المظهر
جامعة ويسترن Western University
Scholarship@Western
مستودع الرسائل والأطروحات الإلكترونية
2015-12-14، 12:00 صباحًا
سيبرانيات لاكان
سفيتلانا ماتفيينكو، جامعة ويسترن أونتاريو
المشرف: Nick Dyer-Witheford، جامعة ويسترن أونتاريو
المشرف المشارك: Allan Pero، جامعة ويسترن أونتاريو
أطروحة مقدمة استيفاءً جزئيًا لمتطلبات درجة دكتوراه الفلسفة في النظرية والنقد
© سفيتلانا ماتفيينكو 2015
تابع هذا العمل وأعمالًا إضافية على: https://ir.lib.uwo.ca/etd
جزء من Arts and Humanities Commons
الاستشهاد الموصى به
Matviyenko, Svitlana, "Lacan's Cybernetics" (2015). Electronic Thesis and Dissertation Repository. 3461. https://ir.lib.uwo.ca/etd/3461
تُتاح هذه الرسالة/الأطروحة لكم مجانًا وبوصول مفتوح عبر Scholarship@Western. وقد قُبلت لإدراجها في مستودع الرسائل والأطروحات الإلكترونية من قِبل مسؤول مخوّل لدى Scholarship@Western. ولمزيد من المعلومات، يُرجى التواصل على: wlswadmin@uwo.ca.
سيبرانيات لاكان
(صيغة الأطروحة: دراسة أحادية)
بقلم
سفيتلانا ماتفيينكو
برنامج الدراسات العليا في مركز دراسات النظرية والنقد
أطروحة مقدمة استيفاءً جزئيًا لمتطلبات درجة دكتوراه الفلسفة
كلية الدراسات العليا وما بعد الدكتوراه
جامعة ويسترن أونتاريو
لندن، أونتاريو، كندا
© سفيتلانا ماتفيينكو 2015
الملخص
يستكشف هذا المشروع التزامن بين الممارسات التحليلية النفسية والممارسات السيبرانية منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى أواخره، وذلك عبر استعادة ثقافة وسائط مادية مشتركة وتحليلها. وينطلق المشروع من أعمال المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان، الذي لاحظ الألفة بين السيبرانيات والتحليل النفسي، بوصفهما «تقنيتين متقاربتين زمنيا على نحو تقريبي»، ترتبطان بظهور نوعين متميزين من العلوم: العلوم الدقيقة والعلوم «التخمينية». وأبحث الأنماط التصويرية المشتركة بين المجالين قبل أن تتطور بينهما اختلافات كبيرة، بل وحتى غير قابلة للتوفيق. ويبيّن هذا المشروع أن ما ناقشه لاكان صراحة في خمسينيات القرن العشرين، ولا سيما في سميناره الثاني «السيبراني»، كان تعبيرًا عن صلة أضمر بين السيبرانيات والتحليل النفسي منذ البدء ab initio. كما يقدم سردًا أركيولوجيًا-وسائطيًا لما قبل تاريخ التحليل النفسي، أو للممارسات ما قبل التحليلية النفسية، يدرس تطور التقنية التحليلية النفسية من خلال التوسيط التكنولوجي وضده في آن. وينتقل الجزء الأخير من هذه الأطروحة من موضوع البانوبتيكون المعماري والمؤسساتي في القرن التاسع عشر إلى ذات-المستخدم «البين-سلبية» في البانوبتيكون المنحرف لشبكة وسائل التواصل الاجتماعي. ويتجاوب نقاشي مع الهواجس الراهنة المعبر عنها، داخل الأوساط الأكاديمية وفي العيادة اللاكانية معًا، بشأن درجة التوسيط، وحدود المراقبة، وقدرة الشبكة على استغلال الذات، وأتمتة الأدوات التي تدير حياتنا، والأعراض التي تنتجها كل هذه الجوانب من تجميعات الإنسان-الآلة، أو حتى محو تلك التجميعات داخل الخطاب الرأسمالي للاقتصاد العالمي.
الكلمات المفتاحية
السيبرانيات، التحليل النفسي، المعلومات، الإنتروبيا، البنية، العلوم التخمينية، العلوم الدقيقة، الأتمتة، اللاوعي، فرويد، لاكان، وينر، شانون.
شكر وتقدير
أود أن أعرب عن امتناني للدكتور Nick Dyer-Witheford والدكتور Allan Pero على دعمهما وملاحظاتهما وإرشادهما، وعلى مساعدتي في صوغ أفكاري وفي العثور على طريقي داخل هذا البحث عن آثار السيبرانيات والتحليل النفسي قبل قرون من تبلور المجالين.
وأشكر المشاركين في حلقة القراءة «Lacan, Media, Capitalism» التي استمرت خلال عامي 2013-2014 في جامعة ويسترن أونتاريو؛ ففي النقاشات معهم تبلور المخطط الأولي لهذا المشروع.
جدول المحتويات
الملخص................................................................................................ii
شكر وتقدير...........................................................................................iii
جدول المحتويات......................................................................................iv
قائمة الجداول........................................................................................vi
قائمة الأشكال.......................................................................................vii
المقدمة: التحليل النفسي والسيبرانيات، ab initio.............................................1
القسم الأول - الشياطين والآلات الذاتية......................................................17
الفصل الأول - الإبستيمه السيبرانية........................................................18
لاكان مع السيبرانيات وضدها.............................................................18
فرويد، لاكان، ومسألة الكتابة............................................................40
الفصل الثاني - ذات العلم......................................................................57
القديسون الشفعاء للسيبرانيات والتحليل النفسي........................................57
الأتمتة في الإنسان والحيوان والآلة.....................................................68
الفصل الثالث - دوائر فرويد..................................................................80
فرويد مع الديناميكا الحرارية وضدها....................................................80
من الديناميكا الحرارية إلى البنية.......................................................96
الفصل الرابع - لاكان والآليات................................................................109
الظواهر الآلية..............................................................................109
الكتابة الآلية...............................................................................118
القسم الثاني - كتابة الجسد...................................................................130
الفصل الخامس - التشظي والتعبئة............................................................131
مواد متقاربة................................................................................131
آلات المركزية الكتابية..................................................................142
القسم الثالث - الآلات الحميمة-الخارجية....................................................159
الفصل السادس - التواطؤ والبين-سلبية......................................................160
أيديولوجيا التتبع.........................................................................160
الامتداد الاصطناعي........................................................................169
الخاتمة: التحليل النفسي والسيبرانيات، après-coup......................................192
ثبت المراجع.....................................................................................196
السيرة الذاتية..................................................................................221
قائمة الجداول
الجدول 1. «نمطا علاقتنا بالتكنولوجيا».....................................................169
قائمة الأشكال
الشكل 1. «مخطط فرويد لحالة إيما من مشروعه من أجل علم نفس علمي، 354.»...........87
الشكل 2. «رينيه ماغريت، استعمال الكلام، رقم 64 (1928).»............................126
الشكل 3. «رينيه ماغريت، القناع الفارغ (1928).»........................................126
الشكل 4. «رينيه ماغريت، موضع الستائر (1928-29).»...................................127
المقدمة
التحليل النفسي والسيبرانيات، ab initio
يستخرج هذا المشروع تزامن الفكر التحليلي النفسي والفكر السيبراني منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى أواخره، عبر استعادة ثقافة وسائط مادية مشتركة وتحليلها. وأنا أتخذ من أعمال المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان نقطة انطلاق: من «عودته إلى فرويد» في خمسينيات القرن العشرين، ولا سيما في سميناره الثاني «السيبراني»، الأنا في نظرية فرويد وفي تقنية التحليل النفسي (1954-1955)، حيث لاحظ لاكان ألفة بين السيبرانيات والتحليل النفسي تعود إلى كونهما «تقنيتين متقاربتين زمنيا على نحو تقريبي» (295)، وكلتاهما متجذرتان في زمن ظهور العلوم «الدقيقة» والعلوم «التخمينية». وقد «نظر إلى السيبرانيات ونظرية المعلومات بوصفهما إطارًا فكريًا بديلًا لإعادة التفكير في فرويد» (Liu 158). وأصر لاكان على أن السيبرانيات أبرزت «الفرق الجذري بين النظامين الرمزي والخيالي» (Seminar II 306)، وفصّل هذا الفرق باستخدام مفاهيم سيبرانية، وبخاصة «الآلة» بوصفها دورانًا آليًا متصلًا يشرع في التبادل بين الأنظمة. «لا وجود للسيكلويد في الخيالي. السيكلويد اكتشاف في الرمزي. وبينما يمكن إنتاج هذا الأخير بسهولة بواسطة آلة سيبرانية»، شرح لاكان أنه في عدم تطابق الذات الجذري، وهي عالقة بجمود المستوى الخيالي الساكن، «نصادف صعوبات غير مسبوقة ... في جعل دائرة تقابل أخرى عن طريق حوار بين آلتين» (306).
ومن هذه النقطة أعود قرابة قرن إلى الوراء، إلى زمن كانت فيه الممارسات السيبرانية والممارسات التحليلية النفسية على وشك أن تظهر فحسب، كي أتحرى «أنماطًا تصويرية مشتركة معينة» قبل أن يطور المجالان ما قد يبدو «اختلافات كبيرة جدًا، بل غير قابلة للتوفيق، في افتراضاتهما الأساسية»1 (Elmer 108). وأنا أقرأ حالات مختلفة من الممارسات العلمية والفنية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وكذلك الأبحاث المنشورة في علم الأعصاب والطب النفسي والبيولوجيا، حيث أميز المواضع التي تُظهر انشغالات مماثلة لانشغالات السيبرانيات المبكرة والتحليل النفسي، وهو ما يكشف أنهما تشكلا داخل أطر إبستمولوجية متشابهة، وهي حقيقة كثيرًا ما تغفلها القراءات المألوفة للمجالين. وبعبارة أخرى، أبيّن أن ما ناقشه لاكان صراحة في خمسينيات القرن العشرين لم يكن إلا تعبيرًا عن صلة أضمر، وإن لم تُصغ صراحة، بين الممارستين منذ البدء ab initio.
1 يورد جوناثان إلمر هذه الملاحظة في ما يتعلق بأوجه الشبه بين لاكان ومنظّر النظم نيكلاس لومان. وقد قام المنظّر الكندي أنتوني وايلدن بمحاولة مماثلة في كتابه System and Structure: Essays in Communication and Exchange (1972).
كما لاحظ David A. Mindell، فإن «مصطلح ما قبل التاريخ ينطوي على غائية معينة يأنف منها مؤرخ التكنولوجيا» (Between Human and Machine 6). غير أن ما أرسمه هنا من «ما قبل تاريخ» لا يتحقق بدلًا من تثبيت السرديات التاريخية، بل يقوضها بكشف جوانب قصورها المتعددة. ففي الفترة بين ثلاثينيات القرن التاسع عشر وثمانينياته، حين كانت مجالات علمية عدة مثل الفيزيولوجيا وعلم الأعصاب وعلم النفس في طور التشكل، كان ثمة «ضجيج» خاص في محاولات صوغ برامجها الفردية ومناهجها. وقد شكّل هذا الضجيج «المناطق الرمادية» و«التقاطعات» بين العلوم، وهي أمور لا تنسجم مع التأريخ اللاحق. ومع أن الكشف عن «العمق الأركيولوجي» أو استعادة «الذكريات المكبوتة» عبر التنقيب في أكوام من السجلات المبعثرة التي لم تُربط من قبل بالسيبرانيات أو بالتحليل النفسي يفيد، فإن هذه الاستراتيجية لا تعكس غرض هذا المشروع. بل إن عملي يقوم، بالأحرى، على فك شيفرة أرشيف جديد، أشد تعقيدًا وتنوعًا، أراه مخزنًا ديناميًا «لا يتألف تزامنيًا من طبقات متراكبة بعضها فوق بعض، بل يعيد من وقت إلى آخر تشكيل ترتيب الذكريات»،2 على حد وصف فرويد لآلية نفسية في رسالته إلى Wilhelm Fliess سنة 1896 (Ernst, “Archive in Transition” 101; Freud, Letters to Fliess 205-215). ومن أجل مقاربة ما قبل التاريخ المشترك للتحليل النفسي والسيبرانيات، يسعى مشروعي إلى تحريك مثل هذه إعادة التهيئة.
2 على حد تعبير فرويد في الرسالة نفسها، فهو يكتب:
أعمل انطلاقًا من افتراض أن آليتنا النفسية قد تكونت عبر عملية من التراصف: فالمادة الحاضرة في صورة آثار للذاكرة تتعرض من وقت إلى آخر لإعادة ترتيب وفق ظروف جديدة، أي لإعادة نسخ. ومن ثم فإن الجديد في نظريتي، على نحو جوهري، هو الأطروحة القائلة إن الذاكرة لا تكون حاضرة مرة واحدة بل مرات عدة، وإنها موضوعة في أنواع مختلفة من الدلالات. (Freud, Letters to Fliess 205)
ولتحقيق هذا الهدف، أتبع اقتراح لاكان القائل إن السيبرانيات والتحليل النفسي يعملان كلاهما على «ذات العلم» التي ظهرت بفعل التحولات الإبستمولوجية في القرن السابع عشر. ومن أجل استكشاف مفهوم لاكان لـ«ذات العلم»، أستخدم المنهج الأركيولوجي-الوسائطي بوصفه «مقاربة إبستمولوجية بديلة لهيمنة السرديات التاريخية للوسائط»، وهي مقاربة تستند أيضًا، بحسب Wolfgang Ernst، إلى مفهوم Michel Foucault لـ«الأرشيف» باعتباره «مجموعة القواعد التي تحكم مدى ما يمكن التعبير عنه لفظيًا أو سمعيًا بصريًا أو ألفبائيًا رقميًا أصلًا» (“Media Archaeology” 55). ويعرّف Ernst منهج أركيولوجيا الوسائط بأنه:
... نوع من الهندسة العكسية الإبستمولوجية، ووعيٌ باللحظات التي تصبح فيها الوسائط نفسها، لا البشر وحدهم بعد الآن، «أركيولوجيين» للمعرفة. وهذا يعني أنه حين تتناول أركيولوجيا الوسائط ما قبل التواريخ ... فإن هذا «ما قبل» لا يتعلق بالسبق الزمني بقدر ما يتعلق بالتكوينات التقنية-الإبستمولوجية الكامنة تحت السطح الخطابي (أي الشاشات والواجهات حرفيًا)... (55)
إن ما قبل التاريخ الذي أرسمه في بحثي يضمن إمكان الاحتفاظ باسم «السيبرانيات» للإشارة إلى تلك الممارسات المبكرة التي لا تنطبق تمامًا على تعريفات السيبرانيات المقترحة بين أواخر أربعينيات القرن العشرين وأوائل خمسينياته.3 ومن المهم، في تقديري، التمييز بين الممارسة السيبرانية والخطاب السيبراني، إذ لكل منهما إطاره الزمني الخاص الذي لا يتطابق مع الآخر، كما أن لكل منهما ممثلين فكريين مختلفين.
3 غير أنني، كما سأجادل في هذه الأطروحة، أرى أن بعض مفاهيم نظرية النظم التي تطورت نتيجة مناقشات مؤتمرات Macy تكشف بنية متشاكلة مع التحليل النفسي.
ويتصل هذا التمييز مباشرة بصعوبة رسم علاقة التحليل النفسي بالسيبرانيات، وهي صعوبة تنشأ بمجرد أن نقول «السيبرانيات»: فبسبب طابعها البين-تخصصي وتاريخ تحولاتِها الطويل جدًا، كانت السيبرانيات أشياء كثيرة جدًا، وحتى اليوم لا يوجد إجماع على ماهيتها. ففي Johns Hopkins Guide to Digital Media، يلاحظ Bernard Geoghegan وBenjamin Peters أنها وُصفت على نحو متباين بأنها:
... علم للاتصال والتحكم (Wiener 1948)، وعلم كوني (Bowker 1993)، وتخصص مظلي (Kline, n.d.)، وعلم مانوية (Galison 1994, 232)، ومهزلة علمية قائمة على تشبيهات رخوة بين الحواسيب والكائنات البشرية (Pierce 1961, 208-227). (Geoghegan, Peters 109)
لقد ارتبطت السيبرانيات دائمًا بمقاربة مركبة لاستكشاف الأنظمة ذاتية التنظيم، وبناها، وقيودها، وإمكاناتها. وهي تدرس تجميعات الإنسان-الحيوان-الآلة في كليتها: فمع إقرارها بالفروق بين الكائنات الحية والأنظمة غير الحية، فإنها تتعامل مع هذه التجميعات بوصفها وحدات تشغيل مستقلة، لكنها على اتصال دائم ببيئاتها. والسيبرانيات لا تسأل عما تكونه هذه الوحدات، بل عن كيفية اشتغالها. ولذا فهي، في جوهرها، ممارسة؛ لكنها، بالطبع، خطاب أيضًا.
بوصفها خطابًا، دخلت السيبرانيات العالم مهزوزةً بأهوال الحرب العالمية الثانية، بوصفها Esperanto4 للعلم: أي جسرًا يسد الفجوات ويقيم التعاون بين الإنسانيات والعلوم الدقيقة والطبيعية والاجتماعية. وكانت بالفعل تعبيرًا عن أمل في توحيد الجهود للعمل عبر التخصصات نحو حلول سريعة وفعالة لمشكلات ملحة. ففي عالم غارق من جديد في الأسى والسخط، كشف غياب لغة مشتركة بين التخصصات المختلفة ما بدا أنه «المساحات الفارغة على خريطة العلم»، وهي مساحات لا يمكن ملؤها إلا «بفريق من العلماء، [يكون] كل متخصص منهم في مجاله الخاص، لكنه يمتلك أيضًا إلمامًا راسخًا ومدربًا بمجالات جيرانه»، على حد ما كان الطبيب وعالم الفيزيولوجيا المكسيكي Arturo Rosenblueth5 معروفًا بقوله (Wiener, Cybernetics 3). وكما أوضح Norbert Wiener:
إذا كانت صعوبة مسألة فيزيولوجية ما ذات جوهر رياضي، فإن عشرة فيزيولوجيين يجهلون الرياضيات لن يذهبوا أبعد مما يذهب إليه فيزيولوجي واحد يجهل الرياضيات، ولا خطوة بعد ذلك. وإذا عمل فيزيولوجي لا يعرف الرياضيات مع رياضي لا يعرف علم النفس، فلن يكون الأول قادرًا على صياغة مسألته بمصطلحات يستطيع الثاني معالجتها، ولن يكون الثاني قادرًا على صوغ الأجوبة في صورة يستطيع الأول فهمها. (Cybernetics 2-3)
4 إن كلمة «Esperanto» التي تشير إلى «أنجح لغة مخترعة على الإطلاق على نحو يبعث على الغرابة»، مأخوذة من الاسم المستعار لمبتكرها، طبيب العيون اليهودي البولندي Ludwik Lejzer Zamenhof، الذي نشر أول كتاب له في هذا الموضوع، Esperanto (1887)، تحت الاسم المتخيل Doktoro Esperanto، أي «من يأمل». انظر: https://en.wikipedia.org/wiki/Esperanto.
5 كان Arturo Rosenblueth، أحد المفكرين الرئيسيين ورواد السيبرانيات، زميلًا وشريكًا وصديقًا لـNorbert Wiener، وقد شاركه تأليف عدد من الأعمال المهمة، منها Behavior, Purpose and Teleology (1943) وThe Role of Models in Science (1945)، وقد أهداه Wiener كتابه Cybernetics, or Control and Communication in the Animal and the Machine (1948).
بوصفها خطابًا، تخرج السيبرانيات in medias res. وتخبرنا Encyclopædia Britannica أن هذه العبارة اللاتينية تشير إلى تقنية سردية تقوم على «ممارسة بدء الملحمة أو غيرها من الأشكال السردية الخيالية بالإلقاء مباشرة في موقف حاسم يشكل جزءًا من سلسلة وقائع مترابطة».6 وهذا بالتحديد ما يحدث حين يتعلق الأمر بتاريخ السيبرانيات: فنحن نهوي دائمًا إلى سنة 1948، السنة التي رسم فيها Wiener ضرورة المجال «الجديد» واتجاهه وأسئلته ومصطلحاته في عمله التأسيسي Cybernetics, or Control and Communication in the Animal and the Machine. وقد نُشر كتاب Wiener في التوقيت الأنسب، أي مرة أخرى في قلب الحدث: في الزمن الذي كانت فيه مؤتمرات Macy السنوية تنعقد في مدينة نيويورك بين 1946 و1953، والتي وُصفت دائمًا، في كتابات مؤرخي السيبرانيات، بأنها مجمع تفكير للباحثين الذين استكشفوا سلوك الأنظمة الصغرى والكبرى ذاتية الحكم، وراجعوا الحدود بين الأشياء والأنظمة والتخصصات (Heims 1991, 1982; Hayles 1999; Mindell 2002; Dupuy 2009; Liu 2010; Halpern 2015; Kline, 2015).
وكان خطاب السيبرانيات يرمي إلى تعميم المقاربة السيبرانية، كما كان يرمي إلى تبرير هذه «اللغة العلمية الجديدة».7 لقد كانت خمسينيات القرن العشرين حركة تاريخية تحولت فيها لغة اصطلاحية إلى أيديولوجيا، أي إلى «cyberspeak» على حد تعبير Slava Gerovitch (From Newspeak to Cyberspeak 2). إن التمييز بين خطاب السيبرانيات وممارستها يفسر كيف تظل الإبستيمه السيبرانية حاسمة بالنسبة إلى التحليل النفسي، رغم نقد لاكان الصريح للسيبرانيات، بوصفها خطابًا، في خاتمة سميناره الثاني.
6 انظر المدخل هنا: https://www.britannica.com/EBchecked/topic/284369/in-medias-res.
7 يشرح Slava Gerovitch، المنظّر في MIT ومؤرخ السيبرانيات السوفييتية، أن هذا المصطلح يصف نوعًا من «مزج المفاهيم العلمية والفلسفية والأيديولوجية في الخطابات السياسية والأكاديمية في أواخر الحقبة الستالينية»، أي ما سُمي في الاتحاد السوفييتي قبل الحرب العالمية الثانية «لغة الأيديولوجيا» السوفييتية (كما سماها Mikhail Epstein) (Gerovitch, From Newspeak to Cyberspeak 13, 26). ويكتب:
... لقد تطورت الأفكار السيبرانية التي صاغها علماء ومهندسون أميركيون وأوروبيون غربيون في أربعينيات القرن العشرين، ونظرت إلى التشبيهات المتنوعة والانتقائية بين الدماغ البشري والحاسوب، وبين التواصل البشري وتبادل المعلومات، وبين الإنتروبيا السلبية والنظام البيولوجي والاجتماعي، من خلال موشور لغة مجازية مشتركة أسميها cyberspeak. (49)
إن «جدة» السيبرانيات، بالنسبة إلى Wiener، لم تكن تعني انقطاعها التام عن الماضي. فقد اختار، في الواقع، «قديسًا شفيعًا للسيبرانيات» من بين مفكري القرنين السابع عشر والثامن عشر: Gottfried Wilhelm Leibniz. غير أن سبب تبني Wiener للفيلسوف لم يكن منهج فكره، بل اهتمامه بإمكان بناء آلة حاسبة. فبحسب Wiener، كان الفلاسفة الأسبقون قد استشرفوا المجال السيبراني لأن غايتهم كانت تطوير منطق رياضي يكون أساسًا للتفكير الآلي. وبالطبع، فإن فكرة Leibniz عن الآلات الحاسبة استبقت الطموح المركزي للسيبرانيات في القرن العشرين، أي الذكاء الاصطناعي. غير أن التحليل النفسي السيبراني في بداياته طرح سؤالًا هو الصيغة المعكوسة لسؤال Leibniz: إلى أي حد يكون الذكاء الإنساني «اصطناعيًا» أو «ميكانيكيًا» أو «آليًا»؟ وهل يجري تواصل الإنسان والحيوان وسائر الآلات مع بيئاتهم ومع بعضهم بعضًا على نحو آلي؟ وأي نوع من التبادل يشرع فيه هذا التواصل؟ وما الحدود التي يتجاوزها، وتحت أي شروط؟
إن ما قبل تاريخ التحليل النفسي السيبراني يمد الأطر التاريخية الخاصة بكل من المجالين، وأطرهما المشتركة أيضًا. وقد أُنجز بعض العمل الذي ينازع الأطر التاريخية المقبولة للتحليل النفسي والسيبرانيات، غير أن معظم هذا العمل يعالج كل مجال منهما على حدة. فعلى سبيل المثال، مدّت دراسة Mindell لتاريخ أنظمة التحكم الإطار الزمني للبحث السيبراني إلى الوراء، إلى السنوات الواقعة بين الحربين، من 1916 إلى 1948. ويستكشف Mindell خطابات وممارسات «طمس الحد الفاصل بين الطيار والآلة»، و«بين الميكانيكي والعضوي»، وهو ما سينتهي، بعد الحرب العالمية الثانية، إلى ذلك «الزواج الغريب بين التحكم والاتصال، أي إلى رؤية معينة لعلاقة الإنسان بالآلات» (Between Human and Machine 4, 2, 5). وأظهر Christopher Bissell (“Not Just Norbert”) أن الأبحاث في هندسة التحكم، وعلاقتها بالاقتصاد والعلوم الاجتماعية والثقافة، التي قام بها عدد من العلماء الألمان سبقت أبحاث Wiener بما يقارب عقدًا كاملًا: ومن ذلك، مثلًا، أعمال الفيزيائي الألماني Hermann Schmidt، ومهندس التحكم Winfried Oppelt، والمهندس الكهربائي Arnold Tustin، وعالم السيبرانيات البيولوجية Karl Küpfmüller، وهي أعمال نادرًا ما تُذكر في تواريخ الفكر السيبراني.
وقد كتب المحلل اللاكاني Eric Laurent على نطاق واسع عن العلاقة بين التحليل النفسي وعلوم الأعصاب. وعلى الرغم من أنه لا يتناول سياقات القرن التاسع عشر مباشرة، فإن مناقشته لـ«اللدونة العصبية» (ردًا على الفيلسوفة الفرنسية Catherine Malabou) و«اللدونة الجسدية-الفيزيائية» (ردًا على عالم الأعصاب السويسري Pierre Magistretti والطبيب النفسي François Ansermet) في كتاب Lost in Cognition: Psychoanalysis and the Cognitive Sciences (2014) قد وفرت الإطار الذي استندت إليه في قراءتي للممارسات السريرية في بدايات العلم العصبي المبكر وممارسات ما قبل التحليل النفسي.
أما في ما يخص ما قبل تاريخ التحليل النفسي، فقد وجدت كتاب Henry F. Ellenberger، The Discovery of the Unconscious: The History and Evolution of Dynamic Psychiatry (1970)، مفيدًا بفضل منظوره التاريخي الثري؛ كما أفدت من دراسة Frank J. Sulloway، Freud, Biologist of the Mind: Beyond the Psychoanalytic Legend (1979)، رغم اختلافي مع أطروحته. ففي كتابه، يقترح Sulloway أن التحليل النفسي الفرويدي لم يكن إلا تجميعًا لشذرات من أعمال منجزة على يد علماء وأطباء آخرين.
ولا ريب أن الجذور المتعددة لفكر فرويد لا يمكن إنكارها، غير أنني أرى أن Sulloway يخطئ موضع المسألة حين يزعم أن إسهام فرويد نفسه في تكوين الفكر التحليلي النفسي في القرن التاسع عشر كان تافهًا. فهو يغفل التحولات التي أجراها فرويد على مختلف المفاهيم والاكتشافات العلمية حين استخدمها في عمله. وطبيعة هذه التحولات بالذات هي ما يتيح لي أن أضع فرويد داخل الإبستيمه السيبرانية، وأن أشير إلى ممارسته بوصفها «تحليلًا نفسيًا سيبرانيًا». ففي عمله، أدرك فرويد حدسيًا خصوصيات «التواصل السيبراني» بين الأنظمة والبيئة، وهو ما أعتقد أنه كان مهمًا في ترسيخ الممارسة التحليلية النفسية.
أما في ما يخص المصطلحات والمفاهيم التي أستخدمها في هذا المشروع للدلالة على الفروق بين ما يمكن أن نسميه بالفكر ما قبل السيبراني، والفكر السيبراني المبكر، والسيبرانيات، وما بعد السيبرانيات، فأنا أضعها جميعًا تحت المظلة الجامعة «الإبستيمه السيبرانية». ومن أجل الحجة الأساسية، لا يركز هذا المشروع على فروقها، مع أنني أقر بأنها تدل غالبًا على تبدلات صغيرة لكنها دالة، فضلًا عن انقطاعات واضحة ولا سبيل إلى إنكارها في فهم العلاقة بين الأشياء والذوات، وبين الأشياء والكلمات والبيئات. ولأعطي مثالًا، أرى أنه لا يوجد انقطاع إبستمولوجي بين الفكر ما قبل السيبراني، الذي أمكن ملاحظته في الممارسات الطبية في ستينيات القرن التاسع عشر، أي حين أسس الفيلسوف والفيزيائي وعالم النفس التجريبي الألماني Gustav Fechner مجال السيكوفيزياء، وبين الفكر السيبراني المبكر في الثلث الأول من القرن العشرين، أي حين أُنجز معظم البحث العلمي الذي أفضى إلى تأسيس السيبرانيات وصوغها بوصفها مجالًا. غير أنني، في هذا المشروع، لا أميز بينهما إلا بوصفهما شكلين مختلفين من الوعي، يكشفان عن نفسيهما في ممارسات متعددة، كما يكشفان عن نفسيهما عبر درجات مختلفة من التعبير تظهر في سياق مؤسستهما. وكثيرًا ما تتعايش هذه الأشكال المختلفة من الوعي في الفترة الزمنية نفسها؛ وأحيانًا تكون حاضرة في صورة أكثر تركيزًا من أوقات أخرى. وبهذا المعنى، يبرهن مشروعي على نوع من الـ afterwardness في قراءتي لتاريخ الأفكار، لكنه بالتأكيد ليس غائية.
ويقترح أحد أبرز الماديين-الوسائطيين الألمان، Friedrich Kittler، أن عمل لاكان لا ينبغي فقط وضعه في سياقات الوسائط وأنظمة المعلومات، بل ينبغي القول أيضًا إنه كان هناك دومًا (1985; 1993). ففي كتابه Discourse Networks 1800 / 1900 (1985)، يجادل بأن التحليل النفسي الفرويدي ينتمي إلى إحدى الشبكات الخطابية المادية التي تتكون من الوصلات بين اللحظة التاريخية والبنية الاجتماعية والتكنولوجيا وأنظمة الاتصال. وفي أعماله اللاحقة، يتناول Kittler كذلك التحليل النفسي اللاكاني، ويقترح أن الفرق بين هاتين النسختين من التحليل النفسي يمكن قراءته من خلال الانتقال من التماثلي إلى الرقمي، وهو ما يضع فرويد ولاكان داخل شبكات خطابية مختلفة. وفي قراءتي، يؤدي الفرق الذي يثبته Kittler دورًا مهمًا في تمييز ما أسميه الأشكال المختلفة للوعي ودرجات التعبير عن ممارسات الكتابة، ومفتاح ذلك ما يسميه لاكان «الكتابة في الكلام»: أي الإنتاج المستمر، الرقمي والتماثلي معًا، للعلاقة بين الذوات والأشياء، وبين الأشياء والكلمات والبيئات. ولذلك، فعلى الرغم من اختلاف أنظمة الوسائط التقنية، فإن الإبستيمه السيبرانية، كما أراها، تشغل براحة كبيرة مجالي شبكة الخطاب 1800 وشبكة الخطاب 1900 معًا، وكل منهما يوفر شروط إمكان مختلفة لظهور الهيمنة العالمية للمركزية الكتابية، وتطورها، ثم ترسخها.
ويعد عمل Lydia H. Liu حاسمًا في هذا الصدد: فالسؤال الذي طرحته في Freudian Robot (2010)، «أين تكون كتابة الوسائط الرقمية؟» (15-37)، واختيارها الإجابة عنه بالعودة إلى عمل لاكان، قد أثرا في هذا المشروع تأثيرًا كبيرًا. غير أنني أرى أن الجواب يقتضي توسيع النطاق إلى المراحل المبكرة من الممارسة التحليلية النفسية، أي إلى لحظة تشكلها في أواخر القرن التاسع عشر. ومن خلال قراءة تأملات فرويد المبكر عبر عدسة السيبرانيات، التي اعترفت بوظيفة الآلات المجردة، كما يفعل لاكان في Seminar II، أبيّن أن التحليل النفسي بدأ، منذ صوره الأولى جدًا، بوصفه تجليًا لحدس، إن لم يكن بعدُ وعيًا تامًا، قاده إلى استكشاف مادية المكتوب-في-الكلام والانخراط فيها.
لقد أعانتني أعمال عدد من منظري الوسائط الألمان المتأثرين بقراءة Kittler لنشأة الممارسة التحليلية النفسية من حيث تغير أنظمة الوسائط، في استكشاف أركيولوجيا الوسائط الخاصة بالتحليل النفسي. وكانت نظرية Bernhard Siegert في التقنيات الثقافية، التي تستخدم تمييز لاكان بين سجلات الواقعي والخيالي والرمزي، حاسمة في تمييز مستويات مختلفة من المادية في التاريخ الوسائطي للتحليل النفسي.8 كما كانت ملاحظات Wolfgang Ernst النافذة حول تصور فرويد للذاكرة بوصفها أرشيفًا ديناميًا (“Archive in Transition” 101) مفيدة جدًا، إلى جانب بيانه للفرق «بين الرمزي، بمعنى لاكان: الكتابة والحروف، وبين الواقعي الرياضي: الحوسبة» (“Discontinuities” 116). وفي قراءة عمليات الرقمنة في حالات التوثيق الفوتوغرافي لمرضى Charcot، أفدت من مناقشة Ernst لعلاقة الرقمي بالتماثلي في صلتها بمفهوم فرويد لـ«الجهاز النفسي»، كما أعاد لاكان تصوره بحيث يجسد مبدأ أنبوب triode،9 وهو ما يقترح أن النظام الرقمي لم يحل محل النظام التماثلي، بل إن كليهما صار آلة مركبة لا تستقبل البيانات وتنقلها وتخزنها فحسب، بل تعالجها أيضًا.
8 انظر، على وجه الخصوص، مقالي Siegert: “Door Logic, or the Materiality of the Symbolic” و“Medusas of the Western Pacific: The Cultural Techniques of Seafaring” في Cultural Techniques: Grids, Doors, and Other Articulations of the Real (2015).
9 بالإشارة إلى Seminar II للاكان، يكتب Ernst عن «الجهاز النفسي» لدى فرويد: «إنه، إذن، أنبوب الإلكترون قبل كل شيء، تلك الكينونة الإبستمولوجية-الوسائطية التي تعمل في الوقت نفسه مضخمًا تماثليًا ومفتاحًا رقميًا...» (Ernst, “Destroy” 169).
وفي كتابها Medium, Messenger, Transmission: An Approach to Media Philosophy، تسأل Sybille Krämer عما «يكشفه النقل التحليلي النفسي عن طبيعة الإرسال» من خلال تناول اختراع تقنية ما قبل تحليلية نفسية داخل الممارسات السريرية للتنويم المغناطيسي. وقد وصفت الممارسات التي أجراها عالم النفس والمعالج النفسي الفرنسي Pierre Janet، وكذلك Josef Breuer وفرويد،10 بوصفها عملية «إرسال عبر رنين وجداني» (126-143; 235).
وفي كتابها Psychosomatic: Feminism and the Neurological Body، تلفت Elizabeth A. Wilson انتباهنا كذلك إلى دراسات فرويد المبكرة في البيولوجيا، وإلى الممارسة السريرية لدى Charcot، بوصفهما حالتين قويتين توحيان، «من خلال الهستيريا»، بأن «المرتكزات النفسية للتحليل النفسي مدينة للأعراض الجسدية، أي إن النفس تكون دومًا، من قبل، منتمية إلى الجسد» (Wilson 1). وقد بنت Wilson مناقشتها لـ«الامتثال الجسدي» على عمل Monique David-Ménard، Hysteria From Freud to Lacan: Body and Language in Psychoanalysis (1989)، الذي يعالج خصوصيات تنظيم الجسد الهستيري من حيث إعاقة الجسد الفيزيائي بالمادية الخاصة بالدوال التي تصبح «ملتحمة» بحركات جسدية معينة؛ وهو ما يمكن تلخيصه بكلمات Kittler التي يمكن أن تصلح أيضًا فاتحةً لمشروعي: «إن خطاب التحليل النفسي يمر عبر حلقتي تغذية راجعة موصولتين على التوازي، إحداهما أنثوية والأخرى ميكانيكية» (Kittler, “Dracula’s Legacy” 52). وإن استكشافي لهذه الحلقات المؤتمتة يبحث عن المواضع التي يمكن تحديدها بوصفها ممارسات تحليلية نفسية وممارسات سيبرانية.
10 على سبيل المثال، فإن الحالة الشهيرة للنقل التحليلي النفسي، مريضة فرويد وJosef Breuer، آنا O.، التي أعطت التحليل النفسي لاحقًا اسم «العلاج بالكلام»، كانت على الأرجح من أوائل المرضى الذين أُخذت رغبتهم في الحديث عن معاناتهم على محمل الجد من قِبل الطبيب.
إن مناقشة التقنيات والتكنولوجيات والمفاهيم التي انخرط فيها كل من التحليل النفسي المبكر والفكر السيبراني المبكر تستلهم اهتمام لاكان بالسيبرانيات وبنظرية المعلومات وبنظرية الألعاب، وانخراطه فيها، من أجل إعادة قراءته لنظرية فرويد في الأنا واللاوعي في خمسينيات القرن العشرين. ولهذا أسمي هذا «التحليل النفسي السيبراني» المبكر «سيبرانيات لاكان»، وهو ما منح أطروحتي عنوانها.
وتنقسم أطروحتي إلى ثلاثة أقسام وستة فصول. يركز القسم الأول، «الشياطين والآلات الذاتية»، على مفهوم «الأتمتة» الحاسم لكل من السيبرانيات والتحليل النفسي، وهو مفهوم نجده في طيف واسع من الممارسات والخطابات الممتدة من القرن السابع عشر إلى القرن العشرين. ويقدم الفصل الافتتاحي، «الإبستيمه السيبرانية»، هذا المفهوم من خلال تتبع مناقشة لاكان للسيبرانيات في Seminar II واستخدامه لها في مشروع «العودة إلى فرويد». وهنا أستكشف أيضًا مفهوم لاكان لـ«الكتابة»، الذي أضعه في سياق المركزية الكتابية في القرن التاسع عشر. أما الفصل الثاني، «ذات العلم»، فيرسم شروط التوسيط التي تنبثق فيها مثل هذه الذات. وانطلاقًا من لاكان، أقترح أن هذه الشروط تشكلت داخل نظام عالمي جديد مؤتمت، وجد الإنسان نفسه فيه في القرن السابع عشر.
أما الفصل الثالث، «دوائر فرويد»، فيبحث انخراط فرويد في الخطابات والممارسات الطبية المعاصرة له، وكذلك مفارقته لها. وينظر هذا الفصل أيضًا في أهم الارتباطات بين المفاهيم التحليلية النفسية المبكرة والمفاهيم السيبرانية في أعمال فرويد. وأنا أناقش أنساب فكر فرويد عند لاكان، من «مشروع من أجل علم نفس علمي» إلى «ما وراء مبدأ اللذة» في Seminar II (1954-1955)، حيث يبين لاكان أن عمل فرويد كان يحمل منذ البداية كثيرًا من الاكتشافات الحدسية التي ستقوم السيبرانيات لاحقًا بصوغها على نحو رسمي. أما الفصل الرابع، «لاكان والآليات»، فيعيدنا إلى أعمال لاكان المبكرة في ثلاثينيات القرن العشرين وخمسينياته. ويبدأ هذا الفصل بمناقشة الآلية من حيث هي «ظواهر آلية» و«كتابة آلية».
فالـ«ظواهر الآلية»، وهو مفهوم نفسي-طبي أدخله معلم لاكان Gaëtan Gatian de Clérambault، يتناول سلوك المرضى المنفصل تمامًا عن إرادتهم. أما «الكتابة الآلية» فقد مارسها السورياليون، وهي جماعة كان لاكان الشاب قريبًا منها، وكانت، بحسب André Breton، تعبيرًا عن «خطاب داخلي» في الإنسان. وتقودني هذه المناقشة إلى خلاصة مؤداها أن مفهوم لاكان لـ«البنية» متأثر بانكشافه على هذه الخطابات والممارسات بدرجة أكبر مما هو متأثر باللسانيات البنيوية.
أما القسم الثاني، «كتابة الجسد»، فهو مناقشة مفصلة لما قبل تاريخ «السيبرانيات التحليلية النفسية». ويتناول الفصل الخامس، «التشظي والتعبئة»، مسألة كيف ولماذا ظلت التقنية التحليلية النفسية تعتمد بإصرار على التوسيط التكنولوجي. وأنا أتناول الممارسات السريرية عند Charcot وآخرين لأبحث عن آثار الامتزاج بين الأنظمة، حيث يعمل المرضى أجزاءً من تجميعات مركبة مع طائفة من «آلات الكتابة». وأجادل بأن المرضى ينخرطون، بالضرورة، في علاقات نقلية، بوصفها العملية التي تُنقل فيها، على نحو لا واعٍ، الانفعالات والرغبات المرتبطة أصلًا بشخص ما إلى شخص آخر. كما أنهم ينخرطون أيضًا في إنتاج الرمزي، وهو إنتاج لازم لهذه العمليات.
أما السبب في أن مثل هذه العلاقات النقلية لم تُهمل تمامًا، بل جرى في كثير من الأحيان استخدامها بالفعل من قِبل أطباء الأعصاب والأطباء النفسيين وأطباء القرن التاسع عشر، فيقتضي وجود الإبستيمه السيبرانية، بوصفها اعتقادًا مبررًا يقوم في أساس إنتاج المعرفة العلمية. ومع إبقاء مادية الكتابة التي نوقشت في الفصل الأول ماثلة في الذهن، أقدم هنا قراءة أركيولوجية-وسائطية للممارسات السريرية في القرن التاسع عشر، وكثير منها أفضى إلى تشكل التقنية التحليلية النفسية. وفي سياق هذا النقاش أركز على عدد منتقى من «آلات الكتابة» وعلى شروط التوسيط التي أتاحتْها التجميعات التي أنتجتها، والتي أحددها بوصفها مركزية كتابية.
أما القسم الثالث والأخير، «الآلات الحميمة-الخارجية»، فينقلنا إلى الحاضر، إلى زمن العالم المفرط الاتصال، كي يستكشف شروط العمل غير «اللامادي» تمامًا لمستخدم متزامن مع آلاته. ويركز الفصل السادس، «التواطؤ والبين-سلبية»، على «الفرد الشبكي» (Mason, “I Tweet in My Dreams”) بوصفه «مستخدمًا بين-سلبيًا» (Žižek) أو «روبوتًا فرويديًا»، على حد تعبير Liu في وصف «أي كيان شبكي يجسد حلقة التغذية الراجعة لمحاكيات الإنسان-الآلة، ولا يستطيع أن يحرر نفسه من اللاوعي السيبراني» (2). ويواصل هذا الفصل النقاش حول التمييز بين الرقمي والتماثلي بوصفهما نمطين لا ينفصل أحدهما عن الآخر، من أجل استكشاف مسألة مادية المعلومات والدال في علاقتها بمفهوم لاكان للبنية.
وأناقش كيف يصبح إنتاج «الجسد-عبر-المنصات بوصفه الجسد مع البيانات» هو نفسه «الجسد بوصفه البيانات التي ينتجها» (Clough, “Interview” n.p.). ويكتسب الجسد-عبر-المنصات خاصية القابلية للبرمجة حين «يشارك» المستخدمون «فعليًا في تنظيم مشهد خضوعهم السلبي هم أنفسهم ... ويرون في مثل هذه المشاركة شكلًا من تقاسم السلطة» (Andrejevic, iSpy 15). ويحدد Slavoj Žižek هذا بوصفه علاقة «بين-سلبية» (102-124)، أي تظاهرًا قسريًا بالسلبية، في الوقت الذي يكون فيه المرء منخرطًا على نحو محموم في إنتاج البيانات. وفي هذا السياق، أقترح أن التطبيقات المحمولة، بوصفها عناصر من الحوسبة السحابية، هي «نوع وسائطي» (Manovich) يختلف عن غيره من البرمجيات؛ فهي تفرض شكلًا من «التفاعلية الشمولية»، على حد وصف Lev Manovich سنة 1996، بحيث تتلاعب بالمستخدمين عبر فرض طلبها للاهتمام والتفاني والتواطؤ مع الشبكة الآلية وفي خدمتها على مدار الساعة.
إن نقاشي يتجاوب مع الهواجس الراهنة المعبر عنها، داخل الأكاديميا وفي العيادة اللاكانية معًا، بشأن درجة التوسيط، وحدود المراقبة، وقدرة الشبكة على استغلال الذات، وأتمتة الأدوات التي تدير حياتنا، والأعراض التي تنتجها جميع هذه الجوانب من تجميع الإنسان-الآلة، أو حتى محو هذا التجميع. وهذا يردد أيضًا التطورات الحديثة في العيادة اللاكانية، ولا سيما إعادة التفكير في المقاربات السريرية للعصاب والذهان داخل الخطاب الرأسمالي للاقتصاد العالمي.
القسم الأول
الشياطين والآلات الذاتية
الآلة هي البنية المنفصلة عن نشاط الذات.11
– جاك لاكان
11 لاكان، Seminar II، 47.
الفصل الأول
الإبستيمه السيبرانية
- لاكان مع السيبرانيات وضدها
في 22 يونيو 1955، استضافت Société Française de Psychanalyse محاضرة جاك لاكان «التحليل النفسي والسيبرانيات، أو في طبيعة اللغة»، التي اختتمت سلسلة من المناقشات حول موضوع «التحليل النفسي والعلوم الإنسانية» شارك فيها عدد من أبرز مفكري ذلك الزمن، منهم Alexandre Koyré وClaude Lévi-Strauss وJean Hyppolite وMaurice Merleau-Ponty وÉmile Benveniste. وقد وُجهت محاضرة لاكان إلى جمهور واسع لديه بعض المعرفة بالتحليل النفسي وبالسيبرانيات.
أما بالنسبة إلى مستمعيه المعتادين، الذين حضروا أيضًا، فقد لخّصت المحاضرة12 سمينار لاكان السنوي الثاني، الأنا في نظرية فرويد وتقنية التحليل النفسي (1954-1955). ومع أن Seminar II يشار إليه كثيرًا بوصفه «سمينارًا سيبرانيًا»، فإن موقف لاكان من السيبرانيات كان منقسمًا، أقل ما يقال. فمن جهة، كان يطعن في مقدمات الفكر السيبراني؛ ومن جهة أخرى، وجد في جهازه الاصطلاحي أداة نافعة لمقاربة مفهوم «التكرار» التحليلي النفسي، ولتطوير مفهوم «الحرف»، ولمعالجة الطبيعة الآلية للنظام الرمزي وطبيعة علاقته بنظامي الخيالي والواقعي. ومن خلال جمعه بين التحليل النفسي والسيبرانيات، شدد لاكان على أنهما «يعملان على» الذات نفسها، تلك التي يمكن تسميتها «ذات العلم»13 (“Science and Truth” 729).
12 أُدرجت هذه المحاضرة في Seminar II بوصفها «الدرس الثالث والعشرين»، ثم تلاها درس ختامي رابع وعشرون بعنوان “A, m, a, S”، عاد فيه لاكان إلى النقاط الرئيسية في محاضرته عن السيبرانيات وإلى النقاش الذي ولدته في Société Française de Psychanalyse. وقد لخص الدرسان الأخيران معًا Seminar II قبل العطلة الصيفية.
لقد بدأ «سمينار لاكان السيبراني» بعد سنة واحدة من نهاية مؤتمرات Macy التي عقدت اجتماعها الأخير سنة 1953. ولا يسعنا إلا أن نتكهن بما إذا كان لاكان يتابع من بعيد مناقشات المؤتمر، أو أنه عرف بها مباشرة من السياقات الفرنسية التي كان فيها اسم Norbert Wiener ذائعًا في خمسينيات القرن العشرين. ومع أنها وُسمت بأنها «العلم الأميركي» (Dubarle, 1948)، فإن السيبرانيات انتشرت في الولايات المتحدة وفرنسا في الوقت نفسه. بل لقد قيل إن كتاب Wiener، Cybernetics، «ولد في باريس» (Cobb 74).
في سنة 1947، دُعي Wiener إلى إلقاء كلمة في مؤتمر استضافته جامعة السوربون في باريس، حيث التقى ناشره المستقبلي Enriques Freymann، الذي أقنعه، بعد أن أُعجب بالنظرية الجديدة، بأن يجمع نسخة شعبية من أفكاره في كتاب موجّه إلى جمهور أوسع (Cobb 74). وفي سنة 1948، نُشر كتاب Wiener، Cybernetics، في باريس وفي نيويورك على يد ناشرين مختلفين، وقد صدرت الطبعة الفرنسية، وإن بالإنجليزية، قبل الطبعة الأميركية بقليل. وأثار نشر الكتاب نقاشًا واسعًا في باريس. وكان من أوائل الردود عليه مراجعة بعنوان «نحو الآلة بوصفها حاكمًا؟» (1948) كتبها الراهب الدومينيكي وأستاذ الفلسفة Dominique Dubarle ونشرتها Le Monde.14 وفي الوقت الذي عبّر فيه عن افتتانه بالعلم الجديد، صاغ Dubarle كذلك هواجسَ حين تخيل «انبثاق Leviathan سياسي هائل» بوصفه نتيجة ممكنة للحكم الآلي، وهو ما عكس أيضًا هواجس Wiener نفسه التي عبر عنها في كتاباته اللاحقة.
13 للاطلاع على مناقشة مفصلة لـ«ذات العلم»، انظر الفصل الثاني من هذه الأطروحة.
14 افتتح الاقتباس المأخوذ من مراجعة Dubarle مقالة “The Cybernetic Hypothesis” (2001) الصادرة عن الجماعة الفرنسية Tiqqun، التي واصلت القراءة النقدية للنموذج السيبراني كما يُطبّق اليوم. وترد في أعلى تلك المقالة-البيان الشهيرة العبارة الآتية:
«يمكننا أن نتخيل زمنًا تحل فيه آلة الحكم محل قصور العقول السياسية والأدوات المألوفة اليوم، إلى الأفضل أو الأسوأ، ومن يدري؟» – الأب Dominique Dubarle، Le Monde، 28 ديسمبر 1948.
وفي سنة 1950، سافر Wiener إلى فرنسا مرة أخرى لإلقاء محاضرة في Collège de France بدعوة من عالم الرياضيات Benoit Mandelbrot (Johnston, The Allure of Machinic Life 67). وقد أفضت هذه الزيارات، إلى جانب نجاح الكتاب، إلى سلسلة من الأعمال التي كتبها مفكرون فرنسيون. وبعض هذه الأعمال، مثل Cybernetics and the Origin of Information (1954) للفيلسوف البيولوجي الفرنسي Raymond Ruyer، وWhat Is Cybernetics? (1954) لعالم الرياضيات والطوبولوجيا Georges-Théodule Guilbaud، وكلاهما مذكور في Seminar II (119)، كتبه زملاء لاكان.
وكان لاكان وRuyer وGuilbaud مطلعين على أعمال بعضهم بعضًا، إما عبر متابعة المنشورات وإما عبر حضور محاضرات بعضهم بعضًا؛ وقد عبّروا جميعًا عن اهتمامهم بالسيبرانيات في الوقت نفسه، وهو اهتمام ارتبط بتبادلاتهم الجارية حول نظرية الألعاب والمنطق. وقد شارك Guilbaud في «سمينار لاكان السيبراني»، وكانوا يرجعون إليه بانتظام في مسائل الطوبولوجيا (Roudinesco, Jacques Lacan & Co 560-561). وكان لاكان شديد التحديد حين يتعلق الأمر بموضوع السيبرانيات ونظريات الآلات المفكرة؛ فقد رأى أن عملية «التفكير الآلي» تعمل منطقيًا لا ميكانيكيًا (Seminar II 119). وفي كتابه Cybernetics and the Origin of Information، صاغ Ruyer بدوره ضرورة «إعادة تأويل إيجابية للسيبرانيات بعد تجريدها من مسلماتها الميكانيكية» (81)، مع أن صياغته العامة لتجميع الإنسان والتكنولوجيا كانت تميل إلى تفضيل المكون العضوي «الأولي» و«الوعي» البشري «الثانوي» على الآلات «العضوية» و«الميكانيكية» (Hansen 81). ويكتب Ruyer: «إذا تُرك العالم الفيزيائي وعالم الآلات لنفسيهما تمامًا، فسيسقط كل شيء تلقائيًا في الفوضى»؛ و«سيشهد كل شيء على أنه لم يكن هناك قط نظام حقيقي، نظام متماسك، أي، بعبارة أخرى، أنه لم تكن هناك معلومات قط» (10; qtd. in Hansen 82). أما لاكان، فقد أشار بدلًا من ذلك إلى أن «السيبرانيات ... تنبع من ردة فعل من الدهشة عند إعادة اكتشاف أن [الـ]لغة الإنسانية تعمل تقريبًا من تلقاء نفسها، وكأنها تخدعنا» (Seminar II 119)، أي خارج الوعي.15
«إنني أحب عادة ما يكتبه السيد Ruyer، لكنني لا أحب كتابه عن السيبرانيات»: هكذا رفض لاكان عمل Ruyer (119)، بينما بدا له أن عرض Guilbaud يكتسب أهمية أكبر. ويلاحظ Ronan Le Roux في “Psychanalyse et cybernétique. Les machines de Lacan” أنه في محاضرته سنة 1953 “Pilots, Planners and Gamblers: Toward a Theory of Human Control”، ذكر Guilbaud قصة Edgar Allan Poe، “The Purloined Letter”، في سياق نظرية الألعاب.16 وبالإحالة إلى مقالة لاكان المبكرة “Logical Time and the Assertion of Anticipated Certainty” (1945)، ناقش Guilbaud رواية Poe المعروفة بكونها «تثير مسألة وجود وضعية من "اللعب الخالص"»، لكنه نازع هذا الرأي ودعا إلى قراءة لـ“The Purloined Letter” تتحرر من اللسانيات البنيوية ومن السيكولوجية معًا: «الأمر يتعلق بالمنطق، لا بعلم النفس» (Le Roux 253). وكتب Guilbaud في “Divagations cybernétiques”، وهو يرسم المنهج الجديد: «إن بنية الشبكة هي ما سيكون في بؤرة هذا التحليل»؛ «إنه نوع من هندسة شديدة التجريد (طوبولوجيا توافقية)، أو منطق إن شئت» (qtd. in Le Roux 253). وقد شكلت هذه المناقشات الخلفية التي نهل منها لاكان قراءته للسيبرانيات في Seminar II.
15 أرى أن مقارنة مفصلة بين أعمال لاكان وRuyer في خمسينيات القرن العشرين، وهي مقارنة تتجاوز بؤرة أطروحتي، ستكشف مزيدًا من مناطق التداخل بين تصوريهما للسيبرانيات أكثر مما قد يبدو الآن. وحتى اللحظة، لا تتوافر أعمال Ruyer بالإنجليزية، وإن كان من المقرر أن يصدر كتابه Neofinalism سنة 2016 عن University of Minnesota Press.
16 هذا الجانب من مناقشته لم يصل إلى النسخة النهائية من النص الذي ظهر بوصفه الفصل الأخير من كتاب Guilbaud عن السيبرانيات.
وكما يلاحظ Johnston، فإن «مصطلح السيبرانيات، إلى جانب مفاهيمه الفرعية مثل التغذية الراجعة، والدائرة، والرسالة بوصفها معلومات، يدخل سمينار لاكان على نحو عابر إلى حد ما» (68)، إذ لا يظهر المصطلح نفسه إلا في الدرس الثالث، «الكون الرمزي». والسبب في ذلك أن السيبرانيات، بالنسبة إلى لاكان، لا تقتصر على هذه المجموعة من المفاهيم: فهي أكثر من «العلم الجديد» الذي يروّج له العلماء الأميركيون، بل هي جزء من حدث إبستمولوجي أوسع بكثير يغير علاقة الإنسان بالعالم. وهو يرى أن السيبرانيات والتحليل النفسي يتحددان كلاهما بهذا التحول (Seminar II 295).
وكان لاكان يحيل كثيرًا إلى العرض «القانوني» للسيبرانيات بوصفه «العلم الجديد» الذي روّج له Wiener وأعضاء المجموعة السيبرانية الآخرون (295-297). وفي الوقت نفسه، كان يعترف بـ«أنواع من السيبرانيات أكثر أو أقل رواجًا» (295)، بما لها من برامج مختلفة، وانشغالات مختلفة، ومؤسسات مرتبطة بها، وعواقب محتملة تمس مجالات متعددة من الحياة الإنسانية. وقد كان لاكان ناقدًا لاستثمار السيبرانيات في المعرفية وفي السلوكية. كما عبّر عن هواجسه إزاء صلات السيبرانيات بالبحث العسكري. «ليس من غير سبب أن [السيبرانيات] تخرج من ألعاب الحظ. وليس من غير سبب»، كما حذّر مستمعيه، «أن نظرية الألعاب تُعنى بجميع وظائف حياتنا الاقتصادية، وبنظرية التحالفات، والاحتكارات، ونظرية الحرب. نعم، الحرب نفسها مأخوذة من حيث هي لعبة، منفصلة عن أي شيء قد يكون واقعيًا» (300). وهنا كان لاكان قريبًا من تردد Wiener نفسه حيال الممكنات المستقبلية للتحكم السيبراني الآلي: «قبل Nagasaki وقبل الوعي العام بالقنبلة الذرية بزمن طويل، خطر لي أننا هنا بإزاء إمكانية اجتماعية أخرى ذات أهمية لا مثيل لها، في الخير وفي الشر» (Cybernetics 27). «ولا يسعنا إلا أن نسلمها إلى العالم الموجود من حولنا، وهذا هو عالم Belsen وHiroshima» (28).
وفي حين كان Wiener منشغلًا بأن المجتمع لم يكن مستعدًا لاحتضان العلم الجديد، ويقترح أن يتعين إدخال تغييرات قبل أن تُسلّم السيبرانيات إلى العالم، كان لاكان يرى في السيبرانيات نفسها مقاربة إشكالية، ولا سيما من حيث بناء «آلات مفكرة» تحاكي الإنسان. وقد ظل هذا السؤال يشغل انتباهه حتى سبعينيات القرن العشرين، حين عاد فجادل تصورات السيبرانيات للتفكير الآلي والتعلم الآلي، من خلال الإحالة إلى فأرة Claude Shannon في المتاهة وإلى كتاب Gregory Bateson، Steps to an Ecology of Mind، في Seminar XX (125-146).
وفي Seminar II، لم ير لاكان فرقًا بين عمليات التفكير الإنساني والعمليات الآلية، لكنه ظل متشككًا في مفهوم «الآلة المفكرة» الذي احتفى به السيبرانيون، لأنه، كما قال، «نحن صنعنا الآلة، وهي تفكر بما أُمِرت أن تفكر فيه» (304). كما لاحظ على نحو ساخر أن «الآلة المفكرة» تعبير «متناقض»، لأن «الرجال لا يفكرون إلا نادرًا جدًا»؛ وقال إنك «إذا أعطيت آلة مفكرة عناصر مختلفة، فإنها، على الأقل، تجيب بشيء مختلف» (119)، بينما الإنسان أسير دوائر التكرار. «أما الآلة، فكل ما لا يصل في وقته يسقط ببساطة على الهامش ولا يطالب بشيء»، كما شرح مستدعيًا مفهوم فرويد عن الكبت: «كل ما لا يأتي في وقته يبقى معلقًا» (307-308).17, 18
وفي الوقت نفسه، لم يقبل لاكان قط طموح السيبرانيات إلى أن تصبح لغة فوقية للعلوم. وكما يلاحظ Slavoj Žižek في هذا الصدد، فإن «اللغة الفوقية ليست مجرد كيان خيالي»، بل هي «السبيل الوحيد لتجنب الواقعي» عبر إنتاج «ملفوظ من لغة فوقية خالصة، يجسد، بعبثيته الصريحة، استحالته الخاصة» (“Why Lacan Is Not a ‘Post-Structuralist’” 34). وهذه النزعة إلى تجنب الواقعي، في العلوم الاجتماعية المتأثرة بالسيبرانيات، تمامًا كما في «علم الحرب» الذي يكون «منفصلًا عن أي شيء قد يكون واقعيًا» (Seminar II 300)، تعيدنا إلى تمييز لاكان بين العلوم الدقيقة والعلوم التخمينية (296).
«كيف نعرّف العلوم الدقيقة؟ هل نقول إنها، على خلاف العلوم التخمينية، تُعنى بالواقعي؟» هكذا سأل لاكان (297). ثم تابع: «إن المعنى الذي أعطاه الإنسان دائمًا للواقعي هو الآتي: إنه شيء يُعثر عليه دائمًا في الموضع نفسه، سواء كنا قد ذهبنا إليه أم لا» (297). لقد قام العلم الحديث على افتراض أن هناك نظامًا في الطبيعة يظل دائمًا في الموضع نفسه. لكن لاكان جادل بأن العلوم التخمينية، ومنها السيبرانيات، تطورت بوصفها استجابة عرضية لإدراك أن النظام في الطبيعة قد فُقد، ولذلك استُبدل «علم ما يوجد في الموضع نفسه» بـ«علم توليف المواضع بوصفها كذلك» (299). وهذه «العلوم التخمينية» الجديدة، كما أشار لاكان، منفصلة عن الواقعي، ومنظمة
17 بعد عشرين سنة، في Seminar XX حول المعرفة والتمتع، أشار، عند نقطة التفريق بين التفكير الإنساني والتفكير الآلي، إلى أن الآلات تستطيع أن تفكر، لكنها لا تستطيع أن تعرف (97)، لأن المعرفة الإنسانية مرتبطة بالتمتع.
18 أعود إلى مسألة الآلات المفكرة بوصفها متجذرة في عمل Leibniz في الفصل الثاني، القسم الأول من هذه الأطروحة.
«حول الترابط بين الغياب والحضور»، بحيث إن «البحث عن قوانين الحضور والغياب سيفضي إلى إقامة النظام الثنائي الذي يقود إلى ما نسميه السيبرانيات» (300). ولأن السيبرانيات عوضت عن اضطراب الطبيعة، فقد اقترح لاكان أنها كان لزامًا عليها «أن تعمل في الواقعي، مستقلة عن أي ذاتية»: «إن علم الأمكنة الفارغة، وعلم اللقاءات في حد ذاتها، ينبغي أن يُضم بعضه إلى بعض، وأن يتكامل في صورة كل، وأن يبدأ العمل من تلقاء نفسه»، كما شرح (300). وبما أنه لم يعد هناك نظام في الطبيعة، ولم يعد هناك ما يظل في الموضع نفسه دومًا، فقد أنشأت السيبرانيات نظامًا مجردًا خاصًا بها، تسنده آلات الحساب والقياس والكتابة.
وقد تزامن حدث «اختفاء الواقعي» بوصفه نظام الطبيعة مع تحول العلوم، كما جادل لاكان، ومع «التعديل الذي حدث في موضع ذواتنا [position de sujet]، بمعنى أنه تعديل تأسيسي فيه وأن العلم يواصل تعزيزه أكثر فأكثر» (“Science and Truth” 726). وفي فهمه للعلم، كان لاكان يتبع الفيلسوف Alexandre Koyré، الذي رأى أن سبب الثورة العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر لم يكن نتيجة اكتشافات Galileo وNewton، بل تحولًا في المنظور في علاقة الإنسان بالعالم، وهو تحول أدى إلى تبدل في النظرة النظرية إلى العالم.
وكما يضعها Miller، فإن «Koyré أصر على الفرق: السحر يجعل الطبيعة تتكلم حيث يجعلها العلم تصمت. والسحر تعويذة خطابية أو تطهير. ومع العلم يصبح الكلام كتابة. وكما قال Galileo: الطبيعة مكتوبة بلغة الرياضيات» (“The Real in the 21st Century” n.p.). ويُنظّر لاكان لهذا التبدل في الموضع الذاتي بمفهوم «ذات العلم»، الذي يصفه Russell Grigg
بأنه «الذات التي تجعل العلم ممكنًا بوصفه دراسة رياضية للطبيعة» (Lacan, Language, and Philosophy 138). وهذه هي «الذات التي نشتغل عليها في التحليل النفسي»، كما يقرر لاكان في “Science and Truth” (729). إن مفهوم «ذات العلم» حاسم، وهو يستدعي مناقشة مستقلة، سأقوم بها في الفصل التالي. وهنا، يؤدي وظيفة مرجع تاريخي يحدد به لاكان بداية التحليل النفسي والسيبرانيات، ويزعم أنهما «تقنيتان متقاربتان زمنيا على نحو تقريبي» (295)، وهو ما يتيح لي توسيع إطار النقاش حول العلاقة المتوترة والوثيقة بين التحليل النفسي والسيبرانيات، بحيث يعود إلى تاريخ أسبق مما يُفترض عادة.
وبعد أن ثبت أن لاكان لم يكن سيبرانيًا، ولا سيما بالمعنى الذي أعطاه أعضاء المجموعة السيبرانية في خمسينيات القرن العشرين لهذا المفهوم، سأنظر الآن في «تنوع السيبرانيات» الذي انخرط فيه لاكان، سواء عبر مجابهة مفاهيمه وأفكاره أم عبر استملاكها. ومن أجل رسم مدى الصلات والتبادلات داخل الإبستيمه السيبرانية بما يتجاوز الأربعينيات والخمسينيات، سأتناول في هذا الفصل بعض النظريات والمفاهيم والأعمال والأسماء المرتبطة بالفكر السيبراني، مع حصرها في أولئك الذين خاطبهم لاكان مباشرة. وسيحظى بعضهم، مثل نظرية الألعاب، بقراءة مفصلة في الفصول اللاحقة.
وسأبدأ من مؤتمرات Macy ثم أنحدر في القائمة نحو الخطاب العلمي في القرن التاسع عشر، وهو السياق الذي قرأ فيه لاكان أعمال فرويد المبكر. وبعد خطاب مؤتمرات Macy وأعمال Norbert Wiener، أي في أواخر الأربعينيات والخمسينيات، سأرسم الفرق بين مفهومي المعلومات عند Claude Shannon وWiener، في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، ثم أتوقف عند أعمال أستاذ Harvard، Walter Bradford Cannon، وعدد من معاونيه حول الاستتباب، من 1910 إلى الأربعينيات؛ وسأختم هذا الفصل بمناقشة موجزة للبحث الصناعي في أنظمة التحكم في الفترة الواقعة بين الحربين، من 1916 إلى الأربعينيات، وهي الفترة التي يعود منها David Mindell بإطار الفكر السيبراني إلى عقد 1910.
وهدفي هنا ليس فقط تسييق عمل لاكان داخل تنوع السجالات حول السيبرانيات والأسئلة التي أثارتها، بل أيضًا إضعاف الربط القوي بين السيبرانيات وبين ما يسميه Ronald R. Klein «اللحظة السيبرانية» في أواخر الأربعينيات والخمسينيات، قبل أن «تتفكك في ستينيات القرن العشرين حركة خلق علم كوني» (179). إن عملي ينوّع الفكر السيبراني بحيث يصبح وصفه متسعًا لا للخطابات التي تهيمن فيها، على قائمة المفاهيم السيبرانية المألوفة مثل «المعلومات» و«التغذية الراجعة» و«التنظيم»، فكرةُ «التحكم» فحسب، بل أيضًا للخطابات التي تعترف بإسهام السيبرانيات في فهم «الذكاء» و«الحياة» خارج «العالم المشخّصن إنسانيًا» (Seminar II 297). لقد تصوّر التحليل النفسي المبكر والسيبرانيات المبكرة معًا «حيز حياة» جديدًا (lieu de la vie) (Miller, “Lacanian Biology” 21)، وهو ما أتاح لهما، في الوقت نفسه ولأسباب متشابهة، أن ينحرفا عن المنظور الإنساني. غير أن التحليل النفسي اللاكاني، بخلاف السيبرانيات التي «كادت تعلن نزع الإنسان عن الإنسان» (Dupuy, On the Origins of Cognitive Science 158)، لا يتعامل أبدًا مع العقل بوصفه «بلا ذات»: إنه يفك شيفرة الخطأ الإنساني.
Norbert Wiener ومؤتمرات Macy
من الإنجازات المهمة للسيبرانيات أنها أشركت الفلاسفة والعلماء الذين كانت أعمالهم محبوسة من قبل داخل مختبرات البحث المغلقة، ولا سيما
خلال الحرب العالمية الثانية. وقد كان ذلك جزئيًا لأسباب أمنية وسرية،19 وجزئيًا لأن هناك بالفعل حدودًا تخصصية واضحة جدًا فرضتها المؤسسات؛ ولذلك فإن أبحاث عشرينيات القرن العشرين إلى أربعينياته لم يكن يمكن كشفها لعلماء من مجالات أخرى، أو أنها لم تكن تملك أساسًا للتشارك المتبادل، ولهذا استقطب إعلان Wiener عن «العلم الجديد» العامل عبر التخصصات قدرًا كبيرًا من الانتباه.
ويكتب James Gleick عن Wiener: «كان مشغولًا بمكانه في التاريخ الفكري، وكان يطمح عاليًا» (238). فبعد أن اعترف بكثير من زملائه، رأى Wiener أن السيبرانيات، بما هي «تأويل جديد للإنسان، ولمعرفة الإنسان بالكون، وللمجتمع»، كانت أمرًا «يتولى هو الإشراف عليه» (Wiener, I Am a Mathematician 375). وكانت التقاليد، وخصوصًا التقاليد الفلسفية، مهمة لدى Wiener، الذي درس الفلسفة في Cornell، ونال الدكتوراه في المنطق الرياضي من Harvard، ثم أمضى عامين طالبًا بعد الدكتوراه يعمل مع Bertrand Russell وG. H. Hardy في Cambridge، ومع David Hilbert في Göttingen بألمانيا (Heims, John von Neumann and Norbert Wiener 16-17). ويمكن تتبع اسم «السيبرانيات» الذي اختاره للعلم الجديد إلى الفلسفة اليونانية؛ وأقدم استعمال موثق للمصطلح κυβερνητική، أي «التسيير أو الملاحة أو الحكم»، يعود إلى جمهورية أفلاطون (400 ق.م)، حيث يصف الفيلسوف الدولة مجازًا بأنها سفينة يقودها حاكم حكيم.
غير أن Daniel Bell يلاحظ أن «Wiener ظن أنه صاغ الكلمة من الجذر اليوناني kybernētēs، الذي يعني ممسك الدفة، أو الطيار، أو من يقود السفينة»؛ ومن ثم، فمع أن «الكلمة ترد كثيرًا عند أفلاطون، بوصفها فرعًا من technai، أي فن القيادة، وتدل لدى أفلاطون على فن توجيه الناس في المجتمع، أي فن الحكومة» (Bell 30)، فقد لا يكون هذا هو المرجع الكامن وراء استعمال Wiener لمصطلح «السيبرانيات».
وبعد قرون، استخدم الكلمةَ الفيزيائي والرياضي الفرنسي André-Marie Ampère، الذي كان يحيل هو أيضًا إلى أفلاطون، حين وضع أسس تصنيف العلوم في كتابه Essay of the Philosophy of Sciences (1834): فقد كتب أن «علم الحكومة المستقبلي» ينبغي، بترجمة كلمة أفلاطون إلى الفرنسية، أن «يسمى la cybernétique» (Bell 30). وليس واضحًا ما إذا كان Wiener يعرف هذا السطر بعينه عند Ampère.20 وقد ادعى أنه، بالاشتراك مع Arturo Rosenblueth، تبنى الكلمة اليونانية من Clerk Maxwell لتعويض «غياب اصطلاح مشترك، أو حتى اسم واحد للمجال» الذي كان يستوعب من قبل «مجموعة المسائل المتمركزة حول الاتصال، والتحكم، والميكانيكا الإحصائية، سواء في الآلة أو في النسيج الحي»21 (Wiener, Cybernetics 11).
وقد سمّى Wiener السيبرانيات نسبة إلى «آليات المؤازرة» servomechanisms التي تستجيب لاضطرابات بيئاتها بطريقة تمكنها من تقليل زعزعتها، بل وتجنبها أحيانًا بالكامل. وقد كتب أن هذه الآليات «مقترنة بالعالم الخارجي من أجل استقبال الانطباعات وأداء الأفعال»؛ وأن هذه الأنظمة، على حد قوله، «تحتوي أعضاء حسية، ومؤثرات، وما يعادل جهازًا عصبيًا من أجل
19 يكتب James Gleick، مثلًا، في The Information عن الوقت الذي كان فيه Alan Turing وClaude Shannon يجريان أبحاثهما بالتزامن في Bell Labs سنة 1943: «كان مفكران متقاربان في الذهن ... يلتقيان يوميًا وقت الشاي في مقصف Bell Labs، ولا يقول أحدهما للآخر شيئًا عن عمله، لأنه كان سريًا. ... وحتى وجود Turing نفسه في Bell Labs كان، على نحو ما، سرًا» (Gleick 204).
20 لا يوجد اتفاق بين الباحثين حول هذه المسألة. فمثلًا، ترد Sana Murrani المعاني الكامنة وراء مصطلح Wiener إلى أفلاطون عبر Ampère (268)، في حين يقترح Daniel Bell أن Wiener لم يكن على علم بهذه الاستعمالات الأسبق (30).
21 يرد الاقتباس كاملًا على النحو الآتي: «إننا نصوغ تعبيرًا اصطناعيًا واحدًا على الأقل من اليونانية الجديدة لملء هذه الفجوة. وقد قررنا أن نسمّي المجال كله، مجال نظرية التحكم والاتصال، سواء في الآلة أو في الحيوان، باسم Cybernetics، وهي كلمة نصوغها من اللفظ اليوناني الدال على ممسك الدفة. وباختيارنا هذا المصطلح، نود أن نعترف بأن أول بحث ذي شأن في آليات التغذية الراجعة هو مقالة عن الحاكمات، نشرها Clerk Maxwell سنة 1838، وأن كلمة governor مشتقة من تحريف لاتيني لـ χυβερνήτης. كما نود أن نشير إلى أن أجهزة توجيه السفينة هي بالفعل من أقدم أشكال آليات التغذية الراجعة وأشدها تطورًا.» (Wiener, Cybernetics 11)
دمج انتقال المعلومات من أحدها إلى الآخر» (43). ومن أمثلة آليات المؤازرة في القرن التاسع عشر منظّم الحرارة أو المحرك البخاري. وكان التركيز المركزي للسيبرانيات هو دراسة الأنظمة المركبة للآليات التكيفية، سواء كانت «في المعدن أو في اللحم» (42)، تلك القادرة على التنظيم الذاتي عن طريق التغذية الراجعة السلبية من أجل الحفاظ على التوازن. ومن ثم كانت السيبرانيات معنية بعمليات التغذية الراجعة، والصدفة، ودوائر السببية، والاحتمال، والشبكات، والإنتروبيا، والمعلومات، وكل واحد من هذه العناصر جزء مهم من تقنية الحكم الذاتي.
وكما يلاحظ Jean-Pierre Dupuy، فإن «السيبرانيات بُنيت أساسًا حول حالتين ...: مشكلات الاتصال من جهة، والمشكلات التي تطرحها دراسة الآليات المتكاملة ذاتيًا من جهة أخرى» (On the Origins of Cognitive Science 88)، مع أن الحالتين متصلتان اتصالًا وثيقًا لأن كلتيهما تنطويان على مسألة نقل المعلومات أو تحوّلها بين الأنظمة. وقد اجتمع الباحثون المهتمون باستكشاف آليات عبور الحدود بين الأنظمة التكنولوجية والبيولوجية وشكلوا «المجموعة السيبرانية» في سلسلة اجتماعات عُقدت في مدينة نيويورك بين 1946 و1953 تحت عنوان «السببية الدائرية وآليات التغذية الراجعة في الأنظمة البيولوجية والاجتماعية».
وقد جمعت هذه المؤتمرات، مؤتمرات Macy، علماء من طيف واسع من المجالات لاستكشاف التشبيهات بين الكائنات والآلات، ومسائل الذكاء، والتعلم، والتغير، ونظريات القرار، ونظرية الألعاب، وغير ذلك كثير (Heims, 1991; Hayles, 1999; Dupuy, 2009; Pickering, 2010; Klein, 2015). وكان من الشخصيات الرئيسية فيها الطبيب وعالم النفس Arturo Rosenblueth، وعالم الرياضيات Warren Weaver، وعالمة الأنثروبولوجيا Margaret Mead، وعالم الفيزيولوجيا العصبية Warren McCulloch، والمحلل النفسي Lawrence Kubie، والطبيب النفسي Ross Ashby، وعالم الفيزيولوجيا العصبية والروبوتيات Grey Walter،
وعالم الاجتماع غريغوري بيتسون. وبعد صدور كتاب نوربرت وينر، اقترح الفيزيائي والفيلسوف هاينتس فون فورستر، وكان آنذاك سكرتير مؤتمرات Macy، إضافة مصطلح وينر "cybernetics" إلى مقدمة عنوان المؤتمر (Clarke, Emergence and Embodiment 34)؛ وبهذه الطريقة اكتسبت السيبرنيطيقا تعريفًا آخر أوضح، إلى جانب تعريف وينر لها بوصفها "التحكم والاتصال في الحيوان والآلة".
لم تكن هذه الموجة من السيبرنيطيقا أحادية المعنى؛ بل يمكن وصفها بأنها "تنوع من السيبرنيطيقات"، لا بسبب تعدد تخصصاتها الداخلي فحسب. فعلى سبيل المثال، كانت سيبرنيطيقا الأربعينيات والخمسينيات، التي تُسمى أيضًا "سيبرنيطيقا المرتبة الأولى"، تتسع للرؤى المتعارضة عند كل من نوربرت وينر (أفكار إحكام السيطرة والتصميم) وجون فون نيومان (أفكار التعقيد والتنظيم الذاتي) (Dupuy, On the Origins of Cognitive Science xi). وكان فيها أيضًا متسع للتعريفين المتقابلين للمعلومات عند وينر وكلود شانون، بوصفها "إنتروبيا سالبة" و"إنتروبيا موجبة" على التوالي.22 وفي كتاب Cybernetics كتب وينر:
"إن مفهوم مقدار المعلومات يرتبط، على نحو طبيعي جدًا، بمفهوم كلاسيكي في الميكانيكا الإحصائية، هو الإنتروبيا. فكما أن مقدار المعلومات في نسق ما مقياس لدرجة تنظيمه، كذلك فإن إنتروبيا النسق مقياس لدرجة لا انتظامه؛ وأحدهما ببساطة هو السالب للآخر." (11)
22 يبقى المقياس الإحصائي للإنتروبيا السالبة هو نفسه بالنسبة إلى الإنتروبيا الموجبة. انظر، مثلًا، James G. Miller, Living Systems. Toronto: McGraw-Hill Ryerson, 1978, 13.
وكما يكتب ماثيو كوب، فإن المعلومات، عند وينر، "كانت في قلب جميع الأنظمة - الميكانيكية، والإلكترونية، والعضوية - وكان ذلك وثيق الصلة بمفهوم الفيزيائيين للإنتروبيا"؛ ويشير إلى أن "شرودنغر كان قد جادل، قبل ذلك بخمس سنوات، بأن الحياة 'إنتروبيا سالبة' بسبب قدرتها على مقاومة القانون الثاني للديناميكا الحرارية مؤقتًا" (75). وهكذا أصبحت المعلومات كيفية جديدة قابلة للقياس للحياة، أو، كما يقول كوب، "استمرارًا بين أكثر حالات المادة انتظامًا - أي الكائنات الحية - وبين الأشكال غير الحية من المادة المنظمة، استمرارًا يمكن النظر إليه من حيث كيفية جديدة" (75-76).
وبغض النظر عن هذا الاختلاف، فإن تعريف وينر للمعلومات كان يعتمد على تعريف شانون لها في مقالته "A Mathematical Theory of Communication" (1948)، حيث وُصف مصطلح "المعلومات" بأنه منفصل عن المعنى، ويشير إلى المقياس الكمي المحض للتبادلات التواصلية.23 فقد كتب شانون: "كثيرًا ما تكون للرسائل دلالة؛ أي إنها تشير إلى كيانات فيزيائية أو مفهومية معينة أو ترتبط بها وفق نظام ما"، غير أن "هذه الجوانب الدلالية من الاتصال لا شأن لها بالمشكلة الهندسية" (379). وكان تصوره التجريدي للمعلومات يصوغ إمكانًا للتشويه: إذ كان يصوّر ما يمكن أن تكونه رسالة ما، لا ما هي عليه. ولم تكن نظرية شانون معنية بالتغذية الراجعة حتى أوائل الخمسينيات، حين قدم فأرًا كهروميكانيكيًا حالًّا للمتاهة باسم Theseus خلال أحد مؤتمرات Macy سنة 1951. ومع ذلك، حتى في ذلك الوقت، لم تكن "التغذية الراجعة" عنده مرتبطة، في المقام الأول، بـ"التحكم" بوصفه "تنظيمًا ذاتيًا" (كما هي عند وينر)؛ بل كان شانون يركز، بدلًا من ذلك، على مسألة الذاكرة بوصفها "سعة تخزين" وعلى التعلّم. وقد ظلت هذه المجموعة من الأسئلة تشد انتباه لاكان عبر السنين؛ حتى إنه عنون الدرس الختامي من سميناره العشرين (1972-1973) بعنوان "The Rat in the Maze"، في إحالة مباشرة إلى روبوت شانون.
23 فضلًا عن ذلك، كان وينر مطلعًا على أعمال شانون قبل نشر مقالته.
كانت الموجة الأولى من السيبرنيطيقا منصرفة، في معظمها، إلى ميكانيكا التنظيم، وإلى تفاعل المتغيرات داخل الأنظمة، وكانت، كما تلاحظ N. Katherine Hayles، "تتبع البروتوكولات العلمية التقليدية في اعتبار الملاحظين خارج النظام الذي يلاحظونه" (9). غير أنه، حتى داخل هذا النمط من التفكير السيبرنيطيقي، كانت هناك "إيحاءات تقوّض هذه المقدمة"، مثل الفكرة القائلة إن "التغذية الراجعة يمكن أن تدور أيضًا عبر الملاحظين، فتجذبهم ليصبحوا جزءًا من النظام الجاري رصده" (Hayles 9).
وقد التقطت سيبرنيطيقا المرتبة الثانية في الستينيات والسبعينيات هذه الملاحظات وطورتها، وكان لمجموعة وارن ماكولوتش في Research Laboratory of Electronics في MIT دور مؤسسي أساسي بين 1952 و1969. وإلى جانب ماكولوتش، ومارغريت ميد، وغريغوري بيتسون، وفون فورستر، المرتبطين بالموجة الأولى من السيبرنيطيقا، انضم إلى النقاش علماء جدد: هربرت برون، وهومبرتو ماتورانا، وفرانسيسكو فاريلا، وغوردون باسك، وستافورد بير، وإريش يانتش. وبتمويل من Office of Naval Research والقوات الجوية، نظم فون فورستر وأدار Biological Computer Lab في قسم الهندسة الكهربائية بجامعة إلينوي في Urbana-Champaign، الذي أصبح مركزًا رئيسيًا آخر للسيبرنيطيقا وعمل بين 1958 و1975. وكان بحث المختبر يركز أساسًا على الشبكات العصبية الاصطناعية (Kline 101). وإلى جانب تحويل البؤرة نحو التفاعل بين الملاحظ والموضوع الملاحظ، سعت الموجة الثانية من السيبرنيطيقا إلى "إدخال الارتكاسية في النموذج السيبرنيطيقي على مستوى أساسي" وإلى "إعادة تعريف النظام الاستتبابي بحيث يمكن أخذ الملاحظ في الحسبان" (Hayles 10). وعلى نحو ما، كان شكل الملاحظ من المرتبة الثانية، الذي يكون جزءًا من النظام، يذكّر بالنموذج التحليلي النفسي لعلاقة المحلل بالمحلَّل، حيث يُنجَز عمل التحليل بواسطة المحلَّل في حضور محلل.
كتب أنتوني وايلدن، المنظّر الاجتماعي والمروج المتحمس لأعمال لاكان في الستينيات والسبعينيات، عدة كتب تتابع هذه الفكرة وتطور أوجه التوازي بين لاكان وسيبرنيطيقا المرتبة الثانية. وقد لاحظ، على وجه الخصوص، التقارب بين عمل لاكان وعمل غريغوري بيتسون، وكان، بحسب لاكان في Seminar XX، لا يكف عن تشجيعه على قراءة كتاب بيتسون Steps to An Ecology of Mind (138).24 غير أن لاكان قاوم هذه المقارنة، وكان ناقدًا لمفهوم بيتسون عن "metalogue" (الذي كان بيتسون يمارسه مع ابنته الصغرى Nora). وكما عرّفه بيتسون، فإن "metalogue هو محادثة حول موضوع إشكالي ما"؛ حيث لا يناقش المشاركون المشكلة محل الاهتمام فحسب، "بل إن بنية المحادثة كلها تكون هي أيضًا ذات صلة بالموضوع نفسه"، ولذلك فإن "بعض المحادثات المعروضة هنا فقط يحقق هذا النسق المزدوج" (21). وهذا النسق المزدوج، بحسب بيتسون، يساعد على فهم الموضوعات المُناقَشة.25 وعلّق لاكان على "metalogues" بيتسون قائلًا: "ليست سيئة، بقدر ما تتضمن، إذا أخذناه على كلمته، نوعًا من التقدم الداخلي الجدلي، لا يُنتج إلا بفحص تطور معنى مصطلح ما" (Seminar XX 138).
24 ترجم وايلدن أيضًا نص لاكان "The Function and Field of Speech and Language in Psychoanalysis" ونشره في كتاب بعنوان Speech and Language in Psychoanalysis، حيث أرفق نص لاكان بتعليق موسع من عنده.
25 مثال على "metalogue" عند بيتسون، رقم 2.5، حول "outlines":
الابنة: ماذا قصدت بقولك إن للمحادثة "outline"؟ وهل لهذه المحادثة outline؟
الأب: أوه، بالتأكيد، نعم. لكننا لا نستطيع رؤيته بعد، لأن المحادثة لم تنته بعد. لا يمكنك أن تراه أبدًا وأنت في وسطه. لأنك لو استطعت أن تراه، لصرت قابلًا للتنبؤ - مثل الآلة. ولصرتُ أنا أيضًا قابلًا للتنبؤ - وصِرنا نحن الاثنين معًا قابلين للتنبؤ.
الابنة: لكنني لا أفهم. أنت تقول إن من المهم أن نكون واضحين في الأمور. وتغضب من الناس الذين يطمسون outlines. ومع ذلك فنحن نرى أن الأفضل أن نكون غير قابلين للتنبؤ، وألا نكون مثل آلة. وتقول إننا لا نستطيع أن نرى outlines محادثتنا حتى تنتهي. إذًا فلا يهم إن كنا واضحين أم لا. لأننا لن نستطيع أن نفعل شيئًا حيال ذلك عندئذ. (Steps to An Ecology of Mind 38)
غير أن التحليل النفسي يعمل في اتجاه نقض آثار المعاني التي تنتجها السلسلة الدالة، أي بفعل موضع الكلمات وترتيبها بين الكلمات الأخرى فيها. وإذا أردنا، مع ذلك، أن نبحث عن أوجه شبه، فإن صيغة لاكان "اللاشعور منظَّم مثل لغة" ستكون، في نظري، أوفق إذا وُضعت في سياق سيبرنيطيقا المرتبة الأولى، ولا سيما نظريتي شانون ووينر في المعلومات، وكذلك نظرية الألعاب في الثلاثينيات والأربعينيات. وقد لاحظ لاكان:
"نحن نحاول أن نجعل الذات تتيح لنا، من غير قصد، أفكارها، أو كما نقول، تعليقاتها، وخطابها، أي أن نجعلها تقترب عمدًا، قدر المستطاع، من المصادفة. فما التحديدية المطلوبة هنا في قصدٍ إلى المصادفة؟ في هذه النقطة بالذات تستطيع السيبرنيطيقا أن تلقي لنا بعض الضوء." (296)
هنا، وفي سميناره المنشور منفصلًا عن قصة Poe "The Purloined Letter"، استكشف لاكان العلاقة بين المصادفة والتحديدية، وهي العلاقة التي زعم أنها "في أصل تقنيتنا [التحليلية النفسية] ذاته" (296). وهذه العلاقة، أي الكيفية التي تُمتص بها المصادفة داخل التحديدية، وهي أيضًا موضوع نظرية الألعاب والمعلومات، حاسمة لفهم لاكان للبنية.26
26 أتناول هذه المسألة في مناقشتي للمصادفة والتحديدية في عمل لاكان في الفصل الثالث.
والتر برادفورد كانون
في "The Function and Field of Speech and Language in Psychoanalysis" (1953)، الذي يسبق سمينارات لاكان العلنية،27 يستحضر لاكان تعريف والتر برادفورد كانون للاستتباب بوصفه "وظيفة نظام يحافظ على توازنه الخاص"، وهي الفكرة التي يذهب إلى أنها تُظهر أن "الحياة والموت يلتقيان في علاقة تضادّ قطبي في صميم الظواهر التي يربطها الناس بالحياة" (261)، وهو افتراض شبيه بنظرية فرويد.
27 ألقى لاكان هذه المحاضرة في جامعة روما يومي 26-27 سبتمبر 1953، وبدأ أول سمينار علني له، Freud’s Papers on Technique، في نوفمبر 1953.
ولا يُربط عمل كانون، في العادة، بالسيبرنيطيقا من حيث هي كذلك، لكن بعض مفاهيمه، ولا سيما "الاستتباب"، كان حاسمًا لا في التعاونات والمناقشات المفتوحة والشائعة التي جرت خلال مؤتمرات Macy فحسب، بل أيضًا في أبحاث عسكرية أقل إعلانًا بكثير.
وكان كانون ينتمي إلى مجموعة من الباحثين في جامعة Harvard انخرطوا في تبادلات متعددة التخصصات قبل أن تشيع هذه المقاربات بوقت طويل على يد السيبرنيطيقيين. ففي السنوات الواقعة بين 1903 و1911، كان كانون جزءًا من Wicht Club، الذي شارك في تأسيسه مع زميله وصديقه المقرّب، الفيزيائي الأمريكي George Washington Pierce، مؤلف Principles of Wireless Telegraphy (1910)، الذي أثّر عمله في تطور الاتصالات السلكية واللاسلكية الإلكترونية. وفي كتابه The Way of an Investigator (1945)، يستعيد كانون ذكرى Wicht Club بوصفه جمعية متعددة التخصصات ضمّت عددًا من فيزيائيي Harvard، وعلماء الفيزيولوجيا، وعلماء النفس، والفلاسفة، وعالم أحياء مختصًا بالرئيسيات، وطبيبًا نفسيًا، وكيميائيًا فيزيائيًا، وكان هؤلاء يجتمعون بانتظام في Boston لتبادل الأفكار التي نُشرت لاحقًا في مجلدات Was Wichtiges (175-176). وبعد أن تفرّق Wicht Club، واصل كانون تعاوناته المتعددة التخصصات داخل البيئة الأكاديمية وخارجها من العقد الثاني من القرن العشرين حتى الأربعينيات.
وكان كانون ينتمي إلى التقليد العلمي لفيزيولوجي فرنسي هو كلود برنار (1813-1878)، وقد تأثر بعمق بنظريته عن milieu intérieur بوصفه الوسط السائلي خارج الخلوي الذي يعمل مُثبِّتًا للعمليات داخل أنسجة الكائنات الحية وأعضائها (Holmes 3-4). وفي سنة 1926، أعاد كانون صياغة milieu intérieur عند برنار تحت اسم "homeostasis"، ثم نشر سنة 1932 أشهر أعماله، The Wisdom of the Body،28 الذي ذاع من خلاله مفهوم الاستتباب.
والطريقة التي عرض بها أطروحته في الكتاب، ابتداءً من عنوانه، توحي بأن الجسد، في كيفية أدائه للتنظيم الذاتي، يُظهر نوعًا من الذكاء الخاص به. يكتب كانون: "إن أجسادنا مصنوعة من مادة شديدة اللااستقرار" (19). و"يتجلى لااستقرار البنية الجسدية أيضًا في تغيرها السريع حين تتبدل الظروف" (19). ثم يضيف موضحًا: "ومع ذلك، فقد تعلّمت، بطريقة ما، المادة غير المستقرة التي نتكوّن منها حيلة الحفاظ على الاستقرار"، و"سنرى أن استخدام كلمة 'تعلّمت' ليس في غير محله" (23).
28 كان هذا العمل المصدر الأساسي الذي اعتمد عليه لاكان في الاستتباب حين تناول هذا المفهوم في Seminar II.
ويصف كانون العملية التي تتعلم بها "مادة" الجسد الحفاظ على اقتصاده الداخلي باسم الاستتباب، ويكتب أن دراسته "قد تعرض بعض المبادئ العامة لإقامة الحالات المستقرة وتنظيمها وضبطها، وهي مبادئ يمكن أن تكون موحية لأنواع أخرى من التنظيم - حتى الاجتماعي والصناعي - التي تعاني اضطرابات مقلقة" (24-25). والكتاب كله، الذي أثّر في مفهوم وينر عن "التغذية الراجعة السلبية"، منصرف بالكامل إلى الآلية الحيوية للجسد: يتحدث كانون عن ثبات الماء والملح في الدم، والتنظيم الذاتي للدهون والسكر في الدم، والحفاظ على إمداد كاف من الأكسجين، وثبات حرارة الجسد، ومنظومة الدفاع الطبيعية لدى الكائن الحي، ووظيفة الجهاز العصبي، وما إلى ذلك. وفي الخاتمة القصيرة، ينظّر كانون أخيرًا لـ"العلاقة بين الاستتباب البيولوجي والاجتماعي" (305)، ويتضح حينئذ أن الكتاب ينبغي أن يُقرأ لا بوصفه نصًا عن الوظائف ذاتية التنظيم في الكائن الحي فقط، بل أيضًا، وربما أساسًا، بوصفه كتابًا عن التنظيم الاجتماعي. وبعبارة أخرى، فهو يحاول أن يصمم نظرية عامة في التنظيم يمكن تطبيقها على جميع الأنظمة.
وفي القياس بين البنى الاجتماعية والكائن الإنساني، "وسّع" كانون "أفكار برنار عن التنظيم من مجال سوائل الجسد إلى البيئات الاجتماعية الأوسع"، وهو ما دفع، كما يلاحظ Charles Gross، السيبرنيطيقيين روزنبلوث،29 ووينر، وJ. Bigelow إلى دفع فكرة التنظيم الذاتي "إلى أبعد، بحيث تشمل العالم غير البيولوجي أيضًا": "وفي سياق أنظمة التحكم والاتصال في الحرب العالمية الثانية، أشاروا إلى أن التغذية الراجعة السلبية تشمل التنظيم الذاتي سواء في الجهاز العصبي أم في الآلات غير الحية" (384). وقد أُجري البحث في مزامنة الحواس والمجسات بغية إنتاج تجميع يضم الأنظمة الحية وغير الحية، وبخاصة التجميع الإنساني-الآلي المعروف باسم "integrated human operator" الذي يعمل مثل آلة، في أوساط صناعية وعسكرية؛ وكان قد بدأ نحو سنة 1916، في أواخر الحرب العالمية الأولى.30
29 في أواخر الثلاثينيات، تعاون كانون مع Arturo Rosenblueth، أحد المشاركين الرئيسيين في مؤتمرات Macy، والذي أهداه نوربرت وينر كتابه Cybernetics. ومع روزنبلوث شارك كانون في تأليف Autonomic Neuro-effector Systems (1937)، الذي أصبح عملًا تأسيسيًا في مجال الطب النفسي الجسدي.
30 انظر David A. Mindell, Between Human and Machine: Feedback, Control, and Computing before Cybernetics. Baltimore: John Hopkins University Press, 2002.
رؤية سيبرنيطيقية للصناعة والحرب
من بين الأعمال التي شككت في هذا التأريخ المعياري للسيبرنيطيقا دراسة David A. Mindell الدقيقة Between Human and Machine: Feedback, Control, and Computing before Cybernetics (2002)، حيث يبحث في أنظمة التحكم بوصفها "تقنيات مخصوصة، لأن الأنظمة أشياء وأفكار معًا"، في الفترة الممتدة تقريبًا
بين الحربين، من 1916 إلى 1948 (6). وإذ يقرأ مايندل سيبرنيطيقا 1916-1948 بوصفها علم أنظمة التحكم، فهو يستند إلى عمل مؤرخ Harvard جيمس بينيغر، الذي اقترح في كتابه الصادر سنة 1986 The Control Revolution: Technological and Economic Origins of the Information Society أن "ثورة التحكم، منذ أصولها في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، ما انفكت تتواصل، وقد تسارعت في الآونة الأخيرة بفعل تطور تقنيات المعالجة الدقيقة" (Beniger, 1986: vi).
وفي Between Human and Machine، يميز مايندل بين عدة "تقاليد تكنولوجية منفصلة، أو ثقافات هندسية، لأنظمة التحكم في الولايات المتحدة" كانت "تتقارب، ولكن على نحو أوسع وأبطأ مما توحي به رواية وينر" (Mindell 6). وعلى وجه التحديد، يتتبع البحث الذي أجرته أربع مؤسسات: U.S. Navy Bureau of Ordnance (مع متعاقدين مثل Hannibal Ford وFord Instrument Company)، وSperry Gyroscope Company (التي "قرنت المشغلين البشريين بآلاتهم اقترانًا وثيقًا")، وBell Telephone Laboratories وعملها على المضخمات المرتدة ونقل الصوت، ومختبر Vannevar Bush في MIT (Mindell 7, 17-18). وكما يبين مايندل، فإن مفهوم وينر عن "الاتصال والتحكم"، القائم على فكرة التغذية الراجعة السلبية، كان متصلًا في البداية ببحث في نموذج المثير-الاستجابة. وقد استُعير هذا النموذج من علم النفس السلوكي من أجل إنشاء التوجه الإدخالي-الإخراجي في الاتصال، وكان هدفه دمج الطيار البشري بالطائرة، بحيث لا تقتصر الأنظمة "في المعدن أو في اللحم" على التكيف بعضها مع بعض، بل تستشعر أيضًا سلوك الآخر وتتنبأ به (282).
- فرويد، ولاكان، ومسألة الكتابة
إن الإبيستيم السيبرنيطيقي شرط إمكان للكتابة عبر أنظمة متغايرة مفتوحة على التقارب، حيث تكون الكتابة تعبيرًا ماديًا عن هذه التقاربات. وعلى خلاف epistêmê الأرسطية التي تفيد المعرفة العلمية الخالصة وتُقابل technê، أو الممارسة القائمة على الخبرة، فإن "الإبيستيم" هنا يدل على اندماج هذين النمطين من المعرفة. ويستند مفهومي للإبيستيم، جزئيًا، إلى كتابي فوكو The Archaeology of Knowledge وThe Order of Things، حيث يشير إلى البنى "اللاشعورية" المنظمة الكامنة وراء إنتاج المعرفة العلمية. وفي هذين العملين يحيل إلى "الحقل الإبستمولوجي" الذي تتشكل فيه شروط إمكان المعرفة في زمان ومكان معينين. وأنا أستكمل هذا الفهم للإبيستيم بحجة Kittler القائلة إن أي مناقشة للإبستمولوجيا ينبغي أن تأخذ شروط التوسط المادي في الحسبان. وأخيرًا، أعرّف الإبيستيم مع مراعاة نظرية لاكان في الخطاب بوصفها الشبكة الرمزية التي تنظم العلاقة الاجتماعية و"كل ما تسنده بوصفك رابطًا اجتماعيًا" (Seminar XX 54). وفي هذا المشروع، تكتسب نظرية لاكان في الخطاب أهمية حاسمة بسبب عنايتها بعلاقة الذات بالمعرفة؛ فهي تُظهر أن المعرفة تحتل، في كل تشكّل خطابي، موضعًا مختلفًا، يؤثر في "العلاقات الأساسية" التي تنتجها التشكيلات الخطابية: "العلاقات داخل الذاتية أو النفسية، والعلاقات بين الذاتيات أو الاجتماعية، والعلاقات مع العالم غير الإنساني" (Bracher 107). يقول لاكان: "ما نحتاج إلى معرفته هو ما الذي يُنتَج، في خطاب ما، من أثر المكتوب" (Lacan, Seminar XX 33).
تُنجَز الكتابة بوساطة الحرف، "الوسيط المادي الذي يستعيره الخطاب الملموس من اللغة" (Lacan, “Seminar on ‘The Purloined Letter’” 45). والكتابة هي مسار الحرف، خط سيره. وإذ يشرح لاكان نظريته بقصة بوليسية لإدغار ألن بو، فإنه ينظّر للحرف بوصفه دائمًا "غير مفتوح" - فمحتواه مجهول - ودائمًا "مسروقًا" - فلا أحد يملكه؛ إذ لا يكون المرء إلا حاملًا مؤقتًا للحرف. فالحرف يبدل أمكنته؛ وبعبارة أخرى، الحرف يكتب، لكن "ما هو مكتوب ليس مما ينبغي فهمه" (Lacan, Seminar XX 34)، لأن الفهم يقيم في المعنى. ولهذا يُترك المكتوب للتفكيك والقراءة الفاحصة.
وعلى مستوى المكتوب في الخطاب، "يبقى واقع أن المرء يتكلم منسيًا خلف ما يُقال وما يُسمع"31 (Lacan, L’étourdit 1). وتضع الكتابة حاجزًا32 بين قول الذات وبين ما تريد أن تقوله. فالكتابة تغريب للجسد، لأنها تيسّر حركة الجسد خارج سيطرة الذات. وتُدخل الكتابة تراكبًا طبقيًا للحياة يتجاوز ما يستطيع "الحس المشترك" أو "رؤية العالم" أن يقدماه بوصفه نسخة من "الواقع". والطريقة التي تتداخل بها هذه الطبقات لا تكون في متناول الذات إلا بوساطة jouissance. ومن هنا مفارقة مفهوم لاكان للكتابة: إنها مادية بعمق، لأن هذه الكتابة، في جوهرها، "حدث-الجسد".
31 هذه ترجمتي لعبارة لاكان: "Qu’on dise reste oublié derrière ce qui se dit dans ce qui s’entend." ويقرأها Jack Stone على النحو الآتي: "That one says remains forgotten behind what is said in what is heard"، أما ترجمة Cormac Gallagher فهي: "That one might be saying remains forgotten behind what is said in what is heard." وكلتاهما غير منشورتين.
32 تقوم mathèmes الخطاب عند لاكان على خوارزمية Ferdinand de Saussure للعلامة، حيث يفيد الخط الفاصل بين الدال والمدلول العلاقة الاعتباطية بينهما.
وفي Seminar XX، حين يتحدث لاكان عن وظيفة المكتوب في الخطاب، فإنه يحيل إلى مثل هذه الطبقات أو الأنظمة التي تعمل في هيئة كلٍّ مؤتلف، لا بسبب معنى أعمق ما، بل بسبب ذكائها الخالي من المعنى والداخلي في هذه الأنظمة المتداخلة. ومن اللافت أن لاكان لا يميز بين الذكاء الاصطناعي وغيره من أنواع الذكاء. فالذكاء، عنده، ليس صناعيًا أبدًا. ومع ذلك، فقد تكون الأنظمة الذكية قادرة على التفكير، ولكن ليس على المعرفة. يقول لاكان: "أنا مستعد لأن أقبل فكرة أن الحاسوب يفكر، أما أن يعرف، فمن ذا الذي يقول شيئًا كهذا؟ فلأن أساس المعرفة هو أن jouissance ممارستها هي نفسها jouissance تحصيلها" (Seminar XX 97) - وهكذا صاغ التمييز بين الإنسان والآلة.
"العالم في [حال] تفكك"، يقول لاكان؛ إنه "لم يعد قائمًا، لأنه واضح، حتى في الخطاب العلمي، أنه لا يوجد أدنى عالم" (Seminar XX 36). وكما يشرح ميلر ملاحظة لاكان، فإن خطاب العلم، بإلغائه السحر، ألغى أيضًا الواقعي أو النظام من الطبيعة ("The Real in the 21st Century" n. p.). فلم يعد هناك الآن شيء "يعود إلى المكان نفسه". ويقول لاكان: "بمجرد أن تستطيع أن تضيف إلى الذرات شيئًا يسمى 'quark' وأن تجعل من ذلك الخيط الحقيقي للخطاب العلمي، فعليك أن تدرك أننا نتعامل مع شيء غير العالم" (Lacan, Seminar XX 36). والكتابة، بوصفها سلسلة تحركات الحرف، تمضي إلى الأمام بجعل كل حركة تالية جديدة على الدوام، لكنها محطة مؤقتة.
ولإيضاح طبقات هذا العالم المتفكك، يستخدم لاكان، لا من غير إيماءة إلى سوسير، مثالًا من "كتاب العالم الكبير":
"تأمل طيران نحلة. فالنحلة تنتقل من زهرة إلى أخرى تجمع الرحيق. وما تكتشفه هو أن النحلة تحمل، عند أطراف أرجلها، حبوب اللقاح من زهرة إلى ميسم زهرة أخرى. هذا ما تقرؤه في طيران النحلة. وفي طيران الطائر الذي يحلق قريبًا من الأرض... تقرأ أن عاصفة ستقع. لكن هل يقرآن؟ هل تقرأ النحلة أنها تؤدي وظيفة في تكاثر النباتات الظاهرة البذور؟ وهل يقرأ الطائر بشير الحظ، كما كان الناس يقولون قديمًا - أي العاصفة؟" (Seminar XX 37)
إذا كان هذا الذكاء المماثل، عند لاكان، كامنًا في كتابة طبقات الخطاب، فإن ما نراه في هذا النسق المنسق من الأنظمة هو نموذج لأتمتة التكرار، يقدمه لاكان في "Seminar on ‘The Purloined Letter’" بوصفه "إلحاح السلسلة الدالة" (6). إن "لعبة الحياة" الذكية التي يلعبها الحرف، والتي كثيرًا ما يقارنها بجرثومة، تعيد إنتاج نفسها، وبذلك "تُمَوضِع حضور الموت ماديًا" (16). وما يبقى وراء الموت هو الحرف - لا الذات عرضةً للتقسيم ولا الانطفاء: "اقطع حرفًا إلى قطع صغيرة، فإنه يبقى الحرف الذي هو عليه" (16)؛ "وسيكون ولن يكون حيث هو، أينما ذهب" (17). إن الحرف يكتب اللاشعور، أو خطاب الآخر، الذي تمتزج فيه الذوات التي تكرر (10)، وهو في الوقت نفسه أثر الكتابة وشرطها.
وخلاصة القول: إن الإبيستيم السيبرنيطيقي ينظم علاقة ذات العلم بالمعرفة بوصفها آلية blackboxing تحفظها السلطة المؤسسية المتشكلة داخل شروط معينة من التوسط المادي. ومفهوم الإبيستيم السيبرنيطيقي يصلح إطارًا للمعرفة التي يشتغل عليها التحليل النفسي.
في يناير 1969، صاغ لاكان العلاقة بين التحليل النفسي الفرويدي والتحليل النفسي اللاكاني على نحو غريب بعض الشيء. ووفقًا لما يرويه Jean-Michel Rabaté، وكان حاضرًا آنذاك، شرح لاكان الموضع الذي يرى نفسه فيه داخل هذه العلاقة بالإحالة إلى مجازه الشهير "علبة السردين"،33 الذي أدخل به مفهوم الانقسام بين العين والنظرة، ومن ثم قوة هذه الأخيرة: "...اطمئنوا، فأنا أضع نفسي دائمًا في الموضع نفسه، في الموضع الذي كنت فيه وما أزال فيه حيًا. لا يحتاج فرويد إلى أن يراني (me voir) لكي يحدق فيّ (me regarder)" (7). وقراءة تموضع لاكان الذاتي داخل نظرة فرويد تفيد بأنه كان يعترف، بهذه الطريقة، بكل من الاستمرارية والانقطاع بين عملهما.
33 كشف لاكان في Seminar XI أن هذا المجاز كان قائمًا على "قصة حقيقية" من شبابه. ففي أوائل العشرينيات من عمره، "كان يريد بيأس أن يفلت، وأن يرى شيئًا مختلفًا، وأن يلقي [بنفسه] في شيء عملي، شيء جسدي، في الريف مثلًا، أو عند البحر" (95)، أي في شيء "غريب". فسافر إلى الريف ليختبر - لمجرد الإثارة - الأخطار والمخاطر التي كانت تشكل، على نحو لا مفر منه، العمل الشاق اليومي للصيادين. ولم يغب فرق الطبقة عن العمال الذين رافقهم هذا الشاب الباريسي المتعلم في رحلتهم إلى البحر، بحيث لم يستطع أحدهم إلا أن يطلق مزحة تنتقص منه. وكما يتذكر لاكان:
"أشار Petit-Jean إلى شيء كان يطفو على سطح الأمواج. كانت علبة صغيرة، علبة سردين. وكانت تطفو هناك في الشمس، شاهدًا على الصناعة الماكرة التي كان من المفترض، في الواقع، أن نزودها نحن. وكانت تلمع في الشمس. فقال لي Petit-Jean: أترى هذه العلبة؟ أتراها؟ حسنًا، هي لا تراك!" (Seminar XI 95)
ويشكّل Seminar XI (1964)، الذي يرد فيه مجاز علبة السردين، نهاية "لاكان المبكر" بإعادة تقديم المفاهيم الأربعة الأساسية (أي الفرويدية) في التحليل النفسي - اللاشعور، والتكرار، والنقل، والدافع. كان لاكان فرويديًا. غير أن لاكان، في افتتاح السمینار، يبرز الفرق المفهومي بين اللاشعور الدينامي عند فرويد واللاشعور اللاكاني المنظّم مثل لغة، وهو مفهوم سابق على فرويد (Macey 65). ومن الواضح أن فرويد لم يكن لاكانيًا. ولتأكيد ذلك، أدخل لاكان، إلى جانب هذه المفاهيم الأربعة الأساسية، عددًا من مفاهيمه هو أيضًا - لا تقل أساسية للتطور اللاحق للفكر اللاكاني: مفهوم objet a والنظرة التي تؤطر الذات من الخارج.
ولا أظن أن ثمة حاجة إلى البرهنة على أن الروابط بين المحللين النفسيين الاثنين، على كثرة اختلافاتهما، قوية جدًا. وربما لا شيء يجسد علاقتهما أفضل من واحد من الأشكال الطوبولوجية المفضلة عند لاكان، وهو شريط Möbius: إذ يشكل خطابا فرويد ولاكان، كلٌّ على حدة، وجهين لسطح واحد بعينه، هو الاستمرارية المنقطعة للإبيستيم السيبرنيطيقي.
إن تتبّع قراءة لاكان لفرويد في الأربعينيات والخمسينيات يوضح أن "العودة إلى فرويد" عنده كانت محاولة لمواجهة هذا التعقيد. فعلى خلاف كثير من الشخصيات الأساسية الأخرى في حقل التحليل النفسي آنذاك، وكان عدد منهم يعرف فرويد معرفة وثيقة، أو عمل معه، أو خضع لتحليله، أو ارتبط به، لم يلتقِ لاكان قط مؤسس التحليل النفسي، ولم يهتم به إلا في منتصف الثلاثينيات؛ وقد عُدَّ دخيلًا على جماعة التلاميذ الرئيسيين، وهو وضع كان كثيرًا ما يُذكَّر به في مؤتمرات التحليل النفسي وندواته، ولا سيما تلك التي كانت تُعقد خارج فرنسا حيث كان لاسم لاكان وزن معين. وفي الوقت نفسه، لم يكن التحليل النفسي الفرويدي، شأنه شأن كل ما هو "ألماني"، مُرحَّبًا به على نحو خاص في الطب النفسي وعلم النفس الفرنسيين في الثلاثينيات والأربعينيات (Macey 26-45).
لقد بدأت "الموجة الفرنسية الجديدة" اللاكانية في التحليل النفسي بوصفها دراسة في أركيولوجيا المعرفة التحليلية النفسية. فعلى خلاف كثير من المحللين آنذاك الذين كانوا يربطون التحليل النفسي أساسًا بسيكولوجيا الأنا بوصفها "فرويد الأخير"، أصر لاكان على دراسة "فرويد الأول" بوضعه في السياقات التي كان التحليل النفسي يتطور فيها في نهاية القرن التاسع عشر. وفي إحدى مقالاته الأولى، "Beyond the ‘Reality Principle’" (1936)، شدد من قبل على أهمية استكشاف التاريخ الفكري للتحليل النفسي المتجذر في الممارسات العلمية للقرن التاسع عشر؛ إذ لاحظ أن "الثورة الفرويدية، مثل أي ثورة، تستمد معناها من سياقها، أي من شكل علم النفس الذي كان سائدًا حين وقعت" (59). وتظهر محاولته لاستعادة هذا التاريخ بوصفها استردادًا لمجال فكري أُزيح التحليل النفسي عنه. وإن كون لاكان يتابع هذا المشروع في الأربعينيات والخمسينيات، والطريقة التي يقرأ بها فرويد المبكر من خلال عدسة المفاهيم السيبرنيطيقية، يبرزان إمكانًا جديدًا لفهم هذا الفصل من تاريخ التحليل النفسي الذي رقبه فرويد نفسه. كما يفتح ذلك أفقًا زمنيًا واسعًا يتسع لا للمناقشات العلمية في الخمسينيات، مثل مؤتمرات Macy، وتطور نظرية المعلومات والألعاب، وتنظيرات الذكاء غير الإنساني والآلات المفكرة فحسب، بل أيضًا للخطابات العلمية في القرن التاسع عشر، حيث طُرحت كثير من هذه الأسئلة أولًا. وإذا رُبطت، ضمن هذا الإطار الزمني، بالتحقيقات العلمية وتجارب الخمسينيات، أمكن وصف الاختراعات التكنولوجية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والممارسات الجديدة المرتبطة بها بأنها طفرة في آلات الكتابة، وقد يسّرت هذه الطفرة مجتمعة ترسيخ هيمنة مركزية الكتابة، وهو جانب حاسم من جوانب تشكّل المعرفة، أي الإبيستيم السيبرنيطيقي، الذي ينتمي إليه فكر لاكان نفسه وما يزال مهيمنًا حتى اليوم.
ولم تكن مركزية الكتابة في الآلات التجريبية في أواخر القرن التاسع عشر متجانسة. فقد كان هناك، على الأقل، تياران من مركزية الكتابة في الوسائط البصرية المرتبطة بالعلم والفن معًا، يمكن التمييز بينهما على أساس تشييد نوعين مختلفين من وجهات النظر: متعاقبة أو متزامنة. وكما جادل Alexander Galloway، فإن وجهة النظر المتعاقبة ترتبط بخطية السينما وحركتها. أما وجهة النظر المتزامنة، التي تمثلها مثلًا الكاميرات ذات العدسات الست أو الاثنتي عشرة عند المصور الفرنسي Albert Londe (الذي عمل مع Charcot)، فتختلف بكونها فوق-مستقرة وافتراضية، ومن ثم يمكن ربطها بـ"الرؤية السيبرنيطيقية".34 وقد هيمنت وجهة النظر السينمائية بسرعة على الصناعة الثقافية والمخيال؛ أما الرؤية السيبرنيطيقية، التي لم يكن قد اختُرع بعد الشكل الوسيط الجماهيري الخاص بها، فقد تأجل انتشارها إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين أصبحت، كما ينقل Galloway عن الجماعة الفرنسية Tiqqun، صورة التوجيه والإدارة الآلية "الاستعارة الأساسية للعصر".35 ومن ثم، يلاحظ أن شروط إمكان الرؤية السيبرنيطيقية قد وُضعت في أواخر القرن التاسع عشر على أيدي عدد من المخترعين والباحثين والمفكرين، من Londe إلى دراسات عالم التشريح الألماني Christian Wilhelm Braune وعالم النفس Otto Fischer للحركة في علاقتها بمركز ثقل الجسد الإنساني، وهي الدراسات التي أجريا من أجلها تجارب في الرسم الخرائطي الثلاثي الأبعاد بإنشاء تقنية أولية للنمذجة الحاسوبية في تسعينيات القرن التاسع عشر (Galloway, “In the Aftermath of the Cybernetic Hypothesis”).
34 انظر محاضرة Galloway بعنوان “In the Aftermath of the Cybernetic Hypothesis” في Winchester Centre for Global Futures in Art Design & Media, Winchester School of Art, University of Southampton، والمتاحة على الرابط https://vimeo.com/45978167.
وكان على فرويد، بوصفه مراقبًا شديد الانتباه لهذه التطورات، أن ينتج أيضًا تصورًا بصريًا مفهوميًا لافتراضاته التحليلية النفسية الأولى. ففي Project for a Scientific Psychology (1895)، قدّم نسخة تأملية من الرسم الخرائطي الثلاثي الأبعاد للنفس الإنسانية "من الداخل": نموذجًا متكاملًا لاشتغال الذهن. وتصوّر فرويد حيّ وبصري؛ يقول دريدا عن The Interpretation of Dreams: "إنها آلة بصرية" (97). وكان هذا التصور يستند إلى النموذج العصبي الفيزيولوجي لوظيفة العصبونات والسيالات العصبية الميكانيكية بعد ثلاث سنوات فقط من اكتشاف العصبونات في سنة 1892.
ويشير نموذج فرويد العصبي الميكانيكي في Project إلى تشكل فكرة الكتابة بحسب مبدأ آخر من مبادئ التنظيم، سيغدو لاحقًا موضوعًا مركزيًا في "سمينار لاكان السيبرنيطيقي". غير أن فرويد نفسه لم يستطع أن يصوغ هذه الفكرة صياغة تامة، لا في عمله المبكر ولا في عمله اللاحق. بل إنه، في العشرينيات، يعود إلى بعض أفكاره المصوغة في Project، لكنه يصطدم مرة أخرى بحاجز استحالة التلفظ بها.
35 انظر Tiqqun، “The Cybernetic Hypothesis”، المتاح على الرابط http://cybernet.jottit.com/.
وتمثل مقالته "A Note upon the ‘Mystic Writing Pad’" (1925) هذه الصعوبة خير تمثيل؛ فالحل الوحيد الذي يجده هناك هو أن يوكل المهمة إلى استعارة، هي الـWunderblock، وهي لعبة تُظهر خاصيتها "السحرية" اقتصاد الكتابة في إنشاء نص فائق. وهذه المقالة القصيرة، التي ما تزال تُقرأ على نطاق واسع حتى اليوم،36 كانت إحدى آخر محاولات فرويد الدقيقة لتنظير مفهوم الكتابة في التحليل النفسي. وهي تُظهر ابتعاد فرويد عما أراه بناءً تأمليًا أكثر تعقيدًا ودقة للجهاز النفسي والذاكرة. وقد أثارت هذه المقالة، إلى جانب نموذج فرويد العصبي السابق للنفس في Project، نقاشًا نظريًا مهمًا حول الكتابة والتحليل النفسي بدأ، في الأوساط التحليلية النفسية، مع بحث لاكان "The Function and Field of Speech and Language in Psychoanalysis" الذي قُدم سنة 1953 ونشر في La Psychanalyse سنة 1956، ومع سميناره الثاني "السيبرنيطيقي": The Ego in Freud’s Theory and in the Technique of Psychoanalysis (1954-1955). أما خارج الأوساط التحليلية النفسية، فقد بدأ النقاش حول الكتابة مع نشر Jacques Derrida مقالته "Freud and the Scene of Writing"، المكتوبة سنة 1966 والمنشورة في مجموعته Writing and Difference سنة 1967، والتي أصبحت، إلى جانب عدة نصوص أخرى من هذا الكتاب، واحدًا من النصوص المؤسسة للفكر ما بعد البنيوي. وقد استمر النقاش في الكتابة خلال العقود التالية. ومن الجدير بالتمييز بين التصورات المختلفة لـ"الكتابة" المتداولة في هذا النقاش.
36 انظر، مثلًا، المقالات الأحدث: Mary Ann Doane، “Temporality, Storage, Legibility: Freud, Marey, and the Cinema” في Critical Inquiry 22.2 (1996): 313-343؛ وThomas Elsaesser، “Freud as Media Theorist: Mystic Writing pads and the Matter of Memory” في Screen 50.1 (2009): 100-113؛ وPatricia Ticineto Clough، “The Technical Substrates of Unconscious Memory: Rereading Derrida’s Freud in the Age of Teletechnology” في Sociological Theory 18.3 (2000): 383-398.
ينظّر كل من لاكان ودريدا "للكتابة" من خلال قراءة الأعمال الآتية لفرويد: Project for a Scientific Psychology (1895)، وThe Interpretation of Dreams (1901)، وBeyond the Pleasure Principle (1920)، و"A Note upon the ‘Mystic Writing Pad’" (1925). وفي مقالته سنة 1925، يكتب فرويد:
"عند استعمال Mystic Pad، يكتب المرء على الجزء السيلولويدي من الغطاء الذي يستقر على اللوح الشمعي. ولا يحتاج هذا الغرض إلى قلم رصاص أو طبشور، لأن الكتابة لا تعتمد على إيداع مادة على السطح المتلقي. إنها عودة إلى الطريقة القديمة في الكتابة على ألواح الطين أو الشمع: إذ يخدش أسلوبٌ مدبب السطح، وتكوّن الانخفاضات التي يتركها 'الكتابة'." (229)
وكما يلاحظ دريدا، ينبغي ألا نسأل إن كانت لوح الكتابة "استعارة جيدة لتمثيل عمل النفس؛ بل ما الجهاز الذي يجب أن نبتكره لكي نمثل الكتابة النفسية، وما الذي قد يعنيه تقليد شيء يشبه الكتابة النفسية، حين يُسقَط في آلة ويُحرَّر فيها" (75-76). وهذا سؤال وجيه، وإن كان قد طُرح بعد عقد من مقالة لاكان "The Function and Field of Speech and Language in Psychoanalysis" ومن سميناره الثاني "السيبرنيطيقي"، حيث كانت مسألة الجهاز، المتصور بوصفه آلة رمزية مجردة، قد عولجت بالفعل، وأشير إلى أن مثل آلة الكتابة هذه يمكن أن تكون حاسوبًا.
وفي مقالته سنة 1966، لا يذكر دريدا لاكان مباشرة، لكن النقاش الضمني مع المحلل النفسي يوجّه حجته بوضوح.37 وتبدو قراءة دريدا المتجاورة لعدة أعمال لفرويد عن الذاكرة و/أو الكتابة قراءة قوية ونافذة في وجوه كثيرة؛38 لكنها تخيب فقط بإصرارها على أن التقابل بين الكتابة والكلام فاعل في التحليل النفسي. وغالبًا ما يُدافَع عن هذه القراءة، خطأً أو قصدًا، بالافتراض الآتي: "ففي النهاية"، كما تصوغ Patricia Ticineto Clough الأمر، "اقترح لاكان أن اللاشعور منظَّم مثل لغة، ونقل مركز التحليل النفسي إلى كلام الذات - مبتعدًا فيما يبدو عن آلة الكتابة أو عن البنى التقنية للذاكرة اللاشعورية" (395).
37 لا شك في أن دريدا كان شديد الإلمام بمناقشات لاكان في الخمسينيات، وهو ما يبرهن عليه صراحة في "La Parole Soufflée" المكتوب سنة 1965، أي قبل سنة واحدة من "Freud and the Scene of Writing". ففي هذه المقالة يمكن العثور على عدد كبير من الإشارات المألوفة التي تلمح إلى عمل لاكان، مثل: "الكلام مسروق، لأنه مسروق من اللغة"، و"إن الأصل يفلت دائمًا منذ البدء انطلاقًا من حقل منظم للكلام يبحث فيه المتكلم عبثًا عن مكان مفقود على الدوام"، و"العقل يسرق"، و"إن 'الرسالة'، أي الكلام المكتوب أو الملفوظ، مسروقة دائمًا" (224)، وما إلى ذلك.
38 انظر، مثلًا، مقالة Patricia Ticineto Clough، “The Technical Substrates of Unconscious Memory: Rereading Derrida's Freud in the Age of Teletechnology” في Sociological Theory 18.3 (2000): 383-398.
ويكشف هذا التفسير عن تصادم بين تصورين متعارضين للكتابة.
إن "الكتابة" عند دريدا (وعند ما بعد البنيويين) ليست
"... كتابةً تنسخ فحسب، أو صدى حجريًا لكلمات مكتومة، بل هي ليثوغرافيا قبل-لفظية: فوق-صوتية، غير لغوية، ولا-منطقية. (فالمنطق يطيع الوعي، أو ما قبل الوعي، وهو موضع الصور اللفظية، كما يطيع مبدأ الهوية، وهو التعبير المؤسس لفلسفة الحضور.)" (“Freud and the Scene of Writing” 86)
وهنا تُقدَّم الكتابة على أنها "لا-منطقية" ولعبيّة، لأن المنطق، عند دريدا، مرتبط بالوعي، وهو ما يقف على الضد تمامًا من لاكان، الذي يستكشف منطق الكتابة اللاشعورية. وكما أشارت Barbara Johnson في "The Frame of Reference: Poe, Lacan, Derrida"، وكما بسطت Lydia H. Liu القول في Freudian Robot (2010)، فإن الإغفال المنهجي للإحالات إلى نظرية المعلومات والألعاب في مناقشة دريدا للاكان يدل، كما حاجّت Liu، على أن التمييز النظري بين "game" و"play" (وكلاهما في الفرنسية jeu) قد ضاع في الترجمة: "ففي نظرية الألعاب، يحافظ الرياضيون على تمييز صارم بين game، وهي مجموعة القواعد التي تعرّفها، وplay، وهي الواقعة الخاصة التي تُلعب فيها game من البداية إلى النهاية" (174). وهكذا تُوصَف الكتابة، عند دريدا، من حيث play (بوصفها "اللعب الحر للدوال")؛ بينما تُوصَف الكتابة، عند لاكان، من حيث game، التي تنبسط وفق قواعد ومنطق.
وهذا المنطق لا يشكل معنى. إنه منطق آخر لضغط تدفق الكلام. فهو يبني تشكل التلفظ، بتًا بعد بت، داخل البيئة الرمزية للغة. وأحيانًا يميل دريدا نحو مثل هذا الفهم حين يستخدم مفهوم الترميز: "فالكتابة النفسية، مثلًا، من النوع الذي نجده في الأحلام، والتي 'تتبع تهيئات أسبق'، وهي لحظة بسيطة في نكوص نحو الكتابة 'الأولية'، لا يمكن قراءتها في ضوء أي code" (89). وهو يتحدث عن "غابة من الكتابة، The Traumdeutung، أي تفسير الأحلام"، وعن مقاربته بوصفها "فعل قراءة وفك ترميز" (86). ومع ذلك، فإنه يرى وظيفة هذا الفك، في التحليل النفسي الفرويدي، متجهة إلى المعنى. وفي الوقت نفسه، حين يقرأ عمل فرويد بوصفه محاولة لترجمة "الكتابة الصوتية للأحلام بوصفها كتابة داخل كتابة" (86)، يقترب دريدا، للحظة وجيزة، من لاكان اقترابًا شديدًا: فحتى لاكان "يكتشف المكتوب في فعل الكلام ذاته" (Miller, “The Written in Speech” 6)، وهو ما يقيم استحالة التأويل الهرمنيوطيقي أو النصاني.
من جهة، يشترك مفهوم لاكان لـ"الكتابة" مع تصورات دريدا بأكثر مما قد يظن المرء. وكما يلاحظ Jacques-Alain Miller بخصوص مفهوم دريدا "archi-writing"، أو "الكتابة الأصلية التي ليست كتابةً منحطّة بالقياس إلى الكلام"، فهذا هو ما سمّاه لاكان، "قبل أي grammatology، فاعلية الحرف" (“The Written in Speech” 7-8). وغياب "code شامل ومعصوم على نحو مطلق [يُسْبِق] معنى الكتابة عمومًا" يعني، عند دريدا، أن "الكتابة الأصلية، إن كانت موجودة، يجب أن تنتج فضاء الصفحة وماديتها نفسها" (264). ولاكان متفق تمامًا مع هذا القول. ومن جهة أخرى،
لا يمكن وصف العلاقة بين الكتابة والكلام عند لاكان إلا بوساطة "التعدد الداخلي للشفهي والمكتوب من حيث هما كذلك" (Miller, “The Written in Speech” 5)، وبالتأكيد لا بوساطة تقابل ثنائي كما يقترح دريدا. ومن الواضح أن المفكرين يتخذان مقاربتين مختلفتين في قراءتهما لفرويد. يقرأ لاكان فرويد "بالعكس"، بادئًا بمقالاته في العشرينيات وعائدًا إلى أعماله الأسبق، التي يرى أنها حاسمة لفهم أعمال فرويد في العشرينيات. أما دريدا، فيقرأ فرويد بأن يمنح أعماله في العشرينيات منزلة أولى، ثم يرجع إلى أعماله المبكرة ليجلو معاني بعض تحركاته المفهومية وتطور أفكاره. ويلحظ المفكران معًا الهجنة المفهومية المميزة لفرويد؛ غير أنه بينما يفتش دريدا في عمل فرويد عن علامات الحضور الميتافيزيقي والهرمنيوطيقا القديمة، يتغاضى لاكان عنها ويركز على صراعات فرويد في تجاوزها.
ولأن الكلام لا يمكن "تأويله" بالمعنى الهرمنيوطيقي، يقترح لاكان أن يُعامل بوصفه سجلًا مشفرًا قابلًا للفك. ويأتي هذا الاستبصار من The Interpretation of Dreams، حيث رأى لاكان، بخلاف دريدا، نشوء تقنية تختلف جذريًا عن التقليد الهرمنيوطيقي. فعلى سبيل المثال، رغم أن فرويد يذهب ضد الخطية الوهمية للسرد، فإن تأويله ما يزال يستهدف العبارة ("ما يُقال") لا التلفظ ("كيف يُقال")، ومن هنا يأتي الانطباع بميل فرويد إلى الهرمنيوطيقا. لكن "انحدار التأويل [بدأ] مع فرويد نفسه"، كما يجادل ميلر؛ "ومن المستحيل ألا يرى المرء ذلك" ("Interpretation in Reverse" 9). وبالنسبة إلى لاكان، فإن غاية التحليل النفسي هي إظهار الدال "بوصفه chiffre، منفصلًا عن آثار الدلالة"، وهو ما ينبغي أن يتحقق عن طريق "التأويل بالعكس"، أو "فك لا ينتج معنى" (Miller, “Interpretation in Reverse” 8). فالتأويل الذي يشتغل في الهرمنيوطيقا "ليس له ضد، بينما لفك الشفرة ضد هو تشفيرها" (Miller, “The Sinthome, a Mixture” 72)، وهو ما يدل على إمكانه ثنائي الاتجاه: فالمقصود به ليس صنع المعنى، بل، على العكس، نقض المعاني التي يولدها اللاشعور. وبطبيعة الحال، فإن لاكان "يستخدم مصطلح 'ciphering' و'cipher' لا لمجرد تنويع معجمه، بل لكي يحاول أن يفكر الدال وjouissance في حركة واحدة" (Miller, “The Sinthome, a Mixture” 72). وكما يلاحظ دريدا بنفاذ، "يتصور فرويد إزاحات الحلم على أنها شكل جديد من الكتابة" (88).
ويلاحظ دريدا أيضًا، عن جهاز فرويد النفسي الخاص بالذاكرة اللاشعورية، أنه "عمق بلا قاع، وإحالة لا نهائية، وخارجية سطحية تمامًا: تراكب لسطوح، لا تكون علاقة كل منها بنفسها، ولا داخل كل منها، إلا انطواءً لسطح آخر منكشف على النحو نفسه" (224). وهو يشير إلى تعقيد العلاقة بين الطبقات: "الكتابة غير قابلة للتفكير من غير كبت. فشرط الكتابة ألا يكون هناك لا تماس دائم ولا قطيعة مطلقة بين الطبقات: يقظة الرقابة وإخفاقها" (113). أما لاكان، فيرى في Project عند فرويد، ولا سيما في The Interpretation of Dreams، تقنيةً تحليلية نفسية تعمل على شرط أن الطبقات المتغايرة يمكن أن تنبسط أو تتقارب (مثل الحلم وخطاب المريض عن الحلم، أو التفاعلات الحشوية أثناء الجلسة وكلام المريض) في كيان مكتوب واحد ينبغي فكّه بوصفه واحدًا (ومن هنا دعواه "لا وجود لما بعد-لغة"). وهكذا يتصور لاكان الكتابة في علاقتها بعملية هذه التقاربات.
وفي Gramophone, Film, Typewriter، يتحدث Friedrich Kittler عن أن تغير أنظمة الوسائط، أو شروط التوسط المادي، هو في الآن نفسه تقني وخطابي. ومن ثم فهناك ترابط بين أنظمة الوسائط والخطابات، ينكشف على طول سبل معالجة المعطيات وتخزينها. وشرط إمكان التحليل النفسي، بحسب Kittler، هو
"الثورة الوسائطية سنة 1880 [التي] أرست الأساس لنظريات وممارسات لم تعد تخلط بين المعلومات والروح. فاستُبدل التفكير بجبر بولياني، واستُبدل الوعي باللاشعور، الذي يجعل، منذ قراءة لاكان على الأقل، من 'The Purloined Letter' عند Poe سلسلة Markoff."39 (16)
ويتخذ التحليل النفسي انطلاقته بعد انقطاع الاستمرارية الحسية بين حركة اليد وعملية الكتابة. ومع آلات الكتابة التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر، يقوم التحليل النفسي برقمنة الكتابة بجعلها أكثر ظهورًا، ومن ثم بتحويلها إلى "مجرد وسيط واحد بين وسائط أخرى" (Johnston, “Introduction” 5). وفي هذا يعكس التحليل النفسي شروط التوسط المادي المعاصرة له.
39 يشير Kittler إلى المفهوم الذي أدخله الرياضي الروسي Andrey Markov، والذي يدل على تتابع متغيرات عشوائية يُظهر أنماطًا متكررة مع انبساط التتابع في الزمن.
وقد لاحظ John Johnston أن "مفارقة زمنية تبدو وكأنها تتسرب إلى المخطط التاريخي عند Kittler، لأنه يضع فرويد ولاكان معًا داخل شبكة الخطاب 1900، وهي شبكة تتميز بظهور الوسائط التقنية وخطابات السيكوفيزياء والتحليل النفسي" (The Allure of Machinic Life 82). وهذه الملاحظة مهمة وتحتاج إلى مزيد من الشرح. فـKittler يعرّف شبكات الخطاب بأنها "شبكات التقنيات والمؤسسات التي تتيح لثقافة ما أن تختار المعطيات ذات الصلة وأن تخزنها وأن تعالجها" (Kittler, Discourse Networks 1800/1900 369). وتحفظ هذه الشبكاتَ التقنياتُ والمؤسساتُ المرتبطة بها، بحيث إنها "تؤلف معًا تشكّلًا بالغ القوة من الناحية التاريخية" (369).
ويميز Kittler بعد ذلك بين مفهومه للخطاب ومفهوم Michel Foucault له. فهو يلاحظ نقديًا أن فوكو "يصف فقط إنتاج الخطابات"، لا "مصادر هذه الخطابات، ولا قنواتها، ولا متلقيها" (Armitage and Kittler 18). وبالنسبة إلى Kittler، فإن تحليل الخطاب يقتضي تنقيب البنى الكامنة تحت الممارسات الإنسانية. وعلى هذا الأساس يخلص إلى أن فرويد ينتمي إلى حقبة الديناميكا الحرارية، في حين أن لاكان أصبح داخل حقبة المعلومات والحوسبة. ولذلك فإن Johnston محق في ملاحظته مفارقة زمنية في وضع المحللين النفسيين الاثنين داخل شبكة خطاب واحدة.
غير أنه يسهل وضع لاكان في شبكة خطاب معينة أكثر مما يسهل وضع فرويد، الذي يبدو فكره واقعًا في أسر تغير شروط التوسط المادي. وهذا ما يفسر الصعوبة التي يواجهها فرويد في بلورة مفهوم الكتابة، والتي تفضي إلى انحرافه اللاحق نحو الاستعارة في "A Note upon the ‘Mystic Writing pad’". وتُحل هذه "المفارقة الزمنية" بمشروع لاكان "العودة إلى فرويد"، أو بالأحرى "إعادة فرويد" إلى شبكة الخطاب 1900، التي أسهم عمله إسهامًا كبيرًا في تشكلها. وتعمل "نظرية الوسائط في اللاشعور" عند لاكان (Boltz, 26-34 qtd. in Winthrop-Young and Wutz xxviii) على إظهار أن التحليل النفسي الفرويدي كان جزءًا من إطار أكبر احتوى أكثر من شبكة خطاب واحدة. وأقترح أن يُسمى هذا التجميع من الخطابات "الإبيستيم السيبرنيطيقي".
الخاتمة
استعار لاكان المفاهيم السيبرنيطيقية انتقائيًا، من غير أن يقصد الإسهام في النقاش المتعدد التخصصات الدائر حولها أو الحفاظ على تبادل مع السيبرنيطيقيين؛ ومن هنا قولنا: سيبرنيطيقا لاكان في عنوان هذا العمل. غير أن ما يلفتني في مشروع لاكان هو إخلاصه لمهمة طموحة وصراعه مع محاولة صياغة فكرة أعتقد أنها سيبرنيطيقية تمامًا بطبيعتها: التصور المادي للبنية بوصفها تداخل الأنظمة - المتخيل، والرمزي، والواقعي. وهنا أيضًا يكمن فارق حاسم بين مشروع لاكان ومشروع السيبرنيطيقا، وهو فارق نادرًا ما يُعترف به. فالخطاب الذي "تخاطب فيه الذات الإنسانية [المحلل]" يكون دائمًا "ملوثًا"، ولكن لا بسبب "أخطاء في النحو" (Seminar II 305-306): إن فوضى هذا الخطاب أثر لتداخل الأنظمة، ولذا ينبغي فكّه بوصفه كلًا واحدًا، تمامًا كما أنه مكتوب عبر طبقات مختلفة.
ومن جهة، كانت السيبرنيطيقا نافعة للاكان في إبراز "الفرق الجذري بين النظامين الرمزي والمتخيل" (Seminar II 306). فهو يقول: "اعترف لي أحد السيبرنيطيقيين مؤخرًا بالصعوبة البالغة التي يواجهها... في ترجمة وظائف Gestalt ترجمة سيبرنيطيقية، أي مواءمة الأشكال الجيدة"، ثم يضيف: "وما يكون شكلًا جيدًا في المادة الحية يكون شكلًا سيئًا في الرمزي" (306). إن "coaptation"، وهو مصطلح يستخدمه لاكان باستمرار في النص، قريب من "adaptation"، لكن ثمة فرقًا مهمًا. فـ"adaptation" هي "توافق" بين أشياء أو أجزاء أو مواد مختلفة، أو "انخفاض في استجابة مستقبل حسي لمثير ثابت أو مطوّل"؛ وغالبًا ما يكون لها "استخدام أو غرض أو وظيفة مخصوصة" في التلاؤم مع بيئة معينة (OED). أما "coaptation"، كما تُستخدم في الطب، فتعني "ضمّ نهايتي عظم مكسور أو مواءمتهما، أي تجبيره؛ أو إعادة العظم المخلوع إلى موضعه" (OED). وهنا، بالإضافة إلى "الاتفاق" بين الهيئات المختلفة للمادة أو بين الطبقات المختلفة كي "تتلاءم معًا"، نشعر أيضًا بأنها مندفعة إلى الاندماج. وكما يقول لاكان: "هناك قصور ذاتي في المتخيل نجده يفرض نفسه في خطاب الذات، ويزرع الشقاق في الخطاب"، وهو ما يخيط "العلاقة الأساسية بين الإنسان والنظام الرمزي [التي] هي بالضبط ما يؤسس النظام الرمزي نفسه - علاقة اللاحضور بالحضور" (306, 308).
الفصل 2
ذات العلم
- قديسو السيبرنيطيقا والتحليل النفسي
بالنسبة إلى لاكان الخمسينيات، كان تاريخ السيبرنيطيقا ما يزال في حاجة إلى أن يُكتب. فقد أكد أن "السيبرنيطيقا مجال حدوده غير متعينة جدًا"، واقترح أن "وحدتها" تتكون من "تنوع من ميادين العقلنة، من السياسة، مرورًا بنظرية الألعاب، إلى نظريات الاتصال، وحتى إلى بعض تعريفات مفهوم المعلومات" (Seminar II 296). وكما ذكرت في الفصل السابق، فإن عرض لاكان للسيبرنيطيقا يمدد تاريخها المعياري. فهو، أولًا، يردها إلى العقد الذي سبق اللحظة التي صاغ فيها وينر اسم "الحقل الجديد" سنة 1947. وقد لاحظ لاكان:
"يقال لنا إن السيبرنيطيقا وُلدت ولادة مباشرة جدًا من أعمال مهندسين معنيين باقتصاد مرور المعلومات عبر النواقل، ومعنيين بالطريقة التي يمكن بها اختزال الكيفية التي تُنقل بها الرسالة إلى عناصرها الأساسية. ووفق هذا الوجه، لا يكون عمرها أكثر من عشر سنوات. وقد منحها اسمها Norbert Wiener، وهو أحد ألمع المهندسين." (Seminar II 296)
ثم إنه، بتشكيكه في هذه النسخة "المباشرة جدًا" من خلفية السيبرنيطيقا، والتي يرى أنها "تحد من أهميتها"، اقترح أيضًا أنه "ينبغي أن نلقي نظرة أبعد لنجد مولدها" (296). وقد أصرت أركيولوجياه للسيبرنيطيقا على "أصلها في موضوع... دلالة المصادفة"، وهو أيضًا "حاسم جدًا بالنسبة [إلينا نحن] المحللين النفسيين" (295). وكانت هناك، بالنسبة إلى لاكان، ملامسة بين المجالين وسمت "مولد" السيبرنيطيقا والتحليل النفسي معًا، بجعلهما "تقنيتين متقاربتين زمنيًا تقريبًا، ونظامين من الفكر والعلم" (295).
"إن ماضي السيبرنيطيقا لا يتألف من شيء أكثر من التشكيل المعقلن لما سنسميه، تمييزًا لها من العلوم الدقيقة، العلوم التخمينية"، هكذا قال لاكان (296). ولم يكن "العلوم التخمينية" سوى اسم آخر اقترحه بدل "العلوم الإنسانية"، الذي كان يراه "غامضًا جدًا، ومشحونًا بأنواع شتى من الأصداء الملتبسة" التي تحيل، مثلًا، إلى نزعة إنسانوية غذّت جنون العظمة البشري؛ بينما كان مصطلحه "علوم التخمين" - بحسب قوله - "أشد صرامة وتحديدًا" (296) إذا قورن بالعلوم الدقيقة، بحيث يبرز الزوج "الدقيق/التخميني" الفرق بين الإحكام والتخمين. وهكذا ردّ ما قبل تاريخ التحليل النفسي والسيبرنيطيقا إلى القرن السابع عشر حيث ترسخ هذا الانقسام. وفي ذلك اقترب من ملاحظة وينر أن الفكر السيبرنيطيقي لم يكن حكرًا على القرن العشرين: فقد أقر وينر قائلًا: "مع أن مصطلح cybernetics لا يرجع إلى ما قبل صيف 1947، فسوف نجد من الملائم أن نستخدمه للإشارة إلى عصور أسبق من تطور هذا الحقل" (Cybernetics 12).
غوتفريد فيلهلم لايبنتز
في Cybernetics، يحدد وينر بداية الفكر السيبرنيطيقي في الأعمال الفلسفية لكل من غوتفريد فيلهلم لايبنتز وبليز باسكال. غير أن وينر اختار، من بين الاثنين، لايبنتز بوصفه "قديسًا راعيًا للسيبرنيطيقا":
"تتركز فلسفة لايبنتز حول مفهومين متصلين اتصالًا وثيقًا - مفهوم الرمزية الكونية، ومفهوم حساب الاستدلال. ومن هذين انحدرت الرموز الرياضية والمنطق الرمزي في أيامنا الحاضرة...
بل إن لايبنتز، شأنه شأن سلفه باسكال، اهتم ببناء آلات حاسبة معدنية. ولذلك فليس من الغريب على الإطلاق أن تكون الدفعة العقلية نفسها التي قادت إلى تطور المنطق الرياضي قد قادت، في الوقت نفسه، إلى المثال أو الميكنة الفعلية لعمليات التفكير." (12)
وفي الخمسينيات، كان يُراد لـ"آلة التفكير" عند لايبنتز أن تميكن المنطق الرمزي للدماغ، وأن تجسد الغاية النهائية للسيبرنيطيقا. ومع أن إنشاء مثل هذه الآلة لم يكن يبدو مرجحًا في المستقبل القريب، فإن السيبرنيطيقيين كانوا على يقين بأنها ستُبنى في نهاية المطاف. وفي آخر الأمر، لم يكن بوسع أحد غير الآلة نفسها أن يقدّم الإجابات40 عن طبيعة التفكير: "إن صنع دماغ اصطناعي لا يحتاج الآن إلا إلى الوقت والعمل" (382)، هكذا كتب الطبيب النفسي البريطاني وأحد رواد السيبرنيطيقا روس آشبي في Design for a Brain (1960). وقد أكد أن "مثل هذه الآلة قد تُستخدم في مستقبل بعيد... لاستكشاف مناطق من الدقة والتعقيد العقلي تقع الآن خارج القدرات البشرية"، ثم خلص على نحو مألوف عند السيبرنيطيقيين، مشددًا على أهمية إسهام الآلة نفسه في الجدل العلمي: "كيف سينتهي الأمر؟ أقترح أن أبسط طريقة لمعرفة ذلك هي أن نصنع الشيء ونرى" (382-383). ولاكان يوافق: "بمجرد أن تصير لدينا إمكانية تجسيد هذا الصفر، وهذا الواحد، أي ترميز الحضور والغياب، في الواقعي، وتجسيده في إيقاع... لا يبقى لنا إلا أن نتساءل... هل لدينا آلة تفكر؟" (Seminar II 303-304). ثم يمضي إلى تحديد البشر والآلات معًا بوصفهم كيانات مفكرة: "إذا كانت الآلة لا تفكر، فمن الواضح أننا نحن أيضًا لا نفكر عندما نجري عملية ما"، كما شرح، "فنحن نتبع الإجراءات نفسها التي تتبعها الآلة" (304). والفرق بين الإنسان والآلة يتعلق بالواقعي، وهو، في هذه النقطة من "المرحلة الكلاسيكية" في عمل لاكان ومشروعه "العودة إلى فرويد"، الواقعي العلمي المشترك بين السيبرنيطيقا والتحليل النفسي. لكنه كان قد رسّخ بالفعل فرقًا مهمًا بين الإنسان والآلة، وهو الفرق الذي يحدد أيضًا النقطة التي سيقوده منها لاحقًا إلى هجر الإحالات السيبرنيطيقية وتطوير مفهوم مختلف، غير علمي، للواقعي في السبعينيات: "مع الآلة، كل ما لا يأتي في حينه يسقط جانبًا ببساطة ولا يطالب بشيء"، هكذا يخلص لاكان في محاضرته عن السيبرنيطيقا والتحليل النفسي (307). ثم يتابع: "وهذا لا يصح على الإنسان: فالتقطيع حي، وكل ما لا يأتي في حينه يبقى معلقًا"، أو مكبوتًا، ومن ثم فهو "دائمًا هناك، يلح ويطالب بأن يكون" (307-308). وأحد وجوه "التقطيع الحي" هو "البعد الذي هو نتاج منطق التأويل بوصفه حسابًا، أو مخاطرة محسوبة، والذي يأتي ليبرز ويسجل ما تم القبض عليه من بنية الذات"، كما يشرح Pierre Skriabine ("The Logic of the Scansion" n. p.). وهذا يقودنا إلى بليز باسكال.
40 يتعلق هذا بالافتراض الشائع بين السيبرنيطيقيين - ولا سيما أولئك المنتمين إلى المدرسة البريطانية ذات الصلة بـRatio Club (1949-1958)، مثل آشبي، وغراي والتر، وآلان تورنغ - بأن الآليات التكيفية أو الذكية أدائية أكثر منها تمثيلية، شأنها شأن "الآلة" التي أريد لها أن تجسدها، أي الدماغ (Pickering 6-7). وكان لا بد من مراقبة أدائها قبل الوصول إلى أي استنتاج.
بليز باسكال
إذا كان لاكان سيختار "القديس الراعي" لـ"تقنيتين متقاربتين زمنيًا تقريبًا"، هما السيبرنيطيقا والتحليل النفسي، فإني أعتقد أن خياره كان سيقع على سلف لايبنتز، بليز باسكال. لقد جذب باسكال اهتمام لاكان بسبب عمله في الآلات "المجردة": فإلى جانب بنائه آلة حساب ميكانيكية سميت Pascaline سنة 1642، كتب الرياضي والفيزيائي الفرنسي أيضًا "Treatise on the Arithmetical Triangle" (1653)، مقدمًا آلة من نوع آخر.41 وكان مثلث باسكال جدولًا حسابيًا لمعاملات ذات الحدين، يُحصَّل فيه كل سطر تالٍ بجمع المدخلين الواقعين قطريًا فوقه. وفي الوقت نفسه، كان يُظهر العلاقة غير المرئية على نحو آخر بين الأعداد الأولية المرتبة هندسيًا في سلاسل متناظرة على هيئة هرم، كاشفًا عن تنوع من الأنماط المعقدة، أسهم بعضها حتى في مشاريع حديثة جدًا تستكشف مسألة الذكاء، مثل عمل Stephen Wolfram على الأوتوماتا الخلوية.42
41 في القرن الحادي عشر، كان المثلث قد وُصف من قبل الرياضي الصيني Yanghui (انظر: Encyclopedia Britannica، https://www.britannica.com/topic/Pascals-triangle) وكذلك من قبل الفلكي-الشاعر الفارسي عمر الخيام (انظر http://mathworld.wolfram.com/PascalsTriangle.html).
42 Wolfram, Stephen. A New Kind of Science. Champaign, IL: Wolfram Media, 2002. 870.
ويخبرنا التاريخ أن تطوير المثلث الحسابي انطلق من قصد باسكال حل لغز من ألغاز القمار. ووفقًا للمؤرخ John F. Ross،
"كان Chevalier de Mere، وهو رجل عيش بارز ومقامر طموح، يعبث بالرياضيات ليزيد من عوائده، ويختبر حدوسه في الغالب في صالات القمار في Paris. وقد دفعه حبه لألعاب الحظ إلى عرض أحجية ذهنية عمرها قرنان على باسكال، الذي تشاور بدوره مع الرياضي Pierre de Fermat، صاحب 'المبرهنة الأخيرة' الشهيرة. وكانت 'مشكلة النقاط' تتعلق بلاعبين في وسط سلسلة من ألعاب النرد، والفائز يأخذ كل شيء. أحدهما متقدم، لكن المباراة تُقطع قبل أن تنتهي. فكيف يُقسَّم مبلغ الجائزة تقسيمًا منصفًا؟" (S7)
وفي Seminar II، قدّم لاكان عرضًا دقيقًا للتحدي الذي تصدى له باسكال، وللحل الذي يقدمه المثلث الحسابي لهذه الأحجية: "فهو يتيح أن نحدد فورًا ما يحق للمقامر أن يتوقعه في أي لحظة إذا انقطعت سلسلة الأدوار التي تتألف منها لعبة ما. إن تعاقب الأدوار هو أبسط صورة يمكن أن نعطيها لفكرة اللقاء"، كما شرح؛ ومن ثم، "ما دمنا لم نبلغ نهاية سلسلة الأدوار المحددة بالاتفاق، فإن شيئًا ما يمكن تقويمه، أي إمكانات اللقاء بوصفه كذلك" (Seminar II 299). ثم أوضح لاكان أن "مفهوم الدور" هو "مفهوم التقطيع" (299).
وفي علم العروض، يعني "التقطيع" "تقسيم البيت الشعري إلى تفعيلات" (OED)، أي تقطيع بيت معين إلى أجزاء استنادًا إلى أنماط يمكن تمييزها تتجاوز معاني كلماته وعباراته المفردة. وهو تقنية لإعادة تجميع تدفق البيت مع أخذ طول المقاطع الصوتية ومستويات النبر المختلفة الواقعة عليها في الحسبان. ويلاحظ Eric Laurent أن "من المثير للاهتمام أن [مفهوم التقطيع] أُدخل مع مفهوم الاحتمال في أواخر القرن السابع عشر"، وأن "التقطيع يقترن بفكرة المصادفة، لا المصادفة بوصفها عشوائية، بل بما يُدخل فكرة la recontre scandée... أي 'اللقاء المقطّع'43 أو كون الأمكنة، بوصفها كذلك، قد عُدَّت سلفًا" (“The Oedipus Complex” 69). وهنا يحيل Laurent إلى مناقشة لاكان لرسالة باسكال في المثلث الحسابي، التي ذكّرنا لاكان بأنها كانت بداية حساب الاحتمال (Seminar II 299).
ولما كان مثلث باسكال آلةً معنية بوظيفة المكان، أو بالعلاقة بين الأمكنة، لا بـ"ما الذي يملأ [المكان] أو لا يملؤه" (299)، أمكن للاكان أن يخلص إلى أن عملية التقطيع، التي يجسدها المثلث الحسابي، تكشف الواقعي القابل للفك أو المبني، وهو واقعي يمكن التعبير عنه رياضيًا. وفي "Seminar on ‘The Purloined Letter’"، أوضح هذا المبدأ بتحليل سجل لرميات متعددة لقطعة نقدية: "إن مجرد الإشارة بـ(+) و(-) إلى سلسلة لا تلعب إلا على البديل الجوهري الوحيد، وهو الحضور والغياب، يتيح لنا أن نبرهن كيف أن التعيينات الرمزية الأشد صرامة تستوعب تعاقبًا من رميات [العملة] يكون واقعه موزعًا توزيعًا صارمًا 'بالمصادفة'"، هكذا شرح لاكان (35). وما اتضح في هذا المثال أن هذا الواقعي الرياضي عند "لاكان الكلاسيكي" يجسد المستحيل: فقد حدّدت تجربة الرمي الممكن من المستحيل بوصف ذلك دليلًا على أن هذه التعاقبات العشوائية محكومة بقانون يفوق تعيينها. وكما يعلق Alfredo Zenoni، فإن هذا القانون "يأمر ويحظر": "فإذا مُثّل كل تعاقب ممكن (+ -, - +, - -, ++) بحرف (a, b, c, d) وجُمعت الرميات العشوائية المتعاقبة اثنتين اثنتين، فإن بعض التعاقبات الموسومة بهذه الحروف يتبين استحالته" (79-80).
43 يقترح Laurent هذه الترجمة بدلًا من "the scanned encounter" الواردة في Seminar II.
وفي مثلث باسكال الحسابي كانت الأمكنة تُملأ بأعداد أولية. وبدل أن ينسب باسكال إلى بعض الأعداد الأولية صفات جوهرية معينة تحدد علاقاتها أو تنسقها، أبرز فكرة العلاقة بين الأمكنة التي تشغلها هذه الأعداد. وبذلك ألغى المثلث العشوائية، وأظهر أن لعبة الحظ قائمة على مبدأ رياضي، يتجسد بفعل تصميم المثلث بحيث يمكن بواسطته تحديد الأرجحية العددية لحدث مستقبلي بدقة رياضية. وبعبارة أخرى، يمكننا أن نقول عن آلة باسكال ما كان لاكان سيقوله لاحقًا عن الطوبولوجيا: إنها كانت تُظهر البنية نفسها.
وفي سنة 1969، أشار الرياضي George Spencer-Brown إلى هذه البنية التحتية باسم "laws of form"، واصفًا إياها بأنها "فكرة قديمة" قدمها رياضيون سابقون (نفترض أن باسكال منهم أيضًا). وقد اقترح أنه "يمكننا أن نجد واقعًا مستقلًا عن الكيفية التي يظهر بها الكون فعلًا، وهو ما يضفي على دراسة الرياضيات هذا القدر من السحر"، وأن "الرياضيات، شأنها شأن سائر الفنون، يمكن أن تقودنا إلى ما وراء الوجود العادي، وأن تُرينا شيئًا من البنية التي يتماسك فيها الخلق كله" (Laws of Form xxix). وهكذا فالبنية هي هيئة من الأمكنة.
وبالنسبة إلى لاكان، فإن اللحظة التي "يُستعاض فيها عن علم ما يوجد في المكان نفسه بعلم تركيب الأمكنة بوصفها كذلك" (Seminar II 299) هي اللحظة التي شهدت مجيء "ذات العلم" التي يشتغل عليها التحليل النفسي (“Science and Truth” 729)، والتي وصفها Grigg بأنها "الذات التي تجعل العلم ممكنًا بوصفه دراسة رياضية للطبيعة" (Lacan, Language, and Philosophy 138). وكما ذكرت آنفًا، فإن نظرية لاكان في الوضع الذاتي الجديد الذي ظهر في القرن السابع عشر كانت قائمة على حجة Koyré بشأن تغير علاقة الإنسان بنظام العالم. فإذا كان الإنسان، في "النظام العالمي القديم"، "معنيًا بصون هذا النظام"، ومن ثم
"... كان لدى الإنسان فكرة أن طقوسه وشعائره - فتح الإمبراطور أخدود الربيع، ورقصات الربيع، وضمان خصوبة الطبيعة - لا غنى عنها لإبقاء الأشياء في مواضعها. لم يكن يظن أن الواقعي سيزول إن لم يشارك بهذه الطريقة المنظمة، لكنه كان يعتقد أن الواقعي سيتعكر. ولم يكن يدعي أنه يسن القانون، بل كان يدعي أن وجوده لا غنى عنه لدوام القانون." (Seminar II 297)
فإن الإنسان، في "النظام العالمي الجديد"، وجد نفسه مستبعَدًا ولم يعد مقيدًا بمسؤولية إبقاء العالم في حركة: إذ إن "ابتهالاته لم تعد في الحقيقة ذات صلة بنظام الأشياء" (298). ونتيجة لذلك، لم يعد الإنسان يعرف ما المطلوب منه. وإذا نُظِر إلى الطبيعة من خلال عدسة الرياضيات، فإنها تقدَّم لمثل هذا الإنسان، أي ذات العلم، بوصفها مؤتمتة، بمعنى أن قوانينها تعمل من تلقاء نفسها، بل كأنها محدَّدة بقانون داخلي ما. ويشرح Zenoni هذه المقدمة في العلم الحديث بقوله: "إن الواقعي يعرف ما عليه أن يفعله؛ فهو يعامل المادة كما لو كان لها لاشعور، كما لو كانت تعرف لاشعوريًا ما تفعله" (82).
وفي مطلع محاضرته عن التحليل النفسي والسيبرنيطيقا، أكد لاكان أن "هناك علاقة وثيقة بين وجود المصادفة وأساس التحديدية" (Seminar II 295). وكما شرح، فإننا حين نقول إن شيئًا ما يحدث بالمصادفة، "قد نعني أحد شيئين، وقد يكونان مختلفين جدًا - إما أنه لا توجد نية، أو أن ثمة قانونًا"، في حين توحي فكرة التحديدية بأن "القانون بلا نية" (295). غير أنه، مع ظهور علم التركيبات القائم على التلاعب بالأمكنة، أُدخلت فئة "السبب" في العلاقة بين المصادفة والتحديدية - "لا شيء يحدث بلا سبب" (وهو موقف تحديدي)؛ غير أنه أوضح أن هذا "سبب بلا نية" (295). وهكذا تعمل "قوانين الشكل"، أو البنية، "من غير قصد" أو على نحو آلي.44
كريستيان هويغنز
إلى جانب مثلث باسكال، تناول لاكان أيضًا اختراع الرياضي والفلكي الهولندي كريستيان هويغنز لساعة إيزوكرونية في خمسينيات القرن السابع عشر، وقد ظلت أدق ساعة حتى ثلاثينيات القرن العشرين (Milham 330, 334; Marrison 510-588). وكان هويغنز معاصرًا لباسكال، وعلى معرفة وثيقة بعمل الرياضي الفرنسي. وقد قرأ أبحاث باسكال في الاحتمال، ثم كتب عمله الرائد الخاص في هذا الموضوع، "On Reasoning in Games of Chance" (1657).
44 هذا الافتراض الحاسم كان أيضًا في أساس صيغة لاكان "اللاشعور منظَّم مثل لغة" وكذلك مفهومه للكتابة. انظر مناقشتي للكتابة في الفصل السابق.
وبإشارته إلى هويغنز في Seminar II، قدّم لاكان جانبًا آخر من جوانب التحول العلمي في القرن السابع عشر: فساعة هويغنز، كما يقول، مهدت الطريق إلى "كون الدقة"، "الذي لا يمكن أن يكون علم دقيق بحق من دونه" (298). وهكذا أقام لاكان صلة بين التوجه نحو بحث الدقة وفقدان الإحساس بكون المرء "لا غنى عنه لدوام قانون" الطبيعة. وفي مقاله اللاحق "Science and Truth"، وصف لاكان هذا الانفصال بأنه انقسام بين "المعرفة" و"الحقيقة"، حيث كانت "المعرفة" هذه المعرفة العلمية الجديدة التي تتوسط بين الإنسان والطبيعة. ويحدث هذا الانقسام، كما يقول لاكان، لأن البنى العلمية، "مع أنها ربما لا تخلو من الموضوعية، لا تكون ذات صلة بالعلم إلا بقدر ما لا تسهم بشيء عن الساحر، مثلًا، ولا إلا بالقليل عن السحر؛ وإن أسهمت بشيء عن آثار هذين الأخيرين، فهذه الآثار ليست إلا من الساحر أو من السحر" (730).
وهكذا كانت "الحقيقة" هي ما احتجب عن ذات العلم، التي فقدت إحساسها بأهميتها بالنسبة إلى النظام الطبيعي على سعته. غير أن الانقسام لم يكن كاملًا، بل كان أثرًا لوساطة علمية، وهو ما يفترض استحالة الانفصال التام واستحالة إعادة الالتحاق بنظام الطبيعة. وقد قدمه لاكان بوصفه "نموذجًا طوبولوجيًا، شريط Möbius"؛ إذ إن "هذا الشريط ينقل حقيقة أن الانقسام الذي يجتمع فيه هذان الحدّان لا يمكن اشتقاقه من اختلاف في الأصل" (727)، وفي هذا الموضع ظهرت الذات. وكما أوضح لاكان، فلهذا السبب "لا وجود لشيء اسمه علم الإنسان، لأن إنسان العلم غير موجود، ولا يوجد إلا موضوعه"، ثم بسط فكرته بعبارة استفزازية: "نفوري، طوال حياتي، من تسمية 'العلوم الإنسانية' معروف؛ فهي تبدو لي الدعوة ذاتها إلى العبودية" (730).
وكما ذكرت سابقًا، وضع لاكان في Seminar II "منظور العلوم الدقيقة" في صلة بوعي الذات بالنظام المؤتمت للطبيعة: "في اللحظة التي يعتقد فيها الإنسان أن الساعة الكبرى للطبيعة تدور وحدها، وتستمر في ضبط الساعة حتى حين لا يكون هو هناك، يولد نظام العلوم" (298). وقد وصف لاكان موضع الذات في "النظام العالمي الجديد" المؤتمت من خلال نموذج السيد والعبد عند هيغل: "إن نظام العلم معلّق على الآتي، وهو أن الإنسان، في مباشرته الطبيعة، قد صار خادمها المتفاني"، هكذا يشرح لاكان: "فهو لن يحكمها إلا بطاعتها"، و"مثل العبد، يحاول أن يجعل السيد معتمدًا عليه بخدمته له خدمة حسنة" (298). واقترح لاكان أن علاقة العبودية هذه تتجسد في ضرورة مزامنة الساعة الكبرى للطبيعة والساعة الميكانيكية الخاصة بالإنسان.
ويمكن تشبيه هذا الاستعباد أيضًا بمفهوم لاكان "الزمن المنطقي". ففي مقاله الصادر سنة 1945، الذي فكّر في الزمانية بوصفها منطقًا بين ذاتيًا، أدخل لاكان الزمن المنطقي للارتداد والاستباق، حيث ميّز ثلاثة "لحظات استدلالية": لحظة النظرة، وزمن الفهم، ولحظة الخلوص (“Logical Time” 167)، وهي تقابل أنظمة الواقعي، والمتخيل، والرمزي. وهنا، كما في "Seminar on ‘The Purloined Letter’"، استكشف لاكان الذات الواقعة في حال من العجز عن الفعل (إلا "في لحظة عجلة")، إلى أن "تتجاوز علاقتها المنظارية المتصلبة بالآخر" (Samuels 72). وكما يكتب Robert Samuels، فإن هذه هي وظيفة "الأنا النرجسية (حيث النرجسية والتكهن المعرفي شيء واحد)"؛ وبعبارة أخرى، "تتخيل الذات وتستبق ما يفكر فيه الآخرون وما يرونه" (70). وفي زمن الفهم، تجد الذات نفسها بين ذوات أخرى "غير معرّفة إلا بتبادليتها"، وتكون "أفعالها معلقة بسبب السببية المتبادلة" (“Logical Time” 168)، لأنها هي أيضًا، بالفعل، عالقة في عملية المزامنة. ومع هذه الاستبصارات في الذهن، يمكننا الآن أن نعود إلى اختراع هويغنز.
إذا كان بوسع الذات أن تتحكم في الساعة الكبرى للطبيعة، التي فُصلت عنها، فإن ما تستطيع فعله، على الأقل، هو أن تتزامن معها. وقد رأى لاكان أن المزامنة تقوم على مفهوم "exactitude" الذي يسم "لقاء زمنين": أحدهما زمن النظام الشمسي، وهو "ساعة طبيعية كان لا بد من فكها"، والثاني ساعة الإنسان، أي "الساعة اليدوية" (298). وبين الاثنين، كانت الطبيعة هي التي تكون "في الوقت" دائمًا، ومن ثم "يمكن تعريف الطبيعي بأنه ما يصل في الوقت المحدد إلى الموعد" (298). ولكي تُزامن الساعتان وتُعايرا، كان لا بد من تحديد وحدة قياس الزمن. وهنا نعود مرة أخرى إلى العلاقة الطوبولوجية بين "الحقيقة" و"المعرفة"، اللتين تشكلان وجهين لشريط Möbius، ولكن من غير قطع، وبانقسام ظاهري فقط: "إن وحدة الزمن تُستعار دائمًا من الواقعي، وهي تشير إليه دائمًا، أي إلى كونه يعود دائمًا إلى الظهور في المكان نفسه" (298-299). وتُعد عمليتا القياس والمزامنة معًا من إنتاجات العلوم الدقيقة؛ وهما تعبّران عن موضع ذات العلم إزاء الواقعي في نظام الطبيعة المؤتمت، الذي يقدم سلسلة مبنية من فراغات تمتلئ على نحو احتمالي. ولذلك لم يكن هذا الواقعي، بالنسبة إلى ذات العلم، محددًا تمامًا ولا غير محدد تمامًا.
- الأتمتة في الإنسان والحيوان والآلة
إن مفهوم "automatism" يعود إلى نحو قرنين. وهو مشتق من "automaton". ومن الناحية الاشتقاقية، يعني automaton "ذاتي الإرادة" أو "ذاتي الحركة". فهو تركيب من "autos" بمعنى "الذات" و"matos" بمعنى "الإرادة" أو "الحركة". ومع أن تاريخ automata يعود إلى العصور القديمة، فإن الكلمة لم تنتقل إلى اللغات الأوروبية عبر اللاتينية إلا بين القرنين السادس عشر والسابع عشر. ووفقًا لـ
في Oxford English Dictionary، كانت الكلمة تدل على «أدوات وظيفية شتى، منها الساعات الكبيرة والساعات الصغيرة، إلخ، وكذلك الأجهزة الميكانيكية المتحركة المصنوعة على مثال الكائنات البشرية» (OED)، أو، في هذا الباب، على مثال أي هيئة من هيئات الحياة. وقد حملت الكلمة معاني مشابهة في الفرنسية والألمانية. ويحدد Le Trésor de la langue française informatisé أولى الإشارات إلى «automate» في الفرنسية سنة 1534، في العبارة: «ما يبدو كأنه يتحرك من تلقاء نفسه، مطيعًا آلية خفية»، ثم سنة 1611، في العبارة: «كل ما يعمل بآلية داخلية ويقلد حركات كائن حي»45 (Le TLFi). وفي الألمانية، ووفقًا لـ Digital Dictionary of the German Language of the 20th Century، وردت كلمة «Automat» لأول مرة سنة 1575، وكانت تدل كذلك على «آلة تتحرك من تلقاء نفسها»46 (DWDS). وسرعان ما استُخدم «automaton» في هذه اللغات كلها للإشارة إلى الإنسان.
وتكشف قائمة الظهورات الأولى لهذا المفهوم47 في النصوص الفلسفية والأدبية أن معاني «automaton» ظلت، زمنًا غير قصير، عالقة في ممر من المرايا يعكس أشباه الأشباه: آلية تشبه الإنسان، وإنسان يشبه الآلية؛ حياة اللاحي، واللاحياة في قلب الكائن الحي.
ويمكن تتبع استعمال «automaton» في الإشارة إلى الإنسان في أعمال William Cornwallis: ففي Essayes of Certaine Paradoxes (1616)، يقارن أداء الإنسان بعمل الآليات التي يصنعها البشر. «في مجمل مجرى الطبيعة وبنيتها، نرى أن لا شيء قد صُنع لنفسه»، هكذا يكتب، ثم يشرح:
انظر مدخل Le TLFi لكلمة «automate»، وقد جرى الوصول إليه في 29 سبتمبر/أيلول 2015، هنا: http://atilf.atilf.fr.
انظر مدخل DWDS لكلمة «automate»، وقد جرى الوصول إليه في 29 سبتمبر/أيلول 2015، هنا: http://www.dwds.de/?view=1&qu=Automat.
انظر المدخل الكامل لكلمة «automaton, n.» في OED، وكذلك مدخل Le TLFi.
«إن الشمس، بإشراقها، تضيء العالم كله؛ وبدفئها وحرارتها ترعى كل شيء حي ونباتي وتواسيه» (G2). وفي هذا الكون المترابط من الأشياء، يتصور Cornwallis الجسد بوصفه، من جهة، متعلقًا بمحيطه، ومن جهة أخرى، نظامًا مستقلًا، تجميعًا لأجزاء مترابطة يصل بينها «رباط غير منظور من الواجب أو المنفعة أو الخدمة، يكون به كل واحد منها مدينًا للآخر»: فالقدم للعين، واليد للقدم، والفم لليد، والمعدة للفم، والجسد كله للمعدة؛ والبشر لكلابهم وثيرانهم (G2-G3).
وكتب Cornwallis: «يكفي [الإنسان] أن ينظر في نفسه، ليرى كيف أن أجزائه التكوينية مدينة بعضها لبعض؛ فالنفس تنعش الجسد وتمنحه الحياة، والجسد، مثل automaton، يتحرك ويحمل نفسه والنفس» (G3). غير أن تصوير Cornwallis لآلية الجسد بوصفها automaton لا يفترض أن تعلقها بالبيئة يجعلها ما نسميه اليوم نظامًا مفتوحًا. بل يظل نظامًا منغلقًا على نفسه، يعمل استقلالًا عن الإرادة، وعن تحكم الإنسان الواعي، وعن أي توجيه خارجي. وفي السياق الفرنسي، عبّر Pascal عن حدس مشابه، إذ استعمل «automate» للدلالة على «الإنسان الذي يتصرف كآلة» في كتابه Thoughts المنشور بعد وفاته سنة 1669. وفي هذا الكتاب، واصل Pascal استكشافه السابق لفكرة النظام الطبيعي بوصفه «كلًا متجانسًا ومستقلًا، تحكمه قوانين، ويتوافق مع نموذج معين، ويستمد استقلاله من نظام آخر أو أكثر»، وهو ما يعرّفه في Thoughts بأنه نظام الجسد، ونظام العقل أو الفكر، ونظام القلب أو الإحسان (#308, #933).
هل توجد أي «صلة» أو «رابطة» بين automaton والبيئة؟ لقد صاغ فلاسفة القرن السابع عشر هذه المسألة بمصطلحي «التوافق» أو «الترابط» بين «الأنظمة». وما يزال في وسعنا أن نقول إن سبب الأتمتة، عند Cornwallis، كان موضوعًا داخل الكيان المؤتمت الحي أو غير الحي وخارجه معًا، ولكن فقط بالمعنى الذي تُرى فيه الأتمتة أثرًا لقانون أعلى يؤثر في الكيان المؤتمت من الخارج، وهو نفسه القانون الداخلي العامل في داخله.
وجواب العلم الحديث عن الأسئلة المثارة بشأن العلاقة بين هذه الأنظمة، أو هذه النظم، هو «رياضة» هذا التطابق (Milner). فالعملية التي يحددها Lacan، ثم Jacques-Alain Miller لاحقًا، باسم «التقطيب»، تظهر بوصفها تقنية رياضية لإظهار حضور الحتمية، أو، كما يتحدث عنها Lacan، قانونًا بلا قصد (Seminar II 295)، كان من المفترض أن يؤسس علاقة الإنسان بالنظام العالمي «الجديد» المؤلف من أنظمة مترابطة، مستقلة، ومؤتمتة. فموضوع العلم لا ينبثق في القطيعة بين هذين الكونين المؤتمتين، الداخلي والخارجي، بل بوصفه هذه القطيعة نفسها، وهي، كما لاحظ Slavoj Žižek، «لا تنطوي على أي خبرة معيشة، أو وعي، أو أي محمولات أخرى نربطها عادة بالذاتية» (597).
ولننظر في تلخيص Jean-Claude Milner لإحدى مبرهنات Alexandre Koyré عن العلم الحديث، وهي مبرهنة يعدها أساسًا لنظرية Lacan في العلم:
يرى العلم الحديث أنه لا يوجد حد يقيد مجاله المادي. وهو يفترض أمرين: (أ) لا يوجد شيء مادي لا يستطيع العلم الحديث أن يتناوله بوصفه أحد موضوعاته، وبعبارة أخرى، فإن مجموعة الموجودات المادية، التي تسمى عادة الكون، تمتد من حيث المبدأ بامتداد مجموعة موضوعات العلم الحديث؛ (ب) إن كلتا المجموعتين لا نهائيتان رياضيًا، ومن هنا فكرة الكون الحديث اللانهائي في مقابل العالم المغلق في العصور القديمة. («Lacan and the Ideal of Science» 29)
وبعبارة أخرى، فإنه يجادل بأن «تعبيرًا بعينه، أو فكرة بعينها، لا تكون حديثة إلا بقدر ما تنتمي إلى نسق فكري يكون فيه علم تجريبي مُمَسْرَط ممكنًا» (Milner, «Lacan and the Ideal of Science» 29). وهذا ما يسمح للعلم الحديث بأن يتحدى التصور الإقليدي لـ «المكان»، وأن يصوغ نظرية في «الموضع»، أو analysis situs، وهو الاسم القديم للطوبولوجيا، التي بدأت مع Leibniz.
وقبل Leibniz، تناول René Descartes مسألة المكان، وكان يفكر فيه أصلًا من خلال صلته بالجسد الممتد، res extensa، أو «الجوهر الجسمي»، أحد الجواهر الثلاثة في أنطولوجيا ديكارت. فالمادة، بحسب Descartes، تمتد طولًا وعرضًا وعمقًا، وهذه الخاصية للمادة هي عين ما يكون المكان: فالمكان لا يوجد إلا بوصفه نتيجة لهذا الامتداد. وفي مراسلاته مع الفيلسوف الإنجليزي Henry More48 من أربعينيات القرن السابع عشر، وافق Descartes على أن «ليس في مجرى الطبيعة فراغ»، لكنه أشار أيضًا إلى أن ثمة ما لا يمكن إدراكه، وخص الله بالعلم الكامل بالجزء غير المرئي من الجسد الممتد. وعلى الرغم من وعيه بقابلية المادة للانقسام، افترض Descartes وجود الجسد الممتد وراء إدراك الإنسان: «يمكن للجسد أن يحتفظ بطبيعته الجسدية كاملة من غير أن يكون لينًا أو صلبًا أو باردًا أو حارًا بالنسبة إلى الحواس، بل من غير أن تكون له أي صفة مدركة»، وكتب أيضًا أن «كل مادة تصبح غير قابلة للإدراك تمامًا إذا قُسمت إلى أجزاء أصغر بكثير من جسيمات أعصابنا، وأُعطيت الأجزاء المفردة حركة سريعة بما يكفي»، ثم أضاف في رسالته إلى More أن هذه الحركة «دائرية على نحو ما» (Descartes, III 360, 363).
غير أن نظرية Descartes في الأتمتة كانت مختلفة عن تصوره للجسد الآلي.
- بحسب OED، يعد استعمال More لكلمة «automaton» في An Explanation Of The Grand Mystery Of Godliness: Or, A True And Faithfull Representation Of The Everlasting Gospel Of Jesus Christ (1660) ثاني أقدم استعمال لها في الإنجليزية. وقد كتب: «God will not let the great Automaton of the Universe be so imperfect» (i. iii. 37).
حين تناول Descartes هذا الموضوع في أربعينيات القرن السابع عشر، قدّم تصورًا ميكانيكيًا للجسد49 كان يرى أنه يعمل فيزيولوجيًا بالطريقة نفسها لدى Homo sapiens والحيوانات، باستثناء أن هذه الأخيرة تفتقر إلى «الجوهر المفكر». فقد تصور حركات الحيوانات على أنها «ميكانيكية وجسدية محضة»، تعتمد «فقط على قوة الأرواح وبنية ... الأعضاء»، وهي بنية «يجوز أن تسمى النفس الجسدية» (III 365).50 وهكذا كانت الحيوانات، عند Descartes، «أتماتًا طبيعية»:
...من المؤكد أن في أجسام الحيوانات، كما في أجسامنا، عظامًا وأعصابًا وعضلات وأرواحًا حيوانية وأعضاء أخرى مرتبة على نحو يتيح لها، من تلقاء نفسها ومن دون أي تفكير، أن تولد جميع الحركات التي نلاحظها في الحيوانات. ويتضح هذا أشد الوضوح في التشنجات، حين تتحرك آلية الجسد رغم العقل، وغالبًا ما تتحرك بعنف أشد وبطرائق أكثر تنوعًا مما يحدث عادة عندما تحركها الإرادة. (Descartes, III 366)
ومع أن الأجساد البشرية يمكن أن تُظهر مثل هذا السلوك حين لا تكون موجهة بالفكر أو بـ «نفسها اللامادية»، فإن البشر لم يكونوا، عنده، أتماتًا، بل آلات أو آليات. فعندما قال: «لقد صنع الله أجسادنا مثل آلة، وأراد لها أن تعمل مثل أداة كونية، تعمل دائمًا بالطريقة نفسها وفق قوانينها الخاصة» (Descartes, V 163-164)، لم يكن يشير إلى الأوتوماتية الإنسانية، بل إلى التنظيم الآلي للجسد. وكما جادل Dennis Des Chene في Spirits and Clocks، فإن جدة نظرية Descartes كانت في جمعها بين
كان ثنائي العقل/الجسد عند Descartes موضوع أعماله في أربعينيات القرن السابع عشر: Meditation on First Philosophy (1641) وPrinciples of Philosophy (1644). وفي أواخر ذلك العقد، صاغ نظريته على نحوها النهائي في The Description of the Human Body (1647) وThe Passions of the Soul (1649) وغيرها.
وهذا لا يغير من حقيقة أن Descartes كان يرى البشر مختلفين اختلافًا بيّنًا عن سائر الحيوانات. فبحسبه، فإن استعمالهم اللغة، مقترنًا بقدرتهم على التفكير، هو ما يفصل Homo sapiens، أو «الحيوانات العاقلة»، عن غير البشر. وفي الوقت نفسه، وهو يثبت هذا الفرق، حرص أيضًا على أن يضيف ما يلي: «يرجى ملاحظة أنني أتحدث عن الفكر، لا عن الحياة أو الإحساس. فأنا لا أنكر الحياة على الحيوانات، ما دمت أعدها قائمة ببساطة على حرارة القلب؛ ولا أنكر الإحساس، من حيث إنه يعتمد على عضو جسدي» (Descartes, 366). ويقدم John Cottingham ردًا على منتقدي أطروحة Descartes «الوحشية» عن الحيوانات؛ انظر: Cottingham, John. “‘A Brute to the Brutes?’: Descartes’ Treatment of Animals.” Philosophy 53 (1978): 551-559.
...الآلة-الحيوان مع فلسفة جديدة للطبيعة، لا يجوز فيها فقط، بل يجب، تفسير أفعال العوامل الأدنى من البشر من غير إحالة إلى أي «صورة» سوى الامتداد، أو إلى أي صفات سوى أحوال الامتداد. وقد واجه Descartes مهمة هائلة، هي أن يبين أن القوى النباتية والحسية لدى النبات والحيوان ليست شيئًا آخر غير الأفعال التي تبديها بحكم «ترتيب» أجزائها. (13)
وعلى هذا، كانت الأتمات، عند Descartes، آلات مكتفية بذاتها، أنظمة مغلقة؛ وبوصفها كذلك، لم يكن يمكنها أن تكون بشرية. أما انفتاح الآلة-الإنسان واتصالها بالعالم فكان محفوظًا بواسطة res cogitans غير المادي، أي الجوهر الذهني.
وبإنكاره على الأتمات القدرة على الوظيفة الذهنية، أقام تمييزًا بين أتمتة صيغ الحياة، أو اللاحياة، المتحركة بذاتها وبين الذكاء، وهو موقف ظل مسيطرًا حتى منتصف القرن التاسع عشر أو أواخره. وفي الوقت نفسه، تذكرنا Lorraine Daston بأن استعمال مصطلح «intelligence» في القرنين السابع عشر والثامن عشر
...يتقاطع مع معناه في القرن العشرين من غير أن يتطابق معه. فكلاهما يدل على رشاقة ذهنية، ولا سيما في حل المشكلات والتعلم؛ لكن السؤال عما إذا كان الذكاء فطريًا أو مكتسبًا بالتربية، واحدًا أو متعدد الملكات، خاصية للأفراد أو للجماعات، هو من التعارضات التي لم يكن من السهل استيعابها داخل الإطار التنويري لفهم العقل. (191)
ولذلك، فإن آلات الحساب مثلًا ما كانت لتُعد «ذكية». وعلى العكس من ذلك، وبسبب سلوكها الآلي، أو الخوارزمي، كانت تُرى نقيضًا لكل ما هو ذكي. وكان الافتتان بالأتمات طوال القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر افتتانًا بالسلوك «غير الذكي» للدمى، ولا سيما حين كانت هذه الأتمات الشبيهة بالبشر وغيرها
تُظهر أحيانًا قربًا مقلقًا من الأداء الإنساني.
وفي السياق الفرنسي، أُدخل مفهوم «automatism» في أعمال العالم وعالم الحشرات René de Réaumur (الذي توفي سنة 1757)، حيث تناول به بعض حالات السلوك الحيواني؛ غير أن المصطلح لم يُستعمل في صلته بالبشر والآلات معًا إلا سنة 1803.51 وليس واضحًا ما إذا كانت أوتوماتية de Réaumur قد صيغت بأي معنى على أساس التصور الديكارتي لأوتوماتية الحيوان، لكن إحدى أولى الإشارات إلى هذا المفهوم في الإنجليزية وردت لدى كاتب مجهول في Blackwood’s Magazine سنة 1838، وكانت في الواقع إحالة إلى Descartes، إذ يرد فيها: «المذهب الديكارتي في أوتوماتية المملكة الحيوانية كلها» (Anonymous 605).52
وبحلول القرن التاسع عشر، كانت كلمتا «automaton» و«automatism» ما تزالان تحتفظان بفهمهما في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حيث تُطرح الأوتوماتية بوصفها نقيض الذكاء. ونجد ذلك في أعمال الرومانسيين الذين ردوا على عبادة العقلانية وعلى تسارع التصنيع في القرن السابق؛ فقد صار الافتتان القديم بالأتمات موضع قلق، أو، بتعبير Lacan الأدق، موضع خوف بلا موضوع. وكان يمكن لهذا الخوف أن تستثيره أمور عدة: منها تنامي الإحساس بالالتباس الذي تكشفه الدمى المؤتمتة حين يصعب رسم الحد بين الحياة واللاحياة. وقد تناول Ernst Jentsch، ثم Freud لاحقًا، هذا الإحساس بمفهوم «الغرابة المقلقة».53 كما أنه يكشف التحول البطيء في فهم الذكاء نفسه.
انظر مدخل Le TLFi لكلمة «automatisme»، وقد جرى الوصول إليه في 29 سبتمبر/أيلول 2015، هنا: http://atilf.atilf.fr.
انظر المدخل الكامل لكلمة «automatism, n.» في OED.
أذكّر هنا بالمشهد المفتاح من قصة E. T. A. Hoffmann القصيرة «The Sandman» (1816)، التي اتخذها المنظرون مثالًا. فاكتشف Nathanael، وهو شاب متخيل، على نحو غير متوقع، أن automaton التي حسبها إنسانًا، أي الشابة Olimpia التي وقع في حبها، ليست سوى آلة، فقادته هذه البلبلة الصادمة بعد ذلك إلى الجنون. وقد ولّدت القصة تأويلات شتى، ومن أشهرها قراءتا Jentsch سنة 1906 وFreud سنة 1919. وقد قدمت كلتا القراءتين انعطافة مهمة في فهم غموض الأتمتة بين الحياة واللاحياة من خلال مقولتي الأليف وغير الأليف، أو heimliche وunheimliche.
وقد وصف Jentsch في مقاله «On the Psychology of the Uncanny» ذلك بأنه «شك في ما إذا كان كائن يبدو حيًا ذا روح فعلًا، وبالعكس، شك في ما إذا كان موضوع لا حياة فيه قد يكون في الواقع حيًا» (11). ولاحظ أيضًا أن «عاملًا مهمًا آخر في نشأة الغرابة المقلقة هو الميل الطبيعي لدى الإنسان إلى أن يستنتج، وفق نوع من القياس الساذج على حيويته هو، أن الأشياء في العالم الخارجي حية أيضًا، أو، على نحو أدق ربما، أنها حية بالطريقة نفسها» (13). ولاحقًا، سيقدّر Freud على وجه الخصوص قراءة Jentsch بسبب إشارتها إلى «الأثر الغريب للنوبات الصرعية» و«مظاهر الجنون، لأنها تثير في المتفرج انطباع عملية آلية، ميكانيكية، تعمل وراء السير العادي للنشاط الذهني» («The ‘Uncanny’» 226).
لكن لنعد إلى مطلع القرن الثامن عشر ونركز على مصطلح «automatism». ففي ذلك الوقت، كانت فكرة Descartes قد تجاوزت بالفعل الحدود المسامية بين التخصصات وهي في طور التشكل، لتصير رأيًا مهيمنًا لا في الفلسفة وحدها: فمن خلال تعديها مجال المملكة الحيوانية، وجدت تطبيقًا في العلوم الطبية، وبخاصة في الفيزيولوجيا العصبية وعلم النفس التجريبي، وكذلك في الطب النفسي الديناميكي وعلم الأعصاب.
وعند مراجعة السرديات التاريخية للنظريات والممارسات الطبية في القرن التاسع عشر، يتضح أن موضوع الأوتوماتية شغل مكانًا مهمًا في أبحاث كثير من معاصري Freud، الذين شكّل عملهم السياقات الأساسية لتكوينه المهني.54 وكان من بينهم عالم الفيزيولوجيا العصبية Thomas Laycock (1812-
- تناول كثير من الباحثين سياقات تكوين Freud، ولا سيما موضوع الأوتوماتية، ومنهم Frank J. Sulloway وHenry F. Ellenberger، إلى جانب كثيرين اشتغلوا بتاريخ التحليل النفسي. وقد وجدت استكشاف Adam Crabtree المفصل لمفهوم «automatism» في مقاله “‘Automatism’ and the Emergence of Dynamic Psychiatry” (Journal of History of the Behavioral Sciences 39.1 [2003]: 51-70) مفيدًا على نحو خاص.
1876)،55 الذي درس الاضطرابات الهستيرية والمغناطيسية الحيوانية منذ أوائل أربعينيات القرن التاسع عشر، ونشر كتابه واسع الانتشار Treatise on the Nervous Diseases of Women: Comprising an Inquiry into the Nature, Causes, and Treatment of Spinal and Hysterical Disorders (1840). وفي هذا الكتاب، نازع Laycock المذهب الديكارتي بوصفه «ميتافيزيقا قديمة»، ولكي يقوض ثنائية Descartes، طرح نظرية الفعل الانعكاسي للدماغ. فقد لاحظ أنه لو كان العقل والجسد بالفعل جوهرين مختلفين، كما ظن Descartes، لاستحال عليهما أن يتفاعلا (Crabtree 52).
ورأى Laycock أن الغدة الصنوبرية، التي اعتبرها Descartes المقعد الرئيس للنفس في الجسد وموضع تشكل الفكر، لم تكن إلا حلًا من نوع deus ex machina لمأزق مفهومي. وبدلًا من ذلك، جادل Laycock بأن «كل الطاقات الداخلة في الأنشطة الذهنية الإنسانية تنشأ في الكائن الحي» (Crabtree 53). وكانت نظريته في الفعل الانعكاسي «تنطوي على نوع من الاكتفاء الذاتي الدماغي» (Crabtree 53)، لا على تحكم واع. وكما قال Laycock في مقاله «Reflex, automatism, and unconscious cerebration» (1876):
...كل كائن حي هو automaton، بالمعنى الأولي للكلمة، لمجرد أنه حي، من حيث إنه مبني لا بحيث يكون قادرًا على التكيف مع عالم خارجي فحسب، بل أيضًا بحيث تكون الآلية الداخلية المتعددة الوجوه، سواء في الأدمغة أو في غيرها، في حالة تكيف دائم بعضها مع بعض. (494)
وتصوغ نظرية Laycock في الحركية الانعكاسية الأتمتة بوصفها حالة من «التفكير الدماغي اللاواعي»، وهو المصطلح الذي صاغه في خمسينيات القرن التاسع عشر، وبه جادل بأن معظم
- أثار كتاب Laycock Treatise on the Nervous Diseases of Women: Comprising an Inquiry into the Nature, Causes, and Treatment of Spinal and Hysterical Disorders نقاشات كثيرة ومثمرة في الأوساط الطبية، وصار، بسبب هذه المناقشات، كما يجادل Frank J. Sulloway، واحدًا من التأثيرات المهمة في Freud المبكر (156, n. 18).
النشاط العقلي الإنساني آلي، ويمكن أن يقع خارج الوعي؛ ولذلك فهو لا واع. ومن هذه الجهة، كان Laycock قريبًا من مفكرين آخرين في القرن التاسع عشر مثل عالم الفيزيولوجيا الإنجليزي William B. Carpenter (1813-1885). وعلى الرغم من الفوارق بين نظريتيهما في الاكتفاء الذاتي الدماغي، فإن العالمين اتفقا في دور «الحياة الداخلية» بوصفها سبب الحركة الجسدية اللاإرادية. وعلى خلاف منظرين آخرين للأتمتة، مثل البيولوجي الديكارتي Thomas H. Huxley (1825-1895)، فإن أبحاث Carpenter وLaycock في الفعل الانعكاسي لم تستبعد علاقة الكائن المؤتمت بالعالم الخارجي.
وتحت تأثير عمل Laycock، كشف Josef Breuer (1842-1925)، المتعاون الوثيق مع Freud، مع أستاذه Ewald Hering، الآلية ذاتية التنظيم للتنفس كما يتحكم فيها العصب المبهم (1868). وكما يلاحظ Frank J. Sulloway، فإن «برهان Breuer قدّم دليلًا حاسمًا على واحدة من أولى آليات التغذية الراجعة البيولوجية التي وُثقت لدى الثدييات» (51-52). ثم قاد عمل Breuer اللاحق على الآلية الانعكاسية، سنة 1874، إلى أبحاث مبتكرة في المستقبلات الحسية للأذن الداخلية، وإلى اكتشاف علاقتها بتنظيم الوضعية والتوازن والحركة (Sulloway 52).
خاتمة
لقد تحرك الفكر العلمي في أواخر القرن التاسع عشر، بحكم الضرورة، بعيدًا من نموذج الجسد المكتفي بذاته. وصار التحدي الذي يواجهه الآن هو إدخال نموذج الجسد بوصفه نظامًا مقترنًا بالبيئة، يتجاوز ثنائية العقل/الجسد الديكارتية. ومن بين الأهداف الأخرى، كان تبلور مثل هذا النموذج عبر عدد من التخصصات يقتضي إعادة التفكير في العلاقة بين مفاهيم مثل «automatism» و«intelligence»، و«chance» و«determinism»، إلى أن يقع انقلاب كامل في المعاني المرتبطة شكليًا بهذه المفاهيم. وقد تأسست السيبرانية والتحليل النفسي على عمل أولئك المفكرين في القرن التاسع عشر الذين تصدوا لهذا التحدي.
وقد قامت السيبرانية والتحليل النفسي على أعمال أولئك المفكرين في القرن التاسع عشر الذين أخذوا على عاتقهم هذا التحدي.
الفصل 3
دارات فرويد
1. فرويد في الديناميكا الحرارية وضدها
لم ينته عصر الديناميكا الحرارية مع بداية القرن العشرين. فما يزال كثير من مفاهيم الديناميكا الحرارية مستمرًا عبر تخصصات مختلفة، ويؤثر في مفكرين ينتمون إلى مجالات متنوعة طوال عقود تالية. وفي القرن التاسع عشر، كانت الديناميكا الحرارية سبيلًا إلى معالجة تعقيد العالم الفيزيائي، لكنها كانت، كما لاحظ Albert Einstein، مختلفة «عن غيرها من النظريات الفيزيائية العامة»، من حيث إنها لم تكن «نظرية بنائية»، بل «نظرية مبادئ»: فعلى أساس «خصائص عامة للظواهر جرى رصدها تجريبيًا»، كانت تتيح استنباط مبادئ معينة من نتائج التجارب؛ وهذه المبادئ «من نوع يصدق على كل حالة تعرض نفسها» (Out of My Later Years 54). ويكتب Martin J. Klein أن «هذه الطبيعة اللامنشئة للديناميكا الحرارية، واستقلالها عن النماذج الخاصة، هي ما جعلها تصلح عند Einstein مرشدًا أكيدًا على نحو مطلق في التعامل مع الصعوبات التي كانت تبدو عصية على التفسير في فيزياء 1900» (510). وقد «أوحت» هذه «النظرية المبدئية» «بإمكان نظريات أخرى من هذا القبيل» (Klein 510). وكانت واحدة منها هي التحليل النفسي الفرويدي.
وإن كون مفهومًا أساسيًا في نظرية المعلومات قد صيغ على مثال الإنتروبي في الديناميكا الحرارية، إنما يؤكد الافتراض القائل بآثارها التحويلية في فكر القرن العشرين. وسأعالج طرائق تقارب هاتين الإبستمولوجيتين ومقاومة كل منهما للأخرى من خلال النظر في Project for a Scientific Psychology (1895) لفرويد. فعلى الرغم من أن هذا Project هو بوضوح نتاج «عصر المحرك البخاري»، لأنه قائم على نظرية في الديناميكا الحرارية، فإنه ينتمي كذلك إلى تشكيل جديد للمعرفة؛ إذ يتصور النص آلات أخرى بوصفها نماذج مفهومية لتنظير جهاز النفس البشرية. ويشكّل عمل Freud واحدًا من خطابات نهاية القرن التي كانت تشكلها، وكانت بدورها تتشكل، بفعل كثير من العمليات الدقيقة وغير الدقيقة، التي لم يُعترف بأهميتها إلا بعد وقت. ومن هذه الأحداث إعادة تصور الحتمية في الفلسفة والعلوم الاجتماعية على نحو مفارق إلى حد بعيد: فقد احتضنت الحتمية مفهوم الصدفة. وكان لهذا التحول، أي ظهور «قوانين الصدفة»، آثار مهمة في بدايات الفكر التحليلي النفسي وفي ما قبل السيبرانية.
حتمية الصدفة
في «Nineteenth Century Cracks in the Concept of Determinism»، يقيم Ian Hacking حجة قوية ضد رأي Ernst Cassirer القائل إن الحتمية لم تُتصور إلا سنة 1872. وعلى النقيض من ذلك، يجادل Hacking بأنه «خلال القرن التاسع عشر نشهد حدثًا أسميه تآكل الحتمية» (455).
وباستخدامه كلمة «تآكل»، يقصد أن الحتمية، بوصفها مفهومًا، قد تحولت؛ فهي لم تعد قادرة على استيعاب فكرة الصدفة، أو «ترويض الصدفة»، على حد تعبير Hacking، فحسب، بل صارت أكثر من ذلك: أصبحت الحتمية معتمدة على الصدفة اعتمادًا فعليًا.
في مطلع القرن التاسع عشر، لم يكن ثمة متسع لمحاسبة الصدفة مفهوميًا. فحتى عالم الرياضيات والفيزياء الفرنسي Pierre-Simon de Laplace، وهو من كبار مفكري الاحتمال، والذي بيّن أهمية الاحتمال في تأويل المعطيات العلمية في أعماله Analytic Theory of Probability (1812) وA Philosophical Essay on Probability (1814)، ظل يصر، عبر الحكمة التالية، على أن «جميع الأحداث، حتى تلك التي تبدو، لصغر شأنها، غير تابعة لقوانين الكون الكبرى، تتبعها بالضرورة نفسها التي تتبع بها الشمس في دوراتها»؛ وأن «الأحداث الحاضرة مرتبطة بما سبقها برباط يقوم على المبدأ البين القائل إن الشيء لا يمكن أن يحدث بلا سبب ينتجه» (1325). لكن في نهاية القرن، صار «كون الصدفة»، أو tychism، وهو المصطلح الذي استخدمه المنطقي الأمريكي Charles Sanders Peirce، واحدًا من الموضوعات الرئيسية لدى الفلاسفة والمفكرين الاجتماعيين. وكان من هؤلاء المفكر الفرنسي Emil Durkheim، الذي رأى أن «قوانين المجتمع احتمالية في طبيعتها، وهي قاهرة بالقدر نفسه الذي تكون به قوانين الجاذبية قاهرة» (Hacking 455).
ويقترح Hacking أن من أسباب هذه التحولات الكبرى تطور الحتمية الإحصائية، فضلًا عن النقاشات الفلسفية الحيوية التي أحاطت بالحتمية والإرادة الحرة على امتداد القرن (455). وسنة 1872، وهي السنة التي يستخدمها كل من Cassirer وHacking في قراءتين متعارضتين لذروة الحتمية في القرن التاسع عشر، هي أيضًا السنة التي ألقى فيها الفيزيائي والكيميائي وعالم الفيزيولوجيا العصبية الألماني Emil du Bois-Reymond (1818-1896) محاضرته «On the limits of the knowledge of nature»، حيث، مع إطرائه عمل de Laplace، تناول كذلك حدود العلم اللابلاسي، بل حدود العلم عمومًا. وكما يلاحظ Hacking، فإن du Bois-Reymond «كان يصر دائمًا على أن الفيزيولوجيا وعلم الأعصاب ينبغي أن يحققا بوسائل فيزيائية، بالكيمياء والكهرباء، لكنه في هذه المحاضرة أقر بأن أمرين يتجاوزان نطاق المعرفة الإنسانية: طبيعة الوعي الإنساني وحرية الإرادة» (457).
وكان Du Bois-Reymond زميلًا للطبيب والفيزيائي الألماني Hermann von Helmholtz (1821-1894)، الذي كرّس عامًا لدراسة الذبذبات الكهربائية والكهرومغناطيسية. وكان أيضًا زميلًا للمشرف على Freud في جامعة Vienna، عالم الفيزيولوجيا والطبيب الألماني Wilhelm von Brücke، الذي أُجريت أعماله في طبيعة الخلايا والبصريات والتشريح المجهري وتأثير الكهرباء في العضلات وفق مبادئ الديناميكا الحرارية. وفي سنة 1874، صاغ von Brücke مفهوم psychodynamics، المعروف أيضًا بعلم النفس الديناميكي، وهو دراسة القوى النفسية التي تحفز السلوك البشري والمشاعر والانفعالات في علاقتها بالخبرة المبكرة.
ويلاحظ Hacking أن العلماء الثلاثة، Du Bois-Reymond وvon Helmholtz وvon Brücke، «كانوا يرون أن عمل الدماغ سيفهم فهمًا كاملًا بنظرية الكهرباء» (456). وقد استند عملهم إلى النظريات الرياضية لـ James Clerk Maxwell، أحد المساهمين المهمين في التحول الطويل للحتمية. وكثيرًا ما يُستشهد به من أجل حله الأصلي للمأزق الحتمي الذي فرضه القانون الثاني للديناميكا الحرارية: الشيطان، ذلك المتحكم التخيلي في النظام الكوني الشامل، على مستوى الجزيئات الجامحة، والذي ينبغي أن أضيفه إلى قائمتي من الرعاة المشتركين للسيبرانية والتحليل النفسي.
وفي سنة 1865، أدخل العالم الألماني Rudolf Clausius مفهوم «الإنتروبي» لوصف ازدياد الفوضى في نظام ديناميكي حراري؛ فهو «المعدل الذي تتحول به طاقة النظام إلى صور غير قابلة للاسترجاع» (Clarke, Energy Forms 25). وكان Clausius يبحث عن كلمة تسمّي «كمية معينة كان قد اكتشفها، كمية متصلة بالطاقة، لكنها ليست طاقة» (Gleick 269). وكتب:
[بما أنني] أستعير أسماء المقادير المهمة من اللغات القديمة كي يمكن اعتمادها من غير تغيير في جميع اللغات الحديثة، فإنني أقترح أن أطلق على المقدار S اسم إنتروبي الجسم، اشتقاقًا من الكلمة اليونانية τροπη، أي التحول. وقد صغت كلمة entropy عمدًا بحيث تكون شديدة الشبه بكلمة energy؛ لأن المقدارين اللذين تشير إليهما هاتان الكلمتان متقاربان جدًا في معناهما الفيزيائي، حتى إن قدرًا من التشابه في التسمية يبدو مرغوبًا. (نقلًا عن Smith 168)
ويرتبط مفهوم الإنتروبي بقوانين الديناميكا الحرارية المركزة على عمليات تحويل الحرارة، أو الطاقة، إلى شغل.
فالقانون الأول، أو قانون حفظ المادة، ينص على أن الطاقة لا تُخلق ولا تُفنى، بحيث تبقى كمية المادة/الطاقة ثابتة. أما القانون الثاني، أو قانون ازدياد الإنتروبي، فيتجاوز حدود القانون الأول ويعقده، إذ ينص على أنه في كل عملية ديناميكية حرارية طبيعية تبقى كمية الطاقة نفسها، لكن نوعية المادة/الطاقة تتدهور باطراد بمرور الزمن، بحيث تصير الطاقة القابلة للاستعمال طاقة غير قابلة للاستعمال. وفي مجرى هذا التحول، تتغير الطاقة من غير أن تختفي، كما يقول القانون الأول. ولما كانت الطاقتان القابلة للاستعمال وغير القابلة للاستعمال متقابلتين، فإن إحداهما إذا زادت نقصت الأخرى؛ لكن حين تضيع الطاقة القابلة للاستعمال على نحو دائم، ينمو النظام نحو الفوضى. وقد أدخل هذا الاكتشاف الحاجة إلى قياس هذه الطاقة غير القابلة للاستعمال داخل نظام مغلق. وهكذا أتاح مفهوم الإنتروبي إعادة صياغة قوانين الديناميكا الحرارية على نحو أكثر إيجازًا: «القانون الأول: طاقة الكون ثابتة. القانون الثاني: إنتروبي الكون يزداد دائمًا» (Gleick 271).
وبحسب الفيزيائي الرياضي البريطاني William Thomson (1824-1907)، فإن القانون الثاني للديناميكا الحرارية يعني أن «الطاقة الميكانيكية لنظام مغلق لا بد أن تتبدد تمامًا، ومن ثم تصبح عديمة الجدوى للأغراض البشرية»؛ وبعبارة أخرى، فإن «كوننا، بوصفه نظامًا مغلقًا، يقترب من موت محتوم» (Clarke, Energy Forms 86). وكانت قراءة Thompson للقانون الثاني قراءة حتمية، تفسيرًا للاعكوسية ما سماه «الموت الحراري للكون».
وقد نازع Maxwell هذه الحتمية عند Thompson بشخصية تخيلية، تأملية إلى حد ما وساخرة إلى حد ما، هي «المتحكم» و«المنظِّم» الذي عُرف لاحقًا باسم «شيطان Maxwell». وقد صُوّر الشيطان «الذكي» وهو يراقب صندوقًا منقسمًا، يحتوي أحد جانبيه جزيئات باردة، ويحتوي الآخر جزيئات حارة؛ وهذه الجزيئات في المقصورتين لا تختلط كي لا تزداد سرعة حركتها بما يؤدي إلى ارتفاع مفرط في الحرارة. وما دام شيطان Maxwell يواصل أداء مهمته، فإن تشكل الفوضى المحتملة يظل تحت السيطرة، ولا يزداد إنتروبي النظام المغلق، ويتأجل نهايته الكارثية.
وفي معجم اليوم، يمكن أن نسمي شيطان Maxwell برنامجًا، أو خوارزمية (Beniger 45). والسؤال الذي أتاح شيطان-الخوارزمية طرحه كان عن الحد الأدنى من الجهد الذي ينبغي له أن يبذله كي لا يفرط في العمل، ومع ذلك يبقي صناديق الغاز، أو الكون، بعيدة من الانهيار «المحتوم». ولكي يُعرف هذا «الحد الأدنى من الجهد»، كان لا بد من قياس الإنتروبي؛ وما إن حل عام 1877 حتى كان الفيزيائي والفيلسوف النمساوي Ludwig Boltzmann قد صاغ معادلة الحساب الإحصائي للإنتروبي الديناميكي الحراري.
ويلفت Hacking انتباهنا أيضًا إلى أن الحتمية في السياقات الفرنسية كانت ترتبط دائمًا بالفيزيائي Claude Bernard وبعمله Introduction to the Study of Experimental Medicine الصادر سنة 1865 (459). وكما ذكرت في الفصل السابق، فهذا هو العمل الذي وصف فيه Bernard عملية الاستتباب، وإن من غير أن يصوغ الاسم نفسه، وهو ما فعله Walter Bradford Cannon سنة 1926 على أساس عمل Bernard. ويكتب Hacking:
إن «Determinisme» عند Bernard يدل على ما ينهض بالفعل بالتحديد، مع أنه يرى أيضًا، بوصفه مذهبًا صار يعرف باسم Determinisme، أن مثل هذا المحدِّد يوجد لكل حدث فيزيولوجي. وهذا، في جانب منه، رأي مضاد للحيوية. ولم يكن Bernard أول كاتب فرنسي يشيع استعمال الكلمة. بل إنه كان يعتقد أن الفلاسفة لا يستخدمونها إلا بمعنى الجبرية، متجاهلين بذلك العنصر الفعال في استعماله لها. (459)
وخلال أقل من عقد، سيغدو واضحًا في أعمال كثير من مفكري أواخر القرن التاسع عشر وعلمائه أن هذا العنصر الفعال كان لا بد أن يكون هو الصدفة.
مشروع لسيكولوجيا سيبرانية
كتب Freud: «إن أول ما يلفت كل ملاحظ للهستيريا هو أن المرضى الهستيريين خاضعون لقهر تمارسه أفكار مفرطة الشدة» (Project 347). ففكرة من هذا النوع تظهر «بتواتر خاص من غير أن يبرر ذلك مرور [الأحداث]»، وتكون «مصحوبة بعواقب نفسية غير قابلة للفهم» (347). وعلى خلاف الأفراد «الطبيعيين»، الذين تكون مخاوفهم أو انفعالاتهم ناجمة عن أحداث صادمة سابقة، فإن هذه الصلات، في حالة المرضى الهستيريين والمرضى المصابين بعصاب الوسواس، لم تكن تتحدد إلا بالتحليل. فمع المحلل، كانوا قادرين على تحديد جميع أجزاء الأحجية ووضعها في علاقة بعضها ببعض، وهي علاقة لا يعيها المريض في غير ذلك.
وتحدث Freud عن حالة شابة، Emma، لم تكن قادرة على دخول المتاجر وحدها، وهو سلوك كان قد استثارته لحظة، حين كانت في الثانية عشرة، رأت فيها مساعدَي متجر يضحكان معًا على ثيابها، وتذكرت أيضًا أن «أحدهما كان قد راق لها جنسيًا» (353). والربط بين هذه الشذرات («الثياب» - «الوحدة» - «الضحك» - «اللذة الجنسية») وصفه Freud بأنه
«غير قابل للفهم». وفي سياق التحليل، علما أنها كانت تستطيع التسوق بلا مشكلة إذا كان معها طفل، ولذلك لم يكن الشعور بانعدام الحماية هو المسألة. ثم استحضرت ذكرى أخرى: حين كانت في الثامنة اعتدى عليها صاحب المتجر، إذ «قبض على أعضائها التناسلية من فوق ثيابها» وهو يبتسم (354). ولسبب ما، عادت بعد تلك الحادثة إلى المتجر مرة ثانية، كأنها تريد أن تستفز الاعتداء، وظلت تؤنب نفسها على ذلك. وقدّم Freud رسمًا يمثل العلاقات بين أجزاء الأحجية:
شكل 1. مخطط Freud لحالة Emma من Project for a Scientific Psychology، ص. 354.
وهنا اتخذت الثياب، عند Freud، معنى رمز الاعتداء؛ ومن ثم فإن عرض عدم القدرة على دخول المتاجر وحدها قد تكوّن على نحو عقلاني: «إذا سألنا أنفسنا عن سبب هذه العملية المرضية المضافة، فإن سببًا واحدًا فقط يفرض نفسه، وهو التفريغ الجنسي، الذي نجد له أيضًا دليلًا في الوعي» (356). ويواصل Freud: «لكن اللافت للغاية أن [ذلك التفريغ الجنسي] لم يكن مرتبطًا بالاعتداء حين جرى اختبار هذا الاعتداء»، وأن «التغير [الذي أحدثه] البلوغ في الأثناء قد أتاح فهمًا مختلفًا لما جرى تذكره» (356)، وهو ما أثار نفور الشابة من جسدها، فأنتج عرضًا بواسطة الأثر المؤجل.
وقد عرض تحليل Emma حالة من الدفاع الهستيري تؤديها لاشعوريًا آليات الكبت والإنكار والإزاحة والنكوص أو التسامي، وهي آليات كان Freud يعتقد أنه يمكن تفسيرها «بيولوجيًا وميكانيكيًا» (305)، وكان يعني بـ «ميكانيكيًا» أنه سيعالج طابعها الآلي. ويوضح James Strachey المشكلة أكثر:
بقوله «ميكانيكي» - وهو يستعمل أحيانًا «آلي» مرادفًا لها - يقصد أن الظاهرة المعنية تتحدد مباشرة بحدث فيزيائي معاصر؛ وبقوله «بيولوجي» يقصد أنها تتحدد جينيًا، أي بقيمتها للبقاء بالنسبة إلى النوع. (Project, Footnote n3 305)
وقد تحولت نيته الأولى، وهي «ألا يفعل أكثر من تفسير الدفاع»، فجأة إلى «تفسير شيء من مركز الطبيعة»، كما اشتكى Freud في رسالة إلى Wilhelm Fliess (نقلًا عن Strachey, «Editor’s Introduction» 284).
وبعبارة أخرى، حاول Freud في Project أن يقدم مخططًا لـ «الأساس البيولوجي لثنائية الحسّي-الاستقبالي/الحركي-التفريغي في عمل الجهاز العصبي» (Sulloway 117). وإذ كان «مقتنعًا بأن علم النفس لا بد أن يكون له أساس فيزيائي»، فقد أراد بهذا العمل أن يمرر ملاحظاته السريرية عبر مرشح مفهومي من كل من علم الأعصاب والسيكوفيزياء عند Gustav Theodor Fechner، الذي «لم يُدخل إلى علم النفس مبدأ حفظ الطاقة فحسب، ... بل استنبط أيضًا معادلًا متطورًا لمبدأ اللذة/اللامتعة عند Freud انطلاقًا من هذا المفهوم» (Sulloway 66). ومع ذلك، يصعب ألا نوافق Sulloway على أن نموذج Freud العصبي التشريحي لم يستند بقدر كبير إلى «علم الأعصاب الراهن» بقدر ما استند إلى «رؤاه العيادية والمابعد-نفسية السابقة والمجردة» (Sulloway 121).
غير أن Freud، في ذهنه هو، كان يعتمد اعتمادًا راسخًا على خطاب علمي كان على الأرجح أكثر ارتياحًا إليه في ذلك الوقت من ارتياحه إلى التحليل النفسي، الذي لم يكن قد امتلك بعد جهازًا مفهوميًا مكتملًا. ومن يقرأ Project لا تفوته المتعة التي يأخذها Freud في تركيب «نموذجه الكلي للعقل»، وهو نموذج بالغ التعقيد استخلصه مما عرفه من ممارسته التحليلية النفسية، ومن الفيزيولوجيا العصبية عن العصبونات والنبضات العصبية. وهو يجري بحثه وفق المطالب الجديدة لعصر الحتمية الإحصائية، الذي يقتضي تقارب البحث التجريبي مع البيانات القابلة للقياس. ومن الواضح، في نظريته عن كميات الطاقة المتداولة بين شبكات العصبونات، وفي تنظيره للمعطيات النفسية الملاحظة وقد تُرجمت إلى مقولات الطاقة، أنه يعتمد اعتمادًا كثيفًا على الديناميكا الحرارية. وفي الوقت نفسه، فإن العمليات التي وصفها بدقة لم تقدم حسابًا متماسكًا، وكانت تتطلب، كما في الديناميكا الحرارية، شخصية منظِّم شيطاني.
وكانت الفرضية الرئيسية في Project هي أنه في الحالات المرضية مثل الهستيريا أو عصاب الوسواس، تستطيع كميات الطاقة الفيزيائية المتداولة في الكائن الحي أن تسلك وسائل مختلفة للتفريغ غير القابل للضبط، ذهنية كانت أو جسدية، تبعًا لدرجة المقاومة في الشبكات العصبية؛ وكانت نظريته تنبسط على مستويين: فيزيولوجي ونفسي، بينهما أقام سلسلة من المعادلات التكافئية (Quinodoz 27). وتصور Freud ثلاثة أنظمة من العصبونات: نظام φ من العصبونات النفوذة، ونظام ψ من العصبونات غير النفوذة، ونظام ω، الذي سماه النظام الإدراكي. وقد افتتح عمله بوصف آلية العملية الأولية المرتبطة بنظام ϕ من العصبونات النفوذة بأنها موجهة نحو العالم الخارجي، ومن ثم فهي معرضة للإثارة بكميات كبيرة من المنبهات. وهنا عرض «مبدأ أساسيًا للنشاط العصبي في علاقته بـ Q» [الكمية الخارجية من العصبونات]، وهي ما يحددها Freud بأنها «ما يميز النشاط من السكون» (Freud, Project 296, 295). «وهذا هو مبدأ العطالة العصبية: أن العصبونات تميل إلى أن تتجرد من Q» (296).
وعلى هذا الأساس، يجادل Freud بأنه «يصبح ممكنًا فهم بنية العصبونات وتطورها، وكذلك وظائفها»، بحيث «يفسر مبدأ العطالة، أولًا، انقسام العصبونات إلى فئتين، حركية وحسية، بوصفه حيلة لمقاومة استقبال الكمية (Qη) عن طريق التخلص منها». ثم يخلص إلى أن «الحركة الانعكاسية تصبح الآن قابلة للفهم بوصفها طريقة مستقرة للتخلص من الكمية»؛ فـ «الجهاز العصبي الأولي يستعمل هذه (Qη) التي اكتسبها على هذا النحو بإخراجها عبر مسار موصل إلى الآليات العضلية، وبهذا يبقي نفسه خاليًا من المنبه» (296). وكان Freud يرى في هذا التفريغ «الوظيفة الأولية للجهاز العصبي» (296).
ثم اقترح أن النفس لا تستطيع أن تعمل وفق مبدأ التفريغ وحده، وأنه عند نقطة ما «يُخترق، مع ذلك، مبدأ العطالة»، لأن هناك حاجة إلى احتمال مقدار معين من الإثارة (296). وبهذا أدخل Freud العملية الثانوية المرتبطة بالنظام ψ، أي نظام العصبونات غير النفوذة، الذي لم تكن له صلة مباشرة بالعالم الخارجي، وكان يتلقى الإثارة بطريقتين: من نظام ϕ، ومن العناصر الخلوية في داخل الجسد. وقد افترض Freud أن هناك نظامًا تنظيميًا في النفس، قائمًا على «مبدأ الثبات»، قادرًا على مقاومة تفريغ فائض الطاقة النفسية. كما أنه يحول العمليات الأولية إلى عمليات ثانوية.
إن الوظيفة الثانوية [للجهاز العصبي] ... التي تتطلب تراكم Qη56، تصبح ممكنة بافتراض وجود مقاومات تعارض التفريغ؛ ويجعل تركيب العصبونات من المحتمل أن تكون هذه المقاومات كلها قائمة في نقاط التماس [بين عصبون وآخر]، فتأخذ بذلك قيمة الحواجز. (298)
وقد ساعد مبدأ حواجز التماس Freud على تفسير الذاكرة، التي كانت «صفة رئيسية للنسيج العصبي» (299). فقد تصور الذاكرة بوصفها عملية داخل النظام ψ تقوم على «قدرة [عصبوناته] على أن تتبدل تبدلًا دائمًا بفعل الوقائع المفردة»؛ وهنا شرح Freud الفرق بين نظامي العصبونات النفوذة وغير النفوذة، حيث يمكن للمرء أن يلاحظ «تعارضًا لافتًا مع سلوك المادة التي تسمح بمرور حركة موجية، ثم تعود بعد ذلك إلى حالتها السابقة» (299). ونحن نرى بالفعل التعقيد الكامن في أساس التواصل بين هذين النظامين من حيث درجات انفتاحهما المختلفة على العالم الخارجي، والحركيات المختلفة داخل كل منهما، وهو ما يؤثر في التبادل بينهما ويعقده على مستوى حواجز التماس، حيث تُكتب الذاكرة. «العملية الثانوية هي تكرار للمرور الأصلي [للكمية]» (334): فالذاكرة، بوصفها إلحاح الأثر، كانت تكرارًا.
وكل هذا، كما يقترح Freud، يحدث على المستوى الذي تكون فيه العمليات ميكانيكية أو بيولوجية أو آلية محضة. فهو يقول: «إن الاستعادة أو التذكر خاليان من الكيفية» (308). وكتب أن الوعي هو ما «يعطينا ما يسمى الكيفيات، أي الإحساسات التي تختلف في كثرة هائلة من الوجوه، ويُميَّز اختلافها بحسب علاقتها بالعالم الخارجي» (308). وهنا بلغ Freud، وهو بالفعل «بيولوجي للعقل» (Sulloway)، ما يمكن عده تصورًا أوليًا للاوعي، قبل أن يصوغه على نحو نهائي بعشرين سنة، في 1915-1916. وكان هذا «اللاوعي» في أساس هذا التقارب بين الكمية والكيفية.
ولأنه صيغ قبل طبوغرافيا Freud الأولى للعقل، التي تنقسم فيها النفس إلى ثلاثة أنظمة أو «مواضع نفسية» - الواعي (Cs)، وما قبل الواعي (Pcs)، واللاواعي (Ucs) - فإنه لم يكن قابلًا للتموضع، ومن ثم لم يكن ممكنًا وصفه بمصطلحات مكانية. وعلى الرغم من رغبة Freud في حل مشكلة مفهومية تخص أفرادًا بعينهم يعانون أعراضًا هستيرية، فإن هذا «اللاوعي» كان لا إنسانيًا، من حيث إنه كان يتعلق، كما اعترف Freud نفسه، بـ «مقتضيات الحياة» نفسها (297). وأخيرًا، وعلى الرغم من غياب الجهاز أو المنهج الملائم، وهو غياب تأسف له Freud (305)، فإن هذا «اللاوعي» كان قابلًا للقياس، أو، على نحو أدق، كان جزءًا من نظام عالمي «مُمَسْرَط» تحدده الآن الصدفة.
إعادة خلط الأرشيف
كان لـ Project for a Scientific Psychology تاريخ غريب. فقد نُشرت النسخة الأولى من النص الألماني سنة 1950، ثم تبعتها ترجمة إنجليزية سنة 1954، بعد أكثر من خمسين عامًا على كتابته. وكما يشير Sulloway، «لم يثر أي مستند آخر في تاريخ التحليل النفسي هذا القدر الكبير من النقاش، مقرونًا بهذا القدر الضئيل من الاتفاق» (118). فمن جهة أولى، لم يكن كثير من القراء على معرفة كافية بأعمال Freud السابقة على التحليل النفسي، ولذلك بدا اللقاء بنسخته من بيولوجيا العقل صادمًا، بل بدا، في معنى ما، شبيهًا بالخيانة من «أبي» التحليل النفسي. ولأن العمل نُشر بعد وفاته، بعد عقد من موت Freud،
لم يكن المؤلف حاضرًا ليقدم تعليقاته. وفي أوضاع كهذه، كما لاحظ Michel Foucault فيما يخص «وظيفة المؤلف»، «تظهر الصعوبات فورًا» («What Is an Author?» 103)؛ إذ يشرح أن «اسم المؤلف ليس مجرد عنصر في خطاب، ... [بل] يتيح لنا أن نجمع عددًا معينًا من النصوص، وأن نعرّفها، ونميزها من غيرها ونقابلها بها»، حتى إنه «يقيم علاقة بين النصوص» (105-106). فهل كان Freud سيجيز نشر هذا العمل، وهو العمل الذي عده فشلًا؟ وما مكانة هذا العمل ومشروعيته داخل أرشيف Freud؟ وكيف يعيد هذا العمل خلط العلاقة بين أعماله الأخرى وبين المفاهيم التحليلية النفسية في الأرشيف، وماذا يعني ذلك للتحليل النفسي عمومًا؟ وإذا كان Project فعلًا فشلًا، كما عرضه Freud في رسائله إلى صديقه Wilhelm Fliess، فلماذا احتفظ بالمخطوط؟ إنها أسئلة تكاد تكون طاغية.
والمصادفة، إن جاز لنا أن نقول ذلك، أن مخطوط Freud عاد إلى الظهور في خضم صعود السيبرانية، بعد عامين فقط من صدور كتاب Wiener. وبالنسبة إلى القراء الذين تابعوا الخطاب السيبراني، مثل James Strachey مترجم العمل، بدا Project «نموذجًا عاملًا بالغ البراعة للعقل بوصفه قطعة من الآلية العصبية» («Editor’s Introduction» 290). وهو، إذ يقدم Project في Standard Edition من أعمال Freud المنشورة سنة 1966، يكتب أن هذا العمل، فضلًا عن الحساب التحليلي النفسي المحض له،
...من المرجح أن يوحي بمصدر آخر ممكن للاهتمام به، مصدر بعيد عن التحليل النفسي ... فمحاولة Freud، قبل سبعين عامًا، مقاربة وصف الظواهر الذهنية بمصطلحات نفسية قد تبدو شبيهة ببعض المقاربات الحديثة للمشكلة نفسها. وقد قيل في الآونة الأخيرة إن الجهاز العصبي البشري يمكن النظر إليه في عمله بوصفه مشابهًا للحاسوب الإلكتروني أو حتى مطابقًا له، فكلاهما آلة لتلقي المعلومات وخزنها ومعالجتها وإخراجها. وقد أشير، على نحو معقول، إلى أننا نستطيع أن نرى في تعقيدات الأحداث «العصبية» التي يصفها Freud هنا، وفي المبادئ التي تحكمها، أكثر من تلميح أو اثنين إلى فرضيات نظرية المعلومات والسيبرانية في تطبيقهما على الجهاز العصبي. (292)
ويقترح Strachey أن Project يمنح «إمكانًا فاتنًا» لرؤية Freud «سلفًا للسلوكية المعاصرة» (293). لكنه يحذر من أن «هناك خطرًا في أن يقود الحماس إلى تشويه استعمال Freud للمصطلحات، وأن تُقرأ في ملاحظاته الغامضة أحيانًا تأويلات حديثة لا تحتملها» (293). ومع ذلك، فهو يعترف بقيمة «أصالة أفكار Freud وخصوبتها» (293)، ولا سيما في علاقتها بالنقاشات الجارية في خمسينيات القرن العشرين، ويخلص إلى ما يلي:
...يمكننا أن نلاحظ أولًا إصرار Freud على الضرورة القصوى لتزويد الآلة بـ «ذاكرة»؛ وثانيًا، نظامه من «حواجز التماس»، الذي يمكّن الآلة من أن تقوم، استنادًا إلى ذاكرة الأحداث السابقة، بـ «اختيار» مناسب بين مسالك بديلة للاستجابة لمنبه خارجي؛ وثالثًا، إدخاله، في عرض Freud لآلية الإدراك، الفكرة الأساسية للتغذية الراجعة بوصفها وسيلة لتصحيح أخطاء الآلة في تعاملها هي نفسها مع البيئة. (292-293)
ومن الواضح أن بين قراء Freud كثيرين لم «يفاجأوا» حين علموا بالخلفية المبكرة لجهازه المفهومي. فكتاب Beyond the Pleasure Principle (1920)، مثلًا، وبخاصة مفهوم دافع الموت فيه، كان قد نوزع فيه كثيرًا من خلال عدستي الديناميكا الحرارية والبيولوجيا، قبل عقود من نشر Project. وإحدى الحالات المحددة للازدراء النقدي الذي أحاط بـ Beyond the Pleasure Principle، والذي يلمح إليه Lacan في Seminar II، كانت المقالة المعنونة «The Principle of Entropy and the Death Instinct» (1931) المنشورة في International Journal of Psychoanalysis، وهي مقالة كتبها كل من عالم النفس والمحلل النفسي النمساوي Siegfried Bernfeld والفيزيائي الألماني والمتخصص في الديناميكا الحرارية النفسية Sergei Feitelberg. وكان ما يقلق هذين الناقدين، في هذه الحالة، أن نظرية Freud ليست «علمية» بما يكفي، وأن مفاهيمه قائمة على المجاز. ويجادل Bernfeld وFeitelberg بأن:
...هذه النظرية، مع افتراض غريزة الموت، تدخل مجال التأمل، لأنها هنا تتجاوز حدود المناهج النفسية أو التحليلية النفسية، إذ إن مفهومي غريزة الموت وEros يدّعيان الإحاطة بوقائع بيولوجية، بل بالسلوك الكوني للطبيعة (مبدأ الثبات). وكثير من أوجه عدم اليقين والالتباس والأخطاء ينشأ من أننا لا نميز على الدوام بما يكفي بين المعاني المختلفة التي تُلصق بالكلمة الواحدة: «instinct».57 (61)
وقد جاء النقد حتى من أتباع Freud المتفانين مثل Ernest Jones.
«حين اعترض Ernest Jones على فرضية Freud المتعلقة بدافع الموت، فعل ذلك تحديدًا بالاستناد إلى القانون الثاني للديناميكا الحرارية. فبما أن الكائنات الحية ليست أنظمة مغلقة، فإنها، كما يقول، تستطيع أن تأخذ الطاقة من الخارج وأن تكتسب ما سماه Schrödinger “الإنتروبي السالب”. وعلى هذا الأساس، كان Jones يعتقد أن محاولات Freud للجمع بين الإنتروبي ودافع الموت قد أخفقت» (Liu 202).
وكان علماء الأحياء على القدر نفسه من الارتياب، لأنه، كما يلاحظ Sulloway، «يبدو دافع الموت عند Freud غير دارويني على نحو ظاهر»: «فأي كائن حي يملك نزعة فطرية إلى الموت سيكون، على الأرجح، في وضع “انتقائي” أسوأ بكثير في صراع البقاء من الكائنات التي لا تملك إلا دوافع الحياة» (407). ويقدم Sulloway طيفًا واسعًا من الردود عند علماء مثل Rudolf Brum وRobert R. Holt وStanislav Andreski، الذين عبروا عن رفض علمي لمفاهيم Freud بدا لهم أنها «غير مدعومة إطلاقًا بالبيولوجيا»؛ لكنه يلاحظ، بحق، أن «هذا الحكم لا بد من تقييده بالسؤال عن نوع البيولوجيا الذي يقصده هؤلاء المعلقون» (406, 407).
- هنا كانت كلمة «instinct» الترجمة الأولى غير الموفقة لكلمة Freud، Trieb، التي تُرجمت لاحقًا إلى «drive».
2. من الديناميكا الحرارية إلى البنية
وعلى خلاف فرويديين آخرين، لم يكن Lacan منشغلًا كثيرًا بإمكان إساءة قراءة عمل Freud مع وصول Project إلى المجال العام: ففي نظره، كانت أعمال Freud قد أسيء فهمها بما يكفي أصلًا، وكان يرى في إعادة تقييم أرشيف Freud فرصة حاسمة جاءت في وقتها. وهو، بقراءته Project في Seminar II، يرد على افتراض Ernst Kris، أحد منظري سيكولوجيا الأنا، القائل إن Project دليل على انتقال Freud من تصور ميكانيكي للذات إلى تصور نفسي لها، وعلى «تحوله إلى تفكير عضوي-نفسي»، على حد تعبيره (113). ويعترض Lacan: ففي Freud، «إنه الفكر نفسه ينكشف دائمًا»، كما يقول؛ «ولعلك تستطيع أن تقول إن ميتافيزيقاه لا تتغير أبدًا، لكنه يتم مخططه بإدخال شيء مختلف تمامًا إليه، ألا وهو مفهوم المعلومة» (113). وعند صدور هذا العمل المتأخر، ينظر Lacan فيه ليفحص جهد Freud في الانتقال من «بيولوجيا ديناميكية حرارية» إلى ما يمكن أن يسمى «بيولوجيا معلوماتية».
وفي «The Function and Field of Speech and Language of Psychoanalysis» (1953)، يشير Lacan إلى أن حتى «الطريقة الجديدة» في التحليل النفسي قد وصفها Freud «لا في 1904 [أي بعد نشر The Interpretation of Dreams سنة 1900] - كما كان يعلّم حتى وقت قريب صاحب سلطة ... - بل في 1895» (213)، أي في الوقت الذي كان Freud يعمل فيه على Project، ومع Josef Breuer على Studies on Hysteria. وفي «التمهيد» لـ Seminar I (نوفمبر/تشرين الثاني 1953)، يلمح Lacan إلى أن جذور الخلفية العلمية عند Freud ليست وحدها ما ينبغي أخذه في الاعتبار لفهم عمله فهمًا تامًا، بل كذلك الأثر العام للروح العلمية السائدة في عصره: فهو يصر على أننا نحتاج إلى أن نرى Freud بوصفه رجلًا «عاش في قرن علمي» (1). وإذ يضع فكر Freud في سياقه نسبة إلى أعمال العلماء المؤثرين، وبخاصة أولئك المسؤولين عن «تآكل الحتمية» (Hacking 455)، يلاحظ Lacan أن Freud عمل أيضًا ضد مطلب علم القرن التاسع عشر تقليل إمكان الذاتية في البحث، حين حوّل انتباهه تحديدًا إلى ذاتيته هو، معترفًا بأن وجهة نظر العالم هي، أولًا وأساسًا، وجهة نظر إنسان تتشكل بعلاقته بالعالم، وهي علاقة تبدأ بعائلته وبشركائه:
لقد أقام Brücke وLudwig وHelmholtz وDu Bois-Reymond نوعًا من الإيمان المعقود: كل شيء يرد في النهاية إلى القوى الفيزيائية، إلى قوى الجذب والتنافر. ومتى أخذ المرء هذه الوعود مأخذ التسليم، فلا سبب يدعوه إلى تجاوزها. وإذا تجاوزها Freud، فلأنه حمل أيضًا وعودًا أخرى. لقد تجرأ على أن يولي أهمية لما كان يحدث له، وللتعارضات التي حملها من طفولته، ولمشكلاته العصابية، ولأحلامه. ولهذا فإن Freud هو بالنسبة إلينا جميعًا رجل مطارد، شأنه شأن أي إنسان آخر، بكل contingencies الحياة: الموت، والمرأة، والأب. (Seminar I 2, 3)
وقد دفعت العلاقة بين contingencies الحياة ومفهوم الحتمية بوصفه «ترويضًا للصدفة» (Hacking)، كما صاغه العلماء المذكورون، Freud إلى أن يصوغ نسخته الخاصة من «الحتمية الخاصة بالبنية [الاحتمالية]»58 للنفس البشرية (Seminar I 3)، وهي حتمية تتجلى عبر التكرار القهري، مهما يكن «متنوعًا، مموهًا» وغير قابل للتعرف، لكنه يحدث دائمًا من خلال «اغتراب معناه» (Seminar XI 61)، ومن ثم يتجاوز الوعي.
وفي Project حاول Freud أن ينظر في نموذج للذاكرة اللاواعية بمصطلحات الفيزيولوجيا العصبية: فقد قدم نموذجًا ميكانيكيًا أوليًا للكبت. فالنظام φ من العصبونات، أي «القوس الانعكاسية»، الذي كان Freud يعتقد أنه يفسر علاقة الكائن الحي ببيئته، «يتلقى شيئًا، إثارة، ويرد بشيء» (Lacan, Seminar II 106). ويذكرنا Lacan بأن «الاستجابة لها غاية»، لأن «مفهوم الاستجابة يتضمن دائمًا أننا بصدد كائن متكيف» (106).
- انظر تقديم Lacan لهذا المفهوم وتطويره في «The Function and Field of Speech and Language of Psychoanalysis» (236-237).
وقد تصور Freud النفس البشرية على أساس التوازن، أو مبدأ العطالة، وعلى مفهوم in-put، وهو مفهوم صيغ تاريخيًا قبل إدخال مفهوم الطاقة. غير أن Lacan يلاحظ أنه عندما يصوغ Freud العلاقة بين النظام φ من العصبونات النفوذة والنظام ψ من العصبونات غير النفوذة، فإنه يصوغها بمصطلحات ثبات الطاقة، وهو ما يعني أن
Freud لا يستطيع أن يكتفي بـ in-put، بما يؤتى به من العالم الخارجي، فيضطر إلى الارتجال. ولذلك يُدخل جهازًا تكميليًا، ω ... لأنه لا يحتاج إلى منبهات من العالم الخارجي فحسب، بل إلى العالم الخارجي نفسه. إنه يحتاج إلى جهاز داخلي لا يعكس منبهات العالم الخارجي فحسب، بل يعكس أيضًا ... بنيته. (107)
وهكذا، فإن Freud، بإدخاله «جهازًا تكميليًا»، هو النظام ω، الذي يقترح Lacan أنه نموذج أولي مبكر للإدراك-الوعي، يميز بين الإدراك والذاكرة، وهو ما يتيح له أن يصوغ نظرية المقاومات. وهذا النظام سيتحول تدريجيًا، عند Freud اللاحق، إلى الوظيفة التخيلية للأنا،59 وهي الوظيفة المسؤولة عن عمليات المقاومة.
- بتعقب Lacan في خمسينيات القرن العشرين أصل الأنا إلى هذا النموذج البيولوجي المبكر للعقل عند Freud، كان يرد على منظري سيكولوجيا الأنا الذين أصروا على ممارسات ترمي إلى تقوية وظيفة الأنا وقدرتها على مقاومة الدوافع اللاواعية.
ولنعد مرة أخرى إلى Freud وهو يتأمل هذا التجميع المفهومي في اليوم الذي راح يعجب فيه بتصميمه لأنه يوضح له، في نظره، كل شيء «من تفاصيل العصاب إلى محددات الوعي»:
بدا كل شيء وكأنه يتركب في موضعه، وكانت التروس متعاشقة، وأعطى الأمر المرء انطباعًا بأنه آلة حقيقية ستعمل قريبًا من تلقاء نفسها. إن الأنظمة الثلاثة من العصبونات، والحالتين الحرة والمقيدة للكمية، والعمليتين الأولية والثانوية، والاتجاه الرئيسي والاتجاه التوفيقي للجهاز العصبي، والقانونين البيولوجيين للانتباه والدفاع، ومؤشرات الكيفية والواقع والفكر، وحالة المجموعات النفسية-الجنسية، والتحديد الجنسي للكبت، وأخيرًا محددات الوعي بوصفه وظيفة إدراكية، كل هذا قد تركب معًا، وما يزال يتركب معًا! (نقلًا عن Strachey, «Editor’s Introduction» 285)
غير أن Freud، حين يصوغ ظاهرة الوعي، يعترف بأنه لا يستطيع أن يفسر «كيف إن العمليات الاستثارية في عصبونات ω تجلب معها الوعي»؛ وكل ما يستطيع فعله هو أن يثبت «توافقًا بين خصائص الوعي المعروفة لنا وبين العمليات في عصبونات ω التي تتغير على التوازي معها» (Project 311). وهو يعتزم أن يتجاوز القياس نحو نظرية في التواصل بين هذه الأنظمة، لكنه يبلغ طريقًا مسدودًا.
وترتبط مشكلة أخرى في نموذجه الميكانيكي المبكر للنفس بمسألة الزمنية. فلا يستطيع Freud أن يلتف عليها: فعملية التواصل بين العصبونات تنبسط بوضوح في الزمن، حتى لو كان زمن العصبونات. والفارق بين Project وThe Interpretation of Dreams يكشف أن Freud كان في طريقه إلى حل هذه المشكلة: فالعملان يقدمان تصورين متميزين للجهاز من حيث صلته بالزمن. ففي Project تعمل «أعضاء الإدراك، والقشرة وتحت القشرة، كأنها نوع من العقدة المستقلة التي تنظم النبضان بين الدوافع الداخلية إلى الكائن الحي»، أما في The Interpretation of Dreams فإن ذلك يُستبدل بـ «شيء أكثر لا مادية بكثير» لا «يُعطى موضعًا مكانيًا» (118).
غير أن Lacan يلاحظ أنه في هذا العمل
...ليس هناك أدنى إحساس بعلاقة الأنا بخطاب اللاوعي، ذلك الخطاب الملموس الذي تسبح فيه الأنا وتؤدي فيه وظيفتها بوصفها عائقًا، واعتراضًا، ومرشحًا، سلبًا أو إيجابًا. ... للاوعي ديناميته الخاصة، وجريانه الخاص، ومسالكه الخاصة. ويمكن استكشافه وفق إيقاعه هو، وتلوينه هو، ورسالته هو، استقلالًا تامًا عن كل ما يعترضه. (120)
ومع أن هذا الانفصال بين الأنظمة يطرح مشكلات أخرى، فإن Freud، منذ هذه اللحظة، كما يلاحظ Lacan، «يدفع البعد الزمني من حيث هو كذلك إلى الخلفية»، بينما «يثبت مخططه، الذي يبقى ترتيبه العام ... كما هو ... أن Freud كان يدخل بالفعل أبعادًا جديدة في مقولاته، ولا سيما بعدًا منطقيًا معينًا» (118). وحتى Beyond the Pleasure Principle، كان Freud «يخطو خارج حدود المجال الإنساني بالمعنى العضوي للكلمة» (79). ومن Project إلى Beyond the Pleasure Principle، يعمل Freud بصيغ مختلفة من المبادئ الآلية الحاكمة المعنية بتنظيم الآلة النفسية الاستتبابية الخاضعة لمبدأ اللذة. ويلتقط Lacan التباسًا مهمًا في قراءة Freud لـ «التوازن»:
...حين يواجه الجهاز الحي منبهًا يقتحم عليه مجاله، يكون الجهاز العصبي، على نحو ما، المندوب الذي لا غنى عنه لجهاز الاستتباب، أو للمنظِّم الذي لا غنى عنه، والذي بفضله يبقى الكائن الحي على قيد الحياة، ويقابله ميل إلى خفض الإثارة إلى حدها الأدنى. (80)
ويتعلق هذا الالتباس بكلمة «الحد الأدنى»، التي يمكن أن تشير، عند Freud، إلى أحد أمرين: «توازن النظام» بوصفه نوعًا من «الاتزان»، أو «الموت» إذا نظرنا إلى الكائن الحي (80). وعلى الرغم من أن Freud يدمج «الموت» و«الدافع» في مفهوم واحد، فإنه في هذا السياق لا يشير إلى «الموت» في ذاته، ولا يتحدث عن «الاتزان». فـ «دافع الموت» عند Freud يدل هنا على شيء بين هذين المعنيين: «شيء مما يلاحظه في الإنسان [يحمله] على أن يخرج من حدود الحياة» (80)، أي الإنتروبي، ذلك الشيء المتصل بالحد المقاس لاختلال النظام: «كمية المعلومات» (82)، وهو ما يميز انتقال Freud من «بيولوجيا ديناميكية حرارية» إلى ما يمكن أن يسمى «بيولوجيا معلوماتية». وخارج «حدود الأنثروبولوجيا»، يخلص Lacan إلى أن «اكتشافه هو أن الإنسان ليس بكليته داخل الإنسان»، وأنه لذلك «ليس إنسانيًا» (72).
وعلى الرغم من أن «Freud علق آمالًا كثيرة على البيولوجيا»، فإن Jacques-Alain Miller يدفع هذه الحجة أبعد من ذلك، إذ يقول إن «البيولوجيا الفرويدية لم تكن بيولوجيا»:
إن الموت، من حيث هو متعلق بدافع الموت، ليس موتًا بيولوجيًا؛ وليس مجرد عودة الجسد الحي إلى حالة لا عضوية. إن الموت هو الوجه الآخر للحياة. والبيولوجيا التي تتضمن دافع الموت هي بيولوجيا الوجه الآخر للحياة، وهو وجه آخر ينفتح للكائن الناطق عبر اللغة. ويتجسد هذا الوجه الآخر للحياة من خلال sepulture،60 لأن النوع البشري هو الوحيد الذي يحتفظ فيه الجسد الميت بقيمته. («Lacanian Biology» 16-17)
ويتبع Miller Lacan في Seminar II ليشرح مفهوم «الوجه الآخر للحياة» بمثال Marquis de Sade وسعيه إلى الحد الأقصى للحياة بوصفه «موت الجزيئات»: «لقد حلم بمجرم يستطيع، وراء الفرد، أن يقتل الجزيئات» (17). وفي الوقت نفسه، يواصل Miller، فإن «البيولوجيا الفرويدية بيولوجيا مع ذلك»، على الأقل لأنها «أسندت تأملها إلى البيولوجيا»، ولا سيما أن Lacan «يعرض [نظرية Freud في الدوافع] بوصفها الدينامية التي تتم مورفولوجيا Weismann» (17, 19-20).
- فعل الدفن.
ويشكل نقاش نظرية البلازم الجرثومي عند August Weismann، عالم الأحياء التطوري الألماني، في Beyond the Pleasure Principle واحدة من لحظاته الحاسمة. ففي ثمانينيات القرن التاسع عشر وتسعينياته، خلص Weismann إلى أن الخلايا الجرثومية، أي البويضات والحيوانات المنوية، بخلاف سائر خلايا الجسد، تحتوي محددات تنشئ نسب الخلية الجرثومية في اتجاه واحد: فمع أن الخلايا الجرثومية تنتج الخلايا الجسدية، فإنها لا تنقل «المعلومات» الوراثية إلى هذه الخلايا الجسدية؛ كما أنها لا تتلقى أي «معلومات» عما تتعلمه الخلايا الجسدية خلال حياتها. وهكذا فإن استمرارية الوجود «على الوجه الآخر من الحياة» تعني أن الدافع حاضر على مستوى أبسط أشكال الحياة، على مستوى الحياة من حيث هي كذلك، ولا علاقة له بأي شيء «إنساني». ويضيف Miller أن «جهد Freud كله يريد أن يبين أن هذه الدوافع [دافع الحياة ودافع الموت] حاضرة سلفًا استقلالًا عن تكوّن ليس الجسد فقط، بل حتى الكائن المتعدد الخلايا» (20).
ويرى Freud أن هذه العلاقة بين النزعتين المتقابلتين نحو الحياة والموت، من أجل استمرارية «الحياة المجردة»، شبيهة بالدافعين اللذين يطورهما في المجال الإنساني. ويعترف Freud بما يلي:
إن ما يلفت نظرنا هنا هو ذلك التشابه غير المتوقع مع وجهة نظرنا نحن، التي وصلنا إليها عبر طريق مختلفة كل الاختلاف. فـ Weismann، إذ ينظر إلى المادة الحية من الناحية المورفولوجية، يرى فيها قسمًا مقدرًا له أن يموت، أي الـ soma، الجسد بمعزل عن المادة المعنية بالجنس والوراثة، وقسمًا خالدًا، هو الـ germ-plasm، المعني ببقاء النوع وبالتكاثر. أما نحن، وعلى العكس من ذلك، فإذ لا نتعامل مع المادة الحية، بل مع القوى العاملة فيها، فقد انتهينا إلى التمييز بين نوعين من الدوافع: دوافع تسعى إلى أن تقود الحي إلى الموت، وأخرى، هي الدوافع الجنسية، تواصل على الدوام محاولة تجديد الحياة وتحقق هذا التجديد. ويبدو هذا كأنه لازم ديناميكي لنظرية Weismann المورفولوجية. (Beyond the Pleasure Principle 39)
وحين يتكهن Freud «بأن الأوالي قد تكون قادرة تمامًا على حمل دوافع الموت منذ البداية من غير أن يبدو عليها ذلك» (Miller, «Lacanian Biology» 20)، فإنه يبلغ تصور الحياة من حيث هي كذلك، وهي حياة ليست مجردة، بل ملموسة ومعلوماتية.
وفي العام التالي للتخلي عن Project، ينتج Freud نموذجًا آخر للذاكرة اللاواعية. وهذا النموذج يسترعي انتباه Lacan في Seminar III, The Psychoses (1955-1956)، حيث يقدم مفهوم البنية. فهذا النموذج للآلية النفسية «قد تكوّن من خلال عملية تراكب طبقي»، كما ينقل Lacan عن رسالة Freud الثانية والخمسين إلى Fliess، وفيها يجادل Freud بأن «المادة الموجودة في صورة آثار ذاكرية تخضع، من حين إلى حين، لإعادة ترتيب بحسب ظروف جديدة، أي لإعادة نسخ». ويخلص Freud إلى أن «الجديد في نظريتي أساسًا هو الأطروحة القائلة إن الذاكرة ليست حاضرة مرة واحدة بل مرات عدة، وإنها مرسومة في أنواع متعددة من الدلائل» (مقتبس في Seminar III 181).
وهنا أيضًا تغدو زمنية طبقات الآثار غير ذات شأن بسبب حركيتها وإعادة تشكلها المستمرة. فبفضل انفتاحها على إعادة الترتيب وإعادة النسخ المتواصلين، تكون هذه البنية «مجموعة من العناصر تشكل نسقًا متغايرًا» لا «كلية» مغلقة (183)؛ ولذلك فهي، في الوقت نفسه، قديمة دائمًا، لأنها تعيد إنتاج الأنماط الماضية، وجديدة دائمًا، بسبب التعديل المستمر لهذه الأنماط. وهنا يعيد الحرف إنتاج نفسه عبر الطبقات، مثلما يُقبض على الكائن الناطق في التكرار، وفق لعبة الصدفة.
غير أن Lacan، في Seminar XI، يميز بين التكرار و(نوع آخر من) إعادة الإنتاج يرتبط بالثقافة اليونانية: «إعادة الإنتاج هي ما كان يُظن، في الأيام المتفائلة للتطهير، أنه ممكن» (50)، أي أن يطهر المرء نفسه بإطلاق الألم الخانق، وأن يتغير، ويتجدد، ويُستعاد. وإذا كانت إعادة الإنتاج من خصائص الحرف، فإن الذات محكومة بالتكرار. والتكرار قائم على أن هناك دائمًا بقية تشرع دورة جديدة للدافع؛ ومن ثم فالتكرار ليس بديهيًا. إنه محجوب (54). وهو يستند إلى automaton الشبكة الدالة، «المؤلفة من ترابطات عشوائية ومتجاورة»، حيث «لم يكن في وسع الدوال أن تتكون في التزامن إلا بفضل بنية محددة جدًا من التعاقب الزمني التكويني»، وهي بنية «موجهة بالبنية» (46). وعلى هذا المستوى تتحدد الذات، ويتبنى اللاوعي بنية شبيهة باللغة.
و«الواقع يقع وراء automaton، وراء العودة، والإياب، وإلحاح العلامات، الذي نرى أنفسنا محكومين به تحت مبدأ اللذة» (53-54). لكن عند حد التذكر نفسه، يصير التكرار tuché، حين يقع «كما لو كان مصادفة» (54). ويمكن التعبير عن العلاقة بين automaton وtuché كما يلي: فمن جهة، يضمن automaton، بوصفه البنية الحاكمة، أن تعود الذات دائمًا إلى الحدث الصدمي. ومن جهة أخرى، يطالب التكرار دائمًا بالجديد: «إنه يتجه نحو اللعبي، الذي يجد بُعده في هذا الجديد» (61). وهذه الثانية هي وظيفة tuché بوصفها لقاءً فائتًا مع الواقع، بسبب تجديدها المستمر وتحديثها الدائم لشبكة الدوال. وبذلك تدخل tuché اللامتعين في قلب حتمية الرمزي، ولذلك لا يمكن أن تتحدد الذات تحديدًا تامًا، على الرغم من أن كينونتها نفسها معرّفة على أساس اندراجها في الشبكة الدالة بوصفها parlêtre أو «الكائن الناطق». وفي الوقت نفسه، تبقى الذات محددة دائمًا بأن تسيء تعرف tuché، وهذا بالتحديد هو نقطة أصل دارة الدافع.
وحين يتكهن Freud، في عمله المبكر، بآلية automatisme de répétition، التي ستتحول لاحقًا إلى دافع الموت، فإنه يقترب من مسألتي الفهم (Seminar II 114) والتعلم. وحين يناقش Freud الدفاع الهستيري في Project، فإنه يحاول أن يضع أسئلة التعلم في علاقتها بالآثار الذاكرية على مستوى العصبونات. وتكتب Lydia H. Liu أن «فكرة Freud عن أوتوماتية التكرار تبدأ في أن تكتسب معنى سيبرانيًا» من خلال قراءة Lacan للآلة النفسية التي «تحاكي عن قرب الشبكات العصبية عند السيبرانيين» (191).
وتلاحظ Liu أن «صلة اندفاع الدلالة أو “الالتباسات” بالانقطاعات الزمنية واللحظات المعطوبة في الدارة» تستدعي التجارب الشهيرة التي أجراها John Z. Young على الجهاز العصبي والذاكرة عند الأخطبوطات (191). واليوم، يتجاوب هذا الجهد مع النقاشات حول «اللدونة العصبية» التي ترسخ الميل «إلى اختزال التجربة إلى أثرها»، وإلى اختزال «الذات إلى آثار عمليات التعلم»، كما يلاحظ Eric Laurent (Lost in Cognition xi). لكنه يجادل بأنه، ما يتعلق باللاوعي الفرويدي،
[فإنه] لا يندرج في فئة «التعلم». إنه ما يغيب عن كل عملية تعلم ممكنة أو يفيض عليها. فبعد كل ما جرى تعلمه في النهار، ينهض الحلم على أساس ما لم يُتعلَّم، ولم يُنطق، ولم يُفكَّر فيه. اللاوعي نمط من الفكر متحرر من التعلم ومن الوعي معًا، وهذا هو ما يجعله غريبًا ومفضوحًا في آن واحد. (xi)
فالتباس القول بوصفه دليلًا على لقاء tuché، أو على لقاء فائت مع الواقع، «يفترض قطيعة مع عمليات التعلم» (Laurent xii). «وهناك دائمًا التباس في ما يتعلق بما حدث فعلًا» (xii). وقد استخدم Lacan equivoque، بوصفه عنصرًا من «الكلام الغريب»، معًا أداةً للتأويل التحليلي النفسي وموضوعًا له، من أجل بلوغ «الطبيعة الاحتمالية للصلة بين الدال والمدلول، بما يشير إلى أنه لا توجد متابعة ضرورية» بينهما؛ ذلك أن «الالتباس يفتح فضاء كاملًا للعب ولسوء الفهم» (Miller, «Did You Say Bizarre?» n.p.).
وأشار كل من Bruce Fink (1996) وLydia Liu (2010) إلى أن مصطلح Lacan «equivocation» لا يخلو من تلميح إلى مقالة Shannon «A Mathematical Theory of Communication»، حيث يدل equivocation على «تواتر الأخطاء» (Shannon 22). ويحسب Shannon معدل النقل الفعلي بطرح المعدل الوسطي للإنتروبي الشرطي للرسالة، بوصفه مقياسًا للمعلومات الناقصة، من معدل إنتاج الإشارة. ويصل إلى التعريف الآتي لـ equivocation:
«إن الإنتروبي الشرطي Hy(x) سيُسمى، تيسيرًا، equivocation. وهو يقيس متوسط غموض الإشارة المستقبلة» (20).
وفي «A Mathematical Theory of Communication»، يحسب Shannon الإنتروبي النسبي أو «أقصى ضغط ممكن حين نرميز إلى الأبجدية نفسها»، ويقابل بين فائض ordinary English من جهة، وBasic English، وهي «لغة مضبوطة» مساعدة وضعها اللساني الإنجليزي Charles Kay Ogden، وبين Finnegans Wake لـ James Joyce من جهة أخرى. ففائض ordinary English يبلغ 50%، وهو ما «يعني أنه حين نكتب بالإنجليزية، يكون نصف ما نكتبه محددًا ببنية اللغة، ويكون النصف الآخر مختارًا بحرية» (14). أما في الحالتين الأخريين، فيكتب Shannon:
يمثل Basic English وكتاب James Joyce Finnegans Wake حدين أقصيين من فائض التكرار في النثر الإنجليزي. فمفردات Basic English محدودة بـ 850 كلمة، ولذلك يكون فائض التكرار فيه مرتفعًا جدًا. ويظهر هذا في التوسع الذي يحدث حين تُترجم فقرة إلى Basic English. أما Joyce، فعلى العكس، فيوسع المفردات، ويُزعم أنه يحقق ضغطًا في المحتوى الدلالي. (15)
وفي حالتي ordinary English وBasic English، تنطبق حسابات Shannon على نظام مغلق، حيث تكون الصدفة التي تسبب التشويه نتيجة للمبدأ الداخلي لذلك النظام. أما Finnegans Wake فهو نظام مفتوح، يوجد بوصفه تصادمًا لصدف آتية من الخارج، أي من خارج النحو والتركيب. ومن ثم فهو يُظهر «تواترًا للأخطاء» غير عادي، من وجهة نظر القانون، يرفع «متوسط غموض الإشارة المستقبلة» إلى حد مفرط. وبسبب هذا الانزياح، يحتفظ Finnegans Wake، حيث يدفع Joyce أسلوبه الكتابي إلى الحد، بأقل قدر ممكن من المعنى: فهو «يمضي، على نحو منهجي، إلى ما وراء المعنى المحدود، إلى نقطة لا تعود فيها لعبة المواد الدالة خاضعة للرسالة، وهو ما ينتج ... تذررًا في المعنى» (Soler 97). ولهذا، كما تلاحظ Colette Soler في «The Paradoxes of the Symptom in Psychoanalysis»، فإن Lacan «شخّص في Finnegans Wake تضاعفًا خاصًا للالتباس، يختزل المدلول إلى لغز، ويقصّر الدائرة على المعنى المألوف» (97)، وذلك من أجل إقامة علاقة المرء الخاصة باللغة من خلال شكل من أشكال الكتابة بوصفها praxis، غايتها تقويض الحل التخيلي وتنظيم jouissance. وهنا، كما يلاحظ Laurent، «يجد اللاوعي الفرويدي موضعه» «خارج الجسد»: «في صورة مكتوبة لا في آثار» الخبرة (xiii).
خاتمة
في كتاب Cybernetics، تناول وينر الفرق المفهومي بين النموذج المكتفي بذاته للجسد في أعمال ديكارت ولايبنتس، وبين النموذج الذي جاء ليحل محله. وقد لاحظ أنه في القرن التاسع عشر «تُدرَس الآلات الذاتية التي يصنعها الإنسان، وتلك الآلات الذاتية الطبيعية الأخرى، أي الحيوانات والنباتات في التصور المادي، من منظور مختلف تمامًا» (41). كما أن التطورات اللاحقة في العلم، التي شملت اكتشافات الديناميكا الحرارية وتصوّراتها، مثل «حفظ الطاقة وتبددها [اللذين كانا] المبدأين الحاكمين في ذلك العصر» (41)، أظهرت أن «الكائن الحي هو قبل كل شيء محرّك حراري، يحرق الغلوكوز أو الغليكوجين أو النشاء والدهون والبروتينات إلى ثاني أكسيد الكربون والماء واليوريا»؛ وخلص وينر إلى أن «جميع المفاهيم الأساسية هي تلك المرتبطة بالطاقة» (41، 42).
وقد ميّز وينر أيضًا بين ثلاثة عصور من الفكر، ووسم إبستمولوجياتها بآلات ممثِّلة لها. فقد كتب سنة 1948 أن «العصر الحاضر هو بحق عصر أجهزة المؤازرة بقدر ما كان القرن التاسع عشر عصر المحرّك البخاري، أو كان القرن الثامن عشر عصر الساعة» (43). ومن المؤكد أن نظرية التفريغ عند فرويد ربطته بنموذج المحرّك البخاري. غير أن Project لديه يبيّن بوضوح أن نموذجًا آخر كان يعمل أيضًا في خلفية أعماله في تسعينيات القرن التاسع عشر: نموذج جهاز المؤازرة (servomechanism). ولم يكن جهاز المؤازرة غريبًا عن الديناميكا الحرارية؛ إذ صاغه ونظَّر له كبار علمائها. لكن مع نهاية القرن التاسع عشر غدا أيضًا نموذجًا مفهوميًا لإبستمولوجيا مختلفة كانت تأسيسية لنظريات الألعاب والمعلومات والسيبرنيقا اللاحقة عمومًا؛ وقد تشكّلت هذه الإبستمولوجيا بفهم جديد للعلاقة بين المصادفة والحتمية، وهو ما صاغه لاكان في مناقشته لـ tuché وautomaton، وكذلك في تمييزه بين مفهومي «النظام» و«البنية».
في عام 1907 كتب آينشتاين: «لسنا هنا بإزاء “نظام”، نظامٍ تكون القوانين الجزئية مندرجةً فيه ضمنًا ويمكن استخلاصها منه بمجرد الاستنباط»، وبهذا كان يعبّر عن دَينه للديناميكا الحرارية بوصفها «نظرية مبدأ»، «بل نحن بإزاء مبدأ فحسب يتيح ردَّ بعض القوانين إلى بعض، على نحو مماثل للقانون الثاني في الديناميكا الحرارية» (Bemerkungen zu der Notiz von Hrn. Paul Ehrenfest 207).
الفصل الرابع
لاكان والظواهر الآلية
1. الظواهر الآلية
مثل فرويد، قطع لاكان رحلة طويلة قبل أن يصل إلى التحليل النفسي. فبينما تخصّص فرويد في علم الأمراض العصبية في بداية مسيرته، بدأ لاكان «طبيبًا وطبيبًا نفسيًا» (On My Antecedents 51). يستكشف هذا الفصل تَشكُّل اهتمام لاكان بالتحليل النفسي. وفي هذا البحث أركز على موضوع التلقائية الذي يمر عبر عدة سياقات سريرية وغير سريرية كانت مترابطة على نحو وثيق. وسننظر في المقاربات المختلفة لمفهوم التلقائية عند الأطباء النفسيين وعلماء النفس في القرن التاسع عشر لكي نرسم مسارات التصورات المتعددة لهذا المفهوم في الممارسات السريرية، وهي تصورات أثّرت في القرن العشرين لا في مزيد من البحث السريري فحسب، بل في الفن أيضًا. وقد أفضى احتكاك لاكان بكليهما إلى بلورة صيغته الخاصة، وهي الصيغة التي تقوده إلى التحليل النفسي الفرويدي.
وبحسب إليزابيث رودينسكو، كانت أول حالة قدّمها لاكان سريريًا في 4 نوفمبر 1926، وكانت حالة «النظرة الثابتة الناجمة عن فرط التوتر»؛ ثم إنه «من 1927 إلى 1931 درس المعالجة السريرية للاضطرابات الذهنية والرأسية» (Jacques Lacan 16، 17). وفي سنة 1928 تعاون لاكان مع موريس ترينيل في حالة abasia لدى مريضة مصابة بصدمة حرب، ونُشر تقرير تلك الحالة في Revue neurologique61 في تلك السنة نفسها (Jacques Lacan 18). وقد كانت هذه المريضة الهستيرية قد أصيبت بجروح بالغة تحت أنقاض منزلها. غير أن رودينسكو تلاحظ أن تقييم الأطباء النفسيين لم يُشر إلى الهستيريا؛ إذ «كانت المصطلحات التي استخدموها هي حصراً مصطلحات بابنسكي» (19)، وكان منهجه، إلى جانب منهج جانيه وفرويد، واحدًا من ثلاث نظريات مهيمنة للهستيريا آنذاك (20). وكان طبيب الأعصاب الفرنسي جوزيف بابنسكي (1857-1932) وعالم النفس والمعالج النفسي الفرنسي بيير جانيه (1859-1947) كلاهما من تلامذة جان-مارتان شاركو62 (1825-1893)، غير أنهما بعد وفاة شاركو مضيا في اتجاهين مختلفين، بل متقابلين أحيانًا، في عملهما: فقد «احتفظ بابنسكي بالجزء العصبي فقط من تعليم شاركو» (Ellenberger 343)، بينما صار جانيه أحد مؤسسي علم النفس. وفيما يلي سنراجع أعمال هذه الشخصيات التي عملت على تخوم علم الأعصاب والطب النفسي، وسنبحث علاقتها بالموضع الذي كان لاكان يبلوره آنذاك.
61 جاك لاكان. Abasie chez use traumatisée de guerre, Revue neurologique 2 (1928): 233-237.
62 تأتي مناقشة عمل شاركو في القسم الثاني التالي، «كتابة الجسد».
جوزيف بابنسكي
اعتمد جانب من أبحاث بابنسكي وممارسته على نظريات شاركو، مع أن معظم عمله سرعان ما انحرف بقوة عن عمل أستاذه، متخذًا مسارًا عصبيًا عضويًا. فعلى سبيل المثال، قدّمت «تصوره الحديث للهستيريا»، في مقابل «التصور القديم» عند شاركو، الهستيريا بوصفها «اضطرابًا بيثياتيًا» ينشأ بالإيحاء ويُشفى بالإقناع. وخلال الحرب العالمية الأولى عمل بابنسكي في الرعاية الطبية العسكرية مع طبيب الأعصاب الفرنسي جول فرومان (1878-1946) على معالجة ما حدّداه باسم «صدمة القذائف» أو «هستيريا القتال». وقد قادتهما هذه الممارسة إلى فهم مختلف جدًا للهستيريا، نظّرا له في عمل مشترك عنوانه Hysteria as Pithiatism (1917)، حيث اقترح بابنسكي وفرومان ما يلي:
قد تكون هناك فائدة في التخلي عن استعمال مصطلح الهستيريا، الذي لا يلائم، في معناه الاشتقاقي63، أيًّا من الظواهر التي ننظر فيها. أما إذا أُبقي عليه، فينبغي أن يُحصر في المجموعة الأولى، التي تضم تلك الاضطرابات اللافتة التي يستدعيها هذا اللفظ في ذاكرتنا بصورة شبه آلية (النوبات، ورقصات العصور الوسطى الوبائية، والشلل الذي يُشفى على نحو إعجازي). وقد اقترحتُ الاستعاضة عنه بمصطلح «البيثياتية» المشتق من πειθω، أي «أُقنع»، وιατος أي «قابل للشفاء»، وهو مصطلح يعبّر عن إحدى الخصائص الأساسية لهذه الأعراض، أعني إمكان شفائها بتأثير الإقناع. (17)
وكان تحوّل آراء بابنسكي جذريًا، ولا سيما إذا أخذنا في الاعتبار الجوانب الآتية من بحثه: فبينما كان يعمل مع شاركو في مستشفى سالبتريير، اشتهر بابنسكي «بتجاربه في نقل الأعراض الهستيرية بواسطة مغناطيس من مريض إلى آخر»، وقد نشر عن ذلك مقالة في Revue neurologique 9 (1901) بعنوان Recherches servant à établir que certaines manifestations hystériques peuvent être transférées d’un sujet à l’autre sous l’influence de l’aimant (Ellenberger 101)؛ ثم انتهى به الأمر إلى الادعاء بأن الهستيريا شكل من أشكال التمارض وإرهاق ذي منشأ عضوي.
63 إنهما يشيران إلى اشتقاق لفظ «الهستيريا» من الكلمة اليونانية التي تعني «الرحم»، وهي الكلمة التي عرّفت الهستيريا أصلًا بوصفها حالة عصابية خاصة بالنساء ويُعتقد أنها ناجمة عن خلل في الرحم.
بيير جانيه
في عام 1889 نشر جانيه كتابه الأول Psychological Automatism، وفيه قدّم نظريته في الانفصال وكذلك نموذجه للعناصر الوظيفية والبنيوية للعقل. ومع أن الأشكال الأولية للنشاط الإنساني «محددة بالكامل على نحو آلي»، كما اقترح في هذا العمل، فإنها تتزامن مع النشاط الواعي لدى الأفراد (Janet 2). وهذا النشاط الذي «يتجلّى في الخارج عبر الحركة»، بحسب قوله، لا يمكن «فصله عن نوع معين من الذكاء وعن الوعي الذي يصاحبه في الداخل» (3). ولذلك كان هدف جانيه في هذا العمل «أن يبرهن لا على وجود نشاط إنساني يستحق اسم النشاط الآلي فحسب، بل أيضًا على أنه من المشروع أن نسمّيه آلية نفسية» (3). إن انتظام الأشكال الأولية للنشاط الإنساني جعلها، في نظر جانيه، «محددة سلفًا». وبعبارة أخرى، حاول جانيه عبر مفهومه للآلية النفسية أن يبرهن على أن «الوعي» ليس مطابقًا لـ «الوعي الشخصي»، ومن ثم فهو منفصل عن الإدراك الشخصي. وبكلمات أخرى، كان يفتقر إلى معنى الذات (idée du moi). وكما يشير إلنبرغر، تتيح لنا هذه النظرية أن نتصور أن جانيه ربما كان أول من أدخل فكرة ما تحت الوعي (406)، وقد فعل ذلك لكي يفسر «النشاط الأولي» للفرد، الذي عدّه «محددًا سلفًا» ومن ثم «آليًا».
وقد ميّز جانيه بين الآليات الكاملة والآليات الجزئية. وكان يرى أن الآلية الجزئية تكمن في أساس «الكتابة الآلية»، التي «مارسها الروحانيون على نطاق واسع منذ سنة 1850»64: فمن خلال «وضع قلم رصاص في يد شخص ما، مع إبقاء انتباهه منصرفًا إلى مكان آخر، يمكن أن نراه يبدأ في كتابة أشياء لا يعيها، وأن نستخرج بهذه الطريقة شذرات كبيرة من المادة اللاواعية» (Ellenberger 360). وإضافة إلى ذلك، فإن «جانيه دافع عن وجود شكل من “الذكاء” في الحالات التي تبدو فاقدة للوعي» (Bacopoulos-Viau 261).
64 والواقع أن جانيه كان ابن أخ الفيلسوف والكاتب الروحاني الفرنسي المؤثر بول جانيه (Bacopoulos-Viau 261).
وكما تذكّرنا ألكسندرا باكوبولوس-فيو، فإن جانيه «قدّم مفهوم “التلقائية” إلى الواجهة بإضفاء طابع نفسي عليه»، وبذلك سار «على خلاف التصورات المادية التي تبناها فسيولوجيون مثل ويليام كاربنتر، وتوماس لايكوك، وجول باييارجير، ورودولف هايدنهاين، وبروسبير ديسبين» (261). وفي الوقت نفسه، «حوّل التلقائية إلى ظاهرة مرضية» (261)، وهو ما دفع السرياليين بعيدًا من جانيه، وبعيدًا من الطب النفسي عمومًا، على الرغم من أن ممارساتهم التجريبية كانت شديدة القرب من ممارساته. فقد رأى جانيه أن المرضى الهستيريين يُظهرون ميلًا إلى استحداث «آلية نفسية» في أنفسهم، تعادل حالات «تضيّق مجال الوعي»؛ ولذلك كانوا «ضعفاء نفسيًا» ويحتاجون إلى العلاج (Ellenberger 361).
ومن خلال تعريف الهستيريا بوصفها حالة مرضية، اشترك بابنسكي وجانيه معًا في منظور مدرسة باريس عند شاركو. أما الرأي المقابل فعبّرت عنه مدرسة نانسي بقيادة الطبيب وطبيب الأعصاب الفرنسي هيبوليت برنهايم (1840-1919). فقد جادل برنهايم، ضد شاركو، بأن التنويم حالة فسيولوجية: إذ يمكن إحداثه بالإيحاء لدى الهستيريين ولدى «الأصحاء» أيضًا، ولذلك لا يمكن أن يكون مرضيًا. وكان من بين الذين مالوا إلى فهم برنهايم للهستيريا كل من يوزف بروير وزيغموند فرويد.
غايتان غاتيان دو كليرامبو
يرسم مقال لاكان القصير «حول سوابقي» (On My Antecedents) مسار انتقاله من الطب النفسي إلى التحليل النفسي؛ كما يورد أسماء أهم المؤثرين فيه الذين شكّلوا فكره تدريجيًا في سياق هذا التحول. ومن بين شخصيات بارزة كثيرة في ذلك الزمن، خصّ لاكان غايتان غاتيان دو كليرامبو، «الأستاذ الوحيد في الطب النفسي»، بمكانة متميزة، وكانت فكرته عن «الآلية الذهنية» ذات أهمية خاصة لعمل لاكان الشاب (51). وإذا كانت العيادة في القرن التاسع عشر منشغلة بالهستيريا من أجل تصنيفها بوصفها «مرضًا نفسيًا» وتمييزها من «الجنون»، فإن الطب النفسي وعلم النفس السريريين في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين انصرفا إلى الأشكال المختلفة للذهانات بغية تحديد منطق الفكر الذهاني، من أجل التفريق والتصنيف بين المظاهر المتعددة للاضطراب الذهني. وقبل كليرامبو، كان الأطباء النفسيون يميّزون بين الفصام والبارانويا بوصفهما نوعين مختلفين تمامًا من الاضطراب الذهني. لكن كليرامبو قدّم تعريفًا للذهانات على أساس عنصر مشترك هو «متلازمة الآلية الذهنية»، «انطلاقًا من أن الهذيان يكمن تحت جميع الأشكال المختلفة التي يظهر بها الذهان» (Grigg, Footnotes n.5 5).
ومن بين تجليات الآلية الذهنية في صورة الظواهر الفكرية-اللفظية، ذكر كليرامبو «استباق الفكر»، و«التلفظ بالأفعال»، و«صدى الفكر»، وideorrhea، و«التعرّفات الكاذبة». وكما يلخّص جان سوسييه ملاحظات كليرامبو، فإن هذه الظواهر في بعض الحالات «بعيدة عن أن تكون عدائية، إذ يكون محتواها محايدًا في الأساس، على الأقل في البداية؛ وهي تفاجئ المريض بل وتسلّيه» تحديدًا بسبب طابعها الآلي؛ بينما قد تؤثر في المريض سلبيًا في حالات أخرى، وتخيفه بالقوة التي لا يمكن التحكم فيها والتي تُظهرها (453). ويعرض سوسييه وصف كليرامبو لهذه الظواهر:
استباق الفكر. يعبّر المرضى عنه عادة بقولهم: «إنهم يجدون الأسماء قبلي». «أفكاري تكون قد صيغت سلفًا قبل أن يتاح لي الوقت لكي أركّز».
التلفظ بالأفعال. كل فعل، حتى لو كان في غاية التفاهة، يُنطَق به بصوت عالٍ. «إنها تذهب إلى الفراش». «إنها تأخذ حمّامها». «إنها تحك ظهرها»، إلخ. وفي المراحل اللاحقة، لا تعود الأفعال مجرد منطوقة، بل تصبح أيضًا محل تحليل بل وحتى نقد.
صدى الفكر. تتكرر أفكار المريض بصوت مسموع بمجرد أن تتشكل.
Ideorrhea. يعاني المرضى، على فترات، تدفقًا متواصلًا للأفكار لا يستطيعون إيقافه.
وقد وصف كليرامبو هذه الظواهر، إلى جانب الآلية الحسية والحركية التي تتطور في المراحل اللاحقة، بأنها حالات من «الآلية الصغرى» التي تظهر في المرحلة الأولى من الذهانات. (453)
وكانت الآلية الذهنية عند كليرامبو ظاهرة ذات أصل عضوي. فقد ربط الهذيانات باختلال في العصبونات القشرية المسؤولة عن تمكين الفكر أو الإدراك أو الحركة الإرادية، وهو اختلال ينتج ثلاثة أنواع من «الظواهر الآلية»: فكرية-لفظية، وحسية، وحركية. وما جعل هذه الظواهر «آلية»، كما لاحظ كليرامبو، هو أنها بدت منفصلة تمامًا عن إرادة المرضى. وفي الوقت نفسه، لم يكن المرضى غافلين تمامًا عن الظواهر الآلية كما كانت الحال، مثلًا، مع هستيريات شاركو في حالات التنويم؛ فعلى خلافهن، أظهر مرضى كليرامبو قدرًا معينًا من «المعرفة»، بل حاولوا أحيانًا تفسير أفعالهم.65
ومن خلال تأكيد الأصل العضوي لهذه الظواهر، اقترح كليرامبو أنها ليست «جزءًا من عمليات تفكير الذات نفسها»، بل «تفرض نفسها على ذهن الذات من الخارج» (Grigg, Footnotes n.5 5). ويُظهر هذا أنه، على الرغم من أن نظريته في ميكانيكا البارانويا بقيت ضمن القيود العضوانية، فإن فهمه للظواهر الآلية التي تحرك جسد المريض «من الخارج» كان مختلفًا جذريًا عن سائر النظريات النفسية، التي يستعيدها لاكان بوصفها «نفسية، ومؤسلبة نفسيًا، بل وحتى سيكوجينية» على نحو حصري، بحيث إن «كل الإحالات الشكلية إلى أساس عضوي، إلى المزاج مثلًا، لا تغيّر شيئًا - إنها في الحقيقة نشأة نفسية» (Seminar III 5).
65 ما لم يكن المرضى في قلب انهيار ذهاني، حيث كانوا عادة «يتماهَون» مع الآخرية الداخلية، فيسمعون أصواتًا موجَّهة إليهم ويختبرون هلوسات لا يساورهم أي شك في واقعيتها، فإن هذه الخبرة الشديدة الاغتراب عن الذات كانت تزعجهم إلى حد بعيد. انظر المزيد عند سوسييه.
وبالنسبة إلى ميلر، فإن واحدة من «الظواهر الآلية» عند كليرامبو، أي «صدى الفكر»، تدل على «اضطراب بين القول والتلفظ يحرّر مصدرًا طفيليًا»: اللغة (Teachings of the Case Presentation 47). ويكتب ميلر:
تجد الذات نفسها على الدوام ملاحَقة بقرين يستقل عنها، ويصاحبها أو يتبعها، ولا يستطيع أن يقول شيئًا. وهذا القرين، على الرغم من ذبوله وصمته وفراغه، يظل قادرًا على تعليق الذات في موضع المتلقي. ويسمّي دو كليرامبو هذا التلفظ المستقل «ظاهرة نفسية خالصة»، ويطلق على اللعب بالكلمات (الدوال) الذي يحرره اسم «الظواهر اللفظية». [وهذا هو] تصور كليرامبو للتواصل بين الذوات. ويترتب على ذلك أن مُرسِل الرسالة يصبح متلقيها، وأن الاضطراب الذهاني لا يقوم إلا في اختبار الذات نفسها على هذا النحو. (47)
ويمكن أيضًا قراءة هذه الظاهرة المستقلة، أي «صدى الفكر»، بوصفها عملية تحرر البنية وانكشافها، وهي العملية التي قادت لاكان لاحقًا، كما يقترح ميلر، إلى اكتشاف النظام الرمزي: «لقد سعى لاكان إلى تعريف الرمزي من خلال آلية ما (ليست بالتأكيد آلية دو كليرامبو، بل آلية تورينغ ووينر)، لكي يميزه من رمزي يونغ»؛ وقد «جعل رمزيه أوليًا ومحايدًا، وبذلك أقامه بوصفه دالًا وبنيويًا» (48).
ويلاحظ لاكان أن الفهم «السيكوجيني» للذهانات كان سمة نموذجية للطب النفسي الفرنسي آنذاك، وكان قائمًا على الثنائية الزائفة «النفسي/الجسدي»، إذ كان يُنظر إلى الاثنين بوصفهما كيانين مختلفين: «يُعرَّف شيء ما ويُبلغ إليه عند مستوى معين، ثم يتواصل تطوره بلا انقطاع وفق اتساق مستقل مكتفٍ بذاته في حقله الخاص» (Seminar III 5). وكانت نظرية كليرامبو قائمة على «تصور عضواني متطرف» للعلاقة بين نفسية المريض والظواهر العرضية الجسدية (5). وفيها رأى لاكان إمكانية للابتعاد عن «الأفق السيكوجيني» للطب النفسي الفرنسي. فقد سعى إلى التوفيق بين الأساس العضوي والظواهر النفسية كي يفلت من الثنائية الزائفة بين النفسي والجسدي، ومن استقلال النظامين أحدهما عن الآخر.
ويكتب لاكان: «إن مفهوم [كليرامبو] عن “الآلية الذهنية”، مع أيديولوجيته الاستعارية والميكانيكية، وهي أيديولوجيا مفتوحة بلا شك على النقد، يبدو لي، في محاولته أن يتناول [نص المريض] الذاتي، أقرب إلى ما يمكن بناؤه على أساس تحليل بنيوي من أي مقاربة سريرية أخرى في الطب النفسي الفرنسي» (On My Antecedents 51). ويعد مفهوم «النص الذاتي» لدى المرضى خطوة في اتجاه بصيرة لاكان القائلة إن اللاوعي مبني مثل اللغة. غير أن تصوّره على هذا النحو لم يكن ممكنًا إلا بعد أن نظّر للقاء الجسد بالدوال التي تنسج البيئة «الطبيعية» للجسد الإنساني عبر ممازجة الآخرية فيها. فبصيرة فرويد القائلة إننا نتكلم بالجسد من غير أن نعرف ذلك، وهي البصيرة التي تنتج دوائر الظواهر النفسجسدية، تضع الفارق الحاسم بين الجسد والكائن العضوي: فالكائن العضوي بلا آخر.
وتثير فكرة الممازجة عند لاكان سؤال مادية اللغة بما يتجاوز الفهم التقليدي لمادية الكلمات، كأن تُفهم مثلًا بوصفها أمواجًا صوتية. فهذه ليست هي المادية التي تكوّن «أحمال هذه المادة من اللغة» (Miller, How Psychoanalysis Cures 23) و«ثقلها» عند لاكان. بل يفكر في مادية اللغة بوصفها ما «يمكّن من إعادة تكوين سلسلة النص كلها» (Seminar III 11). إنها تلك «اللغة الأساسية الشهيرة التي يتحدث عنها شريبر» (11). وهنا يشير لاكان إلى قراءة فرويد لكتاب Memoirs of My Mental Illness (1903) للقاضي الألماني دانيال بول شريبر، حيث كانت «لغة أساسية» تُنظّم التلفظات التي كانت تبدو، لولا ذلك، غير منسجمة على الإطلاق.
وبالنسبة إلى فرويد، وبخاصة بالنسبة إلى لاكان، كانت تلفظات شريبر تؤلف نصًا معقدًا تنظمه قوانين المنطق. وكما يذكّرنا ميلر، فإن «هناك علمًا للدال بوصفه مادة غير مجردة» (How Psychoanalysis Cures 23). وهذه اللغة لا «تُعالَج» بالفهم، بل بالفك، «على الطريقة التي تُفك بها الهيروغليفية»، كما يقول لاكان في Seminar III (10). ثم يسأل: «ما المادة الفعلية لهذا الخطاب؟ وعلى أي مستوى ينكشف المعنى الذي ترجمَه فرويد؟ ومن أين تُستعار عناصر التسمية في هذا الخطاب؟ وبصورة عامة فإن المادة الخام هي جسده هو نفسه» (11). إن بنية «النص الذاتي» لدى المرضى هي المادة «الآلية» للتحليل النفسي.
2. الكتابة الآلية
خلال النصف الأول من القرن العشرين، قدّمت فرنسا مثالًا لافتًا على التبادل السلس للأفكار بين المشهد الفني والعلم. فعلى سبيل المثال، كان من المألوف أن يشارك علماء الطب في مناسبات أو منشورات مشتركة مع الفنانين والكتّاب، أو حتى أن يمارسوا الفن إلى جانب مهنتهم الأصلية. ومن الأمثلة الدالة أن دو كليرامبو كان يدرّس أيضًا تاريخ فن اللباس المنسدل وفنه في École des Beaux-Arts في باريس، وكان معروفًا بوصفه مصورًا فوتوغرافيًا بارزًا. وبين عامي 1914 و1918، أنتج نحو 30,000 صورة فوتوغرافية، «التُقط بعضُها... في إطار مشروع بحثي عن أعراض الهستيريا» (Lerner and Witztum 371).66 وقد كتب جوزيف بابنسكي - مع بيير بالو وتحت الاسم المستعار أولاف - المسرحية The Deranged Women (1920)، وحضر عرضها الأول متخفيًا «وهو يضع لحية مزيفة» (Haan et al. 3836).67 وقد ورد ذكر المسرحية في رواية أندريه بريتون شبه السيرية Nadja (1928)، التي تتناول علاقته بإحدى مريضات بيير جانيه. وعلى الرغم من أن السرياليين، وبريتون خصوصًا، لم ينجحوا تمامًا، فإنهم بذلوا جهودًا لإقامة صلة بزيغموند فرويد، الذي اختاروا أن يروا فيه واحدًا من أبرز مصادر إلهامهم الفكرية.
66 كانت نهاية حياة كليرامبو مأساوية. فبحسب فلاديمير ليرنر وإليعازر فيتستوم، «في 16 نوفمبر 1934، وبعد عمليتين فاشلتين لإعتام عدسة العين، جلس وكاميرته مصوبة إلى المرآة أمامه، ثم أطلق النار على نفسه بمسدسه العسكري» (371). وليس بوسع المرء إلا أن يتكهن بما الذي دفع طبيبًا نفسيًا مرموقًا إلى قرار إنهاء حياته. وفي الوقت نفسه، بدا الموت الذي دبره كليرامبو كأنه عرضه الأخير، الذي ودّع به لا حياته فحسب، بل أيضًا فن التصوير الذي ما كان ليستطيع مواصلته وهو أعمى.
67 وفي مناسبة أخرى صار بابنسكي نفسه موضوعًا لعمل فني: فقد صوّر الفنان الفرنسي بيير-أندريه بروييه بابنسكي وهو يمسك بمريضة شاركو، ماري (بلانش) فيتمان، خلال عرض حالة من الهستيرو-صرع في لوحته A Clinical Lesson at the Salpêtrière (1887)، وهي إعادة تشكيل فنية لدرس شاركو (Harris 471). ثم صارت اللوحة مصدرًا لليتوغراف الشهير الذي أنجزه لويس-أوجين بيرودون بالعنوان نفسه (1888). وقد وجد هذا الليتوغراف طريقه إلى مكتب التحليل النفسي عند زيغموند فرويد، الذي حمل نسخة منه من باريس إلى فيينا بعد دراسته القصيرة عند شاركو في 1885-1886، وعلّقها فوق الأريكة التحليلية الشهيرة. وللتنبيه، تذكر إيلزا فيث في كتابها Hysteria: The History of a Disease أن شاركو استخدم مصطلح «الهستيرو-صرع» في المرحلة الأولى من تنظيراته للهستيريا حين لم يكن قد أدرك بعد ميل مرضاه الهستيريين إلى محاكاة أعراض الصرع التي كانوا يرونها عند مرضى الصرع الحقيقيين في مستشفى سالبتريير. انظر: Veith, Ilza. Hysteria: The History of a Disease. Chicago: University of Chicago Press, 1965. 230-231.
وفي سنة 1932 أرسل بريتون إلى فرويد عمله المنشور حديثًا Communicating Vessels بقصد استثارة رد منه، وأعقب ذلك تبادل قصير لعدة رسائل. ولسوء الحظ، يبدو أن فرويد أخطأ تمامًا في فهم مرمى الكتاب؛ إذ رد فورًا برسالتين ذواتي أثر، دافع فيهما عن نفسه في مسألة إغفال مرجع واحد كان بريتون قد ذكره عرضًا في نصه (Davis 127-134; Freud-Breton 149-155). أما فيما يخص السريالية نفسها، فقد أقر فرويد بما يلي: «لست قادرًا على أن أوضح لنفسي ما هي السريالية وماذا تريد»، وأضاف: «وربما لست مقدرًا لي أن أفهمها، فأنا بعيد جدًا عن الفن» (152).
لكن بريتون كان يعرف ذلك سلفًا. فقبل ذلك بأحد عشر عامًا، في أكتوبر 1921، قطع الطريق كله إلى فيينا للقاء مؤسس التحليل النفسي. غير أن الزيارة انتهت إلى خيبة كبيرة: فقد وجد بريتون فرويد مختلفًا تمامًا عما تخيّله من خلال راديكالية نظريته التحليلية؛ كان هناك رجل عجوز، مشغول، محافظ، في مكتب يحيط به الأثاث العتيق وتعلو أحد جدرانه لوحة على الطراز القديم من القرن التاسع عشر، وقد سارع إلى النأي بنفسه عن الحركة الفنية التي لم ير فيها إلا مجرد حماسات «فنانين شباب» (Roudinesco, Jacques Lacan & Co. 31). وفي مناسبات عدة، دُعي فرويد إلى المساهمة في مجلات السرياليين، لكنه لم ير قط جدوى من قبول تلك الدعوات (33).
وأدّت كثافة هذا التبادل بين الحقول المختلفة، وتكييف الأفكار، الذي جرى كثيرًا بترخيص شعري، إلى مجموعة متنوعة من التطورات النظرية والفنية، كما أدّت إلى مقاومات شديدة، وانسدادات مفهومية، وخلافات واضحة. وفي هذا السياق الحي والديناميكي وجد لاكان الشاب نفسه في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، وهو يشق طريقه من الطب النفسي إلى التحليل النفسي الفرويدي - مع السرياليين في الوقت نفسه. وقد كان واعيًا بتعقيدات النقاش السريالي الأمتن حول التلقائية، وهو النقاش الذي كان، في صيغته «المعادية للطب النفسي»، تعبيرًا خالصًا عن التمركز حول الكتابة. وما بدا اكتشافًا حقيقيًا للاكان الشاب هنا هو التمييز ما قبل البنيوي بين اللغة والكلام، وهو ما تعلّمه، من جهة، من تعامله مع المرضى ودراسته عند كليرامبو، ومن جهة أخرى، من خلال أعمال السرياليين.
ومن 1913 إلى 1920، درس أندريه بريتون، أحد مؤسسي السريالية، الطب، وكان يفكر في أن يصير طبيبًا. ومن يناير إلى سبتمبر 1917 عمل طالبًا غير مقيم في المركز العصبي بمستشفى لا بيتييه في باريس، تحت إشراف جوزيف بابنسكي (Haan et al. 3832). وكان مشرفه يومئذ يرى لتلميذه «مستقبلًا طبيًا عظيمًا» (Polizzotti n.p.)، كما أن بريتون نفسه كان شديد الإعجاب ببابنسكي؛ وقد كتب:
لقد رأيت مخترع المنعكس الأخمصي الجلدي وهو يعمل؛ كان يعالج موضوعاته بلا هوادة، وكان ما يفعله أكثر بكثير من «فحص» عادي؛ وكان واضحًا أنه لا يتبع خطة محددة. ومن حين إلى آخر كان يطلق ملاحظة من بعيد، من غير أن يضع إبرته، فيما لم تكن مطرقته تسكن أبدًا. ترك للآخرين المهمة العقيمة، مهمة شفاء المرضى. كان مستغرقًا كليًا في تلك الحمى المقدسة ومكرّسًا لها. (Manifesto of Surrealism 47)
ومن خلال دراسته، كان بريتون على معرفة بالجدالات المفهومية المتعلقة بالهستيريا والذهان والبارانويا، وبالمناقشات الخاصة بالتنويم والتلقائية أيضًا (Haan et al. 3830). وأثناء الحرب عمل في المستشفى العسكري، حيث شهد كثيرًا من الجنود الجرحى أو المصابين بصدمات وهم في حالات من المشي والحلم. وهناك اكتشف الممارسة العلاجية المسماة «الكتابة الآلية». وكما يلاحظ إلنبرغر، فقد «شدّت انتباه بريتون [لدى هؤلاء] جملهم الغامضة، التي رأى فيها جوهر الشعر نفسه» (835). وقد قادت هذه الملاحظات بريتون إلى الاعتقاد بأن «لدى الإنسان، لا في الحالة التنويمية السابقة للنوم فحسب، بل على نحو دائم أيضًا، “خطابًا داخليًا” (discours intérieur) يمكن إدراكه في أي لحظة إذا أُولي قدر كافٍ من الانتباه» (Ellenberger 835).
وقد اقتنع بـ «أصالة» نتاج هذا الخطاب، وأدرك كيف يمكن ممارسة «الكتابة الآلية» خارج البيئة السريرية. وفي Manifesto of Surrealism الأول (1924)، الذي كتبه بعد أن قرر أخيرًا ترك دراسة الطب، يشرح ذلك بقوله:
إذ كنت ما أزال آنذاك مشغولًا تمامًا بفرويد، وكنت أعرف طرائق فحصه التي سنحت لي فرصة طفيفة لاستعمالها مع بعض المرضى أثناء الحرب، فقد عقدت العزم على أن أستخرج من نفسي ما كنا نحاول أن نستخرجه من [الجنود الجرحى والمصدومين]، أعني مونولوغًا يُنطق بأقصى سرعة ممكنة من غير أي تدخل من جانب الملكات النقدية، مونولوغًا لا يثقله، تبعًا لذلك، أدنى كفّ، ويكون، بقدر الإمكان، شبيهًا بالفكر المنطوق. وقد بدا لي، وما يزال يبدو لي - والطريقة التي وردت بها إليّ العبارة الخاصة بالرجل المقطوع إلى اثنين دليل على ذلك - أن سرعة الفكر لا تزيد على سرعة الكلام، وأن الفكر لا يتحدى اللغة بالضرورة، ولا حتى القلم السريع الحركة. (22-23)
ومع أن هذا الوصف يكاد يكون نقلًا حرفيًا لمنهجية جانيه في Psychological Automatism، فإن فرويد هو من رأى بريتون ضرورة الإشارة إليه. وعلى الرغم من إقراره المتواصل بتأثير فرويد في Manifesto الأول، تؤكد مصادر مختلفة أن بريتون خلال الحرب لم يدرس فرويد إلا بصورة غير مباشرة، عبر قراءته لكتاب ريجيس وهيسنار عن التحليل النفسي الصادر سنة 1914 (Bonnet, 1992). كما تشير إليزابيث رودينسكو إلى أن بريتون بدأ قراءة فرويد بعد السنوات التي يريدنا أن نعتقدها: أي في سنة 1922، حين نُشرت في فرنسا ترجمة Introduction to Psychoanalysis وترجمة Psychology of Everyday Life لفرويد (Jacques Lacan & Co. 22).
ثمّة فروق واضحة بين الفهم الفرويدي والفهم السريالي للعقل، الواعي منه وغير الواعي، وهي فروق تتصل بممارسات «الكتابة الآلية». فعلى سبيل المثال، كما يلاحظ فريدريك ب. ديفيس، «استخدم بريتون أفكار التحليل النفسي في تطوير مفهومه عن “الغنائية” في الشعر»، ليدل به على نوع من «التعبير الحر من الضبط الواعي - أي التأليف العفوي» (128). ووفقًا لتفسير بريتون لفرويد، كما تشير كونلي، فإن «التلقائية، بوصفها عملية تهبط بالمرء إلى النفس... تشكل طريقًا إلى الوراء، كما لو في الزمن، نحو ملكة وحيدة أصلية فُقد الوصول السهل إليها، إلا عند أولئك البدائيين الغربيين الذين يُنظر إليهم بوصفهم خارج الثقافة» (136). وقد رأى بريتون في التحليل النفسي تقنية لهذا الإصغاء اليقظ بقصد اكتشاف «الذات الأصيلة» لدى الموضوع: فهو يعرّف «الأوتوماتية النفسية في حالتها الخالصة» بأنها تقوم على «الاشتغال الفعلي للفكر... في غياب أي رقابة يمارسها العقل» (Breton 9). غير أن سؤال الأصالة، أو «الذات» الحقيقية، العزيز جدًا على بريتون، لا نعثر عليه في فرويد، الذي يكون فيه الإنسان غير أصيل على نحو جذري.
ويصرّ بريتون على أن تقنية الكتابة الآلية فعل حرية نهائي: «الإنسان يقترح ويدبر»، يكتب بريتون، «وهو وحده القادر على أن يحدد ما إذا كان سيدًا تامًا لنفسه، أي ما إذا كان يُبقي جسد رغباته، الذي يغدو كل يوم أشد جسامة، في حالة من الفوضى. إن الشعر هو الذي يعلمه ذلك» (18). ويشير ديفيد ماسي إلى الفارق الحاسم بين قراءتيهما: «بالنسبة إلى بريتون، كان الحلم هو الطريق الملكي إلى الشعر لا إلى اللاوعي»؛ لكنه يلاحظ أيضًا حدسًا مهمًا في قراءة بريتون لفرويد: فملاحظات بريتون عن «غياب أي رقابة يمارسها العقل» «تتوافق على نحو قريب جدًا مع ما يسميه فرويد “الموقف الذهني المطلوب” و“التخلي عن الوظيفة النقدية”» (53).
وإذا كان Manifesto قد بلور الأفكار المتعلقة بالتلقائية عبر بنائها بمساعدة الإحالات إلى فرويد، فإن «أول عمل سريالي خالص» (Breton, Manifesto of Surrealism 35) كان قد أُنتج قبل ذلك بعدة سنوات. لقد كانت The Magnetic Fields (1920) حصيلة تجربة في الكتابة الآلية شارك بريتون في تأليفها مع فيليب سوبو، وقدمت الأسلوب الذي سيرتبط منذ ذلك الحين بشعرية السريالية. وكان مقطع نموذجي منها على النحو الآتي:
كانت تلك نهاية أكاذيب الحزن. كانت محطات القطار ميتة، تتدفق مثل نحل لسعته أزهار زهر العسل. تراجع الناس إلى الخلف وراحوا يراقبون المحيط، وكانت الحيوانات تدخل البؤرة وتخرج منها. لقد آن الأوان. غير أن كلاب الملوك لا تشيخ أبدًا؛ فهي تبقى فتيةً وممشوقة، وقد تأتي يومًا إلى الشاطئ لتحتسي بعض الشراب، وتضحك قليلًا، ثم تمضي في الأمر. لكن ليس الآن. لقد آن الأوان؛ كنا جميعًا نعرف ذلك. ولكن من الذي سيذهب أولًا؟ (8)
إذا كانت إليزابيث رودينسكو محقة حين تقول إن بريتون لم يبدأ قراءة فرويد إلا في سنة 1922، فإن The Magnetic Fields هي، أولًا وقبل كل شيء، تأمل في صدمة الحرب معبَّر عنه بخطاب مكسور، وجمل مفككة ومتجزئة، على نحو يشبه الميول التعبيرية عبر الفنون البصرية والصوتية والأدبية في ذلك الزمن، لكنها بالكاد تقوم على نظرية فرويد.68 وقد بدا التحليل النفسي للسرياليين طريقًا للخروج من الطب النفسي من دون فقدان الصلة بوقائع العيادة (Macey 60-61). وقد بدت هذه الصلة مهمة للفنانين الذين أخذوا ممارساتهم، على الرغم من اللعب والمفارقة، على محمل الجد - بوصفها سبيلًا إلى المقاومة الاجتماعية، وإلى «اللاتوافق الكامل» (Breton, Manifesto of Surrealism 47). ويلاحظ ديفيد لوماس أنه «من اللافت أن بريتون، حتى في الـ Manifesto، لا يعرّف السريالية من حيث إنتاجاتها الأدبية أو الفنية» (211). فبالنسبة إلى بريتون، كانت السريالية تملك إمكانية خلق أشكال ثورية جديدة من العلاقة بين الأفراد والمجتمع.69
وتظهر مفارقة أخرى في قراءة بريتون لفرويد بوضوح في Communicating Vessels. فهو يمدح عمل فرويد لأنه مد «سلكًا موصلًا بين العوالم المتباعدة أكثر مما ينبغي: عالم اليقظة وعالم النوم، والواقع الخارجي والواقع الداخلي، والعقل والجنون، والمعرفة المسالمة والحب، والحياة من أجل الحياة والثورة، إلخ» (116). وفي الوقت نفسه، فإنه يلوم فرويد لأنه لم يعترف بما يكفي بالرابطة بين الواقع والحلم، هذين «الوعائين المتواصلين». فعندما يجادل بريتون ضد أولئك الذين «يعزلون» «عالم الواقع» و«عالم الأحلام» و«يجعلون مسألة خضوع أحدهما للآخر مسألة ذاتية خالصة» (4)، يكتب:
[بالنسبة إلى فرويد]، حين يتعلق الأمر بالتفسيرات الرمزية للحلم... فإن جوهر الحلم كله مأخوذ، مع ذلك، من الحياة الواقعية. [ولذلك] لا يستطيع مقاومة إغراء التصريح بأن «الطبيعة الحميمة لما تحت الوعي... مجهولة لدينا بقدر مجهولية واقع العالم الخارجي»، وبذلك يقدّم بعض العون لأولئك الذين كادت طريقته أن تهزمهم. (11)
في هذا النص الصادر سنة 1932، يقترب بريتون من موقع لاكان في هذه المسألة، ولا سيما من حيث نقد لاكان للموقعة المكانية المبسطة أكثر من اللازم لنموذج فرويد عن الجهاز النفسي. وعلى خلاف بريتون، لا يلوم لاكان فرويد؛ بل إنه يعتقد بالفعل أن نموذج الأوعية «المتمازجة» أو، على الأقل، «المتواصلة»، أساسي في فكر فرويد منذ البداية، وأن عمله العصبي المبكر، بما في ذلك Project for a Scientific Psychology، دليل على ذلك.
وبحسب ماسي، فإن قراءة بريتون للشاعر الفرنسي آرثر رامبو في Manifesto الأول توحي بأنه رأى إسهام رامبو في الشعر في كونه يكشف أثر الكلمات وهي «تتفاعل بعضها في بعض وضد بعضها الآخر»، بما قاده إلى إدراك أن «المعنى يُنتَج ولا يكون معطًى سلفًا» (53). وهذا أيضًا «ينطوي على قطيعة واضحة مع النظرة الأداتية أو التمثيلية المحضة إلى اللغة، بل يذهب بريتون إلى حد القول إن هذا يمثل جعل اللغة، بل وحتى raison d’être الإنسان، موضع إشكال» (Macey 53-54). وكان لاكان شديد الانتباه إلى هذا النقاش، وإلى كل ما يتصل بسؤال اللغة والإنتاج «العرضي» للمعنى. وهو يكتب:
لقد قادتني الأمانة للغلاف الشكلي للعرض، وهو الأثر السريري الحقيقي الذي اكتسبتُ له ذائقة، إلى الحد الذي يرتد فيه نحو الفنون الإبداعية. ففي الحالة التي أدرجتها في أطروحتي (حالة إيمي)، كانت هناك حرفيًا آثار - ذات مستوى من الجودة يكفي لأن يكون إلوار قد جمعها تحت العنوان (الوقور) «الشعر اللاإرادي». (On My Antecedents 52)
وقد نظّر لاكان لهذا اللقاء مع «الشعر اللاإرادي»، وكذلك لعروض السرياليين في «الكتابة الآلية» التي تمارس قدرة اللغة على الاشتغال «من تلقاء نفسها»، كاشفةً شعرية المصادفة، من خلال مفهومه لـ «البنية»:
لقد انكشفت لي وظيفة الأفكار هنا في سلسلة من التضاعفات قادتني إلى مفهوم البنية، وهو مفهوم أكثر إفادة من الرواية التي كان أطباء تولوز الإكلينيكيون سيقدمونها، إذ كانوا سيحطّون من قيمته بإدراجه في سجل العاطفة. (52)
الشكلان 2 و3. رينيه ماغريت، The Use of Speech, No. 64 (1928) وThe Empty Mask (1928).
وكما يلاحظ ماسي ببصيرة نافذة، فإن «الشعر السريالي لا يستند إلى أي نظرية لغوية محددة بوصفها كذلك، لكنه شديد الوعي بذاته، ومنظروه يسبقون، على نحو ما، البنيوية في العقود اللاحقة»؛ ثم يمضي إلى نقطة حاسمة:
إن اللغة، أيًّا كانت، لا تُرى بوصفها مجرد قائمة أسماء، ولا بوصفها وسيطًا شفافًا بلا مادية خاصة به. فالمعنى يُرى بوصفه يُنتج من خلال تجاور الصور واصطدام التداعيات، لا باعتباره مشتقًا من تطابق مثالي بين الدال والمرجع. (48)
وإلى جانب بريتون وغيره من الشعراء والكتّاب، لا يمكن إغفال دلالة لوحات رينيه ماغريت ضمن سلسلة The Use of Speech في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين.
الشكل 4. رينيه ماغريت، The Place of Curtains (1928-29).
في إحدى هذه اللوحات، وهي رقم 64، ينطق رجلان بكلمات - لا في صورة تبادل، بل في الوقت نفسه. وتعلق الكلمات في فقاعات معناها الخاصة - بلا حياة، متجمدة؛ وقد أمسكت بها الخلفية السوداء الثقيلة - إما وقد امتلأت بكيان لزج، أو، على العكس، بالفراغ، وهو أيضًا ثقيل وخانق. أما أعماله الأخرى من تلك المرحلة، مثل The Empty Mask (1928) وThe Place of Curtains (1928-29)، فتصوّر الكلمات مجزأة إلى مقصورات، منفصلة ومؤطّرة كل واحدة منها على حدة بعيدًا من مراجعها المحتملة. وهي أيضًا تعلّق، على نحو ساخر، على اللذات المأخوذة من تأمل حدث تحلل المعنى:
فشظايا التمثيل هذه مؤطرة حرفيًا، بوصفها أعمالًا فنية جاهزة لتزيين دواخل مساكننا. وإذا كان من شيء تؤديه مثل هذه الاستكشافات السيميائية، فهو أنها تذكّر بعدم التطابق الكامن في العلامة اللغوية، وبكونها «استكشافًا لطبيعتها الاعتباطية»، وبأن «المعنى يُنتَج ولا يكون معطًى سلفًا» (Macey 48، 53، 54).
خاتمة
إن علاقة لاكان بالسريالية مختلفة على نحو عميق من علاقة فرويد بها. فعلى خلاف فرويد، نشر لاكان في مجلة السرياليين Le Minotaure حول موضوعات الاهتمام المشترك: The Problem of Style and the Psychiatric Conception of Paranoiac Forms of Experience (في المجلد 1)، وMotives of Paranoiac Crime: The Crime of Papin Sisters (في المجلد 3/4) (On My Antecedents 51، 57؛ Rabaté xxi).70 وكما يلاحظ ماسي، كان لدى لاكان بوضوح «أكثر من معرفة سطحية بالموضوع وأكثر من مجرد اهتمام عابر به»؛ بل إن «السريالية هي “المدرسة” الوحيدة القابلة للتحديد التي يحيل إليها لاكان على هذا النحو المستمر» (45). ويقر لاكان بأثر «الشعر اللاإرادي» السريالي في فهمه للفارق بين الكلام، الذي يعمل عليه التحليل النفسي، واللغة، التي يكون أثرها في الذات هو العرض.
70 بحسب لاكان نفسه، فإن الصلات التي بناها عبر السريالية قادته في النهاية إلى التحليل النفسي الفرويدي:
لقد قرّبني هذا من آلية المرور إلى الفعل (passage a l’acte)، وإذا ما اكتفيتُ حتى بالكلمة الجامعة «معاقبة الذات» التي قدمها لي علم الإجرام على الطريقة البرلينية عبر ألكسندر وشتاوب، فقد قادني ذلك إلى فرويد. (52)
ولم يكن لاكان وحده. فقد أقر أيضًا الطبيب النفسي والمحلل النفسي الفرنسي هنري إي، الذي كان يحضر كثيرًا من حلقات لاكان الدراسية، بأنه «اكتشف التحليل النفسي أولًا عبر السريالية لا عبر الكتب الطبية» (Macey 47).
في Manifesto of Surrealism الأول، يقترح بريتون أن ممارسة الكتابة الآلية تجعل المرء يصير «جهاز تسجيل» لأفكاره الخاصة:
السريالية، اسم. الأوتوماتية النفسية في حالتها الخالصة، التي يُقترح بواسطتها التعبير - لفظيًا، أو بواسطة الكلمة المكتوبة، أو بأي طريقة أخرى - عن الاشتغال الفعلي للفكر. إملاء من الفكر، في غياب أي رقابة يمارسها العقل، ومُعفى من أي اعتبار جمالي أو أخلاقي. (26)
ولا يقدّم تعريف السريالية الذي يصوغه هنا «محاولة لإنتاج سجل اختزالي للأحلام» فحسب (Macey 52)، بل يكشف الـ Manifesto هنا أيضًا عن حضور التمركز حول الكتابة الكامن في الإنتاجات الفنية للسريالية. وهذا التمركز حول الكتابة، كما سأجادل في الفصل التالي، موروث عن ممارسات من القرن التاسع عشر لا صلة بعيدة لها بالفن. ولسنوات طويلة لاحقة، سيُرى التمركز حول الكتابة في الممارسات المتواصلة لإنتاج جموع الآثار الخطية بواسطة الجسد الإنساني. وقد تحقق اتساع هذا التمركز حول الكتابة بفعل العمل المنسّق والمؤسسي لمجموعة متنوعة من آلات الكتابة.
القسم الثاني
كتابة الجسد
جوهره يفلت إلى الأجهزة.71
- فريدريش كيترل
71 Kittler, Gramophone, Film, Typewriter 16.
الفصل الخامس
التشظية والتحريك
1. موضوعات متلاقية
يتمحور هذا الفصل حول التمركز حول الكتابة في القرن التاسع عشر، ذلك الذي تطوّر بفعل التوسع السريع لآلات الكتابة وتجميعاتها. وقد كانت هذه التجميعات الآلية كثيرة - من sphygmograph وmyograph إلى طيف من الكاميرات الفوتوغرافية ذات العدسة الواحدة والعدسات المتعددة، ومن تقنيات faradization إلى العمارة. وعلى مدى قرنين على الأقل، ظلت هذه الآلات - منفردة أو في تجميعات مع آلات أخرى - منخرطة في بناء الشفافية. ولكن شفافية لمن؟ ذلك هو السؤال الذي نطرحه اليوم كثيرًا، ونحن منشغلون بما نعرفه الآن عن كلية المراقبة (وبالأحرى أيضًا بما لا نعرفه عنها)، وبفقدان الخصوصية، وبالعمليات التي تُنقِصنا عبر تقليص «شخصيتنا» إلى مجرد «نقطة بيانات» موضوعة جغرافيًا. فنحن نقول اليوم إننا «ذوات بيانات»، «تُنشأ ويُبلَغ إليها بالنظر إلى موضعها الخاص»:
«ذات البيانات» هي شكل وجود مشروط تتوقف حقوقه على سلوكه داخل الشبكات الرقمية. إن مراقبة السلوكات المحددة وتحليلها يتيحان رسم ملفات عامة وتحديد التهديدات والأهداف. (Bauman et al. 129)
كيف حدث ذلك؟ ومن فعل هذا بنا؟ ثمّة دائمًا «هم» الذين يستهدفوننا ويديروننا، والذين يتلصصون على علاقات رسومنا الاجتماعية، وعلى اتصالات شبكاتنا الثمينة،
التي لا نستطيع أن نتخلى عن التمتع بها، فنحن، كما كتب نيل بوستمان، «نلهو حتى الموت».72 هذه هي الأسئلة التي يسعى مشروعي إلى الإجابة عنها عبر توسيع تاريخ السيبرنيقا، بوصفها واحدة من الآليات الكبرى لإنتاج «ذوات البيانات»، إلى زمن التحول البنيوي الذي يحدده لاكان بوصفه لحظة بروز ذات العلم.
وبعد أن تتبعتُ في الفصول السابقة وقوع هذا التحول البنيوي عبر المسارات التي يقترحها لاكان، يتناول الفصلان الأخيران عدة حالات من التوسّط التكنولوجي في القرن التاسع عشر واليوم.
وحالات القرن التاسع عشر حاسمة للبحث العلمي السابق على التحليل النفسي في مجالات الفيزيولوجيا والطب النفسي وعلم الأعصاب. وما يجذب انتباهي إليها هو أنها تقدم حالات من العلاقات التحويلية التي تُزاح فيها، بوساطة الآلات، عواطف ورغبات ارتبطت أصلًا بشخص ما لتُنقل لاشعوريًا إلى شخص آخر. ومن بين الحالات الكثيرة التي يمكن أن تنطبق عليها هذه الصفة، أختار تلك التي أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تشكّل الفكر التحليلي النفسي المبكر. ومن خلال النظر في الحالة الراهنة لممارسات الحوسبة التطبيقية التفاعلية، أقترح أننا، على الرغم من عدة «ثورات تكنولوجية» تبدو وكأنها تغيّر حياتنا على نحو حاسم، ما نزال ننتمي إلى الإبستيمه السيبرنية نفسها.
فإذن، لمن كانت آلات القرن التاسع عشر واليوم - منفردة أو في تجميعات مع آلات أخرى - تشيّد حالة الشفافية التي تشترط ذات البيانات في القرن التاسع عشر واليوم؟ لقد قدّم ميشيل فوكو، في جملة من أعماله، إعادة بناء تاريخية لتشكّل شبكات الامتثال والفاعلية التي تسند الآن العلاقات بين الدولة واقتصاد
72 انظر كتاب نيل بوستمان Amusing Ourselves to Death. New York, Penguin Books, 1996.
النيوليبرالية. وقد استهوت نسخته عن الحوكمة البيوسياسية، بوصفها وسيلة لإخضاع السكان للقوة الاجتماعية والسياسية، ولا تزال تستميل، كثيرين كانوا يبحثون عن أدوات نقد مناسبة. وفي سياق نقاشنا، تحدث، مثلًا، عن إنشاء «جهاز اللجوء» وتحوله إلى «جهاز المستشفى»، وهو ما أدى إلى نشوء «الجسد العصبي» (Psychiatric Power 180-182)، بوصفه مثالًا نقرأه، مع لاكان، على أنه حالة من ممازجة الأنظمة. غير أن فوكو لم يره بهذه الطريقة. فتركيزه يميل إلى علاقات القوة، لا إلى الألعاب التي تلعبها الذات الفرويدية واللاكانية «ضد نفسها»، مدفوعةً بقوى تقع وراء مبدأ اللذة.
وفي Read My Desire تصوغ جوان كوبجيك الفروق بين التحليل النفسي وموقف التاريخانيين. وفي مناقشتها لفوكو، تعترف بقراءته المبتكرة للسلطة:
في معارضة تلك النظريات السوسيولوجية التي سعت إلى تفسير ظاهرة اجتماعية معينة عبر الإحالة إلى نظام السلطة الذي يتدخل فيها، موجّهًا الظاهرة ومشوّهًا لها من الخارج، حلّل فوكو نظام السلطة الداخلي الذي كان يدور في الظاهرة نفسها. (5)
غير أنها تقدم أيضًا قراءتها النقدية لفوكو، إذ تشير إلى أنه في تحليله لـ «جنيالوجيا الفضاءات الاجتماعية والمقاومات لها» يغفل
... [ذلك] الشكل من النفي الذي، مع كونه مكتوبًا في اللغة، يظل بلا محتوى. وهذا النوع من النفي لا يمكن، بحكم التعريف، أن يُستوعَب في النظام الذي ينازعه. ... [لكن] إذا كان علينا أن نأخذ الرغبة لا الكلمات حرفيًا، فلا بد أن يعني ذلك أن الرغبة قد تسجّل نفسها في الكلام على نحو سلبي، وأن العلاقة بين الكلام والرغبة، أو بين السطح الاجتماعي والرغبة، قد تكون علاقة سلبية. (10، 14)
وما يهمني هنا هو وظيفة الأثر الخطي في العمليات التي تنتج بها أجهزة المعرفة والمرئية المؤسسية ما لا يمكن معرفته
وما لا يُرى. غير أنها، وهي تفعل ذلك، لا تجسد السلطة فحسب، بل تجسد العجز في الواقع. فإذا قرأنا الأمر بنيويًا، فإن ذات الرغبة اللاواعية ليست «خاضعة» للميتالغتها الخاصة بهذه المؤسسات، بل هي بدلًا من ذلك شريك متواطئ ومتحمس في إنتاجها. وأنا أقرأ هذا التعاون بين الذات وآلات الكتابة، الذي يُمارس من خلال عمليات تشظّيها وتحريكها، بوصفه ممارسة ذات شعبتين: الرقمنة، ثم إعادة إرساء الاستمرارية التماثلية بعد ذلك.
وفي Freudian Robot (2010)، تسأل ليديا هـ. ليو: «أين توجد كتابة الوسائط الرقمية؟» (15-37). وهي تجادل بأن «فرويد أيضًا لم يكن بعيدًا عن مفهوم الاحتمال الإحصائي المفضي إلى حل ممكن للعلاقة بين المصادفة والحتمية» (151)، وليس لاكان وحده. وعمل لاكان، الذي يشتبك فيه فرويد مع المشهد الفكري ما بعد الحرب، ومع نظرية المعلومات والسيبرنيقا، يتيح لها أن تقدّم صورة «الروبوت الفرويدي» بوصفه «أي كائن شبكي يجسد حلقة التغذية الراجعة لمحاكيات الإنسان-الآلة ولا يستطيع أن يحرر نفسه من اللاوعي السيبرني» (2).
ويمتد مشروعي عن سيبرنيقا لاكان بسؤال ليو عن الكتابة إلى ما وراء الرقمي، لا أقل من ذلك، لأن انقسامًا يبدو واضحًا بين الرقمي والتماثلي يقع في أساس «الوهم السيبرني»، ذلك الوهم الذي «يكشف كيف يقوم الخطاب السيبرني على إقصاء “الواقعي” (أي الفيزيائي، المتصل، المادي، التماثلي) بواسطة “الرمزي” (أي المصطنع، المنفصل، المنطقي، الرقمي)»73 (Pias 543). وأنا أستند إلى أعمال من يعرّفون الرقمنة بوصفها عملية قسمة، وهي عملية لا تقتصر على الثنائية الإلكترونية؛ بل إنني أضع هذه الثنائية موضع مساءلة عبر النظر في الممارسات التفاعلية والممارسات التفويضية السلبية في الانخراط بالتكنولوجيا داخل سياقات البحث الطبي في القرن التاسع عشر.
73 هنا لا يُقصد بكلمتي «الواقعي» و«الرمزي» النظامان اللاكانيان، كما يتضح من الشرح الذي يقدمه كلاوس بياس بين قوسين.
ولكي نتجنب الفهم الدارج لمصطلح «الرقمي»، ينبغي أن نأخذ في الاعتبار معناه الأصلي المنبثق من وظيفة القسمة: فالرقمي هو «ما انقسم». وكما يشرح فلوريان كرامر:
«الرقمي» يعني ببساطة أن شيئًا ما قد قُسِّم إلى وحدات منفصلة قابلة للعد - قابلة للعد بأي نظام يختاره المرء، سواء أكان أصفارًا وآحادًا، أم أعدادًا عشرية، أم علامات عد على قصاصة ورق، أم أصابع اليد (digits) - ومن هنا أصل كلمة «رقمي» نفسها؛ ففي الفرنسية، على سبيل المثال، الكلمة هي numérique. (n. p.)
ويمضي ألكسندر ر. غالاوي أبعد من ذلك:
هذه هي عملية الرقمي: جعل ما كان حتى الآن سائلًا، وما كان حتى الآن كليًا، وما كان حتى الآن متكاملًا، منفصل الوحدات. ويمكن أن يتم هذا الجعل المنفصل عبر الفصل، والتفريد، والإخراج إلى الخارج، والامتداد، أو الاغتراب. وأي عملية تنتج فروقًا هوياتية بين عنصرين أو أكثر، أو تُبقيها قائمة، يمكن أن توصف بأنها رقمية. ... إن الفئات الأساسية للرقمنة [هي]: جوهر يُغترب في حالة، وكلام يُقعَّد في كتابة، وفكرة تمتد إلى مادة، وذاكرة تُخرَج إلى الوسائط... (Laruelle: Against the Digital 52)
وبحسب كرامر وغالاوي، ينبغي التفكير في مفهوم الرقمي بما يتجاوز الحوسبة. فالرقمي هو أولًا وقبل كل شيء «منهج بنيوي»، ومن ثم فهو «لا يعتمد على البنى التكنولوجية للعصر الرقمي التي يُربط بها عادة» (Charlton n. p.). وسأعرض فيما يلي بعض الممارسات التي أحددها بوصفها ممارسات رقمنة جرت داخل ترتيبات المؤسسات السريرية في القرن التاسع عشر، وهي ترتيبات أفضت إلى تطوير أنظمة جديدة للقياس والتصنيف أُنتجت بواسطة تفاعلات المرضى مع الآلات.
ما هو «الأثر الخطي»؟ لقد جادل كثيرون (Daston and Lunbeck 2011; Daston and Galison 1992; Latour 1986) بأن الأثر الخطي في القرن التاسع عشر كان شكلًا جديدًا من أشكال الدليل المادي. وقد سمّاه العالم والفسيولوجي والمصور الكرونوفوتوغرافي الفرنسي إتيان-جول ماري «لغة الظواهر نفسها» (iii-vi). ومن جهة، كان الأثر الخطي «صورة للموضوعية» تستجيب للمطالب الجديدة بإجراء البحث العلمي وعرضه بوصفه علمًا «لا تدخليًا»، و«علمًا ممأسس الآلة» يتجاوز النظرة الذاتية للباحثين (Daston and Galison 82، 83).
غير أن الأثر الخطي، إذا فُهم خارج النموذج الدليلي للعلموية في القرن التاسع عشر، يكتسب لوازم إبستمولوجية ونظرية مختلفة: فهو، بهذا المعنى، أقل انفصالًا بكثير عن الجسد الذي أنتجه بتفاعله مع الآلات. لقد كان موصلًا ماديًا بين جهاز الكتابة والجسد، يختم تجميع الجسد-الأثر-الآلة عبر تحريك عملية ممازجتها.
والأثر الخطي شيء يخضع للفحص - للتحليل، والتصنيف، والقياس، وبالتالي للقسمة. لكنه يسبّب القسمة أيضًا. إن غموضًا ما منقوش فيه: فهو يُخرِج الجسد إلى الخارج، وبذلك يُدخل خسارة على الفور. وبهذا المعنى، يكون الأثر الخطي هو الموضوع الشرجي الذي يعد «أكثر الموضوعات قابليةً للنقل»، وهو نوع من الموضوعات يمكن «تكديسه، وتخزينه، وجمعه معًا في مجموعات» (Miller, Objects a n. p.). وكان لاكان معروفًا بأنه يحدد المال بوصفه موضوعًا شرجيًا؛ ومن أمثلته الأخرى البيانات، التي يكون الأثر الخطي إحدى صورها. ويكتب ميلر:
في L’angoisse... تتكوّن قائمة الموضوعات الخمسة من الموضوعات الفرويدية الثلاثة - الموضوع الفموي، والموضوع الشرجي، والموضوع القضيبي - ومن الموضوعين اللاكانيين - الموضوع البصري والموضوع الصوتي - وهذه الخمسة هي المجموعة التي يسميها لاكان «الموضوعات a الطبيعية». لقد هز لاكان فهمنا للطبيعة إلى الحد الذي صار من الضروري معه أن نحدد ما المقصود بها، من غير أن نفقد
ميزة هذه الكلمة «الطبيعية». وينبغي أن يُفهم أنها تأتي من جسد متشظٍّ، هي قصاصاته. (Objects a n. p.)
وإذا فُهم الأمر على هذا النحو، فإن وظيفة القسمة لا تتعلق بالفصل فحسب؛ بل على العكس، إنها تنطوي على نمط جديد من الاندماج، بواسطة الموضوع a، وكذلك على النقش والتقارب مع تجميعات الكتابة. فعملية القسمة تجلب النقش والاندماج إلى مستوى (مجهري) آخر. وعلى الرغم من التصور السائد للأثر الخطي في علم القرن التاسع عشر، ليس هناك ما هو «بيّن» حقًا في الأثر الخطي، ولا ما هو «موضوعي علميًا». بل إنه، بدلًا من ذلك، يُدخل ظاهرة عتامة جديدة، هي تلك التي «يصير بها العمل العلمي والتقني غير مرئي بفعل نجاحه نفسه»74 (Latour, Pandora’s Hope 304).
ويعيدنا هذا النقاش إلى اللحظة التي «فجّر فيها التمايز التكنولوجي بين البصريات والصوتيات والكتابة احتكار غوتنبرغ للكتابة نحو سنة 1880»، وهو احتكار جعل ممكنًا، كما يجادل كيترل، «صنع ما يسمى الإنسان» (Gramophone, Film, Typewriter 16). وقد وصف «الإنسان المزعوم» بأنه ذاك الذي «يفلت جوهره إلى الأجهزة»: «فالآلات تتولى وظائف الجهاز العصبي المركزي، ولم تعد، كما في الأزمنة السابقة، تقتصر على وظائف العضلات»؛ ثم يفصّل كيترل:
... مع هذا التمايز - لا مع المحركات البخارية والسكك الحديدية - يحدث انقسام واضح بين المادة والمعلومة، بين الواقعي والرمزي. ... ولكي تُحسَّن الكتابة المُمَكْننة، لم يعد ممكنًا الحلم بالكتابة بوصفها تعبيرًا عن الأفراد أو أثرًا للأجساد. فالأشكال نفسها، والاختلافات نفسها، وتواترات حروفها، ينبغي أن تُختزل إلى صيغ. ويُشطر ما يسمى الإنسان إلى فيزيولوجيا وتكنولوجيا معلومات. (16)
74 بهذا الوصف يقدّم برونو لاتور عمليات «التسوية في الصندوق الأسود»: «حين تعمل آلة بكفاءة، وحين تستقر واقعة من الوقائع، لا يعود المرء محتاجًا إلى التركيز إلا على مدخلاتها ومخرجاتها لا على تعقيدها الداخلي» (Pandora’s Hope 304).
وهنا، في تقديري، يذهب تنظير كيترل، وهو يستند إلى التمييز اللاكاني بين الواقعي والرمزي، إلى أخذ هذا التمييز على نحو حرفي أكثر مما ينبغي. فقراءة كيترل للرمزي في القرن التاسع عشر تستكشف رمزيًا آليًا ممكّنًا بالآلة، موجّهًا نحو مزيد من التحسين والمكننة في الكتابة، وهي عملية يقرؤها بوصفها متميزة من «أثر الأجساد». وفي هذا الفصل يرى كيترل تمييزًا سيبرنيًا بين التخيلي والرمزي يلاحظه لاكان في Seminar II (306)، وهو تمييز يوافقه عليه كيترل (The World of the Symbolic 142). وهو يتابع نقاش لاكان لنظرية المعلومات عند شانون لكي يشدد على أن شانون ولاكان كليهما تحدثا عن «المسح» أو «القطع الإيقاعي» (scansion عند لاكان)، «الذي تُستخرَج به قيم منفصلة في كل وحدة زمنية من الاستمرارية التماثلية لاهتزازات الهاتف والجراموفون - من غير اكتراث بالمعنى» (140). وبالنسبة إلى كيترل، يشكّل هذا موضع القطيعة بين الفكر الفرويدي والفكر اللاكاني، «لأن وحدة قياسه لا تتكون من الساعات التي أسست ثوابت الطاقة عند ماير وعند فرويد، بل من آلات معلومات مثل النرد، والبوابات، والحاسبات الرقمية» (141). ويصر كيترل على أن «تأسيس التحليل النفسي قام على نهاية احتكار الطباعة وعلى الفصل التاريخي بين الوسائط المختلفة»، بحيث إن «الهاتف، والفيلم، والفونوغراف، والطباعة... شكّلت الجهاز النفسي»:
في ظل الشروط فائقة التقنية، لا يعود التحليل النفسي، تبعًا لذلك، يبني الأجهزة النفسية... من وسائط التخزين والنقل فحسب، بل يدمج التجربة التقنية كلها: التخزين، والنقل، والحساب. وليس هناك شيء آخر تدل عليه «التمييزات المنهجية» التي يضعها لاكان بين التخيلي والواقعي والرمزي. (135)
هناك الكثير مما يمكن أخذه من هذه القراءة، وقد أثرت، ولا تزال تؤثر، في دراسات مهمة عن أركيولوجيا الوسائط داخل الفكر التحليلي النفسي اليوم. غير أن التقسيم الذي يضعه كيترل لنسخة لاكان من الجهاز النفسي - الواقعي، والتخيلي، والرمزي - بحسب أنظمة الوسائط ونماذج التخزين والنقل والمعالجة، على الرغم من إضاءته، يبالغ في فكرة
القسمة بين هذه الأنظمة، بما لا يتيح له أن يفسّر، أو على الأقل أن يصوغ بما يكفي من الوضوح، مفهوم الممازجة عند لاكان. صحيح أن كيترل محق في قوله إن «تصور لاكان للبنية... ينبثق من اضطراب احتمالي» (The World of the Symbolic 142). لكنه ينبثق، على نحو ما، ضد هذه القسمة نفسها، وبالتحديد بوصفه قوة أو حدث ممازجة. ويقدّم لاكان مفهوم الممازجة في Seminar II، ويقترح أنه ينطوي على معنى مزدوج:
إن الذات تدخل الأشياء وتمتزج بها - وقد يكون هذا هو المعنى الأول. أما المعنى الآخر فهو الآتي: إن ظاهرة لاواعية تجري على المستوى الرمزي، بوصفها مزاحة المركز بالنسبة إلى الأنا، تجري دائمًا بين ذاتين. وما إن يظهر الكلام الحقيقي، متوسِّطًا، حتى يحوّلهما إلى ذاتين مختلفتين تمامًا عما كانتا عليه قبل الكلام. وهذا يعني أنهما لا تبدآن التكوّن بوصفهما ذاتين للكلام إلا حين يوجد الكلام، وليس هناك ما قبل لذلك. (160)
وتُنجَز «ممازجة الذوات» عند لاكان بواسطة الوظيفة التخيلية. وإذا كانت هذه الوظيفة متميزة من الرمزي، وهو ما يقول لاكان إن السيبرنيقا تبرهنه بوضوح، فإن القسمة بين الرمزي والواقعي، حين يتعلق الأمر بالكائن الناطق، ليست بهذه الدرجة من الوضوح (بل إن تعقيد علاقتهما في النظرية اللاكانية لن يتوقف عن التزايد انطلاقًا من Seminar II فصاعدًا).
وقد يبدو أن لاكان، حين يحيل إلى الممازجة، ليس مهتمًا بـ «الأشياء» في حد ذاتها - وأنه لا يعنيه إلا «الذوات». غير أن مفهوم «الذات المغتربة» لا يغدو ممكنًا إلا لأن الذات ممتزجة بـ «الأشياء»، واللغة واحدة منها. وهذه الممازجة، بالنسبة إلى لاكان، لا تخص الرمزي وحده؛ بل تخص أيضًا التخيلي، الذي «لا يمكن إقصاؤه... [من] الوظيفة الرمزية في الخطاب الإنساني» (306)، والواقعي أيضًا، الذي يزعج الرمزي ويحركه من داخله.
ويقوّض مفهوم الممازجة القسمة بين الداخلي والخارجي. وإذ يقدّم Entwurf75 في Seminar II، يشدد لاكان على أن الواقعي يقع وراء علاقة الخارجية: «الخارجية والداخلية - هذا التمييز لا معنى له إطلاقًا على مستوى الواقعي»، كما يقول؛ «فالواقعي بلا شقوق. وما أعلّمه عن تقارب فرويد مع ما يمكن أن نسميه فلسفة العلم هو أنه ليست لدينا وسيلة لإدراك هذا الواقعي - على أي مستوى كان، لا على مستوى المعرفة فحسب - إلا عبر وسيط الرمزي» (97). وهنا يكشف الواقعي عن نفسه في الرمزي، ومن ثم يعقّد «القسمة الواضحة» بين المجالين التي يراها كيترل مطابقةً للقسمة «بين المادة والمعلومة» (Gramophone, Film, Typewriter 16).
خذ، على سبيل المثال، مفهوم فرويد الملغز عن «الكمية» (Q وQη) الذي قدّمه في Project. فكما يعلق سترايتشي على طبيعة Q، من الواضح، في رأيه، أن فرويد أراد أن يقدمه بوصفه «شيئًا ماديًا - “خاضعًا للقوانين العامة للحركة” (ص 295)» (392). وفي الوقت نفسه، «تظهر Q في شكلين متميزين»، أحدهما «Q في حال الجريان، مارّةً عبر عصبون أو من عصبون إلى آخر»، والآخر في صيغة «أكثر سكونًا» [تظهرها] «“عصبونٌ مشحون بـ Q”» (392). غير أن Q المادية تختفي في الأعمال اللاحقة مثل The Interpretation of Dreams؛ ثم تعود للظهور تحت اسم «الطاقة النفسية»، التي «لم تعد “شيئًا ماديًا”؛ بل صارت شيئًا نفسيًا» (Strachey 395). «ومع ذلك»، يلاحظ سترايتشي - ويوافقه لاكان - «فإن هذا التحول لا ينذر بتخلٍّ كامل عن الأساس الفيزيائي»، بل يكشف عن «آثار الخلفية العصبية القديمة» (395). وفي Seminar VII, The Ethics of Psychoanalysis (1959-1960)،
75 Entwurf هو الصيغة المختصرة لعنوان فرويد الأصلي Project for a Scientific Psychology.
يلاحظ لاكان أنه على الرغم من أن Project عند فرويد محاولة لعزل الذات عن الواقع (بوصفها كيانًا استتبابيًا يمارس «النشاط التصحيحي» بوصفه «نظامًا مغلقًا»)، فإنه ينتهي إلى صياغة «نظرية جهاز عصبي يظل الكائن العضوي بالنسبة إليه خارجيًا، شأنه شأن العالم الخارجي» (46، 47).
ويمكن أن يُفترض، انطلاقًا من فرضية فرويد عن تحوّل الكمية إلى الكيفية (و«نظرية الأعضاء الحسية عنده تُظهر ذلك» أيضًا)، أن «هذه الكيفية منقوشة [في العالم الخارجي] على نحو متقطع»: «فالجهاز الحسي، كما يقول فرويد، لا يؤدي دور المطفأة أو ماص الصدمات فحسب، كما هي الحال في جهاز φ عمومًا، بل يؤدي أيضًا دور الغربال» (Seminar VII 47). وحين تقود قراءة لاكان لفرويد إلى مناقشة الممازجة، تغدو القسمة بين المادة والمعلومة ضبابية. فهذا المفهوم يقدّم إمكان إضفاء الطابع المعلوماتي على المادة، حين تُفهم المادة - بوصفها لغة ولحمًا معًا - على أنها معلوماتية. وهنا تكون المادة، من جهة، «مُعلِمة» بوسائط تتجاوز الرمزي، ومن جهة أخرى تكون «قيد التشكّل» من غير انقطاع، إذ تُقاس وتُخاط باستمرار إلى كمية رياضية تعبّر عن احتمال وقوع سلسلة بعينها من الرموز أو النبضات أو الآثار الخطية.
وهذا يقودني إلى التمركز حول الكتابة في القرن التاسع عشر، وإلى الآلات الداخلة في عمليات إنشاء العيادة وتطورها وإعادة تنظيمها، وهي العمليات التي يمكننا، استنادًا إلى كيترل في The World of the Symbolic (139-140)، أن نحددها بوصفها عمليات تشظية جسد (المريض) وتحريكه. غير أن هذه العمليات مدفوعة بما يسميه كلاوس بياس «الوهم السيبرني» (547-549)، وهو ما يتعلق بالافتراض القائل إن «كل فهمنا لعالمنا» يقوم على المعلومات والتغذية الراجعة (548). وإذ يتحدث عن سيبرنيقا خمسينيات القرن العشرين، يلاحظ بياس «تحولًا نظريًا»
... من التجارب إلى الأدوات، ومن البنى الافتراضية والآلات الباتافيزيقية (فلنتذكر فقط النقاشات عن الحواسيب الضاحكة في مؤتمرات ميسي) إلى العتاد الأداتي وعلوم الحاسوب المؤسسية، ومن المضاربات إلى الشروح، ومن أسئلة ما بين الأشياء إلى يقينيات الأجوبة. (Pias 549)
وهكذا فإن التاريخ يعيد نفسه بالفعل باستحضار ما يصفه بياس، بالإحالة إلى فوكو، بأنه «شكل فانتسماغوري من التطبيع الذاتي حجب هذه التكنولوجيات أو أخفاها»، مدفوعًا بـ «الوهم الأنثروبولوجي» في القرن الثامن عشر والتاسع عشر (549). إن هذا التكرار الماثل هنا في «الجسد العصبي»، الذي يسرده فوكو بوصفه نتاجًا لمأسسة أنظمة جديدة من الحكمانية، وفي ذات البيانات التي يعتمد «شكل وجودها المشروط» (Bauman et al.) كليًا على سلوك «شبكتها»، يفتح إمكان قراءة هذه الوقائع لا بوصفها ظواهر «تاريخية»، بل بوصفها ظواهر «بنيوية». وهذا ما أنوي القيام به في هذا الفصل وفي الفصل الأخير من خلال مناقشة انخراط الذات مع آلات الكتابة.
2. آلات التمركز حول الكتابة
إن «الإنسان المزعوم»، بتعبير كيترل، ليس كيانًا معزولًا، بل كائن يدخل دائمًا في تجميعات يعمل فيها وتُعمل عليه في الوقت نفسه. إن آلات الكتابة التي أناقشها أدناه تسند موضع الذات بوصفها، في آن، موضوع المعرفة التجريبي ومركز المعرفة؛ فالذات ينبغي أن تُفهَم، وهي التي تجعل الفهم ممكنًا. وعلى خلاف نظرية تاريخانية فوكوية للمعرفة، فإن المفهوم اللاكاني التحليلي النفسي للمعرفة ينطوي، بالضرورة، على اللذة والـ jouissance. وهو يحيل أيضًا إلى عدة أمور مختلفة. فأولًا، يستخدم لاكان التمييز بين connaissance وsavoir، وهو تمييز ينطوي عليه الفرنسية أصلًا. أما connaissance فإنه كثيرًا ما يقرنه ببادئة mé- وينظّر له بوصفه «سوء تعرّف» تخييليًا. في حين أن savoir بين-ذاتي، ولذلك فهو يوافق المعرفة الرمزية لرغبة الذات اللاواعية. ولأن هذه «المعرفة تختزل إلى تمفصل للدوال»، كما يقترح لاكان، فهي «وسيلة لـ jouissance»، تنتج «سمة أحادية... أو، لنقل، إنتروبيا» (Seminar XVII 50، 39-53، 48).
«حين يُدخَل الدال بوصفه جهازًا للـ jouissance»، يشرح لاكان، «فلا ينبغي إذًا أن نفاجأ برؤية شيء يتصل بالإنتروبيا يظهر، لأن الإنتروبيا تُعرَّف تحديدًا منذ اللحظة التي نبدأ فيها بفرض جهاز الدوال هذا فوق العالم الفيزيائي» (49). ويلاحظ لاكان أيضًا أن «الآلات» أو «الأجهزة» تختلف من «الأدوات» لأنها تشتغل على مبدأ تراكم الطاقة، وبهذا المعنى «تُبنى بحسب هذا المنطق نفسه... أي بحسب وظيفة الدال»:
اليوم، لا صلة للآلة بالأداة. لا يوجد نسبٌ بين الدلو والتوربين. والدليل أنك تستطيع، بكل مشروعية، أن تسمّي رسمًا صغيرًا رسمتَه على ورقة آلةً. ولا يتطلب ذلك كثيرًا. يكفي فقط أن يكون لديك حبر موصل لكي تكون آلة فعالة جدًا. ولم لا يكون موصلًا، ما دامت العلامة في ذاتها توصل اللذة [volupte] سلفًا؟
والواقع أنه إذا لم يكن هذا قد بدا، قبل التحليل، موضوعًا جرى استكشافه، فلأن أحدًا لم يعرف كيف ينتزع نفسه منه إلا باللجوء إلى الغريب، إلى الشذوذ، الذي يشكل أساس هذه المصطلحات، هذه الأسماء التي تثبّت هذه المازوخية وتلك السادية. فعندما نمنح هذه الـ -يات نكون عند مستوى علم الحيوان. (49)
وهكذا تكون آلات الكتابة تجميعات آلية متخصصة في «الانتزاع» عبر إنتاج «العلامة» وحفظها ونقلها، لا بوصفها مجرد علامة في ذاتها، بل بوصفها «مجد العلامة» بوصفها السمة الأحادية التي تتيح للذات أن تتماهى مع jouissance الآخر (49). «ثمّة... شيء جذري تمامًا [في هذا] الارتباط... مع هذا المجد الخاص بالعلامة»، وهو «في الأساس، في الجذر نفسه للفانتازم»؛ ويتابع لاكان: «إنني أتحدث عن العلامة على الجلد، التي لا توحي، في هذا الفانتازم، بشيء سوى ذات تتماهى مع موضوع الـ jouissance» (49). وإذا كان من شيء تكشف عنه، فإن الوهم السيبرني الكامن خلف صعود تجميعات الكتابة - الآن كما آنذاك - قد أظهر نفسه بوصفه مهمة نقل الأثر الخطي من غشاء إلى آخر، ثم العودة به من جديد.
العمارة
في Reassembling the Social (2005)، يقترح برونو لاتور أن «البانوبتيكون (panopticon)»، أي السجن المثالي الذي يتيح مراقبة كاملة للسجناء، والذي تخيله جيريمي بنثام في مطلع القرن التاسع عشر، «ظل يوتوبيا»؛ أما النموذج المعماري الذي جسّد سلطة المراقبة فعليًا فكان الأوليغوبتيكون (oligopticon):
... إن كلمة oligopticon [هي] المصطلح العام، مع الاحتفاظ بتعبير «مراكز الحساب» لتلك المواقع التي تصير فيها الحسابات الحرفية، لا المجازية فحسب، ممكنة بفضل الصيغة الرياضية أو الحسابية على الأقل للوثائق التي تُجلب ذهابًا وإيابًا. ...
إن الأوليغوبتيكا هي تلك المواقع بالذات لأنها تفعل نقيض ما تفعله البانوبتيكا تمامًا: فهي لا ترى إلا القليل جدًا بحيث لا تغذي جنون عظمة المراقِب أو بارانويا المراقَب، لكنها ترى ما تراه جيدًا - ومن هنا استعمال هذه الكلمة اليونانية للدلالة على مكوّن لا غنى عنه ويأتي في مقادير ضئيلة جدًا (كما في «العناصر القليلة» في متجر الصحة لديك). فمن الأوليغوبتيكا تصبح ممكنة رؤى متينة ولكن شديدة الضيق للكل (المتصل) - ما دامت الاتصالات قائمة. (181)
وينبغي ربط الأوليغوبتيكا، لا البانوبتيكا، بما يصفه فوكو (2003) بأنه الحدث «نازع الإنسانية» الخاص بالفصل الطبي بين جسد المريض و«شخصه»، وبالعملية التي أُقيمت بها علاقة جديدة بين المريض وتجميعات الآلات بواسطة الأثر الخطي. وقد حسّنت هذه الآلات «الرؤية الضيقة جدًا» المنتَجة داخل الأوليغوبتيكا، عبر تعويض «الضيق» بمتانة صلاتها بالذات وكثافتها، وهي صلات غدت في النهاية وصلات طرفية تعويضية. وهنا تعمل العمارة بوصفها
آلةُ توطين المواقع وبنائها لأغراض التقسيم داخل المادة البشرية، حيث تتوسط الأجهزة دينامياتها الداخلية وتنظمها. وهنا يمكن أن تكون قراءة فوكو لتحول الملجأ إلى مستشفى طبي مفيدة.
في Psychiatric Power، يلاحظ فوكو أن هذا التحول من مؤسسة إلى أخرى، وهو أمر كان يمكن أن يحدث في كثير من الأحيان داخل المبنى نفسه، انطوى على هيكلة دقيقة للتنظيم الداخلي و"المادة المريضة"؛ وهو يكتب:
... إذا نظرنا إلى كيفية توزيع المرضى فعليًا داخل المصحات في ذلك الوقت، رأينا أن الأمر لا علاقة له إطلاقًا بالتقسيم النوسوغرافي للأمراض العقلية الوارد في النصوص النظرية. ففي التنظيم الفعلي للمصحات لا ترى أثرًا أو مفعولًا للتمييز بين الهوس والماليخوليا، أو بين الهوس والهوس الأحادي، ولا لسلسلة الهوسات والخرفات. أما التقسيمات التي تراها وقد أُقيمت عمليًا في المستشفيات فهي مختلفة تمامًا: إنها الفروق بين القابلين للشفاء وغير القابلين له، وبين الهادئين والمتهيجين، وبين المطيعين وغير المنقادين، وبين المرضى القادرين على العمل والعاجزين عنه، وبين المعاقَبين وغير المعاقَبين، وبين المرضى الذين ينبغي وضعهم تحت مراقبة دائمة والذين تكفي مراقبتهم من حين إلى آخر أو لا يخضعون لها أصلًا. هذا هو التوزيع الذي كان يقيس بالفعل الفضاء الداخلي للمصحة، لا الأطر النوسوغرافية التي كانت تُبنى في الرسائل النظرية. (180)
وفي قراءته للمصحة بوصفها "جهازًا انضباطيًا"، يميز فوكو عناصر هذا التجميع المؤسسي ووظيفته في الممارسة الانضباطية. فهو ينظر، مثلًا، إلى استعمال الدواء بوصفه "امتداد الانضباط الملجئي إلى سطح الجسد، أو امتداد نظام الملجأ، نظام الانضباط، إلى داخل جسد المريض" (181). ولأن "فضاء الملجأ بأكمله مغطى بعينيه وأذنيه وأفعاله"، يجادل فوكو بأن "جسد الطبيب النفسي هو الملجأ نفسه؛ وفي النهاية يجب أن تُكوِّن آلية الملجأ وعضوية الطبيب النفسي شيئًا واحدًا بعينه" (182). إن الاستمرارية التي يحددها فوكو في اشتغال هذا الجهاز مهمة. فهي، في نظره، تشكل الوظيفة الانضباطية. غير أنني أرى أن النموذج القائم على المجاز المرسل الذي يعتمد عليه فوكو في تنظيره غير كاف. فهناك أيضًا انقسام، بل انقسام متواصل، داخل هذا التجميع، يرتد على علاقة الذات بموضوعات الدافع. ولأغراض هذه المناقشة، سنركز على مؤسسة واحدة من هذا القبيل، هي المكان الذي "وُلدت" فيه الهستيريا، السالبتريير، المرتبطة بأسماء مثل دوشين دو بولون، وجان-مارتان شاركو، وألبير لونْد، وآخرين يُناقش عملهم في هذا الفصل.
في القرن التاسع عشر، كان يمكن النظر إلى البحث في الهستيريا ومعالجتها، كما أرساه "نابليون طب الأعصاب" الفرنسي، جان-مارتان شاركو، في مستشفى السالبتريير، على الرغم من التاريخ المروع للمصحة، 76 بوصفه طريقًا نحو "إعادة تأهيلها". ففي عام 1862، زمن تعيينه في السالبتريير، لم تكن الهستيريا ضمن المجال الواسع من اهتمامات شاركو العصبية، مثل اضطرابات "القشرة المخية، وجذع الدماغ، والحبل الشوكي، والأعصاب الطرفية" (Goetz et al. 99). ولم تستغرق الهستيريا انتباه شاركو بالكامل إلا بعد عام 1878، حين "انبثقت بسلاسة من طب الأعصاب العضوي" (Goetz et al. 99)، ولكن حتى آنذاك كان واضحًا أن الهستيريا لا تنسجم حقًا مع عضوانية شاركو: فما كان الجسد الهستيري "ينقله" كان مختلفًا. وكانت صعوبة التعامل مع موضوع الهستيريا أن هذا الموضوع كان يُعد في ذلك الوقت "جنونًا"، ولذلك، لكي يتمكن من معالجته، كان عليه أن يثبت أن الهستيريا "مرض".
76 تستحق مكانة السالبتريير وتاريخها، وكذلك موقعها المادي، انتباهنا. ففي عام 1684، وبناءً على قرار لويس الرابع عشر، أعاد المعماري الفرنسي ليبيرال بروان بناء مصنع بارود سابق ليحوِّله إلى ملجأ كان يُفترض أن يعمل مشغلًا وميتمًا. لكنه صار، بدلًا من ذلك، "مكبًا لفقراء باريس"، و"سجنًا للبغايا، ومكان احتجاز لذوات الإعاقات الذهنية، والمختلات عقليًا إجراميًا، والمصابات بالصرع... [وكان] معروفًا أيضًا بكثرة الجرذان فيه". (انظر مدخل ويكيبيديا عن السالبتريير). ووفقًا لجان لوسيران، "كان هناك في عام 1690 بالفعل ثلاثة آلاف امرأة: ثلاثة آلاف من الفقيرات، والمتشردات، والمتسولات، و"النساء الخرفات"، و"العوانس"، والمصابات بالصرع، و"النساء في طفولة ثانية"، و"البريئات المشوهات والمشوَّهات الخِلقة"، والنساء غير القابلات للإصلاح - المجنونات" (كما ورد في Didi-Huberman 13).
وخلال ذلك الوقت، "كانت السالبتريير أكبر ملجأ في أوروبا، إذ كان يضم بين 5,000 و8,000 شخص، في وقت لم يكن عدد سكان باريس يتجاوز 500,000" (Goetz, Charcot xxii-xxiii). وعلى نحو أدق، كان هناك في عام 1873 عدد 4,383 شخصًا، من بينهم 580 موظفًا، و87 من reposantes، و2,780 من "النساء المُدارات"، و853 من "النساء الخرفات"، و103 أطفال. (كما ورد في Didi-Huberman 13). لقد كانت "مكانًا غير محتمل للأنوثة"، "مدينة النساء، مدينة النساء غير القابلات للشفاء" (Didi-Huberman, 13)؛ المكان الذي اقترن طويلًا كذلك بالرعب والتعذيب والمجازر، وأبرزها قتل النساء المختلات عقليًا وغير المستقرات نفسيًا في عام 1792، أثناء إراقة الدماء في الثورة الفرنسية. لكن حتى قبل ذلك، كما يلاحظ ديدي-هوبرمان بالإحالة إلى دراسة جاكلين سونوليه عن المستشفى، "كانت قبلة موت النساء، ممتدة على 275,448 مترًا مربعًا، وفي مركزها كنيسة صليبية رائعة" (Didi-Huberman 13).
وكان أحد الخطوات التي اتخذها شاركو لحل هذه المسألة أن فتح أبواب الملجأ المنعزل الذي صار مستشفى أمام الجمهور العام، عبر دمج غرفة الفحص بقاعة محاضرات. ولإشهار موضوع الهستيريا، أطلق شاركو محاضراته الثلاثاءية الشهيرة، Leçons du mardi، التي لم يكن يحضرها طلاب الطب فحسب، بل أيضًا "أطباء وفنانون وسياسيون وغيرهم من أفراد المجتمع المهتمين" (Harris 470)، ممن جذبتهم إلى المستشفى، على الرغم من موقعه البعيد غير الملائم، رغبةُ الاستماع إلى العروض ومشاهدتها؛ وهي عروض "كان من العسير فصل الاهتمام العلمي فيها عن الانجذاب التلصصي الأكثر إثارة" (Goetz xi). وكما يلاحظ غوتز، لم يقتصر الحضور المهتم على الجمهور المحلي: "وخاصة في ثمانينيات القرن التاسع عشر وفي سنواته الأخيرة، كانت قاعة شاركو مزيجًا من أطباء من أوروبا الشرقية والغربية والأمريكيتين، إلى جانب فنانين وصحفيين وسياسيين ومعلقين اجتماعيين من باريس" (Goetz, "Visual Art in the Neurologic Career" 423). ووفقًا لطالب شاركو جوزيف بابنسكي، كانت التجربة تستحق العناء: "كان الأستاذ شاركو يتيح للمستمعين أن يشهدوا عمله وهو يوضح... مسائل مختلفة"، وكان يتكلم في "موضوع ليس علمًا قائمًا بالفعل، بل علمًا في طور التكوُّن ذاته" (Babinski, "Preface" xvi, xv). ومن خلال قراءة ممارسات شاركو وغيرها من الممارسات المشابهة، حدد فوكو هذه الظاهرة بوصفها "الإتاحة الجديدة لجسد المريض"، وهي، في رأيه، ما جعل ممكنًا "أن تُسجَّل آليات الجنون داخل نسق من المعرفة التفاضلية في طب [كان] قائمًا أساسًا على التشريح المرضي أو الفيزيولوجيا المرضية" (Psychiatric Power 287). وكانت هذه العملية حاسمة بوصفها "محاولة لإدراج الجنون داخل عرضيات طبية عامة، وهو ما كان غياب الجسد والتشخيص التفاضلي قد همَّشاه دائمًا" (287).
ولاحظ فوكو أيضًا "انقياد" الهستيريات لعملية الدراسة السريرية عند شاركو، وإن لم يخلُ الأمر من تمرد عرضي، وكذلك حالات "إعادة الإنتاج" و"نشر" العَرَض داخل العيادة في القرن التاسع عشر، وهو تطور عزاه إلى العلاقة الجديدة التي أُقيمت بين المريض والطبيب. ويرى في ذلك "نوعًا من الدوامة الهستيرية داخل السلطة النفسية ونظامها الانضباطي"، ضمَّت تعددًا من "المناورات المختلفة في هذا الصراع بين علم الأعصاب والهستيرية" (309). وهو يكتب، مثلًا:
... لكي يعمل الطبيب بصفته طبيبَ أعصاب، فهو يعتمد على أن تزوده الهستيرية فعلًا بأعراض منتظمة. ومن هذه الجهة، فإن ما تقدمه له لا يضمن مكانته بوصفه طبيبَ أعصاب فحسب، بل يضمن أيضًا قبضتها عليه، لأن المريضة تكتسب سلطة عليه بتزويده بالأعراض، إذ بذلك تُقر له بصفته طبيبًا، لا طبيبًا نفسيًا فحسب. (310)
وفي نقدها "صناعة الهستيريا" عند شاركو وما زُعم أنه إنتاج لـ"هستيريا عند الطلب" في السالبتريير، تشير إلين شوالتر إلى تفصيل لافت، لكنها تغفل مع ذلك دلالته. فهي تكتب:
... إن استعداد أوغسطين المرح لاتخاذ أية وضعية يرغب فيها جمهورها قد ترك أثره في نفسيتها. وخلال الفترة التي كانت تُصوَّر فيها مرارًا، ظهرت لديها عَرَضٌ غريب: فقد بدأت ترى كل شيء بالأبيض والأسود. (Showalter 154; qtd. in Wilson 6)
وردًا على زعم شوالتر بوجود "سردية استضعاف" في مرضى شاركو الهستيريين بوصفهم "مُصوَّرين، ومخدَّرين، ومحبوسين"، تشير إليزابيث أ. ويلسون إلى أن خصائص هذا العرض الجديد وغيره من الأعراض الجديدة التي أظهرها مرضى السالبتريير هي ما يستحق انتباهنا حقًا. فالأسئلة المهمة التي ينبغي طرحها، في رأيها، هي التالية: "أي نوع من المادة البيولوجية (الشبكية، العصب البصري، القشرة البصرية) يتوقف عن معالجة اللون تحت سطوة إغواء فوتوغرافي؟" و"لماذا يُعزى ما يثير الدهشة في عرض أوغسطين إلى شاركو وحده، لا إلى التقلبات الهستيرية المدهشة في عيني أوغسطين ودماغها؟" (Wilson 6). وبعبارة أخرى، هذه أسئلة عن مبادئ التقارب، وعن إمكانات الجسد وحدوده بوصفه منفتحًا على الامتزاج، وعلى الدخول في تجميع الآلات. ويعترف فوكو حدسيًا: "لا أعتقد أن تقابل العقل/الجسد، والأمراض العضوية/الأمراض النفسية، هو التمييز الحقيقي الذي قسَّم الطب بين 1820 و1880" (305). بل إن المسألة المطروحة هي درجة الانفتاح على عمليات الإنتاج المشترك للآثار الرسومية بين الأجساد والآلات.
الفَرْدَنَة الموضعية
يصف فوكو "هذا الالتقاط السريري الجديد للمريض العصبي" بأنه عملية "التكوين المتلازم لجسد عصبي أمام [النظرة] الطبية"، تسعى إلى "إعادة التحقق السريري من القيم شبه الانطباعية لسطح [الجسد]" وأمام "جهاز الالتقاط" (299). وبالنسبة إلى فوكو، يتألف مثل هذا الفحص العصبي من "البحث عن "استجابات"" (299). والمثال الذي يقدمه لتوضيح هذه الممارسة هو البحث التجريبي الذي أجراه الفيزيولوجي الكهربائي الفرنسي غيوم-بنجامين دوشين دو بولون؛ فبمساعدة تطبيق موضعي للكهرباء، أحدث مرور تيار فولطي أو مغناطيسي عبر ملف من السلك:
على المستوى الأولي الصارم، كان هناك الاكتشاف التأسيسي لعلم الأمراض العصبي في أبحاث دوشين دو بولون فيما سمّاه "الفَرْدَنَة الموضعية"، حين نجح، عبر ترطيب قطبين كهربائيين، في الحصول على استجابة عضلية واحدة، أو بالأحرى استجابة عضلة واحدة لكهربة سطح الجلد؛ فمن خلال ترطيب سطح الجلد، نجح في حصر أثر الشحنة، وحصل على استجابة واحدة لعضلة واحدة: وكان هذا الاكتشاف المؤسس لكل ما هنا. (300)
وفي كتابه The Mechanism of Human Facial Expression (1862)، عرض دوشين هدف بحثه بوصفه استكشاف "بنية الأجزاء المختلفة من الوجه البشري، واستعمالها، وخصائصها" (5): "... سأبرهن، من خلال التحليل الكهروفيسيولوجي وبمساعدة التصوير الفوتوغرافي، على فن تمثيل الخطوط التعبيرية للوجه البشري تمثيلًا صحيحًا، وهو ما سأدعوه أرثوغرافيا التعبير الوجهي في الحركة" (1-2). وكان دوشين مقتنعًا بأن "الروح هي... مصدر التعبير"، وأنها "تفعِّل العضلات التي تُصوِّر انفعالاتنا على الوجه بأنماط مميزة" (1)؛ ومع ذلك، بدا مرتاحًا تمامًا إلى استبدال "الروح" بالكهرباء من أجل الوصول إلى نتائج علمية موثوقة.
ولكي نفهم تمامًا "أرثوغرافيا التعبير الوجهي في الحركة" و"القوانين التي تحكم تعبيرات الوجه البشري" (2، 1)، كان لا بد من دراسة كل عضلة، أو أحيانًا مجموعات صغيرة من العضلات، بغية تحديد فعل العناصر القابلة للانقباض. وبما أن الأرثوغرافيا هي "نظام للتهجئة أو التدوين" و"فرع المعرفة الذي يتناول الحروف وتركيبها لتمثيل الأصوات والكلمات" (OED)، فإنها، في نظر دوشين، لا يمكن أن تُستخلص من سيولة تعبير الوجه إلا بواسطة تفتيت مزدوج. أولًا، عزل عضلة من علاقتها بالعضلات الأخرى وبالتنظيم الوجهي كله، عبر جعلها "تعمل" وحدها تحت أثر تيار كهربائي. وكان يُفترض، بهذه العملية، أن تعيد العضلة تمثيل أدائها "الطبيعي"، وأن تحتفظ بقيمتها داخل النسق الأرثوغرافي، مقاسةً في ضوء القيم المختلفة للعناصر الأخرى في هذا النسق. وثانيًا، جرى تصوير أداء كل عضلة معزولة بعناية وجمعه على هيئة بنية شبكية في كتاب دوشين. وفي سياق بحثه، انتهى دوشين إلى أن "لغة الانفعالات" لا يمكن قراءتها بثقة من الوجه: "إن حركات التعبير الوجهي لا تتحكم فيها الإرادة كما هو الحال في الأطراف والجذع. فالروح وحدها تملك القدرة على إنتاجها حقًا" (Duchenne 33-34). ويشير روبرت سوبيشِك إلى أن عالم التشريح الاسكتلندي تشارلز بِل كان قد افترض على نحو مشابه، قبل دوشين، أن "بعض حركات الوجه والجسد كانت مستقلة تمامًا عن العقل"؛ وبعد صدور كتاب دوشين، اعترف دارون، الذي استخدم The Mechanism of Human Facial Expression في دراسته الخاصة، هو الآخر بأن "حركات التعبير، بل وأهمها... لا يمكن القول إنها تعتمد على إرادة الفرد" (كما ورد في Sobieszek 45).
وعلى الرغم من أن دوشين يعتقد أن الروح هي التي تحيي حركة الوجه، فإن الطريقة التي يجري بها تحقيقه وتحليله تكشف عن حدسه بأن آلية الوجه الذاتية قابلة للفك، وأنها تكشف، لذلك، عن وجود نسق واضح أو منطق داخل ماديتها الجسدية. ويلاحظ جورج ديدي-هوبرمان أنه في ذلك الوقت كان دوشين "يبحث عن الوصلات العضلية التفاضلية لكل انفعال، وكل باثوس، وكل مرضية"؛ وكان عمله "فنًا للتفصيل، والدقة، والتشظي - فنًا لمفاصل الأقاليم، ولكن في سعي دائم إلى قانون يصف فروقها المتناهية الصغر" (49).
وإضافة إلى العرض البنيوي للأرثوغرافيا الوجهية بواسطة الصفائح الفوتوغرافية، برهن مشروع دوشين على قابلية التعبيرات الوجهية لإعادة الإنتاج عبر إثارة الانقباضات العضلية بمسابر كهربائية. ووفقًا لدوشين، فإن إمكان استثارة الأشكال نفسها من الانقباضات مرارًا على هيئة تعبيرات وجهية يمكن تمييزها أتاح له أن يحددها بوصفها مجموعة من الوسائل الشبيهة باللغة لتوصيل الانفعالات. 77 وكان يرى أن الله منح هذه اللغة للإنسان، وأن المصدر الحقيقي لهذه "الآلية" هو الروح البشرية التي "تفعِّل العضلات التي تُصوِّر انفعالاتنا على الوجه بأنماط مميزة" (Duchenne 1). ويكشف هذا النمط من الحجاج أنه، في الوقت نفسه، عالم استقصاء وضعيٌّ، رفع نفسه مع ذلك إلى منزلة شبيهة بالإله حين كشف القناع عن الآلية الوجهية ذات الأصل الإلهي، ومفكر ديكارتي يرى أن "للتعبير الوجهي داخلًا آخر - هو الروح". ويكتب توم غانينغ: "بالنسبة إلى دوشين، كان الوجه وسيطًا بالغ المرونة تكتب عليه الروح رسالةً قابلة للترجمة من الانفعالات بلغة خلقها الله نفسه" (151، 153). وإذا كان غانينغ يقرأ فهم دوشين لـ"الوجه" بوصفه وسيطًا، فيمكن النظر إليه أيضًا بوصفه واجهة: فجهاز الجلد والعضلات بأكمله (العتاد) منفصل عن اللغة التي نصبتها فيه الفاعلية الإلهية (البرمجيات). وعندما تُفعَّل آلة الوجه بالروح البشرية، يعرض سطح الوجه العلامات الفيزيونومية "المقروءة" للغة، التي تشير إلى معانٍ ثابتة بعينها. أو، كما قال دوشين نفسه:
في الوجه، لم يكن خالقنا معنيًا بالضرورة الميكانيكية. فقد كان قادرًا، بحكمته أو - أرجو أن تعذروا هذا الأسلوب في القول - وهو يطارد نزوة إلهية، على أن يضع عضلات بعينها موضع الفعل، عضلة واحدة أو عدة عضلات معًا، لكي تُكتَب بإيجاز على وجه الإنسان. وما إن خُلقت هذه اللغة الخاصة بالتعبير الوجهي حتى كفاه أن يمنح جميع البشر الملكة الغريزية للتعبير دائمًا عن مشاعرهم من خلال قبض العضلات نفسها. وهكذا غدت اللغة كونية وثابتة. (19)
77 بعد ذلك بقليل، مضى تشارلز دارون، الذي تأثر بعمل دوشين، إلى ما بعد نطاق التواصل البشري الحصري باقتراحه أن "التعبيرات" الوجهية البشرية "توفر صلة بين الإنسان والحيوان" في دراسته الخاصة The Expression of the Emotions in Man and Animals (1872) (Gunning 154).
ويلاحظ ديدي-هوبرمان، في ما يتعلق بكل من دوشين وشاركو، أن "هذا التصوير كان فنًا خاصًا جدًا، كان "الوجه" فيه يُفهم بوصفه "facies""؛ ويشرح قائلًا إنه "كان فنًا لأقاليم السطح، لكنه كان يبحث دائمًا عن تموضع أكثر حميمية، وعن الالتفاف المتزامن في الدماغ":
إن facies تدل في الوقت نفسه على الهيئة المفردة للوجه، وعلى خصوصية منظره، كما تدل على الجنس أو النوع الذي ينبغي أن يُدرج تحته هذا المنظر. وهكذا تكون facies وجهًا مُثبتًا على تركيب تأليفي يجمع الكلي والمفرد: الوجه وقد ثُبِّت إلى نظام التمثيل، بالمعنى الهيغلي. (Didi-Huberman 49)
وفي كتاب دوشين Le Mécanisme de la physionomie humaine، تثبِّت هذه اللوحات الجامعة الصورَ الفوتوغرافية بوصفها تمثيلًا بصريًا للغة منظمة للانفعالات البشرية. ومن المهم أن دوشين صوَّر انقباض العضلات الوجهية المفردة في عزلة، وأن شبكته لم تُلمِّح، إلا عرضًا ربما، إلى أن عناصر "اللغة" هذه إشاريّة. وكان علينا أن ننتظر نصف قرن آخر حتى يغدو فهمنا للغة بوصفها نسقًا يمكن فيه تحديد الوحدات الأساسية على أساس تفاضلي، مع دروس فردينان دو سوسير في اللسانيات سنة 1907. لقد تصوَّر دوشين "لغته" مؤلفةً من مدلول تصوري ومن "إنتاجه" المادي على سطح الوجه، يمكن التعرف إليه على أساس اختلافه عن التجسدات المادية الأخرى. والحق أن دوشين، في بحثه في دقائق التمييز بين عناصر هذه "اللغة"، كان يفترض أن قيمتها تعتمد تحديدًا على هذا الاختلاف بين العناصر: فالشبكات كانت تتألف من مجموعات بيانات متعددة تُقاس بعضها على بعض، وهو ما ينطبق على المجموعات الثنائية والثلاثية العناصر. وعلى الرغم من هذه التعقيدات، فإن العلامات التي كانت تشكل لغة دوشين للانفعالات لم تكن سوسيرية، بل بيرسية. ووفقًا لثلاثية تشارلز ساندرز بيرس للعلامات، المصوغة بين 1895 و1902،
المؤشِّر علامة تشير إلى الموضوع الذي تدل عليه بفعل تأثرها الحقيقي بذلك الموضوع. [...] وبقدر ما يتأثر المؤشِّر بالموضوع، فلا بد أن يشترك معه في صفة ما، وهو يشير إلى الموضوع من جهة هذه الصفة. ولذلك فهو يتضمن نوعًا من الأيقونة، وإن تكن أيقونة من نوع خاص؛ وليس مجرد شبهه بموضوعه، حتى من هذه الجهات، هو ما يجعله علامة، بل تعديله الفعلي بذلك الموضوع. (Peirce 102)
وبعبارة أخرى، يمكن القول إن تقنية دوشين تُؤشِّر شذرات الوجه البشري، مدعيةً أن مثل هذا "المؤشر" "منقوش" في الجسد بيد الله. والفرق بين Le Mécanisme de la physionomie humaine وألبوم شاركو Iconographie photographique de la Salpêtrière هو الفرق بين المؤشِّر والأيقونة. ولنقتبس من بيرس مرة أخرى:
الأيقونة علامة تشير إلى الموضوع الذي تدل عليه لمجرد ما لها من خصائص هي خصائصها هي ذاتها، وتمتلكها سواء وُجد مثل هذا الموضوع فعلًا أم لم يوجد. صحيح أنه ما لم يكن هناك حقًا مثل هذا الموضوع، فإن الأيقونة لا تعمل بوصفها علامة؛ لكن هذا لا صلة له بطبيعتها بوصفها علامة. فكل ما كان، صفةً أو فردًا موجودًا أو قانونًا، يكون أيقونة لشيء ما بقدر ما يشبه ذلك الشيء ويُستخدم علامةً له. (102)
وقبل أن أنتقل إلى Iconographie، لدي ملاحظة أخيرة في ما يتعلق بطريقة دوشين في الفَرْدَنَة الموضعية. ففي عام 1883، وفي إحدى الردود المبكرة على عمل دوشين، رأى شاركو ومصوره المساعد بول ريشيه، وكذلك إتيان-جول ماري ودي. هاك توك، الكاتب في The Journal of Mental Science، أوجه شبه بين أعمالهم تحديدًا على أساس تقنياتهم، التي عرَّفها توك جميعًا باسم "اقتفاء الأثر" (621)، وهو ما دعمه بملاحظة سابقة لـ"السيدين شاركو وريشيه" كانا قد "[رسما] موازاةً بين [الاستثارة] الميكانيكية بالتنويم المغناطيسي والفَرْدَنَة الموضعية" (631).
التصوير الفوتوغرافي
ينظِّر فوكو للجسد العصبي بوصفه جسدًا لا يستجيب فقط لأوامر الطبيب من قبيل "اجلس"، "قف"، "تنفَّس"، "استلقِ"، وما إلى ذلك، بل قادرًا على إنتاج الأعراض التي يطلبها الطبيب - خارج سيطرة المريض: وبعبارة أخرى، "يوفر علم الأمراض العصبي الآن الأداة السريرية التي يُظن أنه بفضلها يمكن التقاط الفرد على مستوى هذه الإرادة نفسها" (302). ومن ثم، يؤكد، "يصبح ممكنًا ترتيب الظواهر المحللة في مستويات مختلفة وفق محور الإرادي والآلي" (301). وأصبحت المعطيات المجمَّعة، لدى دوشين وشاركو وغيرهما، موضوعًا للتحليل والتنظيم في صورة خرائطية جديدة للجسد، صيغت الآن مع أخذ الفاعلية الذهنية في الاعتبار. وعلى حد تعبير إلين شووالتر، "وقد بدأ شاركو بنيّة إجراء اكتشافات علمية موضوعية عن الهستيريا، لكنه انتهى إلى نموذج صلب، إلى قفص نظري حشر فيه جميع مرضاه" (36).
وكما لاحظ فرويد أيضًا في رثائه لشاركو، كان نشر Iconographie photographique de la Salpêtrière بالغ الأهمية خصوصًا في جعل الهستيريا موضوعًا للأنساق الطبية وتصنيفها، وفي تغيير مكانتها. ووفقًا لفرويد، فإن "الفوضى الظاهرة التي كان يقدِّمها التكرار المتواصل للأعراض نفسها قد أفسحت المجال، في عين [شاركو] الذهنية، للنظام: فانبثقت الصور النوسولوجية الجديدة، وقد تميَّزت بالتركيب الثابت لمجموعات معينة من الأعراض"؛ ويمضي فرويد قائلًا:
[لقد] نجح [شاركو] في أن يبرهن، عبر سلسلة من الحجج غير المنقطعة، أن هذا الشلل كان نتيجة أفكار سيطرت على دماغ المريض في لحظات من استعداد خاص. وهكذا فُسِّرت آلية الظاهرة الهستيرية للمرة الأولى. (Freud, "Charcot" 34)
وتحت إشراف شاركو، جُمعت Iconographie photographique de la Salpêtrière على يد الفيزيولوجي الفرنسي والمصور الهاوي بول-ماري-ليون رينيار (1850-1927) وطبيب الأعصاب الفرنسي ديزيريه-ماغلوار بورنفيل (1840-1919)، وكان كلاهما آنذاك في بدايات مسيرته. وإضافة إلى عمله interne des hôpitaux لدى شاركو، كان بورنفيل يوزع وقته وخبرته بين مستشفيات باريسية أخرى، مثل البيسيتر، ومستشفى سان-لويس، والبيتيه، منجزًا أعمالًا مشابهة لهذه المؤسسات، في حين كان رينيار يقترب من إتمام الدكتوراه في الطب. وفي السالبتريير اقتسما العمل على النحو الآتي: كان رينيار مسؤولًا عن العملية الفوتوغرافية، بينما تولى بورنفيل تزويد صور رينيار للمرضى الهستيريين بالأوصاف المرافقة. أما بخصوص انخراط شاركو في هذه العملية، فقد قدم المؤرخون آراء مختلفة. وكما يلاحظ توم غانينغ، شكك بعض كاتبي سيرته "في إخلاص شاركو الشخصي للتصوير الفوتوغرافي بوصفه طريقة للتحقيق الطبي"، وجادلوا بأن حماسة بورنفيل هي التي دفعت إلى إدخال التصوير الفوتوغرافي إلى السالبتريير (Gunning 159). واعترض آخرون على هذا الزعم، مشيرين إلى أن شاركو كان تلميذ دوشين، الذي "كان [يستشهد] به عن طواعية... بوصفه أستاذًا"، مع الإشارة تحديدًا إلى عمله في التصوير الفوتوغرافي (Marie 736; qtd. in Goetz, Bonduelle, and Gelfand 78). وفي الوقت نفسه، لم يكن كل من رينيار وبورنفيل غريبين عن عمل دوشين في الفيزيونوميا البشرية، بل كانا متأثرين بعمله بقدر تأثر مشرفهما به. وفي الواقع، بدأ رينيار العمل مساعدًا لشاركو عام 1875 (Bergstein 89)، وهو عام وفاة دوشين، من أجل إعادة تأسيس استمرارية تجاربه "الأستاذ" الابتكارية؛ وقد خصص شاركو لها في السالبتريير غرفة مجهزة سمّاها باسم دوشين.
وقد أُنجز كل من Le Mécanisme وIconographie داخل نظام الفكر في القرن التاسع عشر، ولذلك استجابا لمطلب عصرهما: أن "يربطا فعل الرؤية بفعل المعرفة" (Gunning 158, 154). واستخدم كلاهما التصوير الفوتوغرافي وسيلةً لـ"الرؤية"، وقدَّم كلاهما موضوع الدراسة بوصفه "مرئيًا عبر عدسة آلة تصوير". غير أنهما كانا ينظران إليه على نحو مختلف جدًا، ويوثقان ظواهر مختلفة تمامًا. فشبكة دوشين كانت سجلًا "كاملًا" ومنظمًا لاستجابات الجسد للتنبيه الكهربائي، أي مجموعةً من عناصر "لغة الانفعالات" التي مثَّلتها بصريًا. وكان يبدو أنه لا شيء يمكن إضافته إلى تلك المجموعة المغلقة. أما ألبومات شاركو فكانت تشكل مجموعة مفتوحة تُضمر اللحظات الانتقالية غير الممثلة، لكنها مع ذلك ذات دلالة بالنسبة إلى البنية. وكما تلاحظ جوان كوبجيك عن ألبومات شاركو، فإن "الصور [كانت] ترمي إلى تعقب هذه الحركات بوصف ذلك وسيلةً لتحديد اختلاف الأعراض بعضها عن بعض، تلك الأعراض التي كانت لولا ذلك ستبدو متشابهة لأن الحركات تُنفَّذ بسرعة مفرطة وبسيولة تمنع العين البشرية من تمييزها" ("Flavit et Dissipati Sunt" 302). وهكذا كانت صور شاركو، من جهة، ترمي إلى "تثبيت" لااستقرار الهستيريا؛ لكنها، من جهة أخرى، كانت تبرهن على النقص الجوهري في مثل هذه الأشكال من التمثيل: فاستمرارية الحدث كانت تستدعي انقسامًا تحليليًا عبر إنتاج مزيد من الآثار الرسومية.
الخاتمة
وخلافًا لمجموعة دوشين التي تضم العناصر المنفصلة للغة الانفعالات، بحيث يمتلك كل عنصر قيمة سيميائية، فإن ألبوم شاركو تجربة في تمييز مراحل النوبة الهستيرية عبر "قياسها" بعضها ببعض من حيث شدتها وسرعتها. وقد عمل، مع مصوريه، على بناء منطق استمراريتها بتحويلها إلى بيانات. وألبومات شاركو تجربة في ترقيم حدث نفسجسدي. وكما يصف جيمس تشارلتون هذه العملية:
[إنها] مثال على منهج بنيوي رقمي هو وظيفة لكل من الفاعلية المشتركة والعزلة المتشظية التي تعيد تموضع الفرد في المركز الزمكاني للمادية التي هي العمل. وما لدينا ليس مادة واحدة متصلة، بل ماديّات متعددة متشكلة معًا، وكلها مترابطة في الشبكة العلائقية للقطعة. (n.p.)
ويُعد عمل ألبير لونْد، الذي واصل العمل مع شاركو في ثمانينيات القرن التاسع عشر، حاسمًا في عملية الترقيم هذه. فهو معروف أساسًا بتجاربه في التصوير الزمني بوصفه عمليةً تجمع بين تشظية البيانات وتحريكها. وفي ثمانينيات القرن التاسع عشر، استخدم لونْد، إضافة إلى التصوير الزمني، التصوير المجسم ثلاثي الأبعاد لإنتاج سجلات أفضل لسطح الجسد. ويعلق غانينغ قائلًا: "في اندفاعه إلى إحكام تحليل المكان والزمان بواسطة التصوير الفوتوغرافي، يبدو أن لونْد قد أنشأ قوة مضادة لافتقار موضوعه إلى السيطرة الجسدية؛ لقد حاول أن يسيطر، عبر التكنولوجيا، على سلوك كان يقاوم النظام في غير ذلك" (160). وما يتبع أيضًا من قراءة غانينغ الحدسية لعمل لونْد هو أن الجهاز الفوتوغرافي، بكل تنويعاته، لم يكن آلة "محايدة" للمراقبة وإنتاج البراهين العلمية. بل كان أحد الفواعل في تجميع الأنظمة الممتزجة التي أثرت في قابلية الأعراض الهستيرية لإعادة الإنتاج. وبعبارة أخرى، فإن العمليات التي حُشدت بالانخراط في آلات الكتابة في القرن التاسع عشر توحي بتعريف الترقيم بوصفه عملية تقسيم، لا بوصفه أمرًا محصورًا في الثنائية الإلكترونية. فهي تكشف الوظائف الاتصالية، ومن ثم الضبطية، للترقيم (بحسب فينر)، وقابلية العمليات التحليلية النفسية المرقمنة لإعادة الإنتاج، أي أدائية الهستيريا.
القسم الثالث: الآلات الإكستيمية
... تزداد السيبرنيطيقا تعقيدًا فأكثر، فتغدو سلسلة ثم شبكة.
ومع ذلك فهي مؤسسة على سرقة المعلومات، وهو أمر بسيط جدًا. 78
- ميشيل سير
78 سير، The Parasite، 37.
الفصل السادس: التواطؤ والسلبية التفاعلية
1. أيديولوجيا اقتفاء الأثر
إن عصر التمركز حول الكتابة لم ينتهِ في القرن التاسع عشر. نحن نعيشه الآن. فبعد رحلة عبر عدة قرون، يعيدنا هذا الفصل إلى الحاضر كي يقترح تماثلًا بنيويًا بين تجميعات الكتابة في القرن التاسع عشر وتجميعات اليوم. إن آلات الكتابة التي نرتبط بها اليوم "إكستيمية"، على حد تعبير لاكان كما نظَّره ميلر. وعلى الرغم من أيديولوجيات التخصيص ووعود الأمان، فإنها تنفي صراحةً إمكانات الحميمية ذاتها، إذ تكشف الآخر الحاضر في صميم الذاتية نفسها (Miller, "Extimity" n.p.). فالداخل يشتمل على الخارج.
ومن خلال تقصي حالة إحدى أحدث التقنيات، وهي التطبيقات المحمولة، و"التقنيات الذكية" عمومًا، أتناول في هذا الفصل أسئلة الحوكمة والضبط كما تصورتها السيبرنيطيقا. وكما في الفصل السابق، أنظر هنا إلى تجميعات الإنسان والآلة التي نكوِّنها مع آلاتنا اليوم لأجادل بأن التطبيقات المحمولة تختلف عن البرمجيات الأخرى بسبب الدور الذي تؤديه في تحويل تهيئة الفاعلين داخل مثل هذه التجميعات. إن معنى مثل هذا التهيؤ الجديد تحجبه خطابات "الابتكار"، و"الإبداع"، و"الاستدامة"، و"الإنتاجية"، و"الشفافية"، التي تدعو إلى الاستعمال المكثف للتقنية القائمة على السحابة من أجل توليد مزيد من البيانات. وتفضي هذه العملية إلى خلق بيئة يصبح فيها "الجسد عبر المنصات بوصفه الجسد مع البيانات" هو "الجسد بوصفه البيانات التي ينتجها" (Clough 2012, 2015). ويكتسب الجسد عبر المنصات خاصية القابلية للبرمجة عندما "يشارك المستخدمون بنشاط في إخراج مشهد خضوعهم السلبي هم أنفسهم - و... يرون مثل هذه المشاركة شكلًا من أشكال اقتسام السلطة" (Andrejevic 15). ويحدد سلافوي جيجك هذا بوصفه علاقة "سلبية تفاعلية" (The Žižek Reader 102-124) - تظاهرًا قسريًا بالسلبية، مع انخراط محموم فعليًا في إنتاج البيانات. وفي هذا السياق، أقترح أن التطبيقات المحمولة بوصفها عناصر في الحوسبة السحابية هي "فصيلة وسائطية" (Manovich 2013) تختلف عن البرمجيات الأخرى؛ إذ تفرض نوعًا من "التفاعلية الشمولية" (Manovich 1996)، يتلاعب بالمستخدمين عبر فرض مطالبتها لهم بالانتباه والتفرغ والتواطؤ مع الشبكة الآلية ولأجلها على مدار الساعة.
وأجادل بأن العلاقة ذات السلبية التفاعلية بالتكنولوجيا تقوم على منطق "الطرف الاصطناعي"، وهو منطق يمكن، بل ينبغي، تمييزه من منطق "الامتداد". فهما طريقتان مختلفتان أو تهيئتان مختلفتان لإمكانات الكينونة مع التكنولوجيا واستحالاتها وعرضياتها وضروراتها. وأجادل بأن التمييز بين هذين المنطقين وهاتين الطريقتين، كما طوَّره من بين آخرين مارشال ماكلوهان، الذي تبنت نظرية الإعلام مفهومه للتكنولوجيا بوصفها "امتدادات للإنسان"، يمكن جعله صريحًا في سياق السيبرنيطيقا، التي تتصور الطريقتين باعتبارهما متحولتين باستمرار، وعلى نحو متبادل، في كيفية عملهما، وفي الزمن، وعبر كل حد. وأخيرًا، أوضح لماذا يفيد مثل هذا التمييز في قراءة التطبيقات المحمولة والممارسات التي تتيحها لإنتاج "الذات البيانية" (Bauman et al., 2014). وتأتي هذه المناقشة جوابًا عن السؤال الذي صاغته ليديا هـ. ليو: "أين تقع الكتابة في الإعلام الرقمي؟"
لا يمكن التفكير في الأنظمة السيبرنيطيقية ذاتية التنظيم من دون مفهوم "الشبكة" الذي يتيح التغذية الراجعة ونقل المعلومات بين الأوتوماتا والبيئة، أو بين أنظمة مختلفة. وفي كتابه What Is Cybernetics? الصادر عام 1954، يوضح غيبو أن شبكة العلاقات، أو "نمط الوصلات المتشابكة"، كانت موضع الاهتمام الأول لدى السيبرنيطيقيين:
إن "الشبكة" هنا استعارة، وهي في الوقت نفسه أكثر من استعارة. ... ففي نظام من الخلايا أو الصناديق الموصولة بمسارات، قد يكون من الممكن، كما في أبسط المخططات - شجرة العائلة - ألا توجد أبدًا إلا طريقة واحدة للذهاب من خلية إلى أخرى، بحيث نضطر، لكي نعود إلى نقطة البداية، إلى اجتياز طريقنا نفسه من جديد. ومن ثم لا توجد دوائر مغلقة، ولا تكاد "الشبكة" تستحق الاسم. ولكن ما إن يغدو المخطط أكثر تعقيدًا حتى تبدأ الدوائر المغلقة (وتسمى أيضًا "حلقات" أو "شبكات متداخلة") في الظهور. وحضور مثل هذه الحلقات في مخطط السيرفو-آلية أمر أساسي جدًا؛ فمنها تتكوَّن البنى "الانعكاسية" و"الاستجابية". (15، 17)
وتفترض مفهومات "التغذية الراجعة" و"التواصل" بين الأنظمة ذاتية التنظيم أن هذه الأنظمة موصولة شبكيًا. وهذا يعقد فهم الحدود بين الأنظمة المعقدة، إذ يمكن الآن التفكير فيها بوصفها إما مسامية وإما تخيلية. وهنا لا تعود "الشبكة" مجرد صورة فكرية مجازية، بل تصير علاقة مجاز مرسل بين أنظمة تلح على تجاورتها المادية (في المكان) واستمراريتها (في الزمن).
وتجسد مثل هذا النموذج لشبكة معقدة أو نسيج متشابك بعد عقد من ذلك، في عام 1964، حين اخترع المهندس الكهربائي الأمريكي بول باران تقنية تحويل الحزم المصممة لنقل الرسائل المجزأة عبر أفضل العقد المتاحة في شبكة موزعة. وسرعان ما أصبحت هذه البنية الموزعة، المختلفة عن الشبكات المركزية واللامركزية، نموذجًا لـ ARPANET، أول شبكة اتصالات واسعة النطاق كبيرة أنشأتها وزارة الدفاع الأمريكية عام 1969. وقد عبَّرت هذه البنية الموزعة للاتصال المنظَّم عن "فكرة سيبرنيطيقية صريحة عن التصميم" (Pickering 32). وكما يشرح أندرو بيكرينغ، فعلى خلاف المفهوم المعتاد للتصميم، الذي يمنح النظرية امتيازًا و
... يقتضي صياغة خطة تُفرض بعد ذلك على المادة ... فإن النهج السيبرنيطيقي يقتضي ... تفاعلًا مستمرًا مع المواد، البشرية وغير البشرية، لاستكشاف ما يمكن إنجازه - ما يمكن أن يُسمى نهجًا تطوريًا في التصميم، يستلزم بالضرورة قدرًا من الاحترام للآخر. (32)
غير أن هذا الوصف المتفائل عمدًا لا ينفي إمكان الضبط الموزع على المستوى الجزئي، وهو ما ينطوي عليه مفهوم "التنظيم"، ولذلك تظل السيبرنيطيقا طريقةً لإخضاع "الآخر" للنسق.
وعلى الصعيد المكاني، انتشرت الشبكة السيبرنيطيقية للاتصال، في البداية عبر الولايات المتحدة ثم عبر العالم، منشئةً تدريجيًا مساحةً ملساء للاتصال المنظَّم من خلال الإدارة الميكروية لتدفقات المعلومات. وتقدم لوتشيانا باريزي، في Contagious Architecture، مثالًا على إخضاع "الآخر" للنسق، حين تلاحظ أن الفضاء النيوليبرالي "يُعرَّف بحركة الناس (المشبَّكة)" (160). وهكذا يصير الفضاء الحضري وفضاء الأعمال متشاكلين، لأنهما يتوسطهما تابع ثابت يُقيم اتصالًا طوبولوجيًا تدفعه التفاعلات المحلية. وقد قيل إن هذا الاندماج بين الفضاء المعماري وفضاء السوق - هذا "فضاء-الحركة" الذي وصلهما في إدارة نيوليبرالية لا مركزية للذاتية - لا يفعل إلا أن يؤكد "تعميم الشكل السوقي نفسه" (160). وبعبارة أخرى، اتُّهمت العمارة والتصميم المعاصران بتبني التصورات الفلسفية والنقدية للفضاء، ولا سيما الفضاء الأملس للضبط، لصالح عمليات السوق النيوليبرالية، التي غدا كينونها الأنطولوجي يبتلع جميع أشكال الجمال والثقافة والتكنولوجيا (160).
أما على الصعيد الزمني، فقد أقامت البنية الموزعة للاتصال المنظَّم علاقة جديدة بين الماضي والحاضر والمستقبل، وعبرها، علاقةً تقوم على فكرة ماضٍ قابل للتسجيل والاسترجاع، ومستقبلٍ مستبقٍ وسائطيًا (Grusin, 2010)، قابل للتنبؤ ومخطط له سلفًا بواسطة التطبيقات - زمنية ملساء للحاضر الآن، نعيش فيها حياة "على السجل" تُخزنها الآلات على نحو كلي من دون موافقتنا. وكما يكتب روب كولي ودين لوكوود، فإن الرأسمالية "تنزع الإقليم، وتُسيِّل، وتطلق الرغبة"، "ولكن فقط لكي تسجلها، وتنظمها، وتفرزها، وتنخلها، وتستبقها، وتعدلها بفضل تكنولوجيا الضبط" (23). ويوفر فيلم كريستوفر نولان Inception (2010)، عن "فريق من اللصوص المحترفين العاملين لصالح الشركات" يستكشف إمكانات "استخراج معلومات صناعية مُربحة من عقول أهدافه الباطنة وهم نائمون"، استعارةً قوية لـ"زمن السحابة": "استنبات المستقبل" (Coley and Lockwood 3). هذا هو Nineteen Eighty-Four لجورج أورويل: "من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل؛ ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي"، لكن مع التفافة جديدة: ... من يسيطر على المستقبل يسيطر على الحاضر.
وبعد وقت قصير من اختراع باران لنقل الرسائل عبر شبكة موزعة، "ارتبطت حركة الإنسان بتواصله"، 79 معلنةً "الانتقال من بيئة ميكانيكية إلى بيئة إلكترونية" (Wigley 385). وكما يشير مارك ويغلي في "Network Fever"، أصبحت هذه الموضوعات مادة الندوات السنوية للإيكستكس التي عقدها المعماري اليوناني كونستانتينوس دوكسياديس على متن يخته New Hellas من أوائل ستينيات القرن العشرين إلى منتصف سبعينياته. وخلال هذه الاجتماعات، اجتمع معماريون مشهورون، وعلماء أحياء، وآثاريون، ومهندسون، ولسانيون، وعلماء وراثة، وعلماء نفس، وأطباء نفسيون، وأنثروبولوجيون، إلى جانب موسيقيين، وباحثين في الأدب، ومؤرخين، وفلاسفة، لمناقشة مستقبل السكن البشري. وقد عرَّف دوكسياديس الإيكستكس بوصفها دراسة "مستوطنة كونية" في هيئة "مدينة عالمية مهددة بتوسعها الطوفاني" (1963). وكان يعتقد أن مثل هذه المدينة ستتكون من كوكبة من "وحدات الفضاء" المتصلة، وستشكل، بهذا المعنى، "نظامًا معقدًا من الشبكات، المادية والإدارية، التي يعمل بها مجتمعنا" 80 (Ekistics, 1969). وكانت "علاقة وحدات الفضاء" ستشترط "إلى حد كبير العلاقة بين الناس"، 81 (Ekistics, 1968)، من حيث إنها ستعلمهم ربط حاجتهم إلى الاتصال بتصميم تقني بعينه، سواء كان نظام سكن أو شبكة محمولة.
79 عنوان العدد الخاص من Ekistics (وهي مجلة مكرسة لعلم المستوطنات البشرية كما عرَّفه كونستانتينوس دوكسياديس) الصادر في مايو 1970، الذي ناقش "الانتقال من بيئة ميكانيكية إلى بيئة إلكترونية". وكان موضوع مؤتمر ديلوس في تلك السنة "من حركات الإنسان إلى تواصله" (Wigley 385).
80 "Networks: Lanwair." Ekistics (April, 1969).
81 "Relationship of Units in Space." Ekistics (June, 1968).
وقد بدأ إعادة التفكير في مفهوم "شبكة" السكن من حيث الدوران وحركة المرور قبل ندوة ديلوس بعدة عقود، خلال المؤتمر الدولي الرابع للعمارة الحديثة (CIAM) المنعقد في موسكو عام 1933. وقد صيغت ندوة ديلوس العائمة على مثال CIAM، واستعادت هواجسه في ستينيات القرن العشرين. وكان ماكلوهان هو من أخذ "حجة CIAM في اتجاه الإلكترونيات"، حين أعلن "في صباح اليوم الثاني من أول رحلة بحرية إلى ديلوس أن الإلكترونيات تطرح تحديات جديدة على المخططين لأن هذا الامتداد الطرفي الأحدث للجسد يعرِّف شكلًا جديدًا كليًا للفضاء" (Wigley 382, 383). وفي سياق ذلك المؤتمر العائم، التقى ماكلوهان، في 6 يوليو 1963، بشخصيته الإلهامية القديمة التي استعار منها مفهوم "الامتداد الطرفي"، أي المعماري الأمريكي المستقبلي الجديد، والمخترع، ومنظِّر الأنظمة باكمِنستر فولر. وفي مناقشته الكاشفة لمؤتمرات ديلوس، يصف ويغلي هذا اللقاء بين "رجل قصير في سروال داكن، وسترة بيضاء ضيقة، وقميص مكوي، وربطة عنق" و"رجل طويل في سروال فاتح وقميص صيفي فضفاض مغطى بنمط هندسي" بوصفه اللحظة التاريخية التي بدأت "الخلط الجذري بين العمارة والشبكات" (377، 376). 82
82 يذكر ويغلي أن هذا اللقاء، على ما كان عليه من إغراء للمفكرين معًا، لم يخلُ من بعض التوتر:
كان [فولر] يشعر بأن أفكاره، ومنها مفهوم القرية العالمية الذي سيشتهر به ماكلوهان قريبًا، قد أُخذت منه بلا إقرار. ومع ذلك قامت صداقة قوية فورًا. وقد ساعد على ذلك كثيرًا، كما يتذكر فولر، أن ماكلوهان كان يحمل نسخًا من Nine Chains to the Moon (الذي كان قد أعيد نشره لتوه) وNo More Second Hand God عندما التقيا لأول مرة على القارب، معلنًا: "أنا تلميذك. ... لقد انضممت إلى مؤامرتك". وماكلوهان، الذي كان قد أنكر حصوله على فكرة الامتداد الطرفي من أي أحد حتى التقى فولر، أخبر أصدقاءه لاحقًا أن فولر مفكر "خطي" أكثر مما ينبغي. أما فولر فقال لأصدقائه إن ماكلوهان لم تكن لديه أفكار أصلية قط، ولم يدَّعِ ذلك. لقد كان فقط يعيد خلط مواد متاحة بطريقة أصلية. (377-378)
وقد تحدث كل من فولر وماكلوهان عن الأطراف الاصطناعية في أعماله. وكان ماكلوهان متأثرًا بكتاب فولر Nine Chains to the Moon (1938)، الذي وصف فيه التكنولوجيا بأنها امتداد للجسد، و"كان يصر على أن العمارة التقليدية ينبغي أن تفسح المجال أمام "شبكة خدمات سكن عالمية" على مثال شبكة الهاتف؛" وقد "تصور فيه شبكات إلكترونية كونية قبل زمن طويل من وصولها" (Wigley 376). غير أن مفهوم ماكلوهان عن "القرية العالمية"، الذي كان فولر قد مهَّد له تصوريًا، يمكن إرجاعه إلى أكثر من مصدر. فإريك ماكلوهان، مثلًا، يقترح أنه "إما أن يأتي من Finnegans Wake لجيمس جويس أو من America and Cosmic Man لـ ب. ويندهام لويس إن كان يأتي من أي مكان غير خيال [مارشال ماكلوهان] نفسه" (n.p.). 83
83 في التعليق الذي قدمه إريك ماكلوهان لـ McLuhan Studies، أوضح الأمر أكثر: "فيه يستخدم عبارتين، كلتاهما تلميح إلى رسالة البابا السنوية في عيد الفصح إلى المدينة (روما) وإلى العالم، Urbi et Orbi. وقد حوَّل جويس هذا إلى "urban and orbal" في موضع من Wake، وإلى "the urb, it orbs" في موضع آخر". أما بخصوص الإحالة إلى لويس، فيكتب إريك ماكلوهان ما يلي: "كان ويندهام لويس وأبي صديقين في الأربعينيات والخمسينيات. نشر لويس America and Cosmic Man سنة 1948 (في بريطانيا) و1949 (في الولايات المتحدة). وهذه هي الفقرة الحادية عشرة من الفصل الثاني من ذلك الكتاب:
إذا نظرت إلى أميركا الشمالية على خريطة العالم رأيت كتلة شديدة التجانس. إنها أكثر تركزًا وتجنسًا من أي كتلة أرضية أخرى. ترى مساحة هائلة مملوءة بالناس الذين يتحدثون لغة واحدة: ليست رقعة شطرنج من "ولايات متحدة" على الإطلاق بل دولة واحدة ضخمة. و"الولايات المتحدة" اليوم تسمية خاطئة. ولأن السيادة المتعددة على أي حال - الآن وقد غدت الأرض قريةً كبيرة واحدة، ومدت فيها الهواتف من طرف إلى طرف، وصار النقل الجوي سريعًا وآمنًا - لا بد أن تكون شيئًا هزليًا بعض الشيء، فإن التعدد الذي يوحي به ذلك الاسم يمكن حذفه ليكون مثالًا حسنًا لبقية العالم، ولتصبح U. S. A. الاتحاد الأمريكي." ("The Source of the Term, 'Global Village'" n. p.)
وأشكر ألان بيرو على لفت انتباهي إلى عمل ويندهام لويس.
وكان ماكلوهان، المنخرط بحماسة في النقاشات متعددة التخصصات خلال ندوة ديلوس، متلهفًا إلى تطوير هذا المفهوم عن الأطراف الاصطناعية إلى أبعد مدى. وكما يكتب ويغلي:
... صار القارب مكبرًا لحجته القائلة إن الإلكترونيات، في الواقع، بيولوجية، وإنها نظام عضوي ذو آثار مخصوصة. فتطور التكنولوجيا هو تطور الجسد البشري. وشبكات الاتصال، مثل أي تكنولوجيا، امتدادات طرفية للجسد. إنها أجزاء جسدية جديدة وتؤلف كائنًا حيًا جديدًا، ونظامًا مكانيًا جديدًا، وعمارة جديدة. وكانت صورة الأطراف الاصطناعية هذه - التي كان ماكلوهان قد قدمها أول مرة قبل عام في The Gutenberg Galaxy وكان منهمكًا في تطويرها في Understanding Media: The Extensions of Man، الذي سيقذفه إلى النجومية عند صدوره بعد عام - قد أُعيد الآن تأطيرها بوصفها صورةً معمارية. (376)
وفي الواقع، يحدد ماكلوهان في Understanding Media التعزيز التكنولوجي لقدرات بشرية متنوعة: فيعرِّف الكلمة المكتوبة بأنها "عين بدلًا من أذن"، واللباس بأنه "جلدنا الممتد"، والساعات بأنها تنتج "رائحة الزمن"، والبرق بأنه "الهرمون الاجتماعي". وفي الفصل الأخير من الكتاب، ينتهي إلى سيناريو سيبرنيطيقي للأتمتة قائم على التبادلات المتواصلة بين الإنسان والآلة التي تيسِّرها امتداداتهما. ويستكشف ماكلوهان دلالات مثل هذه العلاقات، معبرًا بذلك عن رؤية غير ساكنة للتكنولوجيا. خذ، مثلًا، المقطع التالي من مقالته "The Gadget Lover"، حيث يكتب:
فسيولوجيًا، يُعدَّل الإنسان، في استعماله الطبيعي للتكنولوجيا (أو لجسده الممتد على وجوه شتى)، على نحو متواصل بوساطتها، ويجد بدوره دائمًا طرقًا جديدة لتعديل تكنولوجيته. ويغدو الإنسان، إن جاز القول، العضو الجنسي لعالم الآلة، كما تكون النحلة لعالم النبات، فيمكِّنه من الإخصاب ومن التطور إلى صور جديدة أبدًا. ويبادل عالم الآلة الإنسان حبَّه بتعجيل رغباته وشهواته، أي بتزويده بالثروة. (McLuhan 46)
ويبدو هذا الوصف أكثر من ملائم اليوم، حين نغذي آلاتنا بالبيانات باستمرار، فتتعلم هي لاحقًا تفضيلاتنا، وتبحث في طلباتنا، و"تحفظ" أنماط نشاطنا على الإنترنت لكي تحسن استجاباتها الخوارزمية، ومن ثم تمر على أنها "حدسية" أو "ذكية" أو ببساطة "ودودة" لمستخدميها.
وتتوافق رؤية ماكلوهان للمستخدم المعزَّز تكنولوجيًا، أو الموصَّل شبكيًا، مع التصور السيبرنيطيقي للعالم بوصفه آلة تنظيم على نطاق كوكبي. ويكتب ألكسندر غالاواي: "لهذا السبب كثيرًا ما يُنسب إلى السيبرنيطيقا أنها دشَّنت علاقة تاريخية مخصوصة بين الذات والعالم"؛ و"على وجه التحديد، تعيد السيبرنيطيقا صوغ العالم بوصفه نسقًا وتعيد صوغ الذات بوصفها فاعلًا" ("The Cybernetic Hypothesis" 113). وكما نعلم، لا يحتاج الفاعل في النسق السيبرنيطيقي إلى أن يكون بشريًا، بل قد يكون آلةً أو حيوانًا أيضًا. وكانت السيبرنيطيقا، بمفهومها عن "التركيب السيبرنيطيقي"، هي التي فتحت الطريق للتفكير في كل من هذه "الفاعلات" من جهة بعضها بعضًا. وكما يشير ديفيد ميندل، فإن مفهوم "التركيب" هو في أساس نظرية فينر عن "التواصل في الحيوان والآلة". فقد جادل فينر بأن "السلوك الإنساني والآليات الدينامية تعمل وفق مبادئ متشابهة"، وبذلك "أقام القياس بين الحاسوب الرقمي ... والجهاز العصبي البشري"، وهو ما سمَّاه "علمًا جديدًا للتغذية الراجعة" (4). وداخل هذا العلم الجديد يمكن استغلال أي نوع من الفواعل، حتى الآلة؛ غير أن الفاعل البشري لا يُستغل أو يُخدع أو يُتلاعب به فحسب، بل يسمح صراحةً بوقوع مثل هذا الاستغلال والخداع والتلاعب، عبر تواطؤه مع نظام الآلات الذكية، أو أنظمتها.
2. الامتداد الاصطناعي
في الأدبيات الممتدة من دراسات الإعلام والتكنولوجيا إلى ما بعد الإنسانية، ظل الخط الفاصل بين "الامتداد" و"الطرف الاصطناعي" غائمًا دائمًا، ولم يُصغ تمييز واضح بينهما قط. وأجادل في هذا الفصل بأن مفهومي الامتداد والطرف الاصطناعي هما طريقتان للكينونة مع التكنولوجيا، وأستخدم هذين المفهومين لإبراز الفرق بين التطبيقات المحمولة والبرمجيات الأخرى. وفي الوقت نفسه، أقترح طريقين متوازيين للتمييز بين هاتين الطريقتين، بقراءة الفرق بينهما بوصفه الفرق بين 1) المجاز المرسل والاستعارة و2) الفائض والنقص.
طريقتان متوازيتان للتمييز
| الطرائق | 1 | 2 |
|---|---|---|
| الامتداد (برمجيات أخرى) | المجاز المرسل | الفائض |
| الطرف الاصطناعي (التطبيقات المحمولة) | الاستعارة | النقص |
| الإنتاج | الجسد عبر المنصات | الذات المتواطئة |
الجدول 1. طريقتان لعلاقتنا بالتكنولوجيا.
وكما اقترحت، فإن طريقتي الامتداد والطرف الاصطناعي مختلفتان منطقيًا. فمفهوم الامتداد تحكمه منطقية المجاز المرسل التي تفترض المجاورة، أما منطقية الطرف الاصطناعي فتحكمها منطقية الاستعارة. وكل من المجاز المرسل والاستعارة يسنده قانون الإحلال: ففي حين أن المجاز المرسل إحلال للجزء محل الكل، فإن الاستعارة إحلال على أساس الشبه.
ويتيح لنا هذا الفهم أن نتحدث عن إنتاج الجسد عبر المنصات بوصفه إنتاجًا يصير هو نفسه منصة. فكما يتصوره مارك أندريسن، المنصة هي "نظام يمكن إعادة برمجته" وتخصيصه لكي يتكيف مع "حاجات ومنافذ لا حصر لها لم يكن المطورون الأصليون للمنصة ليتصوروها على الإطلاق". وهذا يقتضي قابليتها الجوهرية للبرمجة: "إذا أمكنك برمجتها فهي منصة. وإذا لم يمكنك ذلك فهي ليست منصة." 84 إن منطق التحول إلى برمجيات (softwarization) (Manovich, 2013) هو منطق الامتداد؛ في حين أن منطق التحول إلى تطبيقات (appification) (IDC, 2010) 85 هو منطق الطرف الاصطناعي. والأول أيضًا هو منطق المجاز المرسل، ويفترض المجاورة بوصفها تجاور كيانات مختلفة؛ أما الثاني فهو منطق الاستعارة، ويقوم على قانوني الانفصال والإحلال على أساس الشبه. ومع ذلك، لا تمثل حالة الامتداد والطرف الاصطناعي، ولا حالة التحول إلى برمجيات والتحول إلى تطبيقات، تقابلات ثابتة.
84 Quoted in Bogost, Ian and Nick Montfort. "Platform Studies: Frequently Questioned Answers." Digital Arts and Culture, December 12-15 (Irvine, Calif., 2009), http://nickm.com/if/bogost_montfort_dac_2009.pdf.
85 انظر: "IDC Predicts 2014 Will Be a Year of Escalation, Consolidation, and Innovation as the Transition to IT's '3rd Platform' Accelerates," http://www.businesswire.com/news/home/20101213005128/en/IDCForecasts-Worldwide-Mobile-Applications-Revenues-Experience.
وتفترض طريقة الامتداد "إضافة" شيء "زائد" بغية توسيع الجسد أو تعزيز قدرة جسدية أو ذهنية معينة. فالجسد الممتد يصير "أكثر من نفسه". وقد يكون مثل هذا الوصف إشكاليًا جدًا إذا عاملنا الجسد السابق على الامتداد بوصفه أصليًا أو طبيعيًا. غير أن الجسد في تحول متواصل دائمًا؛ فهو إما يمتص أو يلفظ، ولكن فقط لكي يمتص شيئًا آخر من جديد. ولا وجود لصورة "أصلية". ومع ذلك فالجسد ليس غير حساس للامتدادات أو "الفوائض"؛ فالإدمان خطر دائم. ومن هنا نستطيع أن نقيم صلةً بسيكوباثولوجيا الطرف الاصطناعي التي كثيرًا ما ترافق الانتقال من الطرف الاصطناعي بوصفه فائضًا إلى تشكُّل هذا الفائض نفسه بوصفه نقصًا. وهذا أمر حاسم لقراءة تحليلية نفسية لإدمان التكنولوجيا. وكما يلاحظ لوكا بوسيتي، فإن "كلمتي "الإدمان" و"الطرف الاصطناعي" تحملان معنًى متشابهًا جدًا"؛ ثم يواصل:
يشير منظرو الإدمان إلى أن لفظة "addiction" تأتي من اللاتينية ad-dictum وترتبط بلفظة "edicts" التي كانت تدل في الأصل على قانون جديد يُضاف إلى الجسد القانوني، ثم صارت تدل على الفعل القانوني الذي يُسند شخصًا أو شيئًا إلى إرادة آخر. أما منظرو ما بعد الإنساني، فيذكروننا بأن لفظة prosthesis تأتي من اليونانية pro وthesis وتعني حرفيًا أيضًا "إضافة"، وإن كان معناها في الإنجليزية قد كان في الأصل نحويًا لا طبيًا، إذ كان يشير إلى إضافة مقطع في أول الكلمة لا إلى بديل عن جزء من الجسد. وهكذا يحيل كل من الإدمان والطرف الاصطناعي إلى شيء مضاف. وفوق ذلك، ... تبين هذه التعريفات أن الطرف الاصطناعي والإدمان كانا في الأصل يشيران أيضًا معًا لا - كما هو الحال الآن - إلى شيء يُضاف إلى الجسد، بل إلى شيء يُضاف إلى الدلالة، إلى دال القانون في حالة الإدمان، وإلى الدال بما هو كذلك في حالة الطرف الاصطناعي النحوي. (411)
ولهذه الأسباب وأشباهها، يغيب غالبًا التمييز الواضح بين الطريقتين في الكينونة مع التكنولوجيا - الامتداد والطرف الاصطناعي. والواقع أن هناك انقلابات متواصلة من نمط إلى آخر. وهذا ليس مصادفة، بل يمكن رده إلى أسس التفكير السيبرنيطيقي. وفي الوقت نفسه، فإن المصطلحين غير قابلين للتبادل في أعمال السيبرنيطيقيين الأوائل؛ بل إنهما يعينان درجةً معينة من الاختلاف أو التغير الملحوظ في الموضوع، إما بسبب عمليات التفاعل مع العالم الخارجي أو بسبب تطورات داخلية بعينها.
إن المستخدم المنخرط فيما صار الآن شبكةً عالمية تُدار بـ"تقنيات ذكية" كثيرًا ما تُهيأ خبرته له في طريقة، من جهة، هي طريقة الامتداد؛ إذ تُصاغ أجهزته بوصفها إضافات نافعة ومُمكِّنة، مثلًا عندما يتعلق الأمر بإدارة مهام يومية متعددة، أو تنظيم مشروع بحثي كبير، أو الحفاظ على التبادلات الاجتماعية أو الجماعية. لكن هذه الطريقة تقود، من جهة أخرى، إلى طريقة الطرف الاصطناعي. وهي تزيد تشييء المستخدمين واغترابهم إذ لا تترك لهم خيارًا آخر سوى الانخراط مع الآلات من أجل إنتاج البيانات، الأمر الذي يزيد بدوره من افتراضية العمل. ومن المعلوم اليوم أن أداء "التعاون" بين الإنسان والآلة لا يُحسَّن إلا حين تميل العلاقة بينهما نحو الطريقة الطرفية الاصطناعية. فعندما تتزامن عناصر التجميع وتندمج، تغدو أنظمتها متشابهة وتدخل في نظام من الاعتماد المتبادل: فعندما تكون المسألة معلوماتية، كما تصر كلوف، 86 يجد كلٌّ من آلة المعلومات والإنسان نفسه في حاجة إلى الآخر.
86 انظر، مثلًا، مقابلتي مع كلوف وغالاواي في Fibreculture 25 (2015): "On Governance, Blackboxing, Measure, Body, Affect and Apps. A Conversation with Patricia Clough and Alexander R. Galloway."
وهنا، إلى جانب إنتاج الجسد عبر المنصات، تُنشئ الحاجةُ إنتاجَ الذات المتواطئة. 87 وكلا الإنتاجين، الجسد عبر المنصات والذات المتواطئة، مهم لمناقشتي الفرقَ بين التحول إلى برمجيات والتحول إلى تطبيقات بوصفه علاقة جدلية بين طريقتي الامتداد والطرف الاصطناعي. فالجسد عبر المنصات تشكُّل متقلب يُخضع باستمرار للقياس والمراقبة. أما الذات المتواطئة فمستقرة في الحيز غير الموجود بين الفائض والنقص، في عمل لا ينتهي، تعيد إنتاج نفسها بوصفها فجوة.
87 إن مصطلح "الذات المتواطئة" ليس مثاليًا، لأنه شكل من "التأتأة الاصطلاحية"، إذ إن هذا الشكل المحدد من التواطؤ بوصفه اعتمادًا هو بالفعل شكل خالص من أشكال الذاتية، كما أفهمه. ومع ذلك، ولأغراض مناقشتي لظاهرة التواطؤ، أحتفظ باستخدام هذا المصطلح.
والطريقتان في عملية تحول متواصل في كيفية عملهما، وفي الزمن، وعبر كل حد مهما يكن - تمامًا كما تصورت السيبرنيطيقا هذه العلاقة التحويلية. ومن ثم فإن غياب التمييز بينهما ليس مصادفة؛ إنه إغفال مبرمج. لننظر إلى فينر. ففي مقدمة Cybernetics يوجز المنافع العملية للأفكار السيبرنيطيقية في مجالات مختلفة، و"إحدى هذه المجالات مسألة الأطراف الاصطناعية للأطراف المفقودة أو المشلولة" (25). وهو يكتب:
إن فقدان جزء من الطرف لا ينطوي فقط على فقدان الدعم السلبي المحض للجزء المفقود أو قيمته بوصفه امتدادًا ميكانيكيًا للجزع، ولا على فقدان القدرة الانقباضية لعضلاته، بل ينطوي كذلك على فقدان جميع الإحساسات الجلدية والحسية الحركية الصادرة عنه. والخسارتان الأوليان هما ما يحاول صانع الطرف الاصطناعي الآن تعويضه. أما الثالثة فما تزال حتى الآن خارج نطاقه. (Wiener, Cybernetics 26)
ومع أن الأمر قد يبدو كما لو أنه يستخدم كلا المصطلحين، "الطرف الاصطناعي" و"الامتداد"، للإشارة إلى الشيء نفسه، فإنهما يعينان علاقتين مختلفتين بين المادة العضوية لجسد الإنسان والمادة اللاعضوية للشيء التكنولوجي. فبالنسبة إلى فينر، كل من الطرف الاصطناعي والامتداد تعويض أو إحلال عن فقدان. غير أن الامتداد هو دعم "سلبي" أو "ميكانيكي" للجزع، وقد تكون له أيضًا قيمة جمالية ويعيد الاتساق التخيلي للجسد، بينما يكون الطرف الاصطناعي سيبرنيطيقيًا لأنه يعمل بوصفه "تعويضًا عن الحواس المفقودة" (25). فالطرف الاصطناعي السيبرنيطيقي يختلف عن الامتداد في أنه يندمج مع النسيج العضوي للجسد والجهاز العصبي بواسطة التغذية الراجعة؛ أي إن تدفق المعلومات يتجاوز حدود المادة العضوية واللاعضوية. ومن هذا المنظور، وعلى الرغم من أن الطرف الاصطناعي ما يزال تخييليًا جزئيًا، فإنه يقدم أيضًا إمكانية تغيير الجسد التخيلي المكتسب في "مرحلة المرآة" أو تجاوزه، بتعبير لاكاني، وهو ما يؤدي أحيانًا إلى حلول أصلية من أجل "افترضة" الحواس و"إعادة خلطها". ويكتب فينر: "لقد طُبقت أفكار هندسة الاتصال بالفعل، على يد مكالَغ، على مشكلة تعويض الحواس المفقودة"، ويضيف: "في بناء أداة تمكِّن الأعمى من قراءة المطبوع بالسماع" (25). 88 ومع الطرف الاصطناعي السيبرنيطيقي، عندما "تتحرك البيانات عبر أنواع مختلفة من الواجهات، تكون العلاقات القياسية هي الوصلات التي تتيح للأنماط أن تُحفَظ من طريقة إلى أخرى. وكما تكتب ن. كاثرين هايلز في How We Became Posthuman، فإن "(ا)لقياس يُبنى، إذن، بوصفه نظام تبادل كونيًا يتيح للبيانات أن تنتقل عبر الحدود" (98).
88 عن البحث في الإعاقة الذي أُجري في مختبرات بِل ثم في MIT لاحقًا، انظر: Mills, Mara. "On Disability and Cybernetics: Helen Keller, Norbert Wiener, and the Hearing Glove." differences: A Journal of Feminist Cultural Studies 22.2-3 (2011): 74-111.
وفي هذا التعليل القياسي للسيبرنيطيقا نعثر على أصول نظرية ماكلوهان في الامتداد. ففي "The Phantom Captain"، وهي قصة قصيرة من كتاب فولر Nine Chains to the Moon، الذي كان ماكلوهان يحمله في يديه حين التقى مؤلفه على يخت دوكسياديس، ترد عدة مقاطع يستطيع أي قارئ مطلع حتى على "ماكلوهان أساسي" أن يتعرفها فورًا. ففي أحد المقاطع يكتب فولر أنه "لم يكن سوى خطوة من الزينة الزائفة والامتدادات السطحية الاصطناعية للجسد البشري، في مسألة اللباس، إلى المأوى؛ ومن المأوى إلى العدد اللامحصى من الأدوات والآلات التي طوَّرها [الإنسان] عقلانيًا في وقت مبكر بوصفها امتدادًا لآليته الخاصة" (25). وفي مقطع آخر يكتب: "إذا احتفظ المرء بالدلالة الكاملة لهذه الفكرة في ذهنه، أمكنه أن يدرك فجأةً... أن السيارات... امتدادات لسائقيها، كما هي قبعات السائقين ومعاطفهم وأحذيتهم ووجوههم؛ إنها تدرج صناديق داخل صناديق كما في ألعاب الطفولة" (Fuller 28). وفي مثال آخر يصل فولر إلى استنتاج مدهش عن "الإنسان الممتد"، الذي يصف "روحه الداخلية" أو "وعيه" وصفًا ديكارتيًا بأنه "القبطان الشبح": "إن الاستنتاج المثير الذي يتيحه تصور قيادة القبطان الشبح هو أنه لا يستبعد فقط إمكان تشغيل الآلة الممتدة من دون إرادة الإنسان الباطن"، يكتب فولر، "بل إن الآليات الوحدوية تنجز للإنسان ما أخفقت السياسة باستمرار في تحقيقه" (28-29). ومن دون مثل هذه القيادة، يؤكد فولر، يتفكك الإنسان.
وهكذا فإن مصطلح ماكلوهان "prosthetic extension" ليس مجرد اصطدام بين طريقتين، بل يشير، بالأحرى، إلى لحظة تزامنهما، اللحظة التي تصيران فيها متناظرتين ومتجاورتين، ولو مؤقتًا. وبالنسبة إلى ماكلوهان، تعني "الرسالة" تغير المقياس الذي يقع بوصفه سلسلة، أو "تدرج صناديق داخل صناديق"، كما يحدث حين تصير الوسائط القديمة محتوى للوسائط الجديدة، وهكذا دواليك. أفلا ينبغي أن ينطبق المنطق نفسه على "الامتداد" و"الطرف الاصطناعي"؟ فكل امتداد يصير في النهاية طرفًا اصطناعيًا، إذ يدور النسق ذاتي التنظيم بين فائض (امتداد) ونقص (طرف اصطناعي). إن "prosthetic extension" عند ماكلوهان لا يحافظ فحسب على اتصال الفاعل الدائم أو علاقته بنسق ذاتي التنظيم وذاتي الإحالة، بل يُعد النسق نفسه. و"النسق"، كما يقول، هو التجميع كله: 1) نرسيس 2) مفتونًا بـ 3) انعكاسه في 4) الماء:
لقد خدَّر هذا الامتدادُ لذاته بالمِرآة إدراكاته حتى صار سيرفو-آليةً لصورة ذاته الممتدة أو المكررة. ... لقد تكيف مع امتداده لذاته وصار نسقًا مغلقًا. ... وما إن تمتد ذوات الناس في أي مادة غير ذواتهم حتى يستولي عليهم الافتتان بذلك. (41)
وبعبارة أخرى، فإن الإنسان الممتد هو الذي أغلق نفسه خارج العالم أو، كما يقول ماكلوهان، الذي تعرَّض لـ"بتر ذاتي" (42-43). وهذا التصور للإنسان وامتداده هو قلب لمفهوم جاك لاكان عن الذات. فبالنسبة إلى لاكان، تُسيء الذات التعرف إلى انعكاس في المرآة بوصفه "الذات"، وهو ما ينتج الذات المنقسمة. وبكلمات سامو تومشيتش، "الطرف الاصطناعي هو مرئية الانشطار، الانقسام الجسدي" (146)؛ وهكذا تكون "الذات" تكوينًا تخييليًا ثانويًا يحجب عدم الاتساق والانقسام. أما لدى ماكلوهان، فعلى العكس من ذلك، فيبدو أن "الذات" حاضرة في البداية، لكن الانخراط في الوسائط يسبب إحلال الامتداد محل "الذات" بحيث تنفصل "الذات"، أو "تُبتر": "إن الصورة تُنتج خدرًا معممًا أو صدمةً تنحدر بالاعتراف. البتر الذاتي يمنع التعرف إلى الذات" (43). وعلى الرغم من الاختلاف، يوحي المفكران كلاهما بأن التكنولوجيا تصدم وتؤثر وتخدع.
شكل العودية
حين يقدم جاي ديفيد بولتر وريتشارد غروسن مصطلح "إعادة التوسيط" (remediation)، فإنهما يحيلان أيضًا إلى مفهوم ماكلوهان عن "امتداد الحواس البشرية" الذي "يمكن حتى اعتباره استباقًا لسايبورغ دونا هاراواي" (77)، وهو، كما بينت أعلاه، يفي أيضًا بمنطق الطرف الاصطناعي. والواقع أنني، كما جادلتُ آنفًا، إذا كان الامتداد والطرف الاصطناعي طريقتين للكينونة مع التكنولوجيا، فلا يمكن تعارضهما تعارضًا بسيطًا. وعلى نحو مماثل، لا يمكن تعارض السايبورغ والإنسان تعارضًا بسيطًا لأن هاتين الطريقتين تتعايشان طوبولوجيًا بوصفهما جانبي سطح واحد. غير أن بينهما فروقًا دقيقة. صحيح أن الطريقة السايبورغية، حين يعتريها اختلال واضطراب، تسعى إلى التوازن بواسطة امتداد يهدئها. ولكن، مع مرور الزمن، يعاود الشكل الطرفي الاصطناعي للإنسان الظهور دائمًا ليخلَّ بتوازن النسق مرةً أخرى ويفتحه للدورة التالية نحو التغير.
ويلتقط ماكلوهان ذلك ويقترح انتقالًا من التحول إلى السايبورغ، عن طريق الامتداد، إلى التأنسن، عن طريق الطرف الاصطناعي، لا العكس. وهذا يتعلق بالشكل العودي للإنسان، أو بالأحرى للذات، من داخل النسق الآلي ذاتي التنظيم.
وصحيح أن ماكلوهان لا يميز بين مفهومي "الامتداد" و"الطرف الاصطناعي" لأن التمييز سيفترض فرقًا جوهريًا بينهما، وهو فرق يحاول تجنبه. ومع ذلك، فإنه، ولا سيما في Understanding Media، يتصور "الامتداد" و"الطرف الاصطناعي" بوصفهما طريقتين مختلفتين، أو مرحلتين، أو نمطين من أنماط الانخراط في التكنولوجيا يختلفان زمانيًا ومكانيًا معًا. إن "الوسيط هو الرسالة" عند ماكلوهان هي طريقته في تصور انتقال الامتداد نحو الطرف الاصطناعي: "إن ما نعنيه هنا... هو النتائج النفسية والاجتماعية للتصاميم أو الأنماط بقدر ما تضخم العمليات القائمة أو تسرعها"، كما يدعي. "فـ"رسالة" أي وسيط أو تكنولوجيا هي تغير المقياس أو الوتيرة أو النمط الذي يدخله في الشؤون البشرية" (McLuhan 8). ويكتب أن "ضغط الأعباء الجديدة الناتجة من التسارع بواسطة ... الوسائط [هو] التذبذب الفوري لوظيفة الامتداد أو "بتر" هذه الوظيفة من أجسادنا" (McLuhan 42). إن المستخدم "يعانق" الأداة التي تحل محل ملكة أو حاسة بعينها. وهذا يفضي إلى اندماج مع التكنولوجيا أو إلى إنتاج "نسق مغلق" (McLuhan 44). ويقع "الإغلاق" في الموضع الذي يتحول فيه الامتداد إلى طرف اصطناعي، وبذبذبِه بين "الإنساني" و"السايبورغي"، ينتج الذات ذات السلبية التفاعلية الخاصة بالآلة.
وفي Technology and the Canadian Mind: Innis / McLuhan / Grant، يصف آرثر كروكر ماكلوهان بأنه "إنساني تكنولوجي من لحم ودم":
... إن قناعته، التي كررها مرةً بعد مرة، كانت أننا إذا أردنا استعادة إمكانية إنسانية جديدة فلن يكون ذلك "خارج" الخبرة التكنولوجية، بل لا بد، بالضرورة، أن يكون "داخل" حقل التكنولوجيا. وما يُراهن عليه حقًا في الصراع بين النزعتين المتقابلتين نحو الهيمنة والحرية في التكنولوجيا هو ما هو أشد خصوصيةً وحميميةً لدى كل فرد: تعمية الإدراك البشري العادي أو إحياؤه من جديد. (64)
وأضيف إلى هذه الملاحظة النافذة فقط أن ماكلوهان يذهب إلى حد مساءلة إمكان وجود "خارج" للخبرة التكنولوجية أصلًا. فإذا كان العالم قد أصبح عالمًا يُعادِل البيئة فيه شبكةً بوصفها تجميعًا لحواس خارجية، أو بنيةً تحتيةً مترابطة لـ "إنترنت الأشياء"، فعندئذ، أيًّا كان الأمر، يظل هذا العالم قائمًا على علاقات معقدة متجسدة بوصفها تدفقات من المعلومات. وكما يعلق كروكر:
إن المصير الإنساني في العصر الحديث هو أن يُبرمَج بواسطة نظام معلوماتي يعمل على أساس منطق خوارزمي ورقمي، ويستمر، بعيدًا عن التدخل الإنساني الواعي، في الحركة عبر أزيز سيرفو-آلياته الخاصة. ... ومن خلال وضع أجسادنا الفيزيائية داخل أجهزتنا العصبية الممتدة بواسطة الوسائط الكهربائية، نقيم ديناميةً تترجم فيها جميع التكنولوجيات السابقة التي ليست إلا امتدادات لليدين والقدمين والأسنان وضوابط الجسد - وكل هذه الامتدادات لأجسادنا، بما فيها المدن - إلى أنظمة معلومات. (67)
ولكن ما هذا "المصير الإنساني" إن لم يكن قابلية برمجة الجسد عبر المنصات، وهي الحال التي يصفها فولر في مقالته لعام 1938، التي استعار منها ماكلوهان مفهوم "الامتداد": "[يمكن] تشبيه [الإنسان] بالمتغير في سيادة القطبية في عالمنا الكهربائي الثنائي القطب الذي، عندما يتوازن ويتوحد، يتلاشى بوصفه الوحدة المجردة 1 و0" (19). وكثيرًا ما تُعد نظرية ماكلوهان حتميةً تكنولوجيًا (Williams, 1974)؛ غير أنني أتفق مع كروكر في أن رؤية ماكلوهان للتكنولوجيا أعقد وأكثر التباسًا مما تسمح به قيود الحتمية. فإذا أُخذ عمل ماكلوهان في سياق الخطاب السيبرنيطيقي الأوسع، فإن الإنسان يُهيأ بوصفه تغذية راجعة إيجابية، جزءًا من التجميع الآلي الذي يدفعه نحو إعادة الإنتاج من أجل التغير، لا من أجل حفظ الأشكال القديمة: تذكروا قول ماكلوهان إن "الإنسان يغدو، إن جاز القول، العضو الجنسي لعالم الآلة، كما تكون النحلة لعالم النبات، ممكِّنًا له الإخصابَ والتطورَ إلى صور جديدة أبدًا" (46).
وهنا أعود إلى الفرق بين التحول إلى برمجيات والتحول إلى تطبيقات. وأقترح أن البرمجيات أرجح في أن ترتبط بنمط الامتداد. وهكذا تعمل التطبيقات المحمولة بحسب منطق الطرف الاصطناعي، لا لأنها حاضرة باستمرار بوصفها إضافةً إلى المستخدم، متاحةً لخدمته على مدار الساعة فحسب، بل لأنها تتحول حتمًا إلى مولدات استباقية للحاجات. فإذا كان الامتداد إضافةً، فإن الطرف الاصطناعي إدمان. 89 وعليه، ينبغي لنا أن نميز بين فاعلية المستخدمين، أي بوصفها مقاومة أو عصيانًا، وبين نشاط المستخدم الذي تيسره التكنولوجيات الطرفية الاصطناعية.
89 انظر Bosetti, Luca. "Three Questions on Prosthetic Technology and A-(d)diction," Paragraph 33.3 (2010).
النشاط الارتكاسي
ثمة سبيل إلى المجادلة بأن الفاعلية التي تكتسبها الذات داخل التجميع السيبرنيطيقي بسبب "إنتاج الذوات المفردة" تُنتزع منها على الفور بواسطة "إنتاج الكليات الجماعية" التي تمتص الذوات: "إنها تمثل فانتازيا الـ Same الذي ينجح دائمًا في إدماج الآخر؛ وكما يقول أحد السيبرنيطيقيين، "كل تكامل فعلي يقوم على تمايز سابق"" (Tiqqun n.p.). وهذه الاستراتيجية نموذجية في الخطاب النيوليبرالي؛ فهي تستدعي الذوات بطريقة تجعل كل شخص يتلقى نداءً "مفردًا" إلى الفعل، لكنه، في الواقع، لا يُستدعى إلا إلى الانخراط في النشاط الذي يطلبه النسق من الذوات لكي يحافظ على نفسه. ويُبدي يوجين ثاكر ملاحظةً مشابهة حين يشير إلى الخداع الأيديولوجي في زمن الوسائط "الجديدة" على الدوام: "النشاط ... ليس بعظمة "الفاعلية"، لأن هذا المصطلح يحمل معه كل أمتعة الاستدعاء بوصفه نوعًا معينًا من الذوات" (98). فالنشاط هنا مجرد رد فعل، لا فاعلية. وبالمنظور السيبرنيطيقي، "سمى غوردون باسك ذلك "تفاعلًا مرجعه الـ it"، لأن النظام المسيطر يعامل الآخر كما لو كان "هو" - فالنظام الذي يتلقى النكزة لا يستطيع أن يمنع النكزة من الأصل" (Dubberly et al., 2009). ويميِّز ثاكر أيضًا بين "activity" و"action" خارج النموذج السيبرنيطيقي، بمقابلة المفهومين على أساس دلالتهما أو ثقلهما: "إن الفعل يوسم حدثًا، بينما النشاط يمضي فحسب؛" ومع ذلك، يخلص إلى أن "النشاط ليس تقدميًا بالقدر الذي توحي به "التفاعلية"" (98).
وفي حين يبدو مفهوم التفاعلية جوابًا عن قصور التعارض الثنائي بين النشاط/السلبية، فليس هناك إجماع نظري يُذكر حول معناه. وحين يُنظر إلى التطبيقات المحمولة بوصفها "أدوات تفاعلية"، فإن أول ما يخطر في البال حلقة تغذية راجعة متينة يزود فيها الإنسان والتكنولوجيا كلٌّ منهما الآخر بالمعلومات اللازمة لإطلاق عدة عمليات مختلفة، لكنها متكافلة. وعلى الأقل في مرحلتها التطورية الراهنة، ما تزال معظم التطبيقات المحمولة برامج بسيطة نسبيًا إذا ما قيست بالبرمجيات الأخرى التي تعمل على حواسيبنا. غير أن التطبيقات المحمولة، بوصفها سربًا من شذرات صغيرة من البرمجيات التطبيقية، يوجَّه كل منها إلى مهمة خاصة، تؤلف نظامًا معقدًا متزامنًا لحصاد البيانات يتجاوز نموذج السيبرنيطيقا من الدرجة الأولى.
وهناك التباس يخص التطبيقات. فبعد أن يوافق المستخدم على منح التطبيق الوصول إلى المعلومات الشخصية المخزنة على الهاتف أو اللوح، مثل تعقب الموقع عبر GPS، والصور والملفات الإعلامية، والكاميرا والميكروفون، ومعلومات اتصال Wi-Fi، يباشر التطبيق، وقد التحق بالمستخدم بوصفه مصدر معلوماته، عملية قراءة بيانات المستخدم، ثم يقدم له حلًا وفق الغرض أو الهدف المعلن للتطبيق. وترتبط جاذبية التطبيقات بالطريقة الإبداعية التي تستخدم بها العدد المحدود من الوظائف والخصائص التكنولوجية للمنصات المحمولة. وبهذا المعنى، تظل معظم التطبيقات تخييلية. 90 ويصيب مانوفيتش حين يشير، مع إحالة إلى مفهوم "الاستدعاء" عند ألتوسير، إلى أن التفاعلية أسطورة، لأن "الإعلام التفاعلي" لا يطلب منا إلا "أن نتبع ترابطات مبرمجة سلفًا وذات وجود موضوعي"، وأن "نتماهى مع البنية الذهنية لشخص آخر" (Language of New Media 61) عبر أن نخطئ فنأخذ "بنية عقل شخص آخر على أنها بنيتنا نحن" (Manovich, "On Totalitarian Interactivity" n. p.). 91 ومن ثم، فالتطبيقات وُجدت لكي تخدع - إما النظام وإما المستخدم. وفي أفضل أحوالها، وباستخدام التعبير العامي الذي صاغه MIT في السبعينيات، هي اختراقات ذكية. وفي أسوئها، التطبيقات طفيليات.
90 انظر Eric Kluitenberg, "Second Introduction to an Archaeology of Imaginary Media," in Eric Kluitenberg (ed.) Book of Imaginary Media: Excavating the Dream of the Ultimate Communication Medium (NAi/De Balie, 2006), 5.
91 في النسخة المنشورة سابقًا من هذه الحجة، سنة 1996، في مقالة "On Totalitarian Interactivity"، يسمّي مانوفيتش التفاعلية حتى "شمولية": "إن التركيبات الحاسوبية التفاعلية تمثل بالفعل شكلًا متقدمًا من التلاعب بالجمهور، حيث يُوضَع الموضوع داخل بنية تشبه كثيرًا إعدادًا تجريبيًا في مختبر علم نفس أو غرفة تعذيب عالية التقنية تابعة لـ CIA أو KGB، من النوع الذي رأيناه كثيرًا في أفلام الجاسوسية في زمن الحرب الباردة" (1996). وانظر أيضًا مناقشة ألكسندر غالاواي لهذه المقالة في The Interface Effect. Cambridge, UK: Polity, 2012. 6-9.
السلبية الطفيلية
"إن النسق المشيَّد هنا بدءًا من إنتاج وُضع مؤقتًا في صندوق أسود هو نسق طفيلي متسلسل"، يكتب ميشيل سير؛ "فطفيلي واحد (الضجيج الساكن)، بالمعنى الذي تستخدمه نظرية المعلومات، يطارد آخر، بالمعنى الأنثروبولوجي"، ثم يضيف: "إن المتطفَّل عليه يتطفل على الطفيليات" (5، 6، 13). إن مفهوم "الطفيلي" و"قيمة الإساءة" التي يحملها هو طريقة سير في استبدال ثنائية النشاط/السلبية بالثنائي التخريبي "الكوني" الخاص، المتمثل في لفظتي "المضيف" و"الضيف". وهنا تتوافق الكلمتان كلتاهما مع كلمة فرنسية واحدة هي hôte، بحيث يحضر المعنيان معًا ويتقاسمهما المفهومان كلاهما - فـ"الآكل للجميع" النشط سلبي أيضًا بوصفه "مأكولًا من الجميع" (2007: 26). ووفقًا لسير، فإن قيمة الإساءة أولية: فهي تسبق أي نوع آخر من القيمة. وقيمة الإساءة هذه هي سر النسق السيبرنيطيقي، الذي "تُغطى" داخله بمفاهيم التبادل والتواصل والتوازن. ويتحرك الطفيلي دائمًا في اتجاه واحد ويتجاوز طبقات مختلفة من العضوي واللاعضوي، والمادي واللامادي. والطفيلي لا يصادر: إنه يتسلل ويسرق لكي يخلِّص نفسه من الالتزامات بأن يعيد أو يقايض ما يخطفه وهو يزحف. الطفيلي يستمد قوامه من السرقة.
وبالنسبة إلى كولي ولوكوود، فإن هذه السرقة تُنشئ "جسد الحشد"، على الرغم من إصرار مايكل هاردت وأنطونيو نيغري على أن "لحمًا اجتماعيًا حيًا... ليس جسدًا" (52). وهذا "جسد الحشد" هو ما تحوِّله السحابة إلى "جسد "ذكي" تكنولوجيًا، إلى تلاحم مكثف لجسد طرفي اصطناعي قريب مؤلف من نقاط عقدية". فـ"الجسد الشبكي للاجتماعي"، وهو في الوقت نفسه المضيف والطفيلي، "يتغذى على الجسد الوحشي لرأس المال بينما يتغذى هو بدوره من ذلك الجسد نفسه، جسد الجماعة" (Coley and Lockwood 52). وبالنسبة إلى ماتيو باسكوينيللي، فإن صورة "الطفيلي اللامادي" داخل شبكة موزعة تشير إلى مطاردة النسق للطاقة المادية والفائض الاقتصادي؛ وهو "يعمل أولًا بوصفه جهازًا استعراضيًا"، كما يشرح، "فهو، بمحاكاته لعالم تخييلي، أو ببنائه بيئةً تعاونية، أو بمجرد توفيره قنوات اتصال، يراكم الطاقة عبر ركيزته المادية ولمصلحتها" (672). إنه يدعو إلى فاعلية المستخدم ويعززها، لكنه في الواقع ييسِّر نشاطًا منخفض النبرة، ملتبسًا، من قبيل "المشاركة"، و"الإعجاب"، وإعادة النشر، بوصفها طرقًا لتقدير تعبير شخص آخر تقديرًا سلبيًا عبر نقرٍ سُرْنُمي خالٍ من الفكر عبر
فراغ الشبكة. إن الأعداد المتزايدة لتنزيلات التطبيقات خلال السنوات الأربع الأخيرة وحدها - من 300,000 تطبيق منزَّل في 2010 إلى 76.5 مليار تنزيل في 2014 - هي نتيجة انتقال صناعة تكنولوجيا المعلومات إلى ما يسمى «المنصة الثالثة»، حيث تتقارب الآن القوى التي كانت مستقلة في السابق: الحوسبة المحمولة، والحوسبة السحابية، وتحليلات البيانات الضخمة، وبالطبع وسائل التواصل الاجتماعي والتشبيك.[^seg006-92] ويعتقد أن التطبيقات تؤدي مهمة أساسية في تدبير حياتنا بوصفها منظِّمات شخصية وروابط بين الأفراد. غير أن التطبيقات جزء من البنية التحتية للشبكة، ولا سيما مع قدوم «المنصة الثالثة»، بوصفها الطبقة الواجهية الأخيرة بين المستخدم والبيئة.
في قراءته المبكرة للفضاء السيبراني، يناقش سلافوي جيجيك «الظاهرة الغريبة المسماة بالتفاعلية السلبية (interpassivity)، وهي ظاهرة تمثل النقيض التام لـ"التفاعلية" بمعنى أن أكون فاعلًا عبر ذات أخرى تقوم بالمهمة نيابة عني» (The Žižek Reader 104). ويرى أن أمثلة هذه الظاهرة لا تنتمي بالضرورة إلى ثقافة الإنترنت، بل يمكن العثور عليها أيضًا في حقب تاريخية مختلفة وفي ممارسات ثقافية ودينية شتى - من الجوقة في المأساة اليونانية إلى لعبة الحيوان الأليف الرقمي اليابانية tamagochi التي صممها Akihiro Yokoi وAki Maita، وصولًا إلى الله الآب في المسيحية، الذي يصفه جيجيك بأنه «التاماغوتشي المطلق»، من صنع لاوعينا، والذي يهاجمنا بطلبات ومطالب لا تنتهي (108). وكما هي الحال مع التفاعلية، يجادل جيجيك بأن مفهوم «التفاعلية السلبية» يقوِّض التعارض المعياري بين الفعل والانفعال، ولكن على نحو ملتوي: «إذا كنت في التفاعلية... سلبيًا وأنا أنشط عبر آخر، فأنا في التفاعلية السلبية نشط وأنا أنفعل عبر آخر» (105). لكنه يشدد على أن «الفعل عبر» آخر، في التفاعلية السلبية، يحجب نشاط الذات بجعله غير مرئي للمراقب الخارجي: فقد يبدو المرء سلبيًا أو غير منخرط، بينما يكون في الواقع «الذات منشغلة بلا انقطاع - بل على نحو محموم - بالنشاط، مع نقل السلبية الأساسية لكينونتها إلى آخر» (106). وفي النهاية، فإن «النشاط المحموم» للمستخدمين هو نتيجة وأحد أعراض ما يسميه غيرت لوفينك (2011) «السيكوباثولوجيا الخاصة بفائض المعلومات» - وهي حالة تصف الدافع الذي لا يتوقف إلى إبقاء النفس «داخل حلقة» من التحديثات المتدفقة باستمرار، وإلى التراكم اللامتناهي للكتب والأفلام والموسيقى المنزَّلة، وإلى وضع إشارات مرجعية لعدد لا يحصى من صفحات الويب بدلًا من قراءتها - بسبب ضيق الوقت والضغط الدائم للحاق بالتدفق - ثم مشاركتها عبر الشبكات الاجتماعية. وهذه الأعراض المألوفة جدًا لدى أي مستخدم تقريبًا يجري استثمارها داخل اقتصاد يعمل 24/7 تغذيه المضامين التي ينتجها المستخدمون - ثم تُنقَّب بياناته وتُستولى عليها من قبل الشركات.
يؤجل المستخدم المنخرط في التفاعلية السلبية عمله وتمتعه معًا إلى الآخر الشبكي؛ فالمستخدم، في النهاية، لا يترك له شيء أبدًا، ولا يملك خيار الانسحاب حين يتعلق الأمر بالتشبيك والمشاركة. وفي «الاجتماعية المبرمجة» (Bucher, 2012) للجماعات الشبكية، يصبح «التاماغوتشي المطلق» سربًا من التطبيقات. لذلك فإن مفهوم «التفاعلية السلبية» ليس بريئًا بالقدر الذي يبدو عليه عند لوفينك (2012)، ولا كما كان ربما في السياق الأصلي لمقال جيجيك في أواخر التسعينيات حين تحدَّث عن «تفويض الأهواء والرغبات إلى الآخرين (الاستعانة الخارجية بالعاطفة)» عند بداية استكشاف حدود الفضاء السيبراني.
الكلبية عند حدود التمتع
في عام 2014، تفرض علينا الكثافة العالية للسكان المتصلين شبكيًا، واتساع نطاق خوارزمية الحياة الاجتماعية والاستغلال السيبرنيطيقي، مقترنين بالنماذج الاقتصادية الجديدة، أن ننظر في شكل مختلف من أشكال التفاعلية السلبية. فمع Web 2.0، باتت التفاعلية السلبية للمستخدمين في صميم الانخراط الطفيلي مع الشبكة نفسها. وكما يحذرنا فرانكو «بيفو» بيراردي، فإن هذا يقود إلى «أقصى درجات استعباد النشاط الإنساني، مثل الذاكرة واللغة وما إلى ذلك». إن أتمتة النشاط المعرفي بواسطة واجهات سهلة الاستخدام تقلِّص التعقيد، وليست سوى «أتمتة الاتصال السلبي».[^seg006-93]
تعمل التفاعلية السلبية وفق منطق خداع مزدوج تتظاهر فيه الذات بأنها تتظاهر: يتظاهر المستخدم بأنه سلبي من خلال انخراطه في نشاط عديم المعنى إلى حد بعيد، متجنبًا الفعل أو رافضًا الوكالة، مع أن ذلك يقتضي حتمًا نوعًا آخر من السلبية أقل راحة، هو الخروج من الشبكة. ولا يتصل البعد الإبستمولوجي للتفاعلية السلبية بالمعرفة من حيث هي معرفة؛ بل يتصل بعلاقة بالمعرفة،[^seg006-94] إذ إنها كثيرًا ما تتخذ صورة ما سماه Peter Sloterdijk «الوعي الزائف المستنير» في الكلبية الحديثة (5).
لقد صار الجهاز النفسي مرنًا بالقدر الكافي ليدمج الشك الدائم في أفعاله الخاصة بوصفه عاملًا من عوامل البقاء. إنهم يعرفون ما يفعلون، لكنهم يفعلونه لأن قوة الظروف، على المدى القصير، وغريزة حفظ الذات، تتكلمان اللغة نفسها، وتقولان لهم إن الأمر لا بد أن يكون كذلك. فغيرهم سيفعل ذلك على أي حال، وربما على نحو أسوأ. وهكذا فإن الكلبية المندمجة الجديدة تشعر، على نحو مفهوم، بأنها ضحية وبأنها تقدم تضحيات. (5)
هذا النمط الجديد من التفاعلية السلبية لدى ذات المستخدم يقف وراء تواطؤ المستخدم مع آلة-الشبكة، حتى بعد تسريبات Snowden عن شمولية مراقبة NSA. لكن ماذا تعني كلمة «بعد» هنا؟ ولنقتبس Sloterdijk مرة أخرى:
نفسيًا، يمكن فهم الكلبيين المعاصرين بوصفهم كآبيين على الحافة، قادرين على إبقاء أعراض اكتئابهم تحت السيطرة، وعلى البقاء - إلى حد ما - صالحين للعمل. وهذه، في الواقع، هي النقطة الجوهرية في الكلبية الحديثة: قدرة حامليها على العمل، مهما حدث، وبالأخص بعد أي شيء قد يحدث. (5)
يصيب Jussi Parikka حين يقترح أن «عالم "ما بعد NSA" يضمر سؤال ما قبل NSA؛ كما أن تسريبات ما بعد Snowden تقتضي أيضًا عصر ما قبل Snowden»؛[^seg006-95] لكن أين بدأ ذلك فعلًا: في 2013، أم - مثلًا - مع نشر كتب James Bamford عن NSA في الثمانينيات؟ صدر أول هذه الكتب، The Puzzle Palace: Inside the National Security Agency, America’s Most Secret Intelligence Organization، سنة 1983، ولفت انتباه Friedrich Kittler، الذي كتب مراجعة قصيرة لكتاب Bamford بعنوان No Such Agency، نشرت في 1986. ويختتم Kittler المراجعة بما يلي:
وباستبصار، بينما يعمل بقية العالم وفق بنية الحاسوب الكلاسيكية عند
John von Neumann، تعودNSAإلى الانتقال مرة أخرى: إلى الحواسيب البصرية، ومرشحات الموجات الصوتية السطحية، وCCDsأو الأجهزة المقترنة بالشحنة، التي تضمن أكثر من ألف تريليون عملية ضرب في الثانية. وبهذه الطريقة، قد يصبح في يوم ما ذلك الـ 99.9% من تدفق البيانات الذي ما يزال يمر إلى جانبNSAقابلاً للإمساك به وتقييمه. (2014)
ومن المهم ما إذا كنا نسمي عرض Kittler «تنبؤًا» أم استنتاجًا منطقيًا مستخلصًا من مواد مثل كتاب Bamford. وهو مهم لأن الطريقة التي نحدد بها هذا الأمر تكشف علاقتنا بهذه المعرفة الخاصة بالمراقبة، إما بوصفها لاوعيًا مصطنعًا أو إنكارًا - إن لم تكن إقصاءً تامًا. وفي أحد مقالاته في The Guardian، يتناول جيجيك الإحساس الذي لا يحتمل، والذي أحدثته إفصاحات Snowden وManning وAssange. ويتكهَّن بأن ما يجعل الأمر لا يحتمل ليس أن ما كشفوه أخبار صادمة، بل أن هذا «اللاخبر» صار علنيًا أخيرًا:
... نحن نواجه الكلبية الوقحة لممثلي النظام العالمي القائم، الذين لا يتخيلون إلا أنهم يؤمنون بأفكارهم عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وما إلى ذلك. ما يحدث في تسريبات
WikiLeaksهو أن العار - عارهم، وعارنا نحن أيضًا لأننا نحتمل مثل هذه السلطة علينا - يصير أشد عارًا حين ينشر على الملأ. وما ينبغي أن نخجل منه هو العملية العالمية لتضييق الحيز المتاح تدريجيًا لما سماهKant«الاستخدام العمومي للعقل». (Žižek, 2013)
هنا لا تكون المعرفة نفسها مهمة بقدر ما تكون علاقتنا بالمعرفة. ففي التحليل النفسي اللاكاني، تنطوي العلاقة بالمعرفة على سؤال اللذة، بل سؤال اللذة القصوى، jouissance، ومن ثم فهي تتصل بمسألة البنية الإكلينيكية.
ومن ثم فإن سؤالًا آخر مهمًا يتعلق بعلاقة المستخدمين بملذات التشبيك المتواصل التي لا تحتمل. فهذا التشبيك ينتج أثرًا ووجدانًا يقومان على الاندماج مع الآخر الآلي للشبكة، الذي يظهر - إذا استخدمنا معجم Lacan - ميلًا إلى التحول من وظيفة أبوية مانحة للقانون إلى جسد أمومي وجداني: جارِف، مستهلِك، ويمنح منفذًا إلى jouissance غير محدود (Bosetti, 2010).
في 2010، بعد ثلاث سنوات من صيرورة التطبيقات جزءًا من الخبرة اليومية، كان محللو الإعلام والباحثون والمنتجون والمستخدمون ما يزالون يتجادلون في دلالتها وأثرها في الممارسات الحاسوبية.[^seg006-96] وفي ذلك العام، أقرت International Data Corporation (IDC)، وهي شركة الاستخبارات السوقية الكبرى التي تقدم خدمات استشارية لأسواق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتقنيات المستهلك، في تقريرها السنوي بأن «أحد أكثر آثار النمو الاستثنائي للتطبيقات المحمولة وتطورها لفتًا للنظر... كان "تطبيقنة" فئات واسعة من التفاعلات والوظائف في العالمين المادي والرقمي» (2010). ويورد التقرير كذلك قول Scott Ellison، نائب رئيس أبحاث الهاتف المحمول واللاسلكي في IDC، مؤكدًا تقييم الشركة لأثر التطبيقات باستخدام النحت الاصطلاحي الذي سبق عرضه: إذ يقول إن «مطوري تطبيقات الهاتف المحمول سيحوِّلون تقريبًا كل تفاعل يمكن أن يخطر ببالك في عوالمك المادية والرقمية إلى تطبيق» (IDC, 2010).
وفي Software Takes Command، يقترح Manovich مصطلحًا جديدًا هو «البرمجنة» (softwarization) لوصف تطور «برمجيات الوسائط» وانتشارها بين 1960 و2010. ويصف هذا المصطلح حالة تصبح فيها «صناعة اللقى الثقافية والخدمات التفاعلية التي تحتوي تمثيلات وأفكارًا ومعتقدات وقيمًا جمالية»، و«الوصول إلى هذه اللقى وإلحاق مواد بها ومشاركتها وإعادة مزجها»، و«المشاركة في إيكولوجيا المعلومات على الإنترنت بالتعبير عن التفضيلات وإضافة البيانات الوصفية»، وكذلك «التواصل مع أشخاص آخرين» - كلها - منجزة بواسطة البرمجيات (Manovich 23). وعلى الرغم من أن Manovich لا يميز بين appification وsoftwarization، فإنه يضع التطبيقات، في نهاية الكتاب، داخل الشبكة العالمية للأشياء المتغايرة التي تحددها IDC باسم «المنصة الثالثة»:
لا يعمل أي من تطبيقات البرمجيات ومواقع الويب التابعة لـ«عصر الوسائط الاجتماعية» في عزلة. بل إنها تشارك في إيكولوجيا أوسع تضم محركات البحث، ومحركات التوصية، وأنظمة التدوين، ومغذيات
RSS، وغيرها من تقنيات الويب؛ وأجهزة إلكترونية استهلاكية زهيدة الكلفة لالتقاط الوسائط والوصول إليها (الكاميرات الرقمية، والهواتف المحمولة، ومشغلات الموسيقى، ومشغلات الفيديو، وإطارات الصور الرقمية، وأجهزة التلفزيون المتصلة بالإنترنت)؛ والتقنيات التي تتيح نقل الوسائط بين الأجهزة والأشخاص والويب (أجهزة التخزين، والتقنيات اللاسلكية مثلWi-FiوWiMax، ومعايير الاتصال مثلUSBو4G). ولولا هذه الإيكولوجيا لما أمكن لمعظم خدمات الويب والتطبيقات المحمولة أن توجد. لذلك ينبغي أخذ هذه الإيكولوجيا في الحسبان في أي نقاش للشبكات الاجتماعية وبرمجياتها - وكذلك برمجيات الوصول إلى المحتوى على مستوى المستهلك وبرمجيات تطوير الوسائط المصممة للعمل مع مواقع مشاركة الوسائط القائمة على الويب. (334)
وليس من الصعب أن نرى كيف تصير «التطبيقنة» تقنية للتعبير عن أسلوب الحياة السيبرنيطيقي وصيغته معًا.
الخاتمة
حين يكون لكل نشاط تطبيق يتعقبه، يكون المستخدم المنخرط في التفاعلية السلبية قد غدا فاعلًا رئيسًا في ما سماه Benjamin Bratton ذات مرة «البانوبتيكون المعكوس». فعلى خلاف تصميم Jeremy Bentham الشهير لأعظم آلة مراقبة، حيث يكون الفرد واعيًا بإمكان أن يكون موضوعًا للمراقبة، فيغيِّر سلوكه نتيجة لذلك عبر «استبطان السلطة»، فإن ذات «البانوبتيكون المعكوس» الشبكي متواطئة تمامًا مع آلة الحكم رغم المخاطر. إنه «المستخدم المثالي» الذي لا يتوقف عن الأداء من أجل نظرة الشبكة، ولا يتوقف عن النقر، ولا ينفصل أبدًا عن أدواته المحمولة.
وعبر عدسة التحليل النفسي اللاكاني، لا يكون «البانوبتيكون المعكوس» أقل من «البانوبتيكون المنحرف»، حيث تسعى الذات، كما يقترح Bosetti، إلى تحقيق وحدة مع الجسد الأمومي الذي يعد بنفاذ مباشر إلى jouissance غير محدود (التعليقات، و«الإعجابات»، وكثير من العلامات المتواصلة الأخرى للاعتراف المحاكى، وهي في نظر المستخدم أهم بما لا يقاس من أولئك الذين يضغطون «إعجابًا» ويعلِّقون على منشوراته). ويدرك احتضان الشبكة على أنه شبيه بالاندماج مع الشخصية الأمومية. وإذا بقينا داخل النموذج المعماري، فلنفكر في العمارة «الذكية» أو البارامترية التي ترى فيها Parisi مجيء نمط ما بعد سيبرنيطيقي من الضبط الناعم، قائم على تنبؤ لا يخطئ بخطوة الساكن التالية: لا مجرد توليد للمستقبل، بل توليد لمستقبلات متعددة دفعة واحدة.
وبالنسبة إلى Lacan، ليست البنية المنحرفة - شأنها شأن أي «بنية» في الفهم اللاكاني لهذا المصطلح - مشكلة، بل حلًا لمشكلة يخترعه الفرد لكي يتعامل مع ألم الوجود (Swales 54). وفي هذه الحالة، فإن التماهي مع الموضوع التخيلي لرغبة mOther يجعل الفرد يسلِّم نفسه بالكامل إلى تمتُّع mOther. وهذه «الفانتازيا» القائلة بأنني موضوع تمتع («إنهم يقرؤونني»، «إنهم يحبونني»، «إنهم يرونني»، «إنهم يريدونني» - 24/7!) هي حل لعجز المرء عن التخلي عن تمتعه أو حتى الحد منه. ويحفز هذا العجز النظام الرأسمالي الشبكي. وإذا كانت jouissance هي ذلك النوع من اللذة المكثفة الذي يؤذيك ويقتلك، فإن تعلُّم التنازل عن اللذة الملازمة لخبرة كونك موضوع انتباه الشبكات يبدو تقنية بقاء أساسية في عالم «الروبوتات الليليبوتية» التي تحكم حياتنا.
وكثيرًا ما أفكر في بعض المعاني والممارسات المفقودة للعزلة، وفي إحساسات الفرح الخفيف، وفي حياة لا تحتاج بالضرورة إلى أن تكون سعيدة وممتلئة، بل هي، في الواقع، ناقصة، وقادرة لا على احتمال لااكتمالها فحسب، بل على تثمينه أيضًا. وقد كتب Ernst Jünger، عند فجر الإمبراطورية السيبرنيطيقية: «اليوم، وحده الشخص الذي لم يعد يؤمن بنهاية سعيدة، وحده من تخلى عنها عن وعي، هو القادر على أن يعيش» (207).
الخاتمة: التحليل النفسي والسيبرنيطيقا، après-coup
اللاحقية في التحليل النفسي هي نمط من الفهم المتأخر، أو من الإسناد الارتجاعي للمعنى إلى أحداث سابقة. واللاحقية هي أيضًا ما يؤلف أي «ما قبل تاريخ» بوصفه عملية تعيين علاقة بين حلقات كانت تعد في البداية غير مترابطة. وفي القيام بذلك، اتبعت ادعاءين عند Lacan. أولهما أن التحليل النفسي والسيبرنيطيقا حدثا على نحو متزامن. والثاني أنهما كلاهما يشتغلان على «ذات العلم» التي ظهرت في القرن السابع عشر نتيجة تحول كبير في فهم العلاقة بين الإنسان والعالم. لقد صار الإنسان ذات الكون المؤتمت. لكن القائم بالرعاية، بعدما أقصي، وجد سبلًا لإدراج نفسه أو وصلها من جديد بالنظام الكوني: بأن يتصور نظامًا حدسيًا تخمينيًا، وأن يزامن نفسه مع العالم بواسطة الآلات - من مثلث Pascal إلى الساعة.
وفي هذا الصدد، يوافق Kittler Lacan، الذي أشار إلى أن كل تحول في «علاقة الإنسان بالعالم التي اعتبرت دائمًا معرفة» (Seminar XI 63) هو حدث حاسم. ولتسمية هذا الحدث استخدمت مصطلح «الإبيستمي»: فقد بدأت هذه الإبيستمي السيبرنيطيقية قبل نهاية القرن التاسع عشر بعدة عقود، عندما صار سؤال مصدر الأتمتة وطبيعتها ودرجتها على المستويين الصغير والكبير، وحتميتها ولاحتميتها، سؤالًا لا يمكن تجنبه ولا يكف عن مطاردة كثير من المفكرين أو الممارسين، أيًا كان الحقل: فلاسفة، وعلماء، وفنانين. وبحلول نهاية القرن، كانت المعرفة المنتجة استجابة لهذا السؤال قد تسببت في تآكل Humanism.
في Gramophone, Film, Typewriter، يقترح Kittler أن «اختراع ما يسمى الإنسان صار ممكنًا» نحو 1880، حين «تهرب ماهيته إلى الأجهزة» (16)، بحيث انتهى وهم الإنسان في امتلاك «خاصية» تسمى «الوعي»، وتحديده نفسه بوصفه شيئًا آخر وأفضل من «آلة حاسبة» (17). وكان Lacan يصر على أن التحليل النفسي ليس نزعة إنسانية. وقد انبثق هذا الفهم من منظور يرى أن «الناس والحواسيب كلتيهما "خاضعتان لنداء الدال"؛ أي إن كليهما يسيرهما برنامج» (17)، كما يكتب Kittler. «"أهؤلاء بشر"، تساءل Nietzsche بالفعل سنة 1874، قبل ثماني سنوات من شرائه آلة كاتبة، "أم لعلهم مجرد آلات تفكر وتكتب وتتحدث؟"» (17). إن «ما يسمى الإنسان» عند Kittler و«ذات العلم» عند Lacan ليسا مفهومين متطابقين، لكنهما مفهومان متصلان بقوة في أساس الفكر ما بعد الإنساني. و«الروبوت الفرويدي» عند Lydia H. Liu أحد أحدث صورهما.
ومن دون إنكار فروق كثيرة ومهمة بين التحليل النفسي والسيبرنيطيقا، يركز مشروعي على تتبع أوجه الشبه الأصلية بينهما في التحليل النقدي لتقنيات الوساطة الحالية وتقنياتها، ولشروط الوساطية بوصفها «بينية»، وللوعي المتزايد باندماج الحياة الإنسانية في طائفة متنوعة من التقنيات المختلفة، والعكس أيضًا. وقد جادلت بأن التحليل النفسي والسيبرنيطيقا كلاهما ينتميان إلى عصر مركزية الكتابة، الذي بدأ في القرن التاسع عشر ويمتد إلى اللحظة الحاضرة.
وعلى الرغم من الفروق الظاهرة بين آلات القرن التاسع عشر - من chronophotoraph إلى polygraph - التي جرى عبرها إدراج الذات في البنى الرمزية / المؤسسية / السلطوية، فإنها تنتمي إلى العائلة نفسها التي تنتمي إليها آلات الكتابة المعاصرة، مثل الحواسيب أو التطبيقات المحمولة. كما أن عملية «برمجنة» آلات الكتابة ليست جديدة، بل بدأت هي أيضًا في القرن التاسع عشر، ويشكل عمل Charles Babbage وAda Lovelace مثالًا على ذلك. وآمل أن أكون قد أرسيْت بهذا المشروع أساسًا لمزيد من استكشاف مركزية الكتابة، وهي استكشافات تدعو إلى إعادة التفكير في العلاقة بين مفهومي «الرقمي» و«التماثلي»، على نحو لا يقتصر على الثنائية الإلكترونية.
ولإظهار كيف تكمن الدينامية المعقدة للعمليات التماثلية والرقمنة في صميم الممارسات السيبرنيطيقية والتحليلية النفسية، استعنت بتوضيح Florian Cramer للمفهومين - بوصفهما انقسامًا واستمرارًا. وهما، معًا فقط، ما يشكل ما سماه Wiener «الضبط والتواصل في الحيوان والآلة». وانطلاقًا من هذا، قرأت حالات آلات مختلفة منخرطة في الممارسات الإكلينيكية في القرن التاسع عشر - من جهاز فوتوغرافي إلى شبكة فوتوغرافية، ومن آلة Salpêtrière المعمارية إلى اللغة نفسها. وقد بحثت في خصوصية أثرها في تشكل الممارسة التحليلية النفسية، لأن وظيفة هذه الآلات، كما هي الحال مع أي تقنية، تتجاوز دومًا المهمة التي أنيطت بها أولًا.
كما ناقشت الوظائف الاتصالية للرقمنة، بوصفها وظائف تنظيم وضبط في آن، وقابلية إعادة إنتاج العمليات التحليلية النفسية المرقمنة، عبر أدائية الهستيريا مثلًا. وقد صار هذا النقاش أساسًا لقراءتي حالة المستخدم المتواطئ داخل الشبكات المحمولة والاجتماعية و/أو الرقابية، التي يهبها وقته وحياته وعمله، كثيرًا ما من دون رضاه - على نحو لا يختلف كثيرًا عن مرضى الهستيريا لدى Jean-Martin Charcot في Salpêtrière، الذين كانوا يظهرون أعراضهم للطبيب وأمام الأجهزة التي توثِّق وتقيس. وهذا ما ينبغي لنا أن نأخذه اليوم في الاعتبار ونحن نتتبع تاريخ مفهوم parlêtre عند Lacan. ففي Seminar XXIII (1975-1976)، قدم Lacan مفهوم parlêtre بوصفه اسمًا جديدًا «للاوعي، حين يُتصوَّر انطلاقًا من الكلام لا من الوعي بعد الآن» (Miller, “The Unconscious and the Speaking Body” 129). وكان هدفي أن أبيِّن أنه، على الرغم من التشديد على «الكلام» في جذر الكلمة، فإن هذا المفهوم يتصل بالكتابة بوصفها أثرًا للبنية.
إن parlêtre، أو المستخدم المنخرط في التفاعلية السلبية، هو ما ينتج في عملية الامتزاج السيبرنيطيقي لمختلف الآلات - اللغة، والجسد، واللحم، والجهاز الفوتوغرافي، ووسائل التواصل الاجتماعي، والشبكات المحمولة، وحتى الرأسمالية - وهو ما يترجم إلى حدث ربط الواقعي والمتخيل والرمزي، حيث يقوم parlêtre، بوصفه ذات البيانات، بأداء عقد هذه الآلات بعضها ببعض - خارج المعنى.
وبالتأكيد، خارج مبدأ اللذة.
[^seg006-92]: انظر مدخل Wikipedia عن “Third Platform”: https://en.wikipedia.org/wiki/Third_platform. [^seg006-93]: محاضرة Franco ‘Bifo’ Berardi بعنوان “Abstraction and Poetry in the Age of Financial Capitalism” في University of Western Ontario بتاريخ 29 November 2014. [^seg006-94]: بمعنى ما، غرقت «الفرضية السيبرنيطيقية» في خطاب «حرية الشبكة» السائد اليوم، وهو خطاب يصرف الانتباه عن أسئلة المراقبة والاستغلال. في From Counterculture to Cyberculture، يبيِّن Fred Turner أن القوة التحويلية لـ«الاقتصاد الجديد» وإمكانات ريادة الأعمال الشبكية لم تكونا واضحتين إلا لدوائر محددة ممن تصوروا الفضاء السيبراني وأعلنوه «حدودًا إلكترونية» جديدة للحرية (7). وفي حديثه عن دور Stewart Brand، الذي يزعم أنه صاغ مصطلح «الحاسوب الشخصي»، وعن جماعته، يلاحظ Turner: «على الرغم من أنهم رفضوا المركب العسكري-الصناعي برمته، وكذلك العملية السياسية التي أوجدته، فإن الهيبيين من Manhattan إلى Haight-Ashbury قرأوا Norbert Wiener وBuckminster Fuller وMarshall McLuhan. ومن خلال كتاباتهم، واجه الأميركيون الشباب رؤية سيبرنيطيقية للعالم، رؤية يمكن فيها تخيل الواقع المادي بوصفه نظامًا معلوماتيًا. وبالنسبة إلى جيل نشأ في عالم تطوقه الجيوش الضخمة ويهدده الفناء النووي، بدت الفكرة السيبرنيطيقية للكرة الأرضية بوصفها نسقًا واحدًا مترابطًا من المعلومات باعثة على السلوى على نحو عميق: ففي اللعب الخفي للمعلومات، رأى كثيرون إمكان الانسجام العالمي» (5). [^seg006-95]: انظر منشور Parikka بعنوان “Echelon” على مدونته: http://jussiparikka.net/2014/07/23/echelon. [^seg006-96]: انظر، مثلًا، Chris Anderson وMichael Wolff، “The Web is dead, long live the Internet,” Wired، August 2010 (http://www.wired.com). وانظر أيضًا Tim Berners-Lee، “Long live the Web: A call for continued open standards and neutrality,” Scientific American، November 22, 2010 (http://www.scientificamerican.com).
المراجع
After Freud Left: A Century of Psychoanalysis in America. Ed. John Burham. Chicago: University of Chicago Press, 2012. Print.
Althusser, Louis. Writings on Psychoanalysis: Freud and Lacan. New York: Columbia University Press, 1996. Print.
Andrejevic, Mark. iSpy: Surveillance and Power in the Interactive Era (Lawrence, Kans.: University Press of Kansas, 2007). Print.
Apollon, Willy. “The Letter of the Body.” After Lacan. Critical Practice and the Subject of the Unconscious. Ed. Apollon, Willy, Danielle Bergeron, and Lucie Cantin. New York: SUNY Press, 2002. 103-115. Print.
Armand, Louis. “Symptom in the Machine: Lacan, Joyce, Sollers.” The Symptom 3 (2003): n. pag. Web. 30 Sep. 2010. < http://www.lacan.com/sympmachf.htm >.
Armitage, John and Friedrich A. Kittler, “From Discourse Networks to Cultural Mathematics: An Interview with Friedrich A. Kittler,” Theory, Culture & Society 23 (2006). Print.
Ashby, W. Ross. “Homeostasis,” Cybernetics: Transactions of the Ninth Conference, Josiah Macy Foundation, March, 1952. 73-108. Print.
Ashby, W. Ross. An Introduction to Cybernetics. New York: John Wiley & Sons, Inc., 1966 [1963]. Print.
Ashby, W. Ross. Design for a Brain; The Origin of Adaptive Behaviour, Second Edition, John Wiley and Sons: New York, NY, 1960. Print.
Babinski, Joseph. “Preface,” Charcot, The Clinician. The Tuesday Lectures. New York: Raven Press, 1987. xv-xvii. Print.
Bacopoulos-Viau, Alexandra. “Automatism, Surrealism and the Making of French Psychopathology: The Case of Pierre Janet.” History of Psychiatry 23.3 (2012): 259-276. Print.
Bamford, James. The Puzzle Palace: Inside the National Security Agency, America’s Most Secret Intelligence Organization (New York: Penguin Books, 1983). Print.
Bassols, Miquel. “There Is No Science of the Real.” Psychoanalytical Notebooks 27 (2013): 21-28. Print.
Bauman, Zygmunt; Didier Bigo, Paulo Esteves, Elspeth Guild, Vivienne Jabri, David Lyon and R. B. J. Walker, “After Snowden: Rethinking the Impact of Surveillance,” International Political Sociology 8 (2014): 121–144. Print.
Beer, Stafford. Decision and Control. London: Wiley, 1966. Print.
Bell, Daniel. The Social Sciences Since the Second World War. New York: Transaction Publishers, 1981. Print.
Beniger, James R. The Control Revolution. Technological and Economic Origins of the Information Society. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1986. Print.
Bergstein, Mary. Mirrors of Memory: Freud, Photography, and the History of Art. Ithaca: Cornell University Press, 2010. Print.
Bernfeld, Seigfried and Feitelberg, Sergei. “The Principle of Entropy and the Death Instinct” International Journal of Psycho-Analysis 12 (1931): 61-81. Print.
Biddle, Francis. “The Criminal, the Judge and the Public: A Psychological Analysis by Franz Alexander and Hugo Staub (Berlin, 1931).” University of Pennsylvania Law Review and American Law Register 80.1 (November 1931): 146-148. Web.
Bogost, Ian and Nick Montfort. “Platform Studies: Frequently Questioned Answers.” Digital Arts and Culture, December 12–15 (Irvine, Calif., 2009). Web.
Bohm, Steffen; Batta, Aanka, “Just Doing It: Enjoying Commodity Fetishism with Lacan,” Organization 17.3 (2010): 345-361. Web.
Bolter, Jay and Richard Grusin. Remediation. Understanding New Media (Cambridge, Mass.: MIT Press, 2000). Print.
Bosetti, Luca. “Three Questions on Prosthetic Technology and A-(d)diction.” Paragraph 33.3 (2010): 410-422. Print.
Bourneville, Désiré-Magloire. “Mémoire sur la condition de la bouche chez les idiots, suivi d’une étude sur la médecine légale des aliénés, à propos du Traité de Médecine légale de M. Casper,” Journal des connaissances médicales et pharmaceutiques, nos. 13, 15, 22, 26 (1862) and 3, 19, 20, 22 (1863): 7–13. Print.
Bracher, Mark. “On the Psychological and Social Functions of Language: Lacan’s Theory of the Four Discourses.” Lacanian Theory of Disocurse. Subject, Structure, and Society. Eds. Mark Bracher, Marshall W. Alcorn, Ronald J, Corthell, and Françoise Massardier-Kenny. New York: NYU Press, 1994. Print.
Breger, Louis. A Dream of Undying Fame: How Freud Betrayed His Mentor and Invented Psychoanalysis. New York: Basic Books, 2009. Print.
Breton, André, and Louis Aragon. “Le cinquantenaire de l’hystérie 1878-1928,” La Révolution surréaliste XI 15 Mar. 1928: 20-22. Print.
Breton, André; Paul Eluard and Philippe Souplaut. The Automatic Message. The Magnetic Fields. The Immaculate Conception. London: Atlas Press, 1997. Print.
Breton, André. Communicating Vessels. Trans. Mary Ann Caws and Geoffrey T. Harris. Lincoln: University of Nebraska, 1990. Print.
Breton, André. Manifestos of Surrealism. Ann Arbor: The University of Michigan Press, 1969. Print.
Brousse, Marie-Hélène. “The Drive (I).” Reading Seminar XI. Lacan’s Four Fundamental Concepts of Psychoanalysis. Ed. Richard Feldstein, Bruce Fink, Maire Jaanus. New York: SUNY P, 1995. 99-107. Print.
Burgy, Martin. “The Concept of Psychosis: Historical and Phenomenological Aspects. Schizophrenia Bulletin 34.6 (2001): 1200-1210. Print.
Cannon, Walter B. The Way of an Investigator, A Scientist’s Experiences in Medical Research. New York: W. W. Norton, 1945. Print.
Cannon, Walter B. The Wisdom of the Body. New York: W. W. Norton, 1932. Print.
Carotenuto, Aldo. A Secret Symmetry: Sabina Spielrein Between Jung and Freud. The Untold Story of the Woman Who Changed the Early History of Psychoanalysis. New York: Pantheon Books, 1983. Print.
Caws, Mary Ann. “Linkings and Reflections: André Breton and His Communicating Vessels.” Dada/Surrealism 17 (1988): 91-100. Print.
Charlton, James. “On Remembering a Post-Digital Future.” APRJA: Post-Digital Research 3.1 (2014). Web.
Chiesa, Lorenzo. Subjectivity and Otherness. A Philosophical Reading of Lacan. Cambridge, MA: The MIT Press, 2007. Print.
Chun, Wendy Hui Kyong. Control and Freedom. Power and Paranoia in the Age of Fiber Optics. Cambridge, MA: The MIT Press, 2006. Print.
Clarke, Bruce. “Heinz von Foerster’s Demons. The Emergence of Second-Order Systems Thoey.” Emergence and Embodiment. New Essays on Second-Order Systems Theory. Ed. Bruce Clark and Mark B. N. Hansen. Durham, NC: Duke University Press, 2009. 34-61. Print.
Clarke, Bruce. Energy Forms: Allegory and Science in the Era of Classical Thermodynamics. Detroit: University of Michigan, 2001. Print.
Clough, Patricia. “Feminist Theory: Bodies. Science and Technology.” Bryan S. Turner (ed.) Routledge Handbook of Body Studies. New York: Routledge, 2012. 94-105. Print.
Clough, Patricia. “The Technical Substrates of Unconscious Memory: Rereading Derrida’s Freud in the Age of Teletechnology.” Sociological Theory 18.3 (2000): 383-398. Print.
Coley, Rob and Dean Lockwood. Cloud Time: The Inception of the Future (Winchester, UK: Zero Books, 2012). Print.
Conley, Katharine. “Surrealism and Outsider Art: From the ‘Automatic Message’ to André Breton’s Collection.” Yale French Studies 109: Surrealism and Its Others (2006): 129-143. Print.
Copjec, Joan. “Flavit et Dissipati Sunt.” Eds. Annette Michelson, Rosalind Krauss, Douglas Crimp, Joan Copjec, October: The First Decade, 1976-1986. Cambridge, Mass., The MIT Press, 1987. 296-316. Print.
Copjec, Joan. Read My Desire. Lacan Against Historicists. Cambridge MA: MIT Press, 1994. Print.
Cordeschi, Roberto. The Discovery of the Artificial: Behavior, Mind and Machines Before and Beyond Cybernetics, Canada: Studies in Cognitive Systems, 2002. Print.
Cottingham, John. “‘A Brute to the Brutes?’: Descartes’ Treatment of Animals.” Philosophy 53 (1978): 551-559. Print.
Crabtree, Adam. “‘Automatism’ and the Emergence of Dynamic Psychiatry.” Journal of History of the Behavioral Sciences 39.1 (2003): 51-70. Print.
Cramer, Frolian. “What Is ‘Post-Digital’?” APRJA: Post-Digital Research 3.1 (2014). Web.
Cuéllar, David Pavón. From the Conscious Interior to an Exterior Unconscious. Lacan, Discourse Analysis and Social Psychology. London: Karnac Books, 2010. Print.
Cybernetics: Transactions of the Eighth Conference; Josiah Macy, Jr. Foundation, New York (Heinz von Foerster, Margaret Mead, Hans Lukas Teuber), 1952. Print.
Cybernetics: Transactions of the Sixth Conference, (editor), Josiah Macy Jr. Foundation: New York, 1949. Print.
Daston Lorraine and Elizabeth Lunbeck. (Eds.) Histories of Scientific Observation. Chicago: Chicago UP, 2011. Print.
Daston, Lorraine and Peter Galison. “The Image of Objectivity,” Representations 40 (1992): 81-128. Print.
Daston, Lorraine. “Enlightenment Calculations.” Critical Inquiry 21.1 (1994): 182-202. Print.
Davis Raskin, Valerie. When Words Are Not Enough: The Women’s Prescription for Depression and Anxiety. New York: Broadway Books, 1997. Print.
Davis, Frederick. “Three Letters: From Sigmund Freud To André Breton,” Journal Of The American Psychoanalytic Association 21.1 (February 1973): 127-134. Print.
De Laplace, Pierre Simon. “Concerning Probability.” The World of Mathematics. Vol. Two. Ed. James R. Newman. New York: Simon and Schuster, 1956. 1325-1333. Print.
Declercq, Frediric, “Lacan on the Capitalist Discourse: Its Consequences for Libidinal Enjoyment and Social Bonds.” Psychoanalysis, Culture & Society 11 (2006): 74–83. Print.
Deleuze, Gilles. “Postscript on the Societies of Control,” October 59 (1992): 3–7. Print.
Derrida, Jacques. “Freud and the Scene of Writing.” Yale French Studies 48 (1972): 74-117. Print.
Derrida, Jacques. “La Parole Soufflée.” Writing in Difference. Trans. and introduction Alan Bass. New York: Routledge, 2002. 212-245. Print.
Des Chene, Dennis. Spirits and Clocks. Machine and Organism in Descartes. London: Cornell University Press, 2001. Print.
Descartes, René. The Philosophical Writings of Descrates. Eds. and trans. John Cottingham, Robert Stoothoff, Dugald Murdoch, Anthony Kenny. Vol. III, V. Cambridge: Cambridge University Press, 1991. Print.
Didi-Huberman, Georges. Invention of Hysteria. Charcot and the Photographic Iconography of the Salpêtrière. Cambridge, MA: MIT press, 2004.
Doane, Mary Ann. “Temporality, Storage, Legibility: Freud, Marey, and the Cinema.” Critical Inquiry 22. 2 (1996): 313-343. Print.
Dow, Suzanne; Wright, Richard. “Introduction: Towards a Psychoanalytic Reading of the Posthuman.” Paragraph 33.3 (2010): 299-317. Print.
Dravers, Philip. “To Peo, Logically Speaking: From ‘The Purloined Letter’ to the Sinthome.” Lacan: Topologically Speaking. Eds. Ellie Ragland and Dragan Milovanovic. New York: Other Press, 2004. 205-246. Print.
Drouin, Emmanuel; Yann Péréon. “Unique drawings by Duchenne de Boulogne.” The Lancet Neurology 12 (2013): 330-331. Web.
Dubarle, Dominique. “Vers la machine à gouverner?” Le Monde, December 28, 1948. Web.
Dubberly, Hugh, Paul Pangaro, and Usman Haque. ‘What is interaction?’ Are there different types?’, ACM, Interactions XVI.1 (January – February, 2009): 1-10. Web.
Duchenne (de Boulogne), G. B. The Mechanism of Human Facial Expression. Ed. and trans. R. Andrew Cuthbertson. Cambridge: Cambridge University Press, 1990. Print.
Dupuy, Jean-Pierre. Economy and the Future: A Crisis of Faith. East Lansing: Michigan State University, 2014. Print.
Dupuy, Jean-Pierre. On the Origins of Cognitive Science. The Mechanization of the Mind. Trans. M. B. DeBevoise. Cambridge, MA: MIT Press, 2009. Print.
Eidelsztein, Alfredo. The Graph of Desire. Using the Work of Jacques Lacan. London: Karnac Books, 2009. Print.
Einstein, Albert. “Bemerkungen zu der Notiz von Hrn. Paul Ehrenfest: ‘Die Translation deformierbarer Elektronen und der Flächensatz’.” Annalen der Physik 23 (1907) 206-208.
Einstein, Albert. Out of My Later Years. New York: Philosophical Library, 1950. Print.
Elder, Bruce R. Dada, Surrealism, and the Cinematic Effect. Waterloo, ON: Wilfrid Laurier University Press, 2013. Print.
Ellenberger, Henry F. The Discovery of the Unconscious. The History and Evolution of Dynamic Psychiatry. New York: Basic Books, 1970. Print.
Elmer, Jonathan. “Blinded Me with Science: Motifs of Observation and Temporality in Lacan and Luhmann.” Cultural Critique 30 (1995): 101-136. Print.
Elsaesser, Thomas. “Freud as Media Theorist: Mystic Writing pads and the Matter of Memory.” Screen 50.1 (2009): 100-113. Print.
Eric Kluitenberg (ed.) Book of Imaginary Media: Excavating the Dream of the Ultimate Communication Medium (NAi/De Balie, 2006), 5. Print.
Ernst, Wolfgang. Digital Memory and the Archive. Minneapolis: University of Minnesota Press, 2012. Print.
Evans, Dylan. An Introductory Dictionary of Lacanian Psychoanalysis. New York: Routledge, 1996. Print.
Feher-Gurewich, Judith. “A Lacanian Approach to the Logic of Perversion.” The Cambridge Companion to Lacan. Ed. Jean-Michel Rabeté. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2003. 191-207. Print.
Fink, Bruce. “The Nature of Unconscious Thought or Why No One Ever Reads Lacan’s Postface to the “Seminar on ‘The Purloined Letter’.” Reading Seminars I and II: Lacan’s Return to Freud. Eds. Richard Feldstein, Bruce Fink, Maire Jaanus. New York: SUNY Press, 1996. 173-191. Print.
Fink, Bruce. Lacanian Subject: Between Language and Jouissance. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1995. Print.
Finkelstein, Gabriel. Emil du Bois-Reymond. Neuroscience, Self, and Society in Nineteenth-Century Germany. Cambridge, MA: MIT Press, 2013. Print.
Fisher, Mark. Capitalist Realism. London: Zero Books, 2012. Print.
Flieger, Jerry Aline. “Is There a Doctor in the House? Psychoanalysis and the Discourse of the Posthuman.” Paragraph 33.3 (2010): 354-375. Print.
Forrester, John. “The True Story of Anna O.” Social Research 53:2 (Summer 1986): 327-347. Print.
Fotopoulou, Aikaterini. From the Couch to the Lab: Trends in Psychodynamic Neuroscience. Oxford: Oxford University Press, 2012. Print.
Foucault, Michel. “What Is an Author?” The Foucault Reader. Ed. Paul Rabinow. New York: Random House, 1984. 101-121. Print.
Foucault, Michel. Foucault Live: Interviews, 1961–1984. Ed. Sylvère Lotringer, trans. Lysa Hochroth & John Johnson. New York: Semiotext(e), 1996.
Foucault, Michel. Psychiatric Power: Lectures at the Collège de France, 1973-1974. New York: Palgrave McMillan, 2006. Print.
Foucault, Michel. The Birth of the Clinic. London: Routledge, 2003. Print.
Foucault, Michel. The Foucault Reader. Ed. Paul Rabinow. New York: Random House, 1984. Print.
Foucault, Michel. The History of Sexuality, Volume 1: An Introduction. Trans. Robert Hurle. New York: Vintage. 1990. Print.
Foucault, Michel. The Order of Things. New York: Vintage, 1994. Print.
Freud, Sigmund. “A Note on the ‘Mystic Writing Pad’ (1925).” The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud. Trans. James Strachey. Vol. VII. London: The Hogarth Press, 1966. 227-232. Print.
Freud, Sigmund. “Fragment of an Analysis of a Case of Hysteria. (1905).” The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud. Trans. James Strachey. Vol. VII. London: The Hogarth Press, 1953. Print.
Freud, Sigmund. “Project for Scientific Psychology (1895).” The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud. Trans. James Strachey. Vol. I (1886-1889). London: The Hogarth Press, 1966. 295-391. Print.
Freud, Sigmund. Beyond the Pleasure Principle. Trans. and ed. James Strachey. New York: W. W. Norton, 1961.
Freud, Sigmund. Civilization and Its Discontents. New York: W. W. Norton & Company, 1961. Print.
Freud, Sigmund. The Complete Correspondence of Sigmund Freud and Karl Abraham, 1907–1925. Ed. Ernst Falzeder. London: Karnac, 2002. Print.
Fuller, Buckminster. ‘The Phantom Captain’, in Nine Chains to the Moon (New York: Doubleday & Company, 1963 [1938]): 18-29. Print.
Galbis-Reig, David. “Sigmund Freud, MD: Forgotten Contributions to Neurology, Neuropathology, and Anesthesia.” The Internet Journal of Neurology 3.1 (2003). Web.
Galloway, Alexander R. ‘The Cybernetic Hypothesis’, differences: A Journal of Feminist Cultural Studies 25.1 (2014): 107-131. Print.
Galloway, Alexander R. “In the Aftermath of the Cybernetic Hypothesis.” Winchester Centre for Global Futures in Art Design & Media, Winchester School of Art, University of Southampton, UK. 2012. Keynote Address.
Galloway, Alexander R. Laruelle: Against the Digital. Minneapolis: University of Minnesota Press, 2014. Print.
Gamwell, Lynn and Mark Solms. From Neurology to PsychoanalysisSigmund Freud’s Neurological Drawings and Diagrams of the Mind. Binghamton: Binghamton University Art Museum; SUNY, 2006. Print.
Geoghegan, Bernard Dionysius. “From Information Theory to French Theory: Jakobson, Levi-Strauss, and the Cybernetic Apparatus,” Critical Inquiry 38.1 (2011): 96-126. Print.
Geoghegan, Bernard, and Benjamin Peters. “Cybernetics.” The John Hopkins Guide to Digital Media. Eds. Marie-Laure Ryan, Lori Emerson, Benjamin J. Robertson. Baltimore: John Hopkins University Press, 2014. 109-113. Print.
Gibson, Jennifer. “Surrealism before Freud: Dynamic Psychiatry's ‘Simple Recording Instrument’,” Art Journal 46.1: Mysticism and Occultism in Modern Art (Spring 1987): 56-60. Print.
Gleick, James. The Information. A History. A Theory. A Flood. London: Fourth Estate, 2012. Print.
Goetz, Christopher G., Michel Bonduelle and Toby Gelfand. Charcot: Constructing Neurology. New York: Oxford University Press, 1995. Print.
Goetz, Christopher. “Introduction,” in Charcot, The Clinician. The Tuesday Lectures. New York: Raven Press, 1987. xix-xxx. Print.
Goetz, Christopher. “Visual Art in the Neurologic Career of Jean-Martin Charcot,” Archives of Neurology 48.4 (1991): 421-425. Print.
Greenfield, Adam. Everyware: The Dawning Age of Ubiquitous Computing. New York: New Riders, 2006.
Greniewski, Henryk. Cybernetics without Mathematics. Trans. Olgierd Wojtasiewicz. New York: Pergamon Press, 1960. Print.
Grigg, Russell. “On the Need for A Philosophy of Technology in Its Own Right.” Umbr(a): Technology (2012): 43-58. Print.
Grigg, Russell. Footnotes to The Psychoses (1955-1956). The Seminar of Jacques Lacan. Book III. Ed. Jacques-Alain Miller. Trans. Russell Grigg. New York: W. W. Norton & Company, 1997. Print.
Grigg, Russell. Lacan, Language, and Philosophy. New York: SUNY Press, 2008. Print.
Gross, Charles G. “Claude Bernard and the constancy of the internal environment.” Neuroscientist 4 (1998): 380-385. Print.
Grubrich-Simitis, Ilse. Early Freud and Late Freud: Reading Anew ‘Studies on Hysteria’ and ‘Moses and Monotheism’. New York, Routledge, 1997. Print.
Grusin, Richard. Premediation: Affect and Mediality After 9/11. New York: Palgrave Macmillan, 2010. Print.
Guéguen, Pierre-Gilles. “Discretion of the Analyst in the Post-interpretative Era.” The Later Lacan. Eds. Véronique Voruz and Bogdan Wolf. New York: SUNY Press, 2007. 10-24. Print.
Guilbaud, Georges-Théodule. What Is Cybernetics? Trans. Valerie MacKay. Toronto: Heinemann: 1961 [1959]. Print.
Gunning, Tom. “In Your Face: Physiognomy, Photography, and the Gnostic Mission of Early Film,” in Ed. Mark S. Micale. The Mind of Modernism. Medicine, Psychology, and the Cultural Arts in Europe and America, 1880-1940. Stanford: Stanford University Press, 2004. 141-169.
Haan, Joost; Peter J. Koehler, and Julien Bogousslavsky. “Neurology and surrealism: André Breton and Joseph Babinski,” Brain: A Journal of Neurology 135 (December 2012): 3627-3634. Print.
Hack Tuke, D. “Psychological Retrospect. French Retrospect.” The Journal of Mental Science 28 (January 1883): 620-631. Print.
Hacking, Ian. “Nineteenth Century Cracks in the Concept of Determinism.” Journal of the History of Ideas 44.3 (1983): 455-475. Print.
Hansen, B. N. Mark. New Philosophy for New Media. Cambridge, MA: MIT Press. 2004. Print.
Harris, James C., “A Clinical Lesson at the Salpêtrière,” Archives of General Psychiatry 62.5 (May 2005): 470-472. Print.
Hayles, N. Katherine. How We Became Posthuman: Virtual Bodies in Cybernetics, Literature and Informatics. Chicago: Chicago University Press, 1999. Print.
Heims, Steve J. John von Neumann and Norbert Wiener. From Mathematics to the technologies of Life and Death. Cambridge, MA: MIT Press, 1982. Print.
Heims, Steve J. The Cybernetics Group. Cambridge: MIT Press, 1991. Print.
Holmes, Frederic L. “Claude Bernard, The ‘Milieu Intérieur’, and Regulatory Physiology.” History and Philosophy of the Life Sciences 8.1 (1986): 3-25. Print.
Horn, Eva. “Editor’s Introduction: There Are No Media.” Grey Room 29 (2007): 6-13. Print.
Jameson, Fredric, “Imaginary and Symbolic in Lacan: Marxism, Psychoanalytic Criticism and the Problem of the Subject.” Yale French Studies, 55/56: 338-95. Print.
Jaspers, Karl. General Psychopathology. Manchester: Manchester University Press, 1963. Print.
Jenny, Laurent and Thomas Trezise. “From Breton to Dali: The Adventures of Automatism,” October 51 (Winter, 1989): 105-114. Print.
Jentsch, Ernst. “On the Psychology of the Uncanny.” Angelaki: Journal of Theoretical Humanities 2.1 (1997): 7-16. Print.
Johannessen, Jon-Arild and Arnulf Hauan. ‘Communication – A Systems Theoretical Point of View (Third-Order Cybernetics)’, Systems Practice 7.1 (1994): 63-73. Print.
Johnson, Barbara. “The Frame of Reference: Poe, Lacan, Derrida.” The Purloined Poe. Lacan, Derrida, and Psychoanalytic Reading. Eds. John. P. Muller and William J. Richardson. Baltimore: John Hopkins University Press, 1988. 213-251. Print.
Johnston, Adrian. Žižek's Ontology: A Transcendental Materialist Theory of Subjectivity. Chicago: Northwestern University Press, 2008. Print.
Johnston, John. “Introduction.” Friedrich Kittler. Literature, Media, Information Systems. Essays. Ed. John Johnston. Amsterdam: G+B Arts International, 1997. 2-26. Print.
Johnston, John. The Allure of Machinic Life: Cybernetics, Artificial Life, and the New AI. Cambridge, MA: MIT Press, 2008. Print.
Jones, Ernest. The Life and Work of Sigmund Freud. New York: Penguin, 1964. Print.
Jünger, Ernst. The Glass Bees. New York: NYRB Classics, 2000. Print.
Kapp, R.O. “Comments on Bernfeld and Feitelberg’s ‘The Principle of Entropy and the Death Instinct’.” International Journal of Psycho-Analysis 12 (1931): 82-86. Print.
Kenny, Vincent. ‘“There’s Nothing Like the Real Thing”: Revisiting the Need for a Third-Order Cybernetics.’ Constructivist Foundations 4.2 (2009): 100–111. Web.
Kittler, Friedrich A. ‘No Such Agency’, trans. Paul Feigelfeld, introd. Paul Feigelfeld and Jussi Parikka, Theory, Culture & Society (2014). Web.
Kittler, Friedrich, Discourse Networks 1800 / 1900. Stanford, CA: Stanford UP, 1990. Print.
Kittler, Friedrich. “Dracula’s Legacy.” Literature, Media, Information Systems. Essays. Ed. John Johnston. Amsterdam: G+B Arts International, 1997. 50-84. Print.
Kittler, Friedrich. “The World of the Symbolic – A World of the Machine.” Literature, Media, Information Systems. Essays. Ed. John Johnston. Amsterdam: G+B Arts International, 1997. 130-146. Print.
Kittler, Friedrich. Gramophone, Film, Typewriter, Stanford, CA: Stanford UP, 1999. Print.
Klein, Matrin J. “Thermodynamics in Einstein’s Thought.” Science Vol. 157, No 3788 (1967): 509-516. Web.
Klein, Ronald R. The Cybernetics Moment, Or Why We Call Our Age the Information Age. Baltimore, MD: John Hopkins University Press, 2015. Print.
Kovacevic, Filip. Liberating Oedipus?: Psychoanalysis as Critical Theory. Lanham, MD: Lexington Books, 2006. Print.
Kroker, Arthur. Technology and the Canadian Mind: Innis / McLuhan / Grant. Montreal: CTheory Books, 2001. Print.
Kubie, Lawrence S. Neurotic Distortion of the Creative Process. New York: Noonday Press, 1961. Print.
Kubie, Lawrence. “Communication between sane and insane: Hypnosis.” Cybernetics: Transactions of the Eighth Conference; Josiah Macy, Jr. Foundation, New York (Heinz von Foerster, Margaret Mead, Hans Lukas Teuber), 1952. Print.
Kubie, Lawrence. “Discrimination and Learning in Octopus.” The Proceedings of the Ninth Conference on Cybernetics. Caldwell, N. J.: Josiah Macy, Jr. Foundation, 1953. 109-119.
Kubie, Lawrence. “Psychoanalysis as science.” The Hixon lectures on the scientific status of psychoanalysis” Ed. E. Pumpian-Mindlin. Westport, Conn.: Greenwood Press, 1970, [c1952]. Web.
Kunkle, Sheila. “Psychosis in a Cyberspace Age.” Other Voices, v.1, n.3 (January 1999). Web.
La Sagna, Phillipe. “Controversies Over the Mental.” Trans. Jack Stone. (Re)-Turn: A Journal of Lacanian Studies 5 (2010): 33-43. Print.
Lacan, Jacques; Jacques-Alain Miller, James Hulbert. “Desire and the Interpretation of Desire in Hamlet.” Literature and Psychoanalysis. The Question of Reading: Otherwise. Yale French Studies 55/56 (1977): 11-52. Print.
Lacan, Jacques. “Beyond the ‘Reality Principle’.” Écrits. Trans. Bruce Fink. New York: W.W. Norton & Company, 2006. 58-74. Print.
Lacan, Jacques. “British Psychiatry and the War,” Trans. Philip Dravers and Veronique Voruz. Psychoanalytical Notebooks of the London Circle: Psychiatry and Psychoanalysis 4 (Spring 2000a): 9-34. Print.
Lacan, Jacques. “Columbia University: Lecture on the Symptom.” Culture/Clinic: Applied Lacanian Psychoanalysis 1 (2013): 8-16. Print.
Lacan, Jacques. Écrits Trans. Alan Sheridan. London: Tavistock Publications, 1977. Print.
Lacan, Jacques. “Freud Forever: An Interview with Panorama.” Conducted by Emilia Granzotto. Hurly-Burly 12 (January 2015): 13-21. Print.
Lacan, Jacques. “Kant with Sade.” Écrits. Trans. Bruce Fink. New York: W.W. Norton & Company, 2006. 645-668. Print.
Lacan, Jacques. “On Hysteria.” Psychoanalytic Notebooks 21 (2010): 9-14. Print.
Lacan, Jacques. “On My Antecedents,” Écrits. Trans. Bruce Fink. New York: W.W. Norton & Company, 2006. 51-57. Print.
Lacan, Jacques. “On Psychoanalytic Discourse.” Lacan in Italia, 1953-1978. En Italie Lacan, Milan, La Salmandra, 1978, pp. 32-55. Trans. Jack W. Stone. Jack W. Stone’s Joyce/Lacan/SintHome Page. Web. 5 Sep. 2015. Web.
Lacan, Jacques. “Radiophonie.” 20 Nov. 2014. Web.
Lacan, Jacques. “Science and Truth.” Écrits. Trans. Bruce Fink. New York: W.W. Norton & Company, 2006. 726-745. Print.
Lacan, Jacques. “The Instance of the Letter in the Unconscious, or Reason Since Freud.” Écrits. Trans. Bruce Fink. New York: W.W. Norton & Company, 2006. 412-439. Print.
Lacan, Jacques. “The Mirror Stage as Formative of the I Function as Revealed in Psychoanalytic Experience.” Écrits. Trans. Bruce Fink. New York: W.W. Norton & Company, 2006. 75-81. Print.
Lacan, Jacques. “The Signification of the Phallus.” Écrits. W. W. Norton & Company, New York, 2002. 573-584. Print.
Lacan, Jacques. “The Subversion of the Subject and the Dialectic of Desire in the Freudian Unconscious.” Écrits. Trans. Bruce Fink. New York: W.W. Norton & Company, 2006. 671-702. Print.
Lacan, Jacques. “Yale University: Lecture on the Body.” Culture/Clinic: Applied Lacanian Psychoanalysis 1 (2013): 5-7. Print.
Lacan, Jacques. On the Names-of-the-Father. Trans. Bruce Fink. Cambridge: Polity Press, 2013. Print.
Lacan, Jacques. Television. A Challenge to the Psychoanalytic Establishment. Ed. Joan Copjec. Trans. Denis Hollier, Rosalind Krauss, and Annette Michelson; Jeffrey Mehlman. New York: W. W. Norton & Company, 1990. Print.
Lacan, Jacques. The Seminar of Jacques Lacan, Book I: Freud’s Papers on technique (1953-1954), Ed. Jacques-Alain Miller. New York: Norton, 1991. Print.
Lacan, Jacques. The Seminar of Jacques Lacan, Book II: The Ego in Freud’s Theory and in the Technique of Psychoanalysis, Ed. Jacques-Alain Miller. New York: Norton, 1988. Print.
Lacan, Jacques. The Seminar of Jacques Lacan, Book III: The Psychoses 1955-1956, Ed. Jacques-Alain Miller. New York: W. W. Norton & Company, 1997 [1993].
Lacan, Jacques. The Seminar of Jacques Lacan, Book X: L’angoisse, 1962-63. Trans. Cormac Gallagher. Manuscript.
Lacan, Jacques. The Seminar of Jacques Lacan, Book XI: The Four Fundamental Concepts of Psychoanalysis, Ed. Jacques-Alain Miller. Trans. Alan Sheridan. New York: Norton, 1998. Print.
Lacan, Jacques. The Seminar of Jacques Lacan, Book XVII: The Other Side of Psychoanalysis 1969-70. Trans. Cormac Gallagher. Manuscript.
Lacan, Jacques. The Seminar of Jacques Lacan, Book XX: Encore. On Feminine Sexuality, The Limits of Love and Knowledge, 1972-1973, Ed. Jacques-Alain Miller. Trans. Bruce Fink. New York: Norton, 1999. Print.
Lacan, Jacques. The Seminar of Jacques Lacan, Book XXII: R.S.I. 1974-1975. Trans. Cormac Gallagher. Manuscript.
Lafont, Jeanne. “Topology and Efficiency.” Lacan: Topologically Speaking. Eds. Ellie Ragland and Dragan Milovanovic. New York: Other Press, 2004. 3-27.
Latour, Bruno. “Visualization and Cognition: Thinking with Eyes and Hands.” Knowledge and Society 6 (1986): 1-40. Print.
Latour, Bruno. Pandora’s Hope: Essays on the Reality of Science Studies. Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press, 1999. Print.
Latour, Bruno. Reassembling the Social. An Introduction to Actor-Network Theory. Oxford: Oxford University Press, 2005. Print.
Laurent, Eric. “Psychosis, or Radical Belief in the Symptom,” Hurly-Burly 8 (October 2012): 243-251. Print.
Laurent, Eric. “The Oedipus Complex.” Reading Seminar I and II: Lacan’s Retirn to Freud. Eds. Richard Feldstein, Bruce Fink, Maire Jaanus. New York: SUNY Press, 1996. 67-75. Print.
Laurent, Eric. “Uses of the Neurosciences for Psychoanalysis.” Trans. Jack Stone. (Re)- Turn: A Journal of Lacanian Studies 5 (2010): 45-62. Print.
Laurent, Eric. Lost in Cognition. Psychoanalysis and Cognitive Sciences. Trans. Adrian Price. London: Karnac Books, 2014. Print.
Laycock, Thomas. “Reflex, automatism, and unconscious cerebration,” Journal of Mental Science, Pt. 1, 21 (1876): 477–498 and Pt. 2, 22 (1876): 1–17. Print.
Le Roux, Ronan. “Psychanalyse et cybernétique. Les machines de Lacan.” L'Evolution Psychiatrique 78.2 (2007): 346-369.
Lerner, Vladimir and Eliezer Witztum. “Gaétan Gatian de Clérambault, 1872–1934,” The British Journal of Psychiatry 197 (2010): 371. Print.
Lettvin, J.Y., Maturana, H.R., Pitts, W.H., and McCulloch, W.S. “Two Remarks on the Visual System of the Frog.” Sensory Communication. Ed. Walter Rosenblith, Cambridge, MA: MIT Press and John Wiley and Sons: New York, 1961. Print.
Lettvin, J.Y., Maturana, H.R., Pitts, W.H., and McCulloch, W.S. “Two Remarks on the Visual System of the Frog.” In The Mind: Biological Approaches to its Functions. Eds., William C. Corning, Martin Balaban, 1968, 233-258. Print.
Leupin, Alexandre. (Ed). Lacan and the Human Sciences. Small Town: Nebraska UP, 1991. Print.
Libbrecht, Katrien. Hysterical Psychosis. A Historical Survey. New Brunswick, Transacton Publishers, 1995. Print.
Liu, Lydia. The Freudian Robot: Digital Media and the Future of the Unconscious. Chicago: University of Chicago Press, 2010. Print.
Lomas, David. Simulating the Marvellous. Psychology, Surrealism, Postmodernism. Manchester: Manchester University Press, 2013. Print.
Londe, Albert. L’évolution de la photographie. Paris: Association Française pour l’avancement des sciences, 1889. Print.
Loose, Rik. “‘Per via di pore,’ ‘per via di levare,’ ‘per via di tagli.’ Contemporary Symptoms and the Art of Interpretation.” Lacunae. Journal for Lacanian Psychoanalysis 1.1 (2010): 49-61. Print.
Lovink, Geert. ‘What Is the Social in Social Media?’, e-flux 40 (December 2012). Web.
Lovink, Geert. Network Without a Cause (London: Polity, 2011). Print.
MacCannell, Juliet Flower, “The Real Imaginary: Lacan’s Joyce.” S: Journal of the Jan van Eyck Circle for Lacanian Ideology Critique 1 (2008): 46-57. Print.
Macey, David. Lacan in Contexts. New York: Verso, 1988. Print.
Mackay, Alan L. A Dictionary of Scientific Quotations. London: Taylor & Francis, 1991.
Macksey, R. and E. Donato (eds.). The Structuralist Controversy: The Languages of Criticism and the Sciences of Man, Baltimore: Johns Hopkins Press, 1972. Print.
Mai, F.M. “Briquet's concept of hysteria: an historical perspective.” The Canadian Journal of Psychiatry 26.1 (1981): 57-63. Print.
Maltz, Maxwell. Psycho-Cybernetics: A New Way to Get More Living out of Life. New York: Simon & Schuster, 1969. [Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1960]
Manovich, Lev. “On Totalitarian Interactivity.” The European Graduate School Blog (1996). Web.
Manovich, Lev. Software Takes Command. New York: Bloomsbury Academic, 2013. Print.
Manovich, Lev. The Language of New Media. Cambridge, MA: MIT Press, 2001. Print.
Marda, Yahya; Ozselcuk, Ceren, “Enjoying as an Economic Factor: Reading Marx with Lacan.” Subjectivity 3, (2010): 323-347. Print.
Marey, Étienne-Jules, La Methode graphique dans les sciences experimentales et particulierement en physiologie et en medicine. Paris, 1878. Web.
Marrison, Warren. The Evolution of the Quartz Crystal Clock.” Bell System Technical Journal 27 (1948): 510-588. Web.
Mason, Paul. “‘I Tweet in My Dreams’: The Rise of the Networked Individual,” Why It’s Kicking Off Everywhere: The New Global Revolutions. New York: Verso Books, 2012. 127-152. Print.
Mason, Paul. “’I Tweet in My Dreams': The Rise of the Networked Individual,” Why It’s Kicking Off Everywhere: The New Global Revolutions. New York: Verso Books, 2012. 127-152. Print.
McCulloch, Warren S. Embodiments of Mind. Cambridge: MIT Press, 1965. Print.
McLuhan, Eric. “The Source of the Term, ‘Global Village’.” McLuhan Studies 2. Web.
McLuhan, Marshall. The Gutenberg Galaxy: The Making of Typographic Man. Toronto: Toronto U P, 1962. Print.
McLuhan, Marshall. Understanding Media. The Extensions of Man. New York, McGrawHill Book Company, 1964. Print.
Metzger, David. “Interpretation and Topological Structure.” Lacan: Topologically Speaking. Eds. Ellie Ragland and Dragan Milovanovic. New York: Other Press, 2004. 134-149. Print.
Milham, Willis I. Time and Timekeepers. New York: MacMillan, 1945. Print.
Miller, Jacques-Alain. “Did You Say Bizarre?” lacanian ink 15 (1999). Web.
Miller, Jacques-Alain. “Elements of Epistemology.” The Symptom 9 (2008). Web. 15 Aug. 2015.
Miller, Jacques-Alain. “Extimity.” The Symptom 9 (2008). Web.
Miller, Jacques-Alain. “Foreword.” Lacan, Jacques. On the Names-of-the-Father. Trans. Bruce Fink. Cambridge: Polity Press, 2013. vi-viii. Print.
Miller, Jacques-Alain. “How Psychoanalysis Cures According to Lacan.” Newsletter of the Freudian Field 1.2 (1987): 4-30. Print.
Miller, Jacques-Alain. “Interpretation in Reverse.” The Later Lacan. Eds. Véronique Voruz and Bogdan Wolf. New York: SUNY Press, 2007. 3-9. Print.
Miller, Jacques-Alain. “Lacanian Biology and the Event of the Body.” lacanian ink 18 (2001): 6-29. Print.
Miller, Jacques-Alain. “Objects a in the analytic experience.” Lacanian Compass 9 (2008). Web.
Miller, Jacques-Alain. “Ordinary Psychosis Revisited.” Psychoanalytic Notebooks 26 (2013): 33-48. Print.
Miller, Jacques-Alain. “Some Reflections on the Psychosomatic Phenomenon.” HurlyBurly 12 (January 2015): 133-140. Print.
Miller, Jacques-Alain. “Teachings of the Case Presentation.” Returning to Freud: Clinical Psychoanalysis in the School of Lacan. Ed. and trans. Stuart Schneiderman. New Haven: Yale University Press, 1980. 42-52. Print.
Miller, Jacques-Alain. “The Real in the 21st Century.” Presentation of the Theme of the IXth Congress of the World Association of Psychoanalysis. Buenos Aires, 27 Apr. 2012. Lacan Quotidien, 31 May 2012. Web.
Miller, Jacques-Alain. “The Sinthome, a Mixture of Symptom and Fantasy.” The Later Lacan. Eds. Véronique Voruz and Bogdan Wolf. New York: SUNY Press, 2007. 55-72. Print.
Miller, Jacques-Alain. “The Unconscious and the Speaking Body.” Hurly-Burly 12 (January 2015): 119-132. Print.
Miller, Jacques-Alain. “The Written in Speech.” Courtil Papers of Association de la Cause freudienne. http://www.ch-freudien-be.org/Papers/Txt/Miller.pdf. Web.
Miller, James G. Living Systems. Toronto: McGraw-Hill Ryerson, 1978. Print.
Mills, Mara. ‘On Disability and Cybernetics: Helen Keller, Norbert Wiener, and the Hearing Glove’, differences: A Journal of Feminist Cultural Studies 22.2-3 (2011): 74-111. Print.
Milner, Jean-Claude. “Lacan and the Ideal of Science.” Lacan and the Human Sciences. Ed. Alexandre Leupin. Lincoln & London: University of Nebraska Press, 1991. Print.
Mindell, David A. Between Human and Machine: Feedback, Control, and Computing before Cybernetics. Baltimore: John Hopkins University Press, 2002. Print.
Mitchell, Steven A.; Margaret J. Black. Freud and Beyond. A History of Modern Psychoanalytic Thought. New York: Basic Books, 1995. Print.
Morlock, Forbes. “The Very Picture of a Primal Scene: Une legon clinique a la Salpetriere,” Visual Resources, Vol. XX111 Nos. 1-2 (March-June 2007): 129-146. Print.
Morselli, Paulo. “Maxwell Maltz, Psychocybernetic Plastic Surgeon, and Personal Reflections on Dysmorphopathology.” Aesthetic Plastic Surgery 32 (2008): 485-495. Pirnt.
Murrani, Sana. “Third Way Architecture: Between Cybernetics and Phenomenology.” Technoetic Arts: A Journal of Speculative Research 8.3 (2010): 267-281. Print.
Nasio, Juan-David. “Object a and the Cross-cap.” Lacan: Topologically Speaking. Eds. Ellie Ragland and Dragan Milovanovic. New York: Other Press, 2004. 98-116. Print.
Negroponte, Nicholas. The Architecture Machine: Towards a More Human Environment. Cambridge, Mass.: MIT Press, 1970. Print.
Nusselder, Andre. Interface Fantasy. A Lacanian Cyborg Ontology. Cambridge, MA: The MIT Press, 2009. Print.
Nye, David E. American Technological Sublime. New Baskerville, MA: MIT P, 1994. Print.
O’Sullivan, Simon. “Lacan’s Ethics and Foucault’s “Care of the Self”: Two Diaghams pf the Production of Subjectivity (and of the Subject’s Relation to Truth).” Parrhesia 10 (2010): 51-73. Web.
Pangaro, Paul. Interview. October 4, 2014. New York. Voice.
Parisi, Luciana. Contagious Architecture. Computation, Aesthetics, and Space. Cambridge, M.A.: MIT Press, 2013. Print.
Pascal, Blaise. Pensées. Trans. Roger Ariew. New York: Hackett Publishing Company, 2005. Print.
Pask, Gordon. An Approach to Cybernetics. Hutchinson, 1961. Print.
Pask, Gordon. Conversation, cognition and learning. New York: Elsevier, 1975. Print.
Pask, Gordon. The Cybernetics of Human Learning and Performance. Hutchinson, 1975. Print.
Pasquinelli, Matteo. ‘The Ideology of Free Culture and the Grammar of Sabotage,’ Policy Futures in Education 8.6 (2010): 671-682. Print.
Pasquinelli, Matteo. “Introducing Four Regimes of Entropy: Notes on Environmental Fatalism and Energo-Determinism” at http://matteopasquinelli.com/ Web.
Pavon-Cuellar, David, “Marx in Lacan: Proletarian Truth in Opposition to Capitalist Psychology.” Annual Review of Critical Psychology 9 (2011) 70-77. Print.
Pias, Claus. “Analog, Digital, and Cybernetic Illusion.” Kybernetes 34.3/4 (2005): 543-550. Print.
Pickering, Andrew. The Cybernetic Brain: Sketches of Another Future, Chicago: University of Chicago Press, 2009. Print.
Pierce, John R. An Introduction to Information Theory: Symbols, Signals & Noise. New York: Dover Publications Inc., 1980 [1961]. Print.
Prince, Morton. “Babinski’s Theory of Hysteria.” The Journal of Abnormal Psychology 14.5 (1919): 312-324. Print.
Quinodoz, Jean-Michel. Reading Freud. A Chronological Exploration of Freud’s Writings. London: Routledge, 2005. Print.
Rabaté, Jean-Michel. “Lacan’s Turn to Freud.” The Cambridge Companion to Lacan. Ed. Jean-Michel Rabaté. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2003. 1-24. Print.
Ragland-Sullivan, Ellie. “The Eternal Return of Jacques Lacan.” Literary Theory’s Futures. Ed. Joseph Natoli. Chocago: U of Illinois P, 33-81. Print.
Ragland-Sullivan, Ellie. Jacques Lacan and the Philosophy of Psychoanalysis. Chicago: U of Illinois P, 1986. Print.
Ragland, Ellie. “An Overview of the Real, With Examples from Seminar I.” Reading Seminars I and II: Lacan’s Return to Freud. Eds. Richard Feldstein, Bruce Fink, Maire Jaanus. Albany, NY: SUNY Press, 1996. 192–211. Print.
Ragland, Ellie. “Hamlet, Logical Time and the Structure of Obsession.” Newsletter of the Freudian Field. Vol. 2:2 (Fall 1988). 29-45. Print.
Ragland, Ellie. “Lacan’s Topological Unit and the Structure of Mind.” Lacan: Topologically Speaking. Eds. Ellie Ragland and Dragan Milovanovic. New York: Other Press, 2004. 49-70. Print.
Ragland, Ellie. “The Discourse of Science, the Imaginary Axis and a Concept of the Differential, From the Perspective of Lacan’s Psychoanalytic Topological Logic.” (Re)-Turn: A Journal of Lacanian Studies 5 (2010): 63-100. Print.
Ragland, Ellie. Essays on the Pleasures of Death. From Freud to Lacan. New York: Routledge, 1995. Print.
Ragland, Ellie. The Logic of Sexuation. From Aristotle to Lacan. New York: State University of New York, 2004. Print.
Rand, Nicholas T. “The Hidden Soul: The Growth of the Unconscious in Philosophy, Psychology, Medicine and Literature, 1750-1900.” American Imago 61.3 (2004): 257-289. Scholars Portal. Web.
Recouly, Raymond. “A Visit to Freud,” in Freud as We Knew Him, ed. Hendrik M. Ruitenbeek. Detroit: Wayne State University Press, 1973. 58-62. Print.
Richer, Paul. “Observation de contracture hystérique guérie subitement après une durée de deux années.” In Nouvelle Iconographie de la Salpêtrière (1889): 208-213. Web.
Rinofner-Kreidl, Sonja. “Phenomenological Intuitionism and Its Psychiatric Impact.” In Fuchs, Thomas; Thiemo Breyer, and Christoph Mundt (eds.) Karl Jaspers Philosophy and Psychopathology. New York, NY: Springer New York: Imprint: Springer, 2014. 33-60. Print.
Robin Robins, Kevin, & Webster, Frank. Cybernetic Capitalism: Information, Technology, Everyday Life. In The Political Economy of Information. Ed. V. W. Mosco, Janet. Madison: University of Wisconsin Press. 1988. Print.
Rogers, Carl and Barry Stevens. Person to Person: The Problem of Being Human. A New Trend in Psychology. New York: Pocket Books. 1975. Print.
Rogers, Carl. Client-centered Therapy: Its Current Practice, Implications, and Theory. Boston: Houghton Mifflin Company, 1951. Print.
Ross, John F. “Pascal’s Legacy.” EMBO Reports 5 (2004): S7-S10. Web.
Rothblatt, Ben. Changing Perspectives on Man. Chicago: Chicago UP, 1968. Print.
Roudinesco, Elisabeth. Jacques Lacan. Trans. Barbara Bay. New York: Columbia UP, 1997. Print.
Roudinesco, Elisabeth. Lacan & Co: A History of Psychoanalysis in France, 1925-1985. Trans. Jeffrey Mehlman. Chicago: Chicago UP, 1990. Print.
Samuels, Robert. “Logical Time and Jouissance.” Newsletter of the Freudian Field 4.12 (1999): 68-78. Print.
San Juan, Epifanio. “Antonio Gramsci on Surrealism and the Avant-garde,” The Journal of Aesthetic Education 37.2 (Summer 2003): 31-45. Print.
Saucier, Jean. “Mental Automatism, A Provocative Factor of the Chronic Hallucinatory Psychoses.” The Canadian Medical Association Journal (April, 1932): 452-455. Print.
Scull, Andrew. Hysteria. The Biography. Oxford: Oxford University Press, 2009. Print.
Serres, Michel. The Parasite. Minneapolis, Minn.: University of Minnesota Press, 2007. Print.
Shannon, Claude. “A Mathematical Theory of Communication.” The Bell System Technical Journal 3, Vol. XXVII (1948): 379-423. Print.
Showalter, Elaine. Hystories. Hysterical Epidemics and Modern Culture. New York: Columbia University Press, 1997. Print.
Skiabine, Pierre. “Clinic and Topology. The Flaw in the Universe.” Lacan: Topologically Speaking. Eds. Ellie Ragland and Dragan Milovanovic. New York: Other Press, 2004. 73-97. Print.
Skiabine, Pierre. “The Clinic of the Borromean Knot.” Lacan: Topologically Speaking. Eds. Ellie Ragland and Dragan Milovanovic. New York: Other Press, 2004. 249-267. Print.
Skiabine, Pierre. “The Logic of the Scansion.” Trans. Adrian Price. La Cause Freudienne 46 (2000). Web.
Sloterdijk, Peter. Critique of Cynical Reason. Minneapolis, Minn.: University of Minnesota Press, 1987. Print.
Smith, Grosbie. Science of Energy: The Construction of Energy Physics in the 19th Century. New York: Humanities Press, 1995. Print.
Sobieszek, Robert A. Ghost in the Shell: Photography and the Human Soul, 1850-2000. Cambridge, MA: MIT Press, 1999. Print.
Soler, Colette. “The Paradoxes of the Symptom in Psychoanalysis.” The Cambridge Companion to Lacan. Ed. Jean-Michel Rabate. Cambridge: Cambridge University Press, 2003. 86-101. Print.
Solms, Mark and Oliver. H. Turnbull. “What Is Neuropsychoanalysis?” Neuropsychoanalysis 13.2 (2011). Web.
Spencer-Brown, G. Laws of Form. Portland, OR: Cognizer Co., 1994. Print.
Spielrein, Sabina. “Die Destruktion als Ursache des Werdens.” Jahrbuch für psychoanalytische und psychopathologische Forschungen IV (1912): 465-503. Web.
Spielrein, Sabina. “The Diary of Sabina Spielrein (1909-1912).” Aldo Carotenuto. A Secret Symmetry: Sabina Spielrein Between Jung and Freud. The Untold Story of the Woman Who Changed the Early History of Psychoanalysis. New York: Pantheon Books, 1983. 3-44. Print.
Stiegler, Bernard. Technics and Time, 1. The Fault of Epimetheus. Trans. Richard Beardsworth and George Collins. Stanford: Stanford UP, 1998. Print.
Stiegler, Bernard. Technics and Time, 3. Cinematic Time and the Question of Malaise. Stanford, CA: Stanford UP, 2011. Print.
Stiegler, Bernard. Technics and Time. Stanford, CA: Stanford University Press, 2010.
Strachey, James. “Editor’s Introduction. Project for a Scientific Psychology” The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud. Trans. James Strachey. Vol. I (1886-1889). London: The Hogarth Press, 1966. 283-293. Print.
Sulloway, Frank J. Freud, Biologist of the Mind. Beyond the Psychoanalytic Legend. New York: Basic Books, Inc. Publishers, 1979. Print.
Swales, Stephanie. Perversion: A Lacanian Psychoanalytic Approach to the Subject. London: Routledge, 2012. Print.
Thacker, Eugene. ‘Nihilism and New Media’, part II of Galloway, Alexander R., Geert Lovink, and Eugene Thacker, ‘Dialogues Carried Out in Silence: An E-mail Exchange’, Grey Room 33 (Fall 2008): 96–112. Print.
The Proceedings of the Ninth Conference on Cybernetics. Caldwell, N. J.: Josiah Macy, Jr. Foundation, 1953. Print.
Thompson, Rachel Leah. “The Automatic Hand: Spiritualism, Psychoanalysis, Surrealism,” Invisible Culture: An Electronic Journal for Visual Culture 7 (2004). Web.
Thrift, Nigel. “Remembering the technological unconscious by foregrounding knowledges of position.” Environment and Planning D: Society and Space 22 (2004): 175-190. Print.
Thurston, Luke. “Specious Arithmetic: Joycean Topology.” Lacan: Topologically Speaking. Eds. Ellie Ragland and Dragan Milovanovic. New York: Other Press, 2004. 314-327. Print.
Tiqqun. “The Cybernetic Hypothesis.” Tiqqun 2. Web.
Tomšič, Samo, “The Technology of Jouissance,” Umbr(a): Technology (2012): 143-160. Print.
Tomšič, Samo. “Homology: Marx and Lacan.” S: Journal of the Jan van Eyck Circle for Lacanian Ideology Critique 5 (2012): 98-113. Print.
Turkle, Sherry. Alone Together: Why We Expect More from Technology and Less from Ourselves. New York: Basis Books, 2012. Print.
Turner, Fred. From Counterculture To Cyberculture: Stewart Brand, The Whole Earth Network, And The Rise of Digital Utopianism. Chicago: University Of Chicago Press, 2008. Print.
Vadanuta Plotogea1, A.; A. Keresztes, M. Moarcas. “Guillaume Benjamin Amand Duchenne: Between Medicine And Art.” Bulletin of the Transilvania University of Braşov 6.51(2009): 185-188. Print.
Valente, Joe, “Lacan’s Marxism, Marxism’s Lacan (from Žižek to Althusser).” The Cambridge Companion to Lacan. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2003. 173-190. Print.
Vanheule, Stijn. The Subject of Psychosis: A Lacanian Perspective. New York: Margrave Macmillan, 2011. Print.
Vappereau, Jean-Michel. “Making Rings: The Hole of the Sinthome in the Embedding of the Topology of the Subject.” Lacan: Topologically Speaking. Eds. Ellie Ragland and Dragan Milovanovic. New York: Other Press, 2004. 361-384. Print.
Veith, Ilza. Hysteria: The History of a Disease (Chicago: University of Chicago Press, 1965). Print.
Voruz, Véronique. “Psychoanalysis at the Time of the Posthuman: Insisting on the Outside-Sense.” Paragraph 33.3 (2010): 423-443. Print.
Voruz, Veronique. “The Topology of the Subject of Law: The Nullibiquity of the Fictional Fifth.” Lacan: Topologically Speaking. Eds. Ellie Ragland and Dragan Milovanovic. New York: Other Press, 2004. 282-327. Print.
Wajcman, Gérard. “{From Tableau (“Painting”)}.” Critical Essays on Jacques Lacan. Ed. Ellie Ragland. New York: G. K. Hall & Co., 1999. 142-148. Print.
Wajcman, Gérard. “Intimate Extorted, Intimate Exposed,” S: Journal of the Jan Van Eyck Circle for Lacanian Ideology Critique 1 (2008): 78-99. Web.
Wajcman, Gérard. “Wall of Screens.” lacanian ink 40 (2012): 99-107. Print.
Walter, Grey. “A Machine that Learns.” Scientific American (1951) 185(2): 60-63. Web.
Walter, Grey. “An Electromechanical Animal.” Dialectica (1950) Vol. 4: 42-49. Web.
Walter, Grey. “An Imitation of Life.” Scientific American (1950) 182(5): 42-45. Web.
Walter, Grey. The Living Brain. W. W. Norton & Company, 1963. Print.
Wiener, Norbert. Cybernetics: Or Control and Communication in the Animal and the Machine. Cambridge, Mass.: MIT Press, 1961. Print.
Wiener, Norbert. I Am a Mathematician: The Later Life of a Prodigy. Cambridge: MIT Press, 1964. Print.
Wigley, Mark. “Network Fever.” Wendy Hui Kyong Chun and Thomas W. Keenan (eds.) Old Media, New Media: A History and Theory Reader (New York: Routledge, 2006): 375-398. Print.
Wilden, Anthony. System and Structure: Essays in Communication and Exchange. New York: Tavistock Publications: 1980. Print.
Wilson, Elizabeth A. Psychosomatic: Feminism and the Neurological Body. Durham: Duke University Press, 2004. Print.
Winthrop-Young, Geoffrey and Michael Wutz. “Introduction.” Kittler, Friedrich. Gramophone, Film, Typewriter, Stanford, CA: Stanford UP, 1999. xi-xxxviii. Print.
Wolfram, Stephen. A New Kind of Science. Champaign, IL: Wolfram Media, 2002. Print.
Zenoni, Alfredo. “A Post-scientific Real.” Psychoanalytical Notebooks 27 (2013): 79-84. Print.
Zielinski, Siegfried. Deep Time of the Media. Toward an Archaeology of Hearing and Seeing by Technical Means. Cambridge, MA: MIT P, 2006. Print.
Žižek, Slavoj, Enjoy Your Symptom! Jacques Lacan In Hollywood and Out, New York: Routledge, 1992. Print.
Žižek, Slavoj. “Is It Possible to Traverse the Fantasy in Cyberspace?” The Žižek Reader. Eds. Elizabeth Wright and Edmond Wright. Oxford, UK: Blackwell Publishers, 1999. 102-124. Print.
Žižek, Slavoj. “The Lacanian Real: Television.” The Symptom 9, Jun 13, 2008. Web.
Žižek, Slavoj. “Why Lacan Is Not a ‘Post-Structuralist’.” Newsletter of the Freudian Field 1.2 (1987): 31-39. Print.
Žižek, Slavoj. “Why Lacan is not a Heideggerian,” lacanian ink 32 (2008): 135-149. Print.
Žižek, Slavoj. Less Than Nothing. Hegel and the Shadow of Dialectical Materialism. New York: Verso, 2012. Print.
Zupančič, Alenka. Ethics of the Real. Kant, Lacan. New York, Verso, 2000. Print.
Zygmunt Bauman, Didier Bigo, Paulo Esteves, Elspeth Guild, Vivienne Jabri, David Lyon and R. B. J. Walker, “After Snowden: Rethinking the Impact of Surveillance,” International Political Sociology 8 (2014): 121–144. Print.
السيرة الذاتية
الاسم:
Svitlana Matviyenko
التعليم ما بعد الثانوي والدرجات العلمية:
University of Kyiv-Mohyla Academy
Kyiv, Ukraine
1996-2000 B.A.
University of Kyiv-Mohyla Academy
Kyiv, Ukraine
2000-2001 M.A.
University of Missouri
Columbia, Missouri, USA
2004-2011 Ph.D.
The University of Western Ontario
London, Ontario, Canada
2011-2015 Ph.D.
الأوسمة والجوائز:
Fulbright Fellowship (2004-2006)
الخبرة العملية ذات الصلة:
Lecturer (2014- )
The University of Western Ontario
المنشورات:
“Interpassive User: Complicity and Returns of Cybernetics.” Fibreculture Journal 25 (2015).
“Cinema for A Missing People: Gilles Deleuze’s Crystal Image and Alexander Dovzhenko’s Zvenohora.” Harvard Ukrainian Studies 32 no. 1-4 (2015).
“(H)appy Thoughts: Introduction,” The Imaginary App, eds. Paul D. Miller and Svitlana Matviyenko. Cambridge, MA: MIT Press, 2014.
“Veil and the Capitalist Discourse: A Lacanian Reading of the Veil beyond Islam.” (Re)- Turn: A Journal of Lacanian Studies, Volume 6 (Spring 2011).