ يبدو أن الثقافة الشعبية تحصر استعمال كلمة فانتازيا في شيء يتخيله المرء على أنه ممتع، ولا سيما في السنوات الأخيرة، في مشهد جنسي متخيل. أما إذا وجد المرء نفسه يتخيل، أو ضبط نفسه وهو يتخيل، مشهدًا غير سار، كأن يتصور، مثلًا، أنه يقترب من شريك جنسي مرغوب، ثم في لحظة التماس يدخل طرف ثالث على المشهد فيحوّل انتباه الشريك المرغوب بعيدًا عن صاحب الفانتازيا نحو الدخيل (وهذا هو مضمون فانتازيات وأحلام عديدة وصفها المُحلَّل الذي تناقش حالته في الفصل 11 من هذا المجلد)، فإن العقل الشعبي يميل إلى تسمية ذلك بأي شيء إلا فانتازيا: كابوسًا، أو «كابوس يقظة»، أو فكرة شاذة، أو ما إلى ذلك.
فمجموعة من الصور و/أو الأفكار التي تومض في الذهن، وفيها يقتحم رجل شقتك وتجد نفسك تقاتل مع بلطجي يتبين أنه مسلح وعلى وشك قتلك، غالبًا ما يحاول الرجل العادي أن ينسى مثل هذه الظاهرة بأسرع ما يمكن، وبالتأكيد لن يعتبرها إنتاجًا «فانتازيًا». أما المحلل، فعلى العكس، فيميل إلى إبراز العناصر الفانتازية في ذلك كله، رغم النبرة غير السارة المبلّغ عنها للأحداث.
يمكننا القول إن التحليل النفسي يعرّف أي ظواهر ذهنية من هذا النوع على أنها فانتازيات، سواء كان الأثر المقترن بها سارًا أم غير سار. بل إن فرويد كثيرًا ما ينصحنا بأن نعدّ الأثر أمرًا ثانويًا: قناعًا، وطريقة لإخفاء المصلحة الحقيقية للمرء في الأحداث الجارية. وبعبارة أخرى، ليس من الضروري على الإطلاق أن يكون الشيء ممتعًا بوعي كي يُفهم على أنه فانتازيا في معجم المحلل النفسي. ويمكننا أن نخلص إلى أن الثقافة الشعبية لا تسمي «فانتازيا» إلا تلك السيناريوهات المتخيلة التي توفر تمتعًا مرتبطًا بمبدأ اللذة، بينما يسمي التحليل النفسي فانتازيا كل أنواع السيناريوهات - سمعية كانت أو شمية أو بصرية أو لمسية أو متعلقة بالفكر - سواء ارتبطت بمبدأ اللذة أو بما هو أبعد من مبدأ اللذة (فرويد، 1955ب).
التماهِي مع فرويد
دعوني الآن أقدّم هذا المُحلَّل على نحوٍ صحيح، وسأشير إليه بوصفه «رجل فرويد». ولا أفعل ذلك لأن بينه وبين سيغموند فرويد صلة عميقة على نحو خاص، بل لأن في جانب المُحلَّل عددًا من التماهيات المتخيلة مع فرويد. ففي الأسبوع الأول من تحليله، قال إنه كان يفكر في نفسه على أنه مثل فرويد، لأنه، حتى في سن مبكرة نسبيًا، كان يظن نفسه عجوزًا بالفعل، تمامًا كما يشير فرويد إلى أنه كان يشعر في عدد من كتاباته. وعندما وُلد أكبر أبناء المُحلَّل، وتبين على نحو مفاجئ أنه بنت - إذ كان مقتنعًا بأنه سيكون ولدًا - كانت أول كلمات خطرت بباله: «آنا فرويد». غير أن تماهيا أكثر أهمية يبدو أنه كان مع جدول عمل فرويد، الذي وصفه المُحلَّل بأنه كان يقتضي رؤية المرضى عشر ساعات في اليوم ثم حضور الاجتماعات والدراسة والكتابة حتى ساعات الفجر الأولى.
وقد قرأ المُحلَّل هذا الأمر في مرحلة ما من حياته البالغة، فربطه بجدول نومه المضطرب وباعتقاده أنه إذا ظل مستيقظًا في وقت متأخر من الليل فسينجز عملًا أكثر. ولم يدرك، إلا بعد خمس سنوات من التحليل، أن هذا كان وهمًا، لأنه في الواقع لم يكن في كامل يقظته في منتصف الليل، ومن ثم لم يكن يعمل بكفاءة خلال تلك الساعات. وعندها بدأ أخيرًا ينام ثماني ساعات ليلًا بانتظام، وأدرك أنه كان بنفس القدر من الإنتاجية، بل إنه صار يعمل بجودة أفضل. وخطر بباله عند تلك النقطة: «أنا لست فرويد!».
ومع ذلك، كان ثمة تماهٍ أكثر أهمية مع فرويد، قائم على مشهد طفولة سيري يتذكره فرويد (1958أ) في تفسير الأحلام:
وانطلاقًا من هذا المقطع، كان المُحلَّل يعيد العمل على ما قاله والده عنه، وقد نُقل إليّ في البداية بصيغة: «أنت لا تُحسب»، و«لن تبلغ شيئًا أبدًا»، ثم أعاد تشكيله تدريجيًا إلى الصيغة المصيرية: «لن تنجح أبدًا في أي شيء». (لاحظ أن كلمة «coming»، الواردة في الترجمة الإنجليزية لتوبيخ والد فرويد: «الولد لن يساوي شيئًا»، قد حُذفت هنا واستُعيض عنها بـ«تنجح»؛ والصيغة بضمير الغائب صارت صيغة مخاطب؛ واستُبدلت «لا شيء» بـ«أي شيء»؛ وأُدخلت كلمة «أبدًا»).
سأعود إلى هذه الصيغة لاحقًا، لكن دعوني ألاحظ هنا أنه كما يبدو أن فرويد نفسه انطلق لإثبات خطأ والده - وكان يشعر أن ما ينجزه، مهما كثر، لا يكفي قط لإثباته على نحو قاطع لأبيه أنه صار شيئًا (انظر في هذا الصدد: Fink, 2010a) - فإن رجل فرويد يبدو أنه واجه إعلان والده في داخله بردٍّ سأستكشف منطقه لاحقًا، لكنني سأشير إلى شكله الآن: «سأنجح في كل شيء».
هذا أحد الأسباب التي دفعتني إلى الحديث عنه في هذا المؤتمر المعنون «الفانتازيا والخيال»، كما أنه يتصل بسببٍ أكثر مباشرة لفعلي ذلك، وهو أنني أعتقد أن فانتازيات أخرى تحدث عنها في أثناء تحليله - لا فانتازياته الجنسية، بل أفكاره الاقتحامية - تتيح لنا أن نقترب من ما يشير إليه لاكان بالفانتازيا الأساسية.
طفل يتعرض للاعتداء أو الإساءة
صار رجل فرويد أبًا قبل بدء التحليل بقليل، ومع أنه لم يصغ ذلك قط بوصفه أحد أسباب دخوله التحليل (وقد لاحظ، بعد سنوات، أن الأمرين تزامنا عن قرب)، فقد اتضح سريعًا أنه كان مضطربًا بسبب عدد لا يحصى من الأفكار عن إساءة معاملة الأطفال والاعتداء عليهم. وكان يشعر بغثيان يكاد يكون جسديًا إذا قرأ عن إساءة معاملة الأطفال أو رأى صورها في التلفزيون. وكان تضايقه يتفاقم أيضًا من عبارات كان يقولها في البيت، حتى من عبارة تبدو بريئة في ظاهرها، مثل أن يقول لزوجته، حين كانت ابنتهما تبكي: «اذهبي أنتِ إلى الأعلى وخذي قسطًا من الراحة، وسأذهب أنا لأنام مع ابنتنا». لقد أزعجه الاحتمال الملغوم في عبارة «أنام مع»، رغم أنه قال إنه يعلم أنه لن يفعل شيئًا جنسيًا مع ابنته.
وكان يضطرب على نحو مماثل بسبب أفكار اقتحامية عن السقوط من على الدرج وهو يحمل ابنته، وبسبب سلسلة من الأحلام كان فيها طفل يتعرض للإساءة وهو لا يفعل شيئًا حيال ذلك. وفي تلك الأحلام، لم يكن يستطيع أن يحسم هل ما يجري إساءة فعلًا أم لا، مع أنه كان يقينًا بعد الاستيقاظ أن حرق طفل بسيجارة، مثلًا، يُعد إساءة.
وكان هناك حلم آخر أزعجه إلى درجة أنه قرر في البداية، عند الاستيقاظ، ألا يخبرني به. ففي الحلم، كان يغيّر حفاظة ابنته وقطع بطنها بسكين؛ وكان يأمل ألا تلاحظ زوجته ذلك، وحين دخلت الأخيرة لم يبقَ مما سماه «العملية» سوى خط خافت على جلد ابنتهما. جعلته إساءة معاملة الأطفال يفكر في الخصاء، وذكّرته بنفوره من الختان. بل إنه ذكر في النهاية أنه كان سعيدًا لأنه لم يُرزق بولد، لأنه بذلك لم يكن مضطرًا إلى أن يقرر ما إذا كان سيختنه أم لا.
كان يمكننا، بالطبع، أن نقفز إلى الاستنتاج بأن هذا المُحلَّل ينطوي على ميول سادية جدية، وأن الأثر المزعج المقترن بأفكاره وأحلامه ليس إلا علامة على الكبت، صُمم كي يجعل تلك الميول غير قابلة للتعرّف عليه. وكان ثمة بالفعل علامات على العدوانية - تجاه إخوته - وعلى العدوانية المكبوتة في تاريخ المُحلَّل وخطابه، لكن أليست هذه الحال قائمة دائمًا؟ فمثلًا، في سن العاشرة أو الحادية عشرة، وبعد عدد من الوقائع التي «أصاب» فيها أطفالًا آخرين في المدرسة «عن طريق الخطأ»، قرر بوعي أنه بحاجة إلى «الهدوء» و«التوقف عن أن يكون متهورًا إلى هذا الحد»، كما قال، ثم تبنّى لاحقًا مبدأ ألا «يرد بالمثل» على أفعال العدوان، مهما كان شعوره بما يرغب في فعله.
لكن بدلًا من الاكتفاء بفكرة صيغية مثل «الميول السادية» وافتراض أن المُحلَّل سادي في جوهره، يبدو لي أن الفانتازيات، والأفكار الاقتحامية، والأحلام يجب أن تُفسَّر دائمًا في السياق الأوسع للبنية السريرية للمحلَّل، وفي إطار الدراما الأوديبية الأوسع كما تبلورت في حياته. وهذا لا ينفي كل سادية في حياة المُحلَّل، لكنني أعتقد أننا بحاجة إلى النظر أبعد من ذلك. فـرجل فرويد يقدم لنا أسبابًا صريحة عديدة تدفعنا إلى الالتفات إلى الدراما الأوديبية الأوسع، إذ أوضح صراحة أنه كان يحاول أن يكون أمًا أفضل لأطفاله مما كانت أمه له، وأبًا أفضل أيضًا. وبعبارة أخرى، وعلى نحو متوقع جدًا، كانت علاقته بأطفاله محددة إلى حد كبير بعلاقته بوالديه، أي بما كان يريده منهما وبما كان يعتقد أنه لم يتلقَّه منهما.
في وقت مبكر جدًا من التحليل، ذكر المُحلَّل أنه كان يشعر وكأنه «في مشكلة معك»: فقد اشتكى في أحد الأيام من أتعابي عن الجلسات، وشعر بأنك لا بد غاضب منه بسبب ذلك. وكان يحلم مرارًا بأنني غاضب منه أو أصرخ في وجهه، وأشار إلى أنه كان يشعر في طفولته أنه قد يقع في مشكلة في أي لحظة. وكان لديه دائمًا إحساس بأن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث، وأنه كان، منذ البداية أصلًا، في مشكلة.
ولو كان المُحلَّل آتيًا من أسرة شديدة الفوضى يكون فيها إساءة معاملة الأطفال سمة دائمة من سمات الحياة اليومية، لكان هذا يبدو طبيعيًا إلى حد ما، لكن بالنظر إلى الهدوء النسبي والاستقرار النسبي الذي صوّر به البيت في التحليل، لفت انتباهي أن الخوف الدائم من الوقوع في مشكلة بسبب شيء ما كان قائمًا في الواقع على رغبة أو فانتازيا بأن يغضب منه أبوه بسبب شيء ما. بل يمكننا القول إن والده، من وجهة نظر المُحلَّل، لم يكن غاضبًا منه بما يكفي أبدًا، والسؤال الذي علينا أن نطرحه هو: غاضب بما يكفي من أجل ماذا؟
يمكن النظر إلى هذا السؤال في ضوء إحدى أكبر شكاوى رجل فرويد في تحليله، وهي أنه كان يشعر أن أمه لا تحبه، أو على الأقل لا تحبه بما يكفي. وقد استشهد بعدد من الأمثلة على ما اعتبره إهمالًا من جهتها، وعدد محدود جدًا، كما يجب أن يُقال منذ البداية، وعدد من أمثلة الخيانة. ففي أحد هذه الأمثلة القليلة جدًا، وعمره نحو ثلاث سنوات، حاول أن يساعد في طلاء بيت العائلة كي يفاجئ أمه ويسعدها، لكنها حين رأت ذلك أبلغت والده، الذي صفعه بعد ذلك لأنه فعل شيئًا لم يكن ينبغي له فعله.
ووصف رجل فرويد أمه بأنها «غير موثوقة»، مستشهدًا بحادثة لم تطعمه فيها كما ينبغي لأنها رفضت أن تسمح له بالأكل قبل أن ينتهي من أعماله المنزلية في عطلة نهاية الأسبوع (متجاهلًا، بالطبع، لفترة طويلة تمامًا، احتمال أنه هو نفسه قد استفزها لأنه لم يقم بواجباته المنزلية حين كان يعلم أنه ينبغي عليه ذلك)؛ وحين فعلها أخيرًا، كان أحد الأطعمة قد التهمه إخوته، فانتقدها بمرارة وهو يبكي: «أرأيتِ ما يحدث حين لا تدعينني آكل!»(1)
وقد تضيء لنا شكاواه من أن أمه لم تحبه بما يكفي، ولم ترضعه، ولم تعتنِ به على نحو ملائم، بل خانتْه بالفعل، شيئًا من خوفه/رغبته في أن يكون في مشكلة مع أبيه. فهو لم يشعر أبدًا بأن أمه كانت تحبه بما يكفي لكي تشكل تهديدًا لأبيه، وكان يتوق إلى إشارة من أبيه تفيد بأن الابن منافس حقيقي على عاطفة أمه. فغضب الأب سيكون دليلًا على حب الأم لابنها. وبما أنه، على الأقل في المراحل الأولى من التحليل، كان يربطني بأبيه، فإن صراخي في وجهه كان سيثبت، على مستوى فانتازي، أن أمه كانت تحبه حقًا.
وقد أظهرت سلسلة من الأحداث الحرجة كيف تجسدت هذه الحساسية الخاصة بعدم نيل الحب الكافي في تاريخ المُحلَّل. ففي سن الثانية، كان المُحلَّل في بيت جده لأمه ولاحظ أن جده يتناول حبوبًا، لعلها كانت لمرض في القلب. وفي وقت ما دخل المُحلَّل المطبخ والتقط بعض حبوب الجد وابتلعها. ورآه أحد إخوته، فأخبر الوالدين، فسارعت الأم به إلى المستشفى لتُفرغ معدته. وبدلًا من أن نثقل على المُحلَّل بفكرة ما من المازوخية الأولية (إذ كان بوسعنا القول بسهولة إنه كان يحاول إيذاء جده بأخذ دوائه)، أرى أننا نستطيع على نحو أكثر معقولية أن نفترض أن الحادثة تُظهر تماهيا مع والد أمِّه المحبوب.(2)
غير أن حادثة لاحقة هي التي تكشف بوضوح أكبر الدينامية العاملة في علاقته بأمه. ففي إحدى الليالي دخل المُحلَّل حمّام الوالدين في البيت، وصعد إلى المغسلة، وفتح «الخزانة» الطبية، كما يسميها بعضنا بالإنجليزية (وكان هذا على الأرجح مرتبطًا بالصدر وبشكواه من أن أمه لم ترضعه)، وبدأ يبتلع شراب السعال المحتوي على الكوديين وعددًا من الحبوب المختلفة. وأخيرًا دخلت أمه وسألته إن كان قد أخذها، فأجاب: «لا، أظنك تريدين أن أذهب إلى المستشفى مرة أخرى لتفريغ معدتي؟». وفي سرده للحادثة، أوضح المُحلَّل أنه كان يتوقع تمامًا أن يذهب إلى المستشفى مرة أخرى لتفريغ معدته حين بدأ يتناول الأدوية، ومن ثم كان يفعل ذلك بوصفه إيماءة صُممت لإحداث أثر معين في أمه.
أي أثر؟ لقد استنتج من الحادثة الأولى أنه فعل شيئًا خطيرًا جدًا جعل أمه قلقة حتى المرض. وكانت إعادة هذا الوضع الخطير عمدًا تهدف، بوضوح، إلى إثارة قلق أمه والحصول على دليل منها على حبها له. وتُظهر هذه الحادثة على نحو حسن السؤال الذي يطرحه الطفل على نفسه في العملية المنطقية التي يسميها لاكان (2006أ) الفصل: «Peut-il me perdre?» (ص 844) - وهي تُترجم حرفيًا: «هل يستطيع أن يفقدني؟»، لكن ربما يكون من الأفضل ترجمتها: «هل تستطيع أن تحتمل خسارتي؟ هل هي مستعدة لأن تفقدني؟ هل هي مستعدة لأن تتخلى عني؟ هل تحتمل أن تتركني أذهب؟». وكل هذه الصيغ مرتبطة بسؤال الطفل عن قيمته في عين أمه أو قلبها، بحسب الحال.(3)
وعندما رُويت هاتان الحادثتان المتعلقتان بتناول الحبوب أول مرة في التحليل، وصّفهما المُحلَّل على أنهما مثالان على إهمال أمه، وقال: «من الذي يترك طفلًا في الثانية من عمره يدخل الحمام من دون إشراف؟». لكنني أرى بوضوح، في السياق الأوسع للدينامية الأوديبية العاملة في هذه الحالة، أن هذين الفعلين - ولا سيما الثاني - كانا مصممين لجذب انتباه الأم وربما لتغيير موقفها من طفلها على نحو أكثر ثباتًا. ففي النهاية، نصل عمومًا إلى إدراك أن شيئًا ما ذو أهمية حاسمة بالنسبة إلينا عندما نكون على وشك فقدانه (أو أن نُجبر على التخلي عنه؛ انظر لاكان، 2004، ص 377)؛ فكثيرًا ما نحتاج إلى أن نُواجه باحتمال فقدان الشيء لكي ندرك أنه بالنسبة إلينا موضوع a، سبب لرغبتنا. وتدل الجدية التي طرح بها المُحلَّل السؤال: «هل هي مستعدة لأن تفقدني؟» على ملاحظة قالتها أمه للعائلة في يوم بلغ فيه الصبي الثالثة من عمره: لقد لم تكن متأكدة، لبعض الوقت آنذاك، ما إذا كان سيبلغ عيد ميلاده الثالث أصلًا.
ولم تكن كل تقنيات الطفل الصغير لكسب عاطفة أمه بهذه الدرجة من الدرامية. فقد تذكّر رجل فرويد أنه كان يستلقي على الأريكة في غرفة المعيشة أمام أمه ويقوم بحركة «الاحتكاك» بوسائد الأريكة على نحو استمنائي، ووصف ذلك بأنه محاولة لجعلها تشاركه تمتعه. لكنه لم ينجح في ذلك، إذ رفضت هذه المحاولة الإغوائية وقالت: «لا تفعل ذلك، ستصاب بطفح جلدي»، وهو تعليق كان قد عدّه في ذلك الوقت أيضًا بلا معنى. وفي مشهد ربما أقدم من ذلك، يبدو أنه كان يستمني في غرفة مظلمة قرب غرفة والديه، وتخيّل أن أحدًا ما، ربما أمه، كان يقف في الممر وينظر إلى الداخل (وقد ذكر مرة أنه ربما لم يكن يستمني أصلًا، بل كان يوقع نفسه في مشكلة بطريقة ما؛ ربما كان يتنصت على والديه في غرفة النوم أو يخرج إلى الحمام). وإذا كانت موجودة بالفعل في الممر، فإنه لم ينجح في جعلها تدخل وتُظهر أنها تتمتع بتمتعه.
والآن، بعد أن أوضحتُ بعض السياق الأوسع، تلقي هذه الحوادث ضوءًا على عدد من فانتازياته المتعلقة بالاعتداء على الأطفال، بدءًا من الصيغة العجيبة التي استعملها ليبيّن أنه يريد أن يكون أبًا أفضل مما كانت أمه عليه: «أريد أن أحب ابنتي بالطريقة التي لم تحبني بها أمي».(4) وبما أن أمه فشلت في إغوائه أو في الاستسلام لمحاولاته في الإغواء، فالأرجح أنه هو الذي أتى بالإغواء في فانتازياته عن الاعتداء على الأطفال: فقد لعب هو نفسه دور أمه وهي تستجيب لإغواء طفل («سأذهب لأنام مع ابنتنا»)، بينما لعبت ابنته دور المُحلَّل وهو طفل صغير. أو، بديلًا عن ذلك، هو نفسه قدّم الدليل على أن مثل هذا الإغواء قد حدث في فانتازياته عن الاعتداء على الأطفال، إذ لعب دور أب يعاقب طفلًا (تأمل أفكاره عن حرق طفل بسيجارة أو شق طفل بسكين)؛ وكانت ابنته تحل محل المُحلَّل وهو طفل صغير نجح في إغواء الأم (فالنجاح هنا يساوي الإغواء) وكان لا بد من معاقبته على ذلك.
وفي أحد الأحلام - علّق عليه رجل فرويد بأنه كان فيه في الوقت نفسه مراقبًا وفي المشهد ذاته - كان هو طفلًا رضيعًا ممددًا على طاولة وكانت أمه تحاول أن تمارس الجنس معه. كانا كلاهما عاريين وكانت هي تملك قضيبًا؛ وفي دوره كمراقب، خطر له: «هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا»، ثم انقلب المشهد: فقدت هي قضيبها وصار هو يملكه. غير أن امتلاك القضيب كان مزعجًا له. وكان رجل آخر واقفًا بالقرب يراقب كل ذلك، ورأى أنه ربما كان أباه.
وبعيدًا عن سؤال من كان يملك القضيب - وهو سؤال يفتح بدوره مسألة ما يسمى بـالفالوس الأمومي(5)، ومسألة التموضع الجنسي للذات، وهي مسألة تحتاج إلى مناقشة تفصيلية مستقلة - فإن الدينامية الأوديبية تبدو مكشوفة على نحو واضح إلى حد معقول في هذا الحلم، بما في ذلك الأب بوصفه مراقبًا للمشهد، القادر على أن يشهد عليه، وتماهِي المُحلَّل مع الأب في موضع الطرف الثالث المراقب.
«آه، أن يُحبَّ المرء من أمه تحت أنف أبيه مباشرة!» - ألا يبدو هذا هو الأكثر بدائية في فانتازيات الصبي الأساسية؟ وبمصطلحات لاكان (2001أ)، يبدو هذا مؤكِّدًا لتشخيص الوسواس - الذي توحي به سمات أخرى كثيرة في خطاب المُحلَّل ومشهد حياته اليومية - حيث يضع المُحلَّل الوسواسي نفسه وأمه في «ألعاب سيرك» بينه وبينها (a وa′) ليشاهدها الأب (الآخر) (لاكان، 2006أ، ص 630؛ انظر أيضًا: Fink, 2004a، ص 24-29). وهذا النوع من صياغة السيناريو الأوديبـي في الوسواس - بحيث تُوضَع الذات والمحلَّل وأمه، بوصفهما أناين، على المحور التخيلي، ويُوضَع الأب على المحور الرمزي، بينما تُماهى الذات اللاواعية مع الأب في ذلك الموضع - نجده في الدرسين الرابع والثامن، وكذلك في نهاية «توجيه العلاج»، حيث يتحدث لاكان عن أحد مرضاه الوسواسيين.(6)
لكن ما الذي ينبغي أن نسميه، بالضبط، الفانتازيا الأساسية في حالة رجل فرويد؟ أهي فانتازيا طفل يتعرض للاعتداء أو التحرش؟ أم هي الرغبة المعروضة في الحلم؟ أم الجزء الذي لم يُعرض قط، ولم يُحلم به قط، ولم يُتذكر بوعي قط؟ في مقالته «طفل يتعرض للضرب»، يقسم فرويد (1955د) الفانتازيات التي يناقشها إلى ثلاث مراحل، مقترحًا أن المرحلة الثانية، التي نادرًا ما تُتذكر، هي المرحلة الأكثر «حسمًا»، رغم أنها ليست إلا «بناءً تحليليًا» (ص 185). وفي ما يسميه «الفانتازيا الذكورية» - وهي أقل شهرة بكثير من المراحل الثلاث لـ«الفانتازيا الأنثوية» التي يفصلها في وقت سابق من المقال - يكون الضرب...(7)
... 40 tokens truncated ...
يمكننا أن نرى في فانتازيا المواجهة حلًا تسوويًا لمأزق المُحلَّل، حلًا كان فيه يعتقد أن أمه تعتبره موهوبًا وتتوقع منه أمورًا عظيمة، بينما كان أبوه يراه «أحمق» - وقد قال الأب ذلك مرة واحدة حين كان المُحلَّل صغيرًا جدًا - ويتوقع منه الفشل وحده. وبأن لا يُنهي دراسته أبدًا، استطاع رجل فرويد أن يحافظ على مظهر أنه باحث ذو إمكانات كبيرة، ومع ذلك يمكنه في النهاية ألا يساوي شيئًا، وبذلك يُرضي رغبات والديه المتعارضة كما فهمها هو.
وكان في هذا الحل فائدة إضافية، هي أنه يحافظ إلى الأبد على رغبته ضمن استحالة تمنعه من أن يواجه تحقق ما عمل طويلًا كي يبلغه، وهي حالة تؤدي كثيرًا إلى الاكتئاب لدى الوسواسيين، بسبب ما يمكن أن نسميه «انكماشًا» للرغبة. فإذا ما حقق الوسواسي أحيانًا ما يريد - صدفة أو من غير خطأ منه - فقدت رغبته بريقها وهدد ذلك باندثاره بوصفه ذاتًا. وكانت وضعية المواجهة أو حالة التعليق تضمن ألا يحدث هذا. وكما قال المُحلَّل نفسه في لحظة ما، عندما كان يعمل بجد على أطروحته: «أنا في خطر أن أنهي رسالتي». وهنا، حيث كانت رغبته على وشك أن تضعف، وعلى وشك أن تخبو، جاءت الفانتازيا الأساسية لتبقيها حيّة؛ وهذه هي وظيفة الفانتازيا الأساسية، كما يصوغها لاكان (1966-67).
سوء التعرّف
لدينا جميعًا ميل إلى إساءة التعرف إلى موقعنا الذاتي، وكان هذا المُحلَّل يبدو مفضلًا له أن يفكر في نفسه على أنه هستيري لا وسواسيًا.(15) ففي أحد الأيام، وأثناء حديثه عن نوع النساء اللواتي كان يرتبط بهن، وكان يريد أن يثبت موقفًا هستيريًا، كما كان يفهمه، على النحو التالي: «أريد أن أرغب فيهن، لا أريد أن أُرضى بهن»، انزلقت منه العبارة وقال: «أريد أن أُرضى بهن، لا أريد أن أرغب فيهن». لقد كان يقصد التأكيد على عدم اكتراثه بالإشباع، محتجًا بأنه يفضّل أن يواصل الرغبة بوصفه هستيريًا، لكنه انتهى من غير قصد إلى القول إنه راضٍ تمامًا عن الإشباع الذي يحصل عليه من علاقاته الجنسية مع النساء، ما دام لا يضطر إلى الرغبة فيهن. أما الرغبة فيهن فكانت هي الخطر الحقيقي.
وفي بداية الجلسة التالية حاول أن يكرر إما العبارة التي كان يقصدها في المرة السابقة أو العبارة التي خرجت منه دون قصد، لكنه تعثر مرة أخرى، وقال هذه المرة: «أريد أن أُرضيهن». وإرضاء شخص ما هو، بالطبع، إحدى الطرق التي يوقف بها الوسواسي الآخر عن إظهار أي علامة على الرغبة، لأن رغبة الآخر هي التي تهدد بإقصاء رغبته هو. ولا بد لرغبته أن تبقى خارج اللعبة، وأن تظل محفوظة لشيء أسمى.
إعادة تشكيل الفانتازيا الأساسية
ما يسميه لاكان عبور الفانتازيا الأساسية أو اجتيازها يفترض تحولًا في موقع الذات، وهو تحول يشير إليه أحيانًا بوصفه «إعادة تشكيل» (1966-67). ويميل لاكان في بعض الأحيان إلى الإيحاء بأن هذه الإعادة للتشكيل تقع دفعة واحدة في لحظة مفاجئة من bascule، أي الانقلاب أو الانتقال. لكن هذا، ربما، ليس هو الحال الأعمّ، ويبدو لي أن تشكيلات وسيطة تظهر كثيرًا في الطريق، تشكيلات قد تميل في كثير من الحالات إلى دفع المُحلَّل إلى مغادرة التحليل نفسه، إما قانعًا بما أحرزه من تقدم جزئي، وإما منزعجًا من السمات الخاصة بالمرحلة الوسيطة.
في حالة رجل فرويد، أرى أنه بحلول الوقت الذي برزت فيه فانتازيا المواجهة أو الجمود بعد أربع سنوات ونصف من التحليل، كانت قد بدأت بالفعل تتراجع: لم تعد بعد الآن المبدأ البديهي لوجوده. وبعد أن ناقشها في عدد من الجلسات بقليل، روى المُحلَّل حلمًا خرج فيه في موعد مع أمه. فقد ركب معها عربة وذهبا إلى مطعم؛ ثم ذهبا لاحقًا إلى متجر للهدايا وراحا يتصفحان المعروضات المعروضة للبيع.
وقبل ذلك الوقت كانت انجذابه إلى امرأة يمثل مشكلة دائمًا، وكان يشعر بعدم ارتياح شديد قرب امرأة تنظر إليه أو توليه انتباهها. أما في هذا الحلم، فكان مرتاحًا مع أمه للمرة الأولى، قادرًا على احتمال نظرتها، من دون أن يشعر بأنه غمرته أو خنقته حضورهَا، ولا بالقلق من رحيلها عنه أو رفضها له.
وقد أشار هذا الحلم إلى تطور محتمل كان المُحلَّل يتحرك نحوه، أي إلى انتقال نحو شيء آخر غير مجرد الجمود المتقابل. وثمة أمر يستحق التنبيه هنا على وجه الخصوص، وهو ما قاله المُحلَّل عن التصفح العابر للمعروضات، إذ كان ذلك بالنسبة إليه تجربة مريحة جدًا، ربطها حتى بالاستمناء في إحدى المرات. وبينما كانت نظرة الأم في فانتازيا المواجهة مركزية ومهدِّدة، بدا هنا أن نظرته هو هي التي تتقدم إلى المقدمة: نظرته إلى الأشياء في متجر الهدايا.
لاحظ أنه عندما يشير لاكان إلى عبور الفانتازيا في حالة العصاب، فإن الذات العصابية، في نظره، تتوقف عن شغل موقع الذات المنقسمة وتأتي إلى شغل موقع سبب رغبتها هي. وبما أنه بدا أن النظرة هي ما كان موضع السؤال بالنسبة إلى هذا المُحلَّل، إذ كانت بمثابة سبب رغبته، فإن استيعابه للنظرة - أي مجيئه إلى موضع النظرة - يوحي بتقدم ممكن في اتجاه عبور الفانتازيا. أما ما الذي ستبدو عليه فانتازياه الجديدة المعاد تشكيلها في نهاية المطاف، فلا أستطيع، بالطبع، أن أتنبأ به مسبقًا.
وهنا سأكتفي بتلخيص تخطيطي شديد وافتراضي للمراحل أو الأطوار المختلفة التي قد نميزها في تطور فانتازيا رجل فرويد:
1 الإغواء. الفانتازيا هنا هي أن ذلك قد حدث: لقد أغوى أمه، أو أغوته هي، وهو في مشكلة مع أبيه (ومع صور الأب الأخرى) لأنه فعل ذلك.
2 المواجهة. هو (ربما؟) يريد أن يغويها (أو يعتدي عليها) وهي تريد أن تغويه (أو تعتدي عليه)، لكن ثمة عائقًا و/أو لا يستطيع أن يتحمل حسم من الذي يرغب في ماذا.
3 التعايش الهادئ. في حلم العربة، يكون هو وأمه مرتاحين معًا، ولا يبدو أن أيًا منهما يسعى إلى انتزاع شيء بعينه من الآخر غير متاح أصلًا بالفعل (فلا توجد، مثلًا، حرمانات - مثلًا، لا نقص في القوت في المطعم).
خاتمة
إن تقديم حالة سريرية بوصفها توضيحًا لمادة نظرية هو دائمًا أمر محفوف ببعض المخاطرة، لأن المرء يسلّم المادة إلى أجندة محددة سلفًا إلى حد ما، ويختار بالضرورة ما يدعم حجته على أفضل وجه. وبعبارة أخرى، يضع المرء جانبًا معظم، إن لم يكن كل، تصريحات المُحلَّل التي قد تناقض أطروحته - وتلك التصريحات كثيرة في كل حالة تقريبًا، بحكم طبيعة اللاوعي نفسها وبحكم العملية الجدلية للتحليل. فضلًا عن ذلك، تكون المادة عصيّة على الضبط، وتتيح دومًا لمحات عن أشياء تتجاوز بكثير ما يمكن للمرء قوله عنها، وقد تناقض استنتاجاته على نحو محتمل.
لكنني لا أرى في هذا عيبًا، بل ينبغي اعتباره ميزة للتفكير. ففي أفضل الحالات، نقدّم من كلام المُحلَّل الفعلي ما يكفي لكي يرى القراء في المادة السريرية أكثر مما رأيناه نحن أنفسنا، وأكثر مما استطعنا صياغته باستخدام الفئات المفهومية - والقيود - المتاحة لنا. لقد غذّت دراسات فرويد السريرية عقودًا من الجدل، الذي كان كثيرًا ما يتسم بالكره والحدة، وذلك جزئيًا على الأقل بسبب أمر إيجابي يمكن قوله عنها: لقد قدّم من المادة التي صاغها مرضاه ما يكفي كي يتمكن قراؤه من تأويلها من جديد في ضوء مختلف تمامًا عن ذلك الذي ألقاه فرويد نفسه عليها. وفيما يتعلق بحالة مثل حالة دورا (فرويد، 1953)، مثلًا، يمكننا أن نقول إن لا شيء ينجح مثل الفشل: فليس هناك إلا حالات قليلة في corpus فرويد التي أُريق حولها حبرٌ أكثر من غيرها على يد القراء اللاحقين!
ولا يسعني إلا أن آمل أن ثراء المادة التي عرضتها في هذا المقال يبعث في القراء وقفة تأمل، حتى وإن خالفوا بشدة تكهّناتي بشأن معناها وأهميتها.
وثمة الكثير هنا مما لا يزال بحاجة إلى مزيد من التطوير والصياغة. ويمكن للفهم نفسه لفانتازيات الضرب أو الاعتداء أن يُطبّق على نحو مثمر على فانتازيات الافتراس - أي الفانتازيات التي تفترض أن أحد الوالدين و/أو الشريك يريد أن يلتهم المرء، وهو خوف/رغبة شائعان على نحو خاص بين الرجال. ويشير فرويد (1964، ص 81-82) إلى أن الحب، في بدايات الحياة، لا يختلف كثيرًا عن الرغبة في إدخال ذلك الشخص أو الشيء إلى داخل المرء، أي استيعابه أو أكله. ومن ثم فقد تنبع فانتازيات وأفكار الافتراس من رغبة في الحصول على دليل على أن الأم تحب طفلها أكثر من أي أحد آخر في البيت. وينطبق الأمر نفسه على مخاوف وفانتازيات الهيمنة (بصورها المختلفة).
هل يمكن لتأويل لرغبة الآخر لا ينطلق من شعور بالإهمال، بل من إحساس بأن المرء محبوب أكثر من اللازم، أن يولّد إنتاجًا فانتازيًا يتشكل على خطوط مشابهة إلى حد ما لما رأيناه في حالة رجل فرويد؟ فمع أن فرويد يلمح إلى أن توق الأطفال إلى الحب لا يُشبع، إلا أن من الواضح أن ثمة أطفالًا يشعرون بأن والديهم يخنقونهم برعايتهم. فإذا شعر المرء أن رعاية أحد الوالدين تخنقه، فقد يكون من المعقول أن يفسر رغبة الآخر، على نحو تمنٍّ، بوصفها رغبة في شخص أو شيء يتجاوز الذات، وقد تكفي أدنى الإشارات لتأكيد هذا التفسير. وقد يشعر المرء بالحاجة إلى أن يحس بأن الآخر (الوالد أو الشريك) يرغب في مكان آخر، وأن يستفز تلك الرغبة في الآخر عندما لا تكون ظاهرة بسهولة أو لا تنبثق تلقائيًا. ومن هنا ربما تكون محاولة الهستيري إبراز ولو مجرد شبهة ضئيلة لرغبة في شخص آخر (مثل «المرأة الأخرى») من جهة الشريك، في مسعى لإقناع نفسها بأنه يرغب في شيء خارجها. (وقد يؤدي ذلك إلى حساسية حادة تجاه نظراته العابرة إلى المارة، التي تُستخدم بوصفها تأكيدًا، وإن كانت قد تُشتكى منها بمرارة، ربما جزئيًا لجعلها تبدو أمرًا كبيرًا بقدر الإمكان). ومن هنا أيضًا، ربما، منشأ بعض الفانتازيات الهستيرية، مثل الفانتازيا التي تكون فيها المرأة جزءًا من حريم رجل، واحدة من بين نساء كثيرات يرغب فيهن.
فانتازيا هستيرية محتملة
0 رعاية أمي و/أو اهتمامها يخنقانني(16)
1 لا بد أن أمي تحب/ترغب في آخر غيري (حتى أتنفس بحرية وأحصل على بعض المساحة الخاصة بي)
2 لا بد أن أبي يحب/يرغب في آخر غيري
3 لا بد أن رجلًا يحب/يرغب في آخر غيري (فأتماهى بعدئذٍ مع ذلك الآخر الذي يبدو لي أنه موضع رغبة)
مهما تكن مزايا هذه الصياغة الافتراضية أو عيوبها، أرى أن كثيرًا جدًا لا يزال بحاجة إلى مزيد من الإيضاح هنا.
وأرجو أن أكون قد أوضحت، على الأقل، أن فانتازيات الاعتداء على الأطفال التي رواها رجل فرويد لم تكن سادية على نحو مباشر، ولا قابلة للتحليل بالطريقة نفسها تمامًا التي يناقش بها فرويد الفانتازيا في مقالته «طفل يتعرض للضرب». أيا كان تنظيمها، تبقى الحقيقة أنها كانت توجهنا نحو فانتازيا أساسية محتملة، حتى وإن ظل بعض عدم اليقين قائمًا بشأن أي مرحلة من الفانتازيا ينبغي اعتبارها الأكثر أساسية، أو ما إذا كانت، في الواقع، المراحل الثلاث أو أكثر مجتمعة هي التي ينبغي اعتبارها أساسية. بل إن فكرة فانتازيا أساسية (وبالمعنى الجوهري: أساسية) ينبغي، ربما، أن تُوضع هي نفسها موضع تساؤل، بالنظر إلى التحولات التي تخضع لها الفانتازيات في أثناء التحليل، وبالنظر أيضًا إلى مدى أن المُحلَّل لا يستطيع في كثير من الأحيان أن يبرز تشكيلًا بعينه ويصوغه إلا بعد أن يكون قد بدأ بالفعل في التغير.
وقد قُدمت هذه المداخلة - عن حالة كانت، في ذلك الوقت، لا تزال جارية - في 14 فبراير 2002، في مؤتمر عن «الفانتازيا والخيال» نظمته كلية علم النفس في الجامعة الكاثوليكية في لوفان، بدعوة من بول مويايرت وفيليب فان أونتي.
ملاحظات
1 واتهمها أيضًا بعدم الموثوقية بسبب الطريقة التي علّمته بها الأبجدية، إذ بدأت بالحرف a، وقالت له إنه يمكن نطقه بطريقتين مختلفتين (ahh وehh)، من دون أن تضع له قاعدة تشرح كيف ينبغي نطقه في كل مناسبة. وقد بدا له هذا منذ اللحظة الأولى أمرًا إشكاليًا، ومن وجهة نظره صبغَ علاقته كلها باللغة - بلغته الأم واللغات الأجنبية على السواء.
2 وقد يشير ذلك، على نحو أعمق، إلى فهم ناشئ للمعنى المجازي في الإنجليزية لعبارة «having heart problems» - أي أن تكون لديك متاعب في مسائل الحب.
3 انظر مناقشتي لأهمية هذا السؤال في الفصل 10 من المجلد الأول من هذا الكتاب.
4 تحمل هذه الصيغة غموضًا نحويًا غنيًا، إذ توحي - على الأقل في مستوى ما - بالنقيض التام لما كان يصرّح به ظاهرًا، أي إنه، مثل أمه التي فشلت في حبه، سيفشل هو أيضًا في حب طفله.
5 عن «الفالوس الأمومي»، انظر Fink (2004a، ص 33-36).
6 لمناقشة أكثر تفصيلًا لهذه النقطة، انظر الفصل 3، «الفانتازيات والفانتازيا الأساسية»، في هذا المجلد، ولا سيما الشكل 3.2.
7 يتضمن الحلم مادة ثرية أخرى لا أتوقف عندها هنا - مثل انتقال القضيب من الأم إلى الطفل، وما فيه من حرج، والفكرة: «هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا»، وما إلى ذلك.
8 قد نميل إلى الاعتقاد بأن الرغبة التي كانت تتكرر في حياة المُحلَّل البالغة مرارًا وتكرارًا - ولم أكن قد عرضتها هنا بعد - هي في جوهرها ذات الرغبة الأوديبية القديمة نفسها، لكنها خضعت فقط لسلسلة من الإحباطات اللاحقة. ومع ذلك، يمكن القول بدلًا من ذلك إن الفانتازيا الأساسية لم تكن هذه الرغبة الأوديبية الأولية نفسها، بل حلًا للمشكلة التي طرحتها هذه الرغبة الأوديبية الأولية.
9 شعر المُحلَّل لاحقًا بأن هذا الامتناع كان مسؤولًا، على الأقل جزئيًا، عن نفور أبيه الظاهر منه. كما شعر بأنه يفسر إحساسه بأنه ينبغي أن تكون له علاقة شبه حصرية بأمه، التي كانت تتطلع إليه بوصفه مصدرًا لبعض الإشباعات التي لم تكن تحصل عليها من الأب.
10 ثمة التباس محتمل هنا، بالإنجليزية كما بالفرنسية، يدور حول ما إذا كان الآخر يريد أن يخصي الذات (بغض النظر عن من يكون فاعل الخصاء، الآخر نفسه أو أي وكيل يعمل لصالحه) أم أنه يريد، على نحو ما، أن ينقل إليه الخصاء الذي تكون الذات قد خضعت له بالفعل - أي أن يتخلى له عن نوع من الخسارة أو الاغتراب أو الحرمان أو القيمة السلبية من أي نوع.
11 يمكننا عرض صيغ النفي الكلاسيكية الممكنة على مربع أبوليوس على النحو الآتي:
12 أن يكون أبًا جيدًا كان يعني أن يخلف أباه، بمعنى آخر من معنى النجاح: أي أن يأتي بعده، وأن يكون الأب التالي في السلسلة.
قد نربط موقفه السابق - أي اعتقاده أنه قادر على النجاح في كل شيء - بما يسميه لاكان «الأنا القوية» لدى العصابي في «توجيه العلاج»، وهو موقف يفترض إنكار الخصاء. ويشير لاكان إلى أنه في العصاب توضع ناقص فاي تحت الذات لا تحت الموضوع، كما هو الحال في الانحراف.
في فانتازيا العصابي، وعلى نحو أكثر تحديدًا في الشكل «المتدهور» من الفانتازيا حيث يُختزل الموضوع الصغير a إلى طلب الآخر (حيث نحصل على
◊D بدلًا من
◊a)، يُنكر الخصاء في صورة محدودية الذات. ويمكننا حتى أن نقول إنه حين يُنكر الخصاء على هذا النحو، فكأن الذات ليست محجوبة، وكأنها كلها أنا. وبالمثل، في الانحراف، حين يُنكر خصاء الموضوع، يُنظر إلى الموضوع - كالأم مثلًا - على أنه غير محجوب بل كامل، أي بوصفه مالكًا لفالوس («الفالوس الأمومي»).
ويمكن ربما أن نرى هذا، لبعض الوقت، في حالة مُحلَّلي، في استمرار الاعتقاد بأنه قادر على النجاح في أي شيء على الإطلاق، إذا قرر فقط أن هذا ما يريد فعله: فحدّه كان حدًا زمنيًا لا حدًّا في القدرة؛ وبعبارة أخرى، استمر لبعض الوقت في النظر إلى نفسه على أنه موهوب ومتفوّق على نحو خاص في كل مجال من المجالات.
13 ولهذا سميت وظيفة النجاح S؛ لأن S(x) = sex.
14 قد تكون عبارات الأب الانتقاصية من قدرات ابنه قد عكست، بطبيعة الحال، ما كان يعتقده هو نفسه (على نحو شبه سري) عن قدراته هو.
15 ثمة دائمًا، بالطبع، عناصر تدفع إلى التفكير في الهستيريا في حالة وسواس، والعكس بالعكس، لكن الصورة السريرية العامة - ولا سيما الفانتازيا الأساسية - توحي عادة بأحدهما أكثر من الآخر. ويمكننا هنا أن نرى أن رغبة رجل فرويد في أن يكون موضوعًا حاسمًا لأمه وضعته في موقع هستيري، خصوصًا إذا أضفنا إلى ذلك رغبته في أن تنظر إليه امرأة. ومع ذلك، يبقى هناك قدر من عدم اليقين، في رأيي، بشأن ما إذا كانت نظرتها هي التي كانت تولّد رغبته (الأمر الذي كان سيضعه بوصفه الذات الراغبة ويضعها بوصفها تجسيدًا للموضوع a)، أم أنه كان يرغب في أن يكون هو الموضوع الذي يولّد رغبتها. وكما سنرى بعد قليل، ليس واضحًا تمامًا أنه كان يريد إثارة رغبة المرأة، وربما كان يفضّل بدلًا من ذلك رعايتها المحبة على مظاهر الرغبة.
16 هنا ربما تتخذ رعاية الأم و/أو اهتمامها شكل القلق في المقام الأول.
14
ملامح الصدمة
غالبًا ما تكتسب واقعة ما قيمة الصدمة أو صفتها على خلفية معينة، أي في سياق حياتي محدد. والقضية التي سأعرضها اليوم تثير عددًا من الأسئلة حول الصدمة، لكنني سأبدأ بعرض الخلفية التي وقعت عليها بعض الأحداث التي يصح، على الأرجح، وصفها بأنها صدمية.
القضية هي قضية شاب جاءني أول مرة بسبب الضيق الذي كان يعانيه المتصل بميله الجنسي والصعوبات التي كان يواجهها في إنجاز أعماله الدراسية. وعلى الرغم من أنه كان في أوائل العشرينات، فإن بَاتريك، كما سأشير إليه هنا باسم مستعار، لم يكن قد أنهى بعد درجة البكالوريوس، وكان قد بدّل المدارس أكثر من مرة، وتراكمت عليه مواد غير مكتملة كثيرة، وكان يشعر بأنه لا يملك اتجاهًا واضحًا في الحياة. ولم تكن له معرفة تُذكر بالتحليل النفسي، ولا عن لاكان من باب أولى، وقد سمع عني عبر بعض زملائه في الدراسة. ولم تكن مراجعته لي أول تجربة له في العلاج، إذ كان قد ذهب قبل سنوات إلى معالجة هاجم معها على مدى نحو ستة أشهر بشدة نشأته الكاثوليكية وتعليمه في مدرسة كاثوليكية. وعند تلك النقطة، أخبرته المعالجة بأنها كاثوليكية، فشعر بقدر من الذنب جعله لا يعود إليها أبدًا، وهو مثال غير نادر على الكيفية التي يعطّل بها بعض المعالجين النفسيين المعاصرين عملهم مع المرضى، لأنهم لا يستطيعون أو لا يريدون إبقاء خلفياتهم الشخصية وطباعهم خارج العلاج.
استمر عملنا معًا نحو سبع سنوات في المجموع، لكن تكرار الجلسات لم يزد قط على جلستين في الأسبوع، وكان غالبًا جلسة واحدة فقط في الأسبوع، بل كان ينخفض أحيانًا إلى مرتين في الشهر، بسبب سوء حالة ماليتِه، وبسبب البعد الكبير بين بيته وعيادتي. وقد جرت الجلسات حضوريًا في السنة الأولى، ثم أصبحت عبر الهاتف حصريًا، بسبب انتقالي إلى ولاية بعيدة.
الخلفية
وصف بَاتريك طفولته المبكرة بأنها كانت مليئة بالصراع وخيبات الأمل. قال إن أمه كانت مكتئبة، غير راضية، «تسرق [منه] طاقته»، و«تثقل [عليه]». وكان أبوه «مدمن عمل»، بينما كانت الأم تتجه إلى بَاتريك، وهو الابن الأكبر من بين ثلاثة أولاد، لتعويض القليل من الانتباه الذي كانت تتلقاه من زوجها. وكانت ترى زوجها منفصلًا عاطفيًا، ولا يظهر عاطفته نحوها إلا حين يفرغ غضبه عليها. وكانت تأخذ معها ابنها الأكبر إلى كل مكان، ولا سيما إلى متاجر الأقمشة، وكانت تنهار إذا لم تعجبه طبخها أو حاول أن يلقي عليها اللوم في شيء.
أُخبر بَاتريك أنه كسر عظمة العصعص عند أمه عندما ولدته، وكان يصف نفسه بأنه «ألمها في المؤخرة»، وكان يحاول منذ ذلك الحين أن يعوّضها. وكان يصفها بأنها متحكمة وغيورة منه، وكان يشعر بأنه لا يحق له أن يعبّر عن أي نوع من الغضب تجاهها لأن ذلك سيغرقها في اكتئاب أشد. وروى حوادث كانت تساعده فيها عندما لا يريد تلك المساعدة، ولا تعطيه شيئًا عندما يطلب العون صراحة. وكانت تقول له إنها لم تستطع إرضاعه وهو طفل لأنه كان لديه تحسس من حليبها، وهي قصة يعتقد أنها اختلقتها.
ومع ذلك، كان يتأثر كثيرًا بحزنها، وكان يشعر بالعجز في محاولاته لمساعدتها. ففي أحد الأيام دخل المطبخ ورآها تبكي عند الحوض. وكانت فكرته الأولى: «ماذا فعلنا؟» - إذ شعر بأنه هو وأباه وإخوته مسؤولون عن الأمر بطريقة ما. وغادر المطبخ من دون أن يقول شيئًا، شاعِرًا بأنه عديم الفائدة، لكنه جمع أباه وإخوته ليتحدث معهم عن طريقة لإصلاح الأمر.
في وقت مبكر من حياته، كان بَاتريك يفرح كثيرًا عندما يعود أبوه من العمل. كان يهرع إليه بحماسة، ويعانقه بمحبة، ويمد يده إلى جيب أبيه بحثًا عن مفاجأة كان الأخير قد جلبها له إلى البيت. وكان يتذكر بحب رائحة بدلات أبيه وعطره. وكان يصف أباه بأنه «متساهل جدًا» معه، ومع ذلك حاسم في البيت وفي العمل، وصاحب آراء قوية. وكان الأب يهاجم ذكاء زوجته بلا هوادة، ومع أنه كان يقول إن أطفاله أذكى منه، فإنه كان ينافسهم في أنواع الألعاب كلها، وكان شديد الحرص على أن يهزمهم في كل شيء. قال بَاتريك: «لا بد أنه يكون أذكى شخص في الغرفة طوال الوقت».
وكانت حاجة الأب إلى أن يكون الأفضل والألمع على الأرجح علامة على انعدام أمان عميق لديه. وعلى أي حال، كان الابن يشعر بأن «أباه سيتحطم لو تغلّبت عليه في شيء». ولم يكن بَاتريك قادرًا على أن يتفوق على أبيه ولا أن ينتقده - فقد كان يعتقد أن أباه هشّ أكثر من اللازم على ذلك.
كان الأب يريد من بَاتريك أن يلعب البيسبول في دوري الأطفال الصغار، لكن بَاتريك كان يكرهه؛ وحاول أن يشرك ابنه في الكشافة وفي أنشطة أخرى من «أنشطة الأب/الابن النموذجية»، لكن بَاتريك صدّه. وبينما كان يذكر في البداية كثيرًا أنه كان يشعر بأن أباه رفضه لأنه كان يفضّل صحبة أمه على صحبة أبيه، قال بَاتريك لاحقًا إنه شعر هو نفسه بأنه رفض محاولات أبيه التقرب منه. وكان كونُه صاحب سرّ أمه في البيت يجعله، في النهاية، لا يحيي أباه إطلاقًا عندما يعود هذا الأخير من العمل - وهو إغفال عاتبته عليه أمه لاحقًا.
في الخامسة من عمره اضطر بَاتريك إلى الخضوع لعملية في الكلية، وخلالها كان خائفًا وتبول على طاولة العمليات أمام الجميع. وكان يجلّ هذا الرد غير الرجولي ويشعر حياله بخجل شديد.(1)
ومع ازدياد نقد الأب لبَاتريك عبر السنين، بدأ هذا الأخير يشعر بأن هناك خللًا ما فيه «في الصميم». وصارت كل العناية التي كان أبوه يوجهها إليه تأخذ شكل النقد. وكان الأب يدّعي أنه يعيش ويعمل كي يستمتع بَاتريك بالحياة، لكن حين كان بَاتريك يستمتع فعلًا، كان أبوه يعامله بقسوة. ولم يكن يبدو في نظر الأب جديرًا إلا بالعمل الشاق والألم: قال بَاتريك: «أنا مدين لأبي بالألم».
أصبح الأب صديقًا لرجل في سنه نفسه بينما كان بَاتريك لا يزال طفلًا صغيرًا. وكان هذا الرجل يشبه الأب إلى حد ما، ويشبهه في الشخصية أيضًا، وكان أنجح منه ماليًا حتى. واتضح أن هذا الصديق مثليّ، وقال بَاتريك إنه وقع في غرامه وهو في نحو العاشرة، بما يوحي بتعلّق بشخص يشبه أباه، في ما يُشار إليه كثيرًا باسم «أوديب المعكوس»، حيث يكون الأب، لا الأم، هو موضوع الحب الأول للولد.
وفي نحو العاشرة أيضًا، ولكن في اتجاه مختلف تمامًا، «استعار» بَاتريك إحدى مجلات Playboy الخاصة بأبيه من أجل «التجريب الجنسي». وعندما وجدتها أمه تحت سريره، أخبرت أباه بذلك، فضربه أبوه على مؤخرته.(2) وللأسف لم أستطع أن أحدد ما إذا كان هذا قد وقع قبل أن يقع في غرام صديق أبيه أم بعده.
الأحداث
كانت هذه، باختصار، الخلفية التي وقعت عليها حدثان، أشار إليهما بَاتريك في التحليل على أنهما «صدميان». وسأبدأ بوصف الحدث المتأخر منهما، لأنه أول ما انكشف في عملي معه.
قبل أن يأتي لرؤيتي، كان بَاتريك قد شارك في مجموعة نقاش للمثليين والمثليات في الحرم الجامعي، وهناك انتهى إلى نتيجة مفادها أنه أصبح مثليًا لأنه قد «تحرّش به» عمه وهو في السادسة عشرة. ولم يخبرني بذلك فورًا، وعندما فعل لاحقًا، قال إنه لا يتذكر جيدًا ما الذي حدث. وبينما كانت المجموعة قد شجعته على التفكير في الأمر بوصفه «اعتداءً جنسيًا»، لم يكن قد شُجِّع بوضوح على التفكير بأي تفصيل في ما حدث بالفعل وفي دوره هو فيه. وطوال مدة طويلة من التحليل، ظل بَاتريك يصف «الاعتداء» بأكثر العبارات غموضًا؛ وبقيتُ طويلًا متسائلًا عن الطبيعة الصدمية للحدث، من دون أن أسمع منه شيئًا يبدو كتحرش جنسي فعلًا.(3)
وعبر السنين، أصبحت ذاكرة بَاتريك لهذا الحدث ولأحداث كثيرة أخرى أوضح بكثير، وكان ما يلي أكمل رواية قدّمها عمّا جرى. كان شقيق الأم، أي خال بَاتريك، يعيش وحده على بعد بضع ساعات من أسرة بَاتريك، ويدير مشروعًا صغيرًا. وكان بَاتريك يزوره أحيانًا أثناء العطل الدراسية، وعندما بلغ السادسة عشرة عرض عليه خاله عملًا صيفيًا في مشروعه، مقترحًا أن يقيم في بيته. وكان بَاتريك متحمسًا للتمرّد على والديه، فانتهز الفرصة للابتعاد عنهما طوال الصيف كله.
قضى هو وخاله وقتًا طويلًا معًا في ذلك الصيف، وكانت من أنشطتهما المعتادة مشاهدة الأفلام الإباحية، وخصوصًا الإباحية المثلية. وفي مرة من المرات، بعد أن فعلا ذلك معًا في مناسبات عدة، سأل بَاتريك خاله إن كان يريد أن يمارس معه الجماع الشرجي. فقال الخال إن ذلك سيكون خطرًا، وبدأ بدلًا من ذلك بمصّ قضيب بَاتريك. غيّر بَاتريك وضعه ليتمكن من مصّ قضيب خاله في الوقت نفسه، لكن الخال غيّر وضعه وبدأ يقبّل عنق بَاتريك. وشعر بَاتريك بأنه فعل شيئًا لم يكن خاله يريده، فأنزل المني فورًا.
هذا هو طابع الحدث المزعوم أنه «صدمّي»، وهو الحدث الذي رآه بَاتريك، في بداية تحليله، أصلَ مثليته ووصفه بأنه «تحرش». ويبدو أن بَاتريك نفسه هو من دعا إلى اقتراب خاله، وأن عدّة لقاءات جنسية وقعت في الصيف نفسه بين بَاتريك وخاله.
وقد نميل إلى رؤية اتهام بَاتريك لخاله بالاعتداء، بعد مرور عشر سنوات، بوصفه إسقاطًا للهستيري اللومَ على من حوله ورفضًا لرؤية الدور الذي لعبه هو نفسه في حصول اللقاء الجنسي. وعلى أي حال، كان خطابه عن خاله في التحليل مشحونًا بالكراهية والاستياء، وممتلئًا بأفكار عن إخبار والديه. بل إن فكرته الانتقامية الأكثر شيوعًا كانت تتمثل في «مواجهة» خاله بالتحرش وطلب الاعتذار منه.
وكان استياؤه من خاله يبدو غير متناسب مع الأحداث كما وصفها، مما يوحي ربما بأن: 1) اللقاءات الجنسية اكتسبت بأثر رجعي معاني لم تكن تملكها في البداية، 2) وأن عنصرًا ما من تلك اللقاءات ربما أُغفل في روايته الأولى، و3) وأن قدرًا من الاستياء نُقل إلى الخال من شخصيات أخرى. وفي الواقع، يبدو أن هذه الأمور الثلاثة كلها كانت صحيحة:
كان الجماع مع خاله، وهو شقيق أمه، يعني في شعوره أن يوجه ضربة إلى أمه - أن يتمرد عليها ويعبّر عن غضبه تجاهها - وكان يشعر بعد ذلك بذنب شديد. ويبدو أنه انتهى إلى أن الخال، بوصفه شخصية أب، كان ينبغي أن يقول لبَاتريك لا، وأن تقع على الخال مسؤولية رفض دعوته. ويمكننا أن نفترض أن هذا الأب البديل، الذي رفض منع علاقة غير مشروعة مع فرد من جهة الأم، قد أعاد إلى الأذهان فشل الأب في التدخل في علاقة بَاتريك بأمه، وهي علاقة كان بَاتريك يعدّها شديدة القرب. وهكذا شعر بَاتريك كما لو أن أباه سلّمه إلى أمه تعويضًا عن عجز الأب أو رفضه أن يجعل زوجته سعيدة. ويبدو أن استياء بَاتريك من أن يُسلَّم إلى أمه (أو إلى فرد آخر من عائلة الأم) من قِبل أبيه لم يبدأ إلا بعد وقت طويل من اللقاء الجنسي مع الخال. ويمكن القول إن الاستياء أخذ يتراكم على الحدث في كل مناسبة لاحقة كان يشعر فيها بأن أمه نفسها تثقله، وتستنزف طاقته، وتتحكم به، أو تُشعره بالذنب.
كان في اللقاء الجنسي الأول مع الخال عنصرٌ استغرق وقتًا طويلًا قبل أن يظهر: حين قبّل الخال بَاتريك على عنقه، شعر بَاتريك بذلك على أنه فعل عدائي. ووصفه بأنه «اندفاع»، و«هجوم»، و«انتهاك». وكان مذهولًا منه إلى درجة أنه أنزل المني في تلك اللحظة نفسها. «أثار الحكة» فيه، وقال إنه كان «أكثر من اللازم»، وكان «طاغيًا». وقد يدفعنا شعوره به على هذا النحو الطاغي إلى الشك في وجود خبرات أقدم تتعلق بتقبيل العنق أو بحكة من هذا النوع، لكن لم تظهر أي خبرات ذات صلة خلال سنوات عملنا معًا. ومع ذلك يمكن أن نرى دلائل على أهميته لديه في مواضع أخرى: ففي كابوس رآه، خرج صرصور من شق في الجدار وسقط على عنقه، فأفزعه ذلك؛ وربط الصرصور بأمه بسبب بعض تفاصيل الحلم. ويمكن أن نرى دليلًا آخر في خيالٍ وروابطه التي عقدها معه: فقد كان سيُباع لأعلى مزايد، وكانت المزايدة ستبدأ من 10,000 دولار؛ وسأل المزادَ لماذا كان العرض الابتدائي مرتفعًا إلى هذا الحد، فقيل له إن المشتري سيكون له الحق في أن يذبح عنقه أثناء الجماع معه. وعندما ناقشنا الخيال في جلسة، كان أول شخص خطر بباله بخصوص ذبح العنق هو أمه. وهكذا يبدو أن قبلة خاله على عنقه أثناء لقائهما الجنسي الأول كانت قد شكّلت نوعًا من قبلة الموت. وبشكل مفارق، يبدو إذن أن جزءًا من الأثر الصدمي لذلك اللقاء الجنسي لم يكن له علاقة بما يمكن أن يُعدّ قانونيًا «اعتداءً» أو «تحرشًا»، بل بقبلة على العنق. وكانت لهذه القبلة دلالة خاصة إلى حد ما - وإن لم تكن فريدة تمامًا - عند بَاتريك، على الأرجح بسبب خبرات سابقة مجهولة، وأدت إلى نشوة فورية، مُنشئةً ارتباطًا أو صلة في ذهنه بين الجنس والموت. (يناقش لاكان، 2004، ص 198، الصلة الوثيقة، في بعض المناسبات، بين القلق والنشوة.)
ذكرتُ آنفًا أنه يبدو مرجحًا أن بعض الغضب غير المتناسب الذي وُجّه في سنوات لاحقة إلى الخال ربما كان قد انتقل إليه من شخصيات أخرى، ويبدو أن ذلك يثبتُه تذكّرُ حادثة صدمية أخرى وقعت في وقت أبكر من حياة بَاتريك.
عندما ظهر هذا الحدث الآخر، قال بَاتريك إنه لم يفكر فيه منذ نحو خمسة عشر عامًا. ولعل هذا أحد الأسباب على الأقل التي تجعل لاكان (1973-1974) يصف الصدمة بأنها حفرة أو فجوة - un trou - ويصوغ التلاعب اللفظي troumatisme (في درس 19 فبراير 1974): فهي شيء مفقود من ذاكرة الشخص وتاريخه.(4)
في الحادية عشرة من عمره، تحرّش ابن عم بَاتريك من جهة الأم به. وكان ابن العم، الذي سأشير إليه هنا باسم مستعار هو ديك، أكبر من بَاتريك بسنوات عدة، وأقوى منه بكثير، وقد كان سيئًا معه في مناسبات سابقة. واستغرق الأمر مرة أخرى وقتًا طويلًا جدًا حتى يركّب بَاتريك القصة، إذ كانت أجزاء منها تظهر في أوقات مختلفة على مدى سنة كاملة على الأقل.
كانت أم بَاتريك قريبة جدًا من أختها - أم ديك - وكانت تحب أن تقضي ساعات وهي تتحدث معها. وفي أحد الأيام اصطحبت أم بَاتريك معه إلى بيت أختها، وبينما كانت المرأتان تتحدثان، حبس ديك بَاتريك في غرفة نومه وأجبره على أداء الجنس الفموي عليه. ويبدو أن بَاتريك نادى أمه مرارًا كثيرة، لكنها لم تأتِ - ولعلها لم تسمعه. وكان ابن العم يتهكم عليه أول الأمر لأنه طفل يبكي لأمه، وشعر بَاتريك بالخزي فسكت. ثم حاول أن يتسلق من نافذة غرفة النوم، لكن ديك أوقفه جسديًا ومنعه من الهرب. وعندما أدخل ديك قضيبه في فم بَاتريك، ظن بَاتريك - لعدم معرفته بعدُ بماهية القذف - أن ديك يبول في فمه، وكان ذلك يروعه كثيرًا.
وهكذا لم يكن هذا الحدث مجرد فتى أكبر سنًا يفرض إرادته على بَاتريك؛ بل كان يتضمن أمًا لا تسمع ابنها ولا تحميه. بل هناك دلائل تشير إلى أن ديك كان قاسيًا مع بَاتريك بطرق أخرى قبل هذه الواقعة، وأن بَاتريك كان قد أشار لأمه منذ مدة إلى أنه لا يحب زيارة ديك. وبعبارة أخرى، يبدو أن الحدث اشتمل على أمٍّ عرّضت طفلها لنوع من العنف على يد ابن أخيها، على الرغم من اعتراضات طفلها نفسه واحتجاجاته.
وإذا لم تكن نفرة بَاتريك من زيارة ابن عمه واضحة لأمه قبل هذا اللقاء الجنسي الأول، فقد أصبحت واضحة بالتأكيد بعده، لأن بَاتريك يقول إنه كان يحتج كل مرة كانت أمه تقترح فيها لاحقًا أن يذهبا لزيارة أختها وديك. وعندما كانت تسأله لماذا لا يريد الذهاب، لم يكن يقول. وفي التحليل أخبرني أنه كان يريد حماية ديك لأنه كان يعرف أن ديك سيقع في مشكلات إذا أبلغ عنه. وكان لديك سمعة الفتى السيئ في العائلة، في حين كان بَاتريك هو الولد الجيد الذي كانت أم ديك تقدمه كنموذج لطفل صالح أمام ديك. ولا شك أن بَاتريك كان يتماهى مع ديك إلى حد ما: فقد كان يود أن يكون أقل تهذيبًا، وأقل طاعة لوالديه ولمعلميه مما كان عليه. وكان يود أن يكون أشبه بديك.
وبعبارة أخرى، كانت الحالة هنا تشمل حقيقة أن بَاتريك كان يعتقد أنه ليس رجلاً بما يكفي، لأنه رفض المشاركة في دوري الأطفال الصغار والكشافة، وكان يشعر بالتهديد من فتى وصفه بالجبان لأنه بكى من أجل أمه. ويبدو مرجحًا أن مثل هذا الفتى كان سيقترن في ذهن بَاتريك بأبيه الذي كان ينتقده باستمرار، والذي كان يراه بوضوح أكثر جبنًا من إخوته الأصغر.
ويبدو أن لقاءات جنسية أخرى مع ديك وقعت بعد اللقاء الأول، على الرغم من تردد بَاتريك في زيارة ديك. وبعد سنوات من العمل التحليلي، قال بَاتريك إنه يشعر بالمسؤولية عمّا حدث مع ديك، مما يوحي بقبول متزايد لفكرة أن قدرًا من التواطؤ كان قائمًا من جانبه في استمرار النشاط الجنسي بينهما. وعلّق بأن هذا لا بد أنه يرتبط بطريقة ما بموقفه من حالات التحرش الجنسي بالأطفال التي كان يسمع عنها في إطار تدريبه بوصفه متخصصًا في الصحة النفسية: فقد وجد، على نحو أثار دهشته، أنه لا يشعر البتة بأي تعاطف مع الأطفال الذين يُزعم أنهم تعرضوا لاعتداء جنسي. وكان يجد نفسه غير مهتم إطلاقًا بمثل هذه الحالات، ولا متعاطفًا مع ألم هؤلاء الأطفال.
وفي وقت متأخر جدًا من التحليل لاحظ أنه لا يزال يحمل «مشاعر ودودة جدًا» تجاه ديك، هذا ابن العم الذي كان يعامله بخشونة، في حين أنه كان لا يزال قادرًا على استحضار غضب شديد تجاه خاله الذي كان يعامله «بمحبة وعناية».
الآثار اللاحقة
أنتقل الآن إلى آثار الخلفية التي أحاطت بهاتين المجموعتين من الأحداث، وإلى آثار الأحداث نفسها في حياة بَاتريك عندما أصبح بالغًا.
العجز عن التعبير المباشر عن الغضب
في حياته اليومية، كان بَاتريك عاجزًا عمومًا عن قول ما يريده وما لا يريده، وعن ترتيب الأمور ووضع الحدود مع الزملاء في السكن، وعن التعبير عن غضبه عندما يضايقه أحد. وكان يصف كل شيء بمصطلحات «مشكلات الحدود»: الناس لا يحترمون حدوده أبدًا، وبدلًا من مواجهة هذه الأمور مباشرة، كان يزعم أنه يصير «عدائيًا سلبيًا». لكن هذه الفئة من علم النفس الشعبي لم تكن منطبقة هنا فعلًا، كما هو الحال كثيرًا؛ فلم يكن في طريقة بَاتريك في إظهار عدائيته ما هو سلبي: كانت فقط غير مباشرة و/أو تُمارَس في الخفاء. كان يفعل أشياء من وراء ظهور الناس، وينبش في أغراضهم أثناء غيابهم، ويكون ساخرًا ومستهزئًا في وجوههم، ويفعل عمدًا أشياء لتستفز أعصابهم.
وكلما ازداد غضبه من شخص ما، ازداد في الغالب مديحًا لذلك الشخص. وكلما اشتهى أن ينفجر في وجه أحد، ازداد حرصًا على إخفاء ذلك - مع يقينه أن الشخص سيلاحظ محاولاته في التستّر. وكان يتوقع دائمًا أن ينتقم منه الناس إذا أظهر أقل قدر من الضيق تجاههم. ولم يبدأ، مثلًا، إلا بعد سنوات عدة من التحليل في أن يستطيع أن يقول لأمه إنها تزعجه عندما كانت تزعجه - ومع ذلك ظل يشعر بالذنب حيال ذلك مدة طويلة. وكان يشعر كثيرًا بأنه إذا تأخر عن جلسة أو تأخر في الدفع لي، فسأنتقم منه بإنهاء العلاج. وإذا أظهر غضبًا بشأن المواعيد أو بشأن سير العلاج، كان يعتقد أنني سأأخذ الأمر بشكل شخصي، وأنه سيشعر بسوء شديد، وسأتوقف عن رؤيته تمامًا. وكان هناك، بطبيعة الحال، رغبة في أن أضع حدًا لتحليله - وبذلك أعفيه من الجهد المطلوب لتغيير الأمور - لكن كان هناك أيضًا على الأقل شيئان آخران يعملان:
الحاجة التي كان يشعر بها إلى حماية الآخر الهشّ، الأبوي، على الرغم من غضبه الشديد تجاهه، و
الرغبة في أن أعاقبه على ما كان يسميه «التمثيل الفعلي» (acting out) - وكان يقصد به عادةً ليس أكثر من التصرف «بشكل سيئ» - وعلى سلوكه «العدائي السلبي» تجاهي.
البحث عن العقاب
كان هذا الجانب الأخير - رغبته في أن أعاقبه - يلعب دورًا مهمًا في النقل. ولسنوات، رفض بَاتريك أن يزيد عدد الجلسات على جلسة واحدة في الأسبوع معي، جزئيًا بسبب وضعه المالي السيئ؛ وجزئيًا لأنه كان يرى أن الجلسة الأسبوعية هي القاعدة في السياقات العلاجية النفسية الأمريكية، وأن زيادة الجلسات تعني أنه «مجنون» حقًا؛ وجزئيًا لأنه وجد من المخيف أن يضع ثقته فيّ. وكان يقول أحيانًا إنه خائف من أن أحاول تحويله إلى مغاير جنسي، وهو «خوف» كان يعبّر عنه في البداية كثيرًا إلى درجة أنه بدا واضحًا أنه يحتوي أيضًا على عناصر تمنٍّ. بل إنه في إحدى المرات جاء مع شابة إلى ندوة كنتُ ألقيها، وألقى بذراعه على كتفيها طوال المساء على نحو استعراضي - ليقنعني بأنه ثنائي الميول الجنسية، كما قال لي بعد ذلك في جلسة. وفي أوقات أخرى، كان يقول إنه يخشى أن يأخذ التحليل خيالاته منه أو يسرق منه المتعة التي يستمدها منها. وكان الناس الآخرون يبدون له غير جديرين بالثقة في جوهرهم، ويُفترض أنهم يريدون أن يأخذوا منه ما يملكه (كما كان يشعر تجاه أمه).
وبما أنه كان يدرك أن التحليل النفسي يتضمن عادةً عدة جلسات في الأسبوع، فقد بدا أنه كان يتوقع دائمًا أن ألومه على رفضه زيادة عدد الجلسات. وكل ما كنتُ أفعله كان يُقرأ لديه بوصفه علامة على أنني أنتقده أو أعاقبه، ولم يكن يخفي أنه يستمتع بتصور أمثال هذه الأشياء. وكان يفسر «نسيانه» لما قاله من جلسة إلى أخرى على أنه طريقته في أن يطلب مني معاقبته، وكذلك تردده في أن يتحدث عن أي شيء غير الشؤون اليومية، رغم أنه كان يعرف من قراءاته أن هذا ليس مادة التحليل. وكان يقول إنه لا يحلم، أو إذا حلم فإنه لا يستطيع تذكر أحلامه. وعندما قال: «أفترض أنني أستطيع أن أضع دفترًا وقلمًا بجانب سريري» وقلتُ له: «همم...» لم يحدث شيء من ذلك. وإذا غيّرتُ الموضوع أثناء الجلسة من شكوى يومية إلى سؤاله عن خيالاته وأحلامه، كان يأخذ ذلك على أنه عقاب ويستمتع به. وإذا أنهيتُ الجلسة عندما يقول شيئًا بدا لي مهمًا على نحو خاص، كان أحيانًا يأخذ ذلك على أنه عقاب ويستخرج منه متعة، شاعِرًا أنه يتلقى أخيرًا العقاب الذي كان يتوق إليه مني.(5)
كانت الحوافز التي تمنحها مثل هذه التحويلات والانقطاعات (انظر فِينك، 2007، الفصل 3) لبعض المستحلِّين التحليليين في كثير من الأحيان مجرد مصدر للذة في العقاب عند بَاتريك، من دون أن يفضي ذلك إلى عمل تحليلي يُذكر. وعندما بدأ يحدثني عمّا كان يسميه «جنس S&M» - وسأتحدث بعد قليل بتفصيل عن ما كان يقصده بذلك - كان يتمنى أن أقول له ألا ينخرط في مثل هذه الأنشطة، وأن أقول له إنها تسيء إليه، وأن أظهر اهتمامًا قويًا بحمايته منها. كنتُ سأُنقذه من إيذاء نفسه وأعاقبه لأنه «ولد سيئ» (مثل ابن عمه ديك؟). وكانت تعبيراتي الغاضبة تجاهه ستثبت له أنني أُعنى به.
كان يمكن أن يُظن أن بَاتريك كان يطلب مني أن أضع له القانون، القانون الذي كان يشعر أن أباه لم يوفّره - وأظن أن كثيرًا من المعالجين كانوا سيسارعون إلى الامتثال بمجرد إصدار الأوامر. ومع ذلك، يبدو لي أن الدور الفوري للمعالج في مثل هذه الحالات ليس أن «يضع القانون» أو أن يمثل القانون بطريقة ما للمستحلِّين التحليليين، بل أن يبرز ويؤوّل النداء الذي يوجهه المستحلّ إلى المعالج كي يفعل ذلك. لأنه نداء موجّه إلى آخر، إلى قوة خارجية، كي تكبح الذات: محاولة أو رغبة في إقامة قوة خارجية تكبح دفع الذات.(6)
في الجلسة التي تحدث فيها بَاتريك لأول مرة عن جنس «S&M» وعن خياله بأنني سأتدخل عندما أرى مدى «جدّيته»، أضاف أنني لو تدخلت فلن يقبل مني ذلك، وأنه في الواقع كان يأمل أن أقول: «لا بأس» - أي أن أمنحه الإذن. أما أنا فلم أفعل أيًا من الأمرين مدة طويلة، بل اتخذتُ موقفًا يقترب من التريث والترقب.
إن نداء المستحلِّ إلى قوة خارجية يوحي بصراع داخل الذات، وهو صراع يستهلك مقدارًا كبيرًا من الطاقة.(7) ففي السنوات التي سبقت انخراطه في جنس «S&M»، كان بَاتريك يشكو من عجزه عن أن «يستمتع بـاستمتاعه»، وعن عجزه عن أن يكون على قلب واحد في لذاته الجنسية، بحيث بدت كل لقاءاته الجنسية ملوثة بطريقة ما. وكان ذنبه وتكلفه أثناء الجنس من الشدة بحيث يمكن أن نستنتج أن وجود رقابة ذاتية قاسية كان يفسد معظم إشباعات الدوافع.(8) بل إنه كان يتحدث عن التلذذ بذنبه، كأن الذنب نفسه كان ممتعًا بالنسبة إليه.
وبدا لي أن المسألة ليست أن أحاول أن أضع القانون فورًا، بل أن أستكشف علاقة بَاتريك بقانون كان قائمًا بالفعل، على الأقل في شكل أنا أعلى شديد النقد: لم يكن أبدًا جيدًا بما يكفي، ولا ذكيًا بما يكفي، ولا مجتهدًا بما يكفي. ومهما حصل على درجات علمية، فلن يكون أبدًا ناجحًا بقدر أبيه. بل كان بَاتريك يُظهر بعض السمات العصابية النمطية في علاقته بأبيه: فعندما رنّ الهاتف ذات صباح باكر وأيقظه، تخيل أنه اتصال يبلغه بأن أباه قد مات. وكانت فكرته الفورية: «يا له من ارتياح ألا أضطر بعد الآن إلى محاولة مجاراة توقعاته».
ومع ذلك، ظلّت رغبته في أن أعاقبه، ومحاولته قراءة معظم تدخلاتي على أنها نقد ضمني له، جانبين مهمين من النقل لمدة طويلة. ولم يكن يُجدي كثيرًا أن أذكره، مثلًا، بأنني أُنهي الجلسات أو أنقّطها عند نقاط أراها مهمة؛ فقد ظل يقرأ الانقطاعات والتأويلات والقطع بوصفها عقوبات أولًا وقبل كل شيء.
الحياة التخيلية
أنتقل الآن بصورة مباشرة أكثر إلى حياة بَاتريك التخيلية. عندما بدأ العمل معي أول مرة، كانت أفكار خاله كثيرًا ما تداهمه أثناء خيالاته أثناء الاستمناء؛ وكان يصف هذه الأفكار بأنها «دخيلة» وكان من الواضح أنه منزعج منها بشدة. وتوقفت هذه الأفكار بمجرد أن ظهرت معظم عناصر اللقاء الجنسي مع الخال إلى السطح.
لكن خيالات أخرى تطورت، وكثير منها كان يزعجه، وكان يجد صعوبة حتى في تذكرها، فضلاً عن مناقشتها في الجلسات. كانت هناك خيالات عن أن يبول أحدهم في فمه، وخيالات عن اغتصابه، وخيالات عن أن يخنقه أحدهم بقضيبه بينما كان بَاتريك يمارس الجنس الفموي عليه، بل وحتى خيال عن أن يمارس الجنس مع أبيه.(9) وقد أعاد بعض هذه الخيالات إلى الأذهان علاقاته الجنسية مع ابن عمه - ولا سيما خيالا البول والخنق. وكما هي الحال عند كثير من المستحلِّين التحليليين الآخرين، تطورت خيالات بَاتريك تطورًا كبيرًا على مدى سنوات العمل التحليلي، كأنها تستكشف كل الأعضاء والفتحات الممكنة، وكل تركيبات القوة المتخيلة، بما في ذلك أن يُثقب قضيبه، وأن يُقاد مربوطًا بسلسلة، وأن يأمره أحدهم بأكل البراز، وأن يُخصى، وأن يُضغط عليه أثناء الجنس الشرجي، وأن يتحرش هو بشاب أصغر سنًا، وهكذا. أحيانًا يخاف المستحلِّون التحليليون من خيالات بعينها، لكن على المعالج أن يتذكر أن معظم هذه الخيالات لا تظهر إلا مرة أو مرتين، وإذا نوقشت في التحليل على نحو وافٍ فإنها تفسح المجال لخيالات أخرى تجوب كل إمكانات المستحلِّ الليبيدية. وقد تبقى بعض الخيالات مدة، لكن القليل منها يظل على حاله سنوات. فالخيالات، مثل الأحلام، «تنضم» إلى الحوار التحليلي وتصبح جزءًا منه، وتتغير مع تطور الحوار، وتقدّم مادة جديدة استجابةً للمناقشات والتأويلات أثناء الجلسات.
كان أحد العناصر التي بدت مهيمنة على الخيالات الجنسية لدى بَاتريك وعلى خبراته الفعلية مع الشركاء هو سؤال ما إذا كان يملك السيطرة على ما يجري أم لا. وعيًا منه، كان يريد أن يكون هو المسيطر، وكان يشعر بالقلق إذا لم تكن لديه السيطرة على الوضع، لكن خيالاته كانت كثيرًا ما تتجه إلى فقدان السيطرة من جهته: كان شريكه يدفعه إلى أبعد مما يريد الذهاب إليه، فيغضب غصبًا شديدًا. وكان يصبح شديد الهدوء بعد مثل هذه الانفجارات الغاضبة في خيالاته.
وقد ازداد ثقته بي عبر السنين، وبعد أربع سنوات قال إنه أدرك للمرة الأولى أنني لا أحاول أن أجعله «مستقيمًا» - وأدرك في الوقت نفسه أن هذا كان إسقاطًا من جانبه طوال الوقت، لأنه هو كان يحاول أن يجعل نفسه مغايرًا جنسيًا. وشعر أنه يستطيع الوثوق بي من حيث عدم أخذ متعته منه، وصار أكثر استعدادًا للتحدث بصراحة عن خيالاته. وفي الفترة نفسها تقريبًا اختفت الخيالات المتعلقة بخاله وابن عمه. ويمكن القول إن بعض ما كان يسميه أحد مستحلِّيَّ «الاستمتاع السيئ» قد تبخّر.
الحياة العاطفية
كانت لدى بَاتريك، عندما بدأ التحليل، علاقات قصيرة الأمد في الغالب مع الرجال. وكان كثيرًا ما يقع في حب رجال يصفهم بأنهم «مفتولو العضلات» وغير مثليين؛ وكان يبذل جهدًا كبيرًا لإغوائهم، لكن ذلك كان يذهب سدى. وكان أحد الجوانب المهمة في حياته العاطفية ميله إلى الرجال المرتبطين أصلًا بشخص آخر، أي غير المتاحين، ما كان يخلق مثلثات حب متوترة ومفتعلة على نحو معقد. وهنا قد نفكر في «الرغبة المستحيلة» النموذجية للعصاب الوسواسي.
كان بَاتريك يشعر أن قضيبه صغير، ولم يكن يواعد إلا الرجال الذين تكون قضبانهم أكبر من قضيبِه. وكان يريد دائمًا أن يلعب دور «المفعول به» في الجماع الشرجي، وكان يترك سريعًا أي رجل يريد منه أن يلعب دور «الفاعل». وكان يأسف أحيانًا لأنه لا يملك مهبلًا، ولأنه لا يستطيع أن يمنح صديقًا خرج حديثًا من الخزانة طفلًا - وكان يشعر أن هذا الرجل سيتركه لامرأة تستطيع أن تمنحه طفلًا. وكان مهتمًا على نحو خاص بالرجال ذوي الوظائف الجيدة المستقرة، الذين يستطيعون، مثل أبيه، أن يعيلوه بوصفه «ربة بيت». وهنا نرى نوعًا واضحًا نسبيًا من التماهي مع أمه: الرغبة في أن يلعب دور الزوجة في علاقته برجل يشبه أبيه.
وعلى الرغم من أنه كان، ظاهرًا، مهتمًا برجال حاسمين، لا يكثرون من الكلام، فإنه خاض في أثناء تحليله علاقة استمرت سنة كاملة مع رجل متردد إلى حد كبير، ولم يكن الاثنان قادرين قط على اتخاذ أي قرار، لأن كل واحد منهما كان يسأل الآخر دائمًا: «ماذا تريد أن تفعل؟» «لا أدري - ماذا أنت تريد أن تفعل؟»
وكان يدّعي أنه يقع في حب رجال «محتاجين» - بل في حب رجال «بحاجة» إلى شيء ما لكنهم لا يعرفون ذلك. وكانت حاجتهم تمنحه مكانًا، وشعورًا بالغاية في أن يملأ هذه الحاجة لديهم. وكان خياله الجنسي الأكثر شيوعًا يتضمن أداء الجنس الفموي على رجل، وهو ما يمكن فهمه على أنه إشباع حاجة الآخر الكبير الذكري، وملء نقصه، ومنحه التمتع، وجعله كاملًا بطريقة ما. ومن جهة أخرى، يمكن فهم منح الشريك التمتع بوصفه طريقة لإسكات الشريك، ولإخماد أي علامة على الرغبة أو السخط أو النقد من جانبه - وهو ما كان بَاتريك يريد أن يفعله لكنه كان يشعر بالعجز عنه تجاه أمه.
وكان بَاتريك غالبًا ما ينتهي إلى سلوك تنافسي جدًا تجاه الرجال الآخرين: كان يشعر دائمًا أنه يحاول أن يثبت أنه أفضل منهم، وكان دائمًا منخرطًا في «صراع قوة». وفي أحد الخيالات، تخيل أنه يُجبر على ابتلاع قضيب رجل، فقرّر أن ينتزعه من ذلك الرجل وأن يكون قضيب ذلك الرجل المفتول داخلَه هو. وبوجه عام قال إنه يجد من الأسهل بكثير التوافق مع النساء منه مع الرجال، لأنه لا يحاول أن ينافسهن. وفي نهاية تحليله قال بَاتريك إنه لاحظ أن الرجال الذين يلتقيهم ليسوا بالقدر الذي كان يتخيله من العدائية نحوه، وأن كثيرًا من العدائية كان مصدرها هو نفسه.
الحياة الجنسية
على مدى السنوات، صار الجنس عبر الإنترنت يلعب دورًا أكبر فأكبر في جنسية بَاتريك؛ كان يلتقي بشركاء مختلفين عبر الشبكة ويكتب رسائل ذهابًا وإيابًا أثناء الاستمناء (وكان ذلك في منتصف التسعينيات). وبينما بدا أحيانًا أنه يبحث عن الحب، كان الهدف في أوقات أخرى يبدو أنه العثور سريعًا على شخص يتبادل معه أرقام الهاتف ويتولى دور السيد معه عبر الهاتف، آمرًا إياه أن يضرب نفسه بحزام، وهكذا، وهو يستمني. وكان بَاتريك يضحك كثيرًا في الجلسة على هذه الوقائع، قائلًا إنه بينما كان شريكه يظن أنه يضرب نفسه حقًا ويسمح لنفسه بأن يُخضع، كان هو في الحقيقة يضرب الطاولة أو الهاتف فقط ويدّعي أنه يساير الدور.
ازدهر هذا النشاط إلى فترة طويلة من تجربة عدد كبير من شركاء الجنس عبر الإنترنت والهاتف، بما في ذلك بعض من كانوا يريدونه أن يؤدي دور فتى مراهق لأب، بل وحتى من كانوا يريدونه هو أن يؤدي دور السيد. وكان يطلق على نفسه عادةً «القاع العدواني»، وفي أحد الأيام لعب دور السيد («التوب»)، واستمتع بالمسألة السادية، وعندما أنزل المني خطرت بباله فكرة: «لا أستطيع الانتظار لأخبر د. فينك». وأخبرني أنه كان واثقًا من أنني لا بد أن أظن أنه «ينبغي أن يصبح ساديًا». وبعبارة أخرى، كان يعتقد أن السادية هي بطريقة ما حقيقة خيالاته الماسوشية الجنسية، كما لو أن أحدهما ليس إلا الوجه الآخر للثاني (انظر الفصل 8، «مدخل إلى “كانط مع ساد”»، في المجلد الحالي). وقال إنه كان يوجّه الغضب الذي يشعر به تجاه الشركاء الساديين ضد نفسه، وكان يشعر بهدوء وارتياح كبيرين بعد أن يكون قد عوقب - وهو على الأرجح كان يقوم مقام الشريك المستحق للتعذيب في مثل هذه الحالات. وقال إن رغبته في الخضوع كانت في الواقع تغطي على رغبة في السيطرة، وأن أكثر ما فيه حقيقة هو نقيض تمامًا لما كان يعرضه على العالم.
وبعد بضع سنوات من التحليل، انتقل نشاط بَاتريك الجنسي بحذر من الاستمناء عبر لوحة المفاتيح والهاتف إلى أفعال جنسية وصفها بأنها «S&M» مع شركاء وصفهم بأنهم «ساديون». وأضع S&M وsadistic بين علامتي اقتباس، لأن ثمة عددًا من التحفظات ينبغي ذكرها هنا:
• أولًا، كان بَاتريك يضع مع شركائه - الذين كان يلتقيهم عبر الإنترنت في معظم الأحيان - عددًا كبيرًا من القواعد الأساسية، صُممت لضمان ألا يذهبوا بأنشطة العقاب معه أبعد مما كان قد وافق عليه مسبقًا. وبعبارة أخرى، كان هناك ميثاق رمزي وُضع قبل بدء الأنشطة «السادية»، وكان هذا الميثاق ينظم اللقاء كله.(10) وكانت إحدى أهم النقاط التي شملها ذلك الميثاق هي الاتفاق على عدم القيام بأي شيء يمكن فهمه بوصفه «جنسًا غير آمن». وكان بَاتريك يميل إلى تفضيل شركاء يثق بهم - يثق بألا يذهبوا بعيدًا جدًا - ويمكنه أن يسترخي معهم، وهو يعلم أنهم سيلعبون وفق قواعد اللعبة. وكان من أكثر ما يقدّره في هذا الشكل من الجنس أنه لا يتحمل أي مسؤولية إطلاقًا عن التخمين الثانوي لما يريده شريكه: فشريكه كان يأمره ببساطة أن يفعل ما يريده الشريك، وانتهى الأمر. أما مع شخص يحبه، فكان ينشغل إلى حد كبير بمحاولة التأكد من متعة شريكه إلى درجة لا يعود معها يستمتع هو نفسه كثيرًا. في هذا الجنس المسمى «S&M»، لم يكن هناك أي التباس بشأن ما يريده الشريك - لم تكن هناك حاجة إلى أن يرهق بَاتريك نفسه في التخمين لما يريده الشريك فوق ما يقوله هو صراحةً إنه يريده. وكان لغز ما يريده الآخر - والقلق المصاحب لذلك الذي يثيره في معظمنا (لاكان، 2004، ص 14-18) - يُستبعد من اللعب هنا، وتبرز مطالبة الآخر إلى الواجهة بالكامل.
• والتحفظ المهم الآخر في هذا النوع من الجنس هو أنه بينما كان بَاتريك يلعب ظاهريًا دور العبد الذي لا هدف له إلا إرضاء سيده، فإن السادة الذين كان يختارهم كانوا يبدو أنهم معنيون، بوجه خاص، بالتأكد من أن بَاتريك ينال الإشباع الكامل أثناء اللقاءات.
• أما مشاهد التعذيب المزعومة، فلم تكن تتضمن أنشطة يمكن أن تترك علامة دائمة على الجسد أو تسبّب ندبة، ولا ألمًا مستمرًا من أي نوع، ولا حتى آثارًا زرقاء أو كدمات.
• وأخيرًا، كانت مشاهد التعذيب المزعومة تنتهي عادةً بأن يُحتَضَن بَاتريك بحنان من شريكه «السادي».
وأذكر هذه الأمور لا لأقول إنه لم يكن هناك أي عنصر سادي في هذا النمط من السلوك الجنسي: فقد كانت هناك قساطر، وسدادات شرجية، ومشابك حلمات، ومشابك غسيل، وطيف كامل من الأدوات، وكلها يمكن أن تُحدث ألمًا بدرجات ومدد مختلفة. لكن كان هناك القليل - أو هكذا بدا لي - مما يشبه الشكل السادي الكلاسيكي بالمعنى السادي الصريح (انظر الفصل 8 من المجلد الحالي)، حيث يستطيع الشريك أن يصرّح بأنه يملك كل الحق في استخدامك وإساءة استعمالك كما يشاء، بغض النظر عن أي عقد سابق. ويبدو أن ما لدينا هنا هو، بدلًا من ذلك، نوع من اللعب بالسادية من قِبل شركائه.(11)
وبحسب بَاتريك، فإن ما كان يريده فعليًا في هذه اللقاءات الجنسية، على الرغم من أنه كان يفترض ظاهريًا أنه يريد العقاب، هو أن يُحَب. وقد وجد عددًا من الشركاء الجنسيين الذين بدا أنهم فهموا هذا وأعطوه الحب والعزاء والحنان بعد جرعة معينة من الألم. وكان يشعر بأنه لو كشف لأحدهم مدى رغبته في أن يُحَب، لفرّ منه ذلك الشخص، وأنهاء العلاقة. لذلك كان عليه أن يبقي رغبته في أن يُحَب مخفية بعناية. وكان الآخر الذكري، حين يواجه رغبة بَاتريك في أن يُحَب، «يولّي هاربًا»، كما قال.
يمكن فهم هذه السيناريوهات الجنسية المسماة «S&M» ربما على أنها تلمّح إلى البنية التخيلية التالية، بما فيها من تحوّلات صُممت لإخفاء ما هو موضع القضية الحقيقي (انظر الفصل 3 من المجلد الحالي، «الخيالات والخيال الأساسي: مدخل»):
المرحلة الأولى: يُظهِر لي أبي الحب.
المرحلة الثانية: يتعرض لي أبي بالإساءة.
المرحلة الثالثة: يتعرض لي رجل بالإساءة.
ويُستعمل لفظ «الإساءة» هنا، كما في حالة «رجل فرويد» (المناقشة في الفصل 14 من المجلد الحالي)، بما يسمح لنا بأن نضم إليه أفعالًا جسدية تجمع بين الجنس والعقاب.
مناقشة واستنتاجات
إن الأحداث التي نتعامل معها في التحليل النفسي، والتي يشير إليها مستحلّونا على أنها «صدمية»، كثيرًا ما لا يعدّها أي شخص آخر أحداثًا صدمية. إن الاستخدام الواسع لمصطلحات مثل «الصدمة» و«صدمية» و«مصدوم» يجعل الأمر بحيث يمكن لصديق فرنسي لي أن يقول بسهولة إنه «صُدم» من نزوع الأميركيين إلى إضافة السكر إلى كل أنواع الطعام المالحة تقريبًا، من صلصة السلطة إلى الدجاج. فاللفظ في مثل هذا الاستعمال لا يعني أكثر من أنه أُدهش أو فُوجئ، ولا يستحق مناقشة أكثر من ذلك. لكن في التحليل ينبغي أن نكون واعين إلى أن أحداثًا لا تبدو في ذاتها، على الإطلاق، قابلة لأن تكون صدمية، قد كانت في الواقع كذلك، إما بسبب تركيب معين للفاعلين المعنيين كان ذا دلالة خاصة للذات، و/أو بسبب المعاني التي اكتسبتها تلك الأحداث لاحقًا.
تكتسب واقعة ما قيمة الصدمة أو صفتها على خلفية معينة، وبسبب سياق حياتي معين. وكثيرًا ما تكون ردود فعل شخصين مختلفين، وقد تعرضا لأحداث متشابهة، مختلفة جدًا: فما قد يكون صدمًا لشخص، قد يُختبَر على نحو مختلف تمامًا لدى آخر. وفي بعض الحالات نجد أيضًا أن ما لا يبدو في البداية حدثًا صدميا على نحو خاص يجذب إليه مجموعة كاملة من الانفعالات والمعاني التي تُسجله بوصفه صدمة أو تحوّله إلى صدمة بأثر رجعي. وهكذا تتراكم عليه معانٍ مختلفة كثيرة إلى درجة أننا نُضطر إلى وصفه بأنه صدمّي فقط بسبب كثرة آثاره اللاحقة.
لا أقول هنا شيئًا جديدًا عن الصدمة، لكن قضية بَاتريك تبدو أنها تجسد ذلك بوضوح شديد، ولا سيما عندما ننظر إلى أول حدث صدمّي ظهر في تحليله: لقاؤه الجنسي الأول مع خاله من جهة الأم. فبينما بدت ميوله الجنسية وكأنها تنمو نموًا عضويًا من طفولته كلها (تذكروا افتتانه وهو في العاشرة بصديق أبيه الذكر الذي كان يشبه أباه إلى حد كبير)، فإن الشكل الذي عبّرت فيه اهتماماته الجنسية عن نفسها لسنوات عدة بدا أنه ينمو بوضوح نسبي من خبراته مع ابن عمه وهو في الحادية عشرة. كانت هذه خبرات شعر فيها بَاتريك بقدر كبير من القلق - إذ لم يكن يعرف، على الأقل في أولى المرات، ما الذي كان يفعله ابن عمه أو ما الذي كان يريده منه - ويبدو أنه انشغل بها لاحقًا، معيدًا تكرارها في خيالات ثم، في وقت متأخر جدًا، في بيئات أكثر «تحكمًا». وبدأت عناصر القوة والاغتصاب تلوّن كل حياته التخيلية منذ المراهقة، كما لوّنت قدرًا كبيرًا من حياته الجنسية عندما صار بالغًا. وأظن أن معاني مثل هذه الخيالات والأنشطة الجنسية تختلف من حالة إلى أخرى. أما في حالته، فقد اتخذت جوانب من علاقاته بوالديه منذ طفولته المبكرة: استحالة التعبير عن الغضب تجاه أيٍّ منهما، والإحساس بأن الحب لا يمكن أن يتخذ إلا شكل النقد والعقاب (تذكروا قوله: «أنا مدين لأبي بالألم»).
التشخيص
هل يكون من المعقول أن نتحدث عن بَاتريك بوصفه ماسوشيًا؟ إن جزءًا كبيرًا من تجاربه الجنسية كان سيعده عامة الناس ماسوشيًا، والسؤال الأكبر الذي يطرحه ذلك هو ما إذا كان السلوك يفرض التشخيص. ويبدو لي أنه على الرغم من أن بعض السلوكيات قد تعطينا إشارة أو اثنتين إلى البنية السريرية للذات، فإنها نادرًا ما تكفي لتقديم تشخيص مقنع.(12) فكثير من السلوكيات - سواء كان ذلك فرط الاجترار، أو إساءة استعمال الكحول أو المخدرات، أو الشقّ، أو التحقق المتكرر، أو التقييد الشديد للطعام، أو الأكل على الطراز الشره - يمارسه أشخاص يملكون بنيات سريرية مختلفة جدًا. ومن يعتقد أن حوادث معينة يمكن أحيانًا أن تحدد البنية السريرية، فالأجدر به في نظري أن يتذكر أن بَاتريك كان قد كان في طور التشكل منذ 11 عامًا قبل لقاءاته المثيرة للقلق مع ابن عمه، وهو عمر نادرًا ما يُعد، في ما بعد، قابلًا لتغيير «البنية العميقة».(13) وقد يقال إن الأحداث الصدمية كافية لتغيير البنية النفسية في أي عمر تقريبًا؛ لكن يمكننا على الأقل أن نطرح سؤالًا عما إذا كنا لا نتعامل هنا، في الواقع، مع بنية كانت مستقرة جيدًا قبل سن الحادية عشرة، ثم طُعّمت عليها خبرات صدمية أحدثت قسر تكرار لم يغيّر البنية النفسية جوهريًا، بل جعل الأمور تبدو على غير ما هي عليه.
لننظر في مختلف التشخيصات الممكنة هنا، مع استبعاد الذهان سلفًا، إذ لا تبدو لي - على الأقل - أي علامة على الذهان في عرض بَاتريك.
وبغية إعداد عرض حالة قابل للإدارة لمؤتمر يتمحور صراحة حول موضوع الصدمة، اضطررتُ بوضوح إلى حذف كميات كبيرة من المادة السريرية التي ناقشها بَاتريك على مدى سبع سنوات، لكننا مع ذلك رأينا بالفعل عددًا من عناصر الهستيريا في حالته (مثل نسيانه خبراته المبكرة مع ابن عمه وتفاصيل لقاءاته مع خاله) وعناصر من الوسواس أيضًا (مثل سعيه وراء رجال مستقيمين لا يستطيع الحصول عليهم، ورجال مثليين كانوا مرتبطين أصلًا بشخص آخر، وهي مساعٍ تبدو مستحيلة). وكان ميله إلى لوم الآخرين على وضعه البائس، من دون أن يرى الدور الذي لعبه هو نفسه في إدخال نفسه في عدد من المواقف وفشله في إخراج نفسه منها، يحمل بكل تأكيد مسحة هستيرية. أما هيمنة الذنب ولوم الذات، فمن جهة أخرى، فكانت أقرب إلى الوسواس.
ويمكن فهم الكبت على أنه أظهر نفسه في نسيان بَاتريك لعدد من وقائع حياته، ولخيالاته، ولأحلامه، وعودة المكبوت في الأفكار الاقتحامية المتعلقة بخاله التي كانت تقتحم خيالاته أثناء الاستمناء. هل كانت هناك أي دلائل على الجحود، ذلك النمط المختلف إلى حد بعيد وغير السهل التمييز من النفي الذي يتحدث عنه فرويد ولاكان فيما يتصل بالفيتيشية، وبصورة أعم، بالانحراف؟ من وجهة نظر لاكانية، فإن آلية النفي السائدة هي التي تحكم إقامة التشخيص (فِينك، 1997، الفصل 6)، لا أي سلوك جنسي أو غيره بعينه. وقد يفترض بعضهم أن المعادلة التي أقامها بَاتريك بين الحب والعقاب تمثل جحودًا، بمعنى الحفاظ على فكرتين متناقضتين في الوقت نفسه داخل الجهاز النفسي نفسه (الأنا في هذه الحالة). لكن مجرد كون مثل هذه المعادلة موجودة، بدرجة أو بأخرى، لدى الجميع تقريبًا يجعل هذا التفسير غير مقنع في نظري.(14) ولم أستطع قط أن أتحقق من أن بَاتريك، مثل فيتيشيي فرويد (1963b)، كان يؤمن في الوقت نفسه بأن النساء لهن قضبان وأنهن لا يملكنها. ولا أذكر أنني واجهت في عملنا معًا ما صغته لاحقًا باعتباره منطق «كلاهما/وكلاهما» المميز للانحراف (انظر فِينك، 2003، والمدرج أيضًا بوصفه الفصل 9 في المجلد الأول من هذه المجموعة). فما الذي يمكن أن يشكّل إذن تشخيصًا بنيويًا للانحراف في حالته؟
ذكرتُ سابقًا أن الشركاء الذين كان يسعى إليهم غالبًا في أنشطته «S&M» كانوا يميلون إلى التمثيل بالسادية أكثر من ممارستها من دون قيود. وكانت ألعابهم الجنسية - التي كانت تشمل عادةً بَاتريك وزوجًا، كان يحب أن يخطف أحد أفراده من الآخر - شديدة الطقسنة في معظمها، ومُعادة لفظيًا بالتفصيل مسبقًا؛ وإضافة إلى ذلك، كان هناك إشارات واضحة على بَاتريك أن يعطيها إذا أصبح، لأي سبب كان، غير مرتاح لما يجري. فضلًا عن ذلك، كان شركاؤه المفضلون يحتضنونه ويداعبونه بمحبة بمجرد انتهاء العقاب الجسدي. ولا يكاد هذا يشبه نوع السلوك الذي يرتبط بالسادية الحقيقية!
أدخُل في هذا بشيء من التفصيل لسببين. أولًا، يبدو أن هناك انفجارًا حقيقيًا من هذا النوع من النشاط الجنسي خلال السنوات الخمس أو العشر الماضية - وتخدمه صناعة متنامية من الأدوات والمعدات، وطائفة كاملة من غرف الدردشة ومجموعات الأخبار على الإنترنت - ومن المهم أن نفهم شيئًا عن طبيعة الأنشطة التي يُقبل عليها الناس (والتي تبدو في 2013 وكأنها أصبحت تقريبًا «الوضع الطبيعي الجديد»، بما يدفع المرء إلى التساؤل لماذا يشعر كل هؤلاء الآن أنهم سيئون إلى هذا الحد ويحتاجون إلى العقاب!).(15) وفي بعض الحالات، ربما لا تسبق هذه الأنشطة أي صيغة من قبيل الميثاق الرمزي؛ لكنني أظن أن ذلك يصدق في عدد كبير جدًا من الحالات. وعلى المستوى النظري على الأقل، يَستبعد الميثاق القلقَ في تجربة «الضحية»، والقلق يُعد عمومًا عنصرًا حاسمًا في السادي (ومع ذلك يمكن الافتراض أنه، حتى عند وجود ميثاق، يستطيع «المعذِّب» دائمًا أن يتخيل أن «الضحية» ستظل تتساءل بقلق عما إذا كان معذِّبه سيلتزم به حقًا أم لا).
ويبدو أن الميثاق يستبعد، في الوقت نفسه، القلقَ في «المعذِّب»، ما دام «الضحية» قد حدّد مسبقًا ما هو مستعد لتحمله، فلا يبقى في ذهن المعذِّب سؤال يُذكر حول ما إذا كان الضحية يرغب أو يطالب بالذهاب أبعد مما يطيقه المعذِّب. أما الماسوشي، على الأقل بالقدر الذي أمكنني أن أصوغ به ما يسعى إليه بأشد ما يكون، فعادة ما يشعر بحاجة إلى المضي في إذلال الذات أو الاحتقار الذاتي إلى درجة لا يعود معها معذبه قادرًا على احتمال الأمر ويوقف رغبة الضحية في التدهور الذاتي و/أو التدمير الذاتي (انظر فِينك، 1997، الفصل 9). ومرة أخرى، لم أستطع أن أرى في ألعاب بَاتريك الجنسية «S&M» شيئًا أو ما يكاد يشبه هذا النوع من الأمور، رغم أنه يمكن نظريًا أن يفترض المرء أنه حتى عند وجود ميثاق، يستطيع الضحية دائمًا أن يتخيل أن المعذِّب سيظل يتساءل بقلق عما إذا كان ضحيته سيلتزم به.
باختصار، لم يكن في الأنشطة الجنسية التي كان بَاتريك يمارسها ولا في خيالاته - على الأقل كما رويت لي - ما يشير إلى أنه كان مهمًا له بطريقة ما أن يثير القلق في شريكه، أو أن شريكه كان مهمًا له أن يثير القلق فيه. ففي أنشطته الجنسية الملموسة، كان كل شيء يسير وفق قواعد أساسية وُضعت في البداية، وكان بَاتريك يصف هذا النوع من الجنس بأنه مُرضٍ ومهدئ ومخفف.
وبعبارة أخرى، يبدو أن استبعاد القلق في الشريك بواسطة ميثاق متفق عليه مسبقًا يوحي بشيء أقرب إلى التمثيل بالسادية والماسوشية منه إلى السادية والماسوشية البنيوية (ومع ذلك قد يقال إن مجرد الاهتمام بوجود ميثاق يشي بأن القلق، وإن كان معترفًا به ضمنيًا، أي لا شعوريًا، من جانب الشريكين، بوصفه أمرًا حاسمًا، فلا بد من استبعاده صراحة، أي شعوريًا). أما انتقال بَاتريك من الجنس عبر الإنترنت والهاتف إلى ما يسمى الزنزانات وغرف التعذيب فقد أثار عندي بالتأكيد وقفة للتفكير؛ فقد تحدث عن هذه الأشياء مدة طويلة جدًا قبل أن يفعل أي شيء، وكنت قلقًا في بعض النواحي من أنني قد فوّتُّ شيئًا، إذ رأيت هستيريا بدلًا من ماسوشية. ويمكن العثور على قدر معين من الماسوشية في تقريبًا كل البنى السريرية - بل ويمكن فهم لاكان على أنه يرى شيئًا في كل ذاتية بشرية بوصفها ماسوشية على نحو أساسي، بقدر ما توجد حسٌّ من أن الذات يجب أن تموت كي تأتي إلى الحياة في عالم اللغة المشترك مع الآخرين. ويذهب فرويد (1961c، ص 164) إلى حد القول إن «دافع الموت [...] الفعّال في الكائن الحي [...] هو نفسه الماسوشية»، موحيًا بذلك بأن جميع البشر ماسوشيون بدرجة أو بأخرى (والحقيقة أنه ليس واضحًا ما إذا كانت الأنواع التي يعدّدها فرويد من الماسوشية - «الإيروتوجينية»، أو «الأنثوية»، أو «الأخلاقية» - يمكن مساواتها تلقائيًا بالبنى السريرية أو بالفئات التشخيصية بالمعنى اللاكاني). وكان السؤال في ذهني هو ما إذا كان بَاتريك قد تجاوز في لحظة ما مجرد اللعب بالماسوشية، ويجب فهمه بوصفه ماسوشيًا، بنيويًا.
يبدو أن فرويد ولاكان يتفقان على أن العصابيين، بوجه عام، لا يفعلون سوى أن يحلموا أو يتخيلوا ما يفعله المنحرفون فعلًا. وقد روى لي بَاتريك مرة خيالًا كان لديه تُنتهك فيه الصفقة الرمزية، إذ يُخدَّر بَاتريك ويُجبر على ممارسة جنس غير آمن مع رجال عديدين. وبدا لي هذا دالًا على الجهة التي يقع فيها بَاتريك من الفاصل بين العصاب والانحراف، بقدر ما كان الأمر بالضبط خيالًا. وإذا أمكن فهم الخيال، في بعض الحالات، بوصفه تمثيلًا لانتهاك القانون، أو انتهاكًا للميثاق الرمزي، فإننا نرى بوضوح أن القانون كان حاضرًا هنا.
ولو أمكن فهم بَاتريك بوصفه ماسوشيًا، من الناحية التشخيصية، فأظن أنه كان ينبغي لنا أن نرى لديه شيئًا من قبيل إرادة لإذلال الذات بلغت من الشدة ما يجعل شركاءه الساديين يشعرون بأن عليهم إيقاف عقابه، ووضع حدود معينة. كنا نتوقع أن نرى إرادة أو دافعًا إلى أن يُعاقَب (se faire punir) يبلغ من المدى ما يجعل الشريك يرفض في النهاية أن يذهب إلى أبعد، ويضع حدودًا للعقاب، ويضع القانون لبَاتريك أو يلفظه. وعادةً لا تكون الحدود موجودة منذ البداية، بل لا تُرسم إلا أثناء السيناريو الماسوشي وبسبب ذهابه «بعيدًا جدًا»، أي إلى ما وراء كل الحدود التي تعد «مقبولة» لدى الشريك.
ومع ذلك، ربما كان كل هذا النقاش يسعى إلى وضع الشريك في المكان الخطأ. وأقول هذا لأن بَاتريك، في مرحلة ما نحو ست سنوات في العلاج، بدأ يخبرني عن وقائع جرت فيها أمور إلى حد بعيد مع بعض الشركاء الجنسيين إلى درجة أنني أنا نفسي صرت قلقًا جدًا على سلامته. ويمكننا بالطبع أن نتساءل عما إذا كان ببساطة يسعى في ذلك الوقت وراء رغباته الجنسية الخاصة ويرويها لي في الجلسات، أم أن سعيه إلى إشباعات تبدو خطرة كان مدفوعًا، على الأقل جزئيًا، برغبة في أن يخبرني بها كي يحصل مني على نوع من الاستجابة أو الإثارة. وكان كثير من المعالجين سيفترضون فورًا أن سلوكه موجَّه نحوي أو أنه رسالة من نوع ما إليّ - أي إنه تمثيل فعلي - لكن هذا لم يكن واضحًا لي في البداية. ولو كان يحاول أن يختبر درجة قلقي بشأن رواياته عن نشاطه الجنسي، فقد فعل ذلك على نحو دقيق جدًا، مما تركني غير متيقن مما إذا كان هذا موجهًا إليّ (بوصفـي الآخر الكبير) أم لا. وقد زاد هذا التقدير تعقيدًا أننا كنا نتحدث مرتين فقط في الشهر في تلك اللحظة الزمنية بعينها؛ أما عندما نلتقي على نحو أكثر انتظامًا، فأغلب ما يراودني هو أنني واحد على الأقل من المتلقين لنشاطات المستحلّين.(16)
كان القرار الذي اتخذته هو أن أخبره - وقد شعرت أن التزامه بالعلاج صار، عند تلك النقطة، قويًا بما يكفي لأن يكون لذلك أثر - أنني سأجعل استمرار العلاج مشروطًا بتوقف الأنشطة «S&M». ولدهشتي الكبيرة، وافق فورًا على وقف هذه الأنشطة، بل ووجّه اهتمامه العاطفي إلى شخص آخر. وعندما تبدأ دوافع المستحلِّ في الميل نحو الموت - وكما يخبرنا لاكان (2006a، ص 848)، فإن «كل دافع هو فعليًا دافع موت» بقدر ما تكون الدوافع كلها قهرية، «عديمة الرأس» (acephalous) (لاكان، 1973، ص 165، أو «بلا رأس» كما في لاكان، 1978a، ص 181)، ولا تملك حدودًا داخلية (انظر الفصل 4، «الأكل القهري ودافع الموت»، في المجلد الأول من هذه المجموعة) - فإننا نحن المحللين علينا أن نستخدم كل نفوذ متاح لنا لمقاومة نزعاتها القاتلة، متحالفين مع تعلق المستحل بالحياة. إن جعل استمرار العلاج مرهونًا بوقف بعض الأنشطة هو ورقة لا يمكننا أن نلعبها إلا بعد أن يتضح أن المستحل متعلق بالعلاج وبالمعالج أكثر من تعلقه ببعض أشكال متعته، وغالبًا ما لا يمكن لعبها إلا مرة واحدة.
وقد لعبت هذه الورقة أحيانًا مع مرضى ميّالين إلى التدمير الذاتي، لكن ليس واضحًا لي إطلاقًا أن شعوري بضرورة ذلك كان يستند دائمًا إلى ما هو أكثر من الميل الماسوشي الذي يمكن العثور عليه فينا جميعًا، في وقت أو آخر. وفي بعض الحالات، أظن أنني لعبت هذه الورقة بدافع ضيقٍ من رفض المرضى أن يعتنوا بأنفسهم حتى بالحد الأدنى، وخرقهم المتكرر لأخلاقيات المهنة في مجالات عملهم؛ لكن، لو أردتُ أن ألعب دور محامي الشيطان مع نفسي، فقد أضطر إلى أن أستنتج في كل حالة من تلك الحالات أن إهمال المريض الظاهري المتعمد لنفسه وللقواعد التي تحمي من يعملون معه كان، جزئيًا على الأقل، مدفوعًا برغبة في أن أجبر أنا على اتخاذ إجراء ما أو أن أضع قانونًا ما. فهل يمكن أن يكون المعالج، أحيانًا، هو الشريك الذي يسعى الماسوشي، من دون أن يدري، إلى إثارة القلق لديه، حتى يُفرض عليه مثل هذا القانون؟ يبدو هذا ممكنًا بالتأكيد.
لكن لماذا يؤدي التعبير عن حدٍّ كهذا مرة واحدة من قِبل المعالج إلى وقف كل نشاط ماسوشي، بينما يفترض نظريًا على الأقل أن الخلل على مستوى القانون في طفولة الماسوشي (فِينك، 1997، الفصل 9) هو ما يولد البحث المتكرر، بل الذي لا ينتهي، عن هذا النوع من وضع الحدود؟ أعجز عن تفسير ذلك، ولهذا أميل أكثر إلى رؤية بَاتريك لا بوصفه ماسوشيًا، بنيويًا، بل بوصفه عصابيًا عالقًا في قسر تكرار انطلق من لقاءاته الجنسية الأولى مع ابن عمه وهو في الحادية عشرة. فبدلًا من أن يحل مشكلة بنيوية، ربما لم يفعل تدخلي سوى أن يساعده على وقف تمتعٍ كان شديد الإغراء. وربما شعر بَاتريك بأنه، بخلاف أمه، سمعته حين صرخ طالبًا النجدة، وأنني أظهرتُ رعاية واهتمامًا ومحبة، وكان ذلك كافيًا لكي يبدأ في رعاية نفسه.
متابعة لاحقة
لم يكن الشكل الجنسي المعروف باسم «S&M» الذي بدأ بَاتريك ينخرط فيه خلال التحليل التكوينَ النهائي لليبيدوه بأي حال. وربما كان هناك نوع من الصحة في القول إن السادية كانت في البداية «الحقيقة» الكامنة وراء سلوك بَاتريك الماسوشي، لكن التطورات اللاحقة أشارت إلى أن الإيذاء أو التعرّض للإيذاء لم يعودا الطريق الوحيد الممكن لدى بَاتريك للحب أو لأن يُحب. ولا أزعم بطبيعة الحال أنه وصل إلى نوع من تكوين الحب المثالي المتناغم بوصفه نتيجة لعمله التحليلي - وهل يوجد مثل هذا الشيء أصلًا؟ - لكن كان شعوري أن علاقاته العاطفية والجنسية تغيرت كثيرًا خلال السنة التي تلت تدخلي. ولا شك أنها استمرت في التغير بعد ذلك على نحو يستحيل عليّ التنبؤ به.
وسواء كان الأمر في النهاية حالة عصاب (هستيريا؟) أو ماسوشية، فإن الحل الذي عُثر عليه بدا لي أقرب كثيرًا إلى الأول منه إلى الثانية. (ولا أستطيع أن أجادل هنا بقناعة لصالح الهستيريا في مقابل الوسواس، لأنني لم أشعر أن الخيال الأساسي لبَاتريك ظهر بوضوح خلال عملنا معًا.) إن الرهانات المرتبطة بالتشخيص في هذه الحالة تبدو لي مرتبطة بسؤال عن مدى مبكر كان يمكن أن يُتخذ فيه تدخلٌ ما. لم يبدأ بَاتريك في السنة الخامسة من تحليله إلا في تجربة جنس «S&M» الفعلي (في مقابل الافتراضي)، لكن ربما كان يمكن، لو كانت قراءتي للوضع أفضل، أن «أقطع الأمر في مهده»، إذا جاز التعبير، بدلًا من السماح له بالذهاب إلى هذا الحد. ولسوء الحظ، لا يعرف المرء بالضرورة إلا بعد فوات الأوان ما إذا كان يملك، في تلك اللحظة، النفوذ الكافي مع المستحل بحيث يكون لتدخل كهذا الأثر المرجو. وهذه واحدة من الصعوبات الكثيرة في العمل التحليلي حين نُقدّر التوقيت الأكثر فاعلية للتأويلات ولغيرها من التدخلات.
أُلقيت نسخة سابقة من هذه الورقة، كانت تعرض حالة جارية في ذلك الوقت، في مؤتمر بعنوان «التحليل النفسي والصدمة» عُقد في جامعة كورنيل من 27 إلى 29 مارس 1998، برعاية جمعية الإنسانيات (حيث كنتُ زميلًا خلال العام الأكاديمي 1997-1998).
ملاحظات
1 وُعِد، إذا كان مطيعًا، بنوع من المصاص؛ ولم يكن يتذكر أي نوع هو، لكنه قال: «لم يكن blow pop». لاحظ أن ممارسة الجنس الفموي على رجل هي إحدى أنشطته وخيالاته الجنسية المفضلة، وأن pop لفظ شائع في أميركا للأب.
2 وقع شيء مشابه مرة وهو يقبّل فتاة في خزانة في البيت: دخلت أمه فجأة، وأخبرت أباه، فضربه. قد يكون ذلك من باب التمنع، لكنه ربما كان، أكثر من ذلك، من باب الغيرة، إذ كانت الأم تريد كل انتباه بَاتريك وعطفه لنفسها.
3 ومن الواضح أن شيئًا ما لا يلزم أن يَعدّ قانونيًا تحرشًا كي يكون ذا أثر صدمّي على شخص، والعكس صحيح: فما يعدّ قانونيًا تحرشًا لا يلزم بالضرورة أن يكون ذا أثر صدمّي على أحد.
4 يبدو أن السبب الرئيس في جمع لاكان بين كلمتي trou (ثقب) وصدمة في ذلك السياق يعود إلى أن «لا وجود لعلاقة جنسية».
5 إذا لم أنهِ الجلسة عندما كان يشعر أنه لم يعد لديه ما يقوله، كان يعتقد أنني أعذبه عمدًا.
6 إن محاولة تقنين الشروط، ولا سيما في المراحل المبكرة من كثير من أشكال العلاج النفسي، كثيرًا ما تفضي على نحو غير مقصود إلى إبعاد المستحلّ تمامًا. انظروا إلى الاستخدام المحكوم بالفشل أصلًا لـ«العقود» مع المرضى الانتحاريين في كثير من أشكال العلاج النفسي المعاصرة: فالعقد لا يكون صالحًا إلا إلى أن يشعر المريض بسوء يكفي لأن يقتل نفسه، ومن النادر أن يكون توقيع قطعة ورق مع المعالج هو ما يمنعه من ذلك. يحتاج المعالج، بدلًا من ذلك، إلى أن يعبّر عن رغبته في أن يجري التحليل على نحو معيّن. أما أن تقول لمريض: «إما أن تترك المخدرات (أو الكحول أو التبغ أو شكلًا معينًا من الجنس أو أي شيء آخر يستخرجك من نفسك)، أو فلا جدوى من عودتك إلى التحليل» فيبدو أنه يقوض الغرض نفسه من التحليل: فالمستحلّ قصد المعالج تحديدًا لكي يفهم كيف يتخلص من المخدرات أو يتوقف عن الشرب، وهو لا يعرف بعدُ كيف يفعل ذلك.
7 لقد بدأ عدد من المستحلِّين الذين عملت معهم عبر السنين تحليلاتهم حتى بطلبات مني أن أمنعهم من بعض الأنشطة واللذات. ففي حالةٍ ما (انظر الفصل 10 في المجلد الأول من هذه المجموعة)، أراد مستحلٍّ محتمل جديد أن أطلب منه الكف عن مشاهدة الإباحية، وفي حالة أخرى أن أطلب منه التوقف عن خيانة زوجته.
8 باستثناء تلك المرتبطة بالأنا الأعلى نفسه.
9 وكان هناك أيضًا حلم بدا فيه أنه سيجامعني.
10 قد نرى هنا مثالًا للماسوشي الذي يملي القانون المراد أن يلفظ به للآخر، كما نوقش في الفصل 8 من المجلد الحالي؛ ويمكن العثور على مثال لمثل هذا الميثاق عند ساشر-مازوخ (1991).
11 يصف فرويد (1961c) «المنحرفين الماسوشيين» بأنهم ينخرطون في «تنفيذ خيالات [العقاب] على سبيل اللعب» (مع التشديد المضاف)، موحيًا بأن «إدخال التشوهات الجسدية في المحتوى أمر نادر جدًا، وحين يحدث يكون خاضعًا لقيود صارمة فحسب. […] فالماسوشي يريد أن يُعامل مثل طفل صغير عاجز، لكن، وبخاصة، مثل طفل مشاغب» (ص 162). ومن ثم فمن المرجح أن بَاتريك يندرج ضمن فئة «المنحرف الماسوشي» بحسب معايير فرويد، لكننا سنرى لاحقًا ما الذي يمكن التفكير فيه من منظور لاكاني.
12 قد تكون الاستثناءات من ذلك هي المشاهد التلصصية والاستعراضية التي تتصاعد باستمرار إلى درجة تكاد تطلب تدخل السلطات القانونية.
13 قارن ملاحظاتي حول هذا الموضوع بما قلته في الفصل 11 من المجلد الحالي.
14 تأملوا تعليق أحد مستحلّيَّ الواضحين ذوي الطابع الوسواسي، والذي قال فيه إنه يجب «أن تهتم بالطفل بما يكفي لتعاقبه».
15 يشير فرويد (1961c) إلى «حاجة إلى العقاب»، تنشأ فيما يبدو من عقدة أوديبية غير محلولة، وتفضي إلى ما كان قد سماه سابقًا - مستخدمًا تعبيرًا «غير صحيح نفسيًا» - «الشعور اللاواعي بالذنب» (ص 166). وربما كان بإمكانه أيضًا، أو بديلًا، أن يرى في كون عدد متزايد من الناس اليوم يبدو أنهم يشعرون بحاجة إلى العقاب نتيجةً لكبتٍ متزايد باستمرار للدوافع العدوانية (أي «غريزة الموت») في ثقافتنا.
16 ينبغي أن نتذكر بالتأكيد أنه، في سياق عملي مع بَاتريك، خطرت له ذات يوم فكرة: «لا أستطيع الانتظار لأخبر د. فينك» بعد أن لعب دور السيد («التوب») في الجنس الهاتفي، وكان يستمتع كثيرًا بالسادية، مما يوحي بأنني كنتُ، بدرجة ما على الأقل، مدرجًا في أنشطته الجنسية على المستوى التخييلي. كما تصرف أيضًا وكأنه كان مرتبطًا بامرأة في ندوة ألقيتها، لكن تلك الحادثة وقعت قبل ذلك بنحو أربع سنوات من ذهابه إلى التطرف.
النقد
15
لاكان في أمريكا
بروس فينك في مقابلة مع لورين دينت
كيف انتهى بك الأمر إلى أن تصبح عالم نفس ومحللًا نفسيًا؟ وما الذي قادك إلى لاكان؟
أنا لست عالم نفس، حتى لو كنت أدرّس في قسمٍ لعلم النفس. لقد أخذت بضع مقررات في علم النفس حين كنت طالبًا في مرحلة البكالوريوس في كورنيل، وسرعان ما أدركت أن اهتمامي الأساسي هو التحليل النفسي؛ غير أنه، منذ سبعينيات القرن العشرين، كان معظم الأساتذة الذين يدرسون التحليل النفسي في جامعة مثل كورنيل ينتمون إلى الأنثروبولوجيا، والنظرية السياسية، والأدب المقارن. وقد وصلتُ فعليًا إلى لاكان عبر النظرية النقدية، وسرعان ما استهواني منهجه، إذ أدركت أنه أشد فرويدية بكثير من المنهج الذي كان يعتمده المحللون الذين احتككت بهم في الولايات المتحدة.
من أبرز الفروق بين التحليل النفسي اللاكاني والعلاج النفسي البريطاني/الأمريكي التأكيد الذي يضعه هذا الأخير على البحث التجريبي. لماذا يتردد اللاكانيون إلى هذا الحد في الانخراط في مثل هذا البحث؟ وهل يستطيع التحليل النفسي أن يبقى تقنية علاجية مشروعة من دونه؟
أود أن أقول إن التحليل النفسي، أعني التحليل النفسي الحقيقي، لا يستطيع أن يبقى إلا برفضه الانخراط في مثل هذا البحث. فثمة حركة داخل الوسط التحليلي النفسي الأمريكي ترمي إلى اختزال الممارسة التحليلية النفسية إلى شيء يمكن قياسه كمّيًا، سعيًا إلى إرضاء الطلب الأمريكي على دراسات النتائج. وهذا الطلب جزء لا يتجزأ من الطلب على دراسات ضبط الجودة وضمان الجودة في كل مكوّن من مكوّنات الاقتصاد تقريبًا، وفي الأوساط الأكاديمية أيضًا، حيث يُنتظر اليوم أن يخضع كل شيء للمراجعة والتقييم طوال الوقت من خلال استطلاعات رضا الزبائن. إن الامتثال للمطالب المعاصرة التي تريد برهانًا على أن التحليل النفسي ممارسة "قائمة تجريبيًا" أو "قائمة على الدليل" عبر إجراء دراسات نتائج، هو إقرار ضمني بخطاب السيد، الذي يتخذ اليوم شكل الخطاب الرأسمالي. (أما تقديم برهان على أن التحليل النفسي يغيّر كيمياء الدماغ و/أو وظائفه، فهو إقرار ضمني بالفكرة السخيفة التي تقول إن شيئًا لم يتغير في الشخص ما لم يمكن تصويره في مسح دماغي أو قياسه كمّيًا في مقارنات ما قبل وما بعد لمستويات النواقل العصبية. وهذا جزء من الخطاب الطبي المهيمن اليوم، الذي يزداد هو الآخر خضوعًا للخطاب الرأسمالي).
إن خريجي البرامج الأكاديمية يتعرضون باستمرار لسيل من الاستبيانات التي تسألهم ما إذا كانوا يشعرون بأنهم حصلوا على قيمة كافية مقابل الرسوم التي دفعوها، على أساس الافتراض القائل إن الزبون على حق دائمًا: فالمؤسسة التعليمية تكون قد فعلت الشيء الصحيح إذا كان الطلاب راضين عنها، حتى لو كانوا قد تعلموا القليل جدًا.
لقد صار الطلاب يتعلمون أقل فأقل مع تراجع الصرامة في الأنظمة التعليمية، لكن تضخم الدرجات مشكلة خطيرة، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن التوجه التجاري الجديد في التعليم يقتضي أن يخرج المستهلكون راضين، عن المدرّس الفرد وعن المؤسسة كلها، ومن الأسهل بكثير، على المدى القصير على الأقل، تحقيق هذا الرضا بالدرجات المرتفعة لا بأعباء العمل الثقيلة والمهام الصعبة. وفي نظري، هذه محاولة لتطبيق الممارسات التجارية تطبيقًا مباشرًا على الأكاديمية، وهي ممارسات لا تصلح هناك إلا إذا كان كل ما يهم فعلًا هو زيادة أعداد الملتحقين. فالتحليل النفسي والتعليم لهما غايات أخرى غير مجرد إبقاء الزبائن راضين.
إذا اعتقدنا أن مبادئ الأعمال التجارية ينبغي اعتمادها في العلاج النفسي، فسيُنظر إلى المعالج على أنه يمارس عمله على النحو المناسب ما دام الزبون سعيدًا ويستمر في التوصية به لزبائن علاج محتملين آخرين. وفي هذا قدر من المنطق التجاري، لكنه إشكالي من منظور علاجي.
هناك عدد من المحللين يُعِدّون دراسات نتائج للتحليل النفسي وللعلاج النفسي ذي التوجه التحليلي النفسي في ألمانيا والولايات المتحدة وأماكن أخرى. وهم يفترضون ضمنًا: 1) أن العملية التحليلية النفسية، بما تنطوي عليه من تعقيد لا نهائي، يمكن اختزالها إلى مجموعة من المتغيرات التي يسهل شرحها وقياسها كمّيًا؛ و2) أن الناس يعرفون بوعي ما إذا كانوا قد استفادوا من عملية معينة أم لا. وهكذا يُستبعد اللاوعي منذ بناء هذه الدراسات نفسه، لأن معظم دراسات النتائج التي سمعت بها تقوم على إعطاء الناس استبيانًا أو إجراء مقابلة معهم حول ما يعتقدون أنه حدث في علاجهم. وقد يشير فرويد إلى أن تحولًا كبيرًا يحدث كثيرًا خلال الأسابيع أو الأشهر الأولى بعد انتهاء المرضى من العلاج التحليلي النفسي؛ إذ قد تستمر أعراضهم قليلًا ثم تنحل، وربما كان لهذا الأمر علاقة كبيرة بتصفية "عصاب النقل".
فمتى، إذن، ينبغي أن تُطبَّق استطلاعات النتائج أو تُجرى المقابلات؟ إذا فعلت ذلك في فترة محددة سلفًا أثناء استمرار العلاج، فقد تمسك بالناس وهم في خضم نقل سلبي، فيعطونك أجوبة سلبية جدًا، مع أن تلك المرحلة الوعرة ربما كانت خطوة ضرورية في الطريق إلى نتيجة ناجحة. ليس للاوعي زمن مخصوص. فقد يستغرق التحليل خمس سنوات لشخص، واثنتي عشرة سنة لآخر، ويكون كلاهما ناجحًا جدًا. لكن إذا أعطيتَ كلا المحلَّلين استبيانًا ليملآه بعد أربع سنوات بالضبط من بدء المسار، فقد تتلقى أجوبة مشوهة إلى حد بعيد. وبالمثل، فإن إعطاء الاستبيانات في نهاية الجلسة الأخيرة من التحليل قد يفضي إلى نتائج مختلفة جدًا عن إعطائها بعد ستة أشهر أو سنة من نهاية التحليل. ومن الطبيعي أنك ستحصل على نتائج مختلفة ممن يتركون التحليل بعد سنة أو سنتين بدافع الجبن، أو الفقر المزعوم، أو الإحباط، أو لأي عدد آخر من الأسباب، عما ستحصل عليه ممن يتركونه وهم يشعرون أنهم نالوا منه تقريبًا كل ما أرادوه.
هذه مجرد قلة من الأسباب التي تجعل حتى توقيت دراسات النتائج إشكاليًا. وأنا لم أتطرق أصلًا إلى نوعية الأسئلة المطروحة في هذه الدراسات، ولا إلى قدرتها، أو عجزها، عن التقاط ذلك التحول الذاتي الذي يستهدفه التحليل النفسي، وهو تحول يتجاوز كثيرًا "إزالة العرض".
لقد قاوم اللاكانيون إغراء الاستسلام ببساطة والامتثال للمطلب القاضي باختزال العملية التحليلية النفسية إلى مجموعة من المتغيرات القابلة للقياس الكمّي، والتي يمكن دراستها باستخدام معتقدات الناس الواعية حول سير العمل أو ما انتهى إليه.
هل يمكنك أن تتصور دراسة نتائج تستطيع أن تلتقط، على نحوٍ أكمل، تعقيد العملية التحليلية النفسية؟
كثير من اللاكانيين يؤيدون نوعًا أشد تعقيدًا بكثير من دراسات النتائج، ويطلقون عليه اسم "العبور" (the pass). ويقوم هذا على أن يصف محلَّلون يعتقدون أنهم أكملوا تحليلاتهم، وصفًا مفصلًا لما حدث لهم على امتداد تحليلاتهم، لمحلَّلين آخرين يقتربون هم أنفسهم من نهاية تحليلاتهم. ثم يقوم هؤلاء المحلَّلون الآخرون (المعروفون باسم passeurs) برفع ما سمعوه إلى لجنة، من غير ذكر أسماء أو معلومات تعريفية بالطبع، فتستطيع اللجنة أن تقيّم نوع العمل التحليلي الجاري في معهدهم ونوع النتائج التي يحققها. إنه نوع من حلقة التغذية الراجعة التي تمكّن المعاهد المحددة من مواجهة الفجوة المحتملة بين نظريتها في الممارسة التحليلية النفسية وبين ما تستطيع بالفعل إنجازه مع المرضى على الأريكة. وما يتعلمونه مما تحقّق عبر "العبور" يوجّه تنظيرهم المتواصل للعملية التحليلية، وهو ما يؤثر بدوره في ممارستهم اللاحقة.
ما الذي تظن أنه يقف وراء هذا التشديد المتزايد على مثل هذه الدراسات والمطالبة بها؟
إن كثيرًا من الطلب على دراسات النتائج في العلاج النفسي يصدر عن شركات التأمين، التي يهمها أساسًا صافي أرباحها. فشركات التأمين لا ترغب، في الغالب، إلا في دفع تكاليف علاج نفسي مرة واحدة أو مرتين في الأسبوع، وقليل جدًا من شركات التأمين الصحي يسدد جلسات أسبوعية حتى لمدة سنة كاملة. ومعظمها يوقف الدفع بعد عشر جلسات أو عشرين، إلا إذا منحتَ مريضك، طبعًا، تشخيصًا مدمرًا بصورة خاصة من تشخيصات DSM، فعندئذ قد يسمحون بثلاثين جلسة أخرى أو نحو ذلك. ولو سمحوا يومًا بمئتي جلسة لكان الأمر لا يكاد يُصدق. لكن حتى مئتي جلسة لا تعادل، تقريبًا، إلا السنة الأولى من التحليل.
وهذا يعني أن التحليل النفسي والتأمين يشبهان، إلى حد ما، الزيت والماء: لا يختلطان. وتأكيدًا لذلك، فإن شركات التأمين لا تعوّض للمحللين النفسيين بوصفهم كذلك، إلا إذا كانوا أيضًا أخصائيين نفسيين إكلينيكيين مرخَّصين أو أطباء نفسيين.
يكاد أي محلل يريد أن يرى المرضى ثلاث مرات أو أربعًا أو خمسًا في الأسبوع أن يكون مضطرًا إلى الاستغناء عن التأمين، ولعل ذلك أفضل في النهاية. فمن الجيد أن يبقى اللاكانيون وغيرهم من المحللين إلى حد ما خارج نظام الرعاية الصحية الراهن، منفصلين عن بعض مطالب الثقافة الأوسع. لقد عالجت كثيرًا من المرضى الذين كانوا، قبل أن يبدؤوا التحليل النفسي معي، قد جرّبوا كل أنواع العلاجات التي تغطيها شركات التأمين، ولم ينالوا منها إلا قليلًا من الراحة أو لم ينالوا شيئًا. فكثير من العلاجات المعاصرة المغطاة بالتأمين تتضمن نوعًا من المساندة اليدوية ومحاولة خفض القلق؛ ومع أن تلك العلاجات تزعم أنها تستهدف غايات ملموسة جدًا مثل تخفيف الأعراض، فإن المرضى يظلون تعساء على نحو عميق ويستمرون في المعاناة من الأعراض نفسها التي بدؤوا بها.
لعل هذا انتقال جيد إلى مناقشة ما الذي يقدمه التحليل النفسي اللاكاني للمرضى، إن لم يكن مجرد التخفيف من أعراضهم. فالواقع أن لاكان يتحدث عن "التماهي مع العرض"، وهي فكرة قد تبدو محيرة جدًا لكثير من المعالجين.
على الرغم من أن التحليل النفسي لا يستطيع أن يعد صراحة بالسعادة، فإنه يستطيع كثيرًا أن يعد بشيء ليس مناقضًا تمامًا وبالكامل للروح الأمريكية: يمكنه أن يعد بتخفيف بعض أشكال التعاسة. وأظن أن كل محلل سيوافق على أن تخفيف الأعراض يحدث في مجرى العلاج التحليلي النفسي، لكننا، نحن المحللين، لا نريد أن نَعِد بشيء شديد التحديد. فإذا جاءنا شخص يشكو من الشقيقة، فنحن لا نريد أن نقول إننا على يقين مطلق بأننا سنتمكن من إزالة كل نوبات الشقيقة. لقد طرح لاكان، في أواخر حياته، تصورًا مخالفًا للحدس عن الكيفية التي يمكن أن ينتهي بها التحليل الناجح، في بعض الحالات، بوصفه "تماهيًا مع العرض". ولو ذكرتَ ذلك في بداية العلاج، لهرب معظم المرضى في الاتجاه المعاكس. ومع ذلك، فثمة تحولات مهمة جدًا تقع في مسار التحليل، ومفهوم لاكان عن "التماهي مع العرض" لا يعني أن العرض يبقى بمنأى عن العملية التحليلية. بل إنه، في العادة، يتغير تغيرًا جذريًا.
عندما يسألني أحدهم شيئًا مثل: "ما الذي يمكنني أن أرجوه؟" في الجلسة الأولى أو الثانية، فإن جوابي يعتمد على ما كان قد شكا منه قبل أن يطرح هذا السؤال. فإذا كان، كما يحدث كثيرًا جدًا، قد شكا من علاقاته بالآخرين المهمين في حياته، فأنا أشعر بثقة تمكّنني من أن أعده بأنه يستطيع أن يرجو تغيرًا جديًا في علاقاته بالآخرين. وغالبًا ما يكون ذلك كافيًا، فالمرضى المحتملون نادرًا ما يطلبون نعيمًا كاملًا عندما يبدؤون العلاج.
ومع ما قد يكون للتخفيف السريع للأعراض من فائدة للمريض، فإنه قد يدفعه إلى ترك العلاج قبل الأوان، معرّضًا إياه لخطر أن يعود العرض بسرعة شديدة. فعندما تُزال الأعراض في فترة قصيرة جدًا، وهو ما يحدث أحيانًا حتى في التحليل النفسي، تكف تلك الأعراض عن تزويد المريض بالدافع الضروري للمضي أبعد. وغالبًا ما يكون من الضروري الذهاب أبعد، حتى لا يتعرض بعد سنة مثلًا لنوبات هلع جديدة، لأن شيئًا ما يكون قد عولج بصورة نهائية لا رجعة فيها.
وغالبًا ما يُنظر إلى تخفيف الأعراض على أنه المعيار الوحيد للنجاح العلاجي، ولا شك في أنه مهم للمريض. وأظن أنه يُتخذ على هذا النحو لأنه يُظن أنه الأسهل في القياس: تسأل المريض "هل صارت نوبات الهلع أقل منذ بدأ علاجك؟" فيجيب بنعم أو لا؛ وتسأله "هل صارت نوبات الهلع أقل شدة منذ بدأ علاجك؟" فيجيب بنعم أو لا. لاحظ أولًا أن الباحث يفترض هنا، كما في غيره، أن المريض كان يتتبع بالفعل تكرار نوبات الهلع وشدتها، وهو أمر نادر. لكن ما يغوي الباحثين هو الطبيعة الحاسمة، "النظيفة"، والثنائية للجواب: نعم أو لا. ومع ذلك، فقد يشعر المرضى أن علاجهم ساعدهم بطرق لا تُحصى، حتى وإن لم تخف نوبات الهلع عندهم، لا من حيث التكرار ولا من حيث الشدة. وهذا يعني أن كون السؤال ينتج جوابًا ثنائيًا واضحًا، نعم أو لا، لا يعني بالضرورة أنه يلتقط مجمل تجربة المريض. ولا يفعل ذلك أيضًا مجرد إضافة مزيد من الأسئلة التي تنتج أجوبة ثنائية واضحة على المنوال نفسه.
كثيرًا ما لاقى لاكان اللوم من محللين على جانبي الأطلسي لأنه يتجاهل الوجدانات والانفعالات في العملية الإكلينيكية. فما الدور، إن كان لها دور، الذي تؤديه الوجدانات في التحليل النفسي اللاكاني؟ وهل الوجدان مرتبط بمفهوم لاكان عن jouissance؟
لقد اتهم الناس لاكان بأنه لا يتحدث عن الوجدان، لكن الحقيقة أن معظم المحللين في فرنسا كانوا يتحدثون باستمرار عن الوجدان في زمنه، وكان هو يحاول أن يفعل شيئًا يوازن، في الواقع، هوسهم به. وأعتقد أن لاكان قد أسهم إسهامًا مهمًا حين تحدث عن jouissance والرضا، وهو أمر كان ولا يزال مهملًا إلى حد بعيد. أنا أشرف على عدد كبير من المحللين، والأخصائيين النفسيين، والأطباء النفسيين في عملهم الإكلينيكي، وإذا كان هناك شيء واحد لا يتلقون تدريبًا عليه، فهو النظر في الكيفية التي يستمتع بها المريض بالشيء نفسه الذي يشكو منه. فالشيء الذي يبدو للمحلَّل الذاتي أكثر ما يزعجه، وأكثر ما يؤلمه، هو نفسه الموضع الذي يكمن فيه الرضا، أي jouissance. وهذا ما يغفله، في خبرتي، معظم الأطباء الإكلينيكيين الذين يأخذون شكاوى المرضى على ظاهرها، بوصفها إحالات إلى انفعالات ينبغي التخلص منها.
وهذا يعيدنا إلى الفكرة المضللة عن تخفيف الأعراض. فإذا لم تدرك أن المرضى يشكون من الأشياء نفسها التي تمنحهم أعظم قدر من jouissance في الحياة، والتي هم أشد تعلقًا بها، وإن كان ذلك على نحو سري، فسوف تُغرى بتخفيف شكاواهم، وبذلك تحرمهم من الـ jouissance الوحيدة التي يعرفون حاليًا كيف يحصلون عليها في حياتهم. وهذا مسار خطير، لكنه يُسلك كل يوم على أيدي أطباء يصفون أدوية يُزعم أنها صممت لتهدئة القلق وتخفيف الاكتئاب، وما إلى ذلك.
إن أسباب الاكتئاب متعددة جدًا، ويصعب القول إن اكتئابًا واحدًا يشبه آخر في سببيته النفسية. فالناس ينشغلون بالنظر إلى أعراض بعينها مثل فقدان الشهية أو النهام، أو ينشغلون بالحزن، أو بالمالنخوليا. وهذا يميل إلى أن يجعلنا نظن أننا نستطيع أن نجمع المرضى في فئات إكلينيكية على أساس سلوك رئيسي أو وجدان ظاهر لديهم، وهو إغواء لا يساعدنا حقًا على اكتشاف مناهج علاج أفضل.
إن انتشار الاكتئاب في عصرنا قد يكون نتيجة تطورات في ثقافتنا. غير أن ازدياد تشخيص الناس بالاكتئاب قد يعكس أيضًا، أو بدلًا من ذلك، حقيقة بسيطة هي أن شركات الأدوية قد ركبت مزيدًا فأكثر من مضادات الاكتئاب، وحين يكون لديك "علاج" فلا بد أن تجد له "مرضًا" يمكن أن يعالَج به. وهذه مشكلة معروفة على نطاق واسع وموثقة جيدًا في الثقافة الأمريكية الحديثة، حيث يُسمح لشركات الأدوية بتسويق بضائعها مباشرة للمستهلكين (راجع Whitaker, 2010).
إذا اقتنع الأطباء، بفعل مندوبي شركات الأدوية، بأنهم يستطيعون علاج الاكتئاب بحبة دواء، فسيكونون أميل إلى وسم المرضى بالاكتئاب بدلًا من وصفهم بأنهم منقسمون بالكامل داخل أنفسهم، مثلًا، بين الحب والكراهية اللذين يشعرون بهما تجاه الوالد نفسه. ويبدو أن مثل هذا الصراع هو بوضوح شديد سبب "الاكتئاب" عند أحد محلَّليَّ الذوات، الذي أعطي مضادات اكتئاب لعقود، مع أنها لم تمنحه إلا قدرًا ضئيلًا جدًا من الراحة وكان لها أثر خطير في ليبدوِه. لكن شركات الأدوية لا تملك حبةً من أجل "الصراع داخل-النفسي"، ولذا فليس مرجحًا أن يُغرى الأطباء بإدراجه تشخيصًا، حتى لو استطاعوا إدخاله في DSM-V.
أرى كثيرًا من المرضى يأتون إليّ بعد أن شُخِّصوا بالاكتئاب ووُضعوا على نصف دزينة من الأدوية المختلفة. وهم غالبًا ما يتوقفون عن معظم هذه الأدوية بسرعة كبيرة ومن غير أي تدخل مني. ويبدأ الاكتئاب في الانقشاع خلال وقت قصير نسبيًا، ويتضح أن الاكتئاب أثر لصراعات عصابية قديمة العهد. إن ما ينبغي أن يركز عليه العلاج هو الصراعات العصابية، لا الوجدان، الذي قد يكون أحيانًا غطاءً أو ستار دخان تختفي خلفه الصراعات عن النظر. الوجدان أثر لا سبب. وهذا ما يميل إلى أن يَلتبس حين يركز الناس بشدة على الوجدان.(1)
لقد تبع لاكان فرويد في فهمه القلق بوصفه أهم الوجدانات بالنسبة إلى التحليل النفسي. وبينما يهدف معظم المعالجين إلى خفض القلق بأسرع ما يمكن، اقترح لاكان أن يستخدم المحلل القلق "بجرعات صغيرة" من أجل دفع التغير الذاتي عند المريض. كيف تتصور القلق أداة علاجية في العملية التحليلية؟
القلق هو العملة الكونية للوجدان: يمكن تحويل jouissance إليه، وكذلك الألم، والذنب، والحزن. وعندما يظهر القلق، قد لا تعرف بالضرورة معناه، لكنك تعرف أن شيئًا مهمًا يجري، وأن نوعًا من الـ jouissance حاضر في الموقف.
وقد أخبرني عدد من المحللين الذين أعمل معهم، ممن تلقوا تعليمهم في الولايات المتحدة، أنهم يُقال لهم في تدريبهم: إذا جعلتم المريض قلقًا فأنتم تفعلون شيئًا خاطئًا. والغاية من العلاج، كما يتعلمونها، هي أن يفضي إلى أقل قدر ممكن من القلق. وعلى الرغم من أن المحللين الأمريكيين يتحدثون باستمرار عن الوجدان، وغالبًا عن وجدانهم هم، فإن منهجهم العلاجي يبدو مصممًا لتقليل ظهوره إلى الحد الأدنى، على الأقل في أكثر صوره كونية.
يلعب القلق دورًا في العمل الإكلينيكي من حيث إن ظهوره يشير إلى الإكلينيكي بأنه يقترب من شيء ما، وأن التأويل يمكن أن يكون له في تلك اللحظة أثر بالغ الأهمية فعلًا. إنه يدل على شيء يخص object a، أي إنه يعمل في تلك النقطة، وأن هناك انشغالًا بالفقد، وسؤالًا عن الخصاء. إن علاجًا لا يظهر فيه القلق يكاد يكون غير قابل للتصور؛ فإذا لم تُثر قط أي قلق في مرضاك، فالأغلب أنك لن تصل إلى شيء.
كان فرويد يعتقد في البداية أن المرضى يستطيعون، في الظروف المناسبة، أن يتذكروا كل ما يلزم لفك جميع صراعاتهم العصابية؛ وكان يشعر أنهم يستطيعون، عبر علاقة النقل بالمحلل، أن يتذكروا كل ما كبتوه يومًا، وأن يتكلموا به في النهاية كله. لكن كلما طال عمله مع المرضى أدرك أكثر أن هناك عاملًا كمّيًا، ليبيديًا، ينبغي أخذه في الحسبان أيضًا، وقد صاغ لاكان له مصطلحات مختلفة مثل object a وjouissance. فثمة عوائق معينة تحول دون تذكر المرء لماضيه ودون قدرته على صياغة ما كُبت. ويظهر القلق دائمًا في اللحظة التي يكون فيها شيء مكبوت حاضرًا: إما أن المكبوت على وشك أن يظهر على نحو ما، أو أنه في صلب الفعل، يُلامس على نحو ما.
وشعوري إزاء الحقل التحليلي النفسي المعاصر في الولايات المتحدة هو أنه، كما قال Russell Jacoby في منتصف سبعينيات القرن العشرين، قد نُسي فيه اللاوعي. هناك نوع من فقدان الذاكرة الاجتماعي يعمل هنا: كثير من أهم بصائر فرويد الأولى حول المكبوت أُلقي بها من النافذة. وكثير من الإكلينيكيين الذين تحدثت إليهم يبدون كأنهم لا يعرفون أصلًا ما الذي أعنيه حين أتكلم عن المكبوت.
يضع المحللون النفسيون والمعالجون البريطانيون والأمريكيون، ولا سيما القادمين من خلفية علاقات الموضوع، تشديدًا خاصًا على دور الخبرات الطفولية السابقة لأوديب والمتعلقة بالأم. أما لاكان، مقتفيًا أثر فرويد، فقد شدد بالأحرى على الآثار التي تترتب على فقدان الفرد لتلك الخبرة الأمومية من أجل بلوغ هوية رمزية منفصلة. هل يمكنك أن توضح نقد لاكان للمبالغة في التركيز على الأمومة؟
يبدو أن كثيرًا من التحليل النفسي المعاصر منخرط في محاولة لإصلاح الفقد الأساسي الذي لا بد لنا جميعًا من أن نخضع له: الفقد الناشئ عن انفصالنا عن أمهاتنا ونحن ننمو. فبدلًا من قبول أن مثل هذا الفقد ضروري، وهو ما يعرفه المحللون الفرويديون باسم "الخصاء"، ومساعدة المرضى على تجاوز هذا الفقد، أو تخطيه، أو مصارعته، نقل كثير من المحللين المسألة إلى مشكلة مختلفة تمامًا: أمهاتنا كن غير كافيات، وعلى المحلل أن يخدم المرضى بوصفه "أمًا جيدة بما فيه الكفاية" تأتي متأخرة. وبذلك لا تعود المشكلة هي كيفية مصارعة الخصاء، بل كيف نعوّض المريض عن فقد كان ضروريًا.
هذا يبدو لي ضربًا من الخيال المستحيل، ويقود إلى نوع من العلاج يتمحور كله حول الأمومة ومحاولة إعادة تربية الطفل. وربما يقود حتى إلى تحليل لا ينتهي، لأنه إذا صار المحلل أمك الجديدة، ولم تكن هناك محاولة لدفعك إلى مصارعة الفقد، فلماذا تريد أصلًا أن تتوقف عن رؤية المحلل؟ إن التركيز في التحليل النفسي اللاكاني على object a وعلى الفانتازم الأساسي يتعلق بإعادة تشكيل علاقة الذات بالفقد. إنه يركز العلاج على سؤال آخر: "حسنًا، لقد أُجبرتُ طفلًا على التخلي عن أشياء كثيرة، ولا أشعر بأنني عُوِّضت عنها على نحو كاف؛ فكيف أتجاوز ذلك من غير أن أظل الآن أتلقى تعويضًا لا نهاية له؟"
لقد انتهى لاكان إلى فهم نهاية التحليل أيضًا بوصفها متعلقة بالدوافع، وهو ما يبدو كأنه يعني أن المريض يسمح بإشباعات اندفاعية، جزئية، ومؤقتة، بدلًا من أن يعلق في الفانتازات والتكهنات حول ما يريده الآخرون منه أو منها. لكن ألا يقود هذا موضوع الدوافع إلى شخص لا اجتماعي ومتهور، لا يبالي بالآخرين؟ أليست هناك أسئلة أخلاقية هنا؟
يعتقد لاكان أننا نستطيع أن نؤثر تأثيرًا عميقًا في دوافع العصابي، أي أن التحليل يمنح الدوافع نوعًا من الحرية. وهذا التصور يوحي بأن القيود المفروضة على دوافع العصابي تكون، في الحالة المثالية، أقل بكثير، وكذلك تثبيط هذه الدوافع، عند النهاية المنطقية للتحليل. ولذلك كان لاكان يؤمن، منذ الستينيات بالفعل، بأن الذات يمكن أن تكون لها في نهاية تحليلها علاقة مختلفة بـ jouissance.
وهذا بالتأكيد شيء مختلف عن Looking Out for Number One، إن كنتَ تعرف ذلك الكتاب من سبعينيات القرن العشرين. فالأمر لا يتعلق بتعلم الأنانية وتجاهل الآخرين. الفكرة هي أن معظمنا مشدود على نحو مفرط إلى ما نظن أن الآخرين يريدونه، وما نظن أنهم يريدونه منا، حتى نصير مثبطين جدًا، ونادرًا ما نقول ما نريده وكيف نشعر.
حين يتحدث لاكان عن سعي أكثر حرية للدوافع في نهاية التحليل، فهو يتحدث عن العصابيين، لا عن السيكوباثيين الذين يخرجون مسدساتهم حين يغضبون ويطلقون النار على الناس. إنه يتحدث عن عصابيين يجدون صعوبة شديدة في التعبير عن الشهوة أو الكراهية للآخرين، وفي الإقرار برغباتهم الخاصة وامتلاكها. لاكان لا يطرح ذاتًا عديمة المسؤولية تمامًا في نهاية التحليل، بل ذاتًا تكون قد شقت طريقها، بطريقة ما، إلى ما بعد الآخر. فالانفصال عن مثل الآخر، وقيمه، ورغباته، ومطالبه، لا يعني أن الذات تبدأ في التفكير في مصالحها وحدها وتدوس الجميع، بل يعني أنها تبدأ في إقامة علاقة مختلفة بالأعراف الاجتماعية وبالمبادئ الأخلاقية التي فُرضت عليها في أثناء تنشئتها، وهي مبادئ قبلتها أو لم تقبلها بطرق معينة، أو قبلتها جزئيًا فقط. إنها، أخيرًا، تصارعها وتصير بعض هذه المبادئ لها هي، بدلًا من أن تراها دائمًا مفروضة من الخارج، مفروضة من آخرين.
يبدو أن هذا يردّد تعريف لاكان للحب بوصفه ما يسمح للرغبة والدوافع بأن يتعايشا. فهل ترتبط نهاية التحليل بالحب؟
أنت تشير بلا شك إلى تعليقه في الندوة العاشرة عن القلق (Lacan, 2004, p. 209) بأن "الحب وحده هو الذي يسمح للـ jouissance بأن تنحدر إلى مستوى الرغبة." لا أظن أن لاكان قد صاغ النهاية المنطقية للتحليل بمصطلحات الحب، لكن هذا قد يكون مسارًا مثمرًا للبحث.
هذه المقابلة، التي جرت في صيف 2008، ظهرت تحت عنوان "Lacan in the United States: An Interview with Bruce Fink" في Contemporary Psychoanalysis, 47(4) (2011), 549–57.
ملاحظة
1 انظر كتاب Colette Soler الصادر حديثًا (2011) بعنوان Les affects lacaniens.
16
بضع كلمات مع محرري MonoKL
ماذا تعني "العودة إلى فرويد" في سياق الخطاب اللاكاني؟ وما أوجه الشبه والاختلاف بين فرويد ولاكان؟
إن عودة لاكان إلى فرويد تعني أشياء كثيرة جدًا، لكن معناها الأول، وربما الأهم، هو العودة إلى الاهتمام بالـ unconscious كما يُستكشف من خلال language. ففي زمن لاكان نفسه، كانت relationship بين المحلل والمحلَّل الذاتي قد بدأت تحتل الأسبقية، في نظر كثير من الإكلينيكيين، على استقصاء اللاوعي. وقد مضى هذا الاتجاه بعيدًا إلى حد أن بعض المحللين اليوم يصرحون بأن "العلاقة هي كل شيء"، وأن مضمون التحليل أمر تافه قياسًا إليها. ففي نظرهم، لا يهم ما الذي يقوله المحلَّل الذاتي، ولا ما الذي يرد به المحلل، ما دام بينهما "تحالف علاجي" داعم. وقد اقترنت هذه القطيعة مع فرويد بالاقتناع بأن الوجدان هو الكأس المقدسة: أي إن كل تجلٍّ للوجدان أثناء الجلسة دليل على أن التحليل يسير في الاتجاه الصحيح. وكل من فرويد ولاكان يشكان، بحق، في صدق الوجدان، لأن الوجدان قد يكذب حتى وهو يشير إلى jouissance.
هناك أوجه شبه واختلاف أكثر مما يمكن عده بين فرويد ولاكان بحيث يتعذر أن أجيب عن سؤالكما هنا بتفصيل. لكن من الواضح أن فرويد ولاكان دافعا كلاهما دفاعًا صلبًا عن ضرورة أن يذهب التحليل أبعد بكثير من خدش السطح إذا أريد له أن يبلغ العرض وأن يعيد تشكيل الفانتازم الأساسي للمحلَّل الذاتي. أما غالبية المقاربات التحليلية النفسية المعاصرة الأخرى، فيبدو أنها تكتفي بالبقاء على السطح، بمعنى أنها تكتفي بالعمل على ما يتحدث عنه المحلَّل الذاتي تلقائيًا بدل أن تقوده إلى الحديث عما يكره الخوض فيه أشد الكره.
ما الروابط التي تجمع التحليل النفسي اللاكاني بغيره من المقاربات التحليلية النفسية التالية لفرويد، مثل علاقات الموضوع وعلم نفس الأنا؟
تقريبًا لا شيء. فمقاربات علاقات الموضوع وعلم نفس الأنا تعمل، وفق المصطلحات اللاكانية، كلهـا تقريبًا على المستوى imaginary، في حين يقتضي لاكان منا أن نعمل على المستويين symbolic وreal. ولاحظ أيضًا أن الأشكال المعاصرة من علاقات الموضوع وعلم نفس الأنا نادرًا ما تميز بين العصاب والذهان، بل تستخدم التقنيات نفسها تمامًا في كل المجموعات التشخيصية تقريبًا ("التأويل العميق"، والاحتواء، وما إلى ذلك)، بينما طور اللاكانيون مقاربات مختلفة جدًا في علاج العصاب والذهان، حتى لو صار التمييز بين الفئتين التشخيصيتين يُفهم اليوم على أنه أكثر تعقيدًا مما كان عليه في عمل لاكان في ستينيات القرن العشرين.
في The Lacanian Subject: Between Language and Jouissance، تقول إن على المحلَّلين الذوات أن يتصالحوا مع رغبة الآخر وأن يتحملوا السبب، object a، على عاتقهم، لكي يتمكنوا من تصيير سبب وجودهم ذاتيًا وأن يصبحوا ذوات قدرهم هم. ما دور المحلل هنا في مساعدة المحلَّل الذاتي على الانتقال من الشكوى القائلة: "لقد حدثت لي كل هذه الأشياء الفظيعة"، إلى قول: "لقد سمعت، لقد رأيت..."؟
على المحلل أن يبقي عينه دائمًا على الموضع الذاتي للمحلَّل الذاتي، وهذا يعني، على الأقل جزئيًا، فكّ إحداثيات الموضع الذي يواصل المحلَّل الذاتي وضع نفسه فيه، وما الذي يجنيه منه على مستوى jouissance. فبدل أن ينظر المحلل إلى حلم المحلَّل الذاتي بوصفه قصة طريفة لا تتعلق حقًا بالذات، ينبغي له أن يركز على ما يبدو مرغوبًا في الحلم وما الذي يجري التمتع به في الحلم. ينبغي تشجيع المحلَّل الذاتي على أن يأتي إلى الوجود بوصفه ذات الرغبات والـ jouissance في الحلم. وما دام المحلل يُبقي التركيز على الرغبات اللاواعية وعلى jouissance التي يفضّل المحلَّل الذاتي ألا يعرف شيئًا عنها، فإن التذويت سيقع في النهاية. أما إذا أهمل المحلل الرغبة اللاواعية وأهمل jouissance، فلن يواجَه المحلَّل الذاتي أبدًا بما ينبغي أن يصيّره ذاتيًا.
لقد ترجمت مؤخرًا Écrits كاملًا إلى الإنجليزية. وبفضل ترجمتك وكتبك، ولا سيما تلك التي تتناول التطبيقات الإكلينيكية للنظرية اللاكانية، يتزايد الاهتمام بالتحليل النفسي اللاكاني في أمريكا. ومع ذلك، لا توجد إلا قلة من الجامعات أو معاهد التدريب التي تدرّس المقاربات الإكلينيكية اللاكانية. لماذا هذا الضعف في الاهتمام بالتحليل النفسي اللاكاني في الحقول الإكلينيكية لعلم النفس؟
لاكان كاتب بالغ الصعوبة، وقد جعلت الترجمات الإنجليزية المبكرة لعمله كتاباته أشد غموضًا، لما كانت حافلة به من أخطاء ومن تعبيرات فرنسية منقولة كما هي. ومع أن الإكلينيكيين في أمريكا نادرًا ما يتدربون على النصوص الفلسفية والأدبية التي تشكل جزءًا كبيرًا من الخلفية التي يقوم عليها عمل لاكان، فإن عددًا أكبر منهم صار اليوم مستعدًا وقادرًا على مصارعة عمل لاكان بفضل نصوص تمهيدية أفضل وترجمات أيسر تناولًا. وكثير من الإكلينيكيين صاروا أيضًا، في خبرتي، أكثر دافعًا إلى التعمق في عمل لاكان لأنهم بلغوا درجة عالية من الإحباط من النتائج الضعيفة التي يحصلون عليها مع مرضاهم عندما يستخدمون التقنيات التي تدربوا على استعمالها.
من الصعب أن نعرف هل من الخير أم من الشر ألا يُدرّس لاكان في كثير من البرامج الجامعية؛ ولعل الأمر ليس سيئًا إلى هذا الحد، أن يبقى لاكان بديلًا يمكن للإكلينيكيين المدربين على مقاربات أخرى أن يعودوا إليه حين يصادفون حدود تدريبهم الخاص...
وقد جرت هذه "المقابلة" الموجزة عبر تبادل رسائل إلكترونية مع محرري العدد الخاص الضخم عن لاكان (Lacan Özel Sayisi) المنشور بالتركية في MonoKL, 6–7(2009), 740–41.
17
العنف في التحليل النفسي
موضوع هذه الندوة هو العنف، وحين تأملتُ ما الذي يمكنني أن أقدمه، من موقعي بوصفـي إكلينيكيًا، وجدتُ نفسي أفكر في عدد من الأمور.
أولًا، هناك مسألة العنف في السياق العلاجي؛ فالإكلينيكي كثيرًا ما يضطر إلى التعامل مع آثار العنف داخل الأسرة وخارجها، سواء أكان جسديًا أم عاطفيًا، وفي بعض الحالات يمكن للعنف في التاريخ العائلي للشخص أن يجعل مجمل العلاج يُعاش من جانب المحلَّل بوصفه تكرارًا لذلك العنف. وفضلاً عن ذلك، إذا لم يجد المحلَّل العنف في العلاج بسهولة، أو ذلك النوع من العنف الذي يألفه، فقد يسعى إليه ويستفز المحلل كي يفعله.
وهذا يبرز حقيقة أوسع: إن خبرة رغبة الآخر وjouissance الآخر يمكن، في الغالب، أن تُفهم بوصفها خبرة عنيفة، مقلقة، منفرة، ومع ذلك آسرة. وبقدر ما تُحرَّك رغبة الآخر في التحليل، وبقدر ما تُستثار في النقل رغبات من حول المحلَّل الذاتي ممن صاروا يمثلون الآخر لديه أو لديها، وهم عادة الوالدان وغيرهما من الأقارب المقربين، فإن العنف الكامن في رغبة الآخر يكون جزءًا لا يتجزأ من التحليل. ويُحَسّ المحلل، في الحضور المباشر الملموس للغاية هنا والآن في الوضع التحليلي، بأنه يريد من المحلَّل الأشياء نفسها التي كان الآخر الوالدي يريدها، وأنه يحصل على المتعة المقيتة نفسها من إخضاع المحلَّل لإرادته كما كان يفعل الوالدان. ومن ثم فإن العنف الكامن في jouissance الآخر هو أيضًا جزء لا يتجزأ من التحليل.
لقد قال لي محلَّل كنت أعمل معه منذ شهرين بالكاد إنني أبدو له كاهنًا وعاهرةً في آن واحد: فهو كان يتوقع، بل ويقتضي، أن أعترف له بكل خطاياه وخيالاته الفاحشة، ولكنني، على خلاف الكاهن الذي لا يفعل سوى أن يصغي إلى مثل هذه الأمور بوصفها جزءًا من عمله، كنت أتقاضى الأجر وفي الوقت نفسه "أستمتع" بمرضه. كنت أستفيد من سقمه، تمامًا كما كانت أمه تفعل، كما اتضح. وحتى لا يُظن أن هذا لم يكن سوى "لحظة نقلية بسيطة"، أضيف أن خبرة هذا المحلَّل بي، بوصفـي كاهنًا وعاهرةً معًا، كانت من الشدة بحيث دفعته إلى أن يترك التحليل وهو لم يكد يبدأه؛ تلك كانت عنف اشمئزازه حين واجه ما اعتقد أنه jouissance الخاص بي. ("عاهرة حقيقية"، قال، "كانت ستكون أرخص وأفضل.")
وأود أيضًا أن أذكر الطريقة التي يُدخل بها التحليل نفسه نوعًا معينًا من العنف. فكما يقول فرويد (1963a, p. 463)، مستخدمًا استعارة جراحية: "إذا لم يقطع السكين، فلا يمكن استعماله للشفاء أيضًا"؛ وبعض التقنيات التحليلية، مثل جلسات التقطيع، تقطع فعلًا. فالتقطيع، حين يُستعمل في سياق الجلسة متغيرة الطول، يشكل قطعًا زمنيًا أو وقفة، وانقطاعًا في كلام المحلَّل، وتمزقًا في عملية صناعة المعنى المقصود، أي في النقطة التي كان المحلَّل يحاول أن يبرهن عليها، والتي قد يجعلها المحلل تبدو غير ذات صلة بتدخله، وكذلك اضطرابًا في استمرارية حضور المحلل.
والتأويل، هو الآخر، قد يخلّف آثارًا مقلقة ومزعزعة، فيربك مسار التفكير، أو طريقة كاملة في رؤية علاقات المرء بالآخرين، أو فهمًا معينًا لسبب تصرفه في حياته على النحو الذي تصرف به. ويختبر بعض المحلَّلين حتى أكثر التأويلات استعدادًا بوصفها لكمة في البطن، أي بوصفها ذات أثر جسدي فيهم. وغالبًا ما يُعلَّم المحللون تجنب التأويل الجامح، أي ذلك النوع من التأويلات الفورية التي يميل بعض المعالجين النفسيين والأطباء النفسيين إلى إطلاقها بعد الحديث مع المريض خمس عشرة دقيقة فحسب. غير أنني تحدثت مع عدد كافٍ من الناس لأعلم أن بعض "المحللين" أيضًا يلجأون إلى التأويلات الفورية الجامحة، من غير اكتراث يذكر بما قد تخلّفه من عواقب. نظريًا، لا ينبغي أن تُطرح التأويلات التي يُحتمل أن تكون مقلقة إلا بعد أن تنشأ الثقة بين المحلل والمحلَّل، بحيث يمكن العمل على أثر التأويل واستيعابه. كما تعلمنا النظرية أن نخفف ما قد يكون في التأويل من عنف عبر تمهيد الأرض له، وألا نلقيه إلا عندما يكون المحلَّل على وشك أن يصوغه بنفسه، أو لا يفصله عنه إلا خطوة قصيرة. وتعلمنا النظرية أيضًا أن نترك المحلَّل هو من يقوم بالتأويل، متى كان ذلك ممكنًا. ومع ذلك، فإن كثيرًا من الإكلينيكيين يتجاهلون هذه المبادئ الأولية.
ومن ثم يتضح أن العنف متأصل في العمل التحليلي نفسه، سواء أكان العنف في حياة الناس الذي يدفعهم إلى العلاج أم العنف الذي يبدو ملازمًا على نحو لا ينفصم لعملية العلاج نفسها، وهي عملية لا يمكن التخفيف من حدتها بالكامل.
ثم هناك موضوع آخر فكرت في تناوله هنا، ويتعلق بالعنف الذي وقع على نظرية فرويد وممارسته على أيدي أجيال لاحقة من المحللين والمعالجين النفسيين. فقد أمضى لاكان سنوات وهو ينتقد الطرق المتعددة التي، باسم التقدم المزعوم على فرويد، عاد بها المحللون، عن جهل، إلى مواقف ما قبل فرويد.
فبينما انتقلت ممارسة فرويد من التلقين إلى النقل، أي من العلاج التنويمي القائم على التلقين إلى شكل من العلاج يُقلَّل فيه التلقين الخالص إلى الحد الأدنى، عاد المحللون بعد فرويد إلى التلقين بأعداد كبيرة. فالتقنيات التحليلية التي تُروِّج لتماهي المحلَّل مع المحلل، وتختزل "الرغبات غير العقلانية" لدى المحلَّل إلى "عقلانية" مطالب "العالم الواقعي" الذي يمثله المحلل، تنطوي كلها، بحسب لاكان، على اختزال النقل إلى تلقين.
وفي حين انتقل فرويد في تسعينيات القرن التاسع عشر من التركيز على "سياق العالم الواقعي" المفترض للمريض - ولنتذكر أن فرويد كان يستجوب أفراد أسرة المريض ليتحقق من صدقية بعض أقواله ويثبت تواريخ الأحداث - إلى التركيز على الواقع النفسي للمريض، عاد المحللون المعاصرون إلى الاعتقاد الساذج بأنهم هم أنفسهم يرون الواقع بوضوح أكبر من مرضاهم، وأن من واجبهم أن يعلِّموا هؤلاء النفوس المسكينة الضالة أن ترى الأشياء كما يراها محللوها. وبعبارة أخرى، فقد وقع، مرة أخرى، تحول في التفكير التحليلي الحديث عودةً إلى موقف ما قبل فرويد تُهمَّش فيه الحقيقة النفسية، ويُؤخذ "العالم الواقعي" بوصفه أمرًا معروفًا بيسر وشفافًا، على الأقل بالنسبة إلى المحلل.
وهذه الحجج ليست متقادمة بأي حال، وإن تغيرت الشخصيات الرئيسية. فنحن نرى، في كل مكان في الولايات المتحدة، "العلاج بالواقع"، و"العلاج المعرفي السلوكي" الذي يسعى إلى تصحيح معتقدات المريض غير العقلانية، و"البرمجة اللغوية العصبية" التي تسعى إلى تصحيح أفكار المريض غير الدقيقة. الواقع ليس عقلانيًا، بحسب هؤلاء المعالجين الجدد؛ وبعبارة أخرى، فإن معتقدات المريض لا معنى لها، وهي ليست موجودة لسبب وجيه، بل هي ببساطة غير دقيقة، غير عقلانية، وتحتاج إلى التغيير. ولا يُؤخذ عالم المريض بعين الاعتبار بوصفه متضمنًا رغبات وخيالات؛ فكل هذا لا يُحسب، لأنه كله غير عقلاني. وما هو واقعي هو الأفكار، ولديك إما الأفكار الصحيحة أو الخاطئة! وإذا كان بعضكم يشك في أن مثل هذه الرؤى الساذجة يمكن أن تكون وراء الأشكال المعاصرة من العلاج النفسي، فسيسرّني أن أريكم سلسلة من التسجيلات لجلسات علاج معرفي سلوكي جمعها أحد زملائي.
ومع ذلك، لا أستطيع أن أتوقع من مثل هذه المسائل الإكلينيكية الصارمة أن تكون ذات صلة كبيرة بعملكم في الإنسانيات هنا. ولذلك سأناقش اليوم بدلًا من ذلك شيئًا ربما يكون أقرب إلى قلوبكم: ترجمة النظرية.
يمكن العثور على بقية هذه المحاضرة - التي ألقيت تحت عنوان "سياسة الترجمة" في المعهد الدولي بجامعة ميشيغان في آن آربر في ديسمبر 1998، بدعوة من سلافوي جيجيك - في "Lacan in 'Translation'" في Journal for Lacanian Studies, 2(2) (2004), 264–81.
1 انظر كتاب كوليت سولير الصادر حديثًا (2011) بعنوان Les affects lacaniens.
16
بضع كلمات مع محرري MonoKL
ماذا تعني "العودة إلى فرويد" في سياق الخطاب اللاكاني؟ وما أوجه الشبه والاختلاف بين فرويد ولاكان؟
إن عودة لاكان إلى فرويد تعني أشياء كثيرة جدًا، لكن معناها الأول، وربما الأهم، هو العودة إلى الاهتمام بالـ unconscious كما يُستكشف من خلال language. ففي زمن لاكان نفسه، كانت relationship بين المحلل والمحلَّل الذاتي قد بدأت تحتل الأسبقية، في نظر كثير من الإكلينيكيين، على استقصاء اللاوعي. وقد مضى هذا الاتجاه بعيدًا إلى حد أن بعض المحللين اليوم يصرحون بأن "العلاقة هي كل شيء"، وأن مضمون التحليل أمر تافه قياسًا إليها. ففي نظرهم، لا يهم ما الذي يقوله المحلَّل الذاتي، ولا ما الذي يرد به المحلل، ما دام بينهما "تحالف علاجي" داعم. وقد اقترنت هذه القطيعة مع فرويد بالاقتناع بأن الوجدان هو الكأس المقدسة: أي إن كل تجلٍّ للوجدان أثناء الجلسة دليل على أن التحليل يسير في الاتجاه الصحيح. وكل من فرويد ولاكان يشكان، بحق، في صدق الوجدان، لأن الوجدان قد يكذب حتى وهو يشير إلى jouissance.
هناك أوجه شبه واختلاف أكثر مما يمكن عده بين فرويد ولاكان بحيث يتعذر أن أجيب عن سؤالكما هنا بتفصيل. لكن من الواضح أن فرويد ولاكان دافعا كلاهما دفاعًا صلبًا عن ضرورة أن يذهب التحليل أبعد بكثير من خدش السطح إذا أريد له أن يبلغ العرض وأن يعيد تشكيل الفانتازم الأساسي للمحلَّل الذاتي. أما غالبية المقاربات التحليلية النفسية المعاصرة الأخرى، فيبدو أنها تكتفي بالبقاء على السطح، بمعنى أنها تكتفي بالعمل على ما يتحدث عنه المحلَّل الذاتي تلقائيًا بدل أن تقوده إلى الحديث عما يكره الخوض فيه أشد الكره.
ما الروابط التي تجمع التحليل النفسي اللاكاني بغيره من المقاربات التحليلية النفسية التالية لفرويد، مثل علاقات الموضوع وعلم نفس الأنا؟
تقريبًا لا شيء. فمقاربات علاقات الموضوع وعلم نفس الأنا تعمل، وفق المصطلحات اللاكانية، كلها تقريبًا على المستوى imaginary، في حين يقتضي لاكان منا أن نعمل على المستويين symbolic وreal. ولاحظ أيضًا أن الأشكال المعاصرة من علاقات الموضوع وعلم نفس الأنا نادرًا ما تميز بين العصاب والذهان، بل تستخدم التقنيات نفسها تمامًا في كل المجموعات التشخيصية تقريبًا ("التأويل العميق"، والاحتواء، وما إلى ذلك)، بينما طور اللاكانيون مقاربات مختلفة جدًا في علاج العصاب والذهان، حتى لو صار التمييز بين الفئتين التشخيصيتين يُفهم اليوم على أنه أكثر تعقيدًا مما كان عليه في عمل لاكان في ستينيات القرن العشرين.
في The Lacanian Subject: Between Language and Jouissance، تقول إن على المحلَّلين الذوات أن يتصالحوا مع رغبة الآخر وأن يتحملوا السبب، object a، على عاتقهم، لكي يتمكنوا من تصيير سبب وجودهم ذاتيًا وأن يصبحوا ذوات قدرهم هم. ما دور المحلل هنا في مساعدة المحلَّل الذاتي على الانتقال من الشكوى القائلة: "لقد حدثت لي كل هذه الأشياء الفظيعة"، إلى قول: "لقد سمعت، لقد رأيت..."؟
على المحلل أن يبقي عينه دائمًا على الموضع الذاتي للمحلَّل الذاتي، وهذا يعني، على الأقل جزئيًا، فكّ إحداثيات الموضع الذي يواصل المحلَّل الذاتي وضع نفسه فيه، وما الذي يجنيه منه على مستوى jouissance. فبدل أن ينظر المحلل إلى حلم المحلَّل الذاتي بوصفه قصة طريفة لا تتعلق حقًا بالذات، ينبغي له أن يركز على ما يبدو مرغوبًا في الحلم وما الذي يجري التمتع به في الحلم. ينبغي تشجيع المحلَّل الذاتي على أن يأتي إلى الوجود بوصفه ذات الرغبات والـ jouissance في الحلم. وما دام المحلل يُبقي التركيز على الرغبات اللاواعية وعلى jouissance التي يفضّل المحلَّل الذاتي ألا يعرف شيئًا عنها، فإن التذويت سيقع في النهاية. أما إذا أهمل المحلل الرغبة اللاواعية وأهمل jouissance، فلن يواجَه المحلَّل الذاتي أبدًا بما ينبغي أن يصيّره ذاتيًا.
لقد ترجمت مؤخرًا Écrits كاملًا إلى الإنجليزية. وبفضل ترجمتك وكتبك، ولا سيما تلك التي تتناول التطبيقات الإكلينيكية للنظرية اللاكانية، يتزايد الاهتمام بالتحليل النفسي اللاكاني في أمريكا. ومع ذلك، لا توجد إلا قلة من الجامعات أو معاهد التدريب التي تدرّس المقاربات الإكلينيكية اللاكانية. لماذا هذا الضعف في الاهتمام بالتحليل النفسي اللاكاني في الحقول الإكلينيكية لعلم النفس؟
لاكان كاتب بالغ الصعوبة، وقد جعلت الترجمات الإنجليزية المبكرة لعمله كتاباته أشد غموضًا، لما كانت حافلة به من أخطاء ومن تعبيرات فرنسية منقولة كما هي. ومع أن الإكلينيكيين في أمريكا نادرًا ما يتدربون على النصوص الفلسفية والأدبية التي تشكل جزءًا كبيرًا من الخلفية التي يقوم عليها عمل لاكان، فإن عددًا أكبر منهم صار اليوم مستعدًا وقادرًا على مصارعة عمل لاكان بفضل نصوص تمهيدية أفضل وترجمات أيسر تناولًا. وكثير من الإكلينيكيين صاروا أيضًا، في خبرتي، أكثر دافعًا إلى التعمق في عمل لاكان لأنهم بلغوا درجة عالية من الإحباط من النتائج الضعيفة التي يحصلون عليها مع مرضاهم عندما يستخدمون التقنيات التي تدربوا على استعمالها.
من الصعب أن نعرف هل من الخير أم من الشر ألا يُدرّس لاكان في كثير من البرامج الجامعية؛ ولعل الأمر ليس سيئًا إلى هذا الحد، أن يبقى لاكان بديلًا يمكن للإكلينيكيين المدربين على مقاربات أخرى أن يعودوا إليه حين يصادفون حدود تدريبهم الخاص...
وقد جرت هذه "المقابلة" الموجزة عبر تبادل رسائل إلكترونية مع محرري العدد الخاص الضخم عن لاكان (Lacan Özel Sayisi) المنشور بالتركية في MonoKL, 6–7(2009), 740–41.
المراجع
Adorno, T. (1973). The jargon of authenticity. London: Routledge & Kegan Paul. (Original work published 1964.)
Avital, E. and Jablonka, E. (2000). Animal traditions: Behavioural inheritance in evolution. Cambridge: Cambridge University Press.
Brothers, D. (2008). Toward a psychology of uncertainty. New York: Analytic Press.
Bulfinch, T. (1979). Myths of Greece and Rome. New York: Penguin, 1981.
Bychowski, G. (1966). Psychosis precipitated by psychoanalysis. Psychoanalytic Quarterly, 35(3), 327–39.
Cardinal, M. (1983). The words to say it. Cambridge, MA: Van Vactor & Goodheart. (Originally published as Les mots pour le dire. Paris: Grasset & Fasquelle, 1975.)
Czermak, M. (1977). Sur le déclenchement des psychoses. Ornicar?, IX, 15–28.
Derrida, J. (1975). The purveyor of truth. Yale French Studies, 52, 31–113. (Originally published in Poétique, 21(1975), 96–147.)
——— (1982). Autobiographies: L’enseignement de Nietzsche et la politique du nom propre. Paris: Galilée. (In English, see The ear of the Other: Autobiography, transference, translation. Lincoln, NE: University of Nebraska Press, 1985.)
——— (1987). The post card: From Socrates to Freud and beyond (A. Bass, Trans.). Chicago: University of Chicago Press.
——— (1988). The Purloined Poe (J. Muller and W. Richardson, Eds.). Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press.
Erikson, E. (1963). Childhood and society. New York: W. W. Norton & Co. (Original work published 1950.)
Federn, P. (1943). The psychoanalysis of psychoses. Psychiatric Quarterly, 17(1–3), 3–19; 246–57; 470–87.
Ferenczi, S. (1916). Some clinical observations on paranoia and paraphrenia. In Contributions to psychoanalysis, pp. 238–49. Toronto, Canada: Richard G. Badger.
Fink, B. (1990). Alienation and separation: Logical moments of Lacan’s dialectic of desire. Newsletter of the Freudian Field, 4, 78–119.
——— (1995a). The Lacanian subject: Between language and jouissance. Princeton, NJ: Princeton University Press.
——— (1995b). Logical time and the precipitation of subjectivity. In Reading Seminars I & II: Lacan’s return to Freud (B. Fink, R. Feldstein, and M. Jaanus, Eds.). Albany, NY: SUNY Press.
——— (1997). A clinical introduction to Lacanian psychoanalysis: Theory and technique. Cambridge, MA: Harvard University Press.
——— (2002). Knowledge and jouissance. In Reading Seminar XX: Lacan’s major work on love, knowledge, and feminine sexuality (B. Fink and S. Barnard, Eds.). Albany, NY: SUNY Press.
——— (2003). The use of Lacanian psychoanalysis in a case of fetishism. Clinical Case Studies, 2(1), 50–69. (Included in Volume 1 of the present collection as Chapter 9.)
——— (2004a). Lacan to the letter: Reading Écrits closely. Minneapolis, MN: University of Minnesota Press.
——— (2004b). Lacan in “translation.” Journal for Lacanian Studies, 2(2), 264–81.
——— (2005). Lacanian clinical practice. The Psychoanalytic Review, 92(4), 553–79. (Included in Volume 1 of the present collection as Chapter 2.)
——— (2007). Fundamentals of psychoanalytic technique: A Lacanian approach for practitioners. New York and London: W. W. Norton & Co.
——— (2010a). The psychoanalytic adventures of Inspector Canal. London: Karnac.
——— (2010b). Against understanding: Why understanding should not be viewed as an essential aim of psychoanalytic treatment. Journal of the American Psychoanalytic Association, 58(2), 259–85. (Included in Volume 1 of the present collection as Chapter 1.)
——— (2013). Death by analysis: Another adventure from Inspector Canal’s New York agency. London: Karnac.
Fourier, C. (1968). The passions of the human soul. New York: Augustus M. Kelley.
Freud, S. (1953). Fragment of an analysis of a case of hysteria (Dora). In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 7, pp. 1–122). London: Hogarth. (Original work published 1905.)
——— (1955a). Notes upon a case of obsessional neurosis. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 10, pp. 155–318). London: Hogarth. (Original work published 1909.)
——— (1955b). Beyond the pleasure principle. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 18, pp. 7–64). London: Hogarth. (Original work published 1920.)
——— (1955c). Some neurotic mechanisms in jealousy, paranoia and homosexuality. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 18, pp. 223–32). London: Hogarth. (Original work published 1922). [Sur quelques mécanismes névrotiques dans la jalousie, la paranoïa et l’homosexualité (J. Lacan, Trans.). Revue Française de Psychanalyse, 3 (1932).]
——— (1955d). A child is being beaten: A contribution to the study of the origin of sexual perversions. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 17, pp. 179–204). London: Hogarth. (Original work published 1919.)
——— (1955e). Group psychology and the analysis of the ego. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 18, pp. 67–143). London: Hogarth. (Original work published 1921.)
——— (1955f). The psychogenesis of a case of homosexuality in a woman. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 18, pp. 147–72). London: Hogarth. (Original work published 1920.)
——— (1957a). A special type of choice of object made by men. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 11, pp. 163–75). London: Hogarth. (Original work published 1910.)
——— (1957b). On the universal tendency to debasement in the sphere of love. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 11, pp. 177–90). London: Hogarth. (Original work published 1912.)
——— (1957c). On narcissism. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 14, pp. 73–102). London: Hogarth. (Original work published 1914.)
——— (1958a). The interpretation of dreams. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vols. 4–5). London: Hogarth. (Original work published 1900.)
——— (1958b). On beginning the treatment. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 12, pp. 123–44). London: Hogarth. (Original work published 1913.)
——— (1958c). Psychoanalytic notes on an autobiographical account of a case of paranoia [Schreber]. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 12, pp. 9–82). London: Hogarth. (Original work published 1911.)
——— (1958d). Recommendations to physicians practising psychoanalysis. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 12, pp. 111–20). London: Hogarth. (Original work published 1912.)
——— (1961a). Civilization and its discontents. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 21, pp. 64–147). London: Hogarth. (Original work published 1929.)
——— (1961b). Negation. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 19, pp. 235–39). London: Hogarth. (Original work published 1925.)
——— (1961c). The economic problem of masochism. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 19, pp. 159–70). London: Hogarth. (Original work published 1924.)
——— (1962a). Charcot. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 3). London: Hogarth. (Original work published 1893.)
——— (1962b). Further remarks on the psychoneuroses of defense. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 3). London: Hogarth. (Original work published 1896.)
——— (1963a). Introductory lectures on psychoanalysis. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vols. 15–16). London: Hogarth. (Original work published 1916–17.)
——— (1963b). Fetishism. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 21, pp. 152–57). London: Hogarth. (Original work published 1927.)
——— (1964). Moses and monotheism. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 23, pp. 7–137). London: Hogarth. (Original work published 1939.)
——— (1966). Project for a scientific psychology. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 1, pp. 295–397). London: Hogarth. (Original work written 1895.)
Gherovici, P. (2003). The Puerto Rican syndrome. New York: The Other Press.
Gunn, D. (2002). Wool-gathering. London: Routledge.
Horkheimer, M. (1948). Ernst Simmel and Freudian philosophy. International Journal of Psychoanalysis, 29(2), 110–13.
Horkheimer, M., and Adorno, T. W. (1972). Dialectic of enlightenment. (J. Cumming, Trans.). New York: The Seabury Press.
Jacoby, R. (1975). Social amnesia: A critique of contemporary psychology from Adler to Laing. Boston, MA: Beacon.
Kant, I. (1999). Practical philosophy (The Cambridge Edition of the Works of Immanuel Kant). (M. Gregor, Ed.) Cambridge: Cambridge University Press.
Kierkegaard, S. (1995). Works of love. Princeton, NJ: Princeton University Press. (Original work published 1847.)
Kohut, H. (1994). The two analyses of Mr. Z. Northvale, NJ: Jason Aronson.
Kuhn, T. S. (1962). The structure of scientific revolutions. Chicago: University of Chicago Press.
Lacan, J. (1933–34). Le problème du style et la conception psychiatrique des formes paranoïaques de l’expérience and Motifs du crime paranoïaque: le crime des soeurs Papin. Le Minotaure, 3–4. [In English, see Lacan, J. (1988). The problem of style and the psychiatric conception of paranoiac forms of experience and motives of paranoiac crime: The crime of the Papin Sisters (J. Anderson, Trans.). Critical Texts, 5(3), 4–11.]
——— (1958–59). Le séminaire, livre VI, Le désir et son interprétation [“Desire and its interpretation”]. (Unpublished).
——— (1966). Écrits. Paris: Seuil.
——— (1966–67) Le séminaire, livre XIV, La logique du fantasme [“The logic of fantasy”]. (Unpublished).
——— (1968). Proposition du 9 octobre 1967 sur le psychanalyste de L’École (Proposal regarding the analyst of the School, dated October 9, 1967). Scilicet, 1, 14–30.
——— (1972). Seminar on “The purloined letter.” Yale French Studies, 48, 39–72. [The translation was reprinted in The Purloined Poe, eds. John Muller and William Richardson, Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1988.]
——— (1973). Les quatre concepts fondamentaux de la psychanalyse (1964) (J.-A. Miller, Ed.). Paris: Seuil.
——— (1973–74). Séminaire XXI, Les non-dupes errent (unpublished).
——— (1975). Le séminaire, Livre XX: Encore. Paris: Seuil.
——— (1976). Conférences et entretiens dans des universités nord-américaines. Scilicet, 6–7, 5–63.
——— (1976–77). Séminaire XXIV, L’insu que sait de l’une-bévue s’aile à mourre (unpublished).
——— (1977). Écrits: A selection (A. Sheridan, Trans.). New York: W. W. Norton & Co.
——— (1978a). The four fundamental concepts of psychoanalysis (1964) (J.-A. Miller, Ed. and A. Sheridan, Trans.). New York and London: W. W. Norton & Co. (Original work published 1973.)
——— (1978b) Discours de Jacques Lacan à l’Université de Milan le 12 mai 1972, in Lacan in Italia 1953–1978. En Italie Lacan (pp. 32–55). Milan: La Salamandra.
——— (1980) De la psychose paranoïaque dans ses rapports avec la personnalité. Paris: Seuil. (Original work published 1932).
——— (1982). Feminine sexuality: Jacques Lacan and the École freudienne (J. Mitchell and J. Rose, Eds. and J. Rose, Trans.). New York: W. W. Norton & Co.
——— (1983) Interview donnée par Jacques Lacan à François Wahl à propos de la parution des Écrits (broadcast on the radio on February 8, 1967). Bulletin de l’Association Freudienne, 3, 6–7.
——— (1984). Les complexes familiaux. Paris: Navarin. (Original work published 1938.) [In English, see the partial translation: Lacan, J. (1988). The Family Complexes (J. Anderson, Trans.). Critical Texts, 5(3), 13–29.]
——— (1988a). The seminar of Jacques Lacan, Book I: Freud’s papers on technique (1953–1954) (J.-A. Miller, Ed., and J. Forrester, Trans.). New York and London: W. W. Norton & Co. (Original work published 1978.)
——— (1988b). The seminar of Jacques Lacan, Book II: The ego in Freud’s theory and in the technique of psychoanalysis (1954–1955) (J.-A. Miller, Ed. and S. Tomaselli, Trans.). New York and London: W. W. Norton & Co. (Original work published 1978.)
——— (1989a). Geneva lecture on the symptom, Analysis, 1. (Lecture given in French in 1975.)
——— (1989b). Kant with Sade (J. Swenson, Trans.). October, 51, 55–75.
——— (1989c). Science and truth (B. Fink, Trans.). Newsletter of the Freudian Field, 3.
——— (1992). The seminar of Jacques Lacan, Book VII: The ethics of psychoanalysis (1959–1960) (J.-A. Miller, Ed. and D. Porter, Trans.). New York and London: W. W. Norton & Co. (I have modified the translation of passages quoted from this text.)
——— (1993). The seminar of Jacques Lacan, Book III: The psychoses (1955–1956) (J.-A. Miller, Ed. and R. Grigg, Trans.). New York and London: W. W. Norton & Co. (Original work published 1981.)
——— (1994). Le séminaire de Jacques Lacan, Livre IV: La relation d’objet (1956–1957) [The seminar of Jacques Lacan, Book IV: The relation to the object (1956–1957)] (J.-A. Miller, Ed.). Paris: Seuil.
——— (1998a). The seminar of Jacques Lacan, Book XX, Encore: On feminine sexuality, the limits of love and knowledge (1972–1973) (J.-A. Miller, Ed. and B. Fink, Trans.). New York and London: W. W. Norton & Co. (Original work published 1975.)
——— (1998b). Le séminaire de Jacques Lacan, Livre V: Les formations de l’inconscient (1957–1958) [The seminar of Jacques Lacan, Book V: Unconscious formations (1957–1958)] (J.-A. Miller, Ed.). Paris: Seuil.
——— (2001a). Le séminaire de Jacques Lacan, Livre VIII: Le transfert (1960–1961) (J.-A. Miller, Ed.). Paris: Seuil. [Forthcoming in English as The seminar of Jacques Lacan, Book VIII: Transference (1960–1961) (B. Fink, Trans.). London: Polity Press.]
——— (2001b). Autres écrits [Other writings]. Paris: Seuil.
——— (2004). Le séminaire de Jacques Lacan, Livre X: L’angoisse (1962–1963) [The seminar of Jacques Lacan, Book X: Anxiety (1962–1963)] (J.-A. Miller, Ed.). Paris: Seuil.
——— (2005). Des noms-du-père. Paris: Seuil. [In English, see Lacan, J. (2013). On the Names-of-the-Father (B. Fink, Trans.). London: Polity.]
——— (2006a). Écrits: The first complete edition in English (B. Fink, Trans.). New York and London: W. W. Norton & Co. (Original work published 1966; page numbers given in this volume are those found in the margins that correspond to the pagination of the original French edition.)
——— (2006b). Le séminaire de Jacques Lacan, Livre XVI, D’un Autre à l’autre (1968–1969) [The seminar of Jacques Lacan, Book XVI: From one Other to another (1968–1969)] (J.-A. Miller, Ed.). Paris: Seuil.
——— (2006c). Le séminaire de Jacques Lacan, Livre XVIII, D’un discours qui ne serait pas du semblant (1970–1971) [The seminar of Jacques Lacan, Book XVIII: On a discourse that would not be based on semblance (1970–1971)] (J.-A. Miller, Ed.). Paris: Seuil.
Laing, R. D. (1960). The divided self. London: Tavistock.
Laplanche, J. and Pontalis, J.-B. (1973). The language of psychoanalysis. New York: W. W. Norton & Co. (Original work published 1967.)
Lévi-Strauss, C. (1943). The art of the Northwest Coast at the American Museum of Natural History. Gazette des Beaux-Arts, 175–82.
——— (1963). Structural anthropology. New York: Basic Books. (Original work published 1958.)
——— (1982). The way of the masks (S. Modelski, Trans.). Seattle, WA: University of Washington Press. (Original work published as La Voie des masques. Paris: Plon, 1975.)
Malin, E. (1978). A world of faces. Portland, OR: Timber Press.
Miller, J.-A. (1982–83). Du symptôme au fantasme et retour [“From symptom to fantasy and back”]. (Unpublished seminar.)
Miller, M. (2011). Lacanian psychotherapy: Theory and practical applications. New York and London: Routledge.
Mitchell, S. A. and Black, M. J. (1995). Freud and beyond. New York: Basic Books.
Nacht, S. (Ed.) (1956). La psychanalyse d’aujourd’hui (“Contemporary psychoanalysis”). Paris: Presses Universitaires de France.
Nancy, J.-L. and Lacoue-Labarthes, P. (1992). The title of the letter (F. Raffoul and D. Pettigrew, Trans.). Albany: SUNY Press. (Original work published 1973.)
Ogden, T. H. (1999). The analytic third: Working with intersubjective clinical facts. In S. A. Mitchell and L. Aron (Eds.), Relational psychoanalysis: The emergence of a tradition (pp. 461–92). Hillsdale, NJ: Analytic Press. (Original work published 1994.)
Queneau, R. (2003). We always treat women too well. New York: New York Review Books Classics. (Originally published as On est toujours trop bon avec les femmes. Paris: Editions du Scorpion, 1947.)
Reich, W. (1972). Character analysis (V. R. Carfagno, Trans.). New York: Simon & Schuster. (Original work published 1933.)
Richards, I. A., and Ogden, C. K. (1945). The meaning of meaning. New York: Harcourt, Brace. (Original work published 1923.)
Rogers, A. (2006). The unsayable: The hidden language of trauma. New York: Random House.
Rose, J. and Mitchell, J. (Eds.) (1983). Feminine sexuality: Jacques Lacan and the École freudienne. New York and London: W. W. Norton & Co.
Rosenhan, D. L. (1973). On being sane in insane places. Science, 179(70), 250–58.
Rousselot, P. (1907). Pour l’histoire du problème de l’amour au moyen âge. Münster: Aschendorffsche Buchhandlung.
Sacher-Masoch, L. (1991). Masochism: Coldness and cruelty & Venus in furs. New York: Zone Books.
Sade, Marquis de (1965). The Marquis de Sade: Three complete novels (R. Seaver and A. Wainhouse, Trans.). New York: Grove. (French original: Oeuvres complètes, tome 3. Paris: Pauvert, 1986. First edition of this collection published 1966.)
Schneiderman, S. (1977). How Lacan’s ideas are used in clinical practice. Northvale, NJ: Jason Aronson.
Schreber, D. P. (1988). Memoirs of my nervous illness. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Smith, A. (1759). Theory of the moral sentiments.
Soler, C. (2011). Les affects lacaniens (Lacanian Affects). Paris: Presses Universitaires de France. [Forthcoming with Routledge in English (B. Fink, Trans.).]
Spinoza, Benedict de (1994). A Spinoza reader (E. Curley, Ed. and Trans.), Princeton, NJ: Princeton University Press.
Swales, S. (2012). Perversion: A Lacanian psychoanalytic approach to the subject. New York and London: Routledge.
Whitaker, R. (2010). Anatomy of an epidemic: Magic bullets, psychiatric drugs, and the astonishing rise of mental illness in America. New York: Random House.
Williams, D. (1998). Nobody nowhere: The remarkable autobiography of an autistic girl. London: Jessica Kingsley.
Winnicott, D. W. (1949). Hate in the counter-transference. International Journal of Psychoanalysis, 30(2), 69–74.
——— (1965). The theory of the parent–infant relationship. In The maturational processes and the facilitating environment (pp. 37–55). London: Hogarth. (Original work published 1960.)
——— (1978). The Piggle: An account of the psychoanalytic treatment of a little girl. London: Hogarth.
الفهرس
ملاحظة: أرقام الصفحات التي تتبعها “f” تشير إلى الأشكال، والتي تتبعها “n” تشير إلى الحواشي.
أدورنو، تيودور و. 105؛ نقد العلم والعقل 106–8
الانفعال 28، 116، 245–6، 247، 250؛ القلق بوصفه العملة المشتركة للانفعال 38n، 246؛ مناسب/غير مناسب 53–4؛ ازدراء كانط له 113
«العدوانية في التحليل النفسي» 141
التحليل النفسي الأمريكي: في سوق عالمية تنافسية 14–15؛ التركيز على البحث التجريبي 241–2؛ ممارسة محدودة للتقنية اللاكانية 154–5؛ التعامل مع اللاوعي 154، 155، 247
تشكيل الهوية لدى الأميش 191، 192
العلاقة بين المحلِّل والمحلَّل 24، 154، 201، 209–10، 224–6، 234–5، 250، 253
موضع المحلِّل ودوره في التحليل النفسي اللاكاني 31، 34–5، 64، 154، 234–5، 251
الفوضوية 68
الغضب، العجز عن التعبير عنه مباشرة 224، 231
المملكة الحيوانية: الصور فيها 141؛ المظهر فيها 78؛ الغرائز الجنسية 82
القلق: لغة الجسد وعلاقته به 23؛ والنشوة الجنسية 168، 222؛ والكبت 247؛ والسادية 122–3، 233؛ بوصفه أداة علاجية في العملية التحليلية 246–7؛ العملة المشتركة للانفعال 38n، 246
أرسطو 60، 64
الدرع 102–3، 102f
الإلحاد 118
البديهية، بوصفها أفقية الفانتازيا الأساسية 47–8، 205–6
فانتازيا الضرب 43–4، 204، 206–7؛ الصيغ المعدَّلة 44–5، 46–7، 48–9؛ صياغة فانتازيا المحلَّل 204–5
مارغريت بلاك 18
لغة الجسد 23، 36n؛ الدوالّ الدالة على الجسد العصابي 103
هنري بواس 96f
دوريس براذرز 25
المبادئ التجارية المطبَّقة على العلاج النفسي 241–2
BusinessWeek 6، 54
غوستاف بيتشوفسكي 65
أقنعة كادوفيو 97–9، 98f
ماري كاردينال 50
دراسات الحالة x–xiii؛ المنهج المتبع فيها xiii–xv انظر أيضًا دراسة حالة الفانتازيا الأساسية؛ دراسة حالة تشكيل الهوية؛ دراسة حالة الهوس؛ دراسة حالة الصدمة
الخصاء 8، 82، 209، 210، 216–17، 247
الأمر الأخلاقي المطلق 106، 113، 123، 126
الرقابة 110–11
خطاب «اختلالات الكيمياء الحيوية» xvi
فانتازات إساءة معاملة الأطفال 200–6، 215
«كان يُضرَب طفل» 43، 204، 206، 215
الحضارة وسخطها 57
شعارات النبالة 102، 102f، 103
العلاج المعرفي السلوكي 255
الروابط بين الموضوعات 29–31
التحليل النفسي المعاصر 62
كوبرنيكوس 63
علم الكونيات القديم 63
النقل المضاد 19، 21، 64
نقد العقل العملي 113
الاستمناء الإلكتروني 228–9
مارسيل تشيرماك 65
das Ding 61، 113، 114، 116، 117
دافع الموت 103، 234، 235
إعلان الاستقلال 68
الاكتئاب 212، 245–6
جاك دريدا 68، 74، 83
الرغبة: عند كل النساء 85–6؛ تأويل الطفل لرغبة الآخر 46–7؛ التعايش بين الدوافع والرغبة 248؛ «انكماش» الرغبة 212؛ الأحلام والرغبة 25–7، 251؛ الفانتازيا بوصفها رغبة الآخر 48–9، 209؛ الأب بوصفه آخر الرغبة 44؛ اندماج الحب والرغبة 137–9؛ الفجوة التي تُبقيها قائمة 176، 177، 178؛ مخطط الرغبة 42، 118، 119؛ والرغبة والشعور بالذنب 56–8؛ المستحيلة 178، 211، 227؛ والقانون 60–1، 108–11، 126–7؛ وبنى الحب 138؛ والحب لدى النساء 134، 139، 140؛ في المازوخية 124، 125، 126؛ الأم في مقابل رغبتها 40–1؛ ومع الموضوع a 41، 121، 202–3؛ رغبة الآخر 22، 46–7، 209–11، 212، 213؛ مفارقة الإشباع والإنسان 61، 64؛ موقعها في التحليل النفسي اللاكاني 25–7؛ إثارة الرغبة في موضع آخر من الآخر 50، 215؛ والتحليل النفسي والعمل عليها 55–6، 59؛ إدراك العصابيين لرغبتهم 66–7؛ الرغبة السادية 121f، 122؛ وبنية اللغة 110؛ اللاوعي 25–7، 37–8n، 55، 59؛ والعنف الكامن في رغبة الآخر 253
التشخيص: الصعوبات المتعلقة به xi، xiii، xv؛ وصلاته بسمات الشخصية 93؛ والذهان والحاجة إلى تشخيص صحيح 65–6؛ تأملات فيه 65–8؛ تقنيات في علاقات الموضوع وعلم نفس الأنا 251؛ وفي دراسة حالة صدمة 226، 231–5، 236
جدل التنوير 105
«أهمية القضيب» 83–4
«توجيه العلاج» 39، 42، 45، 49، 204
الخطابات: الأربعة 76، 89، 120؛ التحليلية النفسية 75–7؛ ساد وخطاب حقوق الإنسان 115–16؛ بوصفها مظهرًا 79–80؛ الجامعي 76
فعل الصواب 56–7، 111–15
دون جوان 85، 86
الأحلام: تحليلها لدى محلَّل فنان 20، 26–7؛ الروابط بين المشاهد فيها 30؛ والرغبة 25–7، 251؛ تتبع تقدمها في الجلسات التحليلية 33، 34؛ فرويد عن الأحلام 25، 26، 27؛ في دراسة حالة الفانتازيا الأساسية 200، 201، 203، 213؛ في دراسة حالة تشكيل الهوية 186؛ في دراسة حالة الهوس 168–9، 171، 175، 179، 181؛ المسح بعد مناقشتها 32؛ في دراسة حالة الصدمة 222، 225؛ الرغبات اللاواعية غير المتوقعة فيها 25، 26–7، 30
الدوافع: «المقيَّدة بالغاية» 140؛ دافع الموت 103، 234، 235؛ حضورها في نهاية التحليل 248؛ الحب الذي يتيح تزامن الرغبة والدوافع 248؛ دوافع العصابيين 248؛ الجنسية 137، 140؛ غير المُشبَعة 57–8
شركات الأدوية xvi، 246
D’un discours 71–2
Écrits: «توجيه العلاج» 39، 42، 45، 49، 204؛ «الوظيفة والمجال» 45، 67؛ مخطط المازوخية 123f؛ «مرحلة المرآة» 141؛ «ملاحظات على عرض دانيال لاجاش: "التحليل النفسي وبنية الشخصية"» 95؛ مخططات السادية 118f، 123f؛ «تقويض الذات» 48، 49، 209، 211، 217n؛ الترجمة 153–7
الأنا 57، 141، 145؛ المثالية 79، 96، 96f، 97f، 140–6؛ الأنا الانعزالية 142
الأنا-المثالية 96–7، 141، 193–4؛ الأنا المثالية و140–6؛ الحب لها 135–6؛ المخططات البصرية لتمثيلها 96، 96f، 97f
الليبيدو الأناوي والليبيدو الموضوعي 132–5، 142
علم نفس الأنا 18، 250–1
البحث التجريبي 241–4
نهاية التحليل النفسي اللاكاني 248
رسالة إلى رومية 7:7 60، 108–9، 117، 193
إيروس 58، 63، 64، 131، 138، 176
الأخلاق (سبينوزا) 25
أخلاقيات التحليل النفسي 53–64؛ رغبة المحلَّل 55–6؛ الرغبة والشعور بالذنب 56–8؛ وفانتازيا الانسجام بين الجنسين 61–3؛ مفارقة التمتع 60–1؛ الواقع والخير 58–60
العقد العائلية 144–6
الفانتازات: رؤية العصور القديمة للعالم قائمة على 61–2؛ طبيعتها المتغيرة 206، 227؛ الفانتازات الالتهامية 214–15؛ دون جوان بوصفه فانتازيا أنثوية 85، 86؛ «اليومية» 197، 206؛ فرويد عنها 198؛ خلفيتها التاريخية 39–42؛ عنصرها الخيالي 40، 41؛ التمتع الضامن لتمتع الآخر 211–12؛ نقد لاكان لمفهوم كلاين عن الفانتازيا 39–41؛ مخطط المازوخية 124–5، 126؛ الاستمناء 46، 226، 232؛ الماثيم الخاص بها 39، 41، 49–51؛ معناها في التحليل النفسي 198؛ في دراسة حالة الهوس 167، 169، 171، 178، 180؛ بوصفها رغبة الآخر 48–9، 209؛ فانتازيا هستيرية محتملة 215؛ الجنس «س/م» وبنية الفانتازيا 230؛ مخطط السادية 121–2؛ الجنسية 34، 146، 167، 187، 227، 228، 229، 231، 234؛ عنصرها الرمزي 40–1؛ مصطلحها 40، 42؛ دراسة حالة الصدمة 222، 226–7، 228، 229، 230، 231، 234؛ اجتيازها في حالات العصاب 213؛ ودون جوان لدى النساء 85، 86
الفانتازيا الذكورية 43–4، 204، 206–7؛ الصيغ المعدَّلة 44–5، 46–7، 48–9؛ صياغة فانتازيا المحلَّل 204–5
الفاشية 106
الأب: المشهد الطفولي مع أبي فرويد 199؛ في دراسة حالة الفانتازيا الأساسية 199، 201–2، 203–4، 205، 207–8، 210–11، 212؛ في دراسة حالة تشكيل الهوية 186–7، 193؛ في دراسة حالة الهوس 164، 170–3؛ بوصفه «آخر الرغبة» 44؛ النقلات 180–1؛ في دراسة حالة الصدمة 219–20، 221، 223، 226، 231
بول فيدِرن 65
ساندور فيرينتسي 65
الوثنية الجنسية 145
الاستثمارات المالية 5–6
صيغ التذكير الجنسي 85–8، 121
مدرسة فرانكفورت 105
«المركب الأخوي» 144، 145
التداعي الحر 30، 34
آنا فرويد 54
رجل فرويد انظر دراسة حالة الفانتازيا الأساسية
سيغموند فرويد: القلق والانفعال 38n، 246–7؛ المشهد الطفولي مع الأب 199؛ حالة دورا 28–9؛ توحُّد محلَّل مع فرويد 198–200؛ «العودة إلى فرويد» عند لاكان 26، 250؛ المراحل الليبيدية 62؛ تحليل لاكان لـ«هانس الصغير» 51n، 120؛ الفانتازيا الذكورية 43–4، 204، 206–7؛ النرجسية والحب 132–5؛ مفهوم الحياد 34؛ عن الأحلام 25، 26، 27؛ عن كلفة المرض 8، 54–5؛ عن الفانتازات 198؛ عن الحب 136–40؛ عن علاج مريض ذهاني 65؛ مبدأ اللذة 59، 60، 198؛ رجل الجرذان 27، 37n، 164؛ مبدأ الواقع 59؛ الانتقال من «سياق العالم الواقعي» إلى الواقع النفسي للمريض 254–5؛ صراع الإخوة 142؛ أوجه الشبه والاختلاف بين لاكان وفرويد 250؛ الطوطم والتابو 85، 86، 87؛ الدوافع غير المشبَعة 57–8؛ العنف الواقع على نظرية فرويد وممارسته 254–5
«الوظيفة والمجال» 45، 67
الفانتازيا الأساسية: بوصفها بديهية 47–8، 205–6؛ طبيعتها المتغيرة 206، 227؛ أمثلة 49–51؛ الخلفية التاريخية 39–42؛ التمتع، ضمان تمتع الآخر 211–12؛ الماثيم الخاص بها 39، 41، 49–51؛ غايتها 212؛ وشعور الضحية بالإهمال 46–7؛ المصطلحات 40، 42؛ الأساس النظري لها 42–6 انظر أيضًا دراسة حالة الفانتازيا الأساسية
دراسة حالة الفانتازيا الأساسية 197–217؛ أن يصبح أبًا 200، 201، 203؛ فانتازات إساءة معاملة الأطفال 200–6، 215؛ التعامل مع رغبة الآخر 209–11، 212، 213؛ الأحلام 200، 201، 203، 213؛ العلاقة مع الأب 199، 201–2، 203–4، 205، 207–8، 210–11، 212؛ التماهي مع فرويد 198–200؛ التمتع، ضمان تمتع الآخر 211–12؛ وسوء التعرف 211–12؛ العلاقة مع الأم 201–4، 205، 207–8، 210، 212؛ التحرك نحو حل للمثلث الأوديبي وفانتازيا أساسية جديدة 206–9؛ الدينامية الأوديبية 201–5؛ فانتازيا هستيرية محتملة 215؛ المرحلة ما قبل الأوديبية 206–7؛ إعادة تشكيل الفانتازيا الأساسية 213–14؛ العلاقة مع المحلِّل 201، 209–10؛ صياغة فانتازيا الضرب لدى المحلَّل 204–5؛ زلات اللسان 212–13؛ فانتازيا المواجهة 208–9، 212، 213؛ مراحل تطور فانتازيا المحلَّل 214؛ استخدام اللغة 208؛ العلاقات مع النساء 208، 212–13
تمويل الترجمات 153
نظرية الألعاب 5
جيد، أندريه 99–101
الخير 56، 57، 60–1، 111–15؛ الواقع والخير 58–60
فعل الخير 56–7، 111–15
مخطط الرغبة 42، 118، 119
«ملاحظات توجيهية لاتفاقية حول الأنثوية الجنسية» 85
الذنب: والرغبة 56–8؛ بوصفه مغايرًا للندم 56
غَن، دان 50
Gute 112، 113
هاملت 119–20، 120f
الانسجام بين الجنسين 61–3
المثلية الجنسية 80، 142، 145، 146
هوركهايمر، ماكس 105
ساد وخطاب حقوق الإنسان 115–16
الهستيريات: الرغبة 48؛ الخطاب 76؛ العناصر في التشخيص 212، 217n، 221، 232، 233، 236؛ الفانتازات 129n، 215؛ الفانتازيا الأساسية بوصفها سمة لها 50–1؛ والاهتمام العاطفي الشديد بالمرأة الأخرى 146، 215؛ بوصفها toute femme 86
الهو 57، 96
الأنا المثالية 79، 140–6؛ المخططات البصرية لتمثيلها 96، 96f، 97f
المُثُل 135، 136، 191–2، 194–5
التماهيات 188–90، 198–200
الهوية 80، 185–8
دراسة حالة تشكيل الهوية 185–96؛ المُثُل الأمريكية الخاصة بها 190، 191؛ رفض المحلَّل للمعايير 193؛ الامتثال فيها 191–2؛ التناقضات بين المُثُل والسلوك الفعلي 189، 191، 195، 197؛ التعامل مع الفقد 190؛ الرغبة في الهيمنة 187–8؛ الأحلام 186؛ العلاقة مع الأب 186–7، 193؛ العلاقة مع الصديقة 187، 189، 194؛ التماهيات 188–90؛ هوية المحلَّل 185–8؛ تأثير أستاذ المدرسة الثانوية 187–8؛ الاستمناء 187–8، 193؛ التماهي مع الجد الأمومي 188–9؛ العلاقة مع الأم 188، 189؛ التماهي مع الجد الأبوي 188؛ التماهي مع الجدة الأبوية 189–90؛ تقنيات التحليل النفسي المرتبطة بالمظهر 195–6؛ المظهر فيها 190–6؛ الفانتازات الجنسية 187؛ انتحار العم 188، 189
الخيالي: مناقشة القضيب 82؛ الفانتازيا وعلاقته به 40، 41؛ والنرجسية 135؛ خلط رايخ بين الرمزي والخيالي 102–3؛ والمظهر 79
صورة المزدوج 144، 145، 146
العجز الجنسي 137–8؛ التمتع لدى المحلَّل في إفقاد النساء سعادتهن عبره 31؛ في دراسة حالة الهوس 168، 175، 177
سفاح القربى: في دراسة حالة الهوس 162، 164، 167، 175–6، 181؛ تأويل سلوك المحلَّل المرتبط به 29–30؛ تعامل الرجال معه 139؛ تحريمه 44، 61، 86، 111، 137، 138، 175–6
شركات التأمين 14، 15، 16، 243–4
التأويل 23–5، 254، 255؛ السعي إلى تحويل موضع المحلَّل الذاتي 27–31، 251
تفسير الأحلام 25، 55، 153، 199
المنظور البيني الذاتي 18، 19
البينذاتية xv، 22، 96
«الازدواج الحميم» 145
«مركب الاقتحام» 144–5
الشريعة الإسلامية 110–11
الغيرة 145، 146، 207
jealouissance 207
أيوب 190
التمتع: إحضار الشريك 228؛ في دراسة حالة الهوس 163–4؛ الفارق بين المعرفة والتمتع 76؛ الفانتازات الضامنة لتمتع الآخر 211–12؛ التركيز على تمتع المحلَّل 27–31، 163–4، 251؛ والقانون 86، 115–16؛ فقدانه 6–7، 8، 10، 11، 82؛ في مخطط المازوخية 123، 124، 126–7، 127–8؛ الإهمال الذي يتعرض له في التحليل النفسي 245؛ تمتع العصابيين 119؛ مفارقة التمتع 60–1؛ تمتع المنحرفين 119؛ القضيب والتمتع الأنثوي 83؛ التمتع البدئي 119؛ العلاقة في نهاية التحليل بالتمتع 248؛ في مخطط السادية 118؛ العنف الكامن في رغبة الآخر 253؛ إرادة التمتع 123، 126، 127
جولييت أو التنوير والأخلاق 105، 106
«كانط مع ساد» 42، 105–30؛ نقد أدورنو للعلم والعقل 106–8؛ الرغبة والقانون 108–11، 126–7؛ الخير أو فعل الصواب 111–15؛ الانحراف والآخر 117–28؛ ساد وخطاب حقوق الإنسان 115–16؛ الوصايا العشر 116–17
كيبلر، يوهانس 63
كيركغور، سورين 113، 190
ملك إنجلترا أحمق 108–10
كلاين، ميلاني 39–41
المعرفة 62، 76؛ معرفة المحلِّل والمحلَّل 154
كوهوت، هاينز x
كون، توماس xv
مخطط L 41–2، 42f، 95، 120؛ للوسواسيين 45، 45f
التحليل النفسي اليوم 62
التحليل النفسي اللاكاني: موضع المحلِّل ودوره فيه 31، 34–5، 64، 154، 234–5، 251؛ القلق بوصفه أداة علاجية فيه 246–7؛ إخراج اللاوعي إلى الكلام 28، 154؛ التنافس في الاقتصاد العالمي من أجل التحليل النفسي 14–15؛ نقد الإفراط في التمركز حول الأمومة 247–8؛ علاج الاكتئاب 245–6؛ الفاعلية 155، 206، 244–5، 246؛ البحث التجريبي 241–4؛ نهاية التحليل 248؛ التركيز على التمتع في مقابل التركيز المعاصر المعتاد 27–31؛ الاهتمام به 251–2؛ التخلي عن الفقد 8، 247–8؛ الصلات مع غيرها من المقاربات النفسية ما بعد الفرويدية 250–1؛ إحراز تقدم فيه 34–5؛ نهج الوساطة مقارنة بنهج محللين آخرين 19–25؛ التداخل بين المحلَّل وموضوع المحلِّل الآخر 24؛ دراسة نتائج «المرور» 243؛ موضع الرغبة في مقابل موضعها في أشكال أخرى من التحليل النفسي 25–7، 55–6، 59؛ العلاقة بين المحلِّل والمحلَّل 154، 201، 209–10، 224–6، 234–5، 250، 253؛ ودور الانفعال 245–6؛ التقنيات المرتبطة بالمظهر 195–6؛ الزمن بوصفه تقنية، الابتكار المثير للجدل فيه 15، 31–5؛ تحويل التقنية التحليلية اليوم 154؛ العنف في العملية العلاجية 254
الذات اللاكانية: بين اللغة والتمتع 251
لاجاش، دانيال 95–9
اللغة: بوصفها حاجزًا أمام الفهم 23؛ ولغة الجسد 23؛ والرغبة وبنية اللغة 110؛ استكشاف اللاوعي عبرها 21–2، 250؛ والتأويل 23–5؛ الإصغاء إلى كلام المحلَّلين 20–1؛ عملية الوساطة 19–25، 82؛ بوصفها الآخر 19–20، 22، 25، 41؛ لغة الذهانيين 67؛ والكتابة 89
اللغة، الغموض، الزلات، وتعدد الدلالة فيها 20–1، 80؛ في دراسة حالة الفانتازيا الأساسية 208، 212–13؛ في دراسة حالة الهوس 166، 168، 169، 174، 175، 177، 181
التأخر، الشعور به 178
القانون 67–8؛ والفوضوية 68؛ والرغبة 60–1، 108–11، 126–7؛ والتمتع 86، 115–16؛ والمازوخية 126، 127؛ والآخر وصياغة القانون 115–16؛ والانحراف 127–8؛ والذهان ورفضه 68؛ والسادية 121، 123؛ والخطيئة 60–1، 109، 193
لو مينوتور 3/4 142
الكلمات لكي يقال ذلك 50
ليفي-شتراوس، كلود 97–100
المراحل الليبيدية 62
الليبيدو 131–2؛ الليبيدو الأناوي والليبيدو الموضوعي 132–5، 142؛ الليبيدو النرجسي 141
«الزمن المنطقي وتأكيد اليقين الاستباقي» 114، 146
الفقد 6–8؛ والسبب في الرغبة 202–3؛ التعامل معه 190؛ أمثلة على أعراض مرتبطة به 9–13؛ فقدان التمتع 6–7، 8، 10، 11، 82؛ فقدان وحدة الأم والطفل 144؛ في الأسواق المالية 6–8؛ والتحليل النفسي والتخلي عنه 8، 247–8
الحب: العاطفي 140؛ الذي يتيح تزامن الرغبة والدوافع 248؛ الحب الإسنادي 134–5، 137، 139؛ في التقليد الكاثوليكي 131؛ إقامة الحواجز لزيادة لذات الحب 139–40؛ تحقير الموضوع الجنسي 138، 139؛ العنصر الدافع في الحب 140؛ «الأرضي» 140؛ الحب للأنا-المثالية 135–6؛ فرويد عن الحب 136–40؛ اختلافات فرويد بين الرجال والنساء 134؛ اندماج الرغبة مع الحب 137–9؛ في التقليد اليوناني 131؛ النرجسية والحب 132–5؛ أسطورة نرسيس 141–2؛ اختيار الموضوع 133–5، 137، 139؛ «الحب الذكوري» الوسواسي 136–7؛ «حول الميل العام إلى تحقير الحياة الجنسية في مجال الحب» 137–40؛ العاطفة 140–6؛ احترام النساء 139؛ الحسي 140؛ صراع الإخوة 142–4؛ «نوع خاص من اختيار الموضوع عند الرجال» 136–7؛ العنصر الرمزي 135، 136، 139، 140، 145؛ المثلثات 136–40؛ النساء والحاجة إلى الحب 134، 139، 140
المعين بين الذات والموضوع 41، 42، 124، 125
جدل العذراء/العاهرة 136–7
الفانتازيا الذكورية 43–4، 204، 206–7؛ الصيغ المعدَّلة 44–5، 46–7، 48–9؛ صياغة فانتازيا المحلَّل 204–5
مالين، إدوارد 100
سوق التحليل النفسي 14–15
الأقنعة 95، 97–101، 100f، 101f؛ أقنعة كادوفيو 97–9، 98f
المازوخية 233–5؛ الدور الذي تؤديه في السادية 145؛ المخططات 123–9، 123f، 124f، 125f، 127f، 128f؛ في دراسة حالة صدمة 233، 234–5
الدال السيد 67–8
الاستمناء 168، 187–8، 193، 203، 226، 228؛ الفانتازات 42، 226، 232؛ مع شركاء على الإنترنت 228
القضيب الأمومي 203، 217n
الماثيم الخاص بالفانتازيا 39، 41، 49–51
الوساطة في التحليل النفسي اللاكاني 19–25
الرجال من المريخ، والنساء من الزهرة 62–3
اللغة الفوقية 89
ميلر، جاك-آلان 41
«مرحلة المرآة» 141
مرحلة المرآة 141–2، 145
ميتشيل، ستيفن 18
المال: تأثيره في العمل التحليلي مع الأعراض 9–13؛ المقامرة به 5–6، 7–8؛ دفع أجر التحليل 13–14، 16–17؛ التحليل النفسي في الاقتصاد العالمي 14–17
الأمر الأخلاقي 115
القانون الأخلاقي 56، 111–12، 113، 114–15
القيم الأخلاقية 54
الأم: اختيارها الموضوعي الإسنادي 134–5، 137، 139؛ «ألعاب السيرك» معها 45، 178، 204، 206؛ الرغبة فيها 44، 111، 137، 138؛ الفانتازيا والعلاقة الأولى للطفل بها 40–1؛ في دراسة حالة الفانتازيا الأساسية 201–4، 205، 207–8، 210، 212؛ في مقابل رغبتها 40–1؛ المثالية المنسوبة إليها 139؛ في دراسة حالة تشكيل الهوية 188، 189؛ جدل العذراء/العاهرة 136–7؛ إهمالها 48، 49، 201، 202؛ امتثالًا لقانونها 110؛ في دراسة حالة الهوس 161–2، 164–6، 168، 170–1، 173–4، 178، 181؛ مشكلات الاندماج بين الحب والرغبة فيها 137–8؛ الانفصال عنها 144، 202–3، 247–8؛ النقلات المرتبطة بها 179–80؛ دراسة حالة الصدمة وعلاقتها بها 218–19، 221، 223، 231
وحدة الأم والطفل 144
نقد الإفراط في التمركز حول الأمومة 247–8
ناخت، ساشا 62
اسم-الأب 68، 81
النرجسية، والحب 132–5
الليبيدو النرجسي 141
«العالم النرجسي» لدى الطفل 145
أسطورة نرسيس 141–2
المؤسسة الوطنية للعلوم الإنسانية 153
صياغة الحاجة 110
الإهمال 46، 48، 49، 201، 202
البرمجة اللغوية العصبية 255
العصابيون: نهج العلاج 251؛ الأنماط السريرية داخل العصاب 118؛ التعامل مع الفقد 7؛ التشخيص 65–7، 226، 234؛ في نهاية التحليل 248؛ حسد المنحرفين 119؛ تأويل رغبة الآخر 209؛ القانون، قبول 67–8؛ الدال السيد، قبول 67–8؛ الوسواسيون 45، 107، 227؛ دراسة الأجور والعصابية 54–5؛ السعي إلى الاعتراف في العلاج 66–7؛ دوال الجسد 103؛ اجتياز الفانتازيا 213
حياد فرويد 34
نيوتن، إسحاق 63، 72
الموضوع a 41، 103، 121، 178، 247–8
اختيار الموضوع 133–5، 137، 139
ليبيدو الموضوع، والليبيدو الأناوي 132–5، 142
علاقات الموضوع 247، 250–1
دراسة حالة الهوس 161–84؛ «حسد الثدي» 167؛ اختيار الكلمات 173–6؛ مسار العلاج والخلاصات 181–2؛ التعامل مع مشاعر العدوان 169–70؛ الأحلام 168–9، 171، 175، 179، 181؛ الفانتازات 167، 169، 171، 178، 180؛ العلاقة مع الأب 164، 170–3؛ النقلات الأبوية 180–1؛ سمات الهوس 177–8؛ الفجوة بين المحلَّل والنساء 164، 165، 166، 174، 176–7، 178، 179؛ العجز الجنسي 168، 175، 177؛ سفاح القربى 162، 164، 167، 175–6، 181؛ دلائل البارانويا 180، 181؛ أزمة التمتع 163–4؛ المنعطفات الكبرى في حياة المحلَّل 171–2؛ أمّ المحلَّل 161–2، 164–6، 168، 170–1، 173–4، 178، 181؛ النقلات الأمومية 179–80؛ العصاب الوسواسي قبل سن العاشرة 170، 172؛ إدراك الأعضاء التناسلية الأنثوية 165، 173؛ الأحداث الحاسمة 161–3؛ العلاقات الجنسية 165، 168، 170، 175، 176؛ الأخت والنساء الأخريات 167–70؛ قتل الأخت 161–2، 170–1، 173؛ ردود الفعل على وفاة الأخت 162، 173، 182؛ الزلات وتعدد الدلالة والغموض في الكلام 166، 168، 169، 174، 175، 177، 181؛ الأخت غير الشقيقة 163–4؛ إيقاف رغبة الآخر 213؛ صورة ابن عرس 166، 169، 181؛ العلاقات مع النساء 163–4، 164–6، 167–8، 175–6، 178؛ الكتابة 173، 174–5، 176–7
العصابيون: في التحليل 13؛ «أن يكون المرء ضامنًا للآخر» 48، 49؛ تجميع النساء 86–7؛ رغبة 212، 213، 214؛ تدمير الآخر 178؛ عناصر في التشخيص 197، 204، 217n، 232، 236؛ صياغة السيناريو الأوديبي فيهم 204؛ الرغبة المستحيلة في العصاب الوسواسي 178، 211، 227؛ مخطط L لهم 45، 45f؛ الحب 134، 136–7
الأسطورة الأوديبية 86
المثلث الأوديبي 136–7
عقدة أوديب 86؛ في دراسة حالة الفانتازيا الأساسية 201–5؛ في دراسة حالة الهوس 170، 172
«نكون دائمًا طيبين أكثر مما ينبغي مع النساء» 108
«حول الميل العام إلى تحقير الحياة الجنسية في مجال الحب» 137–40
سيكولوجيا الجسد الواحد، والنقاش مع سيكولوجيا الجسدين 19
المخططات البصرية 96، 96f، 97f
النشوة الجنسية 168، 222
الآخر (بحرف كبير): تأويل الطفل لرغبة الآخر 46–7؛ «للرغبة» 44؛ رغبة الآخر 22، 46–7، 209–11، 212، 213؛ صياغة القانون 115–16؛ الفانتازات الضامنة لتمتع الآخر 211–12؛ الفانتازيا بوصفها رغبة الآخر 48–9، 209؛ النقص في الآخر 164، 173، 174؛ اللغة بوصفها الآخر 19–20، 22، 25، 41؛ في مخططات المازوخية 123–4، 125–6، 127؛ تدمير العصابيين له 178؛ التداخل بين المحلَّل وموضوع المحلِّل الآخر 24؛ الانحراف والآخر 117–28؛ إثارة الرغبة في موضع آخر من الآخر 50، 215؛ في عمل ساد 115، 118؛ في مخططات السادية 120–1، 122؛ استراتيجيات العصاب في التعامل معه 118؛ خطابه اللاواعي 21–2، 55، 114؛ التجربة العنيفة له 253
الآخر (بحرف صغير) 19؛ الخلط البدئي بين الذات والآخر 145
دراسات النتائج 241–4
البارانويا 142، 144، 145؛ مؤشرات عليها في دراسة حالة الهوس 180، 181؛ وعلاقتها بالشخصية 92–4
باسكال، بليز 5، 6
«المرور» 243
العاطفة 140–6؛ العقد العائلية 144–6؛ أسطورة نرسيس 141–2؛ صراع الإخوة 142–4
دفع أجر التحليل 13–14، 16–17؛ تأثيره في العمل التحليلي 10، 13
persona 95، 97، 99
الشخصية: لاكان عنها 92–104؛ أطروحته للدكتوراه 92–5؛ عن جيد 99–101؛ عن لاجاش 95–9؛ عن رايخ 102–3؛ المخطط البصري لتمثيل الأنا المثالية والأنا-المثالية 96، 96f، 97f؛ البارانويا والشخصية 92–4؛ الذهان والشخصية 93، 94–5؛ المعنى الأصلي للمصطلح 95؛ الأقنعة المنقسمة للشخصية 97–101، 98f، 100f، 101f؛ نظرته إلى المصطلح بعد 1960 103
الانحراف: والتشخيص في دراسة حالة الصدمة 232–3؛ والقانون 127–8؛ المازوخية، مخططاتها 123–9، 123f، 124f، 125f، 127f، 128f؛ والآخر 117–28؛ السادية، مخططاتها 118–19، 118f، 120–3، 121f؛ مخططاتها 119–20
القضيب 48، 81–5، 88؛ القضيب الأمومي 203، 217n
مفهوم كلاين عن الفانتازيا 39–41
شركات الأدوية xvi، 246
الفلسفة 106
الفلسفة في غرفة النوم 118
أفلاطون 63، 112
مبدأ اللذة 59، 60، 198
plus-de-jouir pressé 77–8
المرحلة ما قبل الأوديبية 206–7، 247
الحشد البدئي 85، 86، 88؛ أمثلة على الصلة السريرية به 90–1
النرجسية البدئية 132، 135
الطب النفسي xvi، 14، 93–4، 154، 254
الواقع النفسي 47، 59–60، 254–5
«التحليل النفسي للذهانات» 65
الخطاب التحليلي النفسي 75–7
علم النفس 54، 62–3، 195
الذهانيون: نهج العلاج 251؛ علاج فرويد لمريض 65؛ لغة الذهانيين 67؛ أمّ محلَّل وسواسي 161–2، 164–6، 168، 170–1، 173–4، 178، 181؛ الحاجة إلى تشخيص صحيح لهم 65–6؛ شخصيتهم 93، 94–5؛ الاعتراف ليس ضروريًا لهم 66–7؛ رفض القانون 68؛ وضع الآخر 118
الناشرون: مواقفهم من الترجمة 152، 153، 155؛ الناشرون الفرنسيون 156
العقاب 30، 109، 110، 111؛ بحث المحلَّل عن العقاب 224–6، 231، 232، 234
كوينيو، ريمون 108
qui ne serait pas 72
الاغتصاب 79
رجل الجرذان 27، 37n، 164
الواقعي 41، 59–60، 75–6، 79، 135
الواقع 21، 41، 79–80؛ والخير 58–60؛ المبدأ 59؛ النفسي 47، 59–60، 254–5
نقد أدورنو للعقل 106–7
رايخ، فيلهلم 102–3
«ملاحظات على عرض دانيال لاجاش: "التحليل النفسي وبنية الشخصية"» xvi
الكبت: والقلق 247؛ وعودة المكبوت 110–11، 113؛ في دراسة حالة الصدمة 232
البحث التجريبي 241–4
«أوديب معكوس» 220
تشكيل الهوية الرومانية 191–2
روزنهان، ديفيد xv
جنس «س/م» 225–6، 229–30، 232–3؛ استمرار العلاج مرهون بالتوقف عنه 234–5
ساد، الماركيز دي انظر «كانط مع ساد»
السادية: والقلق 122–3، 233؛ الدور الذي تؤديه المازوخية فيها 145؛ جنس «س/م» واللعب به 229–30، 232–3؛ المخططات الخاصة بها 118–19، 118f، 120–3، 121f
السادومازوخية 145
القديس بولس 60، 108–9، 117، 193
استبيان الرواتب والعصابية 54–5
الإشباع: بوصفه قلقًا 38n؛ إشباع الدوافع 58، 64؛ التخلي عن الإشباع في البؤس 8، 12؛ واختيار الموضوع 135؛ مفارقة الرغبة الإنسانية والإشباع 61، 64؛ الفانتازات الجنسية 137، 139–40؛ من الأعراض 10، 11
إنقاذ الحقيقة (salve veritate) 63
التقطيعات 15، 31–5؛ بوصفها اضطرابًا 254؛ الهدف منها 34–5
المدارس، تشكيل الهوية في المدارس الأمريكية 192
العلم 106–8
«العلم والحقيقة» 46
النرجسية الثانوية 133
علم نفس الذات 25
المظهر: التقنية التحليلية في علاقتها به 195–6؛ في تشكيل الهوية 190–6؛ القضيب بوصفه مظهرًا 84–5؛ في الدرس الثامن عشر 78–81؛ الدال المساوي له 74
semblant، ترجمته 72–3، 75
الدرس الأول أوراق فرويد عن التقنية 36n، 39، 51n
الدرس الثاني الأنا في نظرية فرويد وفي تقنية التحليل النفسي 108، 110–11، 116
الدرس الرابع علاقات الموضوع 45، 51n، 120، 204
الدرس الخامس تكوينات اللاوعي 39، 40، 41، 43
الدرس السادس الرغبة وتأويلها 39، 119
الدرس السابع أخلاقيات التحليل النفسي 41، 54، 56، 59، 60، 105، 116–17
الدرس الثامن النقل 41، 58، 141، 145، 204
الدرس العاشر القلق 105، 111، 119، 120، 121f، 122، 129n، 248
الدرس الحادي عشر المفاهيم الأساسية الأربعة في التحليل النفسي 42، 52n
الدرس الرابع عشر منطق الفانتازيا 47، 206
الدرس السابع عشر الجانب الآخر من التحليل النفسي 76
الدرس الثامن عشر خطاب لا يقوم على المظهر 204؛ الخطاب التحليلي 76–7، 78؛ أمثلة على الصلة السريرية بأسطورة الحشد البدئي 90–1؛ صيغ التذكير الجنسي 85–8، 121؛ القضيب 81–5؛ المظهر 78–81؛ البنية 77–8؛ عنوانه وترجمته 71–7؛ الخطاب الجامعي 76؛ الكتابة 88–9
الدرس العشرون عن الأنوثة الجنسية، حدود الحب والمعرفة 72، 74، 76، 77، 82، 126، 134
«ندوة حول "الرسالة المسروقة"» 74، 83
الانفصال 144، 202–3، 247–8
الدوافع الجنسية 137، 140
الفانتازات الجنسية 34، 146، 167، 187، 227، 228، 229، 231، 234
العلاقات الجنسية 82–3، 84
صيغ التذكير الجنسي 85–8، 121
صراع الإخوة 142–4
الدوالّ: التمييز بين الحرف و74–5؛ مساواتها بالمظهر 74؛ الدال السيد 67–8؛ الوساطة به 82؛ دوال الجسد العصابي 103؛ القضيب بوصفه فاصلاً بين الدال والمدلول 82
الخطيئة والقانون 60–1، 109، 193
سقراط 58، 60، 112
الأنا الانعزالية 142
«بعض الآليات العصابية في الغيرة والبارانويا والمثلية الجنسية» 142
الخير الأعلى 61
«نوع خاص من اختيار الموضوع عند الرجال» 136–7
الكلام 23، 59، 109؛ إخراج اللاوعي إلى الكلام 28، 154؛ نقد دريدا لتفضيل الكلام على الكتابة 74؛ الإصغاء إلى كلام المحلَّلين 20–1، 23؛ والحقيقة 73، 79؛ والكتابة 74–5، 88–9 انظر أيضًا اللغة
المجال، كماله 63
سبينوزا، بنديكت دي 25، 27، 37n، 106
«التمثيل المنقسم في فن آسيا وأمريكا» 97
الأسواق المالية 5–6، 6–8
الموضع الذاتي للمحلَّل، التأويل الساعي إلى تحويله 27–31، 251
الذاتية 103، 114؛ بوصفها مازوخية في جوهرها 233–4
subjet brut du plaisir 119
التسامي 61، 64
«تقويض الذات» 48، 49، 209، 211، 217n
الأنا الأعلى 43، 89، 94، 96، 111، 116؛ في الرغبة في فعل الخير 56–7؛ الأنا الأعلى المتشددة 226؛ والرغبة غير المشبَعة 57
علاقة المشرف/المشرف عليه xii، 66
الرمزي: عنصره في الحب 135، 140، 145؛ عنصر الفانتازات 40–1؛ في فرويد عن الحب 136، 139؛ النظام 22، 24، 110؛ خلط رايخ بين الخيالي والرمزي 102–3؛ والمظهر 79
Symposium (أفلاطون) 63، 112
الأعراض: «التماهي مع العرض» 244؛ المال وتأثيره في العمل التحليلي مع الأعراض 9–13؛ التحليل النفسي وتقليص الأعراض 244–5؛ الأعراض المرتبطة بالفقد 8، 9–13؛ والمظهر 81
العلاج بالكلام xvi
الوصايا العشر 116–17
«مقدمة نظرية في وظائف التحليل النفسي في علم الإجرام» 108
الشيء 61، 117
الموضوعات، الروابط بينها 29–31
الطوطم والتابو 85، 86، 87
تدريب المحللين النفسيين xi–xiii
النقل 19، 51n، 247، 253؛ في بحث المحلَّل عن العقاب 224–6؛ في دراسة حالة الهوس 173، 179–80، 180–1؛ الترجمات 153
الترجمات 151–6؛ نقدها 155–6؛ تمويلها 153؛ ترجمة لاكان في سبعينيات القرن العشرين 153–4، 251؛ تشجيع النقاش وتحديث الترجمات القائمة 155–6؛ اقتراح لجنة استشارية للترجمات 156
دراسة حالة الصدمة 218–36؛ الخلفية 218–20؛ استمرار العلاج مرهون بالتوقف عن نشاط «س/م» 234–5؛ تطور التوجه الجنسي 220–1، 231؛ التشخيص 226، 231–5، 236؛ الأحلام 222، 225؛ آثار الأحداث الصادمة في المحلَّل 224–30؛ الفانتازات 222، 226–7، 228، 229، 231، 234؛ بنية الفانتازيا 230؛ العلاقة مع الأب 219–20، 221، 223، 226، 231؛ المتابعة 235–6؛ إخفاء الرغبة في أن يكون محبوبًا 230؛ الأنا الأعلى المتشددة 226؛ العجز عن التعبير عن الغضب مباشرة 224، 231؛ قبلة على الرقبة 221، 222؛ الحياة العاطفية 227–8؛ الاعتداء من ابن العم 222–4؛ «الاعتداء» من العم 220–2؛ العلاقة مع الأم 218–19، 221، 223، 231؛ «أوديب معكوس» 220؛ جنس «س/م» 225–6، 229–30، 232–3؛ البحث عن العقاب 224–6، 231، 232، 234؛ الحياة الجنسية 228–30؛ الفانتازات الجنسية 228، 229، 231، 234؛ الصدمة بوصفها فجوة 222؛ الأحداث الصادمة 220–4؛ فهم «الحدث الصادم» 230–1
الحقيقة 46–7، 73، 79–80، 84
التحليلان للسيد Z x
سيكولوجيا الجسدين، والنقاش مع سيكولوجيا الجسد الواحد 19
اللاوعي: السعي إلى جعل المحلَّل ينطقه 28، 154؛ التحليل النفسي الأمريكي والتعامل معه 154، 155، 247؛ الصراع بين المُثُل واللاوعي 195؛ الرغبات غير المتوقعة في الأحلام 25، 26–7، 30؛ الرغبة 25–7، 37–8n، 55، 59؛ خطاب اللاوعي 21–2، 55، 114؛ استكشافه عبر اللغة 21–2، 250؛ فرويد وتأويله 28–9؛ الحقيقة بوصفها قابلة للتتبع إلى اللاوعي 80
الشمولية 114–15
الجامعات: مواقفها من الترجمة 152، 153
الخطاب الجامعي 76
دستور الولايات المتحدة 68
الجلسات ذات المدة المتغيرة 15، 31–5؛ بوصفها اضطرابًا 254؛ هدف التقطيع فيها 34–5؛ قلب المنظور وإنهاء الجلسة 32–4؛ صياغة لافتة: إنهاء الجلسة على 32
«تنويعات على العلاج القياسي» 102
الإحساس بالضحية 46
العنف: في التحليل نفسه 254؛ في الحقل السريري 253–4؛ الواقع على نظرية فرويد وممارسته 254–5
وينيكوت، دونالد xi، 21، 37n، 40
Wohl 112، 113
المرأة، عدم وجودها 85–7
النساء: الرغبة والحب 134، 139، 140؛ فانتازيا دون جوان 85، 86؛ فرويد عن الاختلافات بين الرجال والنساء 134؛ احترام النساء 139
Wool-Gathering 50
The Words To Say It 50
العمل: الرفض 13–14؛ العلاقة بين التحليل النفسي والعمل 15–17
A World of Faces 100
الكتابة: كتابة المحلَّل في دراسة حالة الهوس 173، 174–5، 176–7؛ نقد دريدا لتفضيل الكلام عليها 74؛ مناقشتها في الدرس الثامن عشر 88–9؛ والكلام 74–5
أسلوب لاكان في الكتابة 156
«شباب جيد، أو الحرف والرغبة» 99