المظهر

مبادئ التقنية التحليلية النفسية
مقاربة لاكانية للممارسين
بروس فينك
المقدمة
إنني أتعلم كل شيء من المحلَّلين لديّ؛ ومنهم أتعلم ما هو التحليل النفسي.
—Lacan
كان يبدو لي دائمًا أن التحليل لا يتعلق بالتقنية بقدر ما يتعلق بنوع العمل الذي يُلهم المحلِّلُ المحلَّلَ أن ينجزه في سياق التحليل. وكان افتراضي أن محللين مختلفين يمكنهم، من حيث المبدأ، أن يستخدموا تقنيات متباينة إلى حد بعيد لتشجيع قدر متقارب من العمل نفسه. لكن كلما تحدثت مع جماعات مختلفة من جماعات التحليل النفسي في أرجاء الولايات المتحدة، ازددت اقتناعًا بأن نوع التقنية الذي يُدرَّس اليوم في الجمعيات والمعاهد لا يكتفي بعدم تعزيز ما أفهمه بوصفه عملًا تحليليًا، بل يحول دونه. ويبدو لي أن المقاربات المعاصرة للعلاج التحليلي النفسي قد أغفلت كثيرًا من البصائر الأساسية التي حققها Freud وLacan وغيرهما من رواد التحليل، واعتمدت بدلًا من ذلك تصورات منحدرة من علم النفس، ولا سيما علم نفس النمو، تناقض مبادئ التحليل النفسي الأساسية، مبادئ مثل اللاوعي والكبت وقهر التكرار، وما إلى ذلك.
ومن ثم فقد أقدمت على خطوة قد تبدو جسورة بعض الشيء، هي إعداد مدخل في التقنية يسعى إلى إبقاء تلك المبادئ الأساسية ثابتة الحضور في مرماه. وتركيزي هنا منصب على ما يبدو لي تقنية أولية أو أساسية، لا على شروح نظرية مطولة لتلك المبادئ. وعلى هذا الأساس كتبت هذا المدخل لقراء لا معرفة سابقة لهم بـ Lacan، ولا معرفة كبيرة سابقة لهم بالتحليل النفسي عمومًا. وآمل أن يكون هذا المدخل نافعًا للمبتدئين وللإكلينيكيين الأكثر خبرة أيضًا، وإن كان ذلك لأسباب مختلفة.
وينبغي أن يكون واضحًا منذ البداية أن التقنيات المعروضة هنا تنجح معي أنا؛ فأنا أجد أنني أستطيع، باستخدامها، أن أحقق قدرًا كبيرًا مما أعتقد أن التحليل النفسي يسعى إلى تحقيقه. غير أنه ليس مرجحًا أن تنجح مع جميع الآخرين، ولا أن تنجح بالقدر نفسه مع الجميع. وينبغي أن نضع في الحسبان أيضًا أنه، على العموم، لا شيء ينجح مع الجميع. ومع ذلك، وبالاستناد إلى خبرتي مع العدد الكبير من الإكلينيكيين الذين أشرفت عليهم خلال السنوات الاثنتي عشرة أو نحوها الماضية، لدي ما يحملني على الاعتقاد بأن هذه التقنيات يمكن أن تكون مفيدة لكثير من الممارسين، بل وأن تُحوِّل ممارساتهم تحولًا جذريًا إلى حد بعيد في غضون أشهر قليلة. ولهذا قررت أن أعرضها في هذه الصورة.
ويجب أن يكون واضحًا أيضًا أن معظم التقنيات المقترحة هنا صُممت للعمل مع العصابيين، لا الذهانيين. وأنا لا أناقش هنا الفرق بين العصاب والذهان بإسهاب، إذ قد فعلت ذلك على نحو واسع في مواضع أخرى، لكنني أرى أن العمل مع الذهانيين يقتضي مقاربة مختلفة إلى حد بعيد في التقنية، وقد قدمت رسمًا موجزًا لتلك التقنية المختلفة في الفصل 10. فإذا كان الكبت، كما أقترح، ينبغي أن يكون النور الهادي للمحلِّل في توجيه العلاج مع العصابيين، فإن غياب الكبت في الذهان يعني أننا بحاجة إلى توجيه العلاج مع الذهانيين على نحو مختلف. وبينما يبدو أن كثيرًا من المحللين المعاصرين يعتقدون أن أغلبية المرضى الذين نراهم اليوم لا يعانون من "مشكلات على المستوى العصابي"، فإنني أذهب إلى أن أغلبية المحللين لم يعودوا قادرين على التعرف إلى "المشكلات على المستوى العصابي" تحديدًا لأن الكبت واللاوعي لم يعودا هما النور الهادي لهم. وهذا ما يقود المحللين إلى الخلط بين العصاب والذهان، وإلى صوغ مقاربة للعمل التحليلي النفسي يُفترض أنها تنطبق على الجميع. وأعتقد أن المقاربة إلى العصاب التي أقدمها هنا تنطبق على الغالبية العظمى من المرضى الذين يراهم معظم الإكلينيكيين اليوم، وقد يشارك الممارسونني هذا الاعتقاد بعد أن يقرؤوا المقاربة إلى علاج الذهان التي أعرضها في الفصل 10.
إن خبرة إجراء التحليلات النفسية معقدة إلى حد يستحيل معه على أحد أن يغطي جميع وجوهها، حتى لو كرّس عمرًا كاملًا للكتابة. وقد تحدد اختياري للموضوعات هنا، على نحو خاص، بما يبدو لي أنه مُهمَل في التدريب الأساسي للمحللين والمعالجين النفسيين اليوم. ولست، على سبيل المثال، أخصص هنا مساحة كبيرة لمناقشات الوجدان أو التحويل المضاد، لأن التركيز عليهما شديد في نصوص أخرى، إلى حد يقتضي، في نظري، موازنة ذلك. كما أنني لا أخصص مساحة كبيرة لصوغ المراحل المتأخرة والنهائية من التحليل، لأن هذا الكتاب صُمم ليكون نصًا تمهيديًا إلى حد ما. وبهذا المعنى، فالكتاب أبعد ما يكون عن أن يكون دليل تدريب قائمًا بذاته؛ إذ ينبغي أن يُستكمل بقراءات كثيرة أخرى، يمكن العثور على قائمة قصيرة منها في قائمة المراجع.
وقد حاولت، في سياق هذا الكتاب، أن أقارن بين مقاربتي ومقاربات أخرى وأن أبين ما بينها من اختلاف، كلما أمكن، لكنني واعٍ بأن الخبراء في تلك المقاربات الأخرى قد يجدون معرفتي بها قاصرة. وكما يقول Mitchell & Black: "في الوقت الحاضر، من العسير جدًا أن تجد أي محلل نفسي ملمًّا فعلًا، على نحو عميق، بأكثر من مقاربة واحدة. فأدبيات كل مدرسة واسعة، والحساسية الإكلينيكية في كل منها مشذبة بدقة، بحيث تمثل أفقًا بالغ التحدي لأي محلل منفرد يحاول استيعابها كلها." لقد أمضيت معظم خمسة وعشرين عامًا وأنا أصارع فرنسية Lacan المرهقة أحيانًا، وأسعى إلى إيجاد طرائق لوضع بصائره موضع التطبيق. ولم أبدأ إلا الآن في اكتساب إحساس أفضل بالمشهد التحليلي النفسي الأوسع، ولا بد أن بعض محاولاتي لمقارنة مقاربتي بمقاربات أخرى وتبيين الفروق بينها سيبدو كاريكاتوريًا إلى حد ما.
أما المحللون غير اللاكانيين الذين أناقشهم هنا فهم أولئك الذين وجدت أعمالهم أوضح وأكثر إحكامًا، حتى عندما لا أوافق على وجهات نظرهم مطلقًا. وبما أن هدفي ليس عرض المقاربات الأخرى عرضًا استقصائيًا، فمن الواضح أنني لا أوفي أفكار هؤلاء المحللين حقها: فأنا أقتطع بعض عباراتهم من سياقها وأبسط آراءهم، وهو ما يقود حتمًا إلى فقدان شيء من الدقة. ومع ذلك، فقد حاولت أن أتجنب استعمال المصادر الثانوية، أي الشروح والتعليقات على أفكار هؤلاء المحللين، إذ وجدت أن أفكار المفكرين الأصليين، كما في كل مجال آخر تقريبًا، تكون في الغالب أوضح وأكثر إقناعًا. وحين اعتمدت على مصادر ثانوية بوصفها دليلًا أوليًا، كنت أعود دائمًا إلى المصادر الأصلية للتحقق من دقتها، وقد فاجأني مقدار قلة العناية التي يبديها المحللون في قراءة أعمال بعضهم بعضًا وتأويلها، حتى حين تكون تلك الأعمال مكتوبة بأسلوب مستقيم نسبيًا؛ فكل نتيجة تقريبًا توصلت إليها مبدئيًا بشأن الآراء النظرية لمحلل ما اعتمادًا على التعليقات كان لا بد من تعديلها تعديلًا عميقًا، إن لم يكن التخلي عنها بالكلية! وكنت، قبل الشروع في هذا المشروع، أعلم أن معظم التعليقات المكتوبة بالإنجليزية على عمل Lacan يشوبها خلل شديد، وقد نسبت ذلك بخفة إلى صعوبة كتابته وإلى أن قليلًا جدًا من الناطقين بالإنجليزية يتقنون الفرنسية إتقانًا حقيقيًا. أما الآن، فيبدو لي أن ثمة عوامل أخرى تعمل هنا أيضًا.
وكما أشير في العنوان الفرعي، فأنا لا أدعي أنني أقدم هنا نوعًا من المقاربة اللاكانية النهائية، بل أقدم مجرد مقاربة لاكانية واحدة؛ فعمل Lacan بالغ الضخامة والتعقيد بحيث يمكن استخدامه لتسويغ عدد من المقاربات المختلفة، وقد يكون عدد المقاربات اللاكانية المتنوعة بقدر عدد اللاكانيين أنفسهم، إن لم يزد عليه! ففي نهاية المطاف، يميل المحللون اللاكانيون، شأنهم شأن سائر الناس، إلى تغيير آرائهم على مدى الحياة. ونظرًا إلى قصدي هنا تقديم نص تمهيدي في التقنية، فقد بسّطت كثيرًا من صياغات Lacan؛ ولم أحاول، بأي حال، أن أوفر منظورًا تاريخيًا لتطور مفاهيم مثل التأويل والتحويل من عمله المبكر إلى عمله المتأخر، ولم ألمح إلا في الحواشي إلى الصياغات الأدق والأشد تعقيدًا، ولا سيما تلك العائدة إلى سبعينيات القرن العشرين، أو أحلت إليها. ولم أسع هنا إلى الالتزام بأي أرثوذكسية بعينها، ولا سيما أن ذلك كان سيتطلب، على نحو ما، التوفيق بين المواضع التي يناقض فيها Lacan آراءه المبكرة في كتاباته اللاحقة. وبدلًا من ذلك، عرضت أفكاره في التقنية التي تبدو لي أكثر معقولية، وتعمل على أفضل وجه بالنسبة إليّ؛ وحاولت أن أعرضها، إلى حد بعيد، بحسب الترتيب الذي تُستخدم به في تحليل فعلي، على الأقل حتى الفصل 6.
ومن المرجح أن يعتقد الناس في العالم الناطق بالإنجليزية أن اللاكانيين يشكلون جماعة هامشية إلى حد ما، لأن أعدادهم قليلة جدًا في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا والمملكة المتحدة. غير أن الموجة ربما انقلبت الآن: فبفعل النمو الهائل في عدد اللاكانيين في أوروبا وأمريكا الجنوبية خلال العقود القليلة الماضية، وبفعل الانخفاض الهائل أيضًا في عدد المتدربين الجدد على التحليل النفسي في العالم الناطق بالإنجليزية، ولا سيما في معاهد التدريب الكلاسيكية المرتبطة بالرابطة الدولية للتحليل النفسي، قد يكون عدد المحللين الذين يمارسون اليوم على نحو لاكاني في العالم أكبر في الواقع من عدد المحللين من أي نزعة أخرى. وهذا لا يعني بالطبع أنهم جميعًا متفقون بعضهم مع بعض؛ فهناك أكثر من اثنتي عشرة مدرسة لاكانية؛ كما أنه لا يعني أن حتى نسبة صغيرة منهم ستوافق على معظم ما أقوله هنا.
ولتيسير استعمال الضمائر في هذا الكتاب، اعتمدت العرف الآتي: في الفصول الفردية يكون المحلِّل دائمًا امرأة، ويكون المحلَّل دائمًا رجلًا؛ وفي الفصول الزوجية ينعكس الأمر. وكل ترجماتي للأعمال الفرنسية، حيث لا أحيل إلى طبعة إنجليزية قائمة، هي ترجماتي الخاصة؛ وحين أذكر طبعات إنجليزية، أكون مع ذلك قد عدلت الترجمات في كثير من الحالات، وغالبًا على نحو جذري. وجميع الإحالات إلى كتاب Lacan Écrits تحيل إلى ترقيم الصفحات الفرنسي الوارد في هوامش الطبعة الإنجليزية.
وأود أن أضيف هنا كلمة شكر خاصة إلى Héloïse Fink وLuz Manríquez على إلهامهما وإرشادهما فيما يتعلق باختيار Fugue in A flat major من The Well-Tempered Clavier لـ Johann Sebastian Bach لغلاف الكتاب الأمامي؛ وإلى Deborah Malmud وMichael McGandy وKristen Holt-Browning في Norton لما كان العمل معهم ممتعًا إلى هذا الحد؛ وإلى Yael Baldwin على ملاحظاتها المفيدة على نسخة مبكرة من المخطوط، وهي ملاحظات أفضت إلى كثير من الإضافات والتحسينات.
بيتسبرغ، 2006
1
الإصغاء والسماع
أشار Freud إلى أنه ربما توجد طريقة في الكلام تكون جديرة بالاعتبار تحديدًا لأنها لم تكن، حتى الآن، إلا محظورة، أي منطوقة فيما بين السطور. وهذا ما سماه المكبوت.
—Lacan
إن المهمة الأولى للمحلل النفسي هي أن ينصت، وأن ينصت بعناية. ومع أن مؤلفين كثيرين شددوا على ذلك، فإن عدد المصغين الجيدين في عالم العلاج النفسي قليل على نحو يثير الدهشة. لماذا؟ ثمة أسباب عدة، بعضها شخصي في المقام الأول وبعضها الآخر بنيوي أكثر، لكن أحد أهمها أننا نميل إلى سماع كل شيء في علاقته بنا نحن. فعندما يروي لنا أحدهم حكاية، نفكر في حكايات شبيهة نستطيع نحن بدورنا أن نرويها. ونبدأ في التفكير بأشياء حدثت لنا تتيح لنا أن "نرتبط" بخبرة الشخص الآخر، أو أن "نعرف" كيف كان وقعها عليه، أو على الأقل أن نتخيل كيف كنا سنشعر لو كنا مكانه.
بعبارة أخرى، فإن طريقتنا المعتادة في الإصغاء تتمركز، إلى حد كبير، حول أنفسنا، حول خبراتنا الحياتية المشابهة، ومشاعرنا المشابهة، ووجهات نظرنا الخاصة. وعندما نستطيع أن نعثر في أنفسنا على خبرات أو مشاعر أو وجهات نظر تشبه ما لدى الشخص الآخر، نعتقد أننا "نتصل" بذلك الشخص: فنقول أشياء مثل "أعرف ما تعنيه"، و"نعم"، و"أنا أسمعك"، و"أشعر من أجلك"، أو "أشعر بألمك". وفي مثل هذه اللحظات نشعر بالتعاطف أو التقمص الوجداني أو الشفقة تجاه هذا الآخر الذي يبدو مثلنا؛ فنقول: "لا بد أن ذلك كان مؤلمًا لك"، متخيلين الألم الذي كنا نحن سنشعر به في مثل هذا الموقف.
أما حين نعجز عن العثور في أنفسنا على خبرات أو مشاعر أو وجهات نظر تشبه ما لدى الشخص الآخر، فإننا نشعر أننا لا نفهمه، بل قد نجده غريبًا، إن لم يكن بليدًا أو لا عقلانيًا. فعندما لا يعمل أحد بالطريقة نفسها التي نعمل بها، أو لا يستجيب للمواقف كما نستجيب نحن، نكون كثيرًا ما في حيرة أو دهشة أو حتى ذهول. وفي مثل هذه الحال نميل إلى محاولة تصحيح وجهات نظر الآخر، وإقناعه بأن يرى الأمور كما نراها نحن، وأن يشعر بما كنا سنشعر به لو كنا في وضعه. وفي الحالات الأشد، نصير ببساطة مطلقي أحكام: كيف يمكن لأي أحد، نسأل أنفسنا، أن يعتقد مثل هذا، أو أن يتصرف أو يشعر على هذا النحو؟
وبأبسط عبارة، فإن طريقتنا المعتادة في الإصغاء تغفل غيرية الآخر أو ترفضها. فنحن نادرًا ما نصغي إلى ما يجعل الحكاية، كما يرويها شخص آخر، فريدة وخاصّة بذلك الشخص وحده؛ بل نسارع إلى استيعابها داخل حكايات أخرى سمعنا آخرين يروونها عن أنفسهم أو نستطيع نحن أن نرويها عن أنفسنا، متغافلين عن الفروق بين الحكاية المروية وتلك التي ألفناها من قبل. ونهرع إلى طمس الفروق وجعل الحكايات متشابهة، إن لم تكن متطابقة. وفي عجلة منا إلى التماهي مع الآخر، وإلى أن يكون بيننا وبينه شيء مشترك، نساوي قسرًا بين حكايات تكون في الغالب غير قابلة للقياس بعضها على بعض، فنرد ما نسمعه إلى ما نعرفه سلفًا. وأعسر ما نصغي إليه هو ما يكون جديدًا ومختلفًا تمامًا: أفكارًا وخبرات وانفعالات غريبة كل الغرابة عن خبراتنا نحن، بل وعن كل ما تعلمناه حتى الآن.
وكثيرًا ما يُعتقَد أن البشر يتقاسمون عددًا كبيرًا من المشاعر وردود الأفعال تجاه العالم، وأن هذا هو ما يتيح لنا أن نفهم بعضنا بعضًا، على نحو أو آخر، وما يشكل أساس إنسانيتنا المشتركة. وفي محاولة لمقاومة صورة نمطية معينة عن المحلل النفسي بوصفه عالمًا منفصلًا عديم الشعور، لا كائنًا حيًا نابضًا، اقترح بعض الممارسين أن على المحلل أن يُظهر للمحلَّل تعاطفًا منتظمًا، وأن يبرز ما بينهما من قواسم مشتركة، لكي يؤسس تحالفًا علاجيًا متينًا. ومع أن لهذه الممارسات عددًا من النوايا الحسنة، فإن تعبيرات التعاطف قد تؤكد الإنسانية المشتركة بين المحلل والمحلَّل على نحو يبيض أو يدهس الأوجه غير المشتركة من إنسانيتهما.
وأنا أقترح أن كلما دققنا النظر في أفكار أي شخصين ومشاعرهما داخل موقف معين، اضطررنا أكثر إلى أن ندرك أن الفروق بينهما أكبر من أوجه الشبه، فنحن أكثر اختلافًا مما نميل إلى الظن. وعلى أي حال، فإن بناء التحالف الذي يُفترض أن يحققه ردٌّ تعاطفي من جانب المحلل يمكن تحقيقه بالسهولة نفسها إذا طلب المحلل من المحلَّل أن يصف خبرته، وهي طريقة تمتاز بأنها لا تضع كلمات في فم المحلَّل. وفي العمل الذي أقوم به بالإشراف على معالجين نفسيين من اتجاهات شتى، أجد أن التعليقات التي يقصد بها المعالج، في الغالب، أن تكون تعاطفية وأن تعزز لدى المريض إحساسًا بأنه "مفهوم"، تخطئ الهدف في العادة، فيجيب المريض: "لا، لم يكن الأمر مؤلمًا. في الواقع، كان أيسر بكثير مما ظننت، ولم أشعر في حياتي بتحسن كهذا!" وكثيرًا ما تجد المحللة التي تستسلم لإغراء الرد تعاطفيًا أنها لا تتحرك، في تلك اللحظة الدقيقة، من الموضع نفسه الذي يتحرك منه المحلَّل.
والواقع أننا لا نفهم إلا القليل جدًا من خبرة شخص ما بمجرد ردّها إلى خبرتنا نحن أو استيعابها فيها. وقد نميل إلى الظن بأننا نستطيع تجاوز هذه المشكلة إذا اكتسبنا خبرة أوسع بكثير في الحياة. فمحلَّلونا يعتقدون، بعد كل شيء، في كثير من الأحيان، أننا لا نستطيع فهمهم ما لم نبدُ متقدمين في السن وحكماء، وما لم يظهر من الوهلة الأولى أننا نملك خبرة طويلة بالحياة. وقد نقع نحن أنفسنا في فخ الاعتقاد بأننا نحتاج فقط إلى توسيع آفاقنا، والسفر بعيدًا، والتعرف إلى شعوب ولغات وأديان وطبقات وثقافات أخرى، لكي نفهم طيفًا أوسع من المحلَّلين فهمًا أفضل. غير أنه إذا كان اكتساب معرفة أكمل بالعالم مفيدًا فعلًا، فذلك على الأرجح لا لأننا أصبحنا نفهم "كيف يعيش النصف الآخر" أو كيف يعمل الآخرون حقًا، بل لأننا توقفنا عن مقارنة الجميع بأنفسنا بالدرجة نفسها: لقد تبدل إطارنا المرجعي ولم نعد نقيس الآخرين فورًا على طريقتنا نحن في الرؤية والفعل.
في السنوات الأولى من ممارستي للتحليل النفسي، جاءتني امرأة في الخمسينيات من عمرها، وروت لي باكية حكاية عن كيف تزوجت ثم طلقت ثم عادت فتزوجت الرجل نفسه. وقد استبد بي عدم التصديق، إذ كنت أظن يومها أن هذا النوع من الأمور لا يحدث إلا في هوليوود، ولا بد أن تعبيرًا من الدهشة أو الحيرة ارتسم على وجهي. وغني عن القول إن المرأة شعرت أنني أحكم عليها ولم تعد قط. وكانت محقة، بالطبع: فقد كنت أحاول أن أتخيل نفسي مكانها، فوجدت ذلك مستحيلًا أو، في الحد الأدنى، غير مستساغ.
إن طريقتنا المعتادة في الإصغاء نرجسية ومتمحورة حول الذات إلى حد بعيد، لأننا فيها نرد كل ما يقوله لنا الآخرون إلى أنفسنا. فنحن نقارن أنفسنا بهم، ونقدّر ما إذا كنا قد مررنا بخبرات أفضل أو أسوأ من خبراتهم، ونقيّم كيف تنعكس حكاياتهم علينا وعلى علاقتهم بنا، خيرًا كانت أم شرًا، حبًا أم كراهية. وهذا، باختصار، هو ما يشير إليه Lacan بوصفه البعد الخيالي للخبرة: فالمحللة، بوصفها مستمعة، تقارن الآخر بنفسها على نحو متواصل، وتعاين خطابه باستمرار من حيث نوع الصورة التي يعكسها إليها، أهي صورة شخص جيد أم سيئ، سريع أم بطيء، نافذ البصيرة أم عديم الجدوى. والبُعد الخيالي يتعلق بالصور، كصورتنا عن أنفسنا مثلًا، لا بالوهم في حد ذاته.
وعندما تعمل المحللة ضمن البعد الخيالي للخبرة، يكون تركيزها منصبًا على صورتها الذاتية كما يردها إليها المحلَّل، ولا تسمع مما يقوله إلا بقدر ما ينعكس عليها هي. وما يشغلها هنا هو ما يعنيه خطاب المحلَّل بالنسبة إليها، وما يعنيه عنها. أهو غاضب منها؟ مفتون بها؟ هل يرسمها ذكية، وجديرة بالثقة، ومفيدة، أم بليدة، وغير جديرة بالثقة، وغير نافعة؟ وعندما يبدو في الظاهر أنه يشكو أمه، تتساءل المحللة عما إذا لم يكن يوجه نقده إليها هي في الحقيقة، وهي تريد أن تُرى في صورة الأم الطيبة لا الأم السيئة. وحين يتحدث عن درجاته أو نتائج اختبار GRE أو دخله، تقارن المحللة في ذهنها بين درجاتها ونتائجها ودخلها وبين درجاته ونتائجه ودخله.
والإصغاء إلى كل هذا يجعل المحللة، من حيث البنية، عاجزة عن سماع أشياء كثيرة جدًا مما يقوله المحلَّل، وفي مقدمتها زلات اللسان التي، لما كانت كثيرًا ما تبدو بلا معنى، لا تنعكس فورًا على المحللة، ومن ثم تُهمَل في الغالب. فعندما تشتغل المحللة أساسًا داخل البعد، أو السجل، الخيالي، يبقى كل ما لا يمكن مقارنته بسهولة بخبراتها الخاصة من دون عناية، بل يظل، في كثير من الأحيان، غير مسموع فحسب. ولأن الأشياء التي يمكن أن تخضع لمثل هذه المقارنة هي وحدها الأشياء ذات المعنى المباشر، أو شبه المباشر، فإن كل ما ليس ذا معنى فوري أو غير قابل للفهم مباشرة، من تلعثمات وتهتهات وتمتمات وكلام مشوش وقلب لفظي وتوقفات وزلات وصياغات ملتبسة وسوء استعمال للكلمات وتوريات مزدوجة وثلاثية، وما إلى ذلك، يُطرح جانبًا أو يُهمل. وكل ما لا يقع داخل أفقها، داخل عالم خبرتها الخاص، يُغفل أو يُعرض عنه.
وهذا يعني، في الجوهر، أنه كلما اشتغلت المحللة في هذا النمط الخيالي، قلّ ما تستطيع أن تسمعه. فطريقتنا المعتادة في الإصغاء، سواء بوصفنا "مواطنين عاديين" أم بوصفنا محللين، تنخرط أساسًا في السجل الخيالي وتجعلنا، إلى حد بعيد، ثقال السمع. فكيف، إذن، نصير أقل صممًا؟
إرجاء الفهم
ينبغي لـ [المحلل]، في نفسه كما في العالم الخارجي، أن يتوقع دائمًا أن يجد شيئًا جديدًا.
—Freud
ينغلق اللاوعي بقدر ما يكف المحلل عن "مساندة الكلام"، لأنه يعرف سلفًا، أو يظن أنه يعرف، ما يريد الكلام قوله.
—Lacan
إذا كانت محاولاتنا لـ "الفهم" تقودنا، لا محالة، إلى رد ما يقوله شخص آخر إلى ما نظن أننا نعرفه سلفًا، فإن إحدى أولى الخطوات التي يجب أن نتخذها هي أن نتوقف عن محاولة الفهم بهذه السرعة. فليس بإظهارنا للمحلَّل أننا نفهم ما يقوله نبني تحالفًا معه، ولا سيما أن محاولاتنا لإظهار فهمنا له تخفق كثيرًا وتُظهر عكس ذلك تمامًا، بل نبنيه بأن نصغي إليه على نحو لم يُصغ إليه به من قبل. ولما كانت "القاعدة ذاتها للخطاب بين البشر هي سوء الفهم"، فإننا لا نستطيع أن نعتمد على الفهم لتأسيس علاقة متينة بالمحلَّل. وبدلًا من ذلك، يجب أن "نبدي فيه اهتمامًا جادًا" بالإصغاء إليه بطريقة تبيّن أننا ننتبه إلى ما يقوله على نحو لم يعرفه من قبل.
فبينما كان معظم الذين أصغوا إليه في الماضي يتركونه يتكلم قليلًا ثم يردون بحكاياتهم هم ووجهات نظرهم ونصائحهم، يتيح له المحلل أن يتكلم طويلًا، ولا يقاطعه إلا لكي يطلب توضيحًا لشيء قاله، أو مزيدًا من التفاصيل حول شيء ما، أو أمثلة أخرى مشابهة. وعلى خلاف معظم من أصغوا إلى المحلَّل من قبل، يلاحظ المحلل أن المحلَّل استعمل الكلمات أو التعابير نفسها تمامًا لوصف زوجته في أول الجلسة ووصف جدته بعد نصف ساعة، أو حتى بعد عدة جلسات. وإذا كانت المحللة تركز على ما يعنيه خطاب المحلَّل عنها هي، فلن يكون بمقدورها أن تتذكر بسهولة كثيرًا من التفاصيل التي يقولها، سواء تعلقت بأحداث حياته المبكرة، أو بأسماء إخوته وأخواته، أو بعلاقاته الراهنة.
وكلما قلّ اعتبار المحللة نفسها هدفًا لخطاب المحلَّل، وقلّ انشغالها بكيفية انعكاس ذلك الخطاب عليها، ازداد ما تستطيع أن تتذكره منه بيسر بالغ. وكلما قلّ اتخاذها من نفسها مقياسًا لكل شيء في خطاب المحلَّل، سهل عليها أن تقارب هذا الخطاب بشروطه هو، ومن إطار مرجعيته هو. وبهذه الطريقة وحدها يمكنها أن تأمل في استكشاف العالم كما يراه المحلَّل ويعيشه، لا من "الخارج"، أي بفرض طريقتها هي في العيش، أو modus vivendi الخاص بها، على المحلَّل، بل، إلى حد ما، من "الداخل".
ولا يعني ذلك أن على المحللة، في نهاية المطاف، أن تأتي إلى رؤية عالم المحلَّل بالطريقة التي يراه بها هو، لأن المحلَّل لا يرى، في الغالب، إلا جزءًا منه، ولا يريد أن يرى أجزاء أخرى، وخصوصًا تلك التي يعدها مستقبحة أو يجدها منفرة أو مقززة. ومع أنها تصغي بانتباه شديد إلى الحكاية كما يرويها المحلَّل، فإن عليها ألا تصدق كل ما تسمعه، حتى لو كان من الأفضل لها في الغالب ألا تُظهر قدرًا كبيرًا من عدم التصديق في البداية. ففي معظم الحالات ينبغي إدخال الشك في ما إذا كنا نسمع القصة كلها، سواء تعلق الأمر بحادثة معينة أو بحياة المحلَّل عمومًا، أو أننا لا نسمع إلا عرضًا محكم الإخراج لبعض أجزائها، على نحو تدريجي فقط؛ وإلا فقد يتكون لدى المحلَّل انطباع بأننا لا نصدق شيئًا مما يقوله، فيتبع ميلًا شائعًا جدًا إلى العثور على شخص يصدقه. وقد يكون هذا مهمًا بوجه خاص عندما يكون المحلَّل يعاني مشكلات زوجية، وقد جاء أساسًا بإلحاح من زوجته؛ فإذا لم يجد، ولو مؤقتًا، حليفًا في محلله، أي شخصًا يبدو أنه يصدق على الأقل جانبًا كبيرًا من روايته، فمن المرجح أن يفر بحثًا عن ممارس مستعد لأن ينحاز إليه.
أما المراهق الذي اعتاد أن يخدع الكبار بنجاح، فمن الأفضل غالبًا أن يلقاه المحلل بشيء من الشك منذ البداية؛ فإذا بدا المحلل كما لو أنه يبتلع القصة، أي أن المراهق لم يفعل، في الواقع، شيئًا خطأ، وأنه مجرد ضحية للظروف مثلًا، فغالبًا ما ينهار التحليل قبل أن يبدأ أصلًا، إذا جاز التعبير. كما أن التعبيرات المبكرة عن الشك تكون منطقية أيضًا مع أشخاص سبق لهم أن خضعوا للعلاج، أو كانوا على معرفة واسعة نسبيًا بالنظرية التحليلية النفسية.
فنحن، في الخطاب اليومي، نُظهر للآخرين عادة أننا نصغي إلى ما يقولونه بإيماءة من الرأس أو بقول "نعم" أو "أجل"، وكلها توحي بالموافقة، أي بأننا نوافق ونشتري القصة التي تُروى لنا. أما الخطاب التحليلي، فيتطلب منا شيئًا مختلفًا: إنه يقتضي أن نظهر أننا نصغي باهتمام شديد من غير أن نوحي بأننا نصدق ما نسمعه أو نكذبه.
وينبغي للمحللة أيضًا أن تتجنب الطرائق التقليدية في التعبير عن الانتباه إلى ما يرويه شخص ما، كأن تقول "مثير للاهتمام" أو "فاتن"، لأن مثل هذه التعليقات مبتذلة كثيرًا، وغالبًا ما توحي بمنظور متعالٍ وبعيد. وهي توحي أيضًا بأن المحللة تظن أنها فهمت ما قاله المحلَّل. وبدلًا من ذلك، ينبغي لها أن تنمي طيفًا واسعًا من أصوات hmm وhuh بأطوال ونبرات وشدات مختلفة، يمكن استعمالها لتشجيع المحلَّل على مواصلة ما يقوله، أو على شرح شيء بمزيد من التفصيل، أو لمجرد إعلامه بأنها تتابع، أو على الأقل يقظة وتدعوه إلى الاستمرار. ومن مزايا هذه الأصوات أن معناها ليس سهل التحديد، ولذلك يستطيع المحلَّل أن يسقط عليها معاني كثيرة مختلفة.
فعلى سبيل المثال، إن صوت hmm الذي أطلقه أحيانًا لأشير فقط إلى أنني سمعت ما قاله المحلَّل لتوه، يُفسَّر أحيانًا على أنه صوت شك من جانب محلَّل غير مرتاح كثيرًا إلى المنظور الذي كان يطرحه، أي إنه يعتقد أنني أضع منظوره موضع تساؤل. وكثيرًا ما لا يكون لي مثل هذا القصد حين أطلق ذلك الصوت بعينه، غير أن hmm ملتبسة بالقدر الكافي لكي "يسمعها" المحلَّل الذي يشك في دوافعه أو منظوره على أنها طلب منه أن يستكشفهما أكثر. إنه يسقط شكوكه هو عليّ، ولا يمكن لتلك الشكوك أن تبرز إلى السطح وأن تُناقش إلا عندما تُنسب إليّ أنا أولًا.
ولما كانت القواعد الضمنية للمحادثة اليومية تقتضي أن يُسمح لكل طرف بأن يتكلم بدوره، فإن على المحلل أن يشجع المحلَّل على مواصلة الكلام حتى حين تقتضي الأعراف المعتادة أن يكف المحلَّل قليلًا ويفسح المجال للمحلل كي يتدخل. وهذا يعني أن إصغاء المحلل ليس سلبيًا؛ بل لا بد أن يكون إصغاءً نشطًا جدًا. فالمحلل الذي لا يمنح المحلَّل إلا قدرًا يسيرًا من التواصل البصري، أو لا يمنحه شيئًا منه، و/أو الذي يدوّن تقريبًا كل ما يقوله المحلَّل، مرجح أن يقدم تشجيعًا شحيحًا لكلامه. وإذا كان على المحلل أن يُشرك المحلَّل في العملية التحليلية، فلا بد أن يكون هو نفسه أبعد ما يكون عن مراقب منفصل وموضوعي؛ بل عليه أن يُظهر انخراطه النشط في هذه العملية. وكلما ازداد انخراطه، كان من المرجح أن يشعر المحلَّل بانخراط أكبر هو أيضًا، على افتراض أن انخراط المحلل من النوع المنفتح، المهتم، المشجع، لا من النوع الدفاعي، الخانق، أو الكاشف عن الذات. ويقول أحد محلَّليَّ أحيانًا إن إحساسه خلال جلساتنا هو أنه "يركب أمواج hmm وhuh [الخاصة بي]"؛ وهو يميل إلى التعليق على ذلك خصوصًا في اللحظات التي يشعر فيها أن تلك الأمواج أقل غزارة من المعتاد، أي حين يشعر أنني لا أصغي بنشاطي المعتاد.
وهذا يكشف واحدة من الطرق التي يكون بها "حياد المحلل" أسطورة، فالمحلل أبعد ما يكون عن أن يكون شخصية حيادية، غير مبالية، غير فاعلة، على المسرح التحليلي. ويتناول الفصل 4 هذه المسألة بمزيد من العمق.
«الانتباه الحر العائم»
ما إن يركز أحدهم انتباهه عمدًا إلى درجة معينة حتى يبدأ في الانتقاء من المادة المعروضة أمامه؛ فتثبت نقطة في ذهنه بوضوح خاص، ويُهمَل في المقابل شيء آخر. وإذا هو انتقى على هذا النحو، فإنه يتبع توقعاته أو ميوله. لكن هذا هو بالضبط ما يجب ألا يفعله. فإذا اتبع توقعاته في الانتقاء، فإنه يخاطر بألا يجد أبدًا إلا ما يعرفه سلفًا.
—Freud
إلى ماذا يصغي المحلل؟ يفترض هذا السؤال أن هناك شيئًا بعينه ينبغي للمحلل أن يصغي إليه، في حين يتفق المحللون المتمرسون عمومًا على أنهم، مهما توقعوا أن يخرج في تحليل معين، يُفاجَؤون دائمًا بما يجدونه. وكان Freud محقًا حين أوصى بأن نتعامل مع كل حالة جديدة كما لو كانت حالتنا الأولى، بمعنى ألا نفترض سلفًا شيئًا عما سيحدث، مستعملين "الانتباه المعلَّق بالتساوي"، المعروف أيضًا بـ "الانتباه المحلِّق بالتساوي" أو "الانتباه الحر العائم"، لكي نتمكن من سماع كل ما يظهر في "التداعيات الحرة" لدى المحلَّل. فهذا "الانتباه الحر العائم" هو ما يتيح لنا أن نسمع ما هو جديد ومختلف في ما يقوله المحلَّل، بدلًا من أن نسمع فقط ما نريد أن نسمعه أو نتوقع مسبقًا أن نسمعه. ونحن نمارس هذا الانتباه بوصفه جزءًا من محاولتنا الاعتراف بغيرية الآخر، وباختلافه عنا.
ولكن ما هو "الانتباه الحر العائم" على وجه الدقة؟ إنه ليس نوعًا من الانتباه يتشبث بعبارة بعينها يقولها المحلَّل، ثم يفوّت العبارة التالية وهو يحاول أن يثبت الأولى في ذاكرته، أو أن يفكر فيها، أو أن يصلها بأشياء أخرى. بل هو انتباه ينتقل من نقطة إلى نقطة، ومن عبارة إلى عبارة، من غير أن يحاول بالضرورة أن يستخلص منها استنتاجات، أو أن يؤولها، أو أن يضمها كلها إلى بعضها، أو أن يجملها جميعًا. إنه انتباه يدرك على الأقل مستوى من المعنى، ومع ذلك يسمع كل الكلمات والطريقة التي تُنطق بها أيضًا، بما في ذلك السرعة والعلو والنبرة والوجدان والتلعثم والتردد، وما إلى ذلك.
وقد سخر Lacan من بحث بعض المحللين عن أذن ثالثة، يُفترض أن تُسمَع بها دلالة خفية، أي دلالة تتجاوز المعاني التي يمكن العثور عليها أصلًا في كلام المحلَّل:
وما حاجة المحلل إلى أذن إضافية، حين يبدو أحيانًا أن أذنين هما أصلًا أكثر مما ينبغي، لأنه يندفع رأسًا إلى سوء الفهم الأساسي الذي تُحدثه علاقة الفهم؟ وأنا أكرر على طلابي: "لا تحاولوا أن تفهموا!" ... فلتغدُ إحدى أذنيكم صماء كما ينبغي للأخرى أن تكون حادة. وتلك هي التي ينبغي أن تعيروها للإصغاء إلى الأصوات والفونيمات والكلمات والتعابير والجمل، من غير أن تنسوا الوقفات والتقطيعات والقطوع والفواصل والتوازيات.
ومراد Lacan هنا أنه عندما تنشغل المحللة على نحو قهري بفهم المعنى الذي يحاول المحلَّل، عن وعي، أن ينقله، وبمتابعة كل تعقيدات الحكاية التي يرويها، فإنها تُخفق كثيرًا في الإصغاء إلى الطريقة التي ينقل بها ما يقوله، إلى الكلمات والتعابير التي يستعملها، وإلى زلاته وتعثراته. وهو يقترح أن من الأفضل سدّ الأذن التي لا تصغي إلا إلى المعنى، بدل أن تُجعل الأذن التي تصغي إلى الكلام نفسه فائضة عن الحاجة بإضافة أذن ثالثة. فعندما يبدأ المحلَّل، مثلًا، جملة بعبارة on the one hand، يمكننا أن نكون شبه متيقنين من أن "يدًا" أخرى تخطر بباله؛ غير أنه، بحلول الوقت الذي يفرغ فيه من عرض "اليد" الأولى، قد يكون نسي "اليد" الثانية، وعندئذ يرجح أن يقول: Well anyway، وينتقل بخفة إلى شيء آخر. غير أن على المحلل ألا يستخف بذلك: فما تلك اليد الأخرى، في الواقع؟ إن أهميتها مستمدة من كونها قد نُسيت بالذات.
والتورط في الحكاية المروية أحد أكبر أفخاخ المحللين الجدد، وليس مستغربًا أنهم يقعون فيه بسهولة أكبر كلما بدت الحكاية أقرب إلى اهتماماتهم الخاصة، أو أشد تعلقًا بهم أو انعكاسًا عليهم بوصفهم أفرادًا أو إكلينيكيين. وما يكون أهم شيء بالنسبة إلى المحلَّل، وخصوصًا في بداية التحليل، هو أن يمسك المحلل، مثل أي شخص آخر يحدثه في مسارات الحياة الأخرى، بالنقطة التي يريد إيصالها، بالنقطة المفهومية التي يحاول قولها. وهو نادرًا ما يبدأ التحليل على أمل صريح في أن يسمع المحلل في كلامه شيئًا مختلفًا عن النقطة التي يحاول، عن وعي، أن يوصلها. أما المحلل، فعليه أن يفطم نفسه عن الإصغاء بالطريقة التقليدية، وأن يدرك أن فهم الحكاية أو النقطة أقل أهمية، في الغالب، بكثير من سماع الكيفية التي تُلقى بها.
فالانتباه الحر العائم ممارسة، بل انضباط، صُمم ليعلمنا أن نسمع من غير أن نفهم. وبصرف النظر عن أن الفهم يميل عمومًا إلى أن يجعل المحللة نفسها في مركز المشهد، فيدخل كثرة من الظواهر الخيالية، فإن ما يمكن فهمه أصلًا في خطاب المحلَّل قليل جدًا في الغالب. لماذا؟
الحكاية لا تستقيم
اللاوعي ليس مسألة فقدان المرء لذاكرته؛ بل مسألة ألا يتذكر ما يعرفه.
—Lacan
يروي المحلَّل حكاية عن نفسه شديدة الجزئية، في كلا معنيي الكلمة: فهو يترك منها أشياء كثيرة، لأنه يشعر بأنها غير مهمة أو غير ذات صلة أو غير ملائمة لصورته عن نفسه، أو لأنه "نسيها" ببساطة؛ وهو يعرض الحكاية كما لو أنه أدى فيها دورًا واضحًا تمامًا بوصفه البطل، أو الضحية، أو "الطيب"، أو الأخرق، أو المجرم. والحكاية التي يرويها تكون دائمًا مفككة، شذرية، مليئة بالثغرات والفجوات، وغير مفهومة في جوهرها لأي أحد سواه، لأنه وحده مطلع على ما تُرك خارجها، وهو وحده يتبنى تبنيًا كاملًا وجهة نظره الخاصة في مأزقه. وحتى هو نفسه قد يكون منقسمًا إزاء مشاركته في الحكاية: فقد يحاول في الجلسة أن يقنع المحلل، ومن ثم يقنع نفسه، بأنه لم يكن في الموقف إلا ضحية، لكنه قد لا يقر بهذا الرأي تمامًا في أعماق نفسه. وجزء من مهمة المحلل هو أن يضمن للجزء منه الذي لا يقر هذا التصور فرصة أن يقول كلمته، وأن يُصغى إليه بإنصاف، إذا صح التعبير.
وكثيرًا ما تكون الحكاية، كما تُروى، غير معقولة ببساطة بالنسبة إلى المستمع، مهما يكن مبدعًا أو حدسيًا، لأن أشياء كثيرة جدًا تُترك خارجها؛ ومهمة المحلل، في مثل هذه الحالات، هي أن يستدرج المحلَّل في محاولة لملء الفجوات. وفي حالات أخرى، تكون الحكاية محبوكة بإتقان ونظافة، كأنها هدية تعلوها ربطة جميلة، ومع ذلك تبدو غير متناسبة مع الوجدان المعلق بها، أو غير مفهومة في سياق حياة المحلَّل كما صُورت حتى الآن، أو محسومة أكثر مما ينبغي. بل قد يبدو المحلَّل راضيًا جدًا عن تفسيره للحدث المعني، ومع ذلك قد يتساءل المحلل: لماذا يُذكر هذا الحدث أصلًا إذا كان المحلَّل مطمئنًا إلى تفسيره كل هذا الاطمئنان؟ ثمة شيء فيها لا ينسجم أو لا يستقيم؛ والمشكلة ليست في الحكاية نفسها، بل في كونها تُروى داخل جلسة تحليلية، وفي هذه النقطة المحددة من العلاج.
وإذا جاز لنا أن نقول إن هناك، بالفعل، شيئًا بعينه يصغي إليه المحلل، فهو ما لا ينسجم، أو لا يستقيم، أو يبدو مستقيمًا أكثر من اللازم، ولذلك يبدو إشكاليًا. وكل هذا يتصل بـ الكبت. فعندما يبتر المحلَّل حكايته بكبت عناصر معينة، فقد يفعل ذلك عن وعي، وهو يعلم أنه يحاول أن يعرض نفسه على المحلل بطريقة بعينها، لكنه قد يفعل ذلك أيضًا على نحو لا واعٍ، لأسباب لا يعيها. وقد لا يعي الطريقة التي يضع بها المحلل داخل اقتصاده النفسي، أي نوع التحويل أو كيفيته تجاهها، أو ما الذي يحاول أن يحققه في علاقته بها. وبالمثل، قد يكون قد نسي عناصر معينة من الحكاية نسيانًا حقيقيًا، ولا يستعيدها إلا بعد قدر معتبر من العمل التحليلي.
وقد تُترك تفاصيل مهمة خارج رواية المحلَّل لحكاية محددة لا تستغرق روايتها إلا دقائق، لكنها قد تُترك أيضًا خارج الصورة الأوسع التي يرسمها لحياته. فقد قال لي أحد المحلَّلين، في وقت مبكر من علاجه، إنه "وغد"، وإنه يشعر بأن لديه دائمًا "جوهرًا شيطانيًا". ومع ذلك، لم يكن في الحكاية التي رواها لي عن حياته خلال الأسابيع الأولى من المقابلات ما يوحي بأي شيء بالغ السوء أو انعدام الشرف. وكان أسوأ سلوك استطاع الإشارة إليه هو أنه داس، طفلًا، على شتلة كان جاره قد غرسها حديثًا، وكان الافتراض العامل الذي كوّنته في البداية أنه يملك أنا أعلى شديدة النقد. ولم تمضِ إلا عدة أشهر من الجلسات حتى استعاد، عبر تداعياته إلى حلمين، ظروف إدخال أحد أفراد العائلة إلى المستشفى، وحمل شريكة سابقة له، وما اقترن بذلك من مشاعر ذنب لم يكن قد تحدث عنها من قبل. وأسباب نظرته القاسية إلى نفسه، التي لم يكن هو نفسه يفهمها حقًا لأنه كان يفكر في نفسه بوصفه شخصًا صالحًا في الأساس، أخذت تتضح عندما استعاد هاتين الحادثتين، وكان تذكرهما ومناقشتهما هما ما أتاح أخيرًا أن يتبدد بعض من تلك القسوة.
التحليل بوصفه منطقًا للارتياب
إن "فعل القول" [Un "dire"] شبيه بحدث. إنه ليس لمحة خاطفة أو لحظة معرفة.... وليس كل كلام [parole] فعلَ قول، وإلا لكان كل كلام حدثًا، وهو ما ليس كذلك، ولما كنا نتحدث عن "كلمات بلا قيمة".
—Lacan
إن الالتباس، أي تعدد المعاني، هو ما ييسّر عبور اللاوعي إلى الخطاب.
—Lacan
الكبت هو نورنا الهادي في التحليل النفسي. فكل ما نفعله تقريبًا بوصفنا محللين ينبغي أن يكون مصممًا للوصول إلى المكبوت بطريقة مباشرة أو شبه مباشرة. ولهذا ينصب تركيزنا الدائم على ما يُترك خارج المعادلة، وخارج الحكاية، وخارج الصورة التي يرسمها المحلَّل لنفسه ولحياته. ولهذا نولي عناية خاصة للتفاصيل التي تُركت "عرضًا" خارج الحكاية في المرة الأولى التي رُويت فيها. ولهذا تنتبه آذاننا عندما يعجز المحلَّل فجأة عن تذكر اسم صديقه الحميم. ولهذا يثير فضولنا أن تُقطع جملة ثم يُستأنف الكلام في موضع آخر. ولهذا نعطي، مثل Freud، وزنًا إضافيًا لعناصر في الحلم نُسيت في السرد الأول، ثم لم تُتذكر إلا لاحقًا عندما يبدأ المحلَّل التداعي إلى حلمه. ولهذا قد نجد أن التعليق الشارد أو العابر الذي يبديه وهو في طريقه إلى الباب بعد الجلسة هو أهم ما قيل.
فكل حكاية يرويها المحلَّل تظل، في نظر المحلل، موضع اشتباه. فهي ليست مرجحة لأن تكون ناقصة أو جاهزة أكثر من اللازم فحسب، بل يُحتمل أيضًا أنها تُروى هنا والآن لأغراض استراتيجية أو تكتيكية معينة: لإرضاء المحللة أو إغاظتها، لاستفزازها، للفوز بحبها المفترض أو خسارته، لتدعيم صورة معينة أو تحطيمها، وهي أغراض قد لا تكون مكشوفة تمامًا، ومع ذلك تؤدي دورًا مهمًا في الشكل النهائي الذي تتخذه الحكاية.
إن فكرة أننا يجب أن نقارب كل محلَّل جديد بشروطه هو، كما لو كان أول محلَّل لنا، لا تعني أنه ينبغي لنا أن نتصرف كما لو كنا لا نعرف شيئًا على الإطلاق عن التحليل النفسي، كما لو كنا لا نعرف أن وجود الأعراض في حياة المحلَّل يدل على الكبت، وأن زلات اللسان والأفعال المخفقة أعراضٌ صغرى تمثل هي أيضًا عودة المكبوت، وأن بلاغة الذات يمكن أن تساعدنا في تعيين مواضع الكبت.
لقد دُفع المحللون النفسيون إلى فحص الحيل البلاغية الكثيرة التي يلجأ إليها المحلَّل من زاوية أنواع الحركات الدفاعية التي تنطوي عليها. فكما أن الأحلام تتشكل وفق التكثيف والإزاحة، اللذين يربطهما Lacan بالاستعارة والمجاز المرسل، فيخفيان الرغبات اللاواعية، يعمل خطاب المحلَّل هو أيضًا وفق طيف واسع من الآليات الأخرى المصممة لإبقاء اللاوعي في الأسفل. فالمحلَّل يستخدم، على نحو عفوي، صورًا بلاغية ليتجنب قول أشياء معينة، وليحول دون ظهور أفكار بعينها إلى السطح. لكنه يفشل في نهاية المطاف في هذا المسعى: فالأشياء تنفلت بالفعل، والمحلل، المدرَّب على التقاط هذه الحيل البلاغية، "المحلل النفسي بلاغي"، كما قال Lacan، يتعلم أين يتدخل لكي يُفشلها.
فعندما يستعمل شخص ما استعارة مختلطة، mixed metaphor، مثلًا، يكون ذلك في كثير من الأحيان لأن إحدى كلمات الاستعارة التي خطرت له أولًا تزعجه. وقد قال أحد محلَّليَّ مرة: stop beating around the issue عندما بدا له لفظ bush مشحونًا جنسيًا أكثر مما يحتمل، وأكثر احتمالًا لأن يستدعي أفكارًا جنسية لم يكن يريد مناقشتها. ويمكننا أن نتصور، بالقدر نفسه، شخصًا يقول: stop circling around the bush حين تكون ثمة فكرة سادية أو مازوخية معينة عن الضرب يريد ذلك الشخص أن يبقيها خارج النظر والذهن.
والاستعارات المختلطة شائعة جدًا في التحليل، وفي الحياة اليومية أيضًا. وهي قد تعني، أحيانًا، ببساطة أن الشخص لا يعرف حقًا الاستعارات التي يستخدم أنصافها، لكن معظم المتكلمين الأصليين يعرفون، عن ظهر قلب، على الأقل كثيرًا من التعابير الاصطلاحية التي يستعملونها، ويمكن حملهم فورًا على التساؤل عن سبب تغييرهم الصياغة إذا أعاد المحلل عليهم الصياغة المعدلة فحسب. ويمكن فهم الاستعارة المختلطة beating around the issue بوصفها تشكلًا توفيقيًا بين beating around the bush وskirting the issue. وفي المصطلح البلاغي قد تسمى catachresis، وهو اسم يدل على سوء استعمال الكلمات. وفي كلتا الحالتين، فهي توحي للإكلينيكي المنتبه بأن ثمة شيئًا يُتجنب، أو بأن خط تفكير آخر يتدخل في إتمام خط التفكير الأول.
ولننظر إلى أداة بلاغية أو مجازية أخرى: Litotes، المعروفة أيضًا بالتخفيف، تُستخدم على الدوام في الجلسات، وتسبقها، في الغالب، وقفة خفيفة. كان أحد محلَّليَّ على وشك أن يقول: I really lust after my best friend’s wife، لكنه خفف العبارة فقال: I don’t find her unattractive. وقد أوحت لي الوقفة الخفيفة التي أدخلها، مقرونة بهذا النفي المزدوج المصنوع بعناية، بأن شيئًا ما يُترك على الأرجح بلا قول؛ واتضح الأمر كذلك فعلًا، إذ كان ثمة خاطر معين يجري التحايل عليه لأن المحلَّل حكم عليه بأنه غير مقبول، مفكرًا: How can I be so low as to lust after my best friend’s wife?
ومحلَّلة أخرى أغفلت الكلمتين الأخيرتين اللتين كانت تنوي قولهما، أي to stop، من جملة بدأتها على النحو الآتي: It [her parents holding her down and tickling her until she could barely breathe] would be fun up to a point and then I’d want it... وقد أوحى حذف كلمتي to stop، اللتين ربما شعرت أنهما بديهيتان في السياق، بأن هناك خط تفكير مختلفًا تمامًا كانت، لعلها، تحجم عن الإفصاح المباشر عنه: أنها كانت تريد أن يستمر ذلك إلى الأبد، أو أن يزداد شدة، أو حتى أن يفضي إلى شيء جنسي. وكان بوسعي أن أقول لنفسي: "أنا أعرف ما تعنيه حتى لو لم يكن هذا ما قالته"، لكنني حين أعدت عليها عبارتها الناقصة، you’d want it...، ذكرت أنها كانت مشتتة أثناء قولها بخواطر غامضة من نوع محرج. ومثل هذا الحذف أو الإضمار قد يمر من غير أن يلحظه أصدقاؤها في المحادثة اليومية، لكنه أدى، داخل التحليل، وظيفة مؤشر أو علامة كاشفة على الإخفاء.
وكما أشرت في موضع آخر، فإن أدوات بلاغية كثيرة أخرى، مثل pleonasm وdigression وperiphrasis وretraction وirony، يمكن أن تتخذ طابعًا دفاعيًا، وخصوصًا في السياق التحليلي. وآمل أن تكفي هذه الأمثلة الثلاثة لتوضيح إلى أي حد لا تكون مثل هذه الصور الكلامية "مجرد طرائق في الكلام"، كما يميل المحلَّل إلى التفكير فيها، وأن المستمع المنتبه يمكنه أن يتعلم قراءتها بوصفها علامات على الطريق المؤدي إلى المكبوت. فاللاوعي، حين يعمل في الأحلام، يستخدم التكثيف والإزاحة، والمحلَّل، حين يتكلم عن أحلامه، يستخدم فعليًا جميع أشكال البلاغة ومجازاتها. وبالنسبة إلى المحلل، لا يكون شيء قط "مجرد شكل بلاغي". فطريقة إصغائه تنتبه إلى ما يُعرض وإلى ما لا يُعرض، وإلى ما يُصرَّح به وإلى ما يُتجنب. وهي، في الجوهر، تقرأ كل كلام بوصفه تشكلًا توفيقيًا، أي نتاجًا لقوى متنافسة.
وعندما تركز المحللة على الحكاية أو النقطة المفهومية المطروحة وحدهما، فإنها تعجز عادة عن سماع الصور البلاغية المستخدمة، ومن ثم لا تسمع إلا مستوى واحدًا: مستوى المعنى الذي يحاول المحلَّل، عن وعي، أن ينقله. وهي تخفق عندئذ في قراءة السطور الموسيقية المتعددة التي كُتبت عليها موسيقى خطاب المحلَّل في الحقيقة.
سماع ما نتوقع سماعه فحسب
لم يكن جوهر اللغة قط أداء وظيفة التواصل.
—Lacan
إن perceptum [ما يُدرَك] منظَّم سلفًا [باللغة].
—Soler
وثمة، بالطبع، أسباب أخرى تجعل من العسير جدًا على المحلل أن يسمع على نحو دقيق ما يقوله المحلَّل، وبعضها، على الأقل، يتصل بالتفاعل بين اللغة والإدراك. فقد أظهر علماء الأعصاب والأطباء النفسيون مقدار أهمية "الترشيح الحسي" (sensory gating) في القدرة على عزل المثيرات الإدراكية المشتتة التي تبدو غير مهمة للمهمة أو الهدف الذي بين أيدينا. وقد أُنجز قدر كبير من العمل على الدماغ والأنظمة الإدراكية يشير إلى أن كثيرًا من الأشخاص الذين يُصنَّفون في نهاية المطاف ضمن المصابين بالتوحد، أو الفصام، أو الذهان عمومًا، كثيرًا ما "يشعرون بأن المدخلات الحسية تقصفهم ولا يستطيعون ترشيح... المثيرات غير ذات الصلة"، و"المثيرات غير ذات الصلة" هي تلك الإدراكات التي لا يرغبون بالضرورة في الالتفات إليها في لحظة معينة، لكنها تشتتهم مع ذلك. وبعبارة أخرى، فهم غير قادرين على تنحية كثير من المثيرات جانبًا كما تفعل غالبية الناس، إذ يملك هؤلاء "بوابة"، إذا صح التعبير، تُدخل بعض المثيرات وتُبقي أخرى في الخارج، استنادًا إلى تقييم مفترض لما هو مهم وما ليس مهمًا يجري خارج الوعي، قبل الوعي. ولا يُسمح بدخول الوعي إلا للمثيرات التي تنجح في عبور تلك البوابة، أي تلك التي تُعد ذات صلة بالمهمة المطروحة.
ويبدو أن هذا البحث يجد ما يؤيده على المستوى الإكلينيكي في الحالات الكثيرة من "الفيض الحسي" التي يبلغ عنها مرضى ذهانيون، حيث تبدأ أصوات كانت في السابق غير مسموعة أو ممتزجة بالخلفية بأن تصبح طاغية، وتغدو روائح كان الاستمتاع بها ممكنًا أو كان يمكن ألا تُلحظ أصلًا شديدة القوة ومقززة على نحو لا يحتمل، كما أن ألوانًا أو أشكالًا أو حركات لم تكن بارزة من قبل تحتكر الوعي فجأة وتغلبه. وكثيرًا ما تكون اللحظة التي تبدأ فيها هذه الإدراكات بالضغط على هؤلاء الأشخاص لحظة شديدة التوتر، تشير إلى أن الشخص مهدد بالتعرض لانفصال أو نوبة ذهانية. أما لدى بعض الأشخاص التوحديين والفصاميين، فإن صعوبة ترشيح المثيرات قد تكون دائمة، من غير أن تدل بالضرورة على خطر وشيك من أي نوع؛ فهي لا تأتي وتذهب كما في حالات الارتياب، حيث قد تعقب الانقطاعات فترات هدوء ظاهر ثم تعود المتاعب لاحقًا.
ومع أن الباحثين الأكثر نزوعًا إلى البيولوجيا يعدون صعوبة ترشيح المثيرات مشكلة فسيولوجية صرفة، ناتجة من تشوه في بنية دماغية معينة أو من خلل كيميائي ما، فإن ما يلفت نظري هو أنه من المرجح بالقدر نفسه أن تكون للغة مساهمة مهمة في القدرة على ترشيح المثيرات، لأن الذين يعجزون عن ترشيح الإدراكات بالطريقة المألوفة لا يتكلمون ولا يفكرون، عمومًا، بالطريقة نفسها التي يتكلم ويفكر بها القادرون على ذلك. فلعل مشكلات اكتساب اللغة لا تنتج من صعوبات الترشيح، بل تكون هي نفسها سببًا لتلك الصعوبات.
فاللغة لا تُستدخل عند هؤلاء الأشخاص بالطريقة نفسها، ولا تؤدي لديهم الوظيفة نفسها التي تؤديها لدى ما سأسميه "العصابيين العاديين". وكما حاججت في مواضع أخرى، فثمة على الأقل طريقتان كبيرتان مختلفتان للدخول في اللغة: ما قد نسميه "الطريقة العصابية العادية" و"الطريقة الذهانية". فالطريقة العصابية العادية تقود إلى الغلبة المعتادة للتفكير القائم على اللغة، وإلى انقسام بين الوعي واللاوعي، وإلى القدرة على سماع المعنى الحرفي والمعنى المجازي للتعبير في الوقت نفسه. أما الطريقة الذهانية فتقود إلى تعلم اللغة بالمحاكاة وحدها، وإلى غياب الانقسام بين الوعي واللاوعي، وإلى العجز عن سماع المعنى الحرفي والمعنى المجازي للتعبير في آن واحد.
وبدلًا من محاولة شرح ذلك بالتفصيل هنا، سأوضحه ببعض التعليقات التي تبديها Temple Grandin، وهي باحثة تدرس سلوك الحيوان والتوحد والعلاقة بينهما، وتعد نفسها توحدية، حول علاقتها الخاصة باللغة:
دخلت في شجارات [في الثانوية] لأن الأولاد كانوا يضايقونني. وكانوا ينادونني بأسماء مثل "متخلفة" أو "مسجل أشرطة". وكانوا يسمونني مسجل أشرطة لأنني كنت أخزن عددًا كبيرًا من العبارات في ذاكرتي وأستخدمها مرة بعد أخرى في كل محادثة.
أنا لا أتذكر تقريبًا كلمات وجملًا بعينها من المحادثات. والسبب أن التوحديين يفكرون بالصور؛ فنحن لا تكاد تمر في رؤوسنا كلمات أصلًا.
حين أتكلم مع الآخرين، أترجم صوري إلى عبارات أو جمل جاهزة لدي "على شريط" داخل رأسي.... أنا حقًا مسجل أشرطة. هكذا أستطيع الكلام. والسبب الذي يجعلني لا أبدو الآن كمسجل أشرطة هو أن لدي هذا القدر الكبير من العبارات والجمل الجاهزة الذي يمكنني أن أعيد تركيبه في توليفات جديدة.
لا يبدو أن لدى الحيوانات والتوحديين كبتًا.... وأنا لا أظن أن لدي أيًا من آليات الدفاع عند Freud، وأظل دائمًا مندهشة عندما أرى الناس العاديين يفعلون ذلك. ومن الأشياء التي تذهلني في البشر العاديين الإنكار.... فالناس [في] وضع سيئ لا يستطيعون رؤيته لأن آليات دفاعهم تحميهم من رؤيته إلى أن يصبحوا مستعدين. هذا هو الإنكار، وأنا لا أفهمه إطلاقًا. لا أستطيع حتى أن أتخيل كيف يكون.
والسبب أنني لا أملك لاوعيًا.... ومع أنني لا أعرف لماذا يبدو أنني لا أملك لاوعيًا، فإنني أعتقد أن لمشكلاتي مع اللغة علاقة كبيرة بذلك.
وتوضح Grandin أنها غير قادرة على تصنيف المثيرات إلى خطرة وغير خطرة بالطريقة التي يفعلها الناس الناطقون، وهو ما جعلها لسنوات طويلة تخاف على نحو دائم من أصوات بريئة، وأنها، لذلك، لا تستطيع تجاهل المثيرات كما ثبت، في دراسة بعد أخرى، أن معظم الناس يفعلون، إذ إنهم ببساطة لا يرون الأشياء التي لا يتوقعون أن يروها في سياق معين، سواء كانت "امرأة ترتدي زي غوريلا" وسط مباراة كرة سلة، أو طائرة كبيرة رابضة على مدرج فيما يكون الأشخاص، وهم طيارون، يستعدون لإنزال طائرة على المدرج ذاته. وفي ما يسمى "العمى غير الانتباهي"، يقوم معظمنا، بخلاف Grandin وكثير من الذهانيين، بترشيح الأشياء قبل أن تبلغ الوعي، فنرى ونسمع، في نهاية الأمر، إلى حد كبير ما نتوقع أن نراه ونسمعه.
أما أولئك منا الذين يدخلون اللغة على "الطريقة العصابية المعتادة"، فإن انغماسنا في اللغة واسع إلى حد يلون عالمنا كله، بحيث نرى ونسمع على نحو انتقائي ما قادنا السياق الاجتماعي/اللغوي إلى توقع رؤيته وسماعه. وما يقع خارج توقعاتنا لا يُرى ولا يُسمع، في الغالب، أصلًا.
وقد يشكل هذا عائقًا خطيرًا أمام الإكلينيكي: فحتى أكثر الإكلينيكيين حسن نية يسمع، بصورة تكاد تكون آلية، ما يبدو له معقولًا أن يكون المحلَّل بصدد قوله في سياق معين، بدل أن يسمع ما يقوله المحلَّل بالفعل، وهو ما قد يكون خارجًا تمامًا عن المألوف، بل عديم المعنى. وحتى أكثر المحللين انتباهًا يسمع، في كثير من الأحيان، ما كان المحلَّل يقصده على الأرجح، فيرشّح زلته اللفظية الخفيفة أو تعثره اليسير. فنحن نتعلم، على امتداد حياتنا، أن نجد معنى فيما يقوله الآخرون لنا، حتى عندما يكون متهافتًا إلى حد ما، وهذا ينطوي كثيرًا على رؤية صورة كاملة حيث لم يُقدم إلا جزء منها، أو سماع فكرة متماسكة كاملة حيث لم يُنطق إلا بفكرة جزئية أو غير متماسكة. ونحن نتعلم أن نملأ الفجوات، وأن نورد الكلمات الناقصة، وأن نصحح النحو، وأن نصلح سوء استعمال الكلمات، ونفعل كل هذا في رؤوسنا من غير أن نصير واعين به، في معظم الأحيان.
كما أن جهلنا نحن بمفردات أو تعابير معينة قد يجعلنا نسمع شيئًا مكان شيء آخر. فإذا قال المحلَّل، على سبيل المثال، إنه was sedulously attempting to persuade the Exchequer أن يفعل شيئًا ما، ولم تكن المحللة تعرف كلمتي sedulously أو Exchequer، فقد تسمع شيئًا مختلفًا تمامًا، مثل was assiduously attempting to persuade the spell checker. ومع أن هذا قد لا يكون ذا معنى كبير في السياق، فقد يكون أفضل ما تستطيع المحللة أن تفعله للعثور على معنى داخل مجموعة الإنجليزية التي تفهمها. وما نسمعه عندما يتكلم شخص ما يُشار إليه في اللسانيات باسم "شريط الصوت" (the ribbon of sound)؛ فالكلمات المنطوقة تميل إلى الالتحام بعضها ببعض، فتشكل نوعًا من الشريط المتصل، وليس واضحًا دائمًا أين تنتهي كلمة وتبدأ الأخرى.
وقد اعتدنا أن نقطع هذا الشريط، بصورة تكاد تكون آلية، إلى وحدات منفصلة استنادًا إلى اللغة كما نعتقد أننا نعرفها، وكذلك استنادًا إلى ما نتوقع أن نسمعه عمومًا، وإلى ما اعتدنا أن نتوقعه من مخاطب معين. وهذا النشاط المتواصل الرامي إلى جعل ما نسمعه ذا معنى يبلغ حدًّا يتلاشى معه السمع نفسه خلف صناعة المعنى؛ فيُقمع الإدراك نفسه لصالح التأويل. والنتيجة أننا نصير، على نحو بنيوي، صمًّا بمعنًى ما.
غير أنه لكي نمارس التحليل النفسي، علينا أن نفطم أنفسنا عن هذه العادة المتجذرة، وهذا يتطلب في كثير من الأحيان قدرًا غير قليل من العمل. ويقول لي بعض الممارسين، من حين إلى آخر، إن مرضاهم لا يقعون في زلات أو تعثرات لفظية، لكن تجربتي تقول إن معظم الناس يزلون مرة كل خمس دقائق أو عشر تقريبًا، وإن المشكلة هي بالأحرى أن الممارسين ليسوا مرهفين لها. فكيف يصيرون مرهفين لها؟ إحدى التمارين المفيدة أن نصغي إلى مذيعي الأخبار، في الراديو أو التلفزيون، ونتدرب على الإصغاء إلى الزلات والتعثرات بدل الإصغاء إلى المضمون. ولعل من الأفضل، في البداية، أن نصغي إلى برامج لا تهمنا اهتمامًا خاصًا، حتى لا يحتكر المضمون انتباهنا. ولعل من الأفضل أيضًا، في أول الأمر، ألا ننظر إلى التلفزيون، لأن رؤية المتكلم يرجح أن تتدخل في سمعنا. وما إن يصبح المرء قادرًا على سماع الزلات والتعثرات بانتظام في كلام يدور حول أمور لا تهمه كثيرًا، حتى يستطيع أن ينتقل إلى برامج أقرب إلى اهتمامه، ويمارس التركيز على شريط الصوت قدر الإمكان، مع تلقي المعنى في الوقت نفسه، ولكن من غير الاستغراق فيه أو محاولة أن يفعل به شيئًا بعينه.
وحين يصبح الإكلينيكي مرهفًا لزلات اللسان والتعثرات اللفظية، سيبدأ بملاحظتها في نفسه وفي أصدقائه وزملائه؛ غير أنه قد يحتاج إلى بعض الوقت قبل أن يستطيع سماعها في جلساته مع المحلَّلين، لأنه يكون في الوضع التحليلي أكثر تركيزًا على المعنى منه في أي موضع آخر. ولكي نكمل قدرتنا على إيلاء "الانتباه الحر العائم" لما يقوله المحلَّلون بالفعل، ينبغي لنا، كثيرًا ما، أن نعمل، على حد تعبير معلم الموسيقى، وفق الشعار الآتي: "تدرّبوا، تدرّبوا، تدرّبوا."
مزالق التدريب
يمكنني أن أسمّي ما أقوله في حلقتي هذا العام تزويدكم بـ edupation، بشرط أن نؤكد أن الذين [لا يسمحون لأنفسهم بأن يكونوا] مخدوعين باللاوعي هم الذين يضلّون.
—Lacan
وتسهم أشياء كثيرة أخرى في جعل المحلل، من حيث البنية، عاجزًا عن سماع قدر كبير مما يقوله المحلَّل، وليس أقلها تدريبنا نفسه. ففي كثير من برامج التدريب، سواء في الخدمة الاجتماعية أو علم النفس أو التحليل النفسي أو الطب النفسي، يُشجَّع الطلاب على الاعتقاد بوجود ما يسمى "أنظمة معرفة خبيرة"، وهي أنظمة "معرفة" من نوع ما نجده في DSM، وأن مهمتنا بوصفنا إكلينيكيين هي ببساطة أن نطبقها بأفضل ما نستطيع، وبأسرع ما يمكن. وقد سمعت أساتذة أفرادًا في كل الحقول المذكورة يقولون للطلاب إنه ينبغي لهم أن يوزعوا المعرفة الخبيرة التي اكتسبوها على زبائنهم أو مرضاهم، وإنهم، إذا لم يفعلوا ذلك، فإنهم يتحدون عمدًا كل البروتوكولات العلاجية المثبتة تجريبيًا وكل العلاجات القائمة على الدليل. فالحال، كما يحتجون، أن علم النفس والطب النفسي قد وُضعا الآن على أساس علمي، يرفع عنصر التخمين من الممارسة الإكلينيكية. وما على الممارسين إلا أن يصغوا على نحو سريع نسبيًا لكي يعرفوا أين تقع حالة مريض معين داخل الأدلة التشخيصية التي نالت، إذا صح التعبير، ختم الموافقة من الـ APA المعنية، لأن تلك الأدلة ستخبرهم بالتقنيات التي ينبغي لهم استخدامها. فإذا بدأنا نصغي فقط إلى الأنماط أو مجموعات الأنماط التي تعلّمنا تعريفها وعلاجها، فسنميل إلى أن نصم آذاننا عن أي شيء لا يظهر على شاشة الرادار الخاصة بـ DSM عندنا.
ولحسن الحظ، لا يؤمن كل برنامج، ولا كل أستاذ، إيمانًا حقيقيًا بالأسس العلمية للممارسة الإكلينيكية أو يعزز المقاربات القائمة على القوائم في التشخيص والعلاج. بل إن المؤسسة الطبية نفسها، التي يتخذها علماء النفس والمحللون النفسيون غالبًا نموذجًا ينبغي محاكاته بأكبر عدد ممكن من الطرق، قد تعرضت، خلال العقود الأخيرة، لنقد متكرر بسبب افتقار الغالبية العظمى من الإجراءات والعلاجات التي تصفها إلى الدليل أو شبه انعدامه، وقد أوقف كثير منها أو سُحب من السوق، بل إن عددًا غير قليل من الأطباء يعترفون بأنها تعمل بوصفها فنًا أكثر بكثير مما تعمل بوصفها علمًا. غير أن البنية ذاتها للتعليم العالي ومكانته في ثقافتنا تشجع الإكلينيكيين كثيرًا على الاعتقاد بأنهم، ما إن نالوا شهادتهم العليا، قد استؤمنوا على خبرة حقلهم، ولم يعد لديهم الكثير ليتعلموه من مزيد من الدراسة أو من مرضاهم. وكثيرون ينظرون إلى ساعات التعليم المستمر بوصفها، في أحسن الأحوال، تمارين صبيانية، وفي الغالب مجرد حلقة أخرى ينبغي القفز خلالها. وبصرف النظر عما إذا كانت دورات التعليم المستمر هي أفضل وسيلة لتذكير الإكلينيكيين بأن الممارسة الإكلينيكية تنطوي على مسار تعلم يمتد مدى الحياة، فإنه ينبغي تذكير الممارسين بأن تعليمهم لم يُرهم، في الغالب، إلا قمة جبل الجليد، وأن من الخير لهم أن يظلوا قراء نهمين في حقولهم، ومنفتحين حتى على التعليقات التي تبدو أقل عمقًا، والصادرة عن أقل مرضاهم "بصيرة".
2
طرح الأسئلة
غالبًا ما يكون الإبقاء على المشكلة المطروحة أهم من حلّها.
—Lacan
نظرًا إلى الدرجة التي يدفع بها الكبتُ والنقلُ المحلَّلةَ إلى بتر القصص التي ترويها للمحلِّل ومواءمتها، فإن جانبًا كبيرًا من عمل المحلِّل يتمثل في أن يطرح عليها الأسئلة لكي تملأ التفاصيل الناقصة، وتُتمَّ الجمل التي انقطعت، وتشرح ما تعنيه ببعض ما تقوله. وهذه ساحة يُرجَّح أن تتجلى فيها مقاومة المحلِّل نفسه للمسار التحليلي؛ كما أنها ساحة يُرجَّح فيها أن يقول أكثر بكثير مما يحتاج إليه.
أثناء اللقاءات التمهيدية، أي خلال الفترة الأقصر أو الأطول من الجلسات وجهًا لوجه التي تسبق استخدام الأريكة، يستطيع المحلِّل أن يضع علامة استفهام بعد شيء قالته المحلَّلة بمجرد أن يرفع حاجبه أو ينظر إليها نظرة متسائلة. غير أن علامة الاستفهام هذه ليست دقيقة جدًا، لأن السؤال المثار قد يتعلق بكل ما قالته المحلَّلة لتوها، أو بالجزء الأخير منه فقط، أو بالطريقة التي قيل بها، أو بكونها غضبت أو ضحكت وهي تقوله. وباختصار، فهي لا تشير إلى شيء بعينه. وفي هذه الحال تكون المحلَّلة حرة في أن تفسر رفع الحاجب أو تلك النظرة كيفما شاءت، أهو علامة استهجان أو نقد، أم إيحاء بأنها لا تعرف عمَّ تتكلم، أم طلب لمزيد من التفصيل. ومن هنا أهمية الأسئلة الأدق، ولا سيما مع المحلَّلات اللواتي يملن إلى الاعتقاد بأن المحلِّل ينتقد كل ما يقلنه. غير أنه، بالنظر إلى الدرجة التي يكون فيها كل كلام محتملَ الالتباس، فكلما قلَّ ما يقوله المحلِّل، ازدادت دقة سؤاله في الغالب. فالأسئلة الطويلة المتشعبة كثيرًا ما تُضيع المحلَّلة أو تربكها، وهي تكاد دائمًا تدفع ما قالته لتوها إلى الخلفية، إن لم تُنسِه بالكلية.
إذا قالت المحلَّلة: "كانت لدي صعوبات كثيرة في المدرسة الابتدائية بسبب كثرة تنقّل عائلتي"، وأراد المحلِّل أن يعرف نوع تلك الصعوبات، فعادةً ما يكفي أن يسأل ببساطة: "صعوبات؟" أما إذا سأل بدلًا من ذلك: "هل يمكنك أن تعطيني بعض الأمثلة على ذلك؟" فقد يتلقى أمثلة عن تنقلات العائلة من مدينة إلى أخرى بدلًا من أمثلة على صعوباتها هي. وغالبًا ما يكون القليل أكثر نفعًا عند طرح الأسئلة، وحتى لو أجابت عن استفسار "صعوبات؟" بقولها: "نعم، صعوبات"، أمكن للمحلِّل بسهولة أن يضيف: "أي نوع من الصعوبات؟"
والدقة ليست، بالطبع، دائمًا ما يكون أشد إنتاجًا؛ فأحيانًا تسمع المحلَّلة في سؤال المحلِّل شيئًا لم يقصده، ويكون جوابها عن السؤال الذي سمعته أكثر إثارة للاهتمام بكثير من جوابها عن السؤال الذي أراد هو أصلًا أن يطرحه. والسبب في ذلك أنها تكون مرشحة لأن تُسقط على ما يقوله أشياء كانت هي نفسها تفكر فيها سلفًا.
ومع ذلك، فكثيرًا ما يكون من الأهمية القصوى أن يدفع المحلِّل المحلَّلة إلى مناقشة أحداث بعينها، وكذلك التشكّلات اللاواعية مثل الأحلام وأحلام اليقظة والخيالات، بأكبر قدر من التفصيل، وأن يضمن خصوصًا أن تُلفَظ في مرحلة ما تلك التفاصيل التي تميل أشد الميل إلى إغفالها. وما إن يصبح المحلِّل متنبهًا لأنواع الاستراتيجيات البلاغية التي يستخدمها المحلَّلون لمراوغة الموضوعات وتجنب التفاصيل التي يعدونها مستقبحة أو مستهجنة، حتى يضطر غالبًا إلى أن يعمل بجد شديد لكيلا تظل تلك الموضوعات ملتفًّا حولها إلى الأبد، ولكيلا تظل تلك التفاصيل متجنَّبة بلا نهاية. ومع أن المحلِّل يجب ألا يُكره المحلَّلة على كشف أشياء ليست مستعدة بعد لمواجهتها، فعليه أيضًا ألا يتردد في تشجيعها على الكلام في الموضوعات المؤلمة أو الصعبة.
وهنا قد تدخل مقاومة المحلِّل نفسه، إذ من الأسهل بكثير عليه أن يجلس مسترخيًا ويترك المحلَّلة تتكلم عما تشاء، من أن يعمل معها على صوغ التجارب العسيرة والصدميّة في ماضيها. قد تتردد المحلَّلة في الخوض في المسائل المؤلمة، ولكن إذا استجاب المحلِّل لذلك بالتراجع ولم يُظهر لها أنه يريدها أن تتكلم عن هذه الأشياء، إن لم يكن اليوم فغدًا، فإنه يتيح أن يتجه العلاج بمقتضى مقاومته هو، لا بمقتضى رغبته بوصفه محلِّلًا في أن يدفع التحليل دائمًا إلى أبعد.
كثيرًا ما يعرف المحلَّلون، على مستوى ما، أنهم يحتاجون إلى الكلام عن تجاربهم العسيرة وخيالاتهم المقلقة، ومع ذلك يجدون صعوبة في مناقشتها مع المحلِّل. وحتى بعد ثلاث سنوات من التحليل، كان أحد محلَّليَّ يستحي أن يقول لي إنه حين كان مراهقًا وجد قضيبًا اصطناعيًا في خزانة أمه؛ وكان يشعر بأن ذلك لا ينسجم مع ما كنا نتحدث عنه عندما خطر بباله أثناء الجلسة، ولم يناقشه إلا على مضض حين حفزته إلى أن يخبرني بما خطر له. وكان تردده في مناقشة الموضوع راجعًا إلى أنه لم يكن يحب ما يوحي به ذلك عن علاقة والديه، ولا عن الطريقة التي يتردد بها صداه في بعض خيالاته وممارساته الجنسية هو.
إذا أخفق المحلِّل في تشجيع محلَّليه على مناقشة مثل هذه الأشياء، فالأرجح أنهم سيصلون إلى واحد أو أكثر من عدة استنتاجات: أن المحلِّل ليس مهتمًا بهم اهتمامًا خاصًا ولا ملتزمًا بأن ينجح تحليلهم، أو أنه يجد حياتهم وخيالاتهم مستهجَنة ولا يريد أن يسمع عنها، أو أنه لا يستطيع احتمال سماعها، أو لعلها ليست، بعد كل شيء، مهمة إلى ذلك الحد. وأيٌّ من هذه الاستنتاجات كفيل بإفساد التحليل سريعًا.
عند صياغة الأسئلة التي تستخرج من المحلَّلين كلامًا عن تجاربهم العسيرة وذكرياتهم المؤلمة، يحسن بالمحلِّل أن يستخدم الكلمات والتعابير نفسها التي استخدمها المحلَّل، بدلًا من أن يصوغ الأشياء بلغته هو. فالترجمة خيانة، خيانة لحرف خطاب المحلَّل، وغالبًا لروحه أيضًا. وحين لا أستطيع، من حين إلى آخر، أن أتذكر اللفظ الدقيق الذي استخدمته محلَّلة ما لوصف شيء أو شخص، فأضع لفظًا آخر مكانه، فإنها كثيرًا ما تُشعرني فورًا بأن ذلك ليس ما قالته. وذات مرة، حين أردت أن أكرر شيئًا قالته محلَّلة ضمن سؤال ولم أتمكن من تذكر العبارة الدقيقة، قلت: "إذًا مارستما الحب بعد شجاركما؟" فصححتني بحدّة: "لقد مارسنا الجنس." الكلمات ليست محايدة ولا قابلة للتبادل: والأفضل أن نلتزم النص الحرفي. وهذا صحيح مهما بلغت حدة لغة المحلَّلة، وحتى لو كانت لغتها مما قد يجرح حساسيات المحلِّل. إن التهيب من تكرار الألفاظ الخشنة التي تستخدمها المحلَّلة يوحي بأن المحلِّل يستنكر مثل هذه اللغة، أو الأسوأ من ذلك أنه يستنكر أعضاء الجسد أو الأفعال المرتبطة بها، أو أنه لا يستطيع احتمال الواقع الخشن لحياتها أو حياتها الخيالية. وهذا أيضًا كفيل بإفساد التحليل سريعًا.
في ظروف معينة، يجب على المحلِّل أن يساعد المحلَّلة على صوغ تجاربها من خلال طرح سيل من الأسئلة الاستكشافية التي تشعر من دونها بالضياع، وبأنها في عرض البحر، وقد غمرتها ذكريات ما قد يكون تجربة غير متشكلة المعالم. وينبغي لهذه الأسئلة أن تتجنب المصطلحات الغامضة مثل abuse التي قد تعني أشياء مختلفة لأشخاص مختلفين، وأن تتقدم بأصغر الخطوات الممكنة، بحيث تسمح للمحلَّلة بأن تصحح وتملأ التفاصيل. فقولنا: "لمسك بأصابعه؟" أفضل بكثير من قولنا: "تحرش بك؟"
في حديثي مع أحد محلَّليَّ عن فزعه من استجابته التي بدت له جنسية عند رؤية الجثث، احتجت إلى أن أطرح عشرات الأسئلة لكي أتجاوز تردده في مجرد التفكير في الأمر. لقد كان عاجزًا عن أن يُداعي بحرية حوله بسبب إحساسه بأنه من اللاأخلاقي للغاية أن تنتابه أحاسيس في قضيبه عند رؤية جثة، وكان ذلك في نظره دليلًا على أنه وحش. وقد بدا أن الشعور بالذنب لديه خفَّ بعض الشيء بعد أن اتضح أن ما أدى إلى نوع من الإحساس بالانكماش في قضيبه هو أن الجثة لا تتحرك حركة منسجمة موحَّدة، بل كأنها مجموعة مفككة من أجزاء الجسد المتناثرة. وكان يستطيع أن يتعامل مع قلق الخصاء بسهولة أكبر بكثير من تعامله مع الإحساس بأن أذواقه الجنسية منحرفة إلى حد يخرجه من دائرة كل شعور إنساني. ومع ذلك، فإن لومه الذاتي الأولي، القائم على حدسه بأن إحساسًا كهذا في قضيبه لا بد أن يُلحقه بصفوف Adolf Hitler أو Gilles de Rais، كان قويًّا إلى حد أنني اضطررت إلى أن أطرح سؤالًا بعد سؤال لكي يحمله ذلك على تجاوز مقاومته للكلام فيه. ويبدو أنه لم يكن ممكنًا أن ينال أي تخفيف من هذا اللوم الذاتي من دون ذلك.
عند العمل مع محلَّلين يتكلمون لغة غير لغتهم الأم، يجب على المحلِّل أن يضع في ذهنه أن المحلَّلة قد تكون، في بعض الأحيان، بصدد الترجمة من لغتها الأصلية إلى اللغة التي يفهمها المحلِّل، وأن الترجمة كثيرًا ما تكون خيانة: فهي تخون معنًى معينًا أو، بالأحرى، تعجز عن خيانته. وعلى المحلِّل أن يسأل المحلَّلة، أحيانًا، كيف تُعبَّر بعض الكلمات أو العبارات المركزية في خطابها، ولا سيما في أحلامها وخيالاتها، في لغتها الأم، وأن يدفعها إلى نطقها بصوت عالٍ حتى لو كان هو لا يعرف تلك اللغة؛ لأن المحلَّلة كثيرًا ما لا تستطيع أن تُداعي إليها على أساس وقعها الصوتي أو معانيها المزدوجة أو الثلاثية إلا بعد أن تسمع الكلمات منطوقة.
أخبرني مرة أحد المحلَّلين، وكانت لغته الأم غير الإنجليزية، عن "حلم مزعج" كان فيه بائعًا يبيع stocks، ومع أنه قصد عددًا كبيرًا من الناس، لم يبدُ أن أحدًا يريدها، واضطر إلى أن يتوسل إليهم كي يشتروا منه stocks الخاصة به. ولم تكن لديه، قبل الجلسة، سوى تداعيات إلى مؤتمر كان ينظمه، وإلى شعوره بأنه مضطر إلى التوسل إلى بعض المتحدثين ذوي الأسماء الكبيرة كي يتكلموا فيه. وقد لفتني منذ البداية أن كلمة stocks كما استخدمها المحلَّل ملتبسة وغريبة بعض الشيء في هذا السياق، وحين سألته ماذا يقصد بها أكد شكي في أنه يقصد شيئًا أقرب إلى ما نشير إليه عادة في الإنجليزية الأميركية بـgoods أو merchandise. ثم سألته إن كانت هناك كلمة في لغته الأم هي التي كانت في ذهنه. فأجاب بالإيجاب، وطلبت منه أن ينطقها بصوت عالٍ، إلى حد أدهشه، إذ كان واضحًا له أنني لا أتكلم لغته الأم. وأقر بأنني وجدت صعوبة شديدة في أن أعيدها عليه بدقة كافية بحيث يسمعها منطوقة على لسان شخص آخر، لكنني بذلت جهدي في إعادة إنتاج الصوت، ثم سألته إن كان يثير فيه شيئًا. ولما لم يفعل، سألته إن كان له معانٍ أخرى في لغته الأم. فكر لحظة ثم ضحك قائلًا إنها تعني أيضًا "هدية" و"قضيب". وقد أتاح لنا هذا أن نبدأ الكلام عن معنى آخر ممكن للحلم، يتصل بكونه يشعر بأن لا زوجته ولا أي امرأة أخرى تُثار به على نحو كافٍ، وأنه لجأ مؤخرًا إلى التوسل إليهن كي ينمن معه، وهو موضوع لم يكن يعرف كيف يطرحه لأنه كان يجد إثارته مذلّة أكثر من اللازم. ويمكن القول إن حلمه، حين اختار كلمة تعني البضاعة والهدية والقضيب، قد وفّر له طريقة لطرح الموضوع، طريقة كانت ستظل غير مستثمرة لولا أننا استكشفنا معنى الكلمة في لغته الأم.
يمكن أن تنشأ تعقيدات كثيرة حين يُجري المحلَّل التحليل بلغة غير لغته الأم، لكن أحد الأمور التي ينبغي للمحلِّل أن يكون شديد التنبه لها هو الظواهر البين-لغوية، كما حين تعني كلمة أو اسم، كما يُلفظ في إحدى اللغات التي يتكلمها المحلَّل، شيئًا مختلفًا أو يشير إلى شخص آخر في لغة أخرى من اللغات التي يتكلمها. وهذه الكلمات أو الأسماء "العابرة" بين اللغات هي، في خبرتي في إجراء التحليلات مع متحدثين بالفرنسية يعيشون في الولايات المتحدة، مفاتيح لفك كثير من الأحلام، وحين يعمل المحلِّل مع محلَّل لا يتكلم لغته الأم فعليه أن يبذل قصارى جهده في ترصّدها وأن يشجع محلَّله على ذلك أيضًا.
ولا يلزم أن تكون هذه الكلمات متجانسة الصوت تمامًا أو مكتوبة بالطريقة نفسها على وجه الدقة. ففي إحدى الحالات، حدثني محلَّل عن حلم كان يمص فيه إصبع قدم امرأة. وبدلًا من أن أفترض مباشرة أن إبهام القدم رمز قضيبي، سألته كيف يُقال bigtoe في لغته الأم، فنطق كلمة تستحضر umbrella في الإنجليزية. وكان أول ما تداعى إليه أنه، حين كان طفلًا، شعر مرة بالملل وبدأ يلهو بمظلة ذات طرف حاد جدًا؛ فراح يطعن بطرفها الحاد في الطين الرخو قرب قدميه، لكنه أخطأ في النهاية وأصاب إبهام قدمه، فجرحه جرحًا بالغًا حتى اضطر إلى الذهاب إلى المستشفى. وأثناء وصفه مدى سوء الإصابة التي لحقت بإصبع قدمه، زلّ لسانه، فبدلًا من أن يقول إن الإصبع كان متورمًا جدًا، قال، وهو يرسم بيديه فوق حجره إشارة مبالغًا فيها لبيان كم كان كبيرًا: "كانت المظلة متورمة." وكان الربط بين هذه الإصابة التي ألحقها بنفسه وبين نوع من الخصاء الذاتي قائمًا على علاقة بين أجزاء من كلمات في لغتين مختلفتين. وكان الحلم أعقد بكثير من هذا الربط البسيط، إذ كان يتصل أيضًا بإحساسه بأنه كان ينبغي أن يعاقبه أبوه على علاقته المفرطة الحميمية بأمه؛ غير أن هذا الربط البسيط ربما ما كان ليسهل الوصول إليه لولا أنني سألت عن لغته الأم. فالمحلِّل لا يمكنه أن يعرف كل اللغات أو الثقافات أو العادات، ولذلك عليه أن يواصل الاستفهام باستمرار إذا أراد في يوم من الأيام أن يعرف ماذا تعني الأشياء والمصطلحات والأنشطة المختلفة بالنسبة إلى محلَّل ما.
الله في التفاصيل
ينطوي التحليل النفسي على إتاحة المجال للمحلَّل لكي يُفصِّل المعرفة اللاواعية التي فيه، لا في صورة عمق، بل في صورة سرطان.
—Lacan
كثيرًا ما يفاجئني، حين أتحدث مع المعالجين الذين أشرف عليهم، أنهم يعجزون عن الإجابة عن بعض أبسط الأسئلة التي أطرحها عن محلَّليهم، مثل أسماء أفراد أسرة المحلَّل وسنّه حين وقعت أحداث معينة. ويبدو أن المحلِّلين، على مدى المئة سنة الماضية، صاروا يظنون أن الأسماء والتواريخ قليلة الأهمية. ومع ذلك، يمكن مرارًا وتكرارًا العثور على روابط مهمة بين أسماء أفراد الأسرة وأسماء العشاق والأزواج؛ ومرات كثيرة يتبين أن حدثًا يذكره المحلَّل على أنه وقع في لحظة زمنية معينة قد وقع في الحقيقة أبكر قليلًا أو متأخرًا قليلًا مما تذكر في البداية، فيتزامن بذلك مع حدث آخر طالما قلل المحلَّل من شأنه. فإذا لم يُكلِّف المحلِّل نفسه عناء السؤال عن سنّ المحلَّل أو صفّه الدراسي حين وقع كل حدث، فلن يمكن إقامة أي صلة بين الأحداث.
أخبرني أحد محلَّليَّ أنه اتخذ "قرارًا واعيًا" في المرحلة الإعدادية بألا يسعى إلى ما يريده حقًا، بعد أن خلص إلى أن لا رجل ينال المرأة التي يريدها حقًا. غير أنه لم يكن يتذكر، كما قال جوابًا عن سؤال طرحته عليه، ما الذي كان يجري في ذلك الوقت الذي اتخذ فيه ذلك القرار الواعي. فتذكرت أنه كان قد قال لي، في جواب عن سؤال آخر طرحته عليه قبل أسبوعين، إن حدثًا معينًا وقع عندما كان في الرابعة عشرة من عمره، حدثًا "غيَّر كل شيء" بالنسبة إليه. فقد كان هو وأخته الصغرى، طيلة سنوات كثيرة قبل ذلك، ينخرطان في لعب جنسي، وفي سن الرابعة عشرة قذف للمرة الأولى أثناء ذلك اللعب. ولم يكن يعرف ما الذي يحدث له حين وقع الأمر، وبدا هو وأخته مضطربين جدًا؛ ولم تعد أخته بعد ذلك مستعدة أبدًا للانخراط في مثل ذلك اللعب الجنسي رغم محاولاته "استعادتها". ويبدو أن قراره الواعي بألا يسعى إلى ما يريده حقًا قد يكون طريقة لجعل الوضع السيئ أقل سوءًا.
ومع أن هذا المحلَّل كان يؤكد أحيانًا مدى الانزعاج الذي يشعر به من هذا التغير في علاقته بأخته، فإنه كان يقلل من أهميته في أحيان أخرى؛ وحين سألته ما إذا لم يكن ذلك القرار الواعي قد اتُّخذ في الحقيقة في وقت قريب من هذا التغير، أكد لي أن التغير وقع قبل ذلك بعامين تقريبًا. ثم تابع قائلًا: "على الأقل آمل ذلك بالتأكيد، وإلا فلن أكون مجرد طفل [حين كنت أعبث مع أختي]." ويبدو أنه في الجلسة اللاحقة شعر بالحاجة إلى تغيير تاريخ نقطة التحول في علاقته بأخته من الرابعة عشرة إلى الثانية عشرة حتى لا يشعر بمثل هذا القدر من المسؤولية، وحتى لا يشعر بأنه كان في ذلك الوقت شبه بالغ "وكان ينبغي أن يعرف أكثر". ولو لم أكن قد احتفظت بالتاريخ، لكنت قد تركت دفاع المحلَّل ينتصر بدلًا من أن أُقيم صلة بين فقدانه هذا القرب الوثيق من أخته وبين تخليه عن رغبته هو. ولاحظ أن المحلَّل لم يكن قد نسي الحدث الذي "غيَّر كل شيء" في علاقته بأخته، ولا "القرار الواعي" الذي اتخذه؛ بل إن ما كان لاواعيًا، أي ما كان قد كُبت، هو الصلة بينهما. والكبت، في الواقع، يعمل كثيرًا بأن يجعل الصلة بين حدثين أو فكرتين مختلفتين تختفي.
وفي الجلسة التالية مباشرة تساءل عما إذا لم يكن بالذات لأنه كان يفكر في أخته بوصفها المرأة المثالية له قد قاده ذلك إلى إدخال رجل آخر في خيالاته الجنسية: فأن يتخيل مباشرة أنه مع أخته كان سيكون محرَّمًا أكثر من اللازم، وكان سيوقف الخيال. ولذلك أضفى الإيروسية على العلاقة بينها وبين رجل آخر في خيالاته، مثلما فعل في أواخر مراهقته حين قدّم أخته إلى أعز أصدقائه. وكان دور الوسيط الذكري في خيالاته الجنسية يحيره منذ زمن طويل؛ وقد أتاحت له صلة سن الرابعة عشرة أن يعثر على تفسير أول لها، ثم أتاحت لخيالاته في النهاية أن تجد مسالك وتحولات أخرى.
أن نحصل على ما نطلبه
أقسم أن تقول الحقيقة، كل الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة، وهذا بالضبط ما لن يُقال. فإذا كانت لدى الذات أدنى فكرة عنه، فهذا بالضبط ما لن تقوله.
—Lacan
من المعروف جيدًا أن الأجوبة التي نتلقاها تعتمد، إلى حد كبير، على الأسئلة التي نطرحها. فإذا طلبنا من الناخبين أن يقيموا قائمة مُعدّة سلفًا من القضايا بحسب أهميتها لديهم، فلعلنا لا نزداد علمًا بما هي القضايا الأهم فعلًا بالنسبة إليهم، لأننا ربما لم نُدرج القضايا الصحيحة في القائمة. وإذا لم نترك بعض الفراغات في الصفحة ليملؤوها هم أنفسهم بقضاياهم الخاصة، فالأرجح أن نظل في الظلام حيال ما يعنيهم أكثر من غيره.
وبالمثل، فإن أفضل ما نفعله في العمل التحليلي هو أن نطرح أسئلة شديدة الانفتاح بدلًا من أن نسأل: "هل جعلك ذلك تضحك أم تبكي؟" فبدلًا من أن نقترح الاختيار بين أ أو ب، أو حتى أ أو ب أو ج، فإن الأحسن في الغالب أن نتجنب وضع الكلمات في فم المحلَّل. وبدلًا من محاولة تخمين رد فعله المحتمل إزاء موقف ما، يكون من المعقول أكثر كثيرًا أن نقول ببساطة: "وماذا بعد؟" أو "كيف كان ذلك؟" أو "كيف كان رد فعلك؟" فهذا يسهّل على المحلَّل أن يجيب كيفما شاء.
والطريقة التي نصوغ بها الأسئلة تحدد، جزئيًا، الجواب الذي نحصل عليه: فإذا قلنا: "هل كان ذلك مؤلمًا لك؟" فالغالب أن نتلقى جوابًا يتضمن كلمة "مؤلم"، مع أن المحلَّل ربما كان سيشدد على شيء مختلف تمامًا لو أننا سألناه ببساطة: "وماذا عن ذلك؟" وأجد الأسئلة المفتوحة مفيدة على نحو خاص في العمل مع الأحلام والخيالات. ففي يوم من الأيام، أخبرني أحد محلَّليَّ بأنه لم يستطع أن يتذكر إلا شذرة صغيرة جدًا من حلم، شيئًا عن أبيه ومعطف مطر. وقد عبّر عن اقتناعه بأن ما هناك أقل من أن يُشتغل عليه، لكنني، على عادتي، سألت: "وماذا عن معطف المطر؟" فأجاب: "لا شيء." فاستفسرت بعد صمت دام عشر ثوان أو أكثر: "لا شيء؟" وخلال تلك المهلة حضرت إلى ذهنه صورة معطف مطر بعينه، وسرعان ما عرف أنه المعطف الذي كان أبوه يرتديه يومًا في متجر حين تعلّق هو، وكان يومها طفلًا صغيرًا، بمعطف المطر الخطأ على سبيل الخطأ، فوجد نفسه بعد وقت قصير في موقف سيارات المتجر واقفًا مع غريب. وقبل هذه اللحظة لم يكن قد تذكر قط كيف انتهت الحكاية، لكنه استعاد فجأة أنه رأى أباه غير بعيد في الموقف، فركض نحوه. فحمله أبوه بين ذراعيه وضمّه، "كما لو أنه كان يريدني... ربما كان يريد أطفالًا بعد كل شيء." وكانت أم المحلَّل قد بذلت جهدًا كبيرًا لتقنعه بأن أباه لم يرد أطفالًا قط، وقد أثر ذلك سلبًا في علاقته بأبيه.
وكلما كان السؤال أشد انفتاحًا، كان الجواب أكثر مباغتة وأقل قابلية للتنبؤ، وكثيرًا ما كان أكثر إنتاجًا.
"لا أعرف لماذا"
أنا لا أكتشف الحقيقة، بل أبتكرها.
—Lacan
إذا كان المحلِّل، في المراحل الأولى من التحليل، يطرح أسئلة كثيرة، فذلك، جزئيًا على الأقل، لكي يحمل المحلَّلة على أن تبدأ بطرح الأسئلة على نفسها. إذ لا تكون قد دخلت التحليل حقًا إلا حين تبدأ بإثارة أسئلتها الخاصة، وبالتساؤل عن لماذا وكيف لتجاربها هي. وقبل ذلك قد تكون موجودة هناك لأن زوجها طلب منها ذلك، أو لأن مديرها أوصى بشدة بأن تطلب المساعدة؛ ومهما كانت متعاونة في سعيها الدؤوب إلى الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها عليها المحلِّل، فإنها لا تكون موجودة هناك من أجل نفسها حقًا، ولا لأسبابها هي، ولا بدوافعها هي، ولا لكي تفهم شيئًا يخصها هي.
وكما قال Lacan، فالذات سؤال، ولا يمكننا أن نتيقن من أن للمحلَّلة مصلحة ذاتية في التحليل إلا حين تصوغ سؤالًا يخصها هي. فاستثمارها في هذا السؤال، سواء أكان لماذا هي غاضبة على الدوام، أو لماذا تطورت ميولها الجنسية على النحو الذي تطورت عليه، أو لماذا عجزت عن متابعة المجال الذي يثير اهتمامها أكثر من سواه أو عن متابعة أي شيء تريده أصلًا، هو الذي سيدفعها إلى البحث عن جواب ما عبر الأحلام وأحلام اليقظة والخيالات ومجمل أحداث حياتها. وهذا السؤال هو الذي يجعلها تواصل التحليل حتى حين يصبح صعبًا أو مؤلمًا.
وهكذا يكون هذا السؤال قوة دافعة مهمة في التحليل، غير أنه لا توجد طريقة فاصلة أو مضمونة تمكّن المحلِّل من أن يحمل المحلَّلة على صوغ مثل هذا السؤال. فكل محلَّلة مختلفة عن الأخرى: فبعضهن يكون قد صاغ سؤالًا قبل أن يصل أصلًا إلى مكتب المحلِّل بوقت طويل، وبعضهن يبدو أنه لا يصوغ أي سؤال قط، وبعضهن يمكن استثارته إلى صوغ سؤال بعد سلسلة أقصر أو أطول من اللقاءات التمهيدية. وهذا الصنف الأخير من المحلَّلات، بعد أن يكون المحلِّل قد أثار، صراحة أو ضمنًا، سؤال "لماذا؟" مرارًا، يتخذ هذا النهج المتسائل نهجه هو. وتغدو الأسئلة المحددة التي يثيرها المحلِّل أثناء الجلسات موضع تفكير متزايد في الفاصل بين الجلسات، وفي النهاية يبدو أن المحلَّلة تتبنى موقفًا تساؤليًا خاصًا بها. فعندما تستعيد حادثة من ماضيها في سياق تداعيها مع حلم، تفكر: "لا أعرف لماذا تصرفتُ على ذلك النحو في ذلك الوقت"، وتسأل نفسها لماذا فعلت ذلك.
ويبدو أن المحلِّل، بتكراره سؤال "لماذا؟"، يرتبط، في بعض الحالات، برغبة في معرفة السبب. وقد اقترح Lacan أن موقفنا العام في الحياة هو إرادة عدم المعرفة: ألا نعرف ما الذي يعتلّنا، وألا نعرف لماذا نفعل ما نفعله، وألا نعرف ما الذي يبدو أننا نستمتع به سرًا، وألا نعرف لماذا نستمتع بما نستمتع به، وما إلى ذلك. ويتطلب التغلب على إرادة عدم المعرفة هذه باعثًا قويًّا واستثمارًا معتبرًا، وإحدى أعسر مهمات المحلِّل أن يجد سبيلًا إلى إلهام مثل هذا الاستثمار في محلَّليه. ولعل إرادة المحلِّل في أن يعرف، كما تظهر في أسئلته المتواصلة، هي التي تُلهم في محلَّليه رغبة في المعرفة، ولعل إلحاحه في طرح الأسئلة هو ما يتيح له أن يصبح سبب تساؤل المحلَّل، وسبب رغبته في أن يعرف لماذا.
3
وضع علامات الترقيم
من الحقائق التي يمكن رؤيتها بجلاء في دراسة مخطوطات الكتابات الرمزية، سواء أكانت الكتاب المقدس أم النصوص الكانونية الصينية، أن غياب علامات الترقيم فيها مصدر للالتباس. فعلامات الترقيم، ما إن تُدرج، حتى تُثبت المعنى؛ وتغييرها يجدد المعنى أو يقلبه؛ وعلامات الترقيم الخاطئة تشوّهه.
—Lacan
يمكن النظر إلى المتكلم بوصفه يزوِّد خطابه بعلامات ترقيم خاصة به، شبيهة بعلامات الترقيم الموجودة في النصوص المكتوبة، وذلك بأن يتوقف عند نقاط معينة، ويشدد على كلمات بعينها، ويمر مسرعًا على كلمات أخرى أو يغمغم بها، ويكرر عبارات محددة، وما إلى ذلك. وهذه، بمعنًى ما، هي علامات الترقيم السابقة الوجود، أي علامات الترقيم التي توافق القراءة التي يقترحها المتكلم نفسه لخطابه، والتي توافق المعنى الذي ينسبه هو نفسه إلى كلامه. وهذه العلامات السابقة قد لا تتيح أحيانًا إلا قراءة واحدة، قراءة قد تكون سطحية وغير مثيرة حتى بالنسبة إلى المتكلم نفسه، لكنها تجعل النص أحيانًا عسير القراءة على أي نحو كان. فالمستمع يجد نفسه أحيانًا أمام غمغمة، أو أمام تشديد انتقائي على جزء من عبارة مع أن جزءًا آخر منها يبدو أهم، أو أمام كلام متزن الإيقاع عن موضوعات عادية يعقبه سيل من الكلمات عن موضوعات أشد حساسية. وهنا تبدو علامات الترقيم السابقة كأنها تحجب معنى المتكلم أو تعرض كلامه على نحو لا يظهر منه إلا المعنى الذي يريد هو أن ينقله.
يحاول المحلِّل، وهو يسعى إلى إبطاء المحلَّل، وإلى حمله على أن يكرر بوضوح أكبر الكلمات التي تمتم بها خافتًا، وأن يشرح نفسه بمزيد من الاكتمال، أن يحدث تحولًا في تلك العلامات السابقة. وقد وضع أحد محلَّليَّ مرة نقطةً بعد التعليق: "لم يكن لأخي أي أهمية." وفي محاولة لتحويل تلك النقطة إلى فاصلة، وتشجيع المحلَّل على أن يُفصِّل هذا التعليق، أجبتُه بـ"همم؟" متسائلة، فصمت لحظة ثم قال إن شيئًا قاله له صديق ذات مرة قد خطر له الآن: "أنا أكره أخي؛ فلماذا لا أقتله؟" إن إضافة علامة استفهام قد تؤدي إلى إضافة عبارة لاحقة تقلب تمامًا معنى العبارة السابقة.
وجزء من مهمة المحلِّل أن يقدّم علامات ترقيم مختلفة قليلًا، علامات تبرز معاني في "نص" كلام المحلَّل لم تكن مرئية من قبل. فالنصوص مثل الكتاب المقدس أو أعمال Aristotle، التي كانت كثيرًا ما تخلو من أي علامات ترقيم في صيغها الأولى، يمكن أن تُفهم فهمًا مختلفًا تمامًا إذا وضعنا لها علامات ترقيم على نحو دون آخر، وقد احتدمت قرونًا من الجدل حول تفسيرها الصحيح. ولسنا بحاجة، في الوضع التحليلي، إلى أن نبدأ بافتراض وجود علامة ترقيم أو تفسير واحد صحيح لكلام المحلَّل، حتى نخلص مع ذلك إلى أن بعض طرائق الترقيم أكثر إنتاجًا من غيرها. فنحن نبدأ بنص له علامات ترقيم جاهزة قدّمها المحلَّل، ونحاول أن نقرأه على نحو يزعزع فهم المحلَّل لمعناه أو يقلبه، ومن ثم يكون ذا أثر تحويلي بالنسبة إليه.
استهداف المكبوت
بانتباهنا العائم نسمع ما قاله المحلَّل، أحيانًا لمجرد نوع من التباس الألفاظ، أي تكافؤ مادي [كلمتان أو عبارتان تتشابهان تمامًا في الصوت]. وندرك أن ما قاله يمكن أن يُفهم على نحو مختلف تمامًا. وفي أن نسمعه مختلفًا تمامًا على هذا النحو نتيح له أن يدرك من أين تنبثق أفكاره: إنها لا تنبثق من شيء سوى ex-sistence الخاصة بـllanguage. إن Llanguage توجد في موضع آخر غير ما يعتقد أنه عالمه.
—Lacan
كيف يعرف المرء ما الذي ينبغي ترقيمه؟ فالمحلَّل، في نهاية المطاف، يدلي بطائفة واسعة جدًا من العبارات؛ فأيّها ينبغي أن يُرقَّم؟
بما أن جزءًا من الاستراتيجية العامة للمحلِّل النفسي مع العصابيين هو استهداف المكبوت، فإن أحد الأجوبة سهل: يمكن للمرء أن يرقّم، أي أن يعيد بصيغة مشددة، أو يكرر مع التأكيد، أو يقول عقبها "همم" واضحة، أي مظهر من مظاهر اللاوعي. وهذه المظاهر أكثر بكثير من زلات اللسان المعتادة أو النسيان المفاجئ لما كان المحلَّل على وشك قوله، لكن ما يثير العجب هو إلى أي حد لا يسمع الناس، حتى ممن يمارسون منذ وقت طويل، هذه المظاهر الفجّة أو لا يتابعونها.
وفيما يلي بعض الأمثلة الأخرى على مظاهر اللاوعي الواضحة أو غير الواضحة تمامًا:
• كثيرًا ما تبدأ الكلمات ثم تتوقف ثم تُستأنف من جديد، بما يتيح أحيانًا قراءة أخرى. فعلى سبيل المثال، تعثرت إحدى محلَّلاتي وهي تحاول على ما يبدو أن تقول exasperated، لكنها قالت بدلًا من ذلك: ex-, ex-, ex-...exasperated، وهو ما أمكن قراءته بوصفه إصرارًا على مدى انزعاجها من أن الرجل الذي كانت تتحدث عنه قد "طرحها جانبًا"، أي من أنها أصبحت ex-lover له.
• وكثيرًا ما تبدأ الكلمات من الموضع الخطأ. فقد بدأ أحد محلَّليَّ يقول my behavior، لكنه أسقط المقطع be من behavior. وقد تنبه لنفسه وتوقف مباشرة بعد أن قال شيئًا بدا قريبًا جدًا من my hate. وبما أن في هذه القراءة قدرًا من المجازفة، فربما ما كنت لأرقّمه لو لم يكن المحلَّل قد أوضح سلفًا أن لديه قدرًا كبيرًا من الاستياء من الشخص الذي كان يتحدث عنه. ومع ذلك، فقد نجح هذا نجاحًا شديد الفاعلية في استخراج كلام المحلَّل عن غضبه الذي لم يكن يعترف به إلا بالحد الأدنى تجاه الرجل الذي كان سلوكه موجَّهًا إليه.
• وكثيرًا ما تبدأ الجمل ثم تنسحب إلى غير تمام. فقد كان أحد محلَّليَّ يتحدث عن أمه وقال: "أمي جميلة، جميلة، جميلة..." ولما صمت وقتًا طويلًا، أوقفتُ الجملة عند هذا الحد ببساطة، قائلًا: "أمك جميلة؟" فعندما نشدد على كلمات وتعابير لم يكن المتكلم قد شدد عليها، نضع اللفظ نفسه في منحًى مختلف، ونشجع المتكلم على أن ينتبه إلى هذا المنحى المختلف ويُفصِّله.
وغالبًا ما يبدأ المتكلم جملة بطريقة معينة، ثم يفعل أحد الأمرين التاليين:
• ينقطع في وسط الجملة ويبدأ جملة جديدة في موضوع مختلف. وهنا ينبغي أن نحاول أن نحمل المحلَّل على إتمام الفكرة الأولى، إذ يبدو أنه تجنبها أو أخضعها للرقابة، ربما لأنها لاقت استهجانه حين شق بعض الطريق في الحديث عنها.
• ينقطع في الوسط ثم يعيد بناء الجملة، على ما يُفترض أنه يحافظ على الفكرة نفسها، بينما يتجنب ما كان سيأتي تالياً في الجملة كما كانت مهيأة أصلًا في ذهنه. وهنا أيضًا ينبغي أن نحاول أن نحمله على الرجوع وإتمام الفكرة كما صيغت أولًا.
ومن الواضح أن هناك أشخاصًا يعيدون بناء جملهم وهم يتكلمون على نحو يكاد يكون منهجيًا، غير أن ذلك لا يقتضي أن نقتنع بأن شيئًا غير التجنب هو الذي يعمل هنا؛ فلعل التجنب والمراوغة، ببساطة، أشد توطنًا في طريقتهم في الكلام منهما في طريقة غيرهم.
وفي الواقع، كما ذكرتُ في الفصل 1، يجب على المحلِّل أن يظل يقظًا في كشف جميع أشكال التجنب في الكلام، سواء وقع هذا التجنب من خلال الحذف، أو الالتفاف اللفظي، أو أي أداة بلاغية أخرى.
ويعني التجنب أن جزءًا من الحكاية يُترك خارجها، ومسؤوليتنا هي أن نضمن استعادة الأجزاء الناقصة إلى أقصى حد ممكن. ومع أنه لا يمكن مطلقًا أن تُروى الحكاية كلها، فإنه يظل مهمًا أن نشجع المحلَّل على أن يروي من الحكاية أكبر قدر يستطيع روايته في لحظة معينة. وعدم القيام بذلك هو إخفاق من جانب المحلِّل في ملاحقة جميع علامات المكبوت وآثاره ملاحقةً فعالة، وهو ما يعادل في النهاية مقاومة من جانب المحلِّل لتقدم التحليل؛ وبهذا المعنى يمكن فهمه بوصفه جزءًا لا يتجزأ من نقله المضاد.
أما العبارات التي تسبقها تنبيهات من قبيل: "هذه فكرة سخيفة، لكن..."، أو "أغبى شيء خطر لي الآن هو..."، أو "أنا متأكد أن هذا لا علاقة له بأي شيء"، أو "هذا غير ذي صلة تمامًا"، فينبغي دائمًا أن تُمنح أقصى درجات الانتباه. فكثيرًا ما تَرِد مثل هذه التنبيهات عندما يطرح المحلِّل سؤاله المعتاد: "ما الذي يخطر في بالك؟" بعد أن يكون قد أبرز شيئًا ما أو قدّم تأويلًا، ثم دخل المحلَّل في صمت وجيز. ويبدو أن المحلَّل لا يريد أن يواجه ما خطر له في تلك اللحظة الفاصلة، فيلجأ إلى التقليل من أهميته. وما إن يسمي فكرةً خطرت له بأنها "غبية" أو "غير ذات صلة" أو "بعيدة الاحتمال" أو "حمقاء" أو "مبتذلة" أو "عبثية" أو "جاءت من العدم"، حتى يستطيع المحلِّل أن يوقن أنها ليست كذلك. وقد ذهب Lacan إلى حد القول إننا نُجري التحليل تحديدًا بمثل هذه السخافات. فهذه الأوصاف دفاعات ضد أفكار يراها المحلَّل غير لائقة أو خارجة عن الموضوع، ولذلك لا يرغب في ذكرها.
وكثيرًا ما يتبين أن فكرةً تبدو أول الأمر مجرد تشتيت أو تحوير عن الموضوع المطروح هي، عند استكشافها، شديدة الصلة به بالفعل، وهو، من دون شك، ما يفسر ورودها إلى المحلَّل مباشرة بعد ترقيم المحلِّل أو تأويله. وليس من الضروري أن تُفهم مثل هذه التنبيهات على أنها تدل على "سوء نية" أو مقاومة "متعمدة" من جانب المحلَّل: فالمحلَّل كثيرًا ما يُخدع بظاهر عدم صلة الصور والأفكار والمشاعر التي تنشأ في لحظات بعينها من العلاج، ويحاول، اتّباعًا لأعراف المحادثة اليومية، أن يظل داخل الموضوع.
ويمكن رؤية استراتيجية شبيهة بتلك التي تظهر في هذه التنبيهات في التعليقات التي يدلي بها المحلَّل عرضًا، على نحو يوحي بأنها غير مهمة. فقد يُعلن عن حلم في أول الجلسة عرضًا بوصفه كابوسًا، لكن لا يرد أي ذكر لصفة كابوسية حين يصف الحلم نفسه. ولا يكون إلا عندما يذكره المحلِّل بملاحظته السابقة أن يحدد الصفة الكابوسية أو يروي الجزء الكابوسي من الحلم الذي كان قد تُرك خارجًا. وكأن المحلَّل يتبنى استراتيجية تقول للمحلِّل شيئًا مهمًا ثم تحاول أن تصرفه عنه، كما لو كان يقول: "أرجوك لا تجعلني أتكلم عنه!" وبكلمة واحدة، يبدو أن المحلَّل يريد ولا يريد في آن أن تلاحظ المحلِّلة شيئًا ما، وعليها دائمًا أن تنحاز إلى الجزء من المحلَّل الذي يريدها أن تلاحظه.
وأحيانًا تأتي العلاقة التداعية الحاسمة إلى حدث أو شخصية في حلم ما في صورة ملاحظة شاردة أو عابرة يقولها المحلَّل بعد أن يكون قد نهض من المقعد أو الأريكة وصار في طريقه إلى الباب، حين يظن أن الوقت فات على مناقشتها في ذلك اليوم. ويجب على المحلِّل ألا يُخفق في تذكيره بهذه الملاحظة في الجلسة التالية إذا لم يذكرها المحلَّل نفسه أو بدا أنه نسيها.
وغالبًا ما تكون الأجزاء التي تُترك خارج الحلم عند سرده أول مرة، ولا تُتذكر إلا بعد أن تكون عملية التداعي قد بدأت أثناء الجلسة، ذات أهمية خاصة لفهم الحلم. وبالمثل، عندما يكون العمل التحليلي قد تجاوز مراحله الأولى مع محلَّل ما، يستطيع المحلِّل، بدلًا من أن يضطر إلى أن يشجع المحلَّل بنشاط على أن يُداعي إلى كل عنصر من عناصر الحلم، وهو ما يتطلب قدرًا كبيرًا من العمل من جانب المحلِّل ويجب غالبًا أن يستمر أشهرًا طويلة، وإلا فإن المحلَّل سيأخذ على الأرجح اختصارات في محاولته تأويل أحلامه، أن يحصر جهده في تشجيع المحلَّل على أن يُداعي إلى تلك العناصر من الحلم التي لم يُداعِ إليها تلقائيًا، وبذلك يؤكد ما تُرك خارجًا من عمله في التداعي والتأويل. وهذا التأكيد المتواصل على ما تُرك خارج الحكاية هو ما يتيح للمحلِّل أن يواصل استهداف المكبوت.
الإنكارات غير المستفَزّة والتوكيدات المبالغ فيها
النفي أيضًا طريقة للاعتراف بشيء ما.
—Lacan
ونوع آخر من العبارات التي ينبغي للمحلِّل عادة أن يرقّمها هو ما أسميه "الإنكار غير المستفَزّ". ففي هذا الشكل من الإنكار، يصر المحلَّل على أن شيئًا ليس هو الحال، حتى حين لا يكون أحد قد ادعى أنه كذلك. وقد قال أحد محلَّليَّ مرة إنه منذ جلستنا الأخيرة عادت إليه ذكرى، لكنه سارع إلى أن يضيف: "لا أظن أن لهذا أي علاقة بميولي الجنسية." ثم مضى يخبرني بأنه عندما كان في السادسة من عمره كان أبناء خؤولته يقولون له بإلحاح إنه سيتحول قريبًا جدًا إلى فتاة، زاعمين أنهم هم أيضًا كانوا فيما مضى من الجنس الآخر ثم تحولوا من جنس إلى آخر في مثل سنه تقريبًا. وقد أقسموه على السر، وجعلوه يعدهم بألا يتحدث إلى أمه في هذا الأمر. ولا يبدو أن في الأمر تعسفًا كبيرًا إذا أزلنا ببساطة "لا" من إنكاره غير المستفَزّ وقرأنا الكلام كما لو أنه هو نفسه كان يدرك، على مستوى ما، أن هذا الحدث، الذي اعترف بأنه وجده في حينه مقلقًا جدًا، أدى دورًا ما في ميوله الجنسية الحالية.
وفي مثل حالات الإنكار غير المستفَزّ هذه، يمكن دائمًا أن نسأل: لماذا يستهلك شخص ما الوقت والطاقة في إنكار شيء لم يُشر أحد، في السياق الراهن، إلى أنه قائم أو يثبت وجوده؟ وقد يعترض معترض بأن المحلَّل، بالنظر إلى ما يعرفه عن المحلِّلين النفسيين، إنما يحاول ببساطة أن يستبق استنتاجًا يفترض أن المحلِّل سيقفز إليه. وصحيح أن هذا قد يصدق على بعض المحلِّلين، غير أن الفكرة خطرت للمحلَّل هو أولًا، وإن في صورة مرفوضة أو مسقطة، أي إنها نُسبت إلى الشخص الذي سيتحدث معه عنها لاحقًا، بل إن المحلَّل المذكور كان هو نفسه أول من وضع الفكرة في رأسي بأن لهذا الأمر صلة محتملة بميوله الجنسية الحالية.
ومثل هذه الإنكارات غير المستفَزّة شائعة في الحياة اليومية بقدر شيوعها في سياق العلاج: فالمقدمة القائلة "أنا لا أقصد أن أكون ناقدًا، لكن..." إنذار صريح بأن مخاطبك يقصد أن يكون ناقدًا، مثلما أن المقدمة القائلة "أنا لا أحاول أن أكون قاسيًا، إنما أقول فقط..." دليل واضح على أن مخاطبك يدرك، على مستوى ما على الأقل، أنه يحاول بالفعل أن يكون قاسيًا.
وشبيه بالإنكارات غير المستفَزّة ما أسميه "التوكيدات المبالغ فيها". وهنا يثبت المحلَّل شيئًا بقوة وتكرار بالغين حتى يبدأ السامع في التساؤل: لماذا؟ فإذا كان المتكلم يؤمن بما يقوله على هذا القدر من الحماسة، فلماذا يشعر بالحاجة إلى التشديد عليه بهذا المقدار؟ وقد قال أحد محلَّليَّ: "أتذكر بوضوح تام، وعلى وجه اليقين، وبشكل لا لبس فيه..."، فدفعني ذلك إلى الشك في أنه ربما لم يكن، في الواقع، واثقًا كل الثقة مما يزعم أنه يتذكره؛ إذ لم يصدر مني أي إبداء لعدم التصديق، لأنه كان قد بدأ للتو موضوعًا جديدًا ولم أكن أعرف ما الذي هو على وشك قوله. وهنا مرة أخرى يبدو أن المتكلم "يحتج أكثر مما ينبغي".
منتزعًا من السياق
[التحليل النفسي هو] ممارسة تقوم على ex-sistence الخاصة باللاوعي.
—Lacan
ومن الطرق الواضحة لترقيم خطاب شخص ما أن نعيده إليه حرفيًا، وبذلك نُبرزه أو نُسطّره أو نضع تحته خطًا، إذا جاز القول. فأحيانًا يكفي أن يسمع الشخص الكلمات نفسها مكررة على لسان شخص آخر لكي يُلقى عليها ضوء جديد، فيُسمعها على نحو مختلف. وأحيانًا أخرى قد يكون من الأجدى أن نكرر بعض كلمات خطاب المحلَّل فقط، فنفصل كلمة أو كلمتين عن سياقهما الأصلي، لكي نبرز أن المحلَّل استخدم، مثلًا، الصيغة التعبيرية نفسها في وصف عشيقته التي كان قد استخدمها قبل دقائق عدة في وصف أمه.
وللعبارات الاصطلاحية الكثيرة معانٍ متعددة، وقد يؤدي تكرار العبارة الاصطلاحية وحدها، كما استخدمها المحلَّل في عبارته، إلى إلقاء ضوء مختلف جدًا على معنى الجملة مما كان المحلَّل قد قصده أصلًا. فعندما كان أحد محلَّليَّ، مثلًا، يصف حلمًا وقال: "في الحلم كنت أمسك شيئًا ما وركضت لأعطيها إياه"، كررتُ ببساطة: "أعطيها إياه"، مستحضرًا، كما كنت، أهمية تلك العبارة في خيالات المحلَّل الجنسية. وقد أتاح عزلُ العبارة للمحلَّل أن يُعمل ذهنه أقل في الخصائص اللغزية للشيء كما ظهر في الحلم وفي ما قد يعنيه أن يُعطى لشخص ما بوصفه هدية، وأن ينظر بدلًا من ذلك في أحد المعاني المجازية لهذه العبارة.
وفي حلم آخر، رأى المحلَّل نفسه امرأة يعرفها ولاحظ أنها كانت ترتدي بلوزة حمراء. ثم نظر إلى الأسفل، "كما لو أنني أردت أن أنقل الأحمر من نصفها الأعلى إلى نصفها الأسفل، كما لو أنني أردت أن see red." ومن الواضح أن see red تعني أيضًا أن يغضب المرء، ولذلك كان من المنطقي أكثر بكثير أن أكرر تلك الكلمات متعددة الدلالة وحدها، لا كامل عبارة المحلَّل.
وأحيانًا لا تكون العبارة الاصطلاحية نفسها هي الملتبسة، بل الطريقة التي أُدرجت بها في نحو تلفظ المحلَّل. فعلى سبيل المثال، كان أحد محلَّليَّ يتحدث عن علاقته بزوجته فقال: I was trying to earn her keep. وحين استوضحت: Her keep? أدرك أنه قلب الأمور على نحو لم يعد معه واضحًا هل كان يقول إنه كان يحاول أن تُعيله هي أم أن يدفع نفقتها. وبعد وقت قصير، كان المحلَّل نفسه يتحدث عن امرأة أخرى وقال متذمرًا: Her regard of me was withering. وحين أجبتُه بـWithering? سمع هو في ذلك الإيحاء الجنسي والمعنى الذي كان يقصده، أي أن تقديرها له كان في انحسار. ثم أدرك لاحقًا أن regard يمكن أيضًا أن تُفهم بمعنى النظر أو التحديق: فكونه موضع نظرها هو ما كان يجعله يذبل.
وعندما نواجه وصفًا لحلم طويل معقد يعلن المحلَّل في البداية أن لديه حياله تداعيات قليلة أو معدومة، يكون من المفيد غالبًا إبراز الكلمات أو العبارات في الحلم التي يمكن أن تنفتح في اتجاهات عدة بسبب تعدد معانيها. ففي حلم مفصل ذي مشاهد متعددة رواه لي أحد المحلَّلين، كان هناك في أحد المواضع بعض الرهبان جالسين حول round table يغنون لبعضهم بعضًا أغنية سعيدة، لكنها كانت، على حد قوله، تحمل a false ring. وكان round table يمكن، من الواضح، أن يقود إلى مسارين مختلفين من التفكير، لكن كلمتي false ring هما اللتان، حين كررتهما له، قادتا إلى عدة جلسات من المادة المتعلقة بزواجه، والظروف الخارجية التي أفضت إليه، ونوع الخاتم المزيّف الذي اشتراه للمناسبة، ثم استبداله لاحقًا بخاتم ذهبي ضاع بعد ذلك في حريق، وما إلى ذلك. وقال: "لم نكن نأخذ الأمر على محمل الجد." وكان يشير إلى أنه أراد الإفلات من مؤسسة الزواج التي كان يربطها بأبيه. ومع أن أباه كان يقول دائمًا: "يجب أن تكون فرِحًا"، فإن هذا لم يكن ring true لدى المحلَّل، بل بدا له مجرد put on، وجهًا فرحًا "كان يضعه [لأجل الأسرة]." وكان أن يصبح المحلَّل زوجًا يعني أن يصبح مثل أبيه، الذي وصفه بأنه شخص لاجنسيّ مستأنس وعضو محترم مستقيم في المجتمع، لكنه خالٍ من الرغبة. وبالفعل، فمع أن المحلَّل وخطيبته كانا شديدي الشغف أحدهما بالآخر قبل الزواج، فإنه لم يعد بعده منجذبًا إليها بالقدر نفسه. إن انتزاع الكلمات متعددة الدلالة المحتملة false ring من سياقها قاد إلى قدر كبير من مادة لم يكن قد جرى تناولها من قبل، وكذلك إلى مناقشة مثاله عن الزواج بوصفه عهدًا مع "الشخص الوحيد الخاص" الذي "سيشفيني، ويجعلني كاملًا... وسأستطيع أن أستريح إلى أن أكون من يفترض حقًا أن أكونه."
الترحيب بـ"عدم الاتساق"
ليس ثمة سوى البلاغة.
—Lacan
إن قصر الترقيمات على مظاهر اللاوعي هو بالتأكيد أكثر المقاربات أمانًا التي يستطيع المحلِّل أن يعتمدها، بمعنى أنها تقلل إلى الحد الأدنى من أثر أجندته الخاصة، كأن يريد للمريض أن يدرك شيئًا بعينه، أو أن يصل إلى نقطة محددة، أو أن ينجز هدفًا معينًا، وتتبنى بأكبر قدر من الوفاء لاوعيَ المحلَّل دليلًا لمسار العلاج.
غير أن هذه المظاهر لا تكفي أحيانًا لدفع الأمور إلى الانطلاق في بداية التحليل؛ فبعض المرضى تقع لهم زلات قليلة جدًا في الجلسات الأولى، ويعلنون أنهم لا يتذكرون أحلامًا أو أحلام يقظة أو خيالات، فلا يتركون للمعالج إلا قليلًا جدًا مما يمكن ترقيمه، وبالتالي لا يتركون له وسيلة واضحة للمشاركة سوى أن يُظهر أنه يصغي بانتباه.
فما الذي ينبغي للمحلِّل، إذن، أن يبرزه أو يعيده أو يرقّمه؟ كل شيء يوحي بأن المحلَّل يبذل جهدًا كبيرًا لكي يكون متماسكًا وهو يتكلم إلى المحلِّل. فقد يقول، مثلًا: "لكن هذه قصة طويلة"، ثم يبدأ في تغيير الموضوع، أو يقول: "لكن هذا ليس ما كنت أحاول الوصول إليه." ومثل هذه العبارات تدل على انجراف في تداعيات المريض وأفكاره نحو مناطق معينة من قصة حياته، ثم يجري رقابتها حين يتذكر النقطة التي كان يحاول أن يثبتها. وفي مثل هذه الحالات، يبدأ قصدٌ واعٍ إلى البقاء متماسكًا وألا يخرج إلى استطراد جانبي، وإلى أن يُظهر نفسه للمحلِّل بوصفه واضحًا وقادرًا على أن يُعقل كلامه، في الهيمنة على الوجهة "الأكثر حرية" لتداعيات المريض، ويحسن بالمحلِّل أن يشجع المريض على اتباع هذا الانجراف، موحيًا ضمنًا بأن المحلِّل لا يطالبه، بأي وجه، بأن يبدو متماسكًا. فالأنا عند المحلَّل هي التي تسعى إلى فرض التماسك والاتساق على أفكاره وكلامه، أما "تداعياته الحرة" فهي التي تتيح لنا لمحة من المكبوت.
نحن لا نفترض أن المحلَّل ذو عقل واحد، بل نفترض أنه مأهول بأفكار ورغبات متناقضة، بعضها واعٍ وبعضها ما قبل واعٍ وبعضها لاواعٍ، ولا نريد، بأي حال، أن نكون متواطئين مع أنا المحلَّل حين تحاول أن تفرض التماسك والاتساق على ما يخرج من فمه. ونحن لا نتهم المحلَّل، بأي معنى، بأنه غير متسق حين تظهر التناقضات، بل نسعى إلى إبراز الطرق التي لا يكون بها واحدًا مع نفسه، والتي يكون فيها "ذاتًا منقسمة"، كما قال Lacan.
المحلِّل بوصفه فنانًا
[مهمتنا أن نُبرز] منذ البداية السجلات الثلاثة أو الأربعة التي يمكن أن تُقرأ عليها المدونة الموسيقية التي يتألف منها خطاب الذات.
—Lacan
يمكن أن نتصور الرسام البارع بوصفه ينظر إلى "الشيء نفسه" الذي ينظر إليه الآخرون، فيرى شيئًا مختلفًا ويجعله مرئيًا لنا: فالرسام يكشف، أو يجعل مُدرَكًا، شيئًا لم نكن قد رأيناه من قبل. ففي حالة van Gogh قد تكون تلك هي الإنسانية الكامنة في زوج قديم من الأحذية، وفي حالة Monet قد تكون الألوان المرتعشة في حديقة تحت تأثير شمس الصيف الحارة. وتفعل المصوِّرة شيئًا مشابهًا بالضوء والملامس: فهي تستخدم الأفلام والمرشحات وسرعات الغالق وإعدادات فتحة العدسة لكي تُبرز شيئًا موجودًا هناك، موجودًا سلفًا وينتظر أن يُرى، إذا جاز القول، لكنه لا يُرى من دون مساعدتها. أما الموسيقي المبتدئ فيسعى إلى عزف النغمات المكتوبة على المدرّج الموسيقي بسرعة أقرب ما تكون إلى الصحيحة، في حين ينجح الموسيقي المتمرس، عبر تنويع السرعة والتشديد تنويعًا دقيقًا، في إبراز الألحان أو الأصوات المتعددة المضمرة في النغمات نفسها.
وقد تكون هذه طريقة مثمرة في التفكير فيما نفعله نحن أيضًا، بوصفنا معالجين: إننا نُبرز شيئًا موجودًا هناك، موجودًا سلفًا وينتظر أن يُسمع، لكنه لا يُسمع من دون مساعدتنا. وكما قال أحد محلَّليَّ مرة، كانت رغبته أشبه بهمهمة، أو بنفخة قلبية خافتة إلى حد لم يسمعها أحد من قبل، ولا حتى هو نفسه، إلى أن بدأ تحليله.
4
التقطيع (scansion)
لا بد أن تختبر الذاتُ نهايةَ الجلسة بوصفها علامة ترقيم في تقدمها. ونحن نعرف كيف تحسب لحظة مجيئها لربطها بجدولها هي، أو حتى بمناوراتها التفادية، وكيف تستبقها بأن تزنها كما تزن سلاحًا، وتراقبها كما تراقب موضعَ مأوى.
—Lacan
من بين جميع مفاهيم لاكان المعروفة في العالم الناطق بالإنجليزية، لعل scansion هو المفهوم الأفضل فهمًا والأسوأ فهمًا في آن. فهو الأفضل فهمًا بمعنى أن كثيرين يعرفون أنه يشير إلى الفعل الذي يضع به المحلل حدًا لجلسة ما، بل حدًا مفاجئًا أحيانًا. لكنه ربما يكون الأسوأ فهمًا لأن قلة قليلة تبدو قادرة على بيان سبب استخدام التقطيع وكيفية استخدامه. والواقع أنه حين ألقي محاضرات في معاهد التحليل النفسي في الولايات المتحدة، أيًّا يكن الموضوع الذي أقدمه، تنحرف المناقشة على نحو ثابت نحو موضوع الجلسة المتغيرة الطول، وتبقى فيه أحيانًا إلى أن أسأل إن كان لدى أحد في الحضور سؤال عن شيء غير التقطيع.
في هذا الفصل سأحاول شرح بعض جوانب دواعي التقطيع وعلله. ولنبدأ بمحاولة إزالة بعض التصورات الخاطئة. فتغيير طول الجلسة لا يعني بالضرورة أن تصبح أقصر من المدة التي يمارسها إكلينيكيون آخرون في البلد نفسه بوصفها مدة معيارية، سواء كانت 30 دقيقة أو 40 أو 45 أو 50 أو 55 دقيقة. فجميع هذه المدد تُعد معيارية لدى ممارسين مختلفين في بقاع مختلفة من العالم، ومع ذلك لا يبدو أن أحدًا يبدي دهشة إزاء هذا النوع من التفاوت.
ومن الناحية النظرية على الأقل، يتيح تغيير طول الجلسة للمحلل أن يمدد الجلسة إلى ما بعد أي زمن مقرر لها، لكي يواصل عملًا يتقدم في اتجاه مفيد جدًا؛ أو لكي يُتم، ولو نسبيًا، تأويلَ خيال أو حلم؛ أو لكي يعزز العمل التحليلي مع محلَّل يتكلم ببطء شديد لأي سبب كان أو يحتاج إلى وقت طويل حتى يسخن للموضوع المطروح؛ أو، في منحى مختلف بعض الشيء، لكي يربك محلَّلًا يهيئ منهجيًا كميات كبيرة من المادة للجلسات بحيث لا يقع شيء غير مخطط له أو عفوي أو مفاجئ، أو لا ينطق بأكثر عباراته دلالة إلا وهو يهم بالخروج من باب المحلل. وأنا شخصيًا، في الأسابيع الأولى من تحليل ما، نادرًا ما أنهي جلسة قبل انقضاء 45 دقيقة، وغالبًا ما تتجاوز الجلسات الأولى ساعة وربعًا لكي أحصل على صورة عامة مكتملة قدر الإمكان عن حياة المحلَّل. ومع تقدم التحليل تميل أطوال الجلسات إلى الانخفاض إلى حد ما، لكن جلسات أطول من 45 دقيقة تقع أحيانًا.
وثمة تصور خاطئ ثانٍ سمعته أحيانًا، وهو أن لاكان يوصي المحلل بإنهاء الجلسات اعتباطًا أو عشوائيًا. والحال أن لاكان يوصي، على العكس، بإنهاء الجلسات عند أكثر النقاط لفتًا للنظر، متى أمكن ذلك، أي حين يصوغ المحلَّل أكثر عبارات الجلسة أو أسئلتها لفتًا للنظر. ولا ينبغي أن يُفهم من ذلك أن تكون تلك النقطة أو العبارة أو السؤال بديهيةً أو شفافةً أو واضحة المعنى. فكثيرًا ما يمكن فهم العبارة أو السؤال الذي يقطع عنده المحلل الجلسة على أكثر من وجه، ويُترك المحلَّل ليتأملها كلها في الزمن الفاصل بين تلك الجلسة والتي تليها. وقد صُمم إنهاء الجلسة عند مثل هذه النقطة لكي يضع المحلَّل في موضع العمل، شعوريًا كان ذلك أم لا، في الزمن بين الجلسات. فنحن لا نتذكر أفضل ما سمعناه أخيرًا فحسب، بل إن المهمة غير المكتملة تشغل الذهن غالبًا أكثر بكثير من المهمة المكتملة. والعبارة المتعددة المعاني أو الملتبسة أو المحيرة تكون في كثير من الأحيان أنفع لدفع التحليل إلى الأمام من عبارة أحادية المعنى في غاية الوضوح. والهدف هنا هو ضمان أن يقوم المحلَّل بأكبر قدر ممكن من العمل خارج الجلسات، لا داخلها فقط، لأن التداعيات والتأويلات التي تخطر له هو نفسه تكون في الغالب أشد إقناعًا له من تلك التي يصوغها المحلل.
التقطيع ليس إلا شكلًا بالغ التوكيد من أشكال التنقيط. فعندما ينهي المحلل الجلسة، فإنه يضع فعليًا نقطة أو علامة تعجب أو علامة استفهام لا في نهاية جملة أو فقرة، بل في نهاية مقطع أو فصل من النص. ومن ثم فإن سؤال: «كيف تعرف متى تُجري التقطيع في جلسة ما؟» يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسؤال الذي نوقش في الفصل السابق: «كيف تعرف ما الذي ينبغي تنقيطه في الجلسة؟»
وسأذكر على سبيل المثال بضع «علامات ترقيم مؤكدة» استخدمتها. كانت إحداها مع محلَّلة كانت تتحدث عن شخص كانت تشير إليه بعبارة «رجل رائع» عرفته منذ نحو خمسة وعشرين عامًا. وكانت قد تحدثت في وقت سابق من الجلسة، بل وفي جلسات عدة سبقت هذه الجلسة، عن أهمية «أن تحب أحدًا». وبعد أن تحدثت وقتًا طويلًا عن هذا «الرجل الرائع» قالت إن بينهما «ألفة وcontentment»، لكنها بدل contentment قالت contention؛ ولاحظت الزلة سريعًا وانفجرت ضاحكة. وقد أنهيت الجلسة عند تلك النقطة لأشدد على أمر كنا قد ناقشناه قليلًا في جلسات سابقة: المنافسة والغيرة اللتين كانتا تميزان عددًا كبيرًا من علاقاتها.
وقد تضمنت الزلة التي صدرت عنها قول شيء يكاد يكون النقيض التام لما «كانت تعني» قوله، ولم تكن من نوع الزلات التي يكون معناها في البداية شديد الغموض بحيث يتعين على المحلَّل أن يداعي إليه ويفككه مطولًا. بل إن ضحكها دل على أنها أدركت أن ما قالته فعلًا يناقض تمامًا الصورة التي كانت تحاول رسمها لعلاقتهما. وأنا أجد مثل هذه التجليات للاوعي، التي تظهر بعد مناقشة مطولة نسبيًا لشيء ما، نغماتٍ نافعة على نحو خاص لإنهاء الجلسة، لأنها تميل إلى حمل المحلَّل على تأمل التناقضات الكامنة فيه.
وفي حالة أخرى، كان هناك محلَّل التمس العلاج لكي يصل إلى قرار ما بشأن علاقته بالبوذية بوصفها ممارسة روحية ونمطَ حياة، وكان يذكرني بعد عدة أشهر من التحليل بأن «عذره»، على حد تعبيره، لبدء التحليل كان أن يصبح بوذيًا أفضل، وأن «يُروّض [ذهنه]» (to tame [his] mind). وبينما كان يقول ذلك، زل لسانه فقال to time، وهي مطابقة في الصوت لعبارة two-time. وعندما أعدت عليه لفظتي to/two-time، توقف لحظة ثم قال: «إذًا أنا الآن أخون البوذية معك... أم أخونك أنت مع البوذية؟» وأنهيت الجلسة عند هذا الحد، تاركًا المحلَّل يتأمل السؤال ذاته الذي أثاره هو بنفسه؛ وقد فعل ذلك فعلًا، إذ عاد إليه في مطلع الجلسة التالية مباشرة.
وثمة أنواع كثيرة جدًا من النقاط في الجلسات تصلح للتقطيع، إلى حد يستحيل معه تعداد نسبة صغيرة منها حتى. وفي الأمثلة التي قدمتها لم أعرض، بطبيعة الحال، إلا أوجز مخطط للعمل الجاري في هذين التحليلين عند تلك اللحظات. وبما أن أي مقدار من الشرح في حالة فردية واحدة لن يقنع بعض القراء بملاءمة التقطيع، فلننتقل إلى المسألة الأعم.
التقطيع و«الإطار العلاجي»
إن الحياد الذي نظهره في التطبيق الصارم للقاعدة القائلة إن الجلسات ينبغي أن تكون ذات طول محدد يُبقينا بوضوح في طريق اللافعل. ولكن لهذا اللافعل حدًّا، وإلا لما تدخلنا أصلًا. فلماذا نجعل التدخل متعذرًا في هذه النقطة بالذات، فنمنحها بذلك امتيازًا؟
—Lacan
على الرغم من أن جميع المحللين يضعون علامات ترقيم، على نحو أو آخر، وعلى الرغم من أنني لم أسمع قط محللًا يعترض على مفهوم لاكان للترقيم في حد ذاته، فإن كثيرًا من المحللين يعترضون اعتراضًا جديًا على التقطيع. وبينما يستند معظمهم إلى أهمية «الإطار العلاجي»، الذي سأعود إليه بعد قليل، فقد عبر لي كثير منهم عن خشية أن ينتهي بهم الأمر إلى تقطيع الجلسات حين يشعرون بالملل أو التعب أو الضيق أو لمجرد رغبتهم في فعل شيء آخر، وهو ما يعبر، فيما يبدو لي، عن عدم ثقة بدوافعهم هم أنفسهم عندما يتدخلون بأي صورة كانت في التحليلات التي يجرونها. وقد تحدثوا عن الجلسة ذات الطول الثابت كما لو كانت تقيد أيديهم على نحو نافع، وكأنهم يشعرون أنهم غير جديرين بالثقة في استخدام علامة ترقيم بهذه الضخامة، وأن محلَّليهم يحتاجون إلى حماية قانون متبادل الإلزام من عدم أهلية الثقة الكامن فيهم. وقد يتساءل المرء عن مدى إيمانهم بقدرتهم على تنقيط أجزاء أخرى ربما كانت مهمة من خطاب المحلَّل، إذا كانوا يملكون هذا القدر الضئيل من الثقة بقدرتهم على إنهاء الجلسات عند نقاط يُرجَّح أن تدفع التحليل إلى الأمام.
وأظن أن افتقارهم إلى الثقة في قدرتهم على التنقيط الفعال، صغيرًا كان أم كبيرًا، يرتبط بتحول عميق في نظرة المحللين المعاصرين إلى الكيفية التي يكون بها التحليل شافيًا وسبب ذلك: فبدل التشديد، كما فعل فرويد، على ملء الفجوات في تاريخ المحلَّل وفهمه لنفسه، أو التشديد، كما فعل لاكان، على أن البعد الرمزي وحده هو الذي يشفي، كثيرًا ما يعتنق المحللون المعاصرون فكرة أن العلاقة نفسها التي تربط المحلَّل بالمحلل هي الشافية، لا أي شيء بعينه يقوله المحلل أو يحمل المحلَّل على قوله. وهكذا يتحول الانتباه بعيدًا من عمل الترميز في العلاج، ويصبح ما يعد ذا أهمية حقيقية هو علاقة آمنة، جيدة البنية، حامية. وكان هذا التوجه قد بدأ ينتشر بالفعل في فرنسا في خمسينيات القرن الماضي: فقد اقتبس لاكان أحد زملائه وهو يقول إن «المحلل لا يشفي كثيرًا بما يقوله ويفعله، بل بما هو عليه». وهذا التشديد على شخصية المحلل وعلى العلاقة، في مقابل العمل الذي ينجزه المحلَّل والمحلل لصوغ تاريخ المحلَّل ورغبته، هو ما أدى إلى الأهمية المتزايدة باستمرار التي أولاها الإكلينيكيون في النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين لـ«الإطار العلاجي».
كان Winnicott مناصرًا قويًا للحدود الحامية في الوضع التحليلي، إذ كان يعتقد أن إطارًا آمنًا، موثوقًا، قابلًا للتنبؤ، ضروري على نحو خاص للمرضى الذهانيين. وبحكم نموذجه النمائي الذي يفترض أن الذهانيين يحتاجون إلى التراجع إلى مراحل أبكر معينة لتصحيح نوع من العملية النمائية الطبيعية التي تعطلت ويجب رفع العطل عنها، رأى Winnicott أن الإطار الآمن ضروري لكي يثق المرضى بالمعالج بما يكفي للانخراط في هذا النوع من التراجع. وأنا لا أعتقد أنه هو نفسه كان يلتزم دائمًا التزامًا صارمًا بجلسات ثابتة الطول، مما يوحي بأن الإطار الآمن ليس بالضرورة منافِيًا لتفاوت طول الجلسة. وسواء قبل المرء إيمان Winnicott بأهمية التراجع أم لا، فيبدو من الممكن تمامًا إقامة الثقة مع المرضى الذهانيين من غير التزام جامد بطول جلسة ثابت.
غير أن ما ينبغي التشديد عليه هنا هو أن لاكان صاغ التقطيع، الذي ينطوي أحيانًا على نهايات مفاجئة للجلسات، من أجل العمل مع العصابيين لا الذهانيين. بل إني أميل إلى القول إنه لم يكن يرى من المناسب أصلًا أن يدلي المحلل للذهانيين بعبارات متعددة المعاني وملتبسة ومحيرة، أو أن يشدد على الغموض في عباراتهم هم، فضلًا عن أن يعدها نقاطًا مناسبة لإنهاء الجلسات. فالهدف مع الذهانيين هو إعادة بناء المعنى، لا تفكيكه، وتقنية التقطيع مصممة صراحة لزعزعة التصور الذاتي للمحلَّل العصابي أو مساءلته أو تفكيكه. ويبدو أن استخدام جميع التقنيات اللافتة أو المفاجئة قد تضاءل كثيرًا مع التلاشي التدريجي، في أذهان كثير من المحللين، للتمييز بين العصاب والذهان، ومع التكون التدريجي لنوع من التقنية التحليلية يُفترض أنها مناسبة للعصابيين والذهانيين معًا. فإذا كان من المفترض معالجة جميع الفئات التشخيصية للمرضى بالتقنيات نفسها، فمن الواضح أن التقطيع، بل حتى كثيرًا من صور الترقيم في صيغها الألطف، لا بد من استبعادها. أما لاكان فيحافظ على تمييز صارم بين العصاب والذهان، ويصوغ مقاربات علاجية متباينة على نحو واسع لهاتين المجموعتين التشخيصيتين المختلفتين.
التقطيع بوصفه خصاءً مصغرًا
لست الوحيد الذي لاحظ أن [التقطيع] يشبه إلى حد ما التقنية المعروفة باسم Zen....
ومن غير الذهاب إلى الحدود القصوى التي تؤخذ إليها تلك التقنية، لأنها ستكون مناقضة لبعض القيود التي يفرضها وضعنا نحن، يبدو لي أن تطبيقًا متحفظًا لمبدئها الأساسي في التحليل أيسر قبولًا بكثير من بعض طرائق ما يسمى تحليل المقاومات، بقدر ما إن مثل هذا التطبيق لا ينطوي في ذاته على أي خطر في اغتراب الذات.
فهو لا يحطم الخطاب إلا لكي يستدعي الكلام.
—Lacan
يشير لاكان أحيانًا إلى التقطيع بوصفه «قطعًا»، ومعظم الإكلينيكيين، سواء كانوا ينهون جلساتهم عند مقدار ثابت من الوقت بدقة، أو يغيّرون بدقيقة أو دقيقتين، أو يمارسون الجلسة المتغيرة الطول ممارسة منهجية، يدركون أن المحلَّلين يشعرون أحيانًا بأن المحلل «يقطعهم» عندما ينهي الجلسة: يقطعهم في منتصف الجملة ربما، أو في وسط فكرة أو قصة، و/أو يقطعهم فجأة عن المحلل الذي يحول انتباهه الآن إلى مرضى آخرين. ويشير المحلَّلون أحيانًا إلى التقطيع بوصفه خصاءً مصغرًا، ويمكن استخدام تقطيع الجلسة في بعض الحالات لتعزيز الخصاء بفعالية لدى العصابيين الذين يعانون مما يمكن تسميته «خصاءً غير كافٍ». أما الذهانيون، فلم يقع لديهم خصاء أصلًا، ومن المرجح أن تؤدي التقطيعات المفاجئة المصممة للتشديد القوي على عبارات معينة أو مساءلتها إلى مجرد إغضاب المحلَّل الذهاني أو دفعه إلى الذعر. ومن ثم يبدو أكثر معقولية بكثير، في حالات الذهان، أن تُنهى الجلسات موضوعيًا، أي بعد أن يكون النقاش حول حدث معين أو تجربة أو حلم قد اكتمل تقريبًا، لا في وسط مثل هذه المناقشات. وأظن أن حتى الإكلينيكيين الذين يزعمون ممارسة الجلسات الثابتة الطول يجدون أنفسهم ينهون الجلسات قبل موعدها بدقيقة أو دقيقتين أو بعده بدقيقة أو دقيقتين مع المحلَّلين الذهانيين، تجنبًا للنهايات المفاجئة. فهم يفهمون ضمنًا أن إنهاء الجلسة بناءً على حركة عقرب الثواني يمكن أن يُعاش بوصفه فعلًا قاسيًا، وأنه، سواء فكروا فيه من حيث صلته بالخصاء أم لا، قد تعلموا من الخبرة أنه أيسر احتمالًا بكثير على العصابيين منه على الذهانيين.
وحجة أخرى تُساق كثيرًا لصالح الجلسات الثابتة الطول، حتى مع العصابيين، هي أنها تحد من المجال الذي يمكن أن يتحرك فيه التحويل المضاد للمحلل بحرية. إذ قد يختتم المحلل الجلسة، كما يُظن، في لحظة معينة بسبب حالته هو لا حالة المحلَّل. وقد ذكرنا فرويد بأن «السكين إن لم يقطع فلا يمكن استخدامه للشفاء أيضًا»، وأن «لا أداة طبية ولا إجراءً طبيًا يضمن السلامة من سوء الاستعمال». وما ليس واضحًا هو لماذا ينبغي اعتبار إساءة استخدام تقنية التقطيع أخطر من إساءة استخدام أي تقنية أخرى في حقيبة أدوات المحلل، مثل التأويل أو الإيحاء أو ما يسمى بالمواجهة. ألن يعبر التحويل المضاد للمحلل، إذا لم يكن قد تعلم التعامل معه على نحو كافٍ، عن نفسه في تلك التقنيات على الأقل بقدر ما يعبر عن نفسه في التقطيع، وبالقدر نفسه من الخطر؟ ويبدو أن الأهم، بدل استبعاد ما يعده كثيرون جدًا تقنية مفيدة على وجه الخصوص، هو أن يتعلم المحلل كيف يتعامل بنجاح مع تحويله المضاد.
فلننظر في ما قاله لاكان عن وضعية المحلل وما قد يعنيه أن تتسم بالحياد أو بما يسميه هنا «اللامبالاة»:
كلما كان المحلل قد خضع لتحليل أفضل، أمكن له أن يقع، بصراحة، في حب [محلَّله] أو أن ينفر منه.
قد يبدو ما أقوله مبالغًا فيه قليلًا، لأنه يزعجنا. وإذا كنا نشعر بأن ثمة، مع ذلك، شيئًا ما في مطلب اللامبالاة التحليلية، فلا بد أن يكون متجذرًا في موضع آخر....
إذا بلغ المحلل اللامبالاة، كما يتصوره عامة الناس... فذلك بقدر ما يكون مسكونًا برغبة أقوى من الرغبات الأخرى التي قد تكون معنية، أي الرغبة في أن يباشر الأمر مع مريضه، أو يأخذه بين ذراعيه، أو يرميه من النافذة.
وهذا يحدث. وأجرؤ على القول إنني لا أتوقع الكثير ممن لم يشعر قط بمثل هذه الرغبات. ولكن، بصرف النظر عن مجرد إمكان حدوث ذلك، فلا ينبغي أن يصبح أمرًا اعتياديًا.
ولماذا؟ أهو للسبب السلبي القائل إنه يجب تجنب نوع من التفريغ التخيلي الكامل للتحليل؟... لا، بل [لأن] المحلل يقول: «إنني مسكون برغبة أقوى». وهو محق في قوله هذا بوصفه محللًا، بقدر ما يكون قد وقع تغير في اقتصاد رغبته.
يوحي لاكان هنا بأن المحلل ليس مطالبًا بألا يشعر بأي شيء تجاه المحلَّل، ولا بألا تكون لديه أي رغبة أصلًا، لا في احتضانه ولا في قذفه من النافذة. فبافتراض أن المحلل خضع لتحليل كافٍ، فإن مشاعره ورغباته تجاه المحلَّل ستتجاوزها رغبة تحليليّة نفسية بالمعنى الصحيح: رغبة في أن يتقدم العمل التحليلي، وأن يتكلم المحلَّل ويُداعي ويؤول. وقد سمى لاكان هذه الرغبة التحليلية النفسية الصحيحة «رغبة المحلل»، ويجب أن يكون واضحًا أنها لا تتطلب من المحلل أن يقتل في نفسه كل رغبة أخرى قد تسكنه، بل فقط أن يكون قد تعلم كيف يضع تلك الرغبات الأخرى جانبًا أثناء العمل التحليلي نفسه. ولا بد أن يكون قد حدث تغير في ما يسميه لاكان «اقتصاد الرغبة» لدى المحلل، وهو تغير لا يمكن أن يحدث إلا إذا خضع المحلل لتحليل معمق خاص به.
ومع أن المؤسسة النفسية الأمريكية الحديثة تسمح لشتى الناس بممارسة العلاج النفسي من غير أن يكونوا قد خضعوا هم أنفسهم للعلاج قط، وهو أمر فاضح حقًا في نظري كما قد يوافق كثيرون، فإن أفضل تدريب للمعالج يأتي من علاجه الشخصي. وكلما كان ذلك العلاج أعمق، كان تدريب المعالج أفضل. فعدة أشهر من الإرشاد مع مرشد ديني أو مستشار مخدرات وكحول أو أخصائي خدمة اجتماعية أو أخصائي نفسي مدرسي أو سلوكي أو محلل أو طبيب نفسي لا قيمة لها تقريبًا للمعالج في تحويل «اقتصاد رغبته». ذلك أنه لا يصبح المرء مستعدًا بأي قدر لتنوع «انحرافات» اللذات والرغبات والآلام التي ينبغي أن يُقاد محلَّلوه إلى استكشافها، ولتنوع المشاعر والرغبات والمنغصات التي يُرجح أن يختبرها وهو يصغي إليهم، إلا بعد أن يكون قد سبر أعماق لذاته ورغباته ومعاناته هو، وهي أعماق شديدة التعقيد والعذاب.
ومع أن لاكان نفسه لا يرسم تمييزًا بين التحليل الشخصي والتحليل التدريبي، إذ يرى أن أي تحليل شخصي يمكن أن يصير تحليلًا تدريبيًا، وأن التحليل التدريبي إن لم يكن شخصيًا فليس تحليلًا أصلًا، فإنه يعتقد بوضوح أن من المهم قلب الممارسة القديمة التي كانت، خصوصًا في السنوات الأولى من التحليل النفسي، تجعل التحليلات التدريبية أقصر كثيرًا من «التحليلات الشخصية». وقد يكون تبرير هذا القصر في أوائل القرن العشرين نابعًا من حاجة المتدربين إلى مغادرة مدنهم وبلدانهم للخضوع للتحليل لدى فرويد أو أحد الرواد الأوائل، وهو أمر لم يكن يمكن عادة القيام به إلا لبضعة أشهر قصيرة. ومع ذلك يبدو أن تقليد التحليلات التدريبية القصيرة استمر إلى ما بعد تلك المرحلة الأولى بوقت طويل، وحتى الآن لا تزال كثير من المعاهد تشترط أربعة أعوام فقط من التحليل بمعدل ثلاث جلسات أسبوعيًا تقريبًا. وكل من واصل التحليل إلى ما بعد تلك النقطة سيخبرك أن أمورًا أكثر بكثير يمكن أن تحدث لاقتصاد رغبتك في المراحل اللاحقة من التحليل. وعلى الرغم من أن لاكان اقترح أن التحليل يكون قد مضى بعيدًا بما يكفي حين يصبح المحلَّل «سعيدًا بكونه حيًا»، فإنه مع ذلك يميز بين الهدف «العلاجي» للتحليل وما وراء العلاجيات اللازم «لخلق محلل» مشبع برغبة المحلل. فالنجاحات العلاجية للتحليل ليست بالضرورة كافية لتمكين المرء من العمل بيسر بوصفه محللًا نفسيًا هو نفسه، أو ليكون مشبعًا برغبة في إجراء التحليلات بنفسه.
ومهما يكن تحليل المرء الشخصي بعيد الأثر، فإنه لا يكفي عمليًا ليمكّن المحلل من إزالة كل آثار تحويله المضاد، ولا سيما في مجال ما يمكن تسميته الحجب النظرية. وقد أدرج لاكان في تعريفه للتحويل المضاد «مجمل تحيزات المحلل وأهوائه وصعوباته، بل حتى قصوره في المعلومات، في أي لحظة من لحظات العملية الجدلية». ورغم أن تحليل المرء الشخصي قد يكون له أثر كبير في أهوائه، فقد يكون أثره أضعف في تحيزاته، وأضعف من ذلك في «معلوماته»؛ وهذا يعني أن على المحلل أن ينخرط في عملية متواصلة من التحليل الذاتي، وأن يراجع الحالات بانتظام، ويدرس ميادين شتى من الخبرة الإنسانية، ويواصل طلب الإشراف سنوات طويلة. ويبدو أن هذا أقدر بكثير على الحد من الآثار الخبيثة المحتملة لتحويل المحلل المضاد من التزام صارم بطول جلسة ثابت.
الوقت مال، والمال وقت
ومن الغريب، كلما فقدت أهداف التحليل أهميتها، ازدادت قيمة الأشكال الطقسية للتقنية.
—Lacan
يمكن انتقاد الجلسة الثابتة الطول لأنها تلتزم على نحو صارم بمبدأ أساسي من مبادئ الرأسمالية: الوقت مال، والمال وقت. غير أن الوقت والمال لا يمكن معادلتهما، على نحو بسيط أو مباشر، بمبدأ الواقع، ومع ذلك يبدو أن كثيرًا من المحللين يخلطون بينهما وبين مبدأ الواقع خلطًا تامًا، حتى ليبدو أنهم يعتقدون أنه لا توجد علاقة أخرى ممكنة بين الوقت والمال. وحتى لو أمكن معادلة هذا المبدأ الرأسمالي بمبدأ الواقع، فإن فكرة أن وظيفة المحلل هي حمل المحلَّل على الانضباط لمبدأ الواقع فكرة مضللة، لأنها تشجعه على فرض نظرته هو إلى الواقع على المحلَّل، كما سنرى في الفصل 9.
تعطي الجلسة الثابتة الطول للمحلَّلين انطباعًا زائفًا بأنهم، حين يأتون لمقابلة المحلل، يدفعون ثمن خدمة كسائر الخدمات، خدمة تنظَّم شروطها بنوع من الاتفاق التعاقدي الذي يستطيع المحلَّلون فيه أن يكونوا واثقين تمامًا من أنهم سيحصلون على ما ينوون دفع ثمنه بالضبط. وهذا يتيح لهم أن ينظروا إلى أنفسهم بوصفهم زبائن أو «عملاء»، وهو المصطلح الذي كرسه الآن الاستعمال النفسي الأمريكي، يملكون الحق في أن يوجهوا إلى المحلل مطالب محددة.
وهذا يفتح الباب أمام سوء فهم أساسي لما يمكنهم أن يتوقعوه من التحليل؛ فجميع المحللين تقريبًا يتفقون على أن من المهم إحباط كثير من مطالب المحلَّل أو طلباته، إن لم يكن معظمها، لأن إشباع هذه المطالب لا يساعد المحلَّل في النهاية، ولأن المحلَّل يطلب في كثير من الأحيان أشياء لا يستطيع المحلل أن يقدمها، وحتى لو استطاع لتسببت في تدمير العلاقة العلاجية، ولأن الناس كثيرًا ما يطلبون أشياء لا يريدونها حقًا. وقد صاغ لاكان العلاقة المعقدة بين الطلب والرغبة بقوله إن مأزق الإنسان هو أن «مجرد أن يطلب الناس منك شيئًا لا يعني أن هذا ما يريدونك حقًا أن تعطيهم إياه». فإعطائي ما أقول إنني أريده لن يشبعني فعلًا، لأن ما أقول إنني أريده ليس هو نفسه ما أرغبه.
وكما قلت في موضع آخر: «في العلاج يتجاوز المعالج مطالب المريض، ويحبطها، ويحاول في النهاية أن يوجه المريض إلى شيء لم يطلبه قط»، أي إلى اكتشاف رغبته هو. وهذا المشروع لا يلائم نوع التبادل الذي يقع بين مقدمي الخدمات والزبائن في اقتصاد يُعادَل فيه الوقت بالمال، وحيث يتلقى المرء عددًا معينًا من دقائق الخدمة مقابل عدد معين من الدولارات. وهذا يفسر لماذا يتقاضى اللاكانيون أجرهم على الجلسة، بصرف النظر عن طولها، لا على عدد الدقائق التي تستغرقها. وليس مستغربًا، ربما، أن المحللين الأمريكيين الذين تحدثت إليهم كثيرًا ما يفترضون أن تكلفة كل جلسة لا بد أن تعتمد على طولها.
فالرسوم مرتبطة بالعمل التحليلي الذي ينجح المحلل في حمل المحلَّل على القيام به أثناء الجلسات، ولكن أيضًا في الزمن الفاصل بينها، بافتراض أن المحلل ينجح في وضع لاوعي المحلَّل في موضع العمل، لا بعدد محدد من الدقائق المنقضية أثناء وجودهما في حضرة بعضهما. وليس واضحًا لي ما الذي يجعل فك الارتباط بين الوقت والمال يبدو لبعض الناس تحديدًا، حين يتعلق الأمر بالتحليل النفسي، فكرة لا يمكن تصورها: فهناك، بعد كل شيء، مجالات كثيرة يُدفَع فيها للمرء مقابل إنجاز عمل معين، أو جزء من عمل، بصرف النظر عن الزمن الذي يستغرقه ذلك، سواء كان العمل تدريس صف، أو كتابة أغنية، أو إدارة شركة، أو طهي وجبة، أو إعداد حملة إعلانية، أو تلبيس سن، أو استئصال مرارة، أو تحرير مادة صحفية، أو ترميم منزل، أو غير ذلك كثير. وقد تُنجز مثل هذه الأعمال بسرعة في مناسبات معينة، وببطء مؤلم في مناسبات أخرى، وتتطلب مقادير مختلفة من الإعداد والبحث في حالات مختلفة، وقد تنشأ عقبات غير متوقعة حين لا يتوقعها أحد. وفوق ذلك، ينجز أشخاص مختلفون العمل نفسه في أزمنة متفاوتة على نحو كبير. فما الذي يمنع علاقة الوقت بالمال في التحليل النفسي من أن تخضع لمثل هذه المبادئ المقبولة على نطاق واسع، ويقصرها على النموذج الذي يقترحه أولئك المنتسبون إلى المهنة القانونية الذين يحتسبون أتعابهم على أساس الساعة بدقة؟ أليس ما يُنجز في الجلسة هو الأمر الأول؟
إساءات الاستعمال الباريسية
كم من زلة تقع بين الكأس والشفة.
—مثل
يمكن أن يُنسب إلى الجلسة المتغيرة الطول فضلُ جعل العلاج التحليلي النفسي أكثر ميسورية لكثير من الناس في البلدان التي تُمارَس فيها على نطاق واسع. وبما أن الجلسات مع المحلَّلين الذين أمضوا وقتًا طويلًا في التحليل تكون في كثير من الأحيان أقصر من الساعات المعيارية ذات الـ45 أو الـ50 دقيقة التي يمارسها معظم غير اللاكانيين، فإن اللاكانيين يقدرون غالبًا على رؤية أكثر من محلَّل واحد في الساعة، ومن ثم يتقاضون أجرًا أقل عن الجلسة.
ولأن كل شيء تقريبًا يذهب به بعض الناس إلى حد الإفراط، فقد عُرف عن بعض الممارسين أنهم بالغوا في التقطيع إلى حد صار معه معنى «الجلسة المتغيرة الطول» في عملهم هو دائمًا «الجلسة القصيرة»، فاستمروا في ضغط الزمن المخصص لكل جلسة فردية أكثر فأكثر. وقد قيل أحيانًا إن لاكان نفسه وعددًا من أتباعه البارزين كانوا يرون خمسة عشر محلَّلًا أو أكثر في الساعة، فيضغطون زمن الجلسة إلى حد يصعب معه، على نحو معقول، سردُ أحلام ذات طول معقول والتداعي إليها في الجلسة نفسها. ومع أن هذا النهج يجبر المحلَّل بوضوح على أن يقوم بنصيب الأسد من عمل التداعي والتأويل في الزمن بين الجلسات، ويمكن من الناحية النظرية أن يكون فعالًا مع أناس معينين، فإن من حق المرء أن يتساءل جديًا عن فاعلية ألا يكون في تحليل كامل إلا جلسات مدتها أربع دقائق، حتى مع تكرار يبلغ خمس جلسات أسبوعيًا.
أما في تحليلي الشخصي، فلم أشعر قط بأن أطول الجلسات كانت بالضرورة الأكثر فائدة، بل كنت أجد أحيانًا أن الجلسات القصيرة جدًا هي الأشد إنتاجًا. ومع ذلك فإن مثل هذه الجلسات القصيرة للغاية نادرة نوعًا ما في ممارستي الخاصة؛ وأنا، شأن كثير من اللاكانيين الذين أعرفهم، لا أجد أسبابًا كثيرة تدعوني إلى تقطيع الجلسات منهجيًا بعد بضع دقائق فقط.
المنطق الداخلي للجلسة
إن اللامبالاة التي يقطع بها إنهاء الجلسة بعد انقضاء عدد ثابت من الدقائق لحظاتِ استعجال الذات قد تكون قاتلة للخاتمة التي كان خطابها يندفع نحوها اندفاعًا، وقد تُرسِّخ حتى سوء فهم، إن لم تزود بحجة لحيلة انتقامية.
—Lacan
يمكن فهم كل جلسة على أنها تمتلك منطقها الداخلي الخاص، على نحو من الأنحاء. فقد تعلن المحلَّلة نذيرًا في الكلمات الأولى من الجلسة لا يتضح أو لا يصاغ إلا في آخرها؛ وقد تصف أباها في الدقائق الأولى من الجلسة بأنه «عنيد كالخنزير»، ثم تكرر التعبير نفسه حرفيًا في شأن صديقها بعد خمسة وعشرين دقيقة؛ وقد تعجز عن أن تداعي إلى «المقعد» الذي ظهر قرب الحانة في حلم روته في أول الجلسة، ثم تعود بعد ذلك لتتحدث عن مقدار المتعة التي صارت تجدها في الآونة الأخيرة في تبرزها قبيل حضورها جلساتها مع المحلل، وهكذا.
وتعود الجلسة أحيانًا إلى نقطة البداية، أو تناقض ما بدأت به، أو تنتهي بالبناء الدقيق على خاتمة الجلسة السابقة، أو تنتهي بدحض خاتمة الجلسة السابقة، وهكذا، فتؤسس معالم ومنعطفات في الحركة الجدلية للتحليل. وبهذا المعنى قد تخدم كل جلسة بوصفها فصلًا آخر من قصة بعينها، قصة نادرًا ما تكون خطية في سردها، بل تتحرك أحيانًا من التأكيد القوي على وجهة نظر إلى التأكيد القوي، بالقدر نفسه، على وجهة نظر تكاد تكون نقيضها، لتنتهي مؤقتًا إلى مكان آخر تمامًا، إلى موضع لم يكن يمكن لأحد، سوى الأكثر بصيرة، أن يتوقعه سلفًا. وكل جلسة هنا تؤدي دور مفصل أو وصلة تجمع الأشياء معًا وتأخذها في اتجاهات جديدة في الوقت نفسه. ولكل جلسة نوع من المنطق الداخلي في علاقته بالعمل الذي أُنجز فعلًا في الجلسات السابقة.
وفي الأقسام الآتية سأقدم أمثلة على الكيفية التي تؤدي بها سلسلة معينة من الجلسات دور الوصلات في قصة ما، مبتدئًا أولًا بأمثلة من المراحل المبكرة للتحليل، ثم بأمثلة من نهايات التحليل. وبالنظر إلى مقدار المادة التي قدمها المحلَّلون في كل جلسة، وهي مادة كانت ستملأ صفحات كثيرة، فإنني لا أقدم هنا إلا حسابًا تخطيطيًا لكل جلسة.
المنطق الداخلي للجلسات الأولى
إننا نقول الحقيقة على قدر ما نستطيع، أي جزئيًا. والمشكلة أنها تعرض نفسها كما لو كانت كلًّا. وهنا تكمن الصعوبة: ينبغي أن نُشعر المحلَّل بأن هذه الحقيقة ليست كلًّا، وليست صادقة بالنسبة إلى الجميع، وليست عامة، ولا صالحة للجميع.
—Lacan
تنطوي الجلسات الأولى كثيرًا على نوع من غرس العلامات الفارقة أو الإشارات التمهيدية على طريق حياةٍ كانت تبدو من قبل خالية منها، أو محددة بالأحرى بواسطة وقائع خارجية، أي أحداث «موضوعية» مثل تغيير المدارس، أو الانتقال من بلدة إلى أخرى، أو الزواج، أو الطلاق، وما شابه. فالمحلَّلة الجديدة تمامًا ترى حياتها كثيرًا ما تكون معتمة إلى حد بعيد، وما قد يلفت انتباه المحلل فورًا بوصفه نقاط تحول مهمة في حياتها لم يخطر لها قط أن تنظر إليه بهذه الصفة. وهي ربما تدرك على مستوى ما أنها لم تعد تلك الفتاة المرحة السهلة التي كانتها في سنواتها الأولى، لكنها تبدو عاجزة عن فهم كيف صارت المرأة الجادة التي هي عليها اليوم، والتي لا تعيش إلا للعمل. فهي لا تعرف متى بدأت الأشياء تتغير، ولا لماذا تغيرت. وكثيرًا ما تؤدي الجلسات الأولى ذاتها إلى وصلات مفاجئة، فتقيم روابط بين سلسلة كاملة من المشكلات اللاحقة في الحياة وبين عدة أحداث سابقة محددة لم تُفكَّر فيها قط كثيرًا. وهذا يفضي إلى رسم أولي لتاريخ حياة، حيث لم يكن يبدو من قبل إلا حياة بلا تاريخ؛ على أن التاريخ هنا يعني تسجيل المنعطفات الرمزية الكبرى أو العلامات الفارقة على درب المرء، حتى قبل إمكان إقامة افتراضات عن السبب والنتيجة. وغالبًا ما يستطيع المحلَّل أن يستعيد أنواعًا شتى من «الأحداث الشاردة» من ماضيه، لكنها لم تُربط بعضها ببعض قط؛ ولم تُنسب إحداها إلى الأخرى في تفكيره في حياته، ولم توضع في أي ترتيب زمني، ولم يُفكر فيها من حيث الأنماط أو السببية. وكل ذلك يتغير ما إن يبدأ التحليل. وقد قالت لي إحدى محلَّلاتي بعد جلستين فقط: «أشعر بأن أجزاء مختلفة من حياتي بدأت تتصل، تتصل بوصفها أجزاء مني».
في حالة أحد محلَّليَّ، أعطت اللقاءات التمهيدية القليلة الأولى رسمًا مثيرًا لتاريخه المبكر، لكنها لم تتضمن أدنى ذكر لأي إخوة أو أخوات. وقد روى Al علاقاته بأفراد الجنس الآخر من أول صديقة له في السابعة من عمره إلى شريكته الحالية، وكان أحد شكاواه الأساسية عند بدء تحليله هو افتتانه بأنماط معينة من الأجساد. وكان قد حاول بطرق مختلفة أن يضع حدًا لهذا الافتتان، لكنه كان يعود دائمًا. بل كان واعيًا بأنه واعد بعض النساء لمجرد أنهن يشبهن نساء أخريات كان قد اهتم بهن أو ارتبط بهن، وصرح بأن افتتانه بأنواع معينة من النساء يلامس الجنون، فيدفعه إلى مبالغات مجنونة وإنفاق مبالغ باهظة لرؤيتهن. ووصف حبه لبعض النساء بأنه «إدماني»، مشيرًا إلى أن أباه كان مدمن كحول، وأنه هو نفسه كان يحضر اجتماعات Alcoholics Anonymous سنوات طويلة.
في الجلسة الرابعة، بدأ Al يتحدث عن شيء بدا لي أول الأمر موضوعًا جانبيًا أو تشتيتًا: قريبة بعيدة صارت بالنسبة إليه نوعًا من الأم منذ سنوات، وكانت ابنتها المتبناة قد حاولت استمالته. وفي الجلسة الخامسة أوضح كم كان مؤلمًا له أن يتحدث عن السيناريو الذي حبكه مع الأم والبنت؛ فقد كان يشعر بأنه مدفوع إلى الخروج مع الابنة، وكان يحس أنه كان يحاول أن يصل إلى أمها من خلالها، في سيناريو سفاح قربى كان يخجل منه غير قليل. وكان، في الواقع، قد ظل سنوات بعد ذلك يرى كوابيس تتضمن هذا الثنائي، الأم والبنت.
وفي الجلسة الخامسة أيضًا ذكر لأول مرة أن له أختًا أكبر منه؛ وقد جاء هذا مجرد عرض عابر في سياق محاولات أمه أن تتقرب من معلميه وتستطلعهم وهو يكبر، وهو ما لم تكن تفعله مع معلمي أخته. أما عن علاقته بأخته فلم يقل إلا إنهما كانا يتشاجران كثيرًا في الطفولة، وإنهما بالكاد تحدثا طوال مراهقتهما، لكنهما صارا يتوافقان قليلًا في الآونة الأخيرة. ثم عاد إلى قصته عن شخصية الأم وابنتها. وحتى تلك اللحظة كانت أطوال الجلسات متفاوتة، لكنها كلها طويلة نسبيًا؛ وكنت أنهيها حين يبدو أنه بلغ نهاية سلسلة من القصص أو التداعيات حول جانب معين من حياته.
في الجلسة السادسة، تحدث عن افتتانه الأخير بامرأة رآها تبدو غير واعية بأن جسدها قد يؤثر في أي أحد، وقال إنه لم يستطع «إخراجها من [رأسه]». وناقشنا بعض الأفكار الانتحارية والقتلّية التي بدا أنها منخرطة في مخاوفه من انفجار سيارته، وفي الفكرة التي راودته في نقاط مختلفة من حياته بأن يعزل سائر العالم عن حياته كي لا يفكر في النساء وأجسادهن. وقد قطعت الجلسة عندما قال إنه أدرك أن اهتمامه بعزل نفسه عن الجميع مدفوع برغبة في الابتعاد عن الحياة والجنس.
وفي الجلسة السابعة، تحدث Al مطولًا عن العدوان، مشيرًا إلى أنه أدرك أن في مخاوفه/خيالاته كان يتصور انفجار سيارته لأنها صُدمت من الخلف، كما تحدث عن طرائق مختلفة كان يعبر بها عن عدوانه تجاه النساء. وتحدث أكثر عن أنماط الأجساد التي ينجذب إليها، فسألته أن يصف أمه. وفي البداية تحدث فقط عن شكلها الحالي، فطلبت منه أن يتحدث عن شكلها في وقت أبكر. وأنهيت الجلسة حين قال إنها كانت «ممتلئة ومستديرة»، لأنه كان قد قال في نهاية الجلسة الثالثة إن الأرداف التي ينجذب إليها لها هيئة «فقاعية»، وهي صياغة عاد إليها في الجلسة السادسة.
وفي الجلسة الثامنة، التفت Al مباشرة أكثر إلى موضوع أخته، مشيرًا إلى أنهما، مع أنهما كانا ينسجمان إلى حد ما حتى نقطة معينة، فقد اتخذت علاقتهما منعطفًا إلى الأسوأ في سن السابعة أو الثامنة تقريبًا. لماذا؟ لم يكن يعرف. فقد كانت تتفوق في كل شيء، وكانت أفضل منه في المدرسة، وأمهر في الرياضة، وتهزمه في كل لعبة يلعبانها. وفي نقطة ما زل لسانه فسمّاها «أخاه» بدل «أخته»، فسألته ماذا يفهم من ذلك. هل كانت في ذهنه ذات مسحة ذكورية قليلًا؟ فأقر بأنه كان يفضل أحيانًا لو كان له أخ لا أخت. وأضاف أنه، إلى اليوم، يرفض لعب الألعاب، لأن الألعاب مع أخته كانت تنتهي بأن يصاب بنوبات غضب: «كنت أفقد صوابي». وقد أنهيت الجلسة عند هذا التعبير عن الصراع والتوتر بين Al وأخته التي لم يكن قد ذكرها في البداية.
وفي الجلسة التاسعة، بدأت أهمية أخته تتضح فعلًا: فالافتتانان الأولان اللذان عاشهما كانا بفتاتين تشبهان أخته كثيرًا، كما أن أول صديقة حقيقية له في حدود التاسعة عشرة كانت تشبه أخته إلى حد بعيد. وكان قد أدرك منذ الجلسة السابقة أن «صلة الأخت هي التي [تجعله] يفتتن بالفتاة». وتذكر أنه، في الخامسة عشرة، كتب قصيدة في مدح أخته، وأنه كان يريد أن يعرف صديقاتها ويكون ودودًا معهن. وفي العشرين كتب في يومياته ما يشبه رسالة حب لها، مؤمِّلًا صورتها باستعمال صور دينية تكاد تكون صريحة. وقد قطعت الجلسة عندما ذكر أنه في طفولته كان يحاول أن يستفزها، لكنها كانت تظل باردة وغير عابئة، وهو ما كان يضايقه أكثر ويثيره ويستفزه أكثر.
وفي الجلسة العاشرة، بدأ Al بالحديث عن أنه سمع شيئًا في الشقة المجاورة، فظنه أول الأمر إساءة إلى طفل، ثم أدرك أنه صوت جارته وهي تئن أثناء الممارسة الجنسية. وقد شعر بأنه مضطر إلى الإصغاء ساعات بعد ذلك، مثلما كان يشعر بأنه مضطر إلى الإصغاء إلى شجار والديه في الطفولة: كانا يعلوان في الصراخ أكثر فأكثر إلى أن تنهار أمه وتبكي، وعندها يصير صوتها حادًا وتصبح غير مترابطة. وكان ذلك هو المقابل الذي يجنيه من الإصغاء في نظره: كان لا بد أن يصغي إلى أن تبلغ الأمور تلك النقطة، وهي نقطة لم يكن يفهمها حقًا لكنه كان يشعر بأن أباه هو الذي أوصل أمه إليها، وأن أباه كان قادرًا على أن يفعل بها ذلك. فقلت له: «شيء لم تكن تستطيع أن تفعله بأختك؟» وأنهيت الجلسة عندما قال: «نعم»، وعلى وجهه نظرة دهشة مشلولة، كالغزال في ضوء المصابيح.
وفي الجلسة الحادية عشرة، بدأ بالإشارة إلى أنه أدرك أن شريكته الحالية، على الرغم من أنها تئن أحيانًا مثل المرأة التي سمعها في الشقة المجاورة، لا تترك فيه أي أثر على الإطلاق. وبعد نقاش طويل حول كل ما كان يشعر بأنه مضطر إلى فعله، عاد إلى موضوع نوع الأثر الذي ينطوي عليه ذلك الأنين، وذكر أنه كان يفكر في ما قاله في الجلسة السابقة عن رغبته أحيانًا في أن يثور هو نفسه ويفقد السيطرة أمام الناس، ثم افترض أن ما يبدو أنه يريده ليس أن يكون له ذلك الأثر في امرأة، بل أن يكون لها هي ذلك الأثر فيه. وأنهيت الجلسة عند هذا الحد، من غير أن أحاول الإشارة إلى أن ذلك يوحي بأنه كان قد تماهى مع أمه أثناء شجارات أبويه حين كانت تثور وتفقد السيطرة. وبدا لي أنه لا سبب يدعوني إلى ذلك: لقد كان قادرًا تمام القدرة على استخلاص مثل هذه الخلاصات بنفسه.
وعلى الرغم من أن حسابي هنا شديد التخطيط، وقد حذفت منه بوضوح تفاصيل كثيرة وتطورات جانبية، فأرجو أن يكون قد تبين كيف تُبقي تقطيعات الجلسات تركيز المحلَّل على العمل الجاري من غير أن تحدد اتجاهه تحديدًا تامًا. ففي بعض الأحيان بدت الجلسات كأنها تتناوب في مركز الاهتمام بين أمه وأخته ثم تعود إلى أمه، كما جرى استكشاف وجهات نظر مختلفة من غير أن تتصلب أي واحدة منها: مثلًا، أنه كان يريد أن يحدث في أخته من الأثر ما كان أبوه يحدثه في أمه، أو أنه كان يريد أن يكون مثل أمه تحت رحمة أبيه، أو، كما سيبين الزمن وحده، لا هذا ولا ذاك، أو هذا وذاك معًا، أو مزيجًا من الاثنين.
ومن الواضح أن المحلَّل كان يشعر بحرية في جلب مادة من حياته الحالية وفي الانطلاق نحو طائفة واسعة من الموضوعات. فقد جلب أحلامًا جديدة وكوابيس قديمة وطرح أسئلة، ومع ذلك ظل قادرًا على أن يضع بعض العلامات التمهيدية على طريق حياته وأن يستخلص بعض الصياغات الأولية. ولم تكن هناك حاجة إلى تخصيص وقت منفصل لبناء «تحالف علاجي»؛ فقد تطورت علاقة عمل جيدة طبيعيًا إلى جانب بسطه للمادة. وهذا أمر نموذجي في خبرتي: إذا انتبهت بعناية إلى المادة التي يجلبها المحلَّل، تولت العلاقة أمر نفسها. ولم يبدُ أن Al يحتاج إلى أن تكون كل جلسة بطول الجلسة السابقة نفسها لكي يستقر ويتحدث إليَّ. وقد وجدت الشيء نفسه مع الغالبية العظمى من المرضى، سواء كانوا يعرفون شيئًا عن الجلسة المتغيرة الطول قبل المجيء إلى التحليل أم لا. أما الذين سألوني عن هذه الممارسة فلم يكونوا إلا أولئك الذين عملوا مسبقًا عملًا طويلًا مع معالجين يتشبثون دينيًا بالجلسة الثابتة الطول، ولا أكاد أستطيع أن أتذكر سوى شخص واحد رأيته خلال عشرين سنة من عملي الإكلينيكي تضايق منها.
وفي وقت قصير، صار واضحًا مدى الأهمية التي كانت ولا تزال تضطلع بها أخت Al في حياته الإيروسية، وإن ظل كثير من جوانب هذا الدور بحاجة إلى مزيد من الاستخراج. وبينما كان حديثه الأول عن أمه يركز تقريبًا حصريًا على تدخلها في حياته ودراسته، أمكن الآن رؤية جوانب أخرى من علاقته بها تلوح في الأفق. ومع أنه كان قد وضع التحول في علاقته بأخته أول الأمر عند سن السابعة أو الثامنة وربطه بكونه «فاشلًا» في المدرسة بينما كانت هي «نجمة» الدراسة، فقد كان واضحًا بالفعل أن هذا كان نوعًا من «التاريخ الحاجز»، أي قصة رواها لنفسه سنوات طويلة، لكن الوقائع التي استعادها بعد بضع جلسات فقط من التحليل كانت تكذبها. والواقع أن التحول في علاقته بأخته كان قد وقع قبل ذلك بسنتين على الأقل، رغم أنه لم يكن يعرف لماذا. وكانت أبواب كثيرة قد انفتحت الآن، وأسئلة كثيرة جدًا قد وُضعت بالفعل على الطاولة، وكان Al متشوقًا إلى المضي أبعد.
ويجب أن يكون واضحًا أن الجلسات الأولى من التحليل لا تهدف إلى «إصلاح» شيء، بل قد تؤدي فعلًا، كما أشار لاكان، إلى تبلور الأعراض أو تنظّمها. فأهم أهداف الجلسات الأولى هي إثارة فضول المحلَّل، ووضع المحلَّل، ولا سيما لاوعيه، في موضع العمل، وتشجيعه على أن يرسم صورة أولية لحياته. ومع أن لهذه الجلسات الأولى قد يكون أثر نافع على بعض أنواع الأعراض التي يشكو منها المحلَّلون حين يأتون أول مرة إلى التحليل، كالاكتئاب، وانعدام الطاقة، والقلق، فقد يكون لها أيضًا أثر معاكس، بقدر ما تُسحب إلى العلن بعض المشكلات التي كانت مكنوسة تحت السجادة. وليس أمام المحلل إلا أن يأمل أن يجد المحلَّل في العلاقة الليبيدية الفريدة مع المحلل، وفي نوع العمل غير المعلن الذي يؤديانه معًا، ما يكفي لتحمل تفاقم الأعراض الذي يقع أحيانًا.
المنطق الداخلي للجلسات المتأخرة
تُظهر الحقيقة نفسها في تعاقب أشياء متعارضة تعارضًا صارمًا، أشياء ينبغي أن تُجعل تدور بعضها حول بعض.
—Lacan
دعوني الآن أنتقل إلى مثال لما قد تبدو عليه سلسلة من التقطيعات في المراحل المتأخرة من التحليل، في هذه الحالة، تحليل شابة كانت قد أمضت سنوات طويلة في التحليل. ومن غير الدخول في كثير من التفاصيل عن تاريخها المعقد الصاخب، أستطيع أن أقول بأمان إن معظم عمل التحليل دار حول محاولاتها أن تنفصل عن أم كانت منغمسة فيها انغماسًا مرضيًا، وأن تصير امرأة قائمة بنفسها. وكانت الأم على الأرجح ذهانية، وكانت، تحت قناع أنقى الحب الأمومي، مملوءة حقدًا وغضبًا تجاه ابنتها التي كان رجال الأسرة يدللونها ويفضلونها عليها بوضوح لا يخطئ.
ومع أن جوانب كثيرة من العلاقة بالأم كان قد جرى العمل عليها ببطء طوال التحليل، فإن المحلَّلة، التي سأشير إليها باسم Zee، ظلت في نهاية تحليلها متورطة معها إلى حد ما على نحو كانت تجده لا يطاق، وظلت تحاول أن تفهم لماذا. فقد كانت أمها قد أوحت إليها بأنه لا مكان لها في العالم، ولا سيما بصفتها امرأة يمكنها أن تستمتع بأن يعشقها رجل وتسلم نفسها له، وذلك عبر نقد لاذع لها، وخاصة كلما أبدت أي اهتمام برجل يبدي اهتمامًا بها. وكانت Zee تسأل نفسها لماذا أطاعت رغبات أمها، وأخفت استياءها، وتظاهرت بألا ترى ما كان جليًا تمامًا: أن أمها كانت شديدة الغيرة منها.
وأدركت Zee في النهاية أن خوفًا قديمًا كان يسكنها من أن «تفقد أمها صوابها» بسبب شيء تفعله هو في الحقيقة «أعظم خيال» لديها: أن ترى أمها تتهاوى، وأن تراقبها وهي تتحول إلى غبار. وتسألت: هل هذا هو ما تحتاج إلى فعله لكي تُنهي تحليلها، أي أن تدمر أمها؟ وهل كانت، كما تساءلت، تحتاج إلى أن تختزلها بالكلام إلى ركام؟ وماذا عن الغفران إذًا: «ما الشيء الذي لم أغفره لها؟» هكذا سألت.
وفي الجلسة التالية تساءلت Zee لماذا تظاهرت بألا ترى غيرة أمها. أكان ذلك لأنها هي نفسها كانت تريد أن تكون غاضبة، بحيث لو اعترفت بغيرة أمها لما عاد في وسعها أن تبرر غضبها منها؟ وبدا لها كما لو أنها اختارت أن تكون غاضبة، كما لو أن الغضب هو أثمن ما لديها، الجزء الذي ترتبط به أكثر من سواه. وقد قطعت الجلسة عند تلك النقطة، إذ كان واضحًا منذ وقت طويل أنها كانت تستمد «تمتعها» الرئيسي في الحياة، أي jouissance الأساسية لديها، من الغليان في الغضب والضغينة.
وفي الجلسة التالية قدمت صياغة لم تكن هي نفسها تفهمها تمامًا، لكنها مع ذلك شعرت بصدقها حين خطرت لها: لقد تبنت استراتيجية عدم الوجود لكي توقف وجود أمها. وكانت قد شعرت منذ سن مبكرة بأن أمها لا تبلغ تمام وجودها إلا حين تكون منهمكة، بعنف وشغف، في نقد ابنتها؛ ولذلك اختارت Zee أن تمنح أمها أقل عدد ممكن من الفرص لانتقادها عبر الاختفاء تقريبًا. كانت Zee قد قيّدت نفسها، وقيّدت كثيرًا جدًا من أنشطتها في الحياة، كي لا تترك نفسها عرضة للنقد. وكانت تخنق نفسها نكاية بأمها، وتعصر الحياة من نفسها لكي ترد لها الصاع، وتحرمها من jouissance عنيفة على نحو لا تخطئه العين، كانت أمها تعيش عليها بوضوح. وأنهيت الجلسة بعد هذا النقاش عن إماتة Zee لذاتها وإحراقها لنفسها.
وفي الجلسة التالية ربطت Zee بعض هذه النقاط بالأعراض التي كانت قد كافحت معها خلال كثير من مراحل التحليل، لكنها بدأت تخف في الآونة الأخيرة؛ وفي الجلسة التي بعدها قالت إن رؤية أمها بوصفها غيورة أمر يمنحها قوة. فقد أقنعتها أمها منذ كانت طفلة صغيرة بأنهما ضحيتان، وأنهما عاجزتان قياسًا إلى الجميع، ولم يُترك لـZee إلا أن تحلم بأن يكون لها سلطان على الآخرين، وهو شيء لم تشعر قط بأنها تملكه. وفجأة شعرت أن هذا لم يعد صحيحًا! فأوقفت الجلسة بعد ذلك الإعلان.
وفي الجلسة التالية كررت Zee أن جعل أمها «تفقد صوابها» هو أثير خيالها، لكن شيئًا ما كان يمنعها من تنفيذه: هل السبب أنها لا تعرف أنها امرأة إلا إذا كانت أمها تتألم؟ وإذا أُخرجت أمها من شقائها، أي دُمِّرت، فماذا بعد؟ وإذا لم تعد أمها موجودة لكي تكرهها، فكيف يمكنها أن تعرف أنها جديرة بالغيرة، أي جديرة فعلًا باهتمام الرجال؟ وقد قطعت الجلسة عندما تساءلت هل إن إحساسها بنفسها امرأة هش إلى هذا الحد، بحيث تحتاج إلى بقاء أمها على قيد الحياة ولا تستطيع حتى أن تسمح لنفسها بتخيل أمها مدمرةً تدميرًا تامًا.
وفي الجلسة التي تلتها قالت إنها تعتقد أنها كانت تمنع نفسها من إغضاب أمها لكي تغضبها على نحو أضمن. ولم تكن واثقة تمامًا من كيف فعلت ذلك، لكنها كانت تشتبه منذ زمن بعيد في أن أعظم متعة لدى أمها في الحياة هي الشكوى وسحق ابنتها. فحين كانت Zee ترد عليها، كانت أمها تثور أكثر وتستمتع بذلك على نحو ظاهر أكثر. ولم يكن بوسع Zee أن تحرم أمها من شيء إلا بعدم الرد عليها. وعندما عادت بذاكرتها إلى الوقت الذي استعادت فيه أمها حضانتها بعد غياب سنوات، تساءلت لماذا سمحت لنفسها أن تُجرّ إلى لعبة أمها، مع أنها لم تفعل شيئًا من هذا القبيل مع نساء أخريات. وخطر لها أنها إذا كانت قد سمحت لنفسها بأن تُستدرج، فلأجل أن تؤذي أمها: فقد كانت Zee، في الواقع، قد استدرجت أمها. وأنهيت الجلسة عندما افترضت أن المقصود ليس تدمير أمها أو رميها في الحضيض، بل مجرد اختيار شيء آخر، شيء خارج أمها.
وفي الجلسة التالية روت حلمًا حاولت فيه أمها أن تغرزها بأسياخ من النوع المستخدم في شوي الدجاج؛ لكن Zee، بدل أن تستدرجها أو تتشاجر معها، غادرت المكان ببساطة وألقت الأمر كله وراءها. وانتهت هذه الجلسة القصيرة جدًا حين علقت بأن هذا بالضبط هو ما كانت تود أن تفعله، لكنها لم تفعله من قبل.
«ما جدوى الرد بالمثل؟» هكذا سألت Zee في الجلسة التالية. كانت تطلب العدالة، وتريد أن تدفع أمها ثمن سلوكها المروع، لكن إرادة قتل أمها كانت تعني البقاء متورطة معها كما من قبل، متشابكة بها. أما ما أرادته الآن بدلًا من ذلك فكان أن توجد ببساطة، وأن تكون نفسها، وأن تقول الحقيقة. وكانت ستخدم العدالة أفضل خدمة بمجرد أن توجد، بأن تدع نفسها تكون.
وهذا الوصف القصير لسلسلة من الجلسات في نهاية التحليل، على ما فيه من اختصار واقتلاع من السياق، يعطي، آمل، إحساسًا بالطريقة التي تبني بها كل جلسة على الجلسات السابقة، لا بالطريقة التي نضع بها لبنة فوق أخرى في أشكال البناء المعتادة، لأن بعض الجلسات يهدم اللبنة التي وضعتها جلسة سابقة أو يخلخلها، بل باتباع منطق غير خطي، جدلي، يتأرجح أحيانًا ذهابًا وإيابًا بين طرفين متقابلين حتى تعثر المحلَّلة على طريقها الخاص.
وقد أتاحت التقطيعات أن يُنقَّط كل تحرك مخصوص، في أفضل الحالات، في اللحظة الدقيقة لأتم تعبير عنه وأشدها تأكيدًا، بدل أن يُدفن تحت «حشو»، أي مادة لم تكن بالضرورة حاسمة في تقدم المحلَّلة عند تلك المرحلة من العمل. ولم تزد مدة أي جلسة من الجلسات الملخصة هنا على 25 دقيقة، وربما كانت بعضُها أقرب إلى عشر دقائق. فهل كان يمكن إنجاز مزيد من هذه الحركات في يوم واحد لو استخدمت جلسةً مدتها 50 دقيقة؟ أشك في ذلك بإخلاص: فكل جلسة كانت تحتوي بالفعل على لبِّ ساعات من العمل الذي كانت المحلَّلة قد أنجزته، في الحلم والتداعي، بين جلسة وأخرى، علمًا بأن الفواصل بين الجلسات لم تكن تتجاوز يومًا أو يومين. وكانت هذه المحلَّلة بعينها تعمل خارج الجلسات أكثر من بعض المحلَّلين الآخرين، إذ كانت تؤدي الجزء الأكبر من العمل في الزمن الفاصل بين الجلسات، لكنها بالكاد كانت غير نموذجية تمامًا من هذه الناحية. ولم تكن جلساتها كلها مُفكَّرًا فيها سلفًا، وكنت أواصل تنقيط عناصر من أحلامها وأسأل عنها مما لم تكن قد داعت إليه بعد. ومع ذلك، ففي هذه المرحلة من تحليلها لم أكن بحاجة إلى أكثر من التنقيط والتقطيع، فقد كانت أكثر من قادرة على التأويل بنفسها.
وبما أن المحلَّلين يشعرون كثيرًا بأنهم ملزمون بالكلام طوال المدة الكاملة لجلساتهم الثابتة الطول، فإنهم يُساقون، على نحو ما، إلى البحث عن «الحشو»: فقد يكونون واعين تمامًا بأن العمل المهم في الجلسة هو الحلم الذي رأوه في الليلة الماضية والذي التقط الموضوع الدقيق الذي كانوا يتحدثون عنه في الجلسة السابقة، لكنهم قد يظنون أيضًا أن مناقشة ذلك لن تستغرق سوى عشر أو خمس عشرة دقيقة. ومن ثم يُساقون إلى «تبطين» الجلسة بثلاثين دقيقة أو أكثر من تفاصيل الحياة اليومية أو الأفكار التي خطرت لهم، وهي أمور يرونها أقل أهمية، لمجرد أن يتمكنوا من ملء الوقت و«الحصول على قيمة ما دفعوه». بل إن من الاستراتيجيات الشائعة لدى المحلَّلين أن «يتركوا أفضل ما عندهم إلى النهاية»؛ فهم أيضًا يدركون، على مستوى ما، أن ما يسمعون أنفسهم يقولونه أخيرًا هو ما يُرجَّح أن يثبت فيهم أكثر.
وبما أن المحلَّلين الذين لديهم جلسات متغيرة الطول لا يعرفون متى ستنتهي الجلسة، فإنهم يميلون أكثر إلى طرح ما يعدونه الأهم منذ البداية، خوفًا من ألا تسنح لهم فرصة لإثارته لاحقًا. وهذا يساعد على مقاومة ما سأشير إليه، مازحًا قليلًا، باسم قانون باركنسون كما يطبق على الجلسات التحليلية النفسية: «تميل مادة الجلسة إلى التمدد لتملأ الزمن المتاح.»
وفي نهاية الفصل 3، اقترحت أننا قد نفكر في المحلل بوصفه فنانًا أو موسيقيًا يُخرج، بأسئلته وتنقيطاته، شيئًا موجودًا، من وجه ما، في خطاب المحلَّلة أصلًا، ينتظر أن يُسمع: رغبتها، التي قد تكون مدفونة أو خامدة. أما التقطيع فيستدعي إلى الذهن استعارة مختلفة بعض الشيء، وإن كانت ربما إشكالية: فقد قيل أحيانًا إن Michelangelo لم يفعل سوى أن حرر David من الرخام الذي قُطع منه، وإن النحات لا يفعل إلا أن ينحت الأجزاء من كتلة الحجر التي تحجب رؤيتنا للشكل القابع في الداخل. وقد يكون من المفيد لبعض الناس أن يتصوروا كل تقطيع على أنه إزالة مقدار صغير من الحجر؛ ففي أغلب الأحيان لا يفعل المحلل إلا أن يزيل أجزاء صغيرة جدًا في كل مرة، لكنه قد يبلغ أحيانًا العمق النهائي، البعد النهائي للشكل، في موضع واحد، ثم لا يلبث أن يقترب من الموضع نفسه في الشكل النهائي من اتجاه مختلف تمامًا، مقتربًا شيئًا فشيئًا من كل نقطة على سطح الشكل النهائي من اتجاهات متعددة. وهذا يفترض، بطبيعة الحال، أن هناك شكلًا نهائيًا مقدرًا سلفًا، مع أن المرء بالكاد ينال هذا الانطباع في بداية التحليل؛ ولكن هل يكون لدى النحات حقًا «شكل» نهائي في ذهنه حين يبدأ النحت؟
التقطيع والجدولة
لا يعرف المرء ذلك إلا بعد وقوعه.
—Lacan
كثيرًا ما أُسأل كيف يمكن جدولة المرضى حين يمارس المرء الجلسة المتغيرة الطول. ومن الواضح أنه إذا تركت فسحة كافية لأطول جلسة يمكن أن تتخيلها فلن تصادف تعارضات في الجدولة. ومع ذلك يجد الممارسون عادة أن معظم الجلسات التي يجرونها مع محلَّل بعينه تقع ضمن مدى معين. ويمكنهم عندئذ أن يأخذوا المتوسط، ويضيفوا إليه وقتًا لتدوين الملاحظات ووقفة قصيرة، ثم يحددوا الجدول على هذا الأساس، على افتراض أنه إذا طالت جلسة أكثر من المتوسط مع محلَّل واحد، فقد تقصر عن المتوسط مع التالي، فيتوازن كل شيء. وقد يعني هذا أن المحلَّلين ينتظرون أحيانًا عشر دقائق أو أكثر قبل أن تبدأ جلساتهم، لكن مثل هذا الانتظار لا يبدو غير معقول. وهذه مجرد طريقة أخرى يمكن بها فصل العمل التحليلي، في ذهن المحلَّل، عن الممارسات التجارية الأمريكية الأكثر شيوعًا، حيث يعد التأخر عشر دقائق في الغالب سلوكًا سيئًا جدًا.
وأورد في فصول لاحقة عددًا غير قليل من أمثلة إضافية على التقطيعات التي استخدمتها في ممارستي، في سياق أوصاف للعمل مع الأحلام، وأحلام اليقظة، والخيالات، والتحويل، وما إلى ذلك.
5
التأويل
كثيرًا ما يخالجنا الانطباع، إذا استعرنا كلمات Polonius، بأن طُعمنا من الكذب قد اصطاد شبوطًا من الحقيقة.
—Freud
إنه ينطلق من كلمات الذات نفسها لكي يعود إليها، وهذا يعني أن التأويل لا يمكن أن يكون دقيقًا إلا بكونه... تأويلًا.
—Lacan
قبل أن يأتي معظمنا إلى التحليل النفسي، لعلنا نعد، على نحو حدسي، أن غاية التأويل هي الدقة. ولا شك أنه يمكن، في بعض ميادين النشاط الإنساني، إقامة حجة قوية على أن الدقة من المعايير الأساسية للتأويل الجيد. غير أن قليلًا من المحللين النفسيين أو المحلَّلين الذين مضت لهم سنوات عدة في العلاج سيفاجؤون بفكرة أن التأويل، في الوضع التحليلي، لا يستهدف الدقة بقدر ما يستهدف إحداث نوع معين من الأثر.
وفي المجال الإنساني، يبرز من أول الأسئلة: بالنسبة إلى من نفترض أن التأويل يبدو دقيقًا أو صادقًا؟ والجواب العفوي المرجح هو أن التأويل لا بد أن يبدو دقيقًا للمحلَّل. غير أن معظم المحلَّلين يستطيعون على الأرجح أن يتذكروا تأويلات قالها لهم محللوهم وبدت لهم في البداية مجانبة للصواب، ثم بدت لهم لاحقًا صادقة جدًا، أحيانًا بعد زمن طويل. كما يستطيع معظم المحلَّلين على الأرجح أن يتذكروا تأويلات انتهوا إليها هم أنفسهم، أو قالها لهم محللوهم، وأثرت فيهم كثيرًا آنذاك، لكنها بدت لهم لاحقًا سطحية أو ناقصة أو بعيدة عن الهدف. ومن ثم، إذا كنا سنتبنى معيار أن التأويل ينبغي أن يبدو دقيقًا للمحلَّل، فلا بد أن نضيف إلى الصياغة عبارة «عاجلًا أم آجلًا».
ومع ذلك قد يدرك بعض المحلَّلين، في حالات معينة، أنهم كانوا في وقت ما مستعدين، بل مسرورين، لاعتناق تأويلات محددة لأنها كانت تدعم تصورات عزيزة كانوا يحملونها عن أنفسهم. ثم يبدأون، في مراحل لاحقة من التحليل، في مساءلة تلك التصورات العزيزة، فيجدون أن تلك التأويلات تفتقر إلى القيمة الصدقية. وفي مثل هذه الحالات، حتى الإحساس الأولي لدى المحلَّل بأن التأويل أصاب الحقيقة يتزعزع بعد فوات الأوان.
الحقيقة دائمًا في مكان آخر
لا توجد حقيقة لا تُقال إلا على نحو نصفي، مثل الذات التي تجلبها معها. ولكي أعبر عنها كما قلتها من قبل، لا يمكن للحقيقة إلا أن تُقال أنصافًا.
—Lacan
تبدو الحقيقة، في نظر المحلَّل، أقل من أن تكون ثابتة. فعندما يقول شيئًا في جلسة ما يشعر أنه يعكس حياته أو علاقاته أو طريقته في الوجود بصدق، قد لا تبدو له تلك «الحقيقة» بعينها في الجلسة التالية صادقةً إلى ذلك الحد، أو لافتةً إلى ذلك الحد، أو مصيبة للهدف إلى ذلك الحد. ومن جهة أخرى قد تظل بعض العبارات، سواء قالها هو أو قالها المحلل، تبدو صحيحة على نحو مطلق مددًا طويلة، فتغدو عتبات ومنعطفات و«روابط زرية» أو علامات كبرى على طريق تحليله؛ بل قد يرى الجلسات التي قيلت فيها تلك العبارات لحظات حاسمة للتغير لعقود تالية. لكن عبارات أخرى كثيرة قد تُرى على أنها غير صحيحة إطلاقًا بعد وقت قصير من قولها، ثم تُرى ربما على أنها صادقة جزئيًا وكاذبة جزئيًا، ثم تُستبدل كليًا في طريقة جديدة تمامًا في رؤية الأشياء.
وللحقيقة زمنيتها العجيبة في التحليل النفسي. فالمحلَّل يشعر أحيانًا، لحظة قوله شيئًا ما، بأنه يقول شيئًا أساسيًا على نحو مطلق، لكن ما إن تُصاغ تلك الحقيقة حتى قد لا يعود لها لديه وزن الحقيقة نفسه. وربما كان الأكثر شيوعًا أنه لا يشعر بأثر ما قاله إلا بعد ذلك: ففي خبرتي كثيرًا ما يعلق المحلَّلون، في جلسة ما، على مقدار ما أثر فيهم بعد الجلسة السابقة شيء قيل في تلك الجلسة السابقة. لكن الاقتناع الذاتي بأهميته خلال الفاصل بين الجلستين يُفقد في الغالب بحلول الجلسة اللاحقة، حتى إنهم يشعرون أحيانًا بأنهم لم يعودوا قادرين على تفسير ما الذي جعله يبدو لافتًا وذي صلة إلى هذا الحد.
الحقيقة، كما يختبرها المحلَّل في السياق التحليلي، تتعلق بما يبقى أن يُقال، بما لم يُقل بعد. فما قيل بالفعل يبدو في كثير من الأحيان فارغًا، بينما ما يُقال الآن لأول مرة هو ما يملك القدرة على زعزعة الأمور، وهو ما يبدو مهمًا وصادقًا. وبالنسبة إلى المحلَّل، الحقيقة دائمًا في مكان آخر: أمامه، لم تُعثر عليها بعد.
وبقدر ما تتعلق بـ«ما يبقى أن يُقال»، فإن الحقيقة في التحليل النفسي تتصل بخبرة ترميز ما لم يُوضَع في كلمات من قبل. ومع لاكان، أشير إلى «ما لم يُوضَع في كلمات من قبل» باسم «الواقعي». ومن ثم، يسعى تأويل المحلل، على مستوى واحد على الأقل، إلى إلهام المحلَّل أو استفزازه لكي ينخرط في عملية الترميز، أي أن يضع في كلمات ما لم يسبق أن وُضع في كلمات. فالتأويل يستهدف إصابة الواقعي؛ وأستخدم هنا لفظ «الإصابة» للدلالة على أن ما ينبغي وضعه في كلمات قد لا يكون سهل المنال، وقد يتطلب أكثر من مجرد نخسة أو سؤال، وربما شيئًا أقرب إلى الصدمة. والفكرة هنا ليست أن التأويل ينبغي أن يقع على أذن المحلَّل كصاعقة من السماء، إذ الأفضل، كما أوصى فرويد، أن ننتظر حتى يكون المحلَّل على بعد خطوة قصيرة واحدة من شيء ما فيغدو مستعدًا لسماعه، بل إن المقصود هو أن التأويل ليس مضطرًا، وأحيانًا يجب ألا، ينسجم انسجامًا ناعمًا مع ما قيل حتى تلك النقطة. فكثيرًا ما يجب أن يفاجئ أو يحير أو يربك المحلَّل. وعنصر المفاجأة قد يكون مهمًا جدًا هنا: فالتأويلات الأشد وقعًا نادرًا ما تكون مما يتوقعه المحلَّل، زمنيًا أو مفهوميًا.
ويجب أن يكون واضحًا أن «الحقيقة»، كما أستخدمها هنا، ليست خاصية للعبارات بقدر ما هي علاقة بالواقعي؛ فإصابة الحقيقة تعني الوقوع على شيء لم يكن قد صيغ في كلمات من قبل، واستدعاءه إلى الكلام، مهما كان ذلك في البداية متلعثمًا أو غير كافٍ. ففي الأثر الذي يستطيع الكلام أن يحدثه في الواقعي تكمن قوة التحليل النفسي. فالواقعي، إذا تُرك وشأنه، لا يتغير بمرور الزمن؛ إنه، مثل تجربة حرب رضية، يستمر ويعود بإلحاح في الكوابيس أو حتى في حياة اليقظة. ولا يبدأ المرء بتغيير موقعه منه إلا بترميزه في كلمات، وكثيرًا ما يجب أن يُصاغ عددًا من المرات بطرائق مختلفة.
فإذا كان ثمة معيار للدقة أو الحقيقة في التحليل النفسي يتجاوز الإحساس الذاتي لدى المحلَّل، عاجلًا أم آجلًا، بأن شيئًا قاله هو أو قاله المحلل صحيح، فما هو إن لم يكن التغيرات التي تقع فعليًا للمحلَّل: اختفاء الكوابيس المتكررة والأعراض القائمة من قبل، والقدرة على فعل أشياء كان عاجزًا عن فعلها سابقًا؟ إن مثل هذه التغيرات لا تحدث، كما تقول الحكمة الرائجة الآن، لأن المحلَّل العصابي قد وجد طريقة جديدة للارتباط بالناس على مثال العلاقة «الأكمل» التي تمكن من بنائها مع المحلل، أو لأنه تراجع ثم أعاد المحلل تربيته أبويًا، أو لأنه تعلم أن يقلد المحلل في وضع حدود ثابتة لنفسه في حياته اليومية. بل إنها تحدث لأن الواقعي قد تحول: فما كان لاشعوريًا لم يصبح واعيًا فحسب، بل تبدل تبدلًا جذريًا. وليس من الضروري أن يكون المحلَّل قادرًا على أن يصوغ بوعي تام ما الذي كان لاشعوريًا تحديدًا، أو ما الذي قيل بالتحديد فأحدث التغير، لكنه يعرف أنه لم يعد كما كان من قبل.
قال لي أحد محلَّليَّ إنه لاحظ أنه لم يعد يضغط كثيرًا على الطباشير وهو يكتب على السبورة حتى تنكسر، وهو شيء كان دأب عليه لبعض الوقت عندما يقف أمام صفه. ويبدو أن هذا التغير وقع بعد أن أعدت ترتيب بعض كلماته، فقلت شيئًا مثل pressure at the board. ولم يكن قد أعطى عبارتي أي اهتمام في حينها، لكنه أدرك بعد أسبوعين تقريبًا أنه لم يعد يكسر الطباشير، مع أنه لم يبذل جهدًا خاصًا ليخفف الضغط ولم يكن يعرف لماذا توقف. وعلى الرغم من أن هذا مجرد عرض دقيق للغاية، فإنه يشير إلى أن المحلَّل لا يحتاج حتى إلى أن يصبح واعيًا بما كان لاشعوريًا لكي يختفي العرض، ما دام قدر كافٍ منه قد جرى التلفظ به من قبل المحلل، أو المحلَّل، أو كلاهما معًا وهما يبنيان أحدهما على كلمات الآخر.
ومع ذلك خلص كثير من المحللين إلى أن الغاية الأساسية من التحليل هي تعليم المحلَّل أن يراقب نفسه بالطريقة نفسها التي يراقبه بها المحلل أثناء العلاج. والفكرة هنا، فيما يبدو، أن المحلل حين يلفت المحلَّل إلى نمط سلوكي يمارسه على نحو لاشعوري، يستطيع المحلَّل أن يتعلم أن يحاول إيقاف نفسه بوعي عن ممارسته. ومن هنا الأهمية التي يوليها مثل هؤلاء المحللين لما يسمونه «الأنا المراقِبة» لدى المحلَّل. وقد بدا لي هذا دائمًا بديلًا فقيرًا من التغير الحقيقي: فلو لم يقدم التحليل أكثر من إمكان أن يتعلم المرء أن يراقب نفسه على نحو دائم وأن يكبح بوعي نزواته الخاصة، لصعب حشد كثير من الحماسة لفوائده.
ومع أن تعزيز «الأنا المراقِبة» قد تكون له بعض القيمة في علاج الذهانيين، فإنه يأتي بنتائج عكسية تمامًا في علاج العصابيين، لأنه يؤدي إلى مزيد من اغتراب الذات العصابية. وإذا أُجري التحليل على النحو الصحيح، أمكن له أن يساعد على إزالة إغراء الانخراط في بعض الأنماط السلوكية إزالة فعلية.
وكثير من المحلَّلين الذين دخلوا التحليل معي بعد عملهم مع ممارسين يتبعون المقاربات السائدة الحالية كانت لديهم الشكوى نفسها، وقد عُبِّر عنها في الجلسات الأولى على النحو التالي: «أنا أعرف الآن ما الذي أفعله، لكنني أجد صعوبة كبيرة في أن أوقف نفسي». ويبدو أثر تلك المقاربات العلاجية واضحًا جدًا في هذه الشكوى: فعلى الرغم من ترسيخ أنا مراقِبة لدى المحلَّل، ظل الواقعي، أو الدافع، أو المكبوت الذي يحرك السلوك، سليمًا لم يُمس.
إن غاية التأويل في كثير من المقاربات السائدة هي لفت انتباه المحلَّل إلى نمط لاشعوري، أملًا في أن يتيح له ذلك أن «يضبط نفسه متلبسًا» مستقبلًا ويوقفها قبل أن يكرر النمط كله. وفي هذه المقاربات يُصمَّم التأويل في الغالب لكي ينقل إلى المحلَّل معلومة بسيطة مباشرة. ويتجنب المحلل الصياغة الملتبسة، لأن المقصود هو إقناع المحلَّل بشيء ما، وجعله يرى شيئًا كما يراه المحلل بدقة، بل وتشجيعه على تضمين وجهة نظر المحلل أو استبطانها أو تمثلها. وفي مثل هذه التأويلات تُمنح الأولوية للمعنى. فالهدف هو نقل معنى، مثل الرابطة التي يعتقد المحلل بوجودها بين علاقة المحلَّل بأخيه الأكبر وعلاقته السابقة بأبيه، بطريقة تجعل المحلَّل يفهمها كما يفهمها المحلل بالضبط.
الأثر في مقابل المعنى
التأويل تلفظ بلا ملفوظ.
—Lacan
من الخطأ أن نظن أن التحليل يبلغ خاتمة ناجحة لأن المحلَّل يعي شيئًا ما على نحو شعوري.... فما هو على المحك ليس انتقالًا من مستوى لاشعوري غارق في الظلمة إلى مستوى شعوري هو مقر الوضوح عبر مصعد غامض.... ليس ما هو على المحك، في الحقيقة، انتقالًا إلى الوعي، بل انتقالًا إلى الكلام... وهذا الكلام لا بد أن يسمعه أحد.
—Lacan
هل تستطيع التأويلات التي تُمنح فيها الأولوية للمعنى أن تصيب الواقعي؟ وهل يمكن أن يكون لها أثر في اللاوعي؟ في الوضع التحليلي، كثيرًا ما تُسكت التأويلات التي ترمي إلى تثبيت معنى واحد واضح ومحدد المحلَّل، بمعنى ما، فتعطل خطابه وتوقف تدفق تداعياته. ومثل هذه التأويلات قد تعاني الابتذال ولا تستحق مزيدًا من التعليق، إذ تغلق الأبواب بدل أن تفتحها. وكلما بدت للمحلَّل أكثر إقناعًا، زاد احتمال تعلقها بأمور كان قد اكتشفها أو فكر فيها هو في الواقع من قبل. وحتى إذا كانت جديدة عليه، فالأرجح أنه سيتشبث بالأفكار المعبر عنها فيها ويدمجها في طريقته في التفكير في نفسه بدل أن يذهب بها أبعد. وبكلمة واحدة، يمكن القول إن تفكير المحلَّل يعاود التبلور حول التأويلات السهلة القبض، بينما الهدف من العمل التحليلي النفسي مع العصابيين هو إحباط مثل هذه التبلورات.
فالعصابي يأتي إلى التحليل، في كثير من الأحيان، وهو محمل بأنواع شتى من الفهوم الجاهزة لوضعه، وهي فهمات تعوق قدرته على رؤية ما يسهم به هو في ذلك الوضع وما مصلحته الحقيقية فيه. وليس الهدف أن يحمل المحللُ العصابيَّ على استبدال فهمه هو بفهم المحلل، بل أن يحمله على أن يغدو شكاكًا في جميع المعاني والفهوم بقدر ما تشارك في التبرير العقلي والخيال. فإذا كان سعيدًا بأن يرى الأمور على نحو معين، فالأرجح أن له مصلحة في رؤيتها بذلك الشكل، لأن هذه الرؤية تسند صورة معينة يحملها عن نفسه، إيجابية كانت أم سلبية. وشاغل المحللة هنا هو التشديد على جزئية تلك الصورة، أي على الدرجة التي تشمل بها جزءًا من نفسه فقط. وليس شاغلها أن تقدم معنى جديدًا لمأزقه، بل أن تفكك المعاني التي يميل إلى نسبتها إليه وتبسطها وتنشرها. فإذا قدمت له معنى جديدًا، فالأرجح أنه سيتمسك به ويتوقف عن التفكير لنفسه؛ ولئن كان هذا قد يكون معقولًا في بعض الظروف اليائسة التي يكون فيها المحلَّل قد بلغ آخر الحبل ويفكر في فعل طائش، فإنه لا يساعد البتة على دفع حدود أناه إلى استيعاب مزيد من مكبوتاته.
إن التأويل الذي ينقل معنى يمكن فهمه بسهولة ليس، بالمعنى الدقيق، تأويلًا تحليليًا نفسيًا. بل هو، بالأحرى، بمثابة إيحاء. فالقصد من التأويل التحليلي النفسي، مثل قصد كثير من التقنيات التحليلية النفسية الأخرى التي ذكرتها في الفصول السابقة، ليس إعطاء المحلَّل معنى محددًا يتمسك به، بل وضعه في موضع العمل. فالسؤال والتنقيط والتقطيع كلها مصممة لاستنطاق المعاني الكامنة في خطاب المحلَّل وبسطها، بل وتفجيرها أحيانًا، ودفعه إلى أن يسعى إلى وضع ما لم يقله من قبل في كلمات.
المعنى والقوة الخبيثة للإيحاء
لا يمكن للتأويل أن يقدم أي معنى كيفما اتفق.
—Lacan
التأويل التحليلي ليس مصممًا لكي يُفهَم؛ بل هو مصمم لكي يُحدث تموجات.
—Lacan
ينبغي فهم التأويلات التي تقدم معنى واحدًا يسهل القبض عليه بوصفها إيحاءات، لأنها تعرض طريقة محددة للتفكير أو لرؤية الأشياء. فإذا كان لدى المحلَّل قدر كبير من الإيمان بالمحلل، فإنه سيأخذ المعاني التي تنقلها تأويلاته على محمل الجد جدًا، مما سيعزز موقع تبعيته له. وقد لوحظ في الأيام الأولى للعلاج التنويمي القائم على الإيحاء أن المرضى كانوا يحتاجون إلى العودة مرارًا إلى الطبيب لكي يجدد لهم إيحاءاته؛ وهذا يدل على أن الإيحاءات ليست فعالة ودائمة إلا بقدر ما يدوم إيمان المريض بالمنوِّم. وذلك الإيمان يميل إلى التلاشي حين ينقطع الاتصال بالمنوِّم، بما يوحي بأن النفوذ الشخصي لذلك المنوِّم وحده هو المسؤول عن التحسن المدهش، حقًا، الذي يقع أحيانًا بعد العلاج بالإيحاء. ويمكننا أن نقول إن اقتناع المريض بقدرته على فعل أشياء معينة لا يُستبطن أبدًا في سياق العلاج بالإيحاء؛ فلا بد دائمًا من أن يعيد المنوِّم إقناعه، أي شخص آخر.
أما الهدف في التحليل النفسي فمختلف تمامًا: فبما أن الناس يجدون، في الغالب، الأفكار التي يصلون إليها هم أنفسهم أشد إقناعًا بكثير من تلك التي يقدمها لهم الآخرون، ولا يحتاجون إلى أن يصادق عليها الآخرون باستمرار، فإن المحلل يحاول أن يحمل المحلَّل على أن يبحث عن الأجوبة بنفسه. ومع أننا نميل في ثقافتنا إلى التفكير في المحلل بوصفه من يقدّم الأجوبة، فإن غايته الأساسية هي أن يحول أكبر قدر ممكن من طلبات المحلَّل للأجوبة منه إلى إرادة للعثور عليها بنفسه. وبالطبع فهو ليس وحيدًا في سعيه إلى العثور عليها، لأن المحلل يعاونه في استكشافاته، لكنها تبذل ما بوسعها لكي تبقى متعاونة متحفظة، «شريكة صامتة» من نواح كثيرة. ولكي تضمن أن تبدو مكتشفات المحلَّل وإنجازاته له كأنها إنجازاته هو إلى أقصى حد ممكن، فإن المحللة لا تتدخل غالبًا إلا عندما يكون على بعد خطوة قصيرة واحدة من قول شيء يبدو أنه يدور حوله من غير أن يستطيع قوله. ووظيفتها ليست أن تطعمه، على الطريقة المثلية، سمكة تأويلاتها، بل أن تساعده على تعلم الصيد. وتجدر الإشارة إلى أن محللين نفسيين كثيرين من اتجاهات غير لاكانية ما زالوا يتشبثون بفكرة أن المحلل، حين يؤول، يقدم للمحلَّل دلالة محددة؛ أما اللاكانيون فيجتهدون في التأويل على نحو، كما سنرى بعد قليل، يجعل المحلَّل يجد الدلالات بنفسه، أو يواجه حقيقة أن ما كان يقوله لا معنى له أصلًا.
إن منح معنى محدد يدعو إلى الاتفاق، بل إلى الامتنان أحيانًا، فيعزز موضع المحلَّل التبعي الطفلي؛ فإذا كان يحتاج إلى المحلل لكي يزوده بتلك المعاني، فلا بد أنه عاجز عن التوصل إليها بنفسه. ويمكن لمثل هذه المعاني المحددة أيضًا أن تكون مُرضية له إرضاءً شديدًا، لأنها تمنحه طريقة مصدَّقًا عليها للتفكير في نفسه، وربما هوية جديدة مُرضية [نص غير مقروء في الأصل]. ولكن في العمل مع العصابيين، لا ينبغي بالضرورة تشجيع التماهيات الجديدة، لأن ما تجلبه من تمتع يميل إلى وضع حد لعمل التحليل، أي إلى قصر الطريق على عملية فحص ما يقوم وراء جميع تلك التماهيات الأناوية.
وعلى النقيض من ذلك، فإن منح معنى محدد قد يدعو إلى الاعتراض والشك في فطنة المحلل، فيفضي إلى جدل عقلي عقيم أحيانًا، وإلى انحسار محتمل، وإن مؤقت، في قدرة المحلل على شغل موضع ما يسميه لاكان «الذات المفترَض أنها تعرف». وباختصار، تشير «الذات المفترَض أنها تعرف» إلى أن المحلَّل يميل إلى افتراض أن المعرفة بما يؤلمه، وهي في الواقع موجودة، على نحو فضفاض، في لاوعيه هو، موجودة في المحلل. وهذا الإسقاط لمعرفة لاوعيه على المحلل هو ما يتيح له أن يفتش عن حقيقته الخاصة عبر المحلل، لكن هذا الإسقاط يمكن أن يتعرض للخطر إذا ظل المحلل يقدم تأويلات محددة جدًا يعدها المحلَّل مفتقرة إلى المصداقية. وهذا أحد الأسباب التي تجعل المحللين، سواء في بدايات مسيرتهم أو لاحقًا، كثيرًا ما يصوغون تأويلاتهم في هيئة أسئلة؛ إذ يبدو أنهم يعتقدون أن موقع المحلل بوصفه شخصًا يُفترض أنه يعرف أقل تعرضًا للخطر بسؤال مثل: «هل تظن أن ثمة أي نوع من الصلة هنا بما قلته قبل قليل عن أبيك؟» منه بتقرير مباشر مثل: «تمامًا كما كان الحال مع أبيك». وسأفحص صدق هذا الاعتقاد لاحقًا.
ويتعين على المحلل، من حين إلى آخر، أن يخاطر بمعانٍ محددة، مثلًا حين يكون التحليل قد تعثر بسبب نوع معين من التحويل لا يستطيع المحلل العمل حوله. ففي هذه الحالات ينبغي له أن يجازف بتأويل غير ملتبس للتحويل، على أن يفهم أنه مرجح أن يكون بعيدًا عن الصواب، وأن المحلَّل سيصححه قولًا أو فعلًا. وقد يعرِّض سيل من مثل هذه التأويلات الصريحة التحليل للخطر، لكن إذا كان عمل جيد يُنجز على العموم، فإن التحليل يستطيع عادة أن يحتمل من وقت إلى آخر لحظات وعرة من هذا النوع.
ومع ذلك، ومن أجل وضع المحلَّل في موضع العمل، ينبغي للتأويلات عمومًا أن تكون متعددة المعاني، أي قابلة لاثنين من المعاني على الأقل، على أن يُعطى المحلَّل مهمة استكشافها كلها. وإذا سأل المحلَّل المحللَ أيَّ معنى كان مقصودًا، أمكن للمحلل أن يقلب السؤال عليه: «هل كان هناك معنى بعينه افترضت أنني قصدته؟» ومن المرجح أن تستنطق هذه الاستجابة وجوهًا من التحويل لم تكن قد توضحت بعد، أي أفكارًا يحملها المحلَّل عن نفسه ثم يُسقطها على المحلل.
ومن أجل التعدد الدلالي، يحسن بالمحلل أن يستخدم تعبيرات اصطلاحية شائعة يستخرجها من خطاب المحلَّل، لأنها كثيرًا ما تحمل معاني متعددة، وكذلك حروف الجر التي صارت تعني في الإنجليزية الأمريكية المعاصرة كل شيء تقريبًا. وعبر العمل على كلمات المحلَّل نفسه بهذا الشكل، وعبر عدم اتخاذ الوضوح هدفًا، قد يجد المحلل أن تأويلاته أشد تعددًا في المعاني مما ظن حين تلفظ بها أول مرة، إذ ترن مع جوانب أخرى من خبرة المحلَّل لم تكن حاضرة في ذهنه الواعي حين تكلم. وهذا ما يجعل عباراته أغنى وأعصى على التثبيت.
فإذا لم تكن غاية التأويل، إذن، تقديم المعنى، بل إحداث أثر من نوع معين، فما نوع الأثر الذي نقصده؟
مادة جديدة: دفع التحليل إلى الأمام
التأويل ليس امتحانًا لحقيقة يفصل فيها نعم أو لا؛ بل هو يطلق الحقيقة بوصفها كذلك.
—Lacan
King: «هل ستسمع هذه الرسالة بانتباه؟»
Berowne: «كما نسمع وحيًا.»
—Shakespeare, Love’s Labor’s Lost, I, I
كما أشار Edward Glover منذ زمن بعيد، فإن التأويل يستهدف أن يكون منتجًا في العلاج، أي أن يستنطق مادة جديدة. وقد كتب لاكان، وهو يناقش وجهة النظر هذه بعد نحو ثلاثة عقود:
يقر الجميع، كل على طريقته، بأن تأكيد سلامة التأويل لا يقوم على مقدار الاقتناع الذي يُستقبل به عند الذات، وإنما تُقاس سلامته بالمادة التي تظهر بعده.
لكن الخرافة ذات الطابع النفساني تهيمن على أذهاننا هيمنة شديدة إلى حد أن الناس يظلون يبحثون عن ظاهرة السلامة في موافقة الذات، متغافلين تمامًا عن نتائج ما يقوله فرويد عن Verneinung [النفي] بوصفه شكلًا من أشكال الإقرار؛ وأضعف الإيمان أن نفي الذات لا يجوز التعامل معه كما لو كان مكافئًا لعدم ظهور شيء.
فغاية المحلل في التأويل ليست أن يقول شيئًا يُرجح أن يوافق عليه المحلَّل. وكما قال فرويد:
إن «نعم» الصريحة من المريض ليست بوجه من الوجوه أمرًا غير ملتبس. فقد تعني بالفعل أنه يعترف بصحة البناء الذي عُرض عليه؛ لكنها قد تكون أيضًا عديمة المعنى، أو قد تستحق حتى أن توصف بأنها «منافقة»، لأنه قد يكون من المناسب لمقاومته أن تستخدم الموافقة في مثل هذه الظروف لإطالة إخفاء حقيقة لم تُكتشف بعد. ولا تكون لـ«نعم» أي قيمة ما لم تتبعها تأكيدات غير مباشرة، وما لم يُنتج المريض، فور «نعم» التي يقولها، ذكريات جديدة تكمل البناء وتوسعه.
بل إن الحالات التي يختلف فيها المحلَّل مع تأويل المحلل قد تكون أشد فائدة للتحليل في النهاية، بافتراض أن اختلافه عنيف لا مجرد لامبالٍ. فكلما كان الإنكار أشد إصرارًا أو حماسة، زاد احتمال أن يكون التأويل قد مس عصبًا، إن صح التعبير. وحتى إذا لم يكن من الممكن استكشاف ذلك العصب في الحين، فإن المحلل يستطيع أن يدونه ذهنيًا، أملًا في العودة إليه في وقت لاحق، وإن كان ذلك ربما بصورة غير مباشرة أو بشروط مختلفة. وتذكروا مقولة فرويد النافذة: «اللوم الذي يخطئ الهدف لا يترك إهانة دائمة»، وهي مقولة يمكن أن نعيد صوغها، في الوضع التحليلي، على النحو الآتي: «التأويل الذي يخطئ الهدف لا يثير سلسلة لا تنتهي من الإنكارات والتفنيدات».
ومع ذلك، فالأهم هنا هو أن قيمة التأويل يجب أن تُحكم بما يفضي إليه، أي بكونه يدفع التحليل إلى الأمام أو لا يدفعه. ففي بعض الحالات قد يؤدي إلى وفرة فورية من التداعيات، بينما قد يكون له في حالات أخرى أثر أكثر تأخرًا، فيحرض أحلامًا أو أحلام يقظة أو اجترارات ذهنية لبعض الوقت بعد الجلسة التي قيل فيها. وفي حالات أخرى قد يخفق تمامًا، فلا يفضي إلى أي مادة جديدة على المدى القصير أو الطويل. وبالطبع فالمسألة معقدة حين نحاول تحديد ما الذي يدفع التحليل إلى الأمام في النهاية وما الذي لا يفعل. فقد تبدو مجموعات معينة من التداعيات مشجعة جدًا في البداية ثم تصل في النهاية إلى طريق مسدود. وقد تبدو خطوط تفكير معينة أشعلها تأويل ما منتجةً أول الأمر، ثم تُرفض لاحقًا بوصفها مخطئة للهدف. ومع ذلك كثيرًا ما ينشأ الانطباع بأن كثيرًا من هذه الخطوط يحتاج إلى أن يُستكشف وأن يُستنفد، على نحو ما، قبل أن يمكن العثور على خطوط أبقى وأبعد أثرًا. فليس المرء يصيب أفضل خط للفكر من الضربة الأولى دائمًا، وروما لم تُبنَ في يوم.
وقد قاد هذا الاهتمام بتوليد مادة جديدة لاكان إلى أن يصف التأويل أحيانًا بأنه نوع من «القول العرّافي». فالمحلل، على مثال وحي Delphi، يقول شيئًا متعدد المعاني بما يكفي ليُحدث رنينًا حتى من غير أن يُفهَم، فيوقظ الفضول والرغبة في استجلاء لماذا قال المحلل ما قاله. وفي أفضل الحالات يُوضَع المحلَّل في موضع العمل لا على المستوى الشعوري في المقام الأول، حيث قد نجده يعلق في الجلسة التالية: «كنت أفكر في ما قلته في المرة الماضية، وأنا أوافق عليه من جهة، ولكن من جهة أخرى...»، بل على مستوى اللاوعي، حيث قد يقود إلى صور أو أحلام أو خيالات أو أفكار غير متوقعة لا يثيرها التكهن الشعوري.
والقول العرّافي ليس قولًا يسعى إلى إظهار سيادة على المعنى، أي إلى إظهار أنه يفهم خطاب المحلَّل فهمًا كاملًا، بل هو قول استدعائي، ملتبس، قول لا بد من إسقاط المعنى عليه، وقول لا بد من العمل لإسناد المعنى إليه. وكما قال لاكان: «الأوراكل لا يكشف ولا يخفي: σημαίνει، بل يصنع علامة». والعلامة، مثلًا، كمسار طيران الخطاف فوق الماء أو هيئة أحشاء الحيوان المضحى به، ينبغي أن تُقرأ، أي تُؤوَّل. فليس لها معنى ملازم؛ وإنما على الناظر أن يهبها معنى. والكلمة اليونانية σημαίνει تعني أيضًا «يشير» أو «يُظهر» أو «يدل على». وعندما يشير شخص إلى شيء ما، إلى شجرة مثلًا، لا يمكننا أن نعرف سلفًا هل يريد منا أن نلحظ نوعها، أو شكلها، أو قشرتها، أو لونها، أو أوراقها، أو عش الطائر فيها، من بين احتمالات أخرى. وقد اقترح لاكان أن يكون للتأويل فضيلة «الإيحائية»، إذ إن الالتباس واحد من أكثر الأدوات التحليلية النفسية استفزازًا وإنتاجًا.
التأويل لا يوفر لغة فوقية
التأويل... يشير إلى الرغبة، التي هو، بمعنى من المعاني، مطابق لها. فالرغبة هي، في المجمل، التأويل نفسه.
—Lacan
إذا كان ثمة قانون أساس في التحليل النفسي، فهو أن نتجنب قول الهراء، حتى باسم الفئات التحليلية. لا تحليلًا متوحشًا: لا تلقوا كلمات لا معنى لها إلا عند المحلل.
—Lacan
لقد خدمت النظرية التحليلية النفسية، عقودًا طويلة، أساسًا لكثير من التأويلات التي كان يقدمها المحللون؛ وكان عقدة أوديب هي القالب الأكبر، والشبكة الغالبة التي تُرى من خلالها خبرة المحلَّل. وكانت لغة النظرية التحليلية تُعد اللغة المثلى التي يمكن التعبير ضمنها عن خبرة المحلَّل، وبذلك أمكن التفكير فيها بوصفها لغة فوقية بالنسبة إلى اللغة التي يستخدمها المحلَّل تلقائيًا، بل كان يُعتقد أحيانًا أن اختزال خبرته إلى النظرية التحليلية يكفي لكي يُعد عمل المحلل منجزًا، إذا صح التعبير. فمتى صيغت حياة المحلَّل بلغة النظرية، كان يُفترض أن تختفي أعراضه. وبحلول عشرينيات القرن العشرين كان فرويد قد لاحظ بالفعل أن التأويلات المبنية على أبنية نظرية من قبيل عقدة أوديب لم تعد فعالة: فالمرضى القادمون إلى المحللين كانوا قد قرؤوا عددًا من النصوص التحليلية، وكانوا قد صاغوا خبرتهم هم أنفسهم باستعمال مفاهيم التحليل النفسي قبل أن يتمددوا على الأريكة أصلًا، وصاروا يقولون عبارات مثل: «مشكلتي يا دكتور أنني ما زلت أحب أمي، ولهذا أكره أبي». وقد صارت الصياغات الأوديبية شائعة إلى حد أنها لم تعد تُحدث أثرًا حين تُستخدم أساسًا للتأويلات. ومع إضافة عناصر جديدة إلى النظرية، سواء كانت مفاهيم فرويدية متأخرة مثل الهو والأنا الأعلى، أو الموضوع الجزئي عند Abraham، أو الموضوعات الجيدة والسيئة عند Klein، كان المحللون كثيرًا ما يحاولون ترجمة خبرة محلَّليهم إليها؛ وقد يكون لهذه الترجمات أثر في البداية، لكن أثرها كان يبهت سريعًا حين تُستوعب المفاهيم التحليلية النفسية اللاحقة من جديد في المجال العام.
وقد اعترض محللون مثل Casement، وبحق، على هذا الشكل من التأويل لأنه يتجاهل خصوصية كل محلَّل، ويميل إلى النظر إلى المرضى من زاوية ما يشتركون فيه جميعًا فقط: صراعات يفترض أنها كونية مثل العقدة الأوديبية، أو مراحل نمائية يُفترض أنها كونية مثل الوضعية الاكتئابية. وكما أشار Casement، لا نستطيع أن نفترض مباشرة أن صمت المحلَّل يعني مقاومة لمجرد أن النظرية التحليلية تشير إلى أنه قد يعني ذلك في بعض المناسبات؛ ففي كثير من الحالات، إن لم يكن في معظمها، يكون معناه أعقد بكثير من ذلك.
لكن علينا أن نمضي بنقدنا لفكرة التأويل بوصفه نوعًا من اللغة الفوقية الكاملة إلى أبعد من ذلك. فالترجمة من اصطلاح إلى آخر، من لغة المحلَّل اليومية إلى الاصطلاح التحليلي النفسي، لا يمكن أن تغير خبرته؛ إنها لا تفعل سوى أن تضع عليها معنى نظريًا. وقد يرضى بذلك المعنى حقًا، لأنه يشعر بأن المحلل، حين يقدمه له، يُدخله في النظرية التحليلية النفسية ويعامله بوصفه مرشحًا جادًا للتدريب التحليلي أو محللًا جادًا قيد التدريب. غير أن رضاه عنه يُرجح أن يصير عائقًا أمام ذهابه أبعد، كما يرجح أن يشعر بأن الصياغة النظرية هي الكلمة الأخيرة: فهي تقدم تفسيرًا نهائيًا ينبغي أن يكتفي به.
وقد يؤدي ذلك إلى قصر مسار العملية التحليلية النفسية، التي تقتضي، في أتم تجلياتها، مواجهة حقيقة أنه لا توجد مثل هذه التفسيرات النهائية ولا الأجوبة القصوى. فمع أن المحلَّل يظل يتساءل مرارًا عن دواعي الاتجاه الذي اتخذته حياته وعلله، عن سبب انحيازه إلى أحد الوالدين ضد الآخر، وعن سبب اعتقاده أن والديه كانا يريدان منه، فوق كل شيء، ذلك الشيء المعين، وعن سبب قبوله بالإذلال من شخص ما، وعن سبب امتثاله لكل رغبات شخص ما، وعن سبب إتيانه أفعالًا أضرت به أشد الضرر في ما بعد ويبدو أنها أعاقت تقدمه في الحياة، ومع أنه يتوصل إلى أسباب لا تحصى تفسر جزئيًا ما يبدو أنها كانت اختيارات اتخذها في لحظات حاسمة أو عند منعطفات مهمة، فإن شيئًا ما يبقى دائمًا بلا تفسير، بل غير قابل للتفسير أصلًا. وكلما رجعت استكشافاته أبعد في الزمن، بدا أن دوافعه أقل قابلية للتمييز. وبدل أن يحاول المحلل ملء هذه الثقوب في تفسيراته أو تغطية هذه القرارات المحيرة بحسابات نظرية أو تعليقات تطبيعية، ينبغي للمحلل أن يستهدف إبراز هذا العجز عن التفسير إلى الواجهة.
فلا يوجد جواب نهائي أو تفسير أخير لِمَ كان المرء على هذه الهيئة أو فعل هذا الفعل. هناك بعض البنى التي يمكن التوصل إليها في ما يتعلق باتجاه الحياة، لكن الأمر في التحليل الأخير هو ببساطة كذلك، ولا بد للمرء من أن يتعلم قبوله. وعليه أن يتملك القرارات أو الاختيارات التي لا تبدو قرارات أو اختيارات. وكما أن أسئلة الطفل التي لا تنتهي تقود عاجلًا أم آجلًا إلى شيء لا جواب له، وليس واضحًا دائمًا حتى أن دافعه الحقيقي هو معرفة الجواب، فإن اجترارات المحلَّل التي لا تنتهي تقود إلى شيء غير قابل للوزن، شيء لا يمكن معرفته في النهاية ويجب القبول به فحسب.
يبقى دائمًا شيء لا يمكن تقديم جواب عنه. فالوالدان، إذا ساءلهما المحلَّل عن علل أحداث مبكرة ودواعيها، لا يستطيعان أن يقدما شيئًا يتجاوز وجهتي نظرهما، بافتراض أنهما يتذكران تلك الأحداث أصلًا؛ ولا يستطيع المحلل أيضًا أن يقترح أكثر من سلسلة من عمليات إعادة البناء الممكنة، قد لا يكتسب أي منها قوة الاقتناع. ولا يملك أي من هذه المستودعات الممكنة للمعرفة الجواب، وهذا يعني أن المعرفة نفسها ناقصة من وجه ما. فالآخر، بوصفه مستودع المعرفة كلها، وهي إحدى طرائق فهم مصطلح لاكان، يعتريه النقص، وهو غير مكتمل، وليس هناك ما يمكن فعله إزاء ذلك إلا قبول المأزق.
وهذه طريقة من طرق الحديث عما سماه فرويد «الخصاء»، وهو أمر ينطبق على الرجال والنساء معًا، ويتعلق بحدودنا البادية للعيان أكثر مما ينبغي: لسنا خالدين، وأيامنا معدودة؛ ولا نعرف متى سنموت؛ ولا نستطيع أن نفعل كل شيء، أو أن نتقن كل المجالات، أو أن نحيط بكل الحقول؛ ومعرفتنا نفسها لها حدود. وكما قال فرويد إن على المحلل أن يقود المحلَّل إلى مواجهة «الصخر الأساس» للخصاء، جادل لاكان بأن على المحلل أن يقود المحلَّل إلى مواجهة النقص في الآخر، وأن يجد سبيلًا لمساعدته على قبول ذلك النقص أو الحد، ثم المضي من ورائه.
إن الإصرار العنيد على العثور على الجواب النهائي يوحي باستثمار ليبيدي في الاستمرار في إلقاء اللوم على الظروف أو على الآخرين، مع أن الظروف وأفعال الآخرين لا تستطيع، في الغالبية الساحقة من الحالات، أن تفسر إلا قدرًا معينًا، ولا بد للمحلَّل في النهاية أن يقبل أنه هو نفسه كان له نصيب، بل نصيب مهم جدًا، في الطريقة التي انكشفت بها حياته.
وهذا الاستثمار الليبيدي يعني تثبتًا معينًا في الطريقة التي يجد بها المحلَّل تمتعًا في الحياة، إلى جانب عدم استعداده لإيجاد التمتع بطرق أخرى. ومع ذلك فهذا التثبت بالذات هو ما يشتكي منه المحلَّل في الغالب عندما يأتي إلى التحليل أول مرة: فهو لا يستمتع بحياته، وطريقته في العيش تجعله يعاني بدل أن تمنحه اللذة، ولا يبدو قادرًا على كسر هذا النمط الذي يصنع به شقاءه بنفسه. وقد أشرت إلى هذا في موضع آخر بعبارة «أزمة إشباع» أو «أزمة jouissance»، حيث تكون طرائق تمتع المحلَّل السابقة قد تعطلت، فيأتي إلى التحليل طالبًا من المحلل أن يساعده على استعادة فعاليتها القديمة. أما المحلل فيأمل، من جانبه، أن يقود المحلَّل إلى أن يتمتع بطريقة جديدة، لا تنطوي على استثمارات في رؤية العالم كما كان يراه من قبل، وعلى لوم الآخرين والظروف على مأزقه.
وإذا ملأ المحلل الفجوات في تفسيراته بتفسيرات من عنده، فسوف يترك المحلَّل حيث بدأ بدل أن يلهمه أو يستفزه لكي يذهب أبعد. وسيحصل المحلَّل على طريقة جديدة لرؤية الأشياء، وعلى طريقة جديدة لفهم حياته، لكنه سيستمر في المعاناة كما كان من قبل، وسيستمر في أن يجد «تمتعًا» بالطرق نفسها التي كانت لا تطاق بالنسبة إليه قبل أن يبدأ التحليل.
وهذا أحد الأسباب التي جعلت لاكان يؤكد أن «ليس مطلوبًا من التأويل أن يكون أصدق مما هو كاذب. المطلوب أن يكون مصيبًا، وهذا يعني في نهاية المطاف أن يوقف النداء إلى المعنى، في وضع يبدو فيه المعنى، على العكس، مثارًا أكثر فأكثر»، وهذا الوضع هو ذاك الذي يكون فيه شيء ما قد كُبت، وتُستدعى فيه «سيولة لا تنضب من الدلالات»، دلالات «تلقي بنفسها في الثقب الذي أحدثه الكبت». ويستهدف منهج لاكان في التأويل شيئًا يتجاوز استنطاق المحلَّل لكي يأتي بمزيد ومزيد من المعاني الجديدة، مع أن هذا مهم في بداية التحليل بوضوح؛ ففي المراحل اللاحقة يتحول التشديد إلى إحداث تغير في «الموقع الذاتي»، أي تغير في الطريقة التي يجد بها المحلَّل تمتعه في الحياة، تغير يضع حدًا للمحاولة التي لا تنتهي لشرح ما لا يمكن شرحه في النهاية.
أمثلة على تأويلات ملتبسة
إن التأويل لا يعمل إلا عبر الالتباس. فلا بد أن يكون في الدال شيء يرن.
—Lacan
آثار التأويل غير قابلة للحساب حتى عندما تكون محسوبة.
—Aparicio
في كثير من الحالات يمكن بناء التأويل بمجرد الاستشهاد بشيء قاله المحلَّل نفسه وكان ملتبسًا، لأن المحلَّل كثيرًا ما لا يسمع الغموض في ما يقوله. ففي حالة أحد محلَّليَّ، وكان في عنفوان حياته، وقد لاحظ في مناسبات عدة أنه ليس في الموضع الذي ينبغي أن يكون فيه في السلم الوظيفي للشركة بالنظر إلى عمره، وكان كثير الشكوى أيضًا من الرؤساء ومن أشخاص آخرين في حياته يحاولون أن يتصرفوا معه كآباء، لم أفعل سوى أن رددت عليه بضعًا من كلماته نفسها حين قال: «لقد تعثرت دائمًا في ascent to power الخاص بي». وعندما كررت أمامه ascent to power، أدرك أن الأصوات المكوِّنة لـ ascent يمكن أيضًا أن تُسمع على أنها assent، وبدأ يتساءل عن رفضه أن يتولى السلطة، وعن امتناعه عن أخذ أي سلطة في مواقف العمل، أو تفويض المسؤولية إلى غيره، إلى آخر ذلك. وقد سمح ذلك بأن تغادر مناقشاتنا عن السلطة المستوى التجريدي لنقد عام للسلطة في ذاتها، لتتجه نحو رغباته هو المكبوتة أو المعبر عنها مواربة في السيطرة على الآخرين والتسلط عليهم والتصرف بعدوانية نحوهم.
ولعل التأويلات المبنية على الاستشهاد بكلام المحلَّل هي الأكثر شيوعًا والأقل إحداثًا للصدمة عنده في الوقت نفسه؛ ففي خبرتي أن المحلَّلين لا يعدونها أصلًا تأويلات في الغالب. ومع ذلك، فإن الاستشهادات الانتقائية والاستشهادات المقتطعة من السياق تلعب على الغموض في خطاب المحلَّل، وهو غموض يراه المحلل ذا أهمية ما، فيحسب، ولو في جزء من الثانية، أنها ستكون ذات فائدة في فتح مسارات جديدة للنقاش. وكان الغموض في هذه الحالة تجانسًا صوتيًا بسيطًا: فـ ascent تبدو في معظم أشكال الإنجليزية الأمريكية المعاصرة المنطوقة مثل assent تمامًا.
وفي حالة أخرى لم يكن التجانس الصوتي بهذا الاكتمال: فقد كررت عمدًا قول محلَّلٍ ما We were both riding بطريقة تجعل riding تبدو مثل writing، إذ كان قد تحدث لعدة جلسات عن كتابته. وبعد ذلك بقليل نوعت الأمر بتهجئة كلمة righting أمامه، موحيةً بأن كتابته ربما كانت مرتبطة بمشروع تصحيح بعض المظالم المتصورة، أي «تقويم» أشياء أو أشخاص معينين.
وفي حالات أخرى أيضًا يكون الغموض في الجزء المقتبس من كلام المحلَّل غموضًا نحويًا أو اصطلاحيًا. فقد كان أحد المحلَّلين، الذي مارس معه أخوه الأكبر لسنوات ممارسة جنسية محددة بينما كان الأخ الأصغر يتظاهر بالنوم، يتحدث في عدد من الجلسات عن مقدار ما يجد فكرة الدفع مقابل الجنس مقززة. ومع أنه كان قد أُغري أحيانًا بأن يدفع، فإنه كان دائمًا «يدفعها بعيدًا»، قلقًا من أن تراه الشريكة المحتملة المأجورة بوصفه «وحشًا» أو «حضورًا منفِّرًا»، مضيفًا: «وأنا لن أعرف ذلك». وكان هذا تلخيصًا منصفًا لما كان يراه في أخيه الأكبر، الذي كان يهيمن عليه في سياقات كثيرة، ويجعله يدفع، بطرائق كثيرة جدًا، ثمن خضوعه، والذي كان يود أن يجعله يدفع بالمقابل، أي في صورة ألم وإذلال. وكان يكفي أن أعزل له لفظتي pay for it كي يربط بين المال والهيمنة والألم، ويدرك أن دفعه لآخر مقابل ممارسة الجنس معه سيعني، على مستوى ما على الأقل، أن يتخذ موقع أخيه بالنسبة إليه، وهو شيء كان يأنف منه. وإلى ما وراء هذا الارتباط المباشر نسبيًا، سرعان ما برزت إلى السطح مصلحته الأعم في جعل الآخرين يدفعون. وهنا كانت المعاني الاصطلاحية المتعددة للفعل to pay وللتعبير الاصطلاحي to pay for something هي ما منح هذا التأويل البسيط جدًا غناه الخاص.
ومن الواضح أن الغاية في هذه الحالة لم تكن كشف «معنى خفي» محدد، بل حمل المحلَّل على أن يتساءل عما يعنيه بـ«الدفع مقابل الجنس»، لأن ما يعنيه كان أشد غموضًا مما كان يظن في البداية. والواقع أن المحلَّلين كثيرًا ما يردون على استشهاد المحلل بكلامهم الملتبس بتعليقات مثل: «ما الذي كنت أعنيه بذلك أصلًا؟» أو «ماذا يعني هذا حتى؟».
وبالطبع ليس التأويل كله مقصورًا بدقة على الاستشهاد بكلام المحلَّل. ففي حالة محلَّلة كانت، وهي تناقش غثيانها المتكرر في حياتها الراشدة، تتذكر دخولها غرفة والديها في عدة مناسبات عندما كانت في الخامسة أو السادسة لتطلب Alka-Seltzer™ لأنها كانت تشعر بالغثيان، تذكرتُ أن أخاها أو أختها المفضلة كانت تصغرها بست سنوات. وعلى الرغم من أن أشياء كثيرة جدًا مرت في ذهني بسرعة، منها أنها كانت على الأرجح قد رأت أمها مصابة بالغثيان في أثناء الحمل، وربما أرادت أن تكون حاملًا مثل أمها أو بدلًا منها، متخيلةً نفسها تحمل طفل أبيها، فإنني لم أفعل سوى أن سألتها عما إذا كانت قد رأت شخصًا آخر يتناول Alka-Seltzer. فأشارت إلى أنها كانت قد رأت كِلا الوالدين يفعلان ذلك في بعض المناسبات، متذكرة أولًا صداع أبيها بعد الشراب ثم غثيان الصباح المتقطع لدى أمها. وأضافت المحلَّلة بعد ذلك أنها، في طفولتها، كانت تجعل معدتها تؤلمها عبر الإفراط في الأكل، وعندها قلت: «كأنك كنتِ تتسببين في morning sickness.» وكانت عبارة morning sickness من كلامها هي، لكنني أضفت إليها بضع كلمات؛ ولم أنسَ أن الأصوات المكونة لـ morning يمكن أن تُكتب أيضًا mourning، فتوقفت قليلًا بين كلمتي morning وsickness لأرى هل ستسمع أيضًا bringing on mourning.
وقد كنا تحدثنا في جلسات سابقة عن الحداد على فقد أشخاص مختلفين في حياتها، لكن استجاباتها لهذا التأويل تجاوزت بكثير أي شيء كان يمكن أن أتخيله في تلك اللحظة: الحداد على فقدان انتباه أمها حين ولد إخوتها الأصغر؛ وحداد أمها على شبابها المفقود، بعد أن أعطت المحلَّلة انطباعًا واضحًا بأن إنجاب الأطفال هو مصدر شقائها كله؛ وقرار المحلَّلة في وقت مبكر من حياتها ألا تنجب طفلًا قط. وربما كانت آلام معدتها الدورية على مدى عقود تذكيرًا لها بأنها لم تقبل ذلك القرار قبولًا كاملًا قط، ولم تحزن قط حزنًا كاملًا على الأطفال الذين كان يمكن أن تنجبهم لو أنها مضت في حمليها الاثنين. وقبل أن أقدم ذلك التأويل لم أكن أعرف إطلاقًا أنها كانت حاملًا أصلًا، فضلًا عن أن يكون ذلك قد حدث مرتين. وإذا أردنا أن نصوغ الأمر على نهج لاكان، فإن التأويل الذي يمكن التنبؤ بآثاره تنبؤًا كاملًا مسبقًا ليس تأويلًا تحليليًا نفسيًا.
وكان هدف مهم من هذا التأويل أن يسلط الضوء على مشاركة المحلَّلة نفسها في العملية، فهي كانت تجعل معدتها تؤلمها فعلًا عبر الإفراط المتكرر في الأكل، وأن يستنطق النقاش عن الرغبة أو التوق الذي يفترض أنه يكمن وراء ذلك. ومع أن المحلَّلة كانت تعلم أنها راودتها فكرة تبني طفل، فإنها لم تكن واعية على الإطلاق لأي رغبة ربما بقيت لديها في أن تحمل طفلًا بنفسها، رغم قرارها الواعي في وقت سابق من حياتها بألا تفعل. وبهذا المعنى نجح التأويل في إصابة شيء لم تكن قد تأملته من قبل، شيء مكبوتًا في الظاهر: رغبة.
وبما أن الكلام كله تقريبًا ملتبس، فإن المحلل لا يستطيع دائمًا أن يفكر في كل معنى ممكن للتأويل قبل أن يتلفظ به. وحتى لو امتلك الوقت لذلك، وهو لا يمتلكه بالنظر إلى أهمية ضرب الحديد وهو حامٍ، إذ تعتمد معظم التأويلات اعتمادًا كبيرًا جدًا على سياق كلامي شديد التحديد يختلف اختلافًا ملحوظًا من لحظة إلى أخرى، فإنه لن يستطيع أبدًا أن يتنبأ بكل طريقة ممكنة قد يسمع بها المحلَّل كلامه، وذلك جزئيًا على الأقل لأن المحلل يميل إلى فهم ما هو على وشك قوله على أساس معناه المقصود، ولا يستطيع أن يسمعه كما لو كان شخصًا آخر إلا بعد أن يكون قد نطق به. ولهذا يتبين في كثير من الأحيان أن التأويل الذي يقدمه متعدد المعاني بوجوه لم يكن يتوقعها: فعلى الرغم من أن تأويله كان محسوبًا، فإنه قد يحصل على أكثر مما فاوض عليه، إذا صح التعبير، إذ تكون آثار كلامه، بمعنى ما، غير قابلة للحساب.
ولعل هذا يفسر بعض ما لدى المحللين المبتدئين من «قلق التأويل»، وهو تنويع على حبسة الكاتب، إذ يخاف الكتاب أحيانًا من أن يفقدوا السيطرة على الأشياء ما إن يضعوها على الورق، ومن تفضيلهم الواضح لصوغ كل ما يقترب من التأويل في هيئة سؤال. وسرعان ما يتعلمون، فيما أظن، أن التأويلات المصاغة أسئلة لا تقل عن التأويلات المصاغة تقريريًا قدرةً على فتح سلسلة غير متوقعة من الأبواب. وهم في حالات كثيرة يخافون أيضًا من أن يقولوا شيئًا يجده المحلَّل غبيًا فيرفضه، فيشعرون أنهم يسلكون مسلكًا أكثر أمانًا حين يصوغون تأويلاتهم في هيئة أسئلة. غير أن بعض المحلَّلين يأخذون هذه التأويلات على أنها تنطوي على التلميحات نفسها غير الحساسة أو العبثية التي تنطوي عليها التأويلات المقدمة في صيغة تقريرية، ولا يكسب المحللون كثيرًا عادة من تحوطهم على هذا النحو. فمثل هذه التأويلات تفقد كثيرًا من قدرتها المحتملة على المفاجأة: إذ تتعرض قدرتها على إدهاش المحلَّل على نحو منتج للتقويض، وتخفت قوتها، وكأن المحلل يقول: «لا تعر ما أقوله كثير اهتمام، إنه مجرد تخمين». وفوق ذلك، ثمة شيء غير أمين في الأساس في أن يقدم المحلل أمرًا هو مقتنع به تمام الاقتناع بهذه الصورة السائلة المخففة. ومن المرجح أن تصير أكثر إصرارًا إذا لم يأخذ المحلَّل التأويل على محمل الجد كما كانت ترجو، لكنها لا تملك إلا أن تلوم نفسها، لأنها هي نفسها دعته إلى أن يتعامل معه بتحفظ عندما صاغته في صورة سؤال.
الإيجاز روح الظرف
حين تشح الكلمات، نادرًا ما تُنفَق عبثًا.
—Shakespeare, Richard II, II, I
وبقدر ما يطفئ التأويل الصائب [juste] عرضًا، يمكن تحديد الحقيقة بوصفها شعرية.
—Lacan
آمل أن يكون قد اتضح، من الأمثلة المتعددة التي قدمتها هنا، أن التأويلات المستفزة المنتجة لا تحتاج إلى أن تكون مطولة. فكما أن الأسئلة الطويلة المعقدة تميل إلى إضاعة المحلَّل أو إرباكه، كثيرًا ما تغدو التأويلات المسهبة مائعة، ويصعب، بل يستحيل، الرد عليها.
ولننظر إلى المثال الآتي من الأدبيات التحليلية النفسية: فقد دوّن Casement تأويلًا قدمه لمريضة كانت تميل إلى الصمت مددًا طويلة في أثناء الجلسات، مع أنها كانت مضطربة بوضوح. وفي أحد الأيام، بعد صمت طويل، تمتمت: «أنا آسفة، لكن لا يسعني إلا أن أكون صعبة على هذا النحو». فرد Casement، رابطًا ذلك بكون أمها كانت كثيرًا ما تتهمها بأنها صعبة عندما تصمت، وكانت تستدير عنها عندما تحاول أن تتكلم إليها، فقال:
لعل هذه الصعوبة نفسها، صعوبة إيصال ما تشعرين به، هي بالتحديد ما تحتاجين إلى نقله إليَّ الآن؛ لكنك تتوقعين ألا أكون مستعدًا للبقاء معك إذا اختبرتُ بعضًا من هذه الصعوبة فعلًا، لذلك تشعرين بأن عليك الاعتذار.
ولعل Casement لم يقل كل ذلك دفعة واحدة لمحلَّلته، بل جمعه على هذا النحو لأغراض العرض فحسب؛ لكن إن لم يكن الأمر كذلك، فيبدو أن ثمة خيوطًا منفصلة أكثر من اللازم، تذهب في اتجاهات أكثر من اللازم في الوقت نفسه. وبالنظر إلى استجابة المحلَّلة لهذا التأويل، بحسب ما يرويه Casement، يبدو أنه نجح في إيصال ما أراد إيصاله، أي أنها كانت تتوقع منه أن يكون مثل أمها التي لا تحتمل صمتها ولا كلامها، ومن هنا اعتذارها. لكنه لم يختر لا اقتصاد التعبير ولا التعدد في المعاني، وكلاهما، بطبيعة الحال، يسهل العثور عليه بعد وقوع الأمر أكثر مما يسهل في حرارته. ويبدو لي أنه مبدأ عام جيد، إذا كان المرء سيقدم معاني محددة أصلًا، أن يتجنب التأويلات التي تحتوي عددًا كبيرًا من الأجزاء المتحركة، إذا جاز التعبير، أو عددًا كبيرًا من الأفكار المنفصلة.
وكما أن الإيجاز روح الظرف، فإن التأويل كلما كان أشد وقعًا وأقصر، كان أفضل. وليس من الضروري أن تخلو التأويلات من الظرف، وإن كان المرء بالكاد يعرف ذلك من النبرة شديدة الجدية، المفعمة بالوجدان، بل الحزينة أحيانًا، التي تتسم بها كثير من الأعمال وكثير من التأويلات المروية في الأدبيات التحليلية النفسية المعاصرة، وهي نبرة تشكل تباينًا لافتًا مع النبرة المرحة الظريفة كثيرًا في أدبيات عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته. وأظن أن السبب في ذلك ليس أساسًا أن المحللين يعالجون حالات أشد من الاعتلال النفسي باطراد، بل أنهم، بعد أن حوّلوا انتباههم في الغالب من استكشاف اللاوعي إلى تطوير علاقة أبوية بينهم وبين محلَّليهم، باتت خبرتهم ضئيلة بالظرف الذي تنطوي عليه التشكيلات اللاواعية، كالأحلام، وأحلام اليقظة، والخيالات.
ومع أن الفكاهة ليست مطلوبة في معظم أوقات أغلب الجلسات، فإنها قد تكون أحيانًا وسيلة نافعة للوصول إلى بعض المحلَّلين. وفوق ذلك، لا يوجد ما يمنع أن يكون التحليل ممتعًا، على مستوى ما، لكل من المحلَّل والمحلل؛ وكما قال لاكان: «كلما اقترب التحليل النفسي من أن يكون مضحكًا، كان تحليلًا نفسيًا حقيقيًا أكثر». بل إن لحظات المرح قد تكون الشيء الوحيد الذي يبقي بعض المحلَّلين عائدين عندما تشتد المشقة.
كان أحد مرضاي الوسواسيين، الذي كانت رغبته مشدودة في بداية تحليله إلى العجز الجنسي والخصاء وقلة الفاعلية، يتحدث مرارًا في مرحلة معينة عن الصراع بين عمله بالحواسيب وكتابته الأكاديمية والأدبية. وقد أمضى جلستين تقريبًا وهو يتحدث عن «افتتانه بـ UNIX»، أي نظام تشغيل الحاسوب. وعندما أوضحت له أن صوت الكلمة يمكن أن يُكتب بطريقة مختلفة، مثل eunuchs، ضحك ضحكًا هستيريًا، وقال لي في الجلسة التالية إنني «قتلت» افتتانه بتعلم لغات الحاسوب. فاللاوعي، مثل الطفل الصغير، يجد «لذة في اللامعنى»، ويقيم صلات بين الألفاظ المتجانسة صوتيًا التي لا تربطها أي علاقة دلالية. وكثيرًا ما تخفي الأعراض معناها وأصلها باستغلال هذه الألفاظ المتجانسة لصنع «جسور لفظية» بين فكرة أو رغبة وأخرى تبدو غير متصلة بها.
وكانت إحدى محلَّلاتي الأخريات تحجم زمنًا عن الشكوى من أمها، مع أنه بدا أن ثمة أمورًا كثيرة يمكن الشكوى منها. وفي يوم ما أخبرتني أنها كانت في صغرها كثيرًا ما تلعب لعبة تتخيل فيها نفسها شخصية اسمها Professor Betwick، «عالِمة مجنونة تُجري تجارب في القبو». وتحدثنا عن جوانب مختلفة من شخصية الأستاذة، ثم التفتنا إلى الاسم نفسه. فمن wick داعت إلى witch وwicca ثم إلى wicked، وسرعان ما تطوعت بتعبير «No rest for the wicked»، وهو تعبير كان يستخدم كثيرًا في بيتها. فسألتها: «ألهذا تعملين بكل هذه المشقة؟» إذ كانت قد أشارت مرارًا إلى أنها مدمِنة عمل؛ فلعلها كانت تعد نفسها شريرة وتدفع ثمن ذلك بأن تعمل طوال الوقت. وبعد شيء من ضحكها، أعقب ذلك نقاش طويل عن العمل، والتعاويذ الشريرة، و«the wicked witch of the west»، وكونها تفكر أحيانًا في نفسها كساحرة، إلى آخره. ثم انتقلنا إلى الجزء الأول من الاسم: Bet. ومع أن شيئًا لم يخطر في البداية، فقد ربطته في النهاية بصيغة مختصرة من اسم أمها الأول: Elizabeth. وكانت الأم تُدعى دائمًا تقريبًا Elizabeth، لكن قلة من الناس كانوا ينادونها Betty أو Beth أو حتى Bet. وعند هذه النقطة قلت: «wicked Betty»، ثم «Betty the witch»، فانفجرت المحلَّلة ضاحكة.
وقد أنهيت الجلسة عند هذا الحد، وأدت الجلسة التالية إلى مناقشة بعض الجوانب الأكثر شرًا في أمها، ولماذا منحت المحلَّلة شخصيتها المفضلة مثل هذا الاسم: هل لكي تسخر من أمها من غير أن تدرك؟ أم لتضع في نفسها الشر الذي كانت تراه في أمها؟ أم لتحمي نفسها من جانب أمها المؤذي؟ لا شك أنها كانت كل هذا وأكثر. ولم تكن تأويلاتي، «wicked Betty» و«Betty the witch»، قد أغلقت الباب أمام أي من تلك الاحتمالات، بل فتحت الباب أمام تعدد منها، مما أفضى إلى كثير من المادة الترابطية. وفوق ذلك، وبقدر ما كان في اختيارها اللاواعي لهذا اللقب قدر ما، ولو محدود، من العدوانية والسخرية، فقد أتاحت لها صياغتي أن تستمتع بذلك العدوان، وأن تستمتع بالسخرية من أمها، وهو شيء لم تكن تسمح لنفسها به صراحةً أبدًا. فالضحك أتاح تعبيرًا، تعبيرًا جعلته أنا مقبولًا اجتماعيًا في الوضع التحليلي، عن بعض عدوانها، وجعلها ترى، من غير عقاب أو تهديد، أنها كانت مسكونة بعدوان قديم تجاه أمها. وكان لاوعيها، إذا صح التعبير، قد صاغ نكتة من عنده أشبعت شيئًا من دافعها العدواني، ولم أفعل أنا سوى أن نطقت بها صراحة. وأعتقد أنها كانت تجربة مسلية لنا نحن الاثنين.
وفي سعينا إلى الوصول إلى ما هو مكبوت، علينا أن نشجع التعبير اللفظي عن الدوافع التي يحفظها العصابي تحت القفل بإحكام، وبإحكام شديد أحيانًا حتى إنه ينسى أن في الخزانة شيئًا أصلًا أو أين دفن الخزانة آخر مرة. وهذا يتطلب أن نعرف هل نعمل مع عصابيين أو ذهانيين، وأن نضع مثل هذه التعبيرات، تبعًا لذلك، على المستوى الصحيح. فعندما حدثني أحد محلَّليَّ العصابيين شديدي الكف عن خيال عدواني كان لديه يتعلق بالمحللة التي كان يراجعها قبل أن يبدأ العمل معي، كان أول رد فعل منها أن تقيم ما إذا كان يفكر فعلًا في تنفيذ هذا الخيال معها. ومع أن مثل هذه الخيالات قد تكون علامة على خطر قادم في ظروف مخصوصة مع بعض الذهانيين، فإن هذا المحلَّل كان قد أعطاها من الدليل ما يكفي على كفه الشديد في الحياة وعلى ميله العام إلى معاقبة نفسه على كل شيء بدل أن يهاجم الآخرين. لكنها، حين أخذت خياله على مستوى «الواقع»، كما لو كان شيئًا تعده قادرًا عليه، أوقفته فعليًا عن ذكر أي خيالات عدوانية أخرى مرة أخرى، وهو ما أدى قريبًا إلى إفشال التحليل. فهناك حاجز خطير لدى العصابيين بين الفكر والفعل، بين التفكير والقيام، ويمكن للمرء أن يشجع بأمان كامل التعبير اللفظي عن الدوافع، مهما تكن عنيفة. أما عند الذهانيين فليس الأمر دائمًا كذلك، ومن هنا تأتي أهمية القدرة على التمييز بين العصاب والذهان. بل إنه يتعين علينا، مع العصابيين، أن نستقبل جميع وجوه الأحلام والخيالات التي تظهر فيها مكونات الدافع، لأنها وجوه من الواقعي لم تُستدعَ إلى الكلام من قبل على الأرجح، ولأنها كثيرًا ما تقود إلى سلوك تكراري إلى أن تُصاغ بكل الطرق الممكنة.
وبدل أن تحاول تلك المحللة تقييم ما إذا كان محلَّلها يخطط لتنفيذ خياله معها، كان الأجدر بها أن تحتضن عدوانية الخيال لفظيًا عبر تكرار أكثر الكلمات التي استخدمها شحنًا ليبيديًا. فعندما جاء، في تحليله معي، بحلم فيه حصان يحتضر، حصان ربطه بي، كررتُ بشيء من الدفء: «يحتضر!»، وبذلك نقَّطتُ وشددتُ على العدوانية الكامنة فيه، وأوصلت في الوقت نفسه إلى المحلَّل أنه حتى لو كان يخاف ما قد يرغب في أن يفعله بي، فإنني أنا لا أخافه. ولم أنظر إلى ذلك بوصفه موجهًا إليَّ أنا بصفتي إنسانًا حيًا يتنفس، بل بوصفه جزءًا عاديًا من التحويل، أي بوصفه موجهًا إلى شخص أو شيء آخر غيري أو أبعد مني.
وترد أمثلة أخرى على التأويلات، وهي أمثلة تقتضي دائمًا أن يقدم المرء قدرًا كافيًا من النسيج الغني لخطاب المحلَّل في أي جلسة بعينها، إلى جانب لمحة من الخلفية الأوسع، لكي تصبح مفهومة، مع أن المثال الأمثل طبعًا هو عرض التحليل كله لكي يكون أي تأويل واحد مفهومًا، وهو أمر نادر الإمكان، في الفصول التالية.
6
العمل مع الأحلام، وأحلام اليقظة، والفانتازمات
في التحليل يُكشف، في صلته بالأحلام، من المكبوت أكثر بكثير مما يُكشف بأي طريقة أخرى.
—فرويد
لا يستطيع أحد أن يمارس تأويل الأحلام بوصفه نشاطًا معزولًا: فهو يظل جزءًا من عمل التحليل.
—فرويد
إن النصيب الأسد من مادة التحليل يقدمه، في العادة، الحلم والفانتازم. ولماذا؟ لأن اللاوعي، عبر تشكيلاته الحلمية، "ينضم" إلى العمل التحليلي، فيستكمل، على مستوى واحد على الأقل، قصة حياة المحلَّل كما يرويها هو نفسه، ويلمح إلى ذكريات تركها خارج السرد. ففي بعض الحالات قد يكون المحلَّل ببساطة قد عجز عن استدعاء تلك الذكريات حين رسم الخطوط العريضة لحكاية حياته في بداية التحليل، لكنه يستطيع أن يتذكرها بسهولة عندما تستثيرها عناصر الحلم. وفي حالات أخرى قد يكون نسيها فعلًا. فاللاوعي يلمح إلى مثل هذه الذكريات المحذوفة؛ والأحلام، وأحلام اليقظة، والفانتازمات، لا تعرض الذكريات عادة عرضًا مباشرًا، بل تقدم نتفًا من مشاهد أو عناصر مرتبطة بمشاهد من الماضي: أسماء، وأماكن، وألوانًا، وأصواتًا، وروائح، وما إلى ذلك. ونادر جدًا أن تُستعاد هذه المشاهد فيها استعادة مباشرة؛ بل إنها تُستحضر غالبًا على نحو جديد، وعلى نحو رغبوِي، بما يتيح لنا أن نهتدي إلى أفكار عن تلك المشاهد ربما ما كانت لتتبادر لو أنها حضرت إلى الذهن بطريقة أخرى. وهذا العرض الخلاق لمشاهد الماضي في نتاجات المحلَّل الحلمية يتيح لنا أن نستشف في المشاهد التي يلمح إليها دوافع أو مقاصد أو رغبات أخرى، غير تلك التي كنا سنراها لو أن المحلَّل اكتفى بالإبلاغ عنها في خطابه العادي عن حياته.
كيف يمكن الإفادة من الأحلام، وأحلام اليقظة، والفانتازمات، في التحليل؟ بينما يميل المحلَّل تلقائيًا إلى قراءة الحلم ككل، بوصفه قصة يمكن، مع بعض الاستبدالات، تطبيقها على حياته بسرعة نسبية، ينبغي للمحلل أن يستخرج تداعيات تكاد تمس كل كلمة وكل عبارة في السرد اللفظي للحلم، من غير أن يرفض من البداية تفسيره الإجمالي السريع: "بالي؟" "أصفر؟" "سيارة مكشوفة؟" هكذا عليه أن يسأل. فقد تقود تداعياتها حول هذه العناصر بعيدًا جدًا عن العلاقة الوليدة في حياة المحلَّل. أو قد يحاول المحلَّل، من تلقاء نفسه، "فك شيفرة" الحلم باستبدال عنصر أو عنصرين بعناصر أخرى، كما فعل يوسف حين أول حلم فرعون بالبقرات السبع السمان والبقرات السبع العجاف على أنه يشير إلى سبع سنين من الخصب وسبع سنين من المجاعة. والمسلك الأول الذي يجربه المحلَّل تلقائيًا يوافق ما وصفه فرويد، في The Interpretation of Dreams، بالطريقة "الرمزية" في تأويل الأحلام؛ أما المسلك الثاني فيوافق طريقة "فك الشيفرة". وهاتان هما الطريقتان اللتان سادتا في عصور ما قبل التحليل النفسي.
غير أن الأكثر إضاءة بكثير هو منهج فرويد القائم على اتخاذ كل كلمة أو تعبير في رواية المحلَّل لحلم أو حلم يقظة أو فانتازم، نقطة انطلاق محتملة لسلسلة كاملة من الأفكار المرتبطة بحياة المحلَّل وفانتازماته. فقد استعاد أحد محلَّليَّ مرة مشهدًا بالغ القوة من ماضيه بمجرد أن دَاعَى إلى لون شيء ظهر في حلم رآه، وكان قد وصفه أولًا بأنه "أزرق أو أخضر". واتباعًا لنصيحة فرويد بأن نأخذ كلا حدَّي البديل بوصفهما عبارتين جديرتين بالتداعي، حتى لو شعر المحلَّل أنه يصحح الأولى بالثانية، شجعته على أن يداعي إلى كلتيهما. وانتهى به الأمر إلى أن اللون في الحلم كان هو نفسه لون السجادة "الزرقاء البودريّة" في غرفة طعام بيت طفولته. وتذكر فجأة أنه كان ممددًا يومًا على تلك السجادة، فسمع أصواتًا آتية من الغرفة المجاورة؛ فذهب ونظر عبر الأبواب ذات الشرائح بين غرفة الطعام وغرفة الجلوس، فرأى أمه وأخاه يمارسان الجنس على الأرض، فيما كانت الشرائح تقطع جسديهما بصريًا إلى مقاطع أفقية غريبة. وبعد أن استعاد ذلك المشهد بفضل عملنا التداعي على الحلم، خفت الصور المزعجة التي كانت تنتابه آنذاك، عن أجساد جزئية تنخرط في أفعال جنسية. ولم يكن بوسع أحد أن يخمن المشهد الذي كان هذا العنصر الحلمي يلمح إليه انطلاقًا من المحتوى الظاهر للحلم، الذي كان يدور حول اختيار دفتر في متجر. ومع ذلك، يبدو أنه كان واحدًا من الأفكار الكامنة التي دخلت في بناء الحلم.
وكما ذكرت في الفصل 2، لا يوجد حلم قصير إلى حد يبرر صرف النظر عنه باعتباره غير منتج للتحليل. فحتى لو لم يتذكر المحلَّل إلا "شيئًا عن معطف مطر"، يمكن في الغالب إنجاز عمل مفيد، إذا أصر المحلل على أن يداعي إليه. وغالبًا ما يسارع المحلَّلون إلى اعتبار الأحلام القصيرة، أو الغامضة التذكر، أو المبهمة، عديمة الفائدة بوضوح؛ إذ يُستدرجون إلى الظن بأن الأحلام المفصلة نسبيًا والواضحة التذكر وحدها يمكن أن تخدم أي غرض تحليلي، لأنهم يتطلعون تلقائيًا إلى تأويل المحتوى الظاهر بدل محاولة العثور على المحتوى الكامن، أي السلسلة الكاملة من الأفكار والذكريات والمشاعر التي تستدعيها كل واحدة من عناصر الحلم المختلفة. ومع ذلك، فإن نسيان المحلَّل لمعظم الحلم قد يوحي بأنه تناول موضوعًا شديد الإيلام بالنسبة إليه، موضوعًا يخضع للكبت، وهذا يمنحنا سببًا إضافيًا للعمل على القليل الذي بقي في ذاكرته. فالنسيان، في نهاية المطاف، علامة من علامات الكبت. وكذلك حين تعلن المحلَّلة أنها لا تملك إلا ذكرى باهتة أو خافتة عن حلم ما، ينبغي لأسماعنا أن تلتقط أن الحلم ربما كان مشحونًا بقوة أكبر من غيره، وهذا بالذات هو ما يجعل تذكره أصعب عليها.
ذكر أحد محلَّليَّ مرة حلمًا طويلًا، لم يتذكر منه إلا اسم خريسيبوس والشعور الغامض بأنه كان في الحلم يبحث عن مؤلفاته. ومع أنه كان مترددًا في البداية في التأمل في مثل هذا "الحلم الهزيل"، فإنه قدم التداعيات التالية حين طلبت منه أن يقول كل ما يخطر له عن خريسيبوس: كان فيلسوفًا رواقيًا، وكان المحلَّل قد انكب مؤخرًا على المنطق الرواقي. ثم خطر له أنه قرأ في مكان ما أن "خريسيبوس كان في عظمة أرسطو"، لكن ضياع مؤلفاته جعل إثبات هذه الدعوى صعبًا. ثم أضاف بعد وقفة أنه، بما أنه لم ينشر عمله الخاص بعد، فلا بد أنني بالنسبة إليه أشبه أرسطو، في حين أنه هو أشبه خريسيبوس، بما يوحي برغبة معينة في أن يكون "غزير النشر" مثلي. وأضاف: "بل أفضل!" وعلى قصر ما بقي في ذاكرته من الحلم، فقد أخرج شبكة كاملة من الأفكار والرغبات المتعلقة بطموحات المحلَّل وتنافسه معي، وهو موضوع كان متثاقلًا في الأصل عن الكلام فيه.
في المراحل المبكرة من التحليل، كثيرًا ما لا يحتاج المحلل إلى أكثر من استخراج تداعيات المحلَّل إلى مختلف عناصر الحلم؛ فالذكريات التي تُستعاد في هذه العملية تساعد على استكمال قصة حياة المحلَّل، وتقنعه عمومًا بأن في الأحلام أشياء أكثر بكثير مما كان يميل إلى الاعتقاد به أول الأمر. ولا حاجة إلى أن يداعي المحلَّل إلى كل عنصر في الحلم على الإطلاق، لأن بعض التداعيات سيفضي على الأرجح إلى اتجاهات مهمة، ومن المجدي متابعتها لذاتها.
فعلى سبيل المثال، روى لي أحد المحلَّلين مرة حلمًا بالغ التفصيل، اختصرته هنا لأغراضي الحالية:
كان في متجر بعد الإغلاق، وشعر بوجود رجلين آخرين هناك، كلاهما من 2001: A Space Odyssey. التفت فرأى Darth Vader، وكان قد قتل الرجلين الآخرين. وقال Darth Vader إنه سيقتل المحلَّل، فأخذ هذا يماطل طالبًا وقتًا، وقال إنه مضطر إلى الذهاب إلى الحمام. تبعه Darth Vader إلى الحمام؛ وبينما كان يتجه إلى المبولة سمع Darth Vader يسحب مسدسًا، ثم شعر به على مؤخرة عنقه. وفجأة ساوره الإحساس بأنه أُصيب برصاصة في مؤخرة رأسه، وتعجب من أنه لم يسمعها. واحتج في نفسه قائلًا: "لو كنت سمعتها لكنت ميتًا." مد يده فوجد ثقبًا في رأسه. وقال لنفسه: "هكذا إذن يكون الأمر حين يكون المرء ميتًا."
ثم عاد إلى المتجر، فإذا عائلته هناك؛ حاول أن يكلم أخته، لكنها لم تستطع أن تسمعه. وقف أمامها فاصطدمت به، لكنه كان غير مرئي!
وفي المشهد التالي كان في بهو. وكان أصدقاؤه هناك أيضًا، وحاول أن يكلمهم، لكنهم لم يستطيعوا سماعه.
ثم تبدل المشهد، فصار في سيارة مع ثلاثة أو أربعة أشخاص آخرين. وأدرك أنهم في طريقهم إلى اجتماع، لكنهم لا يعرفون كيف يصلون إلى مكان الاجتماع. وكان هو يعرف الطريق، لكنهم لم يستطيعوا سماعه عندما أعطاهم الإرشادات. فانتقل إلى مقعد السائق وبدأ يقود. فقال أحدهم: "انظروا، السيارة تقود نفسها."
وصلوا إلى وجهتهم، فدار حول البيت معتقدًا أنه بيت Conan O’Brien؛ ثم دخل الحمام وتبول في المرحاض. فدخلت امرأة ظن أنها لا بد أن تكون زوجة Conan. نظرت إلى ماء المرحاض وقالت: "أوه، هذا غريب." لم تكن تراه، لكنها كانت ترى الماء. وفكر منتشيًا: "ها أنا أؤثر في العالم أخيرًا! سأحاول أن ألفت انتباهها." فقبض على ثدييها فضحكت. وفكر: "لقد وصلت أخيرًا إلى أحدهم"، ثم استيقظ.
كان في هذا الحلم من المشاهد والتفاصيل ما يجعل الخوض فيها كلها في جلسة واحدة أمرًا متعذرًا بوضوح. وقد ركز نقاشنا للحلم، في الجلسة التي رواه فيها، على نقاط رئيسة قليلة فقط، ثم عاد إليه في جلسات لاحقة، لكن من غير استقصاء كامل. بدأ بالقول إنه كان يشعر بأن تأثيره في العالم ضعيف، وأنه غير مرئي، لكن الحلم قدم له بارقة أمل. وقال إن مفتاح Star Wars كله هو أن Darth Vader هو والد Luke Skywalker؛ ثم تابع قائلًا إن الحلم يتعلق بكيفية البقاء في العالم بعد أن يقتلك أبوك. ثم صمت.
"وأنت تتبول؟" سألت. فأجاب أن التبول شكل من أشكال المنافسة: فقد قال مرة عن أخيه: "لن أدخل معه في مسابقة تبول." فالشريكان متساويان في منافسة أخوية، لكن الأمر لا يكون كذلك بين الأب والابن. أما المنافسة بين الأب والابن، فليست عبثية، كما قد تكون الحال بين الأخوين.
وفي ما يتعلق بـ Conan O’Brien، أشار المحلَّل إلى أن Conan تولى برنامج David Letterman عندما انتقل الأخير إلى CBS. وكان Conan مجهولًا آنذاك، وكان يعتذر مرارًا عن أدائه خلال سنواته الأولى في البرنامج. وذكر المحلَّل أنه كان ينفعل جدًا حين يسمع اعتذارات Conan، إذ كان يشعر أن Conan لا ينبغي أن يعتذر لأنه كان جيدًا جدًا. واعترف بأنه لا يعرف لماذا كان ينفعل إلى هذا الحد. وأنهيت الجلسة عند هذا الموضع، إذ بدا لي أن من الأنفع إنهاؤها عند شيء لا يفهمه عن نفسه بعد، بدل أن أفكك جميع خيوط الحلم آنذاك.
وفي لقائنا التالي، أفاد المحلَّل بأنه فكر أكثر في الحلم، ولا سيما في النقطة التي أنهيت عندها الجلسة. وقال إنه أدرك أنه يتماهى مع Conan، وأن عليه، مثل Conan، أن يتوقف عن الاعتذار عن "عمله المبكر". ورأى أن العمل الذي كان يقوم به "ليس سيئًا إلى هذا الحد"، بل "هو جيد في الواقع". والمثير للاهتمام أنه، في الليلة الفاصلة بين هاتين الجلستين، رأى لأول مرة في حياته حلمًا عن ممارسة الجنس مع زوجته هو. وربما لم يكن ذلك منفصلًا عن قبوله المتنامي لسلامة عمله هو وجودته، ولإنجازاته الخاصة. ومع أننا لم نستكشف كل زاوية من زوايا الحلم، ولا كل رغبة ممكنة تحققت فيه، فإن عددًا من التمفصلات المهمة قد تحدد، وأسهم الحلم في الحركة العامة للتحليل.
قد يثير حلم معين اهتمام المحلَّل بما يكفي ليعود إليه في جلسات لاحقة، ويقدم تداعيات إضافية حوله. غير أنه حتى عندما لا يعود المحلَّل إلى ذلك الحلم بعينه، فلا داعي لأن يقلق المحلل من أن المادة التي لم يسعف الوقت المحلَّل في التداعي إليها ستضيع إلى الأبد. فقد قال لنا فرويد:
يمكننا أن نطمئن إلى أن كل نزوع رغبي يخلق حلمًا اليوم سيعاود الظهور في أحلام أخرى ما دام لم يُفهم ولم يُسحب من هيمنة اللاوعي. ولذلك كثيرًا ما يكون أفضل سبيل إلى استكمال تأويل الحلم أن نتركه ونوجه انتباهنا إلى حلم جديد قد يحتوي المادة نفسها في صورة ربما كانت أيسر تناولًا.
وكما أشرت سابقًا، فمن المستحسن عمومًا أن يُترك للمحلَّل زمام المبادرة في افتتاح الجلسات وإثارة الموضوعات المختلفة التي يريد مناقشتها، بدل توجيهه على نحو منتظم إلى التداعي إلى حلم رُوي في الجلسة السابقة. فالمحلل الذي يخشى أن تضيع بداية معينة أو تداعٍ حاسم إذا لم يعد إليه في الجلسة التالية، قد يجد أنه خسر أكثر بكثير حين اغتصب دور المحلَّل في العلاج: فقد ينتهي بالمحلَّل الأمر إلى الشعور بأنه موجود هناك فقط ليجيب عن أسئلة المحلل ويتبع خط استقصائه، بدل أن يثير هو أسئلته عن حياته وأن يتولى زمام التحليل بيديه.
وحين يكون التحليل قد مضى بعيدًا وصار المشروع التحليلي مشروع المحلَّل نفسه، يستطيع المحلل، بالطبع، أن يتولى القيادة بإيجاز بين الحين والآخر؛ وعلى نحو أعم، يمكنه أن يشير إلى صلات لفظية أو موضوعية بين المادة التي يثيرها المحلَّل في الجلسة التالية وبين مناقشة حلم في الجلسة السابقة، وغالبًا ما يكون ذلك بمجرد التشديد على تعبير اصطلاحي أو صفة استعملت في كلتيهما، أو بقول شيء في غاية الحد الأدنى مثل: "مثلما في الحلم الماضي؟"
ومع أن فرويد قال مرة: "ينبغي أن يُعد مقدار التأويل الذي يمكن إنجازه في جلسة واحدة كافيًا، ولا ينبغي اعتبار عدم اكتشاف محتوى الحلم اكتشافًا كاملًا خسارة"، فإن هناك أحلامًا معينة تقلق المحلَّلين أو تثير فضولهم إلى حد يجعلها تصير علامات مميزة لجهات معينة من تحليلاتهم، فيعودون إليها من وقت إلى آخر على امتداد أشهر أو سنوات. وقد يُكرس لتحليلها في البداية جزء من عدة جلسات، ولا شيء يدعو إلى استبعاد مناقشتها في مراحل لاحقة. وينبغي النظر إلى الأحلام بوصفها قابلة للاستنفاد على نحو محتمل، إذ لا توجد نقطة توقف محددة سلفًا لتأويلها، وبالتالي لا يوجد شيء اسمه "التأويل الكامل" لحلم. فالمحلَّل يكف تلقائيًا عن التكهن بمعنى حلم ما عندما يتوقف الحلم عن إلهامه إلى ذلك، أو عندما لا يعود يزعجه أو يحيره أو يثير فضوله، أو عندما تتقدم إلى الواجهة مادة أخرى أشد إلحاحًا.
رأت إحدى محلَّلاتي مرة حلمًا مفصلًا إلى حد ما عن وجودها في طائرة أُجبرت على الهبوط الاضطراري. وكانت، في الحلم، قلقة بشأن إنزال حقيبتها من الحجرة العلوية، فجاء قائد الطائرة إلى المقصورة الرئيسة ليساعدها في حقيبتها، فإذا بها علبة حليب. ودارت مناقشاتها الأولى للحلم حول الدور الذي اضطلع به الطيار في إنزال الطائرة بأمان، إذ إنها كانت، طوال سنوات، تتخيل الطائرات وهي تهوي إلى المحيط، وكانت تصاب بنوبات هلع أثناء الرحلات؛ كما أنها وجدت صعوبة في الثقة بالرجال وتقبل أي مساعدة أو حب منهم. لكنها ظلت متحيرة من علبة الحليب التي كانت أمتعة اليد الخاصة بها، ولم يكن إلا بعد أشهر عدة أن توجهت مباشرة إلى موضوع الأمومة الذي أثارته هذه العلبة، فوسعت الحديث في دور الرجل داخل أفكارها بشأن إنجاب الأطفال، وهو أمر كانت شديدة التردد حياله. وقد خدمها هذا الحلم، القديم منذ أشهر، نقطة انطلاق مفيدة جدًا لاستكشاف أفكارها ومشاعرها في هذا المجال، وأفضى إلى تأويلات للحلم اختلفت من بعض الوجوه عن التأويلات التي كانت قد توصلت إليها أولًا.
وقد يكون تخصيص أكثر من جلسة واحدة لتأويل حلم أمرًا مفيدًا على وجه الخصوص عندما تكون الأمور قد تجاوزت مجرد استخراج التداعيات إلى مختلف عناصر الحلم، لأن هذا هو الموضع الذي يبدأ فيه استكشاف الرغبة أو الرغبات الممكن العثور عليها في الحلم. فكثير من المحلَّلين يبدؤون تلقائيًا عملية التداعي إلى أحلامهم قبل أن يرووها في الجلسات، وهو ما يدل على أنهم أخذوا على عاتقهم جانبًا كبيرًا من عمل التحليل، وعندئذ يستطيع المحلل أن يركز انتباهه أكثر على الإصغاء إلى تلك العناصر من الحلم التي لم يداعِ إليها المحلَّل، أو تركها خارج عملية التداعي، أو لم يمنحها إلا عناية يسيرة. لكن قلائل من المحلَّلين يبدؤون تلقائيًا بمحاولة سبر الرغبة أو الرغبات المتحققة في الحلم، وهنا، في الغالب، يكون على المحلل أن يعمل بأقصى ما يستطيع.
العثور على رغبة في حلم
إن التأويل الكامل لمثل هذا الحلم سيتطابق مع اكتمال التحليل كله.... والأمر هنا شبيه بإيضاح عرض واحد. فلكي يُفسَّر يلزم التحليل كله؛ وفي أثناء العلاج ينبغي السعي إلى الإمساك أولًا بهذا الشذرة، ثم بتلك، من معنى العرض، واحدة بعد أخرى، إلى أن يمكن وصلها جميعًا ببعضها. وعلى المنوال نفسه، لا يمكن أن يُنتظر من حلم يقع في المراحل الأولى من التحليل أكثر من أن تبرز محاولة تأويله نزوعًا... رغبيًا واحدًا.
—فرويد
إن صوغ الرغبة أو الرغبات المتحققة في الحلم ليس مهمة يسيرة في الغالب، ولا توجد قواعد صارمة بشأن كيفية إنجاز ذلك. فأحيانًا يمكن تمييز الرغبة مباشرة إلى حد ما. فإذا حلمت محلَّلة، مثلًا، بأنها تفوت قطارًا، وكانت تداعياتها إلى القطار مرتبطة برحلة قادمة لزيارة أمها، فقد يبدو أن في داخلها رغبة في ألا تزور أمها. وقد تقول لنفسها بوعي إنها متحمسة لرؤية أمها، لكن حلمها يبدو كأنه يروي قصة مختلفة بعض الشيء. وما لا يخبرنا به فورًا هو: لماذا؟ أهي خائفة من أمها؟ غاضبة منها؟ خجلة منها؟ خائفة من انجذابها هي إلى أمها؟ هنا ينبغي أن تُقاد المحلَّلة إلى احتمال أن في داخلها شيئًا لا يريد الذهاب، وأن تُشجع على استكشاف ما قد يكونه ذلك. وكلما صعب عليها أن تتصور سببًا لعدم رغبتها في الذهاب، زاد احتمال أن يكون الحلم قد لامس شيئًا مكبوتًا، سواء أكان رغبة لاواعية في معاقبة أمها، أم تماهيًا مع أبيها الذي كان يخلف مواعيده مع الأم بانتظام، أم واحدًا من دوافع كثيرة أخرى. فمع أن الرغبة في مثل هذا الحلم المباشر نسبيًا يمكن التعبير عنها ببساطة شديدة، أي رغبة في عدم الذهاب، فإن الصياغة الأتم لهذه الرغبة قد تكون معقدة للغاية. فإذا دَاعَت المحلَّلة، مثلًا، من فوات القطار إلى تعبير "تفويت الفرصة"، فقد تكون الرغبة المتحققة في الحلم هي تأكيد اعتقاد أبيها بأن ابنته لا يمكنها أبدًا أن تفعل شيئًا على الوجه الصحيح، أو أن تكون حاضرة لأجل أحد حين يحتاجها حقًا؛ وبذلك قد تكون تنحاز إلى أبيها ضد أمها. ولا ينبغي أن توحي بساطة الحلم كما يُروى بأن رغبة الحالمة لا بد أن تكون بسيطة أو شفافة.
وأحيانًا تنبثق الرغبة من تعاقب مشاهد، يؤلف كل واحد منها جزءًا من الفكرة التي تُصاغ فيها الرغبة. خذ، مثلًا، حلمًا بسيط البناء نسبيًا تموت فيه أم المحلَّلة، التي ليست مريضة على الإطلاق في الواقع، في المشهد الأول، ثم تجد المحلَّلة نفسها حرة، تسعى إلى أمانيها الأعز وتحققها، في المشهد الثاني. وعلى المستوى الأشد أساسية، يمكن قراءة الحلم كما لو كان يقول شيئًا من قبيل: "لو ماتت أمي لأصبحت أخيرًا حرة في أن أكون نفسي"، ويمكن أن تُصاغ الرغبة فيه على نحو: "أتمنى أن تموت أمي لكي أتمكن أخيرًا من أن أكون نفسي." وفي المراحل المبكرة من التحليل، من غير المرجح أن تجمع المحلَّلة بين المشهدين على هذا النحو؛ بل ستعبر بالأحرى عن حيرتها إزاء تجاور مشهدين تبع في أحدهما شيء بدا لها مفزعًا جدًا عند الاستيقاظ شيء آخر بالغ الإبهار. فالحلم نفسه لا يقدم جملة "إذا... فـ..." الضرورية لربط المشهدين؛ وغالبًا ما يكون على المحلل أن يزودها بها.
وينبغي أن يكون واضحًا هنا أن الرغبة أو الرغبات الضمنية في الحلم ليست بالضرورة معقدة جدًا أو عصية على القول على نحو مطلق. فقد قال لنا فرويد:
من السهل جدًا أن ننسى أن الحلم، في القاعدة، ليس إلا فكرة مثل أي فكرة أخرى، أمكنها الظهور بفضل استرخاء الرقابة وبفضل التعزيز اللاواعي، وتشوهت بفعل عمل الرقابة وبفعل المراجعة اللاواعية.
والفكرة المعبر عنها في الحلم قد تكون، في مناسبات كثيرة، شديدة الشبه بأفكار أخرى يعبر عنها المحلَّل في أثناء جلساته التحليلية. ولسنا مضطرين إلى البحث عن شيء فخم إلى حد التكلف، أو غامض، أو معتم.
وفي أحيان كثيرة يمكن تمييز رغبات متعددة بسهولة نسبية، وقد تكون هذه الرغبات متكاملة أو متناقضة، كأنها تلغي بعضها بعضًا. حلم أحد محلَّليَّ أننا كنا نعقد جلسة حضورية، وكان هو واقفًا. ثم أدرك فجأة كم كان وقوفه على ذلك النحو محرجًا، فجلس في مقعد وثير قريب. وفي مناقشة الحلم، أشار إلى أن في طريقته في ذلك شيئًا مستقلًا، بل شبه متحدٍّ، لأنه لم يسألني إن كان يمكنه الجلوس أو أين يجلس، وإنما مضى وفعل ما رآه مناسبًا. وفي الوقت نفسه، بدا له أن قراره أن يجلس في المقعد الوثير يدل على أن موقفه من التحليل كان يتغير، وأنه كان يرخّي حذره: فعندما كان واقفًا كان أكثر تيقظًا، وكان يستطيع أن يغادر الغرفة في لمح البصر إذا أراد، تمامًا كما ظل، طوال أشهر كثيرة، متحفزًا وعلى أهبة أن يترك التحليل في أي لحظة. كما أعرب عن قلقه من أن المقعد الوثير مريح أكثر مما ينبغي، وحميم أكثر مما ينبغي: فالنهوض منه إذا أراد فجأة أن يغادر سيتطلب جهدًا أكبر بكثير.
وهكذا بدا له الحلم مفارقًا، إذ كان كأنه يعبر، من جهة، عن رغبة في تأكيد ذاته، وفي التصرف باستقلال من غير أي اعتبار لما قد أريده أنا، ومن جهة أخرى، عن رغبة في أن يتيح لنفسه أن يستقر في التحليل، وأن يغدو أكثر حميمية معي وأقل تحرزًا. كما لفت نظره المعنى المزدوج الذي نسبه إلى وقوفه أمامي: فقد رآه، في آن، وضعية توقير، ووضعية تخوله أن ينظر إليَّ من علٍ. وعندئذ غدا الجلوس، في آن، كفًا عن المبالغة في التوقير، وكفًا في الوقت نفسه عن النظر إليَّ من علٍ، إذ كان موقفه حتى ذلك الحين موسومًا بمزيج غريب من التوقير والازدراء، ومن الشعور بالدونية والتفوق.
ومع أن المعاني والرغبات الضمنية في مثل هذا الحلم قد تبدو متناقضة بعض الشيء، فإنه يجب أخذها جميعًا على محمل الجد: فلا ينبغي بذل أي محاولة لاختزالها إلى معنى واحد متسق أو رغبة واحدة متسقة. ففعل ذلك سيكون عنفًا موجهًا إلى تعقيد مواقف كل محلَّل ودوافعه ورغباته. وليس هناك أي سبب قبلي يدعو إلى الظن بأن الناس متسقون في مواقفهم من شخص واحد أو شيء واحد، وسيكون من الحمق محاولة اصطناع نوع من الاتساق اصطناعًا.
وفي بعض الحالات، يشبه العثور على رغبة في حلم العثور على إبرة في كومة قش. وسواء انتهى المرء إلى أن ليس كل حلم يحقق رغبة، مخالفًا بذلك تقرير فرويد الذي يأتي أحيانًا مطلقًا وأحيانًا مخففًا، أو إلى أن المرء لم يتمكن ببساطة من دفع تحليل الحلم إلى مدى أبعد، فالنقطة المهمة هي أن نبقي أعيننا مفتوحة على الرغبات الممكنة حين نعمل على الأحلام.
الرغبات المناقضة للحدس
في الأحلام معرفة تفهمها لا صلة لها بما يبقى لك حين يُفترض أنك مستيقظ. ولذلك فإن فك رموز الأحلام بالغ الأهمية.
—لاكان
من العقبات التي تُصادف كثيرًا في حمل المحلَّلين على البحث عن الرغبات في الأحلام وأحلام اليقظة والفانتازمات أن الرغبات المعبر عنها فيها تكون في الغالب مناقضة تمامًا لما يراه المحلَّل في حياته اليقظة، وفي كثير من الحالات تكون النقيض الدقيق لما يظن بوعي أنه يريده. فكثير من الأحلام يحقق رغبات في العقاب، أو في أن تسوء العلاقات أو الوظائف، أو في الفشل في أي عدد من مشاريع الحياة. ونادرًا ما تكون غريزة المحلَّل الأولى أن يقول: "لا بد أنني أريد الفشل في المدرسة، تُرى لماذا؟" ثم يمضي إلى الظن بأنه ربما كان يحاول لاواعيًا أن يثبت صحة قول أبيه بأنه لن يساوي شيئًا أبدًا، أو أن يبين للعالم أنه ليس جزءًا من أسرته المثالية الناجحة كما يُفترض. وعندما تُعرض عليه مثل هذه الدوافع الممكنة، يرجح أن يجيب: "لماذا قد أريد أن أثبت له أنه محق؟ ما الفائدة التي ستعود عليَّ من ذلك؟" لكن مجرد أن ذلك لا يفيده بأي "خير" بالمعنى البسيط المألوف لا يعني، بالطبع، أنه لا يحاول مع ذلك لاواعيًا أن يثبت له أنه محق. فلعل ما يجنيه من ذلك شيء هو في نهاية المطاف "سيئ" له، لكن ثمة دافعًا ما يجعله يسعى إليه على أي حال. فنحن البشر نطارد كل أنواع الأشياء التي نرى، بحكم أرجح، أنها سيئة لنا. وكان فرويد راضيًا في البداية بتفسير الأحلام التي يبدو أنها تنطوي على معاقبة الذات على أنها تشبع "نزعات مازوخية"؛ غير أننا سنرى أن هذا لا يفسر جميع هذه الأحلام.
وغالبًا ما توجد مسافة كبيرة بين الرغبة الظاهرة المتحققة في الحلم، كحلم الاستيقاظ متأخرًا عن امتحان مهم والعجز عن الوصول إلى القاعة التي يُعقد فيها الامتحان، وبين الرغبة أو الرغبات الأشد سيادة أو الأرسخ في العمر التي تقوم تحتها: كالرغبة مثلًا في السخرية من بعض ذوي السلطة، أو في الاستغاثة بأبوين عاشهما المحلَّل على أنهما مفرطا المطالبة. ومن المرجح أن ينزعج المحلَّلون من مثل هذه الأحلام فحسب، وألا يبحثوا عن أي رغبة فيها بسبب مسحتها المازوخية الظاهرة؛ وعلى امتداد الزمن ينبغي للمحلل أن يحاول أن يحملهم على تجاوز السطح.
وقد قدم فرويد لاحقًا طريقة أخرى للتفكير في "أحلام العقاب": إذ اقترح أنها كثيرًا ما "لا تفعل أكثر من أن تستبدل تحقق الرغبة الممنوعة بالعقاب المناسب لها." فحلمُ إلقاءِ الشخص في السجن، مثلًا، قد يشبع الرغبة في ارتكاب الجريمة التي يُلقى بسببها في السجن. وكان لأحد محلَّليَّ حلم مفصل إلى حد ما، كان يحاول فيه أن يتفادى انكشاف أمره بعد أن هرب لتوه من السجن. فرأى رجلًا مرتديًا معطفًا أسود، وسمعه يقول لصبي صغير: "هناك أنواع كثيرة مختلفة من المنحرفين. عليك أن تحذرهم؛ وإذا عثرت عليهم فعليك أن تقتلهم." وفجأة انتبه الرجل والصبي إلى المحلَّل، فأشهرا سكاكين وركضا خلفه؛ وغرز الرجل سكينًا في عنق المحلَّل، الأمر الذي جعله يستيقظ في حالة قصوى من القلق.
لقد نجح القلق الذي عاشه في تحويل انتباهه بعيدًا عن تعليق الرجل في الحلم بشأن المنحرفين؛ ويمكن فهم العقاب الذي ناله في الحلم هنا بوصفه إشارة إلى أن المحلَّل قد أتى ما كان يعده هو نفسه فعلًا منحرفًا. وبهذا المعنى، حقق الحلم رغبته في أن يتصرف كما يتصرف "المنحرف" في نظره، لكن الحلم، بدل أن يمسرح إنجاز "الفعل المنحرف" المعني، مسرح إنجاز العقاب الذي كان يشعر بأنه ينبغي أن يناله لقاء الإتيان بذلك الفعل.
الرغبات الواعية في مقابل الرغبات اللاواعية
ينبغي للمرء أن يعتاد أن يكون الحلم، على هذا النحو، قادرًا على حمل معانٍ كثيرة.
—فرويد
يبدو أن المشتغلين المعاصرين نادرًا ما ينتبهون إلى تمييز فرويد بين الرغبات الواعية والرغبات اللاواعية التي يُعبَّر عنها في الأحلام. فرويد يحثنا على أن نأخذ الرغبات الواعية في الحسبان، لكن أن نتابع عملنا على الحلم، حين يكون ذلك مناسبًا في سياق المعالجة التحليلية عمومًا، بحثًا عن الرغبات اللاواعية. ففي نهاية المطاف، هذه هي أكثر ما تفيد الأحلام في مساعدتنا على بلوغه.
قال لي أحد محلَّليَّ مرة إنه رأى حلمًا في الليلة السابقة لجلسته معنا، لكنه نسيه. وفي جلستنا التالية أخبرني أنه تذكر الحلم الذي كان قد نسيه، وكان مضمونه على نحو تقريبي:
كان يخضع لعملية زرع قلب. وكانت هناك حقيبة بلاستيكية من نوع Ziploc سيُوضع فيها قلبه، إما للتخلص منه، أو لكي يبقى هناك، ببساطة، في بيئة طبية معقمة أثناء العملية، ثم يُعاد بعد ذلك إلى صدره. وسمع بعض الممرضات وهن يتحدثن، ويقلن إنه ربما كان سيخضع لعملية مجازة بدل الزرع. وأراد أن يغيّر رأيه، لكن الأوان كان قد فات. وأراد أن ينهض ويخرج فحسب، لكن الأوان كان قد فات.
وقال إنه، لدى استيقاظه، ربط الحلم فورًا بالتحليل: فمن خلال التحليل كان يحصل على قلب جديد. ولم يكن يرى نفسه "واسع القلب"، وهو تعبير كان يعني له أن يكون عاطفيًا، دافئًا، ومتصلًا بالآخرين. والحصول على قلب جديد معناه أن يصبح أدفأ وأكثر اتصالًا بالآخرين.
وفي متابعة مناقشة الحلم، علّق بأنه كانت لديه شكوك في التحليل منذ بداية العلاج، إذ كان المنهج التحليلي يبدو له متعارضًا مع معتقداته وممارساته الروحية. وكان يمر أحيانًا بما يشبه "تبدل القلب" تجاه التحليل، ويفكر في مغادرته. ومع ذلك، فقد أشار إلى التحليل بوصفه "أحدث حلقة في السلسلة" من مساره الروحي، لكنه زل فقال بدل "أحدث حلقة" "آخر حلقة". وكان الأمر كما لو أنه يشعر بأن التحليل هو، بطريقة ما، فرصته الأخيرة. وعلى الرغم من أنه في ريعان العمر وفي صحة جيدة، فقد بدأ مؤخرًا يتخيل أنه مصاب بألزهايمر أو بمرض في القلب، وصار منشغلًا بأفكار الموت.
وفي أثناء الجلسة لم نصل إلى تداعياته إلى الممرضات وأكياس Ziploc البلاستيكية، وقد ظننت أن ذلك عمل لجلسة مستقبلية، لأن الأهم بالنسبة إليَّ كان إبراز أن الحلم شدد على حتمية العملية: فالتحليل لا يمكن إيقافه حتى لو أراد هو إيقافه. قلت: "رغبة في أن يستحيل إيقافه." فقال: "نعم، أن يصبح الأوان قد فات على التراجع عنه. سأشعر بالذنب إن فعلت، وأنا أعلم أنك ستقنعني بالبقاء.... [كونُ إيقافه مستحيلًا] سينهي شكوكي وترددي. ولن يبقى لي إلا أن أمضي معه."
وهذه، كما يمكن أن نقول، كانت واحدة على الأقل من الرغبات الواعية التي عُبِّر عنها في الحلم. أما رغبة لاواعية فقد كشفت عن نفسها في مناقشة العبارة اللفظية "أن يُجبَر"، التي استعملها المحلَّل مرارًا في رواية الحلم والتداعي إليه: فاتضح أنه كان كثيرًا ما يتخيل أن تجبره امرأة على أشياء كثيرة مختلفة، بل إنه اتصل فعلًا في مرحلة ما بامرأة مهيمنة جنسيًا (dominatrix). وكان الإجبار يلعب دورًا في عدد من فانتازماته الجنسية، ولم يكن شيء في حياته اليومية يستدعي لديه مشاعر متضاربة مثل شعوره بأنه يُجبَر على فعل شيء ما: إذ كان يجعله متمردًا ومكتفيًا سرًا في الوقت نفسه؛ كان يضيق به ويتبرم منه، ومع ذلك كان يرتب بعض الأوضاع بحيث يشعر بأنه مجبَر. وكان يجد صعوبة في اتخاذ القرارات، وخصوصًا القرارات الحياتية المهمة، ويتمنى أن يُجبره شخص ما أو شيء ما على اتخاذها، بما يعطل شكوكه وتردده. ويمكن أن نقترح أن الأمر في الحلم كان كما لو أنه يتمنى أن يجبره طبيبه على المضي في العملية.
ولم يكن أي من "مرشديه الروحيين" السابقين قد أجبره على الالتزام بممارسة معينة، ولذلك كان ينفصل عنهم جميعًا، واحدًا بعد آخر، مصحوبًا بشعور بالخيبة. ولم يكن موقفه منهم خضوعيًا إلى حد يشعر معه بأنه لا يستطيع مغادرتهم، ولذلك كان قد نجح دائمًا في تجنب العملية التي كان يشعر بأنه في أمس الحاجة إليها. كان قلب جديد سيسمح له باتخاذ القرارات، لكن المفارقة المأزقية هنا كانت أنه لن يكون قادرًا على اتخاذ قرار الحصول على قلب جديد إلا بعد أن يكون قد حصل عليه بالفعل!
وعندئذ تبدو الرغبة اللاواعية هي أن يُجبِره الآخر على أن يفعل ما كان يريد أن يفعله ويعلم أنه يحتاج إلى فعله. والمفارقة هنا أنه كان يعتقد أن بوسعه، من خلال أن يُخصى على هذا النحو، إذا صح التعبير، أن يتغلب على نوع الخصاء الذي كان يعيشه في عجزه المزمن عن اتخاذ القرارات والتصرف على أساسها، أي عن قبول أن قرار فعل شيء ما يقطع بالضرورة سبلًا أخرى ممكنة، فيحد من قدرة المرء على أن يفعل وأن يكون أي شيء وكل شيء. أي إنه كان يحتاج إلى أن يُخصى لكي يتغلب على الخصاء. بل إنه كان يشتكي كثيرًا من أن أباه لم يعلمه "كيف يكون رجلًا"؛ وكان الإيحاء، فيما يبدو، أن أباه كان سيعلمه ذلك لو أظهر لابنه ما يعنيه أن تكون لديه الجرأة على أن يخصيه، مجازًا طبعًا. ومن ثم فالرغبة اللاواعية، وهي رغبة شديدة الشيوع كما بينت في الفصلين 4 و5 وإن كان المشتغلون كثيرًا ما يعمون عنها، هي أن يوفر الأب/الطبيب/المحلل ذلك الخصاء الذي طال اشتياق المحلَّل إليه، الخصاء الذي أخفق أبوه البيولوجي أو بالتبني في توفيره. ولم تكن هذه رغبة ناقشتها مع المحلَّل في تلك الجلسة؛ بل اكتفيت بتسجيل ملاحظة بها للرجوع إليها مستقبلًا، إذ شعرت أن المحلَّل قد يفر لو نطقت أمامه بمثل هذه الرغبة التي تبدو فادحة إلى هذا الحد.
أحلام اليقظة والفانتازمات
وما الفانتازم إلا... ein Wunsch، أي رغبة، بل رغبة ساذجة إلى حد ما، شأن جميع الرغبات.
—لاكان
لم يعد أحد يتحدث عن الجنسانية في الأوساط التحليلية النفسية. فالمجلات التحليلية، عندما تفتحها، هي أعف المجلات التي يمكن تخيلها.
—لاكان
يبدو أن أحلام اليقظة والفانتازمات أصعب على معظم الناس في التذكر من نتاجاتهم الليلية. فبعد سن المراهقة وبدايات الرشد، حين يمضي كثير من الناس وقتًا طويلًا في أحلام اليقظة، ويعمدون غالبًا إلى تزويقها عمدًا ودفعها في اتجاهات معينة، يبدو أن قليلين منهم يدركون أصلًا أنهم ما زالوا يحلمون يقظة، ولا ريب أن ذلك يرجع، جزئيًا على الأقل، إلى الطبيعة المناقضة للحدس في أحلام يقظتهم. فالأفكار التي تومض في أذهانهم تبدو لهم غير سارة، أو فظيعة صراحة، ولا يفكرون فيها حتى بوصفها أحلام يقظة، إذ من المفترض، في الاستعمال الشائع، أن تكون أحلام اليقظة ممتعة إلى هذا الحد، ومشبعة للرغبات إلى هذا الحد. لذلك يبذلون قصارى جهدهم لينسوها بأسرع ما يمكن.
وما إن يدخل الناس في التحليل حتى ينبغي تشجيعهم على الانتباه إلى الأفكار والصور والسيناريوهات العابرة التي تمر في أذهانهم. والوحيد الذي قد يفكرون فيه بوصفه فانتازمًا، بالمعنى الدقيق، هو الأفكار والصور والمشاهد الجنسية التي تخطر لهم، لكن المدهش هو قلة ما يتذكره معظم الناس من الفانتازمات الجنسية، حتى عندما تكون هذه الفانتازمات قد استُدعيت مرارًا أو أُفْرِط في الانغماس فيها أثناء الاستمناء المتكرر. فكأن اللحظة التي يبلغ فيها الإرجاز تجرد الفانتازمات المصاحبة للاستمناء من أي فكر لاحق، بل إنها كثيرًا ما "تتبخر" من الوعي تمامًا.
وكثيرًا ما يعجز المحلَّل عن استرجاع فانتازم استمناء واحد، ولا سيما عندما تتعارض هذه الفانتازمات تعارضًا صارخًا مع الطريقة التي يفكر بها في نفسه في حياة اليقظة. فإحدى المحلَّلات، مثلًا، لم تكن تبلغ ذروتها إلا إذا تخيلت رئيسها في العمل يراقبها وهي تُثار على يد رجل آخر، في حين أنها كانت ترى نفسها في حياتها اليقظة امرأة مهنية حديثة تقيم علاقات وشراكات متكافئة مع الرجال. وكان محلَّل آخر يتخيل المرأة التي يهتم بها وهي تمارس الجنس مع رجل آخر بينما يراقب هو المشهد، في الوقت الذي كان يرى فيه نفسه طالبًا "علاقة كلية" مع امرأة: أن تكون حبيبته، وأفضل أصدقائه، وتوأمه الروحي، وقرينه الفكري، وباختصار شخصًا يمكنه أن يشاركه كل شيء. وليس مستغربًا أن تُنسى بهذه السرعة فانتازمات تناقض هذا التناقض الكامل ما يظنه المرء أنه يريده في حياته اليومية. ومنذ خمسينيات القرن العشرين، يبدو أن كثيرًا من المحللين اتخذوا من هذا النسيان ترخيصًا لتجاهل العالم الجنسي المعتم والمناقض للحدس، عالم الفانتازمات الجنسية، وهو ما يقول الكثير عن الدرجة التي تخلوا بها عن السعي إلى بلوغ المكبوت.
وفي حين يرجح أن تنظر المحلَّلة إلى مثل هذه الأفكار والصور الجنسية على الأقل بوصفها فانتازمات، فإن احتمال أن تنظر إلى الأفكار والصور العدوانية التي تومض في ذهنها على أنها فانتازمات أقل. فهي تبدو لها غريبة ومزعجة، وربما عصية على الفهم، لكنها بالتأكيد لا تبدو لها فانتازمات بالمعنى الدقيق. فإذا كانت تحمل رضيعها وتخيلت أنها تنزلق وتسقط به على الدرج، فإنها ستبذل ما بوسعها لطرد هذه الفكرة رعبًا، ولإخراج الصورة البغيضة من ذهنها إخراجًا كاملًا بحيث لا تستعيدها مرة أخرى إن أمكن. وإذا أيقظها صوت في الليل، فأخذت تتخيل أنها تستخرج مضرب بيسبول من خزانة الممر، ثم تزحف إلى الأسفل، وتفاجئ متسللًا، وتنهال عليه ضربًا بالمضرب حتى يفقد وعيه، مرة بعد مرة، إلى أن تجعلها وحشية المشهد نفسها تنفصل عنه وتعود بها إلى الوعي وهي تتصبب عرقًا ويخفق قلبها بعنف، فمن المستبعد جدًا أن تفكر في ذلك على أنه فانتازم! بل ستكون أميل بكثير إلى اعتباره أقرب إلى كابوس، وإلى أن تنفر تمامًا من رؤية أي اندفاعة رغبوية ممكنة فيه. وربما أمكن القول إن المحلَّلين في زماننا، الذي تتغلغل فيه الجنسانية في الثقافة الشعبية، والتي استولت على الاهتمام بالجنسانية الذي كانت تبديه من قبل أغلبية المحللين النفسيين، صاروا أميل إلى إنكار أي عنصر رغبي في اندفاعاتهم العدوانية منه في اندفاعاتهم الجنسية؛ إذ إن الأخيرة باتت مقبولة، في الذهن الشعبي، أكثر من الأولى.
وكثيرًا ما يُنسى أن أحلام اليقظة والفانتازمات قادرة على التنكر بقدر ما الأحلام قادرة عليه، وأنه لا بد من التداعي إليها هي أيضًا إذا أريد تأويلها. فقد تذكر أحد محلَّليَّ مرة أنه راودته "فكرة خبيثة" عابرة عن أخيه، ثم تخيل نفسه يتعرض "لحادث خبيث". وبدا له ذلك نموذجيًا للطريقة التي يعاقب بها نفسه على أي اندفاعات عدوانية قد يحملها نحو الآخرين، فسارع إلى فهرستها ضمن "نزعاته المازوخية" المألوفة جدًا لديه. ولم يخطر بباله لحظة واحدة أن الفانتازم الأول، إذا جاز القول، كان أن أخاه هو من يتعرض لحادث خبيث، وأن استبدال نفسه بأخيه كان قناعًا، شيئًا يجعل الفانتازم أيسر قبولًا لوعيه اليقظ جزئيًا. وحين قلت له: "أن تتخيل أخاك يتعرض لحادث..." أجاب: "أما ذلك فسيكون حلم يقظة!"
وأحيانًا ينبغي فهم العناصر في الأحلام، وأحلام اليقظة، والفانتازمات، على أنها تعني عكس ما يبدو أنها تعنيه لكي يمكن تبين أي معنى فيها. فقد كانت لامرأة عملت معها أمها قد أوضحت لها أنها غير مسموح لها بأن يكون لها رجل خاص بها، فانتازمات جنسية يكون فيها شريكها الذكر صاحب حريم كامل لا تكون هي فيه إلا واحدة من أفراده. ومع أن الفانتازم يرضي ظاهريًا نهي الأم عن أن يكون لها رجلها الخاص، فإنه، على مستوى واحد على الأقل، لا يفعل أكثر من استبدال تعدد الزوجات بالأحادية: لقد كان يشبع رغبة متنكرة في علاقة حصرية مع رجل. وكانت لها أيضًا فانتازمات تلبي فيها نزوات رجل عجوز قبيح الجنسية؛ وعلى مستوى واحد كانت هذه الفانتازمات تمسرح امتثالها لرغبات أمها بأن تغوي جميع الرجال وأن تكون متاحة لهم، مهما كانوا منفّرين، لكنها على مستوى آخر لم تفعل أكثر من استبدال شاب أحلامها الجميل بمتصابٍ هَرِم.
وغالبًا ما يصعب على المحلَّل أن يفهم كيف تكون الرغبات التي يبدو أنها مُعبَّر عنها في "فانتازماته" رغباته هو بأي معنى؛ إذ تبدو أقل ما تكون "رغباته" بقدر ما تبدو رغبات أشخاص آخرين عرفهم. فقد استعاد أحد محلَّليَّ وروى فانتازم استمناء سمع فيه في ذهنه عبارة: "حسنًا، لنشغلها." وأدرك فجأة أن هذه كانت العبارة نفسها التي كان أبوه يرددها وهو يتحدث عن سيارته. وعلّق المحلَّل بأنه، مثلما كان أبوه يتحدث عن سيارته كما لو كانت امرأة، كان هو يتحدث إلى قضيبه هو كما لو كان امرأة. وعلى مستوى ما، بدا أن رغبة أبيه هي التي كانت تتمسرح في الفانتازم. وأنهيت الجلسة عند ذلك الموضع، وفي الجلسة التالية أفاد المحلَّل بأن مناقشتنا للفانتازم عملت فيه عمل طقس طرد أرواح؛ إذ شعر كما لو أن جسده لم يعد جسد أمه: "صار لي واحد يخصني"، قال، "وأنا مكتمل العدة."
رغبة الإنسان هي رغبة الآخر
إن القوى المحركة للفانتازمات هي الرغبات غير المشبعة، وكل فانتازم واحد هو تحقيق لرغبة.
—فرويد
حين تجد المحلَّلة نفسها تحيا فانتازمات تبدو لها كأنها ليست فانتازماتها هي، يرجح أن تشعر باقتحام وغربة من قبل الرغبات ذاتها التي تجدها تسكنها. ومع ذلك، فمن حقائق الحياة التي لا مفر منها أننا نستدمج رغبات الآخرين، فنأخذها إلى داخلنا، وكثيرًا ما تمسرح فانتازماتنا رغبات الآخرين في صورة متنكرة أو غير متنكرة. وكما كان لاكان يردد كثيرًا، "رغبة الإنسان هي رغبة الآخر"، وهي صيغة لها معانٍ عديدة، وألصقها بموضوعنا هنا أننا نرغب في الشيء نفسه الذي يرغبه الآخرون. ومع ذلك، فكثيرًا ما يتردد المحلَّل في أن يعترف بأن الأشياء التي تجري في فانتازماته تعبر عن رغبات أصلًا، لأنها لا تُشعره بأنها رغباته الخاصة. غير أن هذا التردد لا بد من تجاوزه إذا كان له أن يتبين الرغبات التي تسكنه، وأن يصل إما إلى نقطة يشعر فيها بأنها رغباته أو إلى أن يتجاوزها إلى غيرها. وبما أن رغبات الإنسان مرتبطة إلى هذا الحد برغبات الآخرين، فمن الحماقة، على نحو دقيق، أن نتحدث عن "رغبات المرء الخاصة"، كما لو أن أحدًا يمكن أن يمتلك الرغبات أو يكون مالكها الوحيد؛ ومع ذلك يظل من المهم أن يبلغ المحلَّل نقطة يستطيع عندها أن يشعر بالألفة أو السلم مع الرغبات التي تسكنه.
كانت لأحد محلَّلاتي سلسلة طويلة من الفانتازمات الجنسية التي كانت تجدها منفرة ومخجلة على نحو خاص. ففي هذه الفانتازمات كانت امرأة تلعق الأعضاء الجنسية لامرأة أخرى، وكانت إحداهما، في الغالب، أكبر بكثير من الأخرى. وكان واضحًا أحيانًا أن المحلَّلة نفسها هي التي تقوم باللعق، لكنه لم يكن واضحًا كثيرًا من يفعل ماذا بمن. وخلال التحليل اتضح أن اللعق كان مرتبطًا في ذهنها بمداواة الجرح، ومن ثم، على سبيل الامتداد، بجعل الشيء كله على ما يرام. وكأنها كانت، في الفانتازم، تحاول أن تشفي جرح أمها، إذ كانت أمها قد جعلت لها واضحًا أشد الوضوح، من خلال مواقفها وخطابها، أنها تشعر بأنها محرومة من قضيب، وأنها ناقصة على نحو مؤلم في المجال التناسلي، وأنها تتوقع من المحلَّلة أن تعوضها عن ذلك، وأن ترده إليها.
ولم تشعر المحلَّلة في البداية بأنها أخذت على عاتقها أن تعوض أمها أو تشفيها على المستوى التناسلي، لكنها اعترفت بأنها فعلت طويلًا كل ما في وسعها لتجعل حياة أمها يسيرة قدر الإمكان، ولتتجنب المتاعب، ولتطيعها في كل شيء. وكان تقديم التضحية اللازمة على مذبح الأم هو طريقة الابنة في إبعاد أمها عنها: فلم تكن تشعر بأنها تستطيع أن تتخلص من أمها وتفكر في إرضاء نفسها إلا بعد أن تكون قد أرضت أمها. وفي هذه الفانتازمات كانت تضمن إشباع أمها، وتجعل نفسها أداة jouissance أمها، وكان بوسعنا، بمعنًى ما، أن نقول إن هذه الفانتازمات كانت تمسرح "رغبة الآخر"، مع أنها كانت مصممة أيضًا لحماية المحلَّلة من أن "تبتلعها أمها ابتلاعًا كاملًا". وكان عدد المعاني والدوافع المتضمنة في هذه الفانتازمات أكبر من ذلك بكثير، لكنها تبين مدى ما يصعب في الغالب أن يقال معه أين تنتهي رغبة الذات، في الفانتازم، وأين تبدأ رغبة الآخر. وما إن فُككت مختلف المعاني والدوافع حتى اختفت هذه الفانتازمات، التي كانت قد استمرت سنوات كثيرة، اختفاءً كاملًا، وحلت محلها فانتازمات جنسية ذات نبرة مختلفة جدًا.
وروى لي محلَّل ذكر فانتازمات جنسية متكررة كان فيها امرأة ورجل آخر ذو قضيب كبير، وكان الأخير هو الذي ينال الإشباع الجنسي في الفانتازمات، صراحة على الأقل. وربط المحلَّل القضيب الكبير بأبيه، متذكرًا أنه كان قد انبهر في طفولته "بقضيب أبيه الهائل"، وربط كون الشخصية الأبوية في الفانتازمات هي التي تنال الإشباع بعدد من جوانب العلاقة بينه وبين أبيه، كنا نناقشها منذ مدة. وأدرك أنه كان، إذا جاز القول، يسند أباه، إذ كان يشعر أن أباه يحتاج إلى أن يخطئ الابن لكي يستطيع الأب أن يصحح الأمور ويبين لابنه كيف ينبغي أن تُفعل. وكما قال المحلَّل: "[كنت] أضع نفسي في موضع مشكلة عليه أن يحلها." وكان هذا يسمح للأب بإظهار براعته في مجالات كثيرة، ويدعم صورة الأب عن نفسه بوصفه رجلًا قادرًا كفؤًا قياسًا إلى ابنه. وفي ما يتعلق بكون الشخصية الأبوية هي التي تمارس الجنس في الفانتازمات، علّق المحلَّل قائلًا: "لعل ذلك يجعله يصمت!" فقد كان الأب يقضي وقتًا وجهدًا كبيرين في انتقاد الابن، وكان الابن لا يجد الكلمات التي تسكته؛ فربما كان الجنس يفعل ذلك؟
وقد أفضت مناقشة هذه الفانتازمات إلى عدد ممتد من الجلسات لامس كل واحد منها حقيقة أن المحلَّل كان دائمًا يحمّل نفسه مسؤولية كونه "مخفقًا"، سواء في أدائه الدراسي أم في وقوعه في المشكلات على نحو أو آخر، ولم يكن ينسب أي لوم إلى أبيه. ومع ذلك وجد نفسه يعلق بانفعال شديد على قريب له بدا كأنه "يخفق" بالطريقة نفسها التي كان هو يخفق بها طفلًا، فقال إن والدي ذلك القريب لا بد أنهما ضغطا عليه أكثر مما ينبغي، وعاملاه على أنه طفل مشكلة، وإنه لا بد أن يكون ينتقم منهما. ولعل قدرًا كبيرًا من "سلوكه السيئ" في طفولته كان مدفوعًا سرًا ليس فقط بالرغبة في دعم صورة أبيه عن نفسه على أنه أرفع من طفله المشكل، بل أيضًا بالرغبة في تلطيخ سمعة أبيه الطيبة بالطين.
وفي فانتازماته الجنسية، كان المحلَّل يضمن إشباع أبيه، ويجعل نفسه أداة jouissance أبيه: كان يمتثل لما كان يشعر أن أباه يطالبه به، أي أن يكون فاشلًا، عاجزًا عن ممارسة الحب مع امرأة على النحو الصحيح، ولما كان يشعر أن أباه يريده. ومع ذلك، فحتى حين كانت هذه الفانتازمات تمسرح "رغبة الآخر"، فإنها كانت تُقحم الأب في الوقت نفسه داخل سيناريو "قذر" ذي إيحاءات مثلية وخلفية مشوبة باغتصاب زاني. وحتى حين كان المحلَّل يتصرف في هذه الفانتازمات بما يسند أباه، أي يتصرف بوصفه "ضامن الآخر"، فإنه كان يقوض أباه في الوقت نفسه، ويوجه إليه ضربة. وقد ساعدت مناقشة هذه الفانتازمات في سياق حياته على إبراز بعض غضب المحلَّل من أبيه، وهو غضب كان يميل إلى الظهور في صور مزاحة بوصفه غضبًا من آخرين حوله أو مني أنا، كما ألقت ضوءًا على بعض جوانب موقفه في الحياة إزاء الآخر.
أحلام القلق والكوابيس
يشير فرويد إلى أن الحلم يوقظنا في اللحظة بالذات التي قد يطلق فيها الحقيقة.
—لاكان
هناك فئة من الأحلام مقلقة إلى حد يبدو معه مستبعدًا تمامًا أن يكون فيها عنصر رغبي. فبعض الأحلام يجلب من القلق ما يوقظ الحالم ويجعله يعيشها بوصفها كوابيس. وقد افترض فرويد أنه، في مثل هذه الحالات، تكون الرقابة قد أخفقت في محاولتها تمويه رغبة شديدة اللاقبول بالنسبة إلى ما قبل الوعي، فيُنهى الحلم على نحو فجائي؛ ويكون الحلم بذلك قد فشل في حماية النوم، وفي أن يسمح للحالم بأن يواصل نومه. وبعد خمس وعشرين سنة اقترح تفسيرًا مختلفًا بعض الشيء: إذ افترض أن الرقابة الداخلة في تكوين الحلم لم تؤد عملها على الوجه الصحيح، على الأقل في حالات كثيرة؛ فقد أخفقت في تمويه الرغبة المتحققة في الحلم، وهي رغبة يرجح أن تكون مستهجنة في الحس الأخلاقي لدى الحالم، فتدخل القلق، في محاولة أخيرة يائسة لإرباك الحالم، الذي سيميل إلى ألا يلحظ إلا القلق المتولد من الرغبة المتحققة في الحلم، لا الإشباع الموجود فيها.
وقد روى أحد محلَّليَّ حلمًا كان يقبل فيه بحماسة واحدة من الموظفات اللواتي يعملن تحت إدارته في مكان عام في العمل يستطيع كثير من زملائه أن يروه فيه. وكان قلقًا للغاية من احتمال أن يراه أحد، وهو ما سيؤدي إلى فقدانه وظيفته ومعرفة زوجته بسبب طرده، وكان يحاول مرارًا أن يحمل الموظفة على أن تدخل معه مكتبه الخاص، ولكن من غير جدوى. وكان القلق هو الأسبق في أفكاره عن الحلم، الأمر الذي جعله يهمل إلى حد بعيد انجذابه إلى المرأة المعينة التي تخيل أنه يقبلها في الحلم، والمتعة التي كان يجدها في فعل التقبيل في مكان عام. ومن هذه الجهة، خدم القلق غرض تمويه اندفاعة رغبوية شديدة الوضوح معبر عنها في الحلم. كما خدم غرض حجب رغبة ممكنة في أن تكتشف زوجته علاقاته النسائية لكي تجبره على وضع حد لها وتعاقبه على خيانته.
وقال لي رجل آخر حلمًا مفصلًا جدًا كان من المفترض أن يلقى فيه زوجته في وقت ومكان معينين، لكن أشياء كثيرة استمرت في الحدوث داخل الحلم لإحباطه، فاستيقظ قلقًا من أن يجعل زوجته تنتظره. وحين علقت بأن الحلم يمسرح إبقاءه زوجته منتظرة، وسألته إن كان هناك أي وجه يمكن أن يريد فيه أن يتركها تنتظر، أشار فورًا إلى أنه كان يفكر في أنه يميل إلى تلبية كل طلب من طلباتها بسرعة زائدة، ويغفل أن يتركها فقط تريده، وأن يبقي رغبتها فيه حية، وهو أمر كان يشعر أنه ليس بارعًا فيه. وكان القلق في نهاية الحلم ستارًا فعالًا حال دون تعرفه إلى رغبة كان الحلم قد حققها صراحة: أن يجعل زوجته تنتظر.
وهكذا فإن ظهور القلق في الحلم يكون في كثير من الأحيان طعمًا: فالقلق يخدم غرض التمويه أو صرف الانتباه عن الرغبات في أحلام كثيرة، بل في أحلام أكثر بكثير مما يرجح أن يتصوره الناس. ومع ذلك، فقد ترك فرويد أيضًا مكانًا لأحلام لا تنسجم أبدًا مع فئة الأحلام المشبعة للرغبات.
وفي Beyond the Pleasure Principle أدخل مفهوم قسر التكرار، ورسم معالم فئة من الأحلام يعيد فيها الحالم، مرة بعد مرة، معايشة تجربة صادمة على أمل أن يُدخل بعض القلق في موقف كان، في الواقع، غير متهيئ له، إذ كان فرويد يربط القلق بنوع من الاستعداد، أو بالمرحلة الأولى من الجاهزية لمواجهة مشكلة. فشخص، مثلًا، يتعرض لحادث قطار من غير أي إنذار، قد يجد نفسه يحلم مرارًا باللحظات السابقة على الحادث وبالحادث نفسه، أملًا في أن يهيئ نفسه أو يشدها بطريقة ما للتصادم الوشيك، كما لو أن مجرد الاستعداد أو التماسك كان سيعفيه من الصدمة. وكأنه يحاول بأثر رجعي أن يدخل شيئًا من التوقع القلق، أو من الجاهزية، في الحدث السابق. وقد افترض فرويد أن النفس تحاول تلقائيًا "إتقان المثير"، وتواصل السعي إلى ذلك في مثل هذه الحالات الطاغية، حتى حين تكون المحاولة عقيمة.
وفي خبرتي، ليس بوسع المعالج في مثل هذه الظروف إلا أن يشجع المحلَّلة على أن تتكلم بإسهاب عن كل المادة المحيطة بالصدمة: علاقاتها بجميع الأشخاص المتورطين، وحياتها آنذاك، وتبعات الحدث، إلى أن يُستنزف كل الليبيدو المرتبط بالصدمة. ففي حالة إحدى محلَّلاتي، التي كانت ترى، على مدى نحو عقدين، كوابيس متكررة عن حادث سيارة تعرضت له وأدى إلى وفاة أعز صديقة لها، استغرق الأمر سنوات عدة من العمل التحليلي حتى نفكك جميع خيوط علاقتها بصديقتها الحميمة، وصلتها بجميع الفاعلين الآخرين في الحادث، وحياتها في ذلك الوقت، وما إلى ذلك. وفي النهاية توقفت كوابيسها، ولم تعد حتى الآن منذ سنوات عدة.
وقد قدم لاكان طريقة للتفكير في الكوابيس التي لا تأخذ شكل التكرار البسيط لحدث سابق: فخاصيتها الكابوسية تنبع، على ما اقترح، من أن ما يُشبَع فيها ليس إحدى رغباتنا بل أحد مطالبنا.
إن من معطيات الخبرة، على أي حال، أنه عندما يبدأ حلمي في أن يتطابق مع مطلبي، أو مع ما يتبين هنا أنه مكافئ له، أي مطلب الآخر، أستيقظ.
وفي نظره، نحن نطلب من الآخرين في كثير من الأحيان أشياء لا نريدهم، في معنى ما، أن يعطونا إياها أصلًا، لأنهم لو أعطونا إياها لأدى ذلك إلى انطفاء رغبتنا، مع أن رغبتنا هي أعز ما نملك، ولأن ما يعنينا أكثر بكثير هو أن تكون لنا الرغبة وأن نختبرها، لا أن نشبعها. فإحراز الرغبة واختبارها هو ما يجعلنا نشعر بأننا أحياء، لا إشباعها. ونحن، في العموم، نفضل ألا ننال ما نطلبه، حتى لو عبرنا عن عدم الرضا حين لا نناله، لكي نتمكن من مواصلة الرغبة. وقد نظَّر لاكان إلى أننا نستيقظ مذعورين من الأحلام التي توشك مطالبنا فيها أن تُشبَع، لأن ذلك سيستلزم سحق رغبتنا وإطفاءها؛ فمثل هذه الأحلام تهدد بكفالة وجودنا ذاته بوصفنا كائنات رغبة، لأن الرغبة هي أثمن ما لدينا.
وأفادت إحدى المحلَّلات بحلم عاشته بوصفه كابوسًا طلبت فيه من صديقها أن ينتقل معها إلى مدينة أخرى، فوافق على ذلك. ويبدو، للوهلة الأولى، كأنها حصلت في الحلم على ما تريده، لكن مناقشتها لوضعها مع صديقها جعلت من الواضح أنه، مع أنها كانت قد فكرت في أن تطلب منه الانتقال معها، فإن أعز رغباتها كانت ألا يكون مثل أبيها، الذي كان يسارع دائمًا إلى التنازل، وألا يكون مرنًا معها وهي تعلم تمامًا أنه لا يريد الانتقال إلى تلك المدينة. وكانت أمنيتها الأغلى، إذا جاز القول، أن لا يتخلى عن رغبته! وحين فعل ذلك في الحلم، سُحقت رغبتها في أن يكون على نحو معين، وفي أن يكون بالنسبة إليها شخصية من نوع معين. وكأنها كانت تُحرم من رغبتها في نوع معين من الرجال: رجل يعرف ما يريد، ولا يفرط في التكيف معها، وكان، في نظرها، فحوليًا.
الفانتازم الأساسي
اللاوعي هو واقع أن الكائن، من حيث هو يتكلم، يتمتع... ولا يريد أن يعرف عن ذلك شيئًا أكثر.
—لاكان
ومع أن المحلَّلين يقدمون، في غضون بضع سنوات فقط من التحليل، وفرة من الفانتازمات المختلفة، فقد افترض لاكان أن جميع هذه الفانتازمات الخاصة تنبع، فعليًا، من بنية واحدة بعينها: "فانتازم أساسي" يحدد أعمق علاقة للذات بالآخر، أو موقفها من الآخر. وكان لاكان يرى أن السيناريوهات الكثيرة التي تمر في ذهن المحلَّل، وأحلام يقظته، وفانتازمات استمنائه، ليست إلا تحويرات للفانتازم الأساسي، تقدم عادة وجهًا واحدًا من هذا الفانتازم الأساسي، وإن كان في صورة متنكرة. أو، بعبارة أخرى، فإن السيناريوهات الكثيرة، وأحلام اليقظة، وفانتازمات الاستمناء، تنحل جميعها إلى فانتازم أساسي "واحد"، فانتازم يؤدي دورًا مهمًا في بناء علاقات المحلَّل مع ذوي الأهمية في حياته.
ولن أناقش الفانتازم الأساسي بإسهاب هنا، لأنني سبق أن فعلت ذلك في موضع آخر، لكني أود أن ألفت النظر إلى أن الفكرة العامة هي أن المحلَّلة، في بداية التحليل، تعيش فانتازمها الأساسي بوصفه شيئًا لا يطاق: فهي لا تحتمل فكرة الفانتازم الذي يمنحها الإشباع، ولا تحتمل أن تفكر فيما يمنحها متعتها، لأنها تجده مستهجَنًا إلى هذا الحد، ومناقضًا إلى هذا الحد لكل ما تشعر أنها عليه وتمثله. إنها "لا تريد أن تعرف عنه... شيئًا". فإذا كان فانتازمها الأساسي ينطوي، مثلًا، على أن يحتقرها رجل وينتقدها، وكانت ترتب الأمور مع كل رجل جديد تلتقيه بحيث يبدأ باحتقارها وانتقادها، فمن المرجح أن يتركها ذلك راضية على مستوى الفانتازم، وغير راضية من جهة مثالياتها وأهدافها لنفسها. وكلما "لوَّثت" مزيدًا من العلاقات، بدفعها دفعًا خفيًا أو غير خفي إلى الامتثال لصورة فانتازمها الأساسي، صار هذا الفانتازم أفظع وأشد لا احتمالًا في نظرها. وغرض المحلل، حين يطلب منها أن تروي هذا العدد الكبير من أحلامها، وأحلام يقظتها، وفانتازماتها، وأن تداعي إليها في أثناء تحليلها، هو، بالطبع، أن يحملها على تعديل هذا الفانتازم الأساسي، وعلى إعادة تشكيله أو "اجتيازه"، على حد تعبير لاكان.
وليس من السهل أن يكتشف المرء فانتازمه الأساسي ويصوغه؛ وقد يستغرق ذلك شهورًا كثيرة، إن لم يكن سنوات، من التحليل. بل إن إحساسي هو أنه، بحلول الوقت الذي يكون فيه المحلَّل قد أخرج معظم عناصر الفانتازم الأساسي بحيث يمكن صياغته بوضوح وبصورة مقنعة، يكون هذا الفانتازم قد بدأ، بالفعل، في التغير وإفساح المجال لشيء آخر: فانتازم جديد. وهذه سمة منتظمة من سمات العمل التحليلي: فالمحلَّل أقدر بكثير على صوغ شيء لم يعد له القبض نفسه عليه، من صوغ شيء ما زال رازحًا تحت سطوته. فعلى سبيل المثال، فإن المحلَّل الذي ذُكر آنفًا، والذي كان أبوه يظهر بانتظام، وإن في صورة متنكرة، في فانتازماته الجنسية، استطاع أن يبسط وجوهًا كثيرة من فانتازمه الأساسي حين كانت بعض صراعات حياته قد بلغت، إذا صح التعبير، ذروتها، وأيضًا حين كان، بعد سنوات عدة من التحليل، مستعدًا لأن يتجاوز ذلك الموقف من الآخر الذي كان شديد الإشكال بالنسبة إليه، أي عندما كان على وشك إعادة تشكيل فانتازمه الأساسي.
وبما أن إعادة تشكيل الفانتازم الأساسي أمر ينبغي العمل نحوه في المراحل المتأخرة من التحليل، فسأترك مناقشته الأوفى لكتاب متقدم في التقنية.
7
التعامل مع التحويل والتحويل المضاد
يبقى [التحويل]، بثبات الإجماع الشائع، محددًا على أنه شعور أو كوكبة من المشاعر التي يحس بها المريض، بينما يتضح، بمجرد تعريفه بأنه نوع من إعادة الإنتاج الذي يقع في التحليل، أن القسم الأكبر منه لا بد أن يظل غير ملحوظ لدى الذات.
—لاكان
التعرّف إلى التحويل
في الأدبيات التحليلية النفسية المعاصرة، صار مصطلح التحويل (transference) يدل تقريبًا على كل ما يجري في مكتب المحلل. وقد أدخل فرويد مصطلح Übertragung، الذي تُرجم إلى transference، لكنه يعني حرفيًا النقل أو الترجمة أو الإزاحة أو التطبيق، لكي يشير إلى "طبعات جديدة أو نسخ طبق الأصل من النزوات والفانتازمات التي تُستثار... في أثناء تقدم التحليل" والتي "تحل شخص الطبيب محل شخص أسبق. أو، بعبارة أخرى: تُبعث من جديد سلسلة كاملة من الخبرات النفسية، لا بوصفها منتمية إلى الماضي، بل بوصفها منطبقة على شخص الطبيب في اللحظة الراهنة." وهذه الترجمات أو الإزاحات يمكن أن تتخذ أشكالًا عامة مختلفة:
• على المستوى الإدراكي، سواء كان بصريًا أم سمعيًا أم شميًا أم لمسيًا أم غير ذلك، قد يذكّر بعضُ ما في المحلل المحلَّلَ بأحد والديه، مثل صوتها، أو لون عينيها، أو شعرها، أو بشرتها، أو بنيتها الجسدية، أو راحتي يديها المتعرقتين أو الباردتين عندما تصافحه في بداية الجلسات ونهايتها، وما إلى ذلك.
وأحيانًا يكفي أن يكون للمحللة أنف فحسب، بصرف النظر عن شكله أو حجمه الفعليين، لكي "يراه" المحلَّل شبيهًا بأنف أمه. أي إن الأمر لا يتعلق بكون سمة حقيقية في المحللة تذكره بأمه، بل بأن المحلَّل يسقط عليها شيئًا متعلقًا بأمه، شيئًا يصارعه في تلك اللحظة بعينها، ومرتبطًا بتلك السمة الوجهية تحديدًا. إنه "يراه فيها"، إذا صح التعبير، كما لو كان ذلك في سجل إدراكي.
• وقد تذكّر سمة "مشفرة" في المحللة، أو في محيطها أو بيئتها، المحلَّلَ بأحد والديه، مثل عمرها؛ أو أسلوب لباسها، الذي قد يوحي بطبقة اجتماعية اقتصادية معينة أو بمحاولة خلق هيئة معينة؛ أو مفرداتها، ونحوها، وطريقتها العامة في الكلام؛ أو اختيارها لنوع المكتب، وموقعه، وديكوره.
فهذه السمات تنطوي على أنظمة علامات من نوع أو آخر، أنظمة علامات تطورت داخل ثقافة معينة وجماعة لغوية معينة. وكما هي الحال دائمًا، فإن المحلَّل "حر" في أن يقرأ لباس المحللة وطريقتها في الكلام وما إلى ذلك على أنه يعني شيئًا لا تقصده هي مطلقًا؛ فنحن، في نهاية المطاف، لا نستطيع أن نتحكم في معنى كلامنا أو لباسنا أو أفعالنا، ولا أن نحدده؛ الآخرون هم من يحددون معناه.
• وقد يذكّر بعضُ تعبيرات الانفعال لدى المحللة المحلَّلَ بأحد والديه، مثل الحرج الذي يظهر في احمرار الوجنتين في لحظات معينة أثناء العلاج؛ أو التوتر الذي يظهر في ارتعاش صوتها أو رجفة نبرته، أو في عبث اليدين، أو التململ على الكرسي، أو تشابك الساقين وفكهما؛ أو القلق المنعكس في نظرات مذعورة، أو في انسحاب الدم من الوجه، أو في تصلب الهيئة؛ أو الغضب المكبوت الذي يظهر في نبرة صوت مضبوطة بوضوح، أو في حركة فجّة، أو في ضيق مزاح، وما إلى ذلك. وكل هذه الانفعالات القابلة للرصد، التي قد تستحضر انفعالات رآها المحلَّل في أشخاص آخرين من ماضيه، يمكن أن تُجمع تحت عنوان الآثار الوجدانية؛ فهي تنطوي على الليبيدو بدل أن تنطوي على الصور أو العلامات في حد ذاتها.
بل إن المحللة لا تحتاج فعليًا إلى أن تشعر بأي انفعال أو تُظهره لكي "يستشعر" المحلَّل انفعالًا معينًا صادرًا عنها: ففي حالات كثيرة يسقط عليها انفعالات كان قد استشعرها في أمه، انفعالات أقلقته وما زال يصارعها.
ومع أنني لا أعتقد أن فرويد قد بسط يومًا كل السمات المختلفة، الإدراكية والسيميائية والوجدانية، في المحلل التي يمكن أن تكون مادة للتحويلات، فإنه بالتأكيد لم يحصر التحويل في تعاقب المشاعر الإيجابية والسلبية التي يكنها المريض للمحلل. غير أن هذا، مع ذلك، هو الفهم الأكثر شيوعًا للتحويل، على ما يبدو، إذ أقر Malan، مثلًا، بأن "الكلمة أصبحت تُستخدم، على نحو أكثر تراخيًا، للدلالة على أي مشاعر قد يحملها المريض تجاه المعالج." ولعل الأصح أن نقول إنه أكثر سوءات الفهم شيوعًا للتحويل، لأن التحويل أعقد من ذلك بكثير.
التشكيلات التحويلية
ندرك سريعًا أن التحويل نفسه ليس إلا قطعة من التكرار، وأن التكرار هو تحويل للماضي المنسي، لا إلى الطبيب فحسب، بل إلى جميع وجوه الموقف الراهن الأخرى كذلك.
—فرويد
أفضل أن أترك لمفهوم التحويل كليته التجريبية، مع التشديد على أنه متعدد القيم، وأنه ينطوي على سجلات عدة: الرمزي، والتخيلي، والواقعي.
—لاكان
ماذا يحدث عندما يصادف المحلَّل سمة في المحللة تذكره بشيء من الماضي؟ لنفترض أن المحللة تضع نظارة أحيانًا، وأن نظارتها تشبه نظارة أم المحلَّل، مع أن المحللة والمحلَّل متقاربان في العمر. فإذا كانت مشاعر المحلَّل تجاه أمه إيجابية دائمًا، جاز لنا أن نتوقع أن ينقل بعض هذه المشاعر الإيجابية إلى المحللة، وأن يعمل معها تعاونيًا في الجلسات. أما إذا كانت مشاعره تجاه أمه سلبية دائمًا، جاز لنا أن نتوقع أن ينقل بعض تلك المشاعر السلبية إلى المحللة، وأن يكون عدائيًا معها في الجلسات.
لكن مع أن التحويلات قد تظهر أحيانًا للمحلل في صورة مشاعر يعبر عنها المحلَّل بطريقة أو بأخرى، قصدًا أو من غير قصد، تجاه المحللة، فإنها تظهر، في ما يبدو، على نحو أكثر تواترًا بطرق أخرى: فالمحلَّل الذي كانت علاقته بأمه متوترة جدًا قد يبقى دافئًا في العلن ومتعاونًا في الظاهر خلال الجلسات، لكنه، في السر، لا يضع أدنى ثقة في المحللة ذات النظارة، بل قد يعاهد نفسه على أن يحتفظ عنها بكل أفضل بصائره. وقد يسعى إلى إقناع المحللة بأنه يأخذ تأويلاتها على محمل الجد، فيما هو يسخر منها في ذهنه، ويفعل كل ما يلزم لكي يجعل عملها عديم الجدوى كما تكون النعال عديمة الجدوى بالنسبة إلى السمك. وقد لا يسمح لأي شيء انفعالي بأن يظهر، وقد يكون غير واعٍ تمامًا بأي مشاعر سلبية يحملها نحوها؛ ومع ذلك، فإنه يتخذ منها موقفًا يرجح أنه يعكس موقفًا مشابهًا اتخذه من أمه، موقفًا ينطوي على احتجاج وتمرد خفيين.
ولنتخيل الآن حالة أشد شيوعًا: يقول المحلَّل، ويريد أن يصدق، أن علاقاته بأمه كانت جيدة، في حين أن كثيرًا من نشاطه أو خموله في الحياة يوحي بعكس ذلك تمامًا. والواقع أن المحلَّلين يحتاجون في الغالب إلى وقت طويل قبل أن يتجاوزوا تأكيداتهم الأولى بأن كل شيء كان على ما يرام في أسرهم: فالكبت كثيرًا ما يجعلهم مقتنعين، على المستوى الواعي، بأن علاقتهم بأحد الوالدين كانت في غاية الصفاء، مع أنها لم تكن كذلك أبدًا، ومع ذلك يجدون أنفسهم متخذين موقفًا معارضًا من ذلك الوالد، موقفًا تبقى أصوله غامضة بالنسبة إليهم.
وعندما يرى مثل هذا المحلَّل المحللة وهي ترتدي نظارة تشبه نظارة أمه، فليس من المرجح أن يجد موقفه التحويلي المعارض تعبيره في نظرات متسخة أو في نوع من الانفجار الانفعالي؛ لكنه قد يقود، في النهاية، إلى تأخرات متكررة، وصمت طويل، ومغادرات مبكرة، وغيابات، وإجازات، يبررها المحلَّل كلها بأسباب تبدو معقولة تمامًا. وهو، في ذلك، لا يتصرف بالضرورة بسوء نية: إنه يقدم الأسباب التي يعيها، وقد تكون فعلًا الأسباب الوحيدة التي يعيها.
ولا معنى كبيرًا هنا للقول إن المحلَّل يحمل "مشاعر غضب لاواعية" تجاه أمه، ومن ثم تجاه المحللة، لأن الشيء لا يكون، بالمعنى الدقيق، شعورًا إذا كان لاواعيًا: فهو لم يصبح شعورًا بعد؛ ولا يمكنه أن يصبح شعورًا إلا عندما يُحَس. ومع ذلك، فإن الجوانب المكبوتة من العلاقة بالأم تتجلى في صنع موقف متمرد لدى المحلَّل، قد يكون هو نفسه غير واع به.
إذًا فالتحويل ليس، بأي شكل من الأشكال، محصورًا في حقل الوجدان وحده: فكما أن أعراض المحلَّل قد تعكس بنية أسرية كاملة، قد ينطوي التحويل على تكرار بنية شديدة التعقيد من النوع نفسه. تأملوا الحالة التالية التي أشرفت عليها بإيجاز. كانت المحلَّلة تغرق في حالات صمت طويلة كثيرة، وكانت محللتها قد بلغت آخر حبلها. وقد افترضت أنا والمحللة في البداية أن المحلَّلة تشعر بأن المادة التي تحتاج إلى التلفظ بها شديدة الخزي بحيث يتعذر قولها، أو ربما لأن الأحداث الواقعية التي عاشتها وقاومت الترميز، أي قاومت أن تُصاغ في كلمات، لكونها لم تتحدث بها من قبل مع أي أحد. وسرعان ما خرج إلى العلن أن المحلَّلة كانت قد تعرضت مرة للاغتصاب على يد معالج رجل؛ وأنها ظلت صامتة في مكتبه أثناء الاغتصاب، رغم معرفتها بأن أمها قريبة منها في غرفة الانتظار. وعند هذه النقطة بدأت أنا ومحللتها نتساءل عما إذا كانت تعيش العلاج كما لو كان نوعًا من الاغتصاب، مع أن محللتها كانت امرأة، أي إننا افترضنا أنها حولت صورة ذلك المعالج الرجل المخيف إلى محللتها الراهنة.
غير أن مناقشة هذا الربط الممكن لم تفعل الكثير لفك عقدة لسان المحلَّلة. فقد بقيت صامتة، كما لو كانت تصمت عنادًا، لكنها كانت، مع ذلك، منزعجة بوضوح في جلساتها، وقلقة خارجها، ومع ذلك متلهفة للحضور إليها. وأدى عمل بطيء وممل على بضعة أحلام مجتزأة وتداعيات شحيحة في النهاية إلى إظهار أن أباها كان، طوال عامين تقريبًا حين كانت طفلة، يلمسها جنسيًا عندما تكون أمها خارج المنزل. وكان يهددها بأنها ستُرسل خارج البيت إذا تنفست بكلمة واحدة عن الأمر لأمها، ولم تكن قد أخبرت أي روح به طوال عقود. وهكذا تبين أن الوضع الأسري الذي كانت تعيد إنتاجه في التحليل بالغ التعقيد: فصمتها المطول كان طريقة لحماية أبيها والبقاء وفية له، ولإعادة عيش حالتها، التي لا شك أنها كانت خائفة ومثارة في آن، وهي ترقد صامتة بينما كان أبوها يلمسها، ولإبقاء انتصارها المربك على أمها في طلب انتباه أبيها سرًا عن أمها/محللتها، ولتجنيب أمها/محللتها الصدمتين معًا: خيانة الأب وتواطؤ الابنة، فضلًا، بلا شك، عن إنجاز أشياء أخرى كذلك.
وكثيرًا ما يكون من العسير جدًا الكشف عن مثل هذه التحويلات المعقدة، ولعل ذلك يفسر لماذا يرى معظم المعالجين التحويل ببساطة بوصفه الطريقة التي يشعر بها المحلَّل تجاه المحلل في لحظة بعينها. بل قد يذهب المرء إلى افتراض أن صعوبة اكتشافهم للتحويلات المعقدة دفعتهم إلى الانخراط فيما يمكن تسميته "صيد الوجدان"، بأن يسألوا المحلَّل باستمرار: "كيف جعلك ذلك تشعر؟" كما لو أن الشعور هو مفتاح كل شيء، وهو ليس كذلك بوضوح. ولدى المعالجين المعاصرين أيضًا نزعة مزعجة إلى أن يعزوا حالات الصمت المستعصية، وكثيرًا من صعوبات العلاج الأخرى كذلك، إلى مقاومة متعمدة للعلاج من جانب المحلَّل، بدل أن ينظروا إلى الصورة الأوسع. فمثل هذه الصعوبات العلاجية تنشأ عمومًا من كون ما لم يُصَغ قط من قبل ليس من السهل صياغته، أو من تكرار وضع سابق قد يكون شديد التعقيد وصعب الإيضاح، أو من شيء يفعله المحلل أو لا يفعله، كأن يرفض مساعدة المحلَّل على صوغ ما لم يُصَغ قط، أو ألا يسعى إلى معرفة أي وضع سابق قد يكون المحلَّل يعيد تكراره.
ولهذا قرر لاكان أن يتبنى وجهة نظر تقف على الضد تمامًا من كثير من المعالجين المعاصرين عندما قال: "لا مقاومة للتحليل إلا مقاومة المحلل نفسه"، أي إن المعالجين، حين يميلون إلى الاستنتاج بأن المحلَّل هو من يقاوم، يكون الإخفاق إخفاقهم هم، لا إخفاقه هو، في كثير من الأحيان. وبعبارة أخرى، تنشأ صعوبات العلاج عندما تعتمد المحللة نفسها ما سماه فرويد "سياسة النعامة"، أي دس الرأس في الرمل كي لا ترى. وبما أن "كل ما يقطع تقدم العمل التحليلي مقاومة"، فمن المنطقي تمامًا أن نعد عرقلة المحلل للعلاج مقاومة.
التحويل في كل مكان
حتى إذا افترضنا أن علينا أن نعد التحويل نتاجًا للموقف التحليلي، فإننا نستطيع أن نقول إن هذا الموقف لا يمكنه أن يخلق الظاهرة من العدم، وإنه، لكي ينتجها، لا بد أن تكون هناك، خارج الموقف التحليلي، إمكانات سابقة الوجود، يجمعها الموقف التحليلي بطريقة ربما كانت فريدة.
—لاكان
إن نوع الإزاحة من سجل إلى آخر الذي نجده في التحويل في الموقف التحليلي يمكن أن نجده في أوضاع كثيرة أخرى أيضًا. لقد مر معظمنا بخبرة الميل الفوري إلى الإعجاب بشخص التقيناه لتونا أو النفور منه، لمجرد أنه يشبه شخصًا آخر نحبه أو نكرهه، أو يحمل الاسم نفسه لشخص نحبه أو نكرهه، أو لديه سمة أخرى تذكرنا بشخص نحبه أو نكرهه.
وقد تدفعنا مثل هذه التحويلات إلى فعل أشياء غبية: كأن نثق فورًا بأناس لا ينبغي أن نثق بهم، أو نتجنب أناسًا ربما كان يجمعنا بهم الكثير، أو حتى نقع في حب شخص لا يملك إلا الصفات السطحية للأشخاص الذين أحببناهم في الماضي، لا صفاتهم الأعمق. بل إن عملية الوقوع في الحب ذاتها وتجربة أن يكون المرء واقعًا في الحب تدينان للتحويل بقدر هائل: فكلما اشتد المرء حبًا في البداية، ازداد احتمال أن تكون "حالة خطأ في التعرف" من النوع الذي نجده في التحويل هي العاملة، وازداد احتمال أن يكون قد وقع "ربط كاذب" بين شخصية محبوبة سابقة والشخص المحبوب الراهن. وأكثر أشكال الحب شغفًا تنطوي، في العموم، على سوء تعرف كامل بغيرية الشخص الآخر، وعلى إسقاط ضخم لشتى الصفات المرغوبة على شخص لا نعرف عنه إلا القليل جدًا. بل إن موضوع هذا الإسقاط الضخم يحتج أحيانًا، ويقول إنها أو إنه يريد أن يُحَب لما هو عليه، لا أن يُوضَع على قاعدة أو يُمثَّل في صورة مثالية. وفي كثير من الحالات يبدأ الناس بالخروج من الحب على وجه التحديد عندما تبدأ الصفات الفعلية للآخر بالظهور للعين، ويتبين أن الكمال الذي أسقطه العاشق على المعشوق كان وهمًا.
وبالمثل، يؤدي التحويل في الغالب دورًا كبيرًا في علاقة الطلاب بمعلميهم. فالطلاب يفترضون بسرعة أن معلميهم يملكون قدرًا كبيرًا من المعرفة، ويُفتنون بهم، ثم لا يلبثون أن يدركوا لاحقًا حدود معرفتهم. فهم، في البداية، يعدونهم شبه كليي العلم، وربما كان هذا هو ما كانوا يظنونه بآبائهم عندما كانوا أطفالًا صغارًا؛ وكما أدركوا في النهاية حدود معرفة آبائهم، فإنهم يدركون، في الوقت المناسب، حدود معرفة معلميهم، وغالبًا ما يصبحون أقل افتتانًا بهم في أثناء ذلك. يُرى المعلم أول الأمر بوصفه نوعًا من "الذات المفترَض فيها أن تعرف" التي تستدعي حب الطالب، ثم يسقط في النهاية، بدرجات متفاوتة، عن تلك القاعدة، بما يفضي إلى الخيبة أو انحلال الوهم أو حتى اليأس، وهذا لا يقع أحيانًا إلا بعد سنوات غير قليلة. وحب المحلَّل للمعرفة، المعرفة التي يأمل أن يجدها لدى المحلل، يؤدي دورًا مهمًا في التحليل إلى ما يقرب من نهايته. فمثل تلامذة سقراط، الذين كانوا يعتقدون أن لدى سقراط قدرًا عظيمًا من المعرفة مع أنه كان يعلن أنه لا يملك شيئًا منها، وكانوا قادرين على طلب المعرفة تحديدًا بسبب اعتقادهم أنه يملكها، يستطيع المحلَّلون أن ينخرطوا في المهمة الشاقة المتمثلة في طلب المعرفة عن أنفسهم تحديدًا بسبب اعتقادهم أن المحلل يمتلكها. وقد عد لاكان هذا الاعتقاد، بالفعل، القوة المحركة التي لا غنى عنها للتحليل عند العصابيين.
ومع ذلك، فعلى الرغم من أن التحويل يمكن العثور عليه في وجوه كثيرة من الحياة، ويمكنه أن يتخذ صورًا كثيرة مختلفة، فليس كل ما نصادفه في الموقف التحليلي تحويلًا.
ليس كل شيء تحويلًا
التحويل هو تفعيل اللاوعي.
—لاكان
كانت المحللة السابقة لأحد محلَّليَّ تتأخر، على ما يبدو، عشر دقائق أو أكثر عن جميع جلساتهم تقريبًا، مع أنها محددة الطول. ولم يشعر المحلَّل بإهمال خاص من أيٍّ من والديه، ولم يشتكِ، مثلًا، من أن أحدهما كان دائمًا يتأخر في إيصاله إلى المدرسة أو في اصطحابه بعد الأنشطة. ولذلك، عندما عبّر في النهاية عن انزعاجه من محللته بسبب تكرار تأخرها، كان من العسير جدًا أن يُعد ذلك تحويلًا في حد ذاته: لقد كان منزعجًا منها كما قد ينزعج من أي شخص آخر يتصرف كما لو كان وقته أثمن بكثير من وقته هو. صحيح أنه ربما كان أشد ضيقًا بها مما لو فعل سباك الشيء نفسه، مثلًا، بسبب الأهمية التي صارت تحتلها في حياته جزئيًا نتيجة تحويلات أخرى، لكن انزعاجه من تأخراتها المتكررة لا ينبغي، في ذاته، أن يسمى تحويلًا.
ولا ينبغي أن يُفترض أيضًا أنه يعكس الطريقة التي يتفاعل بها مع الجميع من حوله، أي أنه لا بد أن يكون سريعًا إلى الظن بأن الجميع يتصرفون كما لو كانوا يقدّرون أوقاتهم أكثر من وقته، مثلًا، كما يسارع المعالجون كثيرًا إلى الافتراض. فلا يجوز أن نقفز إلى استنتاج أن طريقة تفاعل المحلَّل مع المحللة هي بالضرورة طريقته في التفاعل مع جميع الآخرين في حياته اليومية، كما لو لم يكن هناك أي خصوصية لسلوكه مع أشخاص مختلفين. فالمحللة، في الغالب، تقدم نفسها له أشبه بشاشة بيضاء أو "مرآة" أكثر من معظم الآخرين في حياته، وهو ما يتيح له، في الغالب، أن يسقط عليها ويكرر معها جوانب من علاقات ومواقف من الماضي أكثر مما يقدر عليه مع زملاء وأصدقاء وعشاق لا يتظاهرون بأنهم "المرأة بلا صفات". ومع أن التحويل يمكن العثور عليه في كل وجوه الحياة، فالناس يسقطون ويكررون في مكان العمل وفي البيت بوضوح، فإنهم يملكون، في الغالب، عدة طرق مختلفة في التعامل مع الآخرين ضمن ذخيرتهم، فيكونون ودودين ومتعاونين مع بعضهم، ومتذللين مع بعضهم الآخر، وتنافسيين وغير متعاونين مع آخرين. والإيحاء بأن المحلَّل لا بد أن يتصرف بالطريقة نفسها مع كل الناس كما يتصرف مع المحللة هو قفزة بعيدة جدًا: إنه استدلال اختطافي، بلغة Pierce، لا استنتاجي.
وهناك، بطبيعة الحال، حالات يفترض فيها المحلَّل أن الناس يحاولون دائمًا إذلاله أو إيصال شعور إليه بأنه لا يساوي شيئًا، وأن أي شيء يفعله المحلل سيُقرأ بوصفه تأكيدًا لذلك. لكن الأمر، في أحيان كثيرة، كما في حالة المحلَّل المذكور آنفًا الذي كانت محللته تتأخر دائمًا عن الجلسات، لا يعود إلى "طريقته المعتادة في الوجود" أو إلى "عقدة نقصه"، بل إلى "الطريقة المعتادة في وجود" المحللة أو إلى تحويلها المضاد، الأمر الذي يجعلها متأخرة على نحو منهجي.
ومع أن من المفيد كثيرًا أن نرى هل في انزعاج المحلَّل من مثل هذه الأمور أكثر مما يظهر للعين، فإن على المحللين أن يعترفوا بإسهامهم هم في مثل هذه الأوضاع. وهذا لا يعني أن يفرغوا ما في أنفسهم أمام المحلَّلين، فيستكشفوا معهم في الجلسة أسبابهم المحتملة لتأخرهم، بل أن يعلنوا التزامًا بالحضور في الوقت مستقبلًا، وأن يشتغلوا في الإشراف أو في تحليلاتهم هم على ما يوجد من دوافع لاواعية عاملة. فربما تكون المحللة قد بدأت تنفر من المحلَّل؛ أو لعلها تشعر بأنه هادئ الطباع، وأن في مقدورها أن تنجز بضعة مشاوير قبل الجلسات من غير أن يضايقه الأمر؛ أو ربما كان قد شجعها، على نحو خفي، على تأخراتها بعدم الشكوى منها لأنه يستمتع بالشعور بأنه أرفع منها أو بوجود مظلمة مشروعة له عندها. وقد تكون أشياء كثيرة أخرى، بالطبع، عاملة كذلك، لكنها تتصل بالعلاقة الفعلية بين المحللة والمحلَّل بوصفهما فردين بقدر ما تتصل بالتحويل؛ بل إن التحويل قد لا تكون له علاقة بها أصلًا في حالات كثيرة، ويكون التحويل المضاد هو من يؤدي الدور الرئيس.
ويُفترض، آمل، أن يكون واضحًا أن التحويل المضاد ليس أبسط من التحويل: فهو أيضًا قد ينطوي على تكرار وضع سابق أو موازٍ ذي مكونات تخيلية ورمزية وواقعية. وكما ذكرت في الفصل 4، فقد عرَّف لاكان التحويل المضاد تعريفًا واسعًا جدًا عندما وصفه بأنه "المجموع الكلي لتحيزات المحلل، وأهوائه، وصعوباته، أو حتى نقص معلوماته، في أي لحظة بعينها من العملية الجدلية" للتحليل.
ويتيح لنا هذا التعريف الواسع أن نرى أن منظور المحللة إلى النظرية التحليلية النفسية نفسها يمكن أن يشتغل على نحو تحويلي مضاد؛ فإذا كانت تؤمن بوجود "التماهي الإسقاطي"، فقد تنظر إلى انزعاج المحلَّل المذكور آنفًا من تأخراتها المتكررة بوصفه خطأه هو، جزئيًا على الأقل: فقد تميل إلى الاعتقاد بأنه "أسقط فيها" اعتقاده بأن الجميع يقدمون رغباتهم على رغباته، أو يستغلونه، ثم انتهى به الأمر إلى أن يجعلها تحقق توقعاته! وقد لا يكون لدى المحللين "معلومات غير كافية" لأنهم أخفقوا في دراسة الأدبيات التحليلية المهمة فحسب، بل أيضًا لأنهم يتبنون مفاهيم تحليلية تنقل، في راحة، عبء الصعوبات في العلاج من المحلل إلى المحلَّل. فالتحويل المضاد يضم التحيزات النظرية والعماوات الخاصة بالمحللة، أيًّا كانت صورتها: سواء رفضت أخذ أي نظرية في الحسبان، فوجدت نفسها عاجزة عن رؤية أي شيء في الحالة سوى ما تسمح لها به تصوراتها المسبقة وعلم النفس الشعبي الذي تعلمته من الإعلام؛ أو أعادت تصوّر الحالة كل أسبوع تبعًا لما تقرأه في ذلك الوقت؛ أو اعتمدت على النظرية في الجلسات اعتمادًا مفرطًا بحيث غدت عاجزة عن سماع ما يقوله المحلَّل فعلًا، وتحاول حشر ما يحدث في الجلسات داخل إطار نظرية عزيزة عليها؛ أو حاولت أن تستخدم الحالة لدعم نظرياتها الخاصة التي صاغتها حديثًا، فتلائم "الوقائع" مع إطارها هي. وكل هذه الأشياء يمكن، في رأيي، أن يُنظر إليها بوصفها جزءًا لا ينفصل عن التحويل المضاد للمحللة.
كيفية التعامل مع التحويل
إذا كان التحليل النفسي وسيلة، فإنه يتموضع في موضع الحب.
—لاكان
بعد أن قلت الآن شيئًا قليلًا عن كيفية التعرف إلى ما في الموقف التحليلي مما يعود إلى التحويل وما لا يعود إليه، فلننتقل الآن إلى ما يسمى التعامل مع التحويل.
ومع أن حدود التحويل التي رسمتها حتى الآن قد تبدو للقارئ مجردة، فإن تجربة التحويل أبعد ما تكون عن التجريد، سواء نظرنا إليها من زاوية المحلل الذي يتلقاها، أم من زاوية المحلَّل الواقع تحت قبضتها.
التحويل الإيجابي
أقول إن التحويل الإيجابي هو أن يكون الشخص المعني، أي المحلل في هذه الحالة، في مرضاتنا؛ أما التحويل السلبي فهو أن نراقبه.
—لاكان
في حالات معينة، يجد المحلَّل نفسه يفكر في المحللة طوال الوقت تقريبًا، ويتساءل عن حياتها، وربما يحاول أن يعرف عنها أكثر؛ وباختصار، يكون قد افتتن، أو ربما انشغل على نحو وسواسي إلى حد ما، بشخص لا يكاد يعرفه، ويرجح جدًا ألا تكون فيه سوى قليل، إن وجد، من خصائص النساء اللواتي أثِرْن اهتمامه في الماضي. وقد لا تكون المحللة جذابة له جسديًا، وقد تكون أكبر أو أصغر منه بعقود، وقد تلبس على نحو يجده غير موات أو دالًا على وسط ثقافي أو طبقي يمجه، ومع ذلك قد يجد نفسه، لسبب ما، شديد الحماسة لها، يتطلع إلى كل جلسة معها بلهفة.
يشعر المحلَّل بأنه وجد شخصًا ينصت إليه حقًا، ويمكنه أن يفهمه، وربما يستطيع أن يساعده في وقت حاجته. وتبدو له شخصًا عارفًا، يعرف بالفعل أو يرجح أن يعرف ما مشكلته وكيف تُحل. وباختصار، يراها كما يرى شخصية إيجابية من ماضيه، شخصًا بدا، في وقت ما على الأقل، منفتحًا عليه، راغبًا في مساعدته وقادرًا عليها. ومع ذلك، فهو لا يعيش تحويله على أنه تحويل. إنه لا يقول لنفسه: "السبب الوحيد الذي يجعلني أشعر هكذا تجاه محللتي هو أنها تذكرني بالطريقة التي كانت بها أمي عندما كنت صغيرًا، وحين كانت لا تزال تتصرف نحوي كأم." بل إنه يعيشه بوصفه شعورًا قويًا نحو هذا الشخص بعينه، هنا والآن. إنه غارق فيه، لا يراقب نفسه من مسافة عنه: فشغفه بمحللته يبدو له حقيقيًا جدًا.
وما دام تحويله يأخذ هذا الشكل ولا يتداخل مع العمل الذي يقوم به في العلاج، فلا حاجة إلى أي تدخل من أجل تخفيف حماسه. فالتحليل النفسي يسخر ذلك النوع من الإثارة الذي يولده الموقف التحليلي وحالة الخطأ في التعرف التي يرعاها؛ ولا يحاول تحييده أو تبديده كما تفعل بعض أشكال العلاج الأخرى. وحين قالت لي إحدى المتدربات اللواتي أشرف عليهن إنها منزعجة من أن أحد محلَّليها الرجال قال لها: "أحيانًا أظن أن السبب الوحيد الذي يجعلني أركب الحافلة لأجيء إلى العلاج هو أنك جميلة"، أجبتها: "على الأقل هذا في صالحك." وقد أخبرتني لاحقًا أن إدراكها أن أي اهتمام جمالي أو إيروسي حمل محلَّلها إلى العلاج هو أمر لا بأس به، ما دام يلهمه الانخراط في عمل استكشاف حياته وتغييرها، كان مفيدًا جدًا لها وللعلاج كذلك. وعندما يكون هذا النوع من التحويل الإيجابي حاضرًا لدى المحلَّل تجاه المحللة، فإن المحللة تسعى إلى أن تحمل المحلَّل، بدافع الحب لها، على أن يبدأ العملية الشاقة للتحليل: أن يبدأ باستعادة بعض أجزاء ماضيه، وكذلك أحلام يقظته وفانتازماته التي لا يعيرها عادة انتباهًا، وأن يبدأ بالتداعي إليها. فهذا عمل شاق، والمحلَّل يحتاج إلى كل ما يستطيع أن يحصل عليه من دافعية.
فلنتذكر أن التحليل النفسي بدأ بقصة حب: لقد خرجت Anna O. بما سمته "العلاج بالكلام" من حبها لـ Joseph Breuer، ذلك الطبيب الشاب اليقظ الذي كان يأتي إلى بيتها صباحًا ومساء ليعمل معها ساعات طويلة. كان الشخص الوحيد الذي تلتفت إلى حضوره، والشخص الوحيد الذي كانت تكلمه خلال بعض مراحل علاجها. في البدء كان الحب. وكان حبها مستوحًى من رجل، سواء رأته وسيمًا أم لا، كان طبيبًا محترمًا يمكنها أن تفترض أنه يعرف شيئًا عن حالتها وكيف يداويها. وحتى لو لم يعش طرفا قصة الحب التي ولد منها التحليل النفسي في سعادة دائمة معًا بعد ذلك، تظل الحقيقة أن الحب، المستند إلى الاعتقاد بأن الطرف الآخر يملك معرفة، كان النابض الأساس للعلاج الذي ابتدعته Anna O.
ويسارع كثير من طلبة الدراسات العليا في علم النفس السريري الذين أشرف عليهم إلى محاولة تبديد اعتقاد المريض بأن لديهم معرفة كبيرة بما يعتل به. وهم يفعلون ذلك، كما يقولون، باسم الصدق، ولطمأنة المريض إلى أن له من السلطة في العلاقة بقدر ما للطبيب السريري. ومع أن أهدافهم قد تكون محمودة، بل إن المريض هو فعلًا صاحب النصيب الأسد من المعرفة، في حين لا يملك الممارس إلا القليل جدًا، خصوصًا في بداية العلاج، فإنهم ينتهون كثيرًا إلى تقويض ثقة المريض في قدرتهم على مساعدته. فبدل أن "يمكِّنوه"، ينتهون إلى تجريده من القدرة، ويجعلونه منكسرًا ويائسًا. إنه يشعر بأن لا معرفة لديه ذات فائدة في هذا المجال؛ ولو كانت لديه لما كان في المأزق الذي يجد نفسه فيه أصلًا. ومن المهم جدًا له، في أحوال كثيرة، أن يعتقد أن شخصًا آخر يملك المعرفة التي يمكن أن تساعده؛ وتبديد هذا الاعتقاد يعني سلبه آخر ذرة من الأمل لديه. ومن ثم فإن محاولة التدخل في تحويل المعرفة من المريض إلى المحلل قد تؤدي إلى اليأس.
والسعي إلى إقناع المريض، منذ البداية، بأنه يملك من المعرفة بقدر الطبيب السريري، إن لم يكن أكثر، يرجح أن ينجح أكثر ما ينجح عندما تكون الطبيبة نفسها شابة وتعمل في منشأة تدريبية يكون جميع المعالجين فيها إما يرون مرضاهم الأوائل أو لا يملكون إلا سنة أو سنتين من الخبرة. ففي مثل هذه الحالات، يكون المرضى واعين في الغالب بأنهم يحصلون، إذا صح التعبير، على ما يدفعون ثمنه، أي إن معالجهم يملك "خبرة" أقل نسبيًا من معالجين آخرين يمكن أن يلتمسوهم في المجتمع وقد مارسوا العمل سنين طويلة.
ومع ذلك، ففي حالات كثيرة يشعر المريض ببساطة أن الطبيبة "تحتج أكثر مما ينبغي"، وأنها لا تعدو أن تكون متواضعة أو تحاول أن تجنبه شعور الدونية. ولم يقنع ادعاء سقراط بأنه لا يعرف شيئًا تلامذته أبدًا، فقد استمروا في الاعتقاد بأنه نبع حقيقي للمعرفة. وهذا يشير إلى وجه شديد الأهمية من أوجه التقنية التحليلية النفسية: فمحاولة تبديد أو "تسييل" تحويل المحلَّل محكوم عليها بالفشل، لأن نفي المحللة، مثل قولها: "لا يمكنني أن أعرف أصلًا ما المشكلة؛ أنت من يملك المعرفة هنا"، يُسمع من جانب المحلَّل بوصفه صادرًا عن الشخص الذي يسقطه عليها: شخص شديد المعرفة. ومحاولة التخفيف من بعض الجوانب المرهقة في التحويل من خلال التعليق عليه أو تأويله من داخل التحويل محكوم عليها بالفشل للسبب نفسه بالذات. فإذا كان لدى المحلَّل، مثلًا، إحساس بأن المحللة غاضبة منه، ونفت هي أي غضب من هذا النوع، فسيُسمع نفيها، مع ذلك، من طرف المحلَّل بوصفه صادرًا عن شخص يفترض أنه غاضب؛ بل قد يأخذ النفي نفسه علامة على الغضب!
ومع ذلك، يبدو أن أغلبية المحللين قد انساقوا وراء وجهة نظر فرويد القائلة إن علينا أن نفسر التحويل كلما بدأ يقود إلى المقاومة:
ما دامت أقوال المريض وأفكاره تتدفق من غير أي انسداد، فينبغي ترك موضوع التحويل من غير مساس. وينبغي انتظار اللحظة التي يصبح فيها التحويل، [والتعامل معه] وهو أدق الإجراءات جميعًا، مقاومة.
ويبدو أنهم لم يدركوا أن تأويل التحويل الصادر من موضوع التحويل نفسه، أي المحللة، ليس طريقًا للخروج من التحويل، بل هو ببساطة يعيد إنتاج التحويل؛ لأنه، كما قال لاكان، "كلام المحلل [يُسمع دائمًا] بوصفه صادرًا عن الآخر التحويلي." فإذا كانت المحللة قد ارتبطت في ذهن المحلَّل بشخصية والدية ناقدة، فسيُسمع تأويلها على أنه نقد؛ وإذا ارتبطت بشخصية أمومية مُغوية، فسيُسمع تأويلها على أنه إغواء. فنحن لا نبلغ موقعًا ما ورائيًا خارج التحويل بتأويله. إننا نظل غارقين حتى آذاننا في التحويل. وكما قال لاكان، لا يوجد "تحويل للتحويل"، أي إنه، مثلما لا يوجد موضع خارج اللغة يتيح لنا أن نناقش اللغة كلها من غير أن نعتمد على اللغة نفسها في مناقشتنا، لا توجد طريقة تمكّننا من أن نخرج خروجًا كاملًا من وضع التحويل لكي نناقش ما يحدث داخل التحويل نفسه. فتأويل التحويل حلقة مفرغة!
وقد حاول المحللون الالتفاف على هذه الحلقة المفرغة بتقسيم المحلَّل إلى جزأين: "أنا معايشة" و"أنا ملاحِظة". والحيلة، في نظرهم، هي دعوة الأنا الملاحظة، التي يعدونها "عقلانية"، إلى الخروج من التحويل إلى ما يشبه ميتا-فضاء، فضاء خارج التحويل يمكن أن يلتقي فيه المحلل والمحلَّل بوصفهما أناين ملاحظتين "معقولتين"، ويتفقا على ما يحدث بين الأناين المعايشتين غير العقلانيتين وغير المعقولتين، المأسورتين في التحويل/التحويل المضاد.
وقد يبدو كأنني أسخر هنا، لكن كثيرًا من المؤلفين يتكلمون بهذه اللغة بالضبط، كما لو أن "العقلاني" و"اللاعقلاني" و"المعقول" و"غير المعقول" فئات بسيطة عملية يمكن ربطها، من غير إشكال، بهذه الوكالة النفسية أو تلك، وكما لو أن الوصول إلى اتفاق حول ما يجري بين أناين ملاحظتين "هادئتين" و"غير منفعِلتين" تأخذان "مهلة" من بيت التحويل الحار سيغير شيئًا حين تعودان إلى ذلك البيت الحار. فمن المرجح أن يظل المحلَّل، مثلًا، مفرط الحساسية للنقد كما كان من قبل، لكنه قد يبدأ في "تهدئة نفسه" بعد انفعاله حين يتذكر مناقشته مع المحللة حول أنه كان يشعر دائمًا بأن أباه ينتقده في طفولته، وهذا هو منشأ فرط حساسيته للنقد اليوم. والنتيجة أنه سيظل يغضب جدًا، لكنه سيتعلم كيف يكبت غضبه بعد وقوعه بدل أن يتصرف على أساسه. أو سيظل يعيش تعليقات النساء عليه على أنها مغوية على الدوام، لكنه سيتعلم كيف "يُعقّل نفسه"، مذكرًا نفسه، في كل مرة، بأنه يختبر تعليقاتهن على هذا النحو بسبب أشياء حدثت مع أمه. تلك إذن فائدة الاستعانة بالأنا الملاحظة لدى المحلَّل!
ويعد Gill أحد أبرز المدافعين، في العالم التحليلي غير الكلاني، عن التأويل المنهجي للتحويل، ومع ذلك فقد أقر بشيء يبدو مؤيدًا لوجهة نظر لاكان القائلة إن تأويل التحويل، في العموم، عديم الجدوى. فقد أشار Gill إلى أن القارئ يستطيع أن يرى، في تفريغات الجلسات الكاملة التي قدمها في المجلد الثاني من عمله، "إلى أي حد يؤدي تحليل التحويل بانتظام إلى ارتدادات خاصة به على التحويل، وغالبًا إلى ارتدادات تُفضي إلى تمثيل الأنماط التفاعلية ذاتها التي تشير إليها التأويلات." وقد أشار، مثلًا، إلى أنه حين قدم المحلل الذكر، العامل مع رجل سماه Gill "Patient E"، تأويلًا مفاده أن المريض كان قلقًا من وجود مركب حميمي مثلي في علاقته بالمحلل، سمع المريض التأويل "بوصفه مقاربة مثلية" أو تلميحًا. وكان المحلل في تلك الحالة قد أُحس، منذ بعض الوقت، من طرف المريض على أنه يشجعه على إقامة رباط هوموأيروتيكي معه، ولذلك اتخذ المريض من تأويل المحلل تأكيدًا لإحساسه المسبق. وكان محلَّل آخر، سماه Gill "Patient G"، يشعر، على نحو واضح منذ مدة، بأنه في منافسة مع محلله وأنه يخسرها باستمرار. وحين علّق محلله مطولًا على ذلك، كان المريض "يعيش كل تأويل كما لو كان تمثيلًا لهذه المنافسة. وحتى التأويلات التي [كانت] عن هذا الشيء نفسه"، كأن يقول المحلل: "قولي إنك اختبرت الأمر كمنافسة أغلبك فيها هو، بدوره، حركة أخرى في لعبة غلبتك هذه"، كانت تُعاش على أنها "تعالٍ واستعلاء" من جانب المحلل. وحين قال له المحلل إنه يبدو طالبًا موافقته، استنتج المريض أن هذه مجرد طريقة أخرى من طرق كونه مختلًا ومخفقًا. وحين علّق المحلل بأن المريض يشعر بأنه يحط من شأنه، تلقى المريض التعليق بوصفه تحقيرًا آخر. فكلام المحلل يُسمع بوصفه صادرًا عن الشخص الذي ينسب المحلَّل المحللَ إليه، لا بوصفه صادرًا عن الشخص الذي يظن المحلل أنه هو أو يود أن يكونه، ولا بوصفه صادرًا عن مراقب خارجي موضوعي. وبهذا المعنى، فإن تأويل التحويل، الذي يُفترض أنه يُنجز من أجل "حل" التحويل أو "تسييله"، لا يفعل في النهاية إلا أن يغذي التحويل ويجعله أشد كثافة وأعسر انقيادًا.
وهذا واحد من الأسباب التي تجعل اللاكانيين يقدمون، في الغالب، تأويلات قصيرة جدًا، تُسقط فاعل العبارة، وتقوم أساسًا على كلمات المحلَّل نفسه، وربما أعيد نظمها في ترتيب مختلف قليلًا، بحيث لا يكون واضحًا تمامًا للمحلَّل من هو مؤلفها. وهذا يجعل من الصعب أن تُعاش هذه التأويلات وتُرفَض "بوصفها صادرة عن الآخر التحويلي".
وعلى الرغم من مجلد كامل من الاعتبارات النظرية في تأويل التحويل، ومجلد ثان من تفريغات الجلسات التي يفترض أنها تبين للقارئ كيف يكتشف التحويل ويؤوله، فإن Gill لم يقدم دليلًا يُذكر، إن وُجد أصلًا، على أن تأويل التحويل أدى إلى تغير دائم لدى المحلَّلين الذين عرضهم. فلم تُمس حتى أصول خوف Patient E من الحميمية ورهابه من المثلية وتطورهما، كما لم تُمس الأسباب المرجحة لتنافس Patient G مع شخصيات السلطة. وقد أوضح هذان المريضان بجلاء أن الخوف والمنافسة يميزان كثيرًا من علاقاتهما بالآخرين، ومع ذلك لم يُعطَ القارئ لمحة واحدة عن صلتهما بتاريخ المريضين. ومع ما قد يكون من أهمية أن يكون المحللون منتبهين إلى "التلميحات إلى التحويل" في القصص التي يرويها المحلَّلون خلال الجلسات، ومع ما قد يكون من أهمية حمل المحلَّلين على بسط هذه التلميحات بتفصيل، فإن كل تأويل مباشر للتحويل تقريبًا في الجلسات التي جمعها Gill وHoffman قاد إلى مأزق، إلى حساء ملتبس لم يخرج منه المحللون الذين عرضوا حالاتهم إلا بأكبر قدر من العسر. ومن غير قصد، يبدو أن Gill وHoffman قد قدما أدلة وافرة على أن تأويل التحويل يأتي بنتيجة عكسية.
ومع أنه لا يمكن أن يرى المرء أي نفع كبير عاد على المرضى الذين عرضوهم، فإنه يمكنه أن يرى أن محاولة بعض المحللين الذين ضُمِّنت جلساتهم في المجلد العثورَ على تلميحات إلى التحويل في كل مكان، وتأويل التحويل على نحو منهجي، قد قادتهم إلى إغفال أبسط جوانب التقنية التحليلية النفسية:
• لقد أغفلوا زلات اللسان.
• ولم ينتبهوا إلى الاستعارات المختلطة.
• ونادرًا ما طلبوا من مرضاهم أن يكملوا جملهم، فتركوا مرضاهم يفرضون رقابة على عدد مدهش من الأفكار، بدا كثير منها كما لو كان يبدأ بتلميح مباشر إلى فكرة أو شعور يتعلق بالمحلل، بما يحمل المرء على الاشتباه في أن هؤلاء المحللين ما كانوا ليحتاجوا إلى كل هذا الجهد لاستخراج "تلميحات غير مباشرة إلى التحويل" لو أنهم بذلوا قليلًا من الجهد الإضافي لحمل مرضاهم على التداعي الحر.
• ولم يولوا أي اهتمام لخصوصية استعمال محلَّليهم للغة، وتركوا صيغًا شديدة الالتباس نطق بها مرضاهم تمر من غير التفات، كما لو كانت مفهومة تمامًا.
• وسمحوا لمرضاهم بأن يمضوا بلا نهاية في تفصيلات أسبوعهم الدقيقة بدل أن يشجعوهم على الكلام في شيء أكثر صلة، فكأنهم لم يلتقطوا "تلميحات إلى التحويل" إلا بوصفها محاولة أخيرة يائسة لحملهم على قول شيء ذي شأن في جلساتهم.
ويبدو لي أن المحللة أرجح كثيرًا في أن تظل متنبهة إلى التحويل في جميع صوره المختلفة إذا اتبعت المبادئ العامة المبسوطة في الفصول السابقة، بدل أن تحصر تركيزها في التحويل وتحاول أن تفهم كل ما يقوله المحلَّل من حيث معناه عنها هي وعن علاقته بها. فالمسلك الثاني سيرجح أن يجعلها تنزلق إلى السجل التخيلي، وأن يرفع عينها، إذا صح التعبير، عن الكرة الرمزية.
التحويل الإيجابي المفرط
ليس لنا حق في أن ننازع في أن حالة الوقوع في الحب التي تظهر في أثناء العلاج التحليلي تحمل طابع حب "حقيقي".
—فرويد
كما ذُكر سابقًا، ما دامت المحللة قادرة على توجيه حماسة المحلَّل للتحليل وافتتانه بها إلى عمل تحليلي نفسي حقيقي، فليس عليها أن تفعل شيئًا خاصًا سوى أن تتجنب تقويض اعتقاد المحلَّل بأنها تملك معرفة بما يعتل به وبكيفية مساعدته. فلنفترض الآن، مع ذلك، أن المحلَّل يبلغ نقطة يذهب فيها افتتانه بعيدًا إلى حد يجعله يأتي إلى الجلسات لا ليعمل، بل فقط ليغتسل في حضور المحللة المشرق الباهر. فإذا كان تأويل حبه على أنه ليس في الحقيقة للمحللة بل لشخص آخر لا يجدي نفعًا، فماذا يُفعل؟ فهنا صار التحويل مقاومة للعمل التحليلي: "كل ما يتداخل مع استمرار العلاج يمكن أن يكون تعبيرًا عن مقاومة." فما الذي يمكن فعله عمليًا، ما دام التأويل محكومًا عليه إما بالفشل أو بإغراب الذات عبر النداء إلى أنا ملاحظة يُفترض أنها ليست واقعة في الحب؟
في العموم، أفضل سياسة هي أن يُفعل الحد الأدنى الصارم اللازم لإعادة المحلَّل إلى العمل. فعلى المحللة أن تتجنب اتهامه بأنه واقع في حبها؛ وقد يكفي ببساطة أن تمنحه اتصالًا بصريًا واهتمامًا أقل عندما لا يقول شيئًا، وأن تظهر أمارات ملل عندما يبدو راضيًا بمجرد وجوده هناك، أو أن تسأله عن الأحلام وأحلام اليقظة والفانتازمات. وإذا لزم الأمر، فقد تربط بين الوضع الراهن وبين مشاهد سبق أن رواها المحلَّل من ماضيه وقع فيها شيء مماثل. فذلك يبقي التشديد على تشابه الوضع، من غير أن يشير صراحة إلى حب المحلَّل، الذي قد لا يكون واعيًا به حقًا، أو فخورًا به، أو راغبًا في الإقرار به.
وعلى أي حال، ينبغي للمحللة أن تشغل نفسها، في المقام الأول، بسؤال مختلف تمامًا: لماذا يحدث مثل هذا الظهور للحب التحويلي في هذا الوقت بالذات؟ وخصوصًا حين لا يكون الحب التحويلي قد ظهر في بداية التحليل، بل لاحقًا، فإن ما يكون قد حدث، عادة، هو أن المحلَّل، وقد واجه الاستحالة شبه التامة لوضع شيء ما، أو تجربة صادمة ما، في كلمات، قد انصرف انتباهه إلى شيء يتعلق بالمحللة نفسها. لقد أصبح محبطًا في محاولته استرجاع شيء أو صوغه، فانزاح انتباهه إلى الشخص الآخر الوحيد الموجود معه في الغرفة: المحللة. وقد يلمع في ذهنه شيء كان يضايقه فيها، أو قد يتذكر فجأة شيئًا إيجابيًا عنها.
وفي مثل هذه الحالات، لا يكون التحويل قد تحول إلى مقاومة، كما في المثال السابق حيث كان المحلَّل يريد ببساطة أن يكتفي بالاستمتاع بحضور المحللة؛ بل على العكس، تكون مقاومة العمل الرمزي التي يقيمها الواقعي الصدمي هي التي أنتجت التحويل بوصفه مناورة صرف، أي طريقة لصرف الانتباه بعيدًا عن "النواة الممرِضة" للمشكلة التي يحاول المحلَّل معالجتها، وتحويله إلى شيء لا يرتبط بها ارتباطًا شفافًا. وكما قال لاكان، "التحويل هو في آن عائق أمام التذكر، وإحضارٌ لانغلاق اللاوعي الذي ينتج عن الإخفاق في إصابة الموضع في اللحظة المناسبة تمامًا." وبعبارة أخرى، ينهض التحويل في اللحظة نفسها التي يجد فيها المحلَّل نفسه عاجزًا عن الاقتراب من تلك النواة الممرِضة أكثر، عاجزًا عن "إصابة الموضع."
ولا حاجة إلى أن يكون المحلَّل واعيًا بأنه يصنع صرفًا للانتباه. بل إنه، في الغالب، نادرًا ما يكون واعيًا بذلك في مثل هذه الحالات: إنه مخدوع بمناورة الصرف بقدر ما هي المحللة مخدوعة بها. فإذا استطاعت المحللة أن تتعرف إلى التحويل هنا بوصفه صرفًا، أدركت أنهما كانا يقتربان من النواة الممرِضة، وستحاول أن تجد طرقًا تساعد المحلَّل على مواصلة الاقتراب منها. ولأن التحويل ينهض على هذا النحو بانتظام عند مثل هذه اللحظات، ينبغي لنا، في الواقع، أن نفترض دائمًا على الأرجح أن تحويلًا بعينه هو نتاج مقاومة، بدل أن نفترض أن التحويل نفسه قد صار مقاومة. فبعد كل شيء، إذا لم يكن مقاومة من قبل، فلماذا يصير مقاومة الآن فجأة؟
التحويل غير الإيجابي تمامًا
التحويل، في ذاته، يشكل اعتراضًا على التذاوت.
—لاكان
عندما ينهض التحويل بوصفه صرفًا عن العمل الشاق المتمثل في ترميز الواقعي، لا يكون إيجابيًا دائمًا. فعندما يُحبط المحلَّل من صعوبة المهمة، قد يختبر المحللة على أنها لا تساعده، بل حتى على أنها تتعمد ألا تساعده، لأنها تُعتقد عارفة بالجواب الذي يبحث عنه، فإذا امتنعت عن إعطائه إياه فلا بد أنها تحجبه عنه عمدًا! لكن، بما أنها، في الغالب، لا تملك الجواب فعلًا، فإن أفضل ما تستطيع فعله هو ألا تأخذ الفكرة السلبية التي خطرت للمحلَّل عنها في تلك اللحظة على ظاهرها، وأن تحاول مساعدته في العمل المطروح أمامه.
وهذا يتطلب من المحللة موقفًا شديد المناقضة للحدس: عليها أن تبقي في مقدمة ذهنها أن القسم الأكبر من الأفكار الإيجابية والسلبية التي لدى المحلَّل عنها، ومن ردود أفعاله تجاهها، لا شأن له بها كشخص، ككائن حي يتنفس له شخصيته الخاصة وما يحب وما يكره وقيمه، وما إلى ذلك. وإنما تتعلق هذه الأفكار، بالأحرى، بالموقع السابق الوجود في اقتصاد المحلَّل النفسي الذي صارت هي تحتله. ولهذا بالذات نسميها تحويلات! ومع ذلك، يبدو أن هذا هو أسهل ما يُنسى، ولدى المعالجين ميل يكاد يكون غير قابل للشفاء إلى الوقوع في فخ الظن بأن الأمر يتعلق بهم، مع أنه ليس كذلك. وبقدر ما تكون المحللة قد نجحت في إبقاء تحويلها المضاد في حده الأدنى، فإن أفكار المحلَّل عنها وردود أفعاله تجاهها تتعلق بالعمل الذي ينخرطان فيه، لا بالمحللة بوصفها فردًا.
وكما ذكّرنا لاكان، فإن وجود التحويل نفسه "يشكل اعتراضًا على التذاوت". فالوضع التحليلي ليس منتدى يلتقي فيه فردان مختلفان بوصفهما ذاتين، لأن الطرف الأول يعرض نفسه لأي إسقاط وكل إسقاط يدبره الطرف الثاني. وهذا يعني أن شيئًا جوهريًا في ذاتيته الخاصة يخفت في اللقاء ويبقى على الهامش. ومع أن لاكان كان من أنصار فكرة التذاوت في الخمسينيات، فإنه انتهى إلى أن الحديث عن الوضع التحليلي بوصفه وضعًا تذاوتيًا هو إغفال لوجود التحويل.
ومن المناقض للحدس بالنسبة إلى المحللة أن تظل حاضرة الذهن باستمرار إلى أن النصيب الأسد من أفكار المحلَّل وردود أفعاله التي تبدو كأنها عنها هي لا علاقة له بها فعلًا، لأن معظمنا، في الحياة اليومية، يميل إلى أخذ ما يفكر فيه الآخرون عنا وما يقولونه شخصيًا جدًا. لكن حتى في الحياة اليومية، يحسن بنا في كثير من الأحيان أن ندرك أن الناس يفكرون فينا ويقولون عنا أشياء كثيرة لا صلة تذكر لها بمن نكون نحن بوصفنا أشخاصًا، ولها صلة كبيرة بصراعاتهم ونزاعاتهم الراهنة. ومع أن كثيرين منا يميلون، في حيواتهم العاطفية، إلى أخذ النقد الذي يوجهه إليهم حبيب على محمل الوجه، فإن شيوع التحويل والإسقاط في العلاقات يجعل من الأفضل لنا كثيرًا، في أحوال عديدة، أن ندرك أن النقد المعني يخص شخصًا آخر في حياة الحبيب.
ومع أن تعلم ألا نرى أنفسنا الهدف الحقيقي لنقد الآخرين، بل وحتى لمديحهم، مفيد في الحياة اليومية، فإنه أشد فائدة في الإطار التحليلي. وبما أن المحلَّل لا يعيش التحويل بوصفه "مجرد إسقاط"، بل يأخذ انزعاجه من المحللة بوصفه متعلقًا بها حقًا وصدقًا، فلا بد أن تبذل المحللة جهدًا خاصًا كي لا تأخذ النقد بالروح التي قُدِّم بها، أو ترد عليه بالمثل. فإذا فعلت ذلك، انتهى بها الأمر إلى مجادلة نقد المحلَّل، أو الاعتراض على اتهاماته، أو الرد عليه بنقد من جانبها، أو ببساطة إلى الغضب. وعوضًا من ذلك، عليها أن تحاول أن تضع نفسها على مستوى آخر: عليها أن تتعلم كيف لا تتفاعل كما لو كانت هي الهدف الحقيقي للنقد، مع تذكرها في كل الأوقات أنها تتعامل مع تحويل.
وغرضها في تواصلها مع المحلَّل ليس أن تتهمه بإسقاط أشياء فظيعة عليها وهي شخص رائع، فتطالبه، بطريقة ما، بأن يبقي منفصلًا تمامًا في ذهنه بين شخصيات من ماضيه هو غاضب منها بشدة، وبين المحللة حسنة النية التي هي شخص قائم بذاته. لأنه لو نجح فعلًا في إبقائهما منفصلين تمامًا، لما عاد قادرًا على إسقاط الأشياء عليها. وهذا سيهدد العلاج كله بسرعة، لأن المحلَّلين، عندما يعجزون عن تذكر بعض وجوه علاقاتهم الماضية بالآخرين، يُساقون في كثير من الأحيان إلى تكرارها مع المحلل، بما يعني أن التحليل يستطيع مع ذلك أن ينفذ إليها، وإنْ في صورة متنكرة وصعبة المراس بعض الشيء. وكان أحد محلَّليَّ، الذي كانت قدرته على التذكر تحتاج كثيرًا إلى منعطف التكرار، يتحدث مرة عن طبيعة الأشياء حين كان يعيش مع أبيه قبل أن تتغير أوضاع الأسرة جذريًا. وقد تذكر أنه كان يجلس مع أبيه إلى مائدة العشاء، لكنه لم يستطع أن يتخيل كيف كان الأمر. وفجأة خطر له أنني غاضب منه، بما أتاح لي أن أفترض، لا أن إحساسه بأنني غاضب منه يرتبط بشيء فعلته أو قلته أنا من قبل، بل أن أباه كان يغضب منه أحيانًا على المائدة. وأكد ذلك بقوله إن أباه كان يصيح فيه دائمًا: "كل لحمك"، وهو ما كان المحلَّل يجده مقرفًا جدًا وهو طفل. وهكذا ظهر غضب الأب عليه أولًا في الإسقاط التحويلي، ثم ظهر بعد ذلك بوصفه ذكرى.
ولو كان مثل هذا التكرار قد أُحبط حقًا، لو أنني، مثلًا، دأبت على مجادلة إحساس المحلَّل بأنني غاضب أو مبتهج أو متشكك كلما أحس بذلك، لفقد التحليل أحد مصادر معلوماته الرئيسة عن ماضي المحلَّل. فقد قال فرويد: "لا يستطيع المريض أن يتذكر كل ما هو مكبوت فيه، وقد يكون ما لا يستطيع أن يتذكره هو الجزء الجوهري منه بالذات." وإحباط تكرار ما لا يستطيع أن يتذكره، إذًا، هو تعريض للعلاج للخطر.
ولذلك لا بد أن تقبل المحللة أي إسقاط وكل إسقاط. فهي لا تستطيع، مثلًا، أن تقول للمحلَّل: "أنت تخلط بيني وبين أمك، لكني لست شبيهة بها في شيء." لأن هذا سيكون تأكيدًا لفرديتها الخاصة، وسيحبط إسقاطات مستقبلية من هذا النوع. ومن ثم عليها أن تسير على حد دقيق: فهي لا تستطيع رفض إسقاطات المحلَّل، لكنها، في الوقت نفسه، لا تستطيع أن ترد على مبادراته أو هجماته بمبادرات أو هجمات من جانبها. فالرد بالمثل، أو مقابلة الفعل بالفعل، أو الانخراط في المعاملة بالمثل كما يفعل الأطفال الصغار، هو غرق ميؤوس منه في البعد التخيلي، حيث "المشاعر متبادلة دائمًا"، فيستدعي الحب في أحد الطرفين حبًا في الآخر، وتستدعي الكراهية في أحدهما كراهية في الآخر. وينبغي للمحللة أن تكون، لا "فوق ذلك" بالضبط، بل متموضعة في بعد مختلف: البعد الرمزي. وعليها ألا تشير إلى مجرد واقعة الإسقاط، بل أن تجد طريقة تعيد بها الحوار إلى الموضوع الذي كان قيد النقاش قبل أن تقع الاستجابة التحويلية الصارفة.
تأملوا المثال التالي: لقد سارت أعمالي مع محلَّل معين بسلاسة معقولة في البداية، على الرغم من أنه كان قد حذرني من أن تحليلاته السابقة كانت تغرق في حالات صمت مطولة. وعلى مدى شهرين تقريبًا، سرد تاريخه ومحنته الراهنة، لكن، مع مرور الوقت، أخذ يجلب إلى الجلسات القليل جدًا: ومضة قصيرة من حلم، أو فكرة عابرة، أو لمحة من حلم يقظة. وبعد أن يقدم تلك الومضة كان يسقط في الصمت، معترفًا بأنه لم يُعمل فيها أي فكر قبل الجلسة، ولا كانت لديه أي تداعيات إليها في الجلسة. وبذلت جهدي لاستخراج المزيد منه عن تفاصيل الحلم أو الفكرة أو حلم اليقظة، لكن الأمور ساءت، على امتداد بضعة أشهر، وصار يقدم مادة أقل فأقل في كل جلسة متعاقبة.
وسرعان ما بدأ يتغيب عن الجلسات بانتظام نسبي، ولم يكن يستطيع أن يقول عن حالات عدم حضوره أكثر من أنه يجد الجلسات مؤلمة حين لا يكون لديه ما يتكلم عنه. وكان يواصل دفع ثمن جميع جلساته، سواء حضر أم لم يحضر، ولم أكن قد بلغت حد الإحباط الشديد من غياباته إلى أن صارت تتجاوز مرة في الأسبوع، مع أنني كنت أعلم أنها ليست نذيرًا حسنًا جدًا. وكان في جوانب من تاريخه ما جعلني أميل إلى الظن بأنه، على مستوى ما، ربما كان يريدني أن أثور وأزبد وأقول له أن يعود إلى العمل. فقد كان أبوه شخصية ضعيفة عديمة الفاعلية بعض الشيء، وضع في إحدى المرات، وقد غضب من أطفاله لأنهم أحدثوا ضجيجًا، كرسيًا في الحائط في غرفة تقع إلى آخر الرواق من غرفة نوم الأطفال، وهو يهدد: "في المرة القادمة سيأتي من الجهة الأخرى." ولم يكن واضحًا تمامًا للمحلَّل ما الذي يعنيه هذا، لكنه لم يحدث فعلًا أبدًا. ومع ذلك، كان المحلَّل يشعر بأنه كان ينبغي أن يُعاقب على عدد كبير من الأشياء التي فعلها في طفولته ومراهقته. وكان غضبه من أبيه مطويًا بإحكام، ولم يبدأ غضبه مني أنا في الظهور إلا حديثًا، وخصوصًا في حلم ظهرت فيه أنا في صور حيوانية، وكدت أموت جوعًا، ثم أعاد المحلَّل نفسه إحيائي. وربما كانت حالات عدم حضوره المتكررة تعبيرًا غير مقصود عن غضبه مني و/أو محاولة لاواعية لحملني على إنزال العقاب الذي كان يشعر بأنه يستحقه.
وبعد فترة مضطربة بعض الشيء حاول فيها المحلَّل، على نحو واهن، أن يقطع التحليل، خطر لي أنه ربما كان يكرر شيئًا وقع في طفولته المبكرة: ففي مرحلة من لعبه الجنسي مع أخته الأصغر، خطرت له فكرة، على ما يبدو من تلقاء نفسه تمامًا، أن قضيبه المنتصب "ربما يفترض أن يدخل هناك [في مهبلها]". ويبدو أنه لم يكن قد رأى مهبلها من قبل اليوم الذي اقترح فيه أن يضع قضيبه فيه، وقد وصف مهبلها بأنه يبدو "مثل جرح أحمر كبير". وقد أجابت عن اقتراحه بالصراخ "لا!"، ولم تعد بعد ذلك مستعدة أبدًا لـ"لعب الطبيب". وكان يتماهى معها بقوة، فافترضت أنه كان يكرر بعض وجوه هذا المشهد مع تبادل المواقع هذه المرة: كان يتصرف في التحليل معي كما كانت قد تصرفت هي معه، يلاعب إلى نقطة معينة ثم يغلق. كان يستجيب قليلًا لبعض محاولاتي في النبش، لكنه كان سرعان ما ينطبق على نفسه، من غير أن يذهب أبعد من ذلك من تلقاء نفسه.
وقد كان في حملي إياه على الكلام بصورة أوضح عن ذلك المشهد تحديدًا، وعن مجموع أفكاره ومشاعره حياله، ما أتاح لي أن أضع حدًا لنوع "المعاملة الصامتة" الذي كان يهدد التحليل. وكان أحد الأسئلة التي بدا أنها تطارده هو ما إذا كان ينبغي له أن يجبر أخته على أن تمضي أبعد. وعلى مستوى ما، بدا أنه يظن أنه لو فعل ذلك لما صار خائفًا إلى هذا الحد من الأمهبة، التي لم ينظر إليها مرة أخرى بعد ذلك المشهد مع أخته. وبقدر ما كان ما يجري في التحليل تكرارًا لذلك المشهد، بدا كأنه يتساءل عما إذا كنت سأجبره أنا على أن يمضي أبعد، أي: هل سأفعل به ما لم يفعله هو بأخته؟
وبدا أن الصعوبة التي واجهها المحلَّل في محاولة صوغ هذا السؤال الذي يكاد يتعذر التفكير فيه هي التي كانت تصرف انتباهه إلى العلاقة معي: فيتخيلني ناقدًا له، بما يجعل مجيئه إلى الجلسات والكلام فيها صعبًا عليه؛ ويريد مني أن أعاقبه على شيء ما، وفي الوقت نفسه يرجو أن يفلت من العقاب. وقد استطعنا أن نتجاوز هذه اللحظة من السكون في التحليل بالعودة إلى ما افترضته مصدرًا للتكرار، لا بأن أقترح عليه أن المأزق الذي وجدنا أنفسنا فيه في التحليل يشبه مأزقه السابق مع أخته، وهي مقارنة تخمينية في أحسن الأحوال لم تكن لتكون أكثر من إعطائه معلومة عن شيء يجري في التحليل، ولم تكن لتغير شيئًا متعلقًا بالمكبوت الذي كان هو نفسه يجلب التكرار أصلًا. فبدل أن أؤول استجابته التحويلية، التي اتخذت صورة صمت مطول وغيابات، ركزت على ما كانت تقطعه: مناقشة أتم لذلك المشهد المبكر من الطفولة.
التمثيل بالفعل
ولكن إذا صار التحويل، مع تقدم التحليل، عدائيًا أو مفرط الشدة على نحو يتطلب الكبت، فإن التذكر يفسح المجال فورًا للتمثيل بالفعل.
—فرويد
وكما ينبغي للمحللة أن تقبل إسقاطات المحلَّل، سواء أكانت في صالحها أم ضدها، لأنها قد توفر المفتاح لبعض وجوه المكبوت، ينبغي لها كذلك أن تقبل "تمثيله بالفعل". فـ"التمثيل بالفعل" (acting out) مفهوم تحليلي نفسي أصيل، لكنه صار، في العقود الأخيرة، لا يعني في التداول النفسي الشائع أكثر من "سوء التصرف" أو "التصرف على نحو غير ملائم". أما فرويد فقد أدخله ليشير إلى أفعال ينخرط فيها المحلَّل خارج غرفة الاستشارة، يبدو أنها تعبر، في صورة مزاحة، عن شيء لم يتمكن المحلَّل من التعبير عنه داخل غرفة الاستشارة، وليس ذلك بالضرورة بسبب خطأ من جانبه هو أو من جانب المحللة. وقد قال فرويد في وصفه:
إن المريض لا يتذكر شيئًا مما نسيه وكبته، بل يمثله بالفعل. إنه لا يعيد إنتاجه بوصفه ذكرى، بل بوصفه فعلًا؛ إنه يكرره، من غير أن يعلم، بطبيعة الحال، أنه يكرره.
وبقدر ما كان المريض الذي تحدثت عنه آنفًا ينجح في التغيب عن جلسة أو أكثر في الأسبوع، أمكننا أن نقول إنه كان يمثل بالفعل شيئًا لم يستطع أن يتذكره: المعاملة الصامتة المؤلمة التي مارستها أخته معه، ورغبته ربما في أن يجبرها.
قد تحاول المحللة أن تشجع المحلَّل على أن يتكلم، بل أن يتكلم بصوت عالٍ إذا لزم، بدل أن يفعل، وأن يعبر عن غضبه بالكلام بدل كسر الأشياء أو لكم أحد، لكن إذا حاولت أن تمنع كل فعل من جانبه فمن المرجح أن ينتهي بها الأمر إلى بتر تحليل أحد مصادر معلوماته المهمة المحتملة. وأكثر من ذلك، فإن التمثيل بالفعل قد يؤدي دور نوع من التصحيح للمحللة: فكما ينخرط الأطفال أحيانًا في نشاط هدام أو هدام للذات خارج البيت عندما يشعرون بأن آباءهم يرفضون الاستماع إليهم، ينخرط المحلَّلون أحيانًا في أنشطة مدمرة للذات خارج غرفة الاستشارة عندما يشعرون بأن محللتهم ترفض سماع شيء يحاولون إيصاله، أو ترفض أن تأخذ شيئًا مما يقولونه على محمل الجد. وبعبارة أخرى، ينبغي لتمثيل المحلَّل بالفعل أن يكون كلمة تحذير للمحللة.
التحويل السلبي الصريح
لقد طُلب إليَّ كثيرًا أن أُبدي رأيي في حالات كان الطبيب يشكو فيها من أنه أشار إلى مقاومته عند المريض، ومع ذلك لم يطرأ أي تغير؛ بل إن المقاومة اشتدت أكثر، وأصبح الموقف كله أشد غموضًا من ذي قبل.
—فرويد
عندما تواجه المحللة سلبية صريحة مستمرة من جانب المحلَّل، ينبغي لها أن تضع في اعتبارها إمكانات مختلفة عدة، بصرف النظر عن الخيار البديهي المتمثل في بدء العمل مع مشرف جيد، لأن الإشراف المتواصل ضروري لكل عمل تحليلي.
فإذا كانت المحللة تعمد إلى تقطيع كلام المحلَّل وتحاول أن تقدم تأويلات، ولم تزد تقطيعاتها وتأويلاتها المحلَّل إلا غيظًا، مع أنها أدخلتها تدريجيًا وفي نقطة بدا فيها أنه مستعد لسماعها، فعليها أن تفكر، أولًا وقبل كل شيء، في احتمال أنها أخطأت في تشخيصه: فلعله ذهاني لا عصابي، وعليها عندئذ أن تعيد توجيه نفسها بالكامل في العلاج. إن العمل مع ذهاني كما لو كان عصابيًا يمكن بسهولة كبيرة أن يؤدي إلى تحويل سلبي شديد؛ وقد أشرفت على حالات كان فيها أشياء كثيرة لن تعد اضطهادية بالنسبة إلى عصابي، مثل التقطيع والتأويل والإنهاء المفاجئ للجلسة وتدوين الملاحظات، بل وحتى طلب تسجيل الجلسات صوتيًا أو بالفيديو، تفضي إلى ردود فعل سلبية جدًا من جانب المحلَّل الذهاني، بل وإلى إنهاء العلاج أحيانًا.
وإذا كان تحويل المحلَّل قد بدأ بطريقة إيجابية إلى حد ما، ثم غدا سلبيًا ببطء ولكن بثبات، وإذا كانت محاولات المحللة ربط هذه السلبية بشخصيات من ماضي المحلَّل، وإعادة تصور الحالة، لا تثمر شيئًا، فعليها أن تنظر في احتمال أنها ارتبطت، في ذهن المحلَّل، على نحو وثيق إلى درجة تجعلها لا تستطيع أن تفعل شيئًا إضافيًا في الوقت الحاضر، بواحد من والديه أو مقدمي الرعاية له، ممن يكنُّ تجاههم غضبًا شديدًا أو ضغينة لا تنقضي: وعندئذ لا يبقى لها إلا أن تحيله إلى محلل آخر، ويفضل أن يكون من الجنس الآخر.
ومع أن هناك من الأسباب الأخرى لظهور السلبية الصريحة المستمرة لدى المحلَّل أكثر مما يمكن تناوله في كتاب تمهيدي، فإن القسم التالي قد يساعد على توضيح بعضها على الأقل وتجاوزه.
التعامل مع المآزق التحويلية/التحويلية المضادة
في التحليل الذاتي يكون خطر النقص خاصًا إلى حد كبير. فالمرء يرضى سريعًا بتفسير جزئي، قد تكون المقاومة تحجب وراءه شيئًا أهم منه، ربما.
—فرويد
التحليل الذاتي الحقيقي مستحيل؛ وإلا لما كان هناك مرض [عصابي].
—فرويد
يتعثر العمل التحليلي في أوقات مختلفة لأسباب شتى. وكثير من هذه الأسباب يمكن أن يُعزى إلى التحويل المضاد بالمعنى الأوسع للكلمة، أي باعتباره "المجموع الكلي لتحيزات المحلل، وأهوائه، وصعوباته، أو حتى [نقص] معلوماته، في أي لحظة بعينها من العملية الجدلية". فقد وصلت المحللة إلى تصور الحالة بطريقة معينة، ولذلك تتصرف تجاه المحلَّل بطريقة معينة؛ وهذا التصور وهذا الموقف، مهما كانا نافعين في لحظة سابقة من التحليل، يقفان الآن في طريق أي تقدم إضافي.
فكيف ينبغي للمحللة أن تمضي قدمًا؟ إذا فهمنا أن المحللة قد علقت هنا في علاقة تخيلية معينة مع المحلَّل، أي إنها استثمرت على نحو ما في صورتها عن المحلَّل وعن نفسها معه، فعلينا أن نعترف بأنها أصبحت صماء إزاء الأشياء التي قد لا تنسجم مع تصورها، وعمياء عن أي طريقة أخرى لصوغ الحالة. لقد صار هذا التصور عزيزًا عليها، وثبّتت، إلى حد ما، إحساسها الخاص بمن تكونه بوصفها محللة حول هذا التصور. وباختصار، فقد خرجت من دورها بوصفها الآخر الرمزي، وبوصفها السبب الواقعي لرغبة المحلَّل، وانغلقت داخل جمود أنا-إلى-أنا، وهو "أنا-إلى-أنا" لأن المحللة نفسها قد أقنمت المحلَّل أو شيأته بوصفه أنا من خلال تصورها الصلب للحالة.
والحل الواضح هنا هو إدخال نفحة من هواء جديد، من الهواء الذي يوفره الرمزي. فلا بد من إعادة النظر في المعالم والحدود الرمزية للحالة، وهذا أمر عسير للغاية، إن لم يكن مستحيلًا، على المرء أن يفعله وحده. فمثلما يصعب على المرء، من غير مساعدة محلل، أن يتعرف إلى الإحداثيات والعلل الرمزية الخاصة بأعراضه وأنماطه التكرارية ويغيرها، وهذا هو السبب في أن التحليل الذاتي الكامل مستحيل، فإنه يكاد يكون من المستحيل أن يبتعد المرء عن الحالة، شخصيًا ومفهوميًا، وأن يعيد صوغها من وجهة نظر جديدة تمامًا من غير مساعدة شخص آخر: مشرف.
إن المشرف لا يكون أبدًا في غرفة الاستشارة مع المحلَّل الذي يُستشار بشأنه، ولذلك لا يمكن أن يُفتن به أو ينفر منه كما قد يحدث لولا ذلك. كما أن المشرف لا يرجح أن يشعر بأنه في خط النار، أي أن ينزعج من مطالب المحلَّل أو أن يُغرى بإشباعها. وليس من المرجح أن يقع المشرف في فخ ربط المحلَّل بشخص من ماضيه هو بناء على المظهر، أو اللباس، أو نبرة الصوت، أو الإيماءات، وما شابه. وبعبارة أخرى، يُوضَع المشرف تلقائيًا في موقع يجعله محصنًا من عدد كبير من المزالق التخيلية. وبطبيعة الحال، قد تجعل منظوره النظرية، الصلبة أكثر أو أقل، بعض الأشياء عمياء بالنسبة إليه، لكن على الأقل عماءاته لا يُرجح أن تتداخل مع عماءات المحللة نفسها. فما يُعرض على المشرف هو كلمات المحلَّل وحدها، بقدر ما تُنقل إليه بأمانة تقريبية من قِبل المُشرَف عليها. أي إن المشرف يستطيع أن يموضع المحلَّل على المستوى الرمزي مباشرة، من غير أن يغرق في التخيلي.
ولذلك يستطيع المشرف أن يسمع من خطاب المحلَّل أكثر بكثير مما قد تكون سمعته المحللة نفسها، لا بسبب سنوات خبرته بالضرورة أو "قواه الخارقة في الاستبصار"، بل بسبب بعده عن وجوه كثيرة من السجل التخيلي التي لا مفر منها في غرفة الاستشارة. ويُفاجأ كثير من طلابي من المعالجين تحت التدريب بأن زملاءهم المتدربين قادرون على تقديم زوايا جديدة كثيرة لحالة ما، وعلى أن يقيموا في المادة الرمزية صلات كثيرة لم يكونوا قد لاحظوها هم أنفسهم، فيميلون إلى الظن بأن زملاءهم أشد منهم بصيرة بكثير، إلى أن يدور الدور، فيجدون أنفسهم هم في موقع الإشراف، ويدهشون زملاءهم بقواهم الخاصة في الاستبصار.
وهذا الوصول شبه المباشر إلى المادة الرمزية في الحالة هو ما يجعل الإشراف، سواء لدى محلل أقدم أو لدى جماعة من الزملاء الجادين، منتجًا إلى هذا الحد في إعادة تأطير الحالة. ويصدق هذا حتى عندما يكون المرء قد مارس العمل زمنًا طويلًا جدًا، وهو ما يبين فائدة عرض الحالات بانتظام على جماعات من الزملاء وأهميته حتى لأكثر المحللين خبرة. فالأحرى أن يُنظر إلى الإشراف بوصفه مسعى ملازمًا للحياة كلها، لا شيئًا يفعله المرء فقط في بضع سنوات قصيرة من التدريب.
وفي سنواتي الطويلة من تلقي الإشراف والإشراف على أعمال الآخرين، استطعت أن أرى وأختبر فوائد العملية الإشرافية على مستوى دقيق وعلى مستوى أوسع، إذا جاز القول. فعلى المستوى الدقيق، كثيرًا ما نجد أن شيئًا حاضرًا على المستوى الرمزي في جلسة ما لا تسمعه المحللة، مع أنه يكون مدونًا في ملاحظاتها. ففي مناسبة ما، وقع لمريض زلة لسان لم تنتبه معالجته إلى أنها زلة إلا عندما أعادتها في الإشراف معي. وفي مناسبة أخرى، مر من غير انتباه ارتباط رمزي مباشر نسبيًا بين قول مريضة إنها "سئمت السماح للناس بأن يقتاتوا" عليها، وبين حلم روته في الجلسة نفسها كانت تعيش فيه داخل ثلاجة. وفي حالة ثالثة، كان ما لم يُسمع هو استعمال مريضة المتكرر لاستعارة "لا شيء تحتي" و"لا قضيب عندي"، التي كانت تقصد بها، فيما يبدو، "لا عمود فقري عندي"، مع أن المعالجة كانت، من جهة أخرى، متنبهة جيدًا إلى قلق الخصاء.
وعلى المستوى الأوسع قليلًا، يمكنني أن أذكر حالة استطعت فيها، بسهولة نسبية، أن أقترح انقلابًا جدليًا في تصور المحللة للحالة انطلاقًا من حلم روته لي. فقد كانت المحلَّلة تقدم نفسها للمحللة المرأة، باستمرار، بوصفها ضحية أمومة غير كافية، وكانت المحللة تشعر بأنها غير قادرة على زحزحة المحلَّلة عن مطالبها المستمرة بأن تُؤمَم من قبل المحللة. وفي حلم روته المحلَّلة، وجدت نفسها في حافلة تحيط بها عدة نساء، تحمل كل واحدة منهن كومة كبيرة من الحفاضات. وبعد بعض المناقشة، اقترحت على المحللة أنه ربما لم يكن الأمر كثيرًا أنها شعرت بأنها أُهملت بشدة من قبل أمها طفلة، بقدر ما أنها صارت تعتقد أنها تحمل في داخلها من القذارة ما يجعلها فوق قدرة أي أم على احتماله. وقد وجدت المحللة هذا انقلابًا مفيدًا جدًا في طريقة تفكيرها في الحالة، وخفف بعض الضغط الذي كانت تشعر به لكي تستجيب لشيء من مطالب المحلَّلة المتكاثرة.
وقد قدم لي مشرفون وزملاء، سواء في الاستشارات الفردية أم في العروض الأكثر رسمية، انقلابات مماثلة في المنظور سمحت لي بأن أتناول التحليلات التي أجريتها تناولًا جديدًا. وينبغي لهذا أن يؤكد أهمية التحدث إلى المشرفين والزملاء عن الحالات الأشد صعوبة وإزعاجًا لدينا، لا عن الحالات التي تسير على ما يرام فحسب؛ فالأخيرة هي التي نميل أكثر إلى عرضها في محاولتنا أن نبين للآخرين أننا نؤدي عملًا جيدًا وأن عليهم أن يحيلوا إلينا مرضاهم!
وفي بعض الحالات، كان واضحًا لي، من المادة التي أبلغني بها مُشرَفون عليهن، أنهم كن يتبعن خيطًا واحدًا ممكنًا فقط من خطاب محلَّليهن، مع أن خيوطًا أخرى كانت ظاهرة بوضوح ويمكن أن توحي بمناظير مختلفة جدًا للحالة. فإذا استنفد خيط واحد نفسه أو قاد إلى جمود مؤقت، فقد حان وقت استكشاف الخيوط الأخرى.
وفي حالات أخرى، كان واضحًا لي، من فقر المادة الرمزية نفسها، تفاصيل الأسرة، وأحداث الحياة المبكرة، والتعليم، والعلاقات الأولى، والأحلام، والفانتازمات، وما إلى ذلك، أن المحللة قد غرقت في قصص المحلَّل عن حياته اليومية وفي طلباته للمساعدة على صعوباته الراهنة. فقد أصر المحلَّل على أن يرى المحللة مجرد شخص يشتكي إليه، أو خبيرًا يستطيع أن يحل مشكلاته، وسمحت له المحللة بأن يملأ الجلسات بالشكوى، أو ابتلعت الطعم وبدأت تقدم الأجوبة بدل أن تضع المحلَّل إلى العمل على إيضاح مشكلاته بنفسه.
وأظن أن قلة قليلة من المحللين ستختلف معي هنا بشأن أهمية الإشراف المستمر. غير أنني أود أن أعلق على اقتراح Casement طريقة ظاهرة للالتفاف على الإشراف سماها "المشرف الداخلي". فقد اقترح Casement أن المحللة، في سياق تلقي الإشراف على الحالات، تطور نوعًا من المشرف المستدمج: فهي تتخيل أنها تسمع صوت المشرف أو ترى الأشياء كما يراها هو، إلى جانب صوتها هي ورؤيتها للأشياء. ويبدو أن Casement يعتقد أن تطوير مثل هذا المشرف الداخلي يتيح للمحللة أن تكون منخرطة في العلاج وعلى بعد خطوة منه في الوقت نفسه. وقد شبه، صراحة، هذا الانشطار في المحللة بذلك الانشطار الذي اقترح Sterba تعزيزه في المحلَّل بين "الأنا الملاحظة" و"الأنا المعايشة". وقد ذكرت في الفصل 5 أن مثل هذا الانشطار لا يفعل أكثر من زيادة اغتراب المحلَّل، إذ يشجعه على أن يراقب نفسه كما لو كان شخصًا آخر، وأن يضبط اندفاعاته كما لو كانت غريبة عنه. ويريد منا Casement أن نكرر هذا الاغتراب أو نطيله في المحللة، مع أنه قد يؤدي أحيانًا إلى "انشغال بالمراقبة الذاتية [من شأنه] أن يشوش الانتباه الحر العائم". ومن الواضح أن ثمة وظيفة رقابية ذاتية تملأ هنا، إذ "يتعلم المحللون أن يراقبوا أنفسهم [على الأرجح كما يراقبهم مشرفوهم] بقدر ما يراقبون المريض". ويبدو أن Casement يشجع المشرف أيضًا على أن يصوغ المُشرَف عليها على صورته هو، بدل أن يساعدها على أن تجد طريقها وأسلوبها الخاصين بها بوصفها محللة، وهو المسلك الذي دعا إليه لاكان بوضوح حين قال: "لا تقلدني."
ومع أنه قد تكون هناك مماثلة سطحية بين "الأنا المعايشة" والمحللة حين تكون غارقة في السجل التخيلي، من جهة، و"الأنا الملاحظة" والمحللة حين تعمل داخل السجل الرمزي، من جهة أخرى، فأحسب أنه من المهم التشديد على الحد الذي تؤدي فيه المحللة أداءها الأفضل عندما تعمل، بأقصى ما يمكن حصرًا، في السجل الرمزي، لا عندما تزرع انشطارًا بين اختبارها وتفكيرها. فإذا وجدت المحللة نفسها تختبر بانتظام ما يجري في التحليل في السجل التخيلي للصراع والمنافسة والإغواء والعدوان، فلن يخفف أي قدر من المراقبة الذاتية من ذلك، وعليها أن تعود إلى تحليلها هي.
ويبدو أن Casement يعتقد أيضًا أن في وسعه أن يتعامل على نحو كاف مع كثير من الصعوبات التي تنشأ في التحويل بواسطة ما سماه، تبعًا لـ Robert Fliess، "التماهي التجريبي"، حيث تحاول المحللة أن تتخيل ذهنيًا أنها في موضع المحلَّل، وأن تتنبأ برد فعله على التأويلات وسائر التدخلات. وهو يرى أن هذا يمنعه، في مناسبات كثيرة، من تقديم تأويلات قد تكون "دقيقة"، لكنها ستُدرَك على الأرجح بوصفها مبتذلة أو صيغية أو متوقعة من طرف المحلَّل. وآمل أن تكون حدود "التماهي التجريبي" واضحة من مناقشتي للتخيلي في فصول سابقة من هذا الكتاب: فالناس يختلفون اختلافًا كبيرًا بعضهم عن بعض، وما لم نكن موهوبين بخيال خارق أو ذوي خبرة هائلة لا تُصدَّق بأناس من كل دروب الحياة تقريبًا، فلن نستطيع أبدًا أن نتخيل حقًا ما يشبه أن نكون شخصًا آخر. فليس بوضع أنفسنا، تعاطفيًا، في مكان الآخر ما نستطيع أن نحدد ما الذي ينبغي قوله أو فعله، بل بالعمل على لغة الآخر وتاريخه. وإلا فالأغلب أننا سنخدع أنفسنا فنظن أننا نجحنا في تخيل ما يشعر به المحلَّل وكيف يختبر العالم، وسنتشبث، على نحو أعمى، بصورتنا المتخيلة لعالمه.
وربما يستطيع المحللون الشديدو الرسوخ أن يحاولوا تخيل ما لا بد أن يكون عليه أن تكون شخصًا آخر، وأن يظلوا، في الوقت نفسه، منفتحين بالقدر الكافي لسماع ما يقوله المحلَّل مما لا ينسجم مع هذه الصورة المتخيلة، لكنني أظن أن هؤلاء قليلون جدًا. وعلى أي حال، أفترض أن قدرتهم على ذلك لا ترجع إلى قوى تعاطف متطورة على نحو استثنائي، بل إلى اعترافهم بخصوصية الإحداثيات الرمزية لوجود المحلَّل، وإقرارهم بأنها مختلفة جذريًا عن إحداثياتهم هم.
وإذا كان ثمة ما يمكن أن يساعد المحللة على أن تشرف على نفسها، فهو أن تكتب صياغة وافية للحالة، وهو ما أوصي به تمهيدًا أو إعدادًا للإشراف لدى شخص آخر. وينبغي أن تتضمن هذه الصياغة: ما استطاعت أن تركبه من طفولة المحلَّل المبكرة وتاريخه اللاحق، مرتبًا ترتيبًا زمنيًا؛ وما عرضه المحلَّل بوصفه مشكلته المقدَّمة، فضلًا عما بدا، في مجرى العمل، أنه المشكلات التي عجلت فعلًا بدخوله العلاج؛ والتمفصلات الكبرى للعمل الذي أُنجز حتى الآن، بما في ذلك الصلات المهمة التي رُسمت في ما يخص تاريخ المحلَّل وعلاقاته، فضلًا عن أي انقلابات في المنظور جرى التوصل إليها؛ وكل الأعراض العابرة والأكثر دوامًا التي نوقشت حتى الآن، ومعانيها الممكنة، مع فرضيات عن المادة المكبوتة التي أفضت إلى تشكلها؛ والفانتازمات التي رواها المحلَّل، وتقاربها الممكن في اتجاه شيء يشبه الفانتازم الأساسي، بما يوحي بما قد يكون عليه أعمق موقف له من الآخر؛ والتشخيص.
وبعد أن تكون المحللة قد صاغت بالكلمات كل ما تريد أن تخبر به الآخرين عن الحالة، بما في ذلك موضعها هي في التحليل وصعوباتها السابقة والراهنة، وجعلت روايتها للحالة متماسكة ومفهومة للآخرين، ينبغي لها أن تعود فتبحث عن أي شيء تركته خارج روايتها عن عمد أو من غير عمد. فحين نحاول أن نحكي لأحد قصة واضحة عن شيء ما، فإننا نستبعد أشياء من الحكاية على نحو لا مفر منه، أشياء قد يتبين في النهاية أنها حاسمة. وفي عملي الخاص في الإشراف على المحللين، أجد كثيرًا أن التفاصيل التي تذكرها المحللة عرضًا هي التي تعطي الحالة وجهًا مختلفًا تمامًا وتتيح لنا أن نعيد التفكير فيها على نحو منتج جديد. وبالمثل، عندما أكتب حالاتي أنا نفسي من أجل عرضها، أجد كثيرًا أن التفاصيل التي أواصل وضعها في الحواشي، أو أدفعها إلى آخر ملف معالج الكلمات، أو أكتبها على قصاصات لا تنتهي من الورق، هي التي تمنحني أكثر البصائر الجديدة في الحالة. كما أجد أنني أستفيد كثيرًا من كتابات الحالات الخاصة بي إذا أعدت قراءتها بعد أسبوعين من كتابتها حتى يكون لدي بعض المسافة عنها: فبحلول ذلك الوقت لا أكون غارقًا إلى هذا الحد في عملية بناء قصة جيدة متماسكة، وأستطيع أن أقرأ القصص قليلًا كما لو أن شخصًا آخر يقرؤها.
ويمكن أن تكون صياغة الحالة من هذا النوع مفيدة لأنها تلزمنا بالتفكير في الإحداثيات الرمزية للحالة وإعادة التفكير فيها وصوغها في كلمات. وقد ندرك فجأة أن ما كتبناه، سواء أكان كلماتنا نحن أم تفريغًا لكلمات المحلَّل، يمكن أن يُفهم بأكثر من طريقة، وأن مجرد بسط الأشياء على الورق أو على شاشة الحاسوب كثيرًا ما يتيح لنا إقامة صلات ربما ما كنا لنقيمها لولا ذلك. ومع ذلك، ينبغي النظر إلى مثل هذه الصياغة للحالة على أنها لا تعدو أن تكون تمهيدًا للإشراف الفردي أو الجماعي: فلا أحد سوى الآخرين يمكن أن يساعدنا على رؤية ما لسنا مستعدين بعد أو قادرين أو راغبين في رؤيته.
إن صياغتنا للحالة في لحظة زمنية معينة تصير نوعًا من النظرية، نظرية تسمح لنا، في آن، برؤية أشياء معينة وتعمينا عن أشياء أخرى، ونظرية، كما علمنا Kuhn، نتشبث بها ولا نهجرها إلا بصعوبة شديدة. فكما أن العلماء، عندما يواجهون معطيات لا تبدو، في البداية، ملائمة للنظرية السائدة، لا يلقون بنظريتهم العزيزة جانبًا، بل يعدلونها هنا وهناك لاستيعاب المعطيات، كذلك يميل المعالجون، في البداية، إلى أن يلووا أنفسهم إلى الوراء لكي يكيفوا الكلام عن أحداث حياتية وأحلام وفانتازمات لم يُذكر شيء منها من قبل مع إطار مفهومي سابق الوجود. ولا يرضى بعض العلماء بالتخلي عن نظريتهم العزيزة والبحث عن نظرية جديدة إلا تحت وطأة أدلة مضادة جارفة؛ والمزاج البطيء العنيد الجامد من هذا النوع لدى المحللة قد يدفع جميع المحلَّلين تقريبًا، ما عدا الأكثر وسواسية، إلى حد الجنون، ويقود تحليلًا بعد تحليل إلى الخراب. ولذلك فإن تحليل المحللة لنفسها، وإشرافها المتواصل، فضلًا عن دراستها المستمرة، هي أفضل ضماناتنا ضد مثل هذه النتيجة.
التماهي الإسقاطي
من لا يكون واقعًا في حب لاوعيه يضل الطريق.
—لاكان
ولا يكتمل أي حديث عن التحويل في زماننا من غير حديث عن "التماهي الإسقاطي"، وهي عملية كثيرًا ما يُعزى إليها التحويل المضاد السلبي لدى محللين نفسيين غير لاكانيين من اتجاهات شتى.
وبقدر ما يميل المحللون إلى أن يأخذوا ردود فعل المحلَّل عليهم شخصيًا، فإنهم يجدون أنفسهم كثيرًا يفكرون أفكارًا سلبية نسبيًا عن المحلَّل ويشعرون نحوه بمشاعر سلبية كذلك. وبدل أن يُشجَّعوا على أن يدركوا أنهم يضعون أنفسهم خطأً في موضع هدف غضب المحلَّل، وأن عليهم أن يعيدوا تموضع أنفسهم في التحليل، فإنهم يُشجَّعون في كثير من الأحيان على الاعتقاد بأنهم يعيشون "تماهيًا إسقاطيًا"، أي وضعًا يُفترض فيه أن المحلل يختبر ما كان المحلَّل سيختبره لكنه لا يريد اختباره، أو يشعر بما يرفض المحلَّل أن يشعر به، على افتراض أن ذلك الشعور قد انشطر عنه. ومن هذا المنظور، لا تعكس مشاعر المحلل التحويلية المضادة خصوصياته الشخصية أو موقفه غير الموفق في العلاج، بل شيئًا "موضوعيًا" عن المحلَّل؛ وكما قالت Paula Heimann: "التحويل المضاد للمحلل ليس فقط جزءًا لا يتجزأ من العلاقة التحليلية، بل هو خلق المريض، وهو جزء من شخصية المريض."
وأول ما ينبغي أن نلاحظه هنا هو أن المحللين، بدل أن يُشجَّعوا على الظن بأنهم يتموضعون على نحو غير صحيح إزاء المحلَّل، يُشجَّعون على الاعتقاد بأنهم صاروا شديدي الحساسية لشيء ليس المحلَّل واعيًا به أصلًا. ولعلنا ينبغي أن نرتاب في كون رد الفعل السلبي لدى المحلل تجاه المحلَّل يتحول، سحرًا، إلى فضيلة، في انقلاب جدلي لا يُنجز هنا لمصلحة المحلَّل، بل، فيما يبدو، لكي ينام المحلل قرير الضمير. وإذا لم يكن من شيء آخر، فإن مجرد أن يُعفى المحلل من المسؤولية إلى هذا الحد، وأن يتحول سوء مزاجه إلى حساسية شبه إلهية، ينبغي أن يضعنا على حذر. ولعل هذا التحويل الخيميائي لشيء خسيس، أي خبث مشاعر الغضب والالتباس التحويلية المضادة لدى المحلل، إلى شيء جدير، يفسر جزءًا من شعبية المفهوم.
وعندما نرى المحللين يحتضنون مفهومًا يحول التحويل المضاد إلى تحويل، أي يلقي العبء على المحلَّل بدل المحلل، قد نتذكر تعليق لاكان بأن "لا مقاومة للتحليل إلا مقاومة المحلل نفسه". واستخدامًا، كما فعل لاكان نفسه، للنظرية التحليلية النفسية لتحليل تاريخ التحليل النفسي، أود أن أقترح علينا أن نأخذ على محمل الفرضية أن الافتتان المتزايد بالتحويل المضاد بعد الحرب العالمية الثانية، وتخليصه داخل النظرية التحليلية، قد يعكسان مقاومة المحللين للعملية التحليلية النفسية ذاتها. وكما سنرى، فإنه يعكس على وجه اليقين تفضيل السجل التخيلي على السجل الرمزي.
التطور التاريخي لمفهوم التماهي الإسقاطي
نحن نستعمل اللغة بطريقة تتجاوز بكثير ما يُقال فعلًا.
—لاكان
إن التماهي الإسقاطي مفهوم شديد التعقيد، ويستعمله مؤلفون مختلفون بطرائق مختلفة. وكما يحدث كثيرًا في تاريخ المفاهيم التحليلية النفسية، فقد اكتسب المصطلح حياة خاصة به، وأخذ المحللون ينسبون إليه معاني لم تكن Melanie Klein، التي صكت المصطلح، تقصدها في الأصل.
وقد شرحت Klein العمليات التي جمعتها تحت اسم "التماهي الإسقاطي" على النحو التالي:
عندما يكون الإسقاط مستمدًا في الأساس من اندفاع الرضيع إلى الإضرار بالأم أو السيطرة عليها، فإنه يشعر بها بوصفها مضطهِدة. وفي الاضطرابات الذهانية يسهم هذا التماهي بين الموضوع وأجزاء الذات المكروهة في زيادة شدة الكراهية الموجهة إلى أشخاص آخرين.
ويبدو واضحًا جدًا، في سياق مقالها، أن Klein تعني أن الرضيع أو الراشد الذهاني ينسب، مثلًا، عدوانيته هو إلى الأم أو إلى شخص آخر، فيتعرف إلى الشخص الآخر على أنه المعتدي بدلًا منه هو. وعندئذ يستطيع، وهو مطمئن الضمير، أن يكره الشخص الآخر بدلًا من أن يكره نفسه، لأن كراهيته ليست إلا استجابة لعدوانية الآخر السابقة الوجود.
ولا شيء جديد فعليًا في هذا التصور، فهو حالة كلاسيكية من إسقاط أحد أفكار المرء أو عواطفه على شخص آخر، باستثناء مصطلح التماهي الإسقاطي نفسه. فما ينسبه الطفل ذهنيًا إلى الأم لم يدخل، حرفيًا أو ماديًا، إلى الأم نفسها، ولم يغزها بوصفها شخصًا بأي حال؛ بل صار ببساطة جزءًا من رؤية الطفل لأمه. ولاحظوا أن Klein تربط مثل هذه الإسقاطات التي يقوم بها المرضى الراشدون بـالذهانيين، لا بالعصابيين.
وفي عرض قدمه سنة 1958، استخدم Heinrich Racker مصطلح Klein ليشير إلى شيء أبعد من ذلك: فبحسب Racker، يسقط المريض شيئًا ما على المحلل، ثم يتماهى المحلل بدوره مع إسقاط المريض. ووفقًا لـ Racker، ففي السير العادي للأمور يتماهى المحلل مع المحلَّل لكي يفهمه؛ بل إنه يتماهى "بكل جزء من [شخصيته] مع الجزء النفسي الموافق لدى المريض، [فيتماهى] هوية [المحلل] بهوية المريض، وأناه بأناه، وأناه الأعلى بأناه الأعلى." وكانت "التماهيات المتوافقة" هذه، بحسب Racker، هي "أساس الفهم"؛ فإذا لم يتماه المحلل مع المريض على كل مستوى، فإنه سيفشل في فهمه. غير أن المحلل قد يتماهى، بدلًا من ذلك، على مستوى الأنا "مع الموضوعات الداخلية للمريض، مثل [أناه الأعلى]"، مثل شخصية والدية معاقبة مستدمجة لدى المريض، ولا سيما عندما يُسقط المريض مثل هذه "الموضوعات الداخلية" على المحلل. وقد سمى Racker هذا "تماهيًا تكامليًا". وتشير التماهيات التكاملية إلى أن المحلل أخفق في أن يتماهى تمامًا مع المريض على النحو المتوافق، لأنه لا يتماهى فيها مع ما هو عليه المريض، بل مع ما يسقطه المريض عليه؛ إنه يتماهى مع نوع الموضوع الذي يعامله المريض كما لو كان هو. وكما قال Racker:
إن آلية دفاع المريض [التماهي الإسقاطي] تنال غاياتها فعلًا في أحيان كثيرة، في حالتنا هذه أن تجعل المحلل يشعر بالذنب، ولا تعني فحسب أن "المريض يتوقع أن يشعر المحلل بالذنب"، أو أن "المقصود أن يكون المحلل حزينًا ومكتئبًا". إن تماهي المحلل مع الموضوع الذي يعرِّفه المريض [به] هو، أكرر، العملية الطبيعية للتحويل المضاد.
وسواء قبلنا أم لم نقبل تصور Racker القائل إن التماهيات المتوافقة ضرورية لكي يفهم المحلل مريضه، وهو تصور نقدته بإسهاب في الفصل 1، فإنه يتضح على الأقل في رواية Racker أن ثمة انخراطًا ذاتيًا من جانب المحلل في ما إذا كان سيتماهى مع المريض نفسه أو مع ما يسقطه عليه. وبعبارة أخرى، لا يبدو الأمر عملية آلية أو موضوعية تمامًا تقع من غير أي إسهام من جانب المحلل. بل إنه يوحي، في صياغة Racker، بإخفاق من جانب المحلل، إخفاق ربما لم يكن لا بد أن يقع، أو ربما أمكن أن يقع نادرًا جدًا.
وقد رأى Sandler أن المرحلة الثالثة في تطور مفهوم التماهي الإسقاطي جاءت مع Wilfred Bion، الذي، بحسب رأي Sandler، تفوق على Racker في هذه النقطة: فبدل أن يرى المحلل مؤديًا دورًا في التماهي، سواء على نحو متوافق أم تكاملي، بما يوحي بأن ذاتية المحلل منخرطة بطريقة ما، وصف Bion المحلل بوصفه نوعًا من الموضوع، "وعاءً" يضع فيه المحلَّل ببساطة ما يشاء، من غير أن يكون للمحلل أي دور في قبول بعض إسقاطات المحلَّل أو رفضها، أو قبولها كلها أو رفضها كلها. وأثر إعادة التصور هذه هو إخراج المحلل من المعادلة، بمعنى ما، بما يوحي بأنه لا يمكن أن يُلام أو يُحمَّل مسؤولية بأي شكل عما يشعر به ويختبره: فـ"مشاعره التحويلية المضادة" ليست، حقًا، تحويلية مضادة أصلًا، لأنها تطابق، على نحو مباشر وبصورة غير متواسطة، تحويل المحلَّل.
ولاحظوا أنه، في حين كانت Klein قد أشارت بالفعل في الأربعينيات إلى أن بعض العمليات الإسقاطية والاستدماجية يمكن العثور عليه لا في الذهانات فحسب، بل حتى في العصابات الشديدة، فإن Racker وBion شوَّشا الأمور بدرجة كبيرة عندما ذهبا إلى أن التماهي الإسقاطي يقع لدى جميع المرضى. وقد كانت Klein ترى أن حالات الالتباس هذه، أي العمليات الإسقاطية والاستدماجية، تختفي، في الوضع العادي، بعد العمل على ما تسميه "الوضع الاكتئابي"، "الذي يكون، عادة، في طريق جيد إلى الاكتمال في النصف الثاني من السنة الأولى وبداية السنة الثانية" من الحياة، بما يؤدي إلى "انخفاض كبير في التماهي الإسقاطي". أما Racker وBion وكثير من المحللين الذين تبعوهما، فقد وسعوا المفهوم الأخير حتى صار يشمل كل الأعمار وكل التشخيصات تقريبًا.
نقد مفهوم التماهي الإسقاطي
كل شكل من أشكال التعبير عن الانفعالات عند البشر يحمل طابعًا اصطلاحيًا. وليس المرء بحاجة إلى أن يكون فرويديًا لكي يعرف أن العفوية التعبيرية المفترضة للانفعالات يتبين، عند الفحص، أنها ليست إشكالية فحسب بل شديدة التغير أيضًا. فما يدل على انفعال ما في منطقة يُتكلَّم فيها بلغة معينة قد تكون له قيمة تعبيرية مختلفة تمامًا في منطقة أخرى.
—لاكان
فلنلحظ أن المحللين يقرون عمومًا بأن كل ما يعرفونه أو يظنونه عن أفكار محلَّلهم ومشاعره هو شيء يفسرونه أو يعالجونه بطريقة ما: فهو ليس "معطًى خامًا"، إذا صح التعبير. فكلام المحلَّل، الذي يعده كثير من الممارسين الوسيط الأهم في العمل التحليلي النفسي، لا بد من تأويله إذا أريد فهمه أو العمل به. وكذلك، وكما أجادل في الفصل 8، فإن ما يسمى بلغة الجسد ليس شفافًا، ولا كونيًا، ولا بديهيًا بالطريقة التي يبدو أن كثيرًا من الناس يظنونها: فهو، في الحد الأدنى، لا يعني الشيء نفسه لكل الناس، بصرف النظر عن محيطهم الاجتماعي والثقافي وخلفيتهم. ولغة الجسد شيء قد يحاول المحلل "قراءته"، وأعني بذلك تفسيره، لكن السبيل الوحيد الذي يضمن به المحلل أنه يعرف ما تعنيه لغة جسد المحلَّل هو أن يطلب إليه أن يتحدث عنها، وهو ما يعيدنا إلى وسيط الكلام. وأفعال المحلَّل، هي الأخرى، تخبرنا بشيء عن أفكاره ومشاعره، لكنها أيضًا تحتاج إلى تأويل، لأنها لا تحمل بالضرورة المعنى نفسه في بداية العلاج كما تحمله لاحقًا، إذ يتوقف معناها، جزئيًا على الأقل، على ما يجري في التحليل في الوقت الخاص الذي تقع فيه. كما أن فعلًا محددًا لا يحمل بالضرورة المعنى نفسه بالنسبة إلى محلَّلين مختلفين.
ولا يمكن لأي من هذه الأشياء، كلام المحلَّل، أو لغة جسده، أو أفعاله، أن يُفهم فهمًا شفافًا من جانب المحلل. فلا بد من وضعها كلها في سياقها، في السياق الاجتماعي والثقافي والسياسي، ولكن أيضًا في سياق كل ما جرى حتى الآن في التحليل. وهذا يعني أن المحلل جزء من المعادلة، على الدوام وبلا مفر، بقدر ما هو من يفسر هذه السياقات كلها، وهو منخرط انخراطًا ملموسًا في تاريخ التحليل. ومهما حاول، فهو ليس وسيطًا شفافًا، ولا أداة محضة بسيطة لا تضيف شيئًا إلى الوضع، ويمكن اعتبار عصابه الخاص ولا يقينياته غير ذي دور في التحليل. وحتى عندما يصير بارعًا جدًا في تموضع نفسه في موقع رمزي، فإنه لا يستطيع أبدًا أن يزيل التداخل التخيلي إزالة كاملة.
لكن مفهوم التماهي الإسقاطي، كما استُخدم منذ نحو سنة 1960، يوحي بأن المحلل يستطيع أن ينفذ إلى ما يجري لدى المحلَّل نفاذًا غير متواسط! فالمعرفة التي يفترض أن المحلل يحصل عليها هنا تتجاوز بكثير ما يمكن أن تمنحه حدسًا متطورًا جيدًا أو حساسية دقيقة اكتسبها خلال سنوات من الممارسة: فالمحلل يُفترض هنا أن يكون في تماس مباشر مع ذهن المحلَّل وأهوائه، كما لو في نوع من الالتحام الذهني الفولكاني. وتبدو لي مثل هذه القوى غير قابلة للتصديق حقًا. وهي أشد صعوبة في التصديق عندما نضع في الحسبان أنه، في واحد على الأقل من التصورات البارزة الواسعة للتماهي الإسقاطي، لا يصبح المحلل متصلًا بما يفكر فيه المحلَّل أو يشعر به، بل بما لا يفكر فيه أو لا يشعر به!
سأناقش هذا عبر أمثلة وردت في الأدبيات، لكن دعوني أذكر أولًا أن عددًا كبيرًا جدًا من المحلَّلين قد يجدون مثل هذا الالتحام الذهني مخيفًا إلى حد بعيد، أقل ما يقال فيه إنه مريب. فهم، في الواقع، يجدون في الغالب أن قول أفكارهم ومشاعرهم الخاصة بصوت عالٍ أمر مرعب، ولا يكونون مستعدين للتلفظ بها في العلاج إلا شيئًا فشيئًا، كلما ازدادوا ثقة بمحلليهم؛ بل إنهم يلجؤون أحيانًا إلى عزاء أنهم يبدؤون العلاج والمحلل لا يعرف هذه الأفكار والمشاعر، وأن بوسعهم، حتى، أن يحجبوها عنه في بعض اللحظات إذا لم يكونوا مستعدين بعد لاستكشافها أو للسماح للمحلل باستكشافها. وكما قال Winnicott:
من المهم جدًا... ألا يعرف المحلل الأجوبة إلا بقدر ما يقدم له المريض القرائن. فالمحلل يجمع القرائن ويصوغ التأويلات، وكثيرًا ما يحدث أن يمتنع المرضى عن تقديم القرائن، فيضمنون بذلك أن المحلل لا يستطيع أن يفعل شيئًا. وهذا الحد من قدرة المحلل مهم بالنسبة إلى المريض، تمامًا كما أن قدرة المحلل مهمة، ممثلة في التأويل الذي يقوم... على القرائن وعلى التعاون اللاواعي من جانب المريض الذي يقدم المادة التي تبني التأويل وتبرره.
ويعتقد الأطفال الصغار أحيانًا أن آباءهم يعرفون كل أفكارهم من غير أن ينطقوا بها، لكن الراشدين يجدون عزاءهم، في الغالب، في كونهم لا يعرف الآخرون أفكارهم ومشاعرهم إلا عندما يريدون هم ذلك، وبأن في وسعهم أن يخفوها، إلى حد ما على الأقل، بقية الوقت. وحتى إذا رغب بعضنا أحيانًا في أن تكون لنا مثل هذه الصلة غير المتواسطة بالآخرين، فإن من يعتقد ذلك اعتقادًا راسخًا هو الذهاني، في العموم.
وأحيانًا، ولا سيما مع المحلَّلين الذين أعمل معهم منذ سنوات كثيرة، أقول شيئًا فيردون بأن هذا هو بالضبط ما كان يدور في أذهانهم، فكيف عرفت؟ وبالطبع، يكون ذلك شيئًا خطر لي انطلاقًا من السياق كله: خطابهم في ذلك اليوم، ومجموع ما قالوه لي في الماضي، والسياق الاجتماعي والثقافي الأوسع، والتعابير والصيغ المتاحة لهم في اللغة التي يتكلمونها. أي إنه، في الأساس، ثمرة معرفة كثير من الكيفية التي يفكرون ويشعرون بها حيَال الأشياء، ومعرفة لغتهم الأم معرفة جيدة جدًا. ومثل هذه "القراءة الذهنية" تقع، مثلًا، على نحو أقل مع محلَّليَّ الذين لغتهم الأم الفرنسية، وهي بالنسبة إليَّ لغة ثانية: إذ ليست تحت تصرفي المجموعة الكاملة من التعابير التي يرجح أن تخطر لهم، مهما اتسعت معرفتي باللغة. فكل وصولي إلى أفكارهم متوسَّط بتأويلي لكلامهم وإيماءاتهم وأفعالهم. وتأويلي، بالضرورة، متوسَّط بخلفيتي كلها: تنشئتي، وتعليمي، ومعرفتي باللغة التي نستخدمها في حديثنا. فلا أستطيع، مثلًا، أن ألتقط بعض التلميحات الدينية التي يصوغها المحلَّلون إذا لم أكن قد تعرَّفت، إلى حد ما على الأقل، على مبادئ إيمانهم؛ وقد أسأل، في أفضل الحالات، عن شيء لا أفهمه، لكنني قد لا أدرك أصلًا أن ثمة تلميحًا قد صيغ، لأنني ظننت أنني فهمت المعنى المقصود، في حين أنه كان هناك بالفعل أكثر من مستوى واحد للمعنى المقصود.
وهذا شيء أصادفه طوال الوقت عندما يُطلب إليَّ أن أراجع عمل مترجمين آخرين: فهم كثيرًا ما لا يدركون أصلًا أن شيئًا ما عبارة اصطلاحية ويجب الرجوع به إلى المعجم، لأن له معنى يختلف جدًا عن معناه الحرفي. وبدلًا من ذلك يأخذونه على ظاهره لأنه يحمل معنى قابلًا للإدراك أصلًا، حتى لو لم يكن هو المعنى الذي قصده المؤلف. وهذا مجرد مؤشر إضافي إلى أن كامل الخلفية الثقافية والتعليمية للفرد منخرط في تأويله لكلام الآخر، كما هو منخرط في تأويله لنص الآخر المكتوب.
وأول مثال على ما يسمى بالتماهي الإسقاطي سأناقشه هنا يقدمه Patrick Casement، الذي صنف التماهي الإسقاطي ضمن مختلف أشكال ما سماه "التواصل التفاعلي" أو "التواصل بالأثر". فقد روى حالة أدارتها معالجة امرأة، يفترض أنه كان يشرف عليها، وقد اخترتها لقصرها ووضوحها. كانت الآنسة G تتغيب كثيرًا عن الجلسات، وكثيرًا ما تبقى صامتة في بداياتها لفترات طويلة. وكانت معالجتها تشعر "بضغط هائل" يدفعها إلى أن تتكلم أولًا خلال الجلسات، وكانت تشعر بالهجر وعدم اليقين إزاء ما يجري عندما لا تحضر الآنسة G إلى المواعيد. والشيء الوحيد الذي نُخبَر به عن تاريخ الآنسة G هو أنها "تعرضت لصدمة وهي طفلة بسبب غيابات أمها المتكررة في المستشفى بسبب السرطان، ثم بسبب وفاة أمها". وقد خلص Casement إلى أن الآنسة G كانت تحاول أن تُشعر معالجتها "بمدى لا احتمال الحالة التي كانت تعيشها حين كانت تُترك مرارًا في هذه الحال من عدم معرفة ما الذي يجري لأمها"، أي إنها كانت تحاول أن تجعل معالجتها تشعر بالهجر والالتباس نفسيهما اللذين كانت هي تشعر بهما طفلة صغيرة. ويبدو أن الآنسة G قد أحست أنها عاجزة عن إحداث هذا الأثر في معالجتها بالكلمات، فكان لا بد لها أن تحاول إحداثه بالأفعال. وعندما قالت لها معالجتها ذلك، "استطاعت المريضة تدريجيًا أن تعترف بأن هذا بدا منطقيًا لها"، ثم صارت تتغيب أقل، وتتحدث بسهولة أكبر في بدايات الجلسات.
وقد افترض Casement أن المريضة "ألقت" مشاعر هجر أمها لها "خارج نفسها"، وأن المعالجة التقطتها لاواعيًا "وأدخلتها" إلى داخلها، أي إنها تماهت معها، أو على الأقل مع مأزق المريضة في الطفولة المبكرة.
ويبدو لي أن هناك عددًا من الطرق المختلفة التي يمكن أن نفكر بها في وضع الآنسة G، ولن أناقش هنا إلا اثنتين منها. فإذا كان "لا توجد، بالمعنى الدقيق... عواطف لاواعية"، كما قال فرويد، بل "أفكار لاواعية" فقط، فليس ثمة معنى كبير للقول هنا إن لدى المحلَّلة "مشاعر هجر لاواعية" متعلقة بأمها. وكما قلت من قبل، فالشيء ليس شعورًا ما لم يُحَس، حتى لو حُس في صورة مزاحة أو متنكرة، كأن يُحس في صورة قلق أو غضب. والآنسة G، التي كانت قد أوصلت إلى معالجتها بوضوح أنها خرجت مثخنة بصدمة اختفاءات أمها وهي طفلة صغيرة، لم تكن، على ما أقترح، قد كبتت مشاعرها ولا أسقطت مشاعرها؛ بل كانت تخشى أن تقترب من معالجتها بما يكفي لكي تشعر بأي شيء من ناحيتها. وفي ضوء خبرتها المبكرة، لن نكون مجازفين كثيرًا إذا افترضنا أن الآنسة G كانت تتحاشى الاقتراب من الناس، وربما من النساء خاصة، خوفًا من أن يهجروها. وكان هدفها أن تشعر بأقل قدر ممكن تجاه معالجتها، وألا تريد منها شيئًا ولا تتوقع منها شيئًا. وبمجرد أن تبدأ في الشعور بشيء نحوها أو في الرغبة بشيء منها، كانت تختفي. لقد فعلت كل ما تستطيع كي لا تجعل مشاعر الهجر واقعة فعلية! بل لعلها كانت تتبع شعار العاشق المهجور كثيرًا: "اتركهم قبل أن يتركونك."
وبهذا المعنى، لم تكن مشاعرها مُسقطة بطريقة ما إلى خارج نفسها؛ بل كانت مُخدَّرة وتحاول أن تبقى مُخدَّرة. وما كانت المعالجة تشعر به هو الكيفية التي تستجيب بها هي نفسها، بصفتها شخصًا له خصائصه وحساسياته الخاصة، لصمت الآنسة G وغياباتها. وكان بمقدور معالجين آخرين، مختلفين في تكوينهم وخصائصهم وحساسياتهم، أن يستطيبوا الصمت بوصفه فرصة للتفكير في حالات أخرى، وأن يروا في الجلسات الضائعة وقتًا للحاق بقراءاتهم؛ أو قد يغضبوا من المريضة بسبب غياباتها؛ أو قد لا يغضبوا ولا يقلقوا، بل يضعوا حدًا فحسب لما هم مستعدون لتحمله في جدول أعمالهم، فيقولوا: "إذا فاتت جلستان أخريان متتاليتان فلن أكون مستعدة لإبقاء هذا الوقت لك بعد الآن." وقد قالت لي غير متدربة، تحت الإشراف، مرة بعد أخرى، إن محلَّلها كان يسقط فيها شيئًا ويجعلها تشعر بطريقة بعينها، بينما كان واضحًا لي تمامًا أنني أنا نفسي ما كنت لأستجيب إطلاقًا بالطريقة التي استجابت بها هي، إن لم يكن لشيء فلأنني لم أشعر قط مع أي واحد من محلَّليَّ بذلك الشعور المحدد. وأعتقد أن هذا لأنني أضع نفسي في العلاج بطريقة مختلفة جدًا عن طريقة كثيرين غيري، فلا أشعر بأنني في خط النار كما يشعرون هم؛ لكن إحساسي هو أنه حتى لو أخذت غمزات المحلَّلين أو صمتهم أو غياباتهم على نحو شخصي، فلن آخذها بالطريقة نفسها التي يأخذونها بها. فالمعالجون المختلفون يملكون شخصيات مختلفة جدًا، ويستجيبون لمرضاهم بطرائق شديدة التنوع، وقليل من هذه الطرائق ينبغي أن يُنسب مباشرة إلى المرضى.
وما سماه Casement هنا "التماهي الإسقاطي" لا يبدو، في نظري، أكثر من تكرار لأسلوب في إقامة العلاقة من جانب المريضة، أي تجنب القرب اتقاءً لإمكان وقوع مشاعر هجر لا تُحتمل، وهو ما يسمى عادة باسم أبسط هو التحويل، مقرونًا باستجابة تحويلية مضادة لذلك من جانب المعالجة. والاستجابة التحويلية المضادة لدى هذه الأخيرة، مع أنها شائعة بلا شك، لا يمكن القول إنها فُرضت عليها من قبل المريضة.
وبدلًا من وصف المريضة بأنها تحمل حاجة إلى أن تجعل المعالجة تشعر بما كانت تشعر هي به مرة، وما عادت تسمح لنفسها بالشعور به، أمكننا، بديلًا من ذلك، لو اقتنعنا بأن استجابة المعالجة لصمت المريضة وغياباتها تشير إلى شيء ذي شأن عما كان يجري في التحليل، أن نفترض أن المريضة كانت تكرر، من غير قصد، وضعًا من الماضي، مع التنبيه إلى أن المواقع كانت هذه المرة مقلوبة، إذ كانت المريضة هي من تؤدي دور من يجعل نفسه نادر الوجود. ويمكن أن يُفهم هذا، على منوال مناقشات فرويد لقسر التكرار، بوصفه تكرارًا لوضع صادم بغرض إتقانه، أي بجعل المرء نفسه فاعلًا بدل أن يكون متلقيًا سلبيًا للتجربة الصادمة. وحتى في هذه الحالة، لا توجد حاجة خاصة إلى افتراض محاولة من جانب المريضة لجعل المعالجة تشعر أو تفعل شيئًا بعينه. ونرى هنا من جديد أن "التحويل نفسه ليس إلا قطعة من التكرار، وأن التكرار هو تحويل للماضي المنسي، لا إلى الطبيب وحده، بل إلى جميع وجوه الموقف الراهن الأخرى كذلك."
والسؤال الذي أود أن أطرحه هنا، بشأن ما يسمى بالتماهي الإسقاطي، هو التالي: إذا افترضنا أن المريضة "تحاول أن تتخلص من" مشاعر معينة، أو "تسقطها خارج نفسها"، فلماذا "تتماهى" معالجتها معها، أي تشعر بها؟ هل تُلزِم المريضة المعالجة، بطريقة ما، بأن تشعر بمشاعرها، كما اقترح Casement حين قال، متحدثًا عن مريضة أخرى: "لقد فعلت السيدة T أكثر من أن تسقط مشاعرها عليّ. لقد جعلتني أشعر بما هي لم تكن تحتمل بعد أن تشعر به بوعي داخل نفسها"، أو كما ألمح Bollas حين قال إن المحلل "يُجبَر على اختبار أحد موضوعات المحلَّل الداخلية"؟ فإذا كانت المعالجة مجبَرة على أن تشعر بمشاعر المريضة، ولا تستطيع إلا أن تشعر بها، ولا يمكنها أن تتجنب الشعور بها، فكيف نفسر حقيقة أن بعض المعالجين لا يشعرون بها فعلًا؟ هل علينا أن نستنتج أن من لا يشعرون بها مجرد غلاظ عديمي الحس؟
ولعل هناك تفسيرًا أبسط. فالشعور بما يشعر به شخص آخر أمر مألوف لمعظمنا في بعض السياقات، ولا يبدو أنه يتطلب موهبة خاصة أو حساسية غير مألوفة: فالضحك، كما يقال، "معدٍ"، وحزن شخص قريب منا قد يجعلنا حزانى، كما أن فرحه قد يجعلنا فرحين. لكن هذا لا يصدق في كل ظرف، لأن حزن شخص نحبه قد يجعلنا أعزم على أن نبهجه بدلًا من أن نحزن مثله، كما أن فرحه قد يجعلنا أكثر اكتئابًا إذا لم تكن الأمور قد سارت معنا على خير وجه مؤخرًا. وبعبارة أخرى، لا بد أن نكون مستعدين للضحك أو للبكاء، بل ربما راغبين فيهما ومتطلعين إليهما، لكي يحدث ذلك. وكثير منا يستطيع، في بعض الأحيان على الأقل، أن يقسي نفسه إزاء ألم حبيب، إما لأنه يشعر بأن الأمر تمثيل الغرض منه التلاعب به، أو لأنه يريد أن يؤدي دور القوي، أو لأنه قرر الانفصال عن ذلك الشخص. وهذا يوحي بأنه، لكي يُعدي المحلَّلُ محللتَه بمشاعره، لا بد أن تكون مهيأة أو مهيأة سلفًا لذلك؛ لا بد أن تكون، عودة إلى مثالنا السابق، قابلة للشعور بالهجر أو ميالة إلى القلق على الآخرين.
وليست كل الانفعالات معدية أو قابلة للانتقال إلى الجميع. فعندما أركب الطائرة، مثلًا، أرى كثيرًا من الناس القلقين حولي وهم يتشبثون بمساند الذراعين كما لو كانت مسألة حياة أو موت بينما الطائرة تندفع على المدرج استعدادًا للإقلاع، لكنني لا أصير قلقًا بسبب ذلك. بل إنني أستمتع، في الواقع، بتسارع الطائرة عند الإقلاع. وبالمثل، نادرًا ما أشعر بالقلق في الجلسات مع محلَّلين قلقين؛ ولو أصبحت قلقًا مثلهم، لظننت أنني سأجد صعوبة كبيرة في مساعدتهم على قلقهم. وربما كنت، بسبب تكويني الخاص، أمتن أمام مشاعر الناس من محللين آخرين، لكنني أرجح أن السبب هو أن لدي تصورًا معينًا لماهية دوري كمحلل، وهو تصور مختلف تمامًا عن تصورهم، وأنني أميل إلى أن أنسب أي مشاعر قد تكون لي تجاه المحلَّل أو تجاه التحليل إلى نفسي أنا، لا إلى المحلَّل.
ولنعترف، مع ذلك، لغرض المجادلة، بأن بعض المحللين أقل مناعة تجاه مشاعر الآخرين، ويشعرون بانتظام بالهجر عندما يشعر مرضاهم بالهجر، وبالقلق عندما يشعر مرضاهم بالقلق، وبالاكتئاب عندما يشعر مرضاهم بالاكتئاب، وما إلى ذلك. وليس واضحًا لي ما القيمة التي قد تكون لهذا بالنسبة إلى مرضاهم، لكننا، على الأقل، نبدو هنا على أرض أكثر صلابة في ما يتعلق "بقابلية الوجدان للانتقال" من شخص إلى آخر في بعض الحالات. غير أن الذي يجب التنبيه إليه هنا هو أن مفهوم التماهي الإسقاطي يذهب أبعد من هذا كثيرًا، لأنه يفترض أن المحلل يشعر بما لا يشعر به المريض. وبعبارة أخرى، لا يمكن لهذا المفهوم أن يعتمد على فكرة "قابلية الوجدان للانتقال"، لأن الافتراض هنا هو أن المريض لا يملك أصلًا الوجدان الذي يختبره المحلل!
والانفعال خبرة جسدية، أو يحمل، في الحد الأدنى، مركبًا أحشائيًا: فعندما نقع فريسة لانفعالات قوية، قد نشعر بها تتجمع في صدورنا، أو في بطوننا، أو في أعناقنا، أو في وجوهنا، وما إلى ذلك. ويتعلم الممثل الجيد كيف ينتج مثل هذه العلامات الجسدية عندما يقتضيها دوره، ويتعلم السياسي المحنك كيف يكبت مثل هذه العلامات الجسدية الظاهرة بأن يتبنى "وجه لاعب البوكر" أمام جمهور معادٍ أو أمام الصحافيين. ومع ذلك، حتى أمهر لاعبي البوكر يسمح أحيانًا بانفلات تعبير وجهي أو جسدي عن انفعال قوي، وهو ما يسمى "إشارة" في لغة لعب الورق، وحتى السياسي المحنك يميل، عاجلًا أو آجلًا، إلى الوقوع في زلة لسان أو إلى تلعثم كلماته على نحو يفضح انفعالًا مشتدًا.
ويستطيع معظمنا أن يقرأ هذه العلامات بطلاقة في أحبائنا، كما يستطيع المعالجون المتمرسون أن يقرأوا كثيرًا من هذه العلامات بسهولة نسبية حتى لدى أشخاص التَقَوْهم لتوهم، أو رأوهم في التلفاز، أو سمعوهم في الراديو، أو تحدثوا معهم بالهاتف. ومن اللافت، إذًا، أن المحللين الذين يتبنون مفهوم التماهي الإسقاطي يقولون إنهم لا يلتقطون علامات خفية على انفعال مكبوت لدى محلَّليهم، بل إنهم يجادلون بأن التماهي الإسقاطي يقع تحديدًا في اللحظات التي لا توجد فيها مثل هذه العلامات أصلًا لالتقاطها. وهم لا يقولون إننا بإزاء شيء قريب من المفهوم الفرويدي الكلاسيكي للكبت حيث تُفصل الصلة بين الفكرة والوجدان، ويواصل الوجدان الوجود ويُحس به من جانب المحلَّل، مع بقاء علامات منه مرئية للآخرين. أي إنهم لا يجادلون بأن محلَّلهم يشعر بشيء ما لكنه ببساطة لا يريد أن يشعر به، أو لا يريد أن يعترف به، أو لا يعرف كيف يسميه، أو لا يعرف ما سببه، أو لا يعرف بما يربطه. كما أنهم لا يجادلون بأن المحلَّل يكبت انفعالاته عمدًا أو من غير عمد. إن ما يجادلون به هو أن انفعالاته "منشطَرة" على نحو يُسقطها كلية إلى خارج نفسه وجسده.
وهذا يبدو لي دعوى لا تصدق إلى حد بعيد. فعندما أدخل فرويد مفهوم الانشطار، اقترح أنه، في حالات نادرة معينة، يغدو المحلَّل ذا ذهنين، بأبسط عبارة. وفي أهم أوراقه في الموضوع، قال إن الانشطار ينطوي على منطق من نوع "هذا وذاك" بحيث يعتقد المحلَّل معًا أن النساء لا يملكن قضيبًا، ومع ذلك لا يسعه في الوقت نفسه إلا أن يظن أنهن يملكن قضيبًا. ويبدو المحلَّل قادرًا لا على مجرد إيواء الفرضيتين معًا، بل على الإيمان بهما معًا حقيقة، مع أنهما متناقضتان. ولا يلمح فرويد، في أي موضع، إلى أن إحدى هاتين الفكرتين، أو أحد هذين الذهنين اللذين يمكن، إذا جاز القول، أن يتميز بهما المحلَّل، ينتقل إلى شخص آخر أو يمكن العثور عليه عند شخص آخر، سواء أكان والدًا أم أخًا أم محللًا. فالانشطار، بالنسبة إلى فرويد، يقع داخل الشخص نفسه، ويظل جانبا الانشطار كلاهما "داخل" ذلك الشخص، مهما كان علينا أن نأخذ على التقريب ألفاظًا مثل داخل وخارج، أو في الداخل وفي الخارج، في التحليل النفسي. وحتى عند Klein، مع أن الشخص قد يتخيل أنه لا يتميز بانفعال معين وأن شخصًا آخر هو الذي يتميز به بدلًا منه، فإن الانشطار يبقى على مستوى الفانتازم: فالانفعال لم يغادر الاقتصاد النفسي لذلك الشخص.
وأرى أن عبء البرهان يقع على عاتق من يؤمنون بالصيغة الأبعد مدى للتماهي الإسقاطي: فعليهم أن يصوغوا، بصورة مقنعة، الآلية التي تُسقط بها الانفعالات "المنشطَرة" إلى خارج نفس الإنسان وجسده كلية؛ وأن يخبرونا أين "تذهب" هذه الانفعالات عندما تنشطر، لأن المفترض أنها تنشطر في أوقات كثيرة إن لم يكن في كل الأوقات لدى المحلَّل، لا حين يكون في حضور المحلل فحسب؛ وأن يوضحوا كيف تصير هذه الانفعالات محسوسة من المحلل عندما يشعر بها فعلًا، لأننا رأينا أنها لا تُحس من قبل جميع المحللين. وفي غياب تفسيرات مقنعة لهذه العمليات، يبدو مفهوم التماهي الإسقاطي معتمدًا على آليات أو إجراءات تكاد تلامس السحر. وقلما توجد، في رأيي، مفاهيم في التحليل النفسي مثقلة بهذا القدر من الالتباسات والثغرات المفهومية.
وبالنسبة إلى من يثقون بمبدأ نصل أوكام، أي القاعدة القائلة إن أفضل تفسير يكون، في الغالب، هو أوجزه، التفسير الذي يتطلب أقل عدد من الفرضيات القابلة للمجادلة، أوصي بالبحث عن تفسير لما يشعر به المحلل أولًا وقبل كل شيء في المحلل نفسه، ثم في العلاقة بينه وبين المحلَّل كما تطورت على امتداد التحليل، وأخيرًا فقط، إذا أخفق كل شيء آخر، في شيء لا يختبره المحلَّل أصلًا.
التماهي الإسقاطي بوصفه تطبيعًا
النزعة الإنسانية إلى ليّ السكين في الجرح كونية.
—Wodehouse
إن النص الفرعي لمفهوم التماهي الإسقاطي، كما أقرؤه، يقوم في كثير من الأحيان على تصور بعينه لما ينبغي أن يشعر به المحلَّل عندما يتحدث عن أشياء معينة. وأسميه نصًا فرعيًا لأنه نادرًا ما يُذكر صراحة من جانب المحللين، ومع ذلك يبدو أنه يشكل جزءًا من الخلفية الضمنية لتعليقاتهم على الحالات. وكما أشير في الفصل 9، فقد صارت تصورات السواء تؤدي دورًا أكبر فأكبر في النظرية التحليلية النفسية في العقود الأخيرة، وصار المحللون يحتكمون على نحو متزايد إلى ما يظنون أن أي إنسان ينبغي عادة أن يشعر به في أوضاع معينة. وفي أمثلة كثيرة من التماهي الإسقاطي المفترض، يدعي المحلل أنه يشعر بما كان المحلَّل سيشعر به لو لم يكن مضطربًا إلى هذا الحد، لو لم يكن غير سوي إلى هذا الحد.
تأملوا المثال التالي الذي يورده Casement. ذهب السيد والسيدة T إلى Casement لأنه، كما يقول، بسبب برود السيدة T. وقد أخبرته بأنهما "أمضيا السنوات الخمس الأولى من زواجهما في تحصيل بيت وتأثيثه، تمهيدًا لبدء تكوين أسرة"؛ ثم وُلد لهما ابن بدأ يعاني مشكلات طبية خطيرة عندما كان في الشهر السادس من عمره، ثم مات بعد أن اعتنت به تسعة أشهر أخرى. وكانت هي حاملًا في شهرها السابع بابنتهما عند جنازة الابن، حيث "شعرت بدموعها، لكنها كبحتها"؛ وأخبرت Casement أنها لم تبكِ منذ ذلك الحين، بل شعرت بالخدر بدلًا من ذلك. ثم ماتت الابنة في عمر عشرة أشهر "بالاضطراب الدماغي البنيوي نفسه الذي أصيب به أخوها."
وعلق Casement على ذلك بقوله: "كان أكثر ما لفت النظر، أثناء سرد هذا التسلسل الرهيب من الألم والفقد، هو أن وجه السيدة T ونبرة صوتها بقيا خشبيين خاليين من الحياة.... لم تُظهر أي مشاعر على الإطلاق. لكن مشاعري أنا، وأنا أصغي إليها، كانت تكاد تطغى عليَّ. كنت أبكي حرفيًا في داخلي." ثم يخبرنا، وهو يتساءل عن استجابته، بأنه كان يعلم أنه "سيتأثر بأي رواية عن موت طفل"، لكنه، بدل أن يستنتج أن استجابته كانت تتعلق في المقام الأول بتكوينه هو، خلص إلى أن "ما كان يحدث هذا الأثر فيَّ له علاقة بعجزها عن إظهار أي تعبير عن مشاعرها الخاصة." فما الذي كان يمكن أن يتيح له معرفة "مشاعرها الخاصة" وهو لم يكن قد التقاها إلا لتوه، للمرة الأولى؟ أليس من الممكن، ولو بدرجة بسيطة، أنها لم تكن شخصًا شديد الشعور أصلًا؟ فمهما يكن من أمر أنني قد أشعر، أنا نفسي، كما شعر Casement في الجلسة معها، فإنني بالتأكيد ما كنت لأصل إلى استنتاجه:
لقد فعلت السيدة T أكثر من أن تسقط مشاعرها عليَّ. لقد جعلتني أشعر بما هي لم تكن تحتمل بعد أن تشعر به بوعي داخل نفسها.... لقد استطعت أن أرى أن غياب الانفعال عند المريضة نفسها هو ما كان يؤثر فيّ أعظم تأثير. ونتيجة لذلك، كنت أشعر بأنني على تماس مع دموع لا تخصني أنا بالكامل.
ويبدو Casement، شأنه شأن كثير من المحللين، معتمدًا على تصور مفروغ منه لما يكونه "النوع" و"الكم" المناسبان من الوجدان الذي ينبغي لجميع الناس أن يظهروه في مثل هذا الموقف. ومن أين يستمد هذا التصور؟ يبدو أنه مستمد من الوجدان الذي يرجح أن يُظهره هو نفسه في مثل هذا الموقف.
ومن المؤكد أن غياب الوجدان لدى السيدة T وهي تحكي قصتها سيلفت أي غربي تقريبًا في يومنا هذا، حيث فقد الطفل في المهد هو الاستثناء أكثر مما هو القاعدة. ومع ذلك، توجد مناطق في العالم الحديث يكون فيها معدل وفيات الرضع بالغ الارتفاع، ففي هايتي اليوم، مثلًا، يموت نصف جميع الأطفال قبل سن الخامسة، ولم يكن فقد النساء لأغلبية أطفالهن قبل بلوغهم السابعة أمرًا غير مألوف حتى في إنجلترا القرن الثامن عشر. ولا شك أن الغربيين المعاصرين سيفزعهم الأسلوب الذي لا يخلو من المباشرة التي يتحدث بها غير الغربيين عن أطفالهم الرضع الذين فقدوهم، إذ قد يبلغ العدد في بعض البلدان واحدًا من كل خمسة في السنة الأولى من الحياة حتى اليوم، في أماكن لا تزال الحياة فيها، على حد تعبير Thomas Hobbes، "بشعة، ووحشية، وقصيرة". غير أن مواقفهم هذه ليست علامة على قسوة القلب، بل تعكس واقعهم القاسي، ورصانتهم، وأحيانًا إحساسهم بأن هذا هو مشيئة الله.
إن افتراض Casement أنه "كان على تماس مع دموع لا تخصه هو بالكامل" ينطوي على أن استجابتها كان ينبغي أن تكون هي الدموع التي كان هو يبكيها في داخله. فإذا لم تكن هي تبكي، فذلك يعني، بحسب افتراضاته، أن حزنها قد انشطر وأُسقط في الآخرين. لكن أليس من الممكن، من الناحية النظرية على الأقل، أن تكون مشاعر السيدة T تجاه فقد أطفالها مختلفة جدًا عن مشاعر Casement عند سماعه قصتها، سواء لأن ثقافتها مختلفة، أو خلفيتها الاجتماعية الاقتصادية مختلفة، أو دينها مختلف، أو أسرتها مختلفة، أو حتى فئتها التشخيصية مختلفة عنه؟ إن افتراض أن المحلل يشعر بما كان المحلَّل سيشعر به لو كان على تماس بمشاعره يدوس، في كثير من الأحيان، بعنف على غيرية الآخر الممكنة، وعلى الفروق الحقيقية بين الناس، لأنه يقوم على افتراض مسبق بأننا جميعًا متشابهون في "إنسانيتنا الأساسية". وربما كان الافتراض الأكثر أمانًا أن Casement لم يكن قد حدد بعد كيف كانت السيدة T تشعر أثناء أمراض أطفالها وعند وفاتهم، لكن ما هو كان يشعر به كان استجابته الشخصية هو لمزيج من مثل هذه القصة ومن ما يسمى بالوجدان المسطح لدى الراوية.
وعلى أي حال، كان يمكن لـ Casement أن يفترض أن السيدة T قد كبتت أشياء كثيرة متعلقة بأطفالها، وربما بزوجها أيضًا، بقدر ما أخبرته، منذ البداية، بأنها كانت عاجزة عن الجماع طوال السنوات الخمس الماضية بسبب "ألم نسائي" لا تفسير طبيًا له، أي، في الغالب، بسبب تشكل عرض متعلق بالجنس والتكاثر. وإذا صغنا هذا الجزء الصغير من الحالة بمصطلحات الكبت، أمكن افتراض أن "ألمها النسائي" قد حل محل ألمها النفسي. لم تكن عواطفها قد غادرت جسدها ودخلت في شخص آخر؛ بل كانت ببساطة قد توطنت في جسدها في صورة متنكرة. فما الذي يمكن أن يكون أعصابيًا، بل هستيريًا، أكثر كلاسيكية من هذا؟ وما الذي يمكن أن يحملنا أصلًا هنا على استدعاء فكرة غير مرجحة عن إسقاط المشاعر عبر الفضاء، أو عن إرادة لدى السيدة T في أن تجعل شخصًا التقت به لتوها يختبر شيئًا ما لكي يعرف ما الذي مرت به؟
قاعدة عملية
يعرف الجميع أنه لا بد للمرء من أن يكون قد صفّى حسابه مع لاوعيه هو إذا أراد ألا يخطئ في كشفه وهو يعمل في المادة التي يقدمها المريض داخل الحيلة التحليلية.
—لاكان
أقترح، بوصفها قاعدة عملية، ألا يفترض المحللون أبدًا أنهم يشعرون بما يشعر به المحلَّل، أو بما ينبغي أن يشعر به، أو بما لا يريد أن يشعر به، أو بما جعله يشعر به فيهم، وأن يُلجأ إلى مفاهيم مثل التماهي الإسقاطي فقط بوصفها ملاذًا أخيرًا، عندما تكون كل التفسيرات الأخرى قد أخفقت.
وأقترح أيضًا أنه، إذا أريد الركون إلى مثل هذه التفسيرات، فلا تُستخدم إلا في مناقشات الذهان، وهو، في نهاية المطاف، المجال المرضي الذي خرجت منه أصلًا. غير أن عددًا كبيرًا من الأمثلة الحديثة على التماهي الإسقاطي في الأدبيات يأتي من حالات عصابية واضحة؛ بل إن Ogden ذهب إلى حد الإيحاء بأن الجميع تقريبًا يمارسون التماهي الإسقاطي طوال الوقت في التحليل، بما في ذلك المحلل! إن فكرة معاملة الأفكار والمشاعر و"أجزاء" الذات بوصفها موضوعات يمكن نقلها كما يشاء المرء، وهي فكرة مركزية في مفهوم التماهي الإسقاطي، تنضح فعلًا بنوع من "التفكير العياني" الذي يُربط كثيرًا بالذهان. ولعل هذا هو ما يفسر لماذا لا يرفض الذهانيون، من الوهلة الأولى، التأويلات التي تنطوي على تحريك مثل هذه الموضوعات: فهذه التأويلات تحاكي طريقتهم هم في التفكير بالأشياء.
ومن الواضح أن هناك تفاعلات معقدة تقع بين المحلَّل والمحلل؛ فالاثنان ليسا جوهرين منفصلين لا يؤثر أحدهما في الآخر تأثيرًا حقيقيًا. ففي حالة المحلَّل الذي ناقشت حالته في قسم سابق، كان من دون شك ميلِي أنا إلى الاستنطاق هو ما شجع تكراره معي لذلك المشهد الخاص الذي وقع مع أخته طفلاً، بما جعله يغرق في الصمت مرات أكثر، وهو ما شجعني على المزيد من الاستنطاق. وأحيانًا تضغط المحللة على المحلَّل لكي يتصرف بطرائق معينة، وأحيانًا يضغط المحلَّل على المحللة لكي تتصرف بطرائق معينة، ومن ذلك تنشأ رقصة دقيقة معقدة. ومن الواضح أن المحللة تؤدي دورًا مهمًا في التكرارات التي تقع في التحليل: فهي أبعد ما تكون عن المراقب المحايد أو الموضوعي. والمحللة التي تعتقد أنها لا تؤدي أي دور فيما يجري في التحليل لن تكون إلا متبنية لنظرية تحليلية نفسية شديدة الوسواسية بالفعل.
ولاحظوا أن أنواع "التأويلات" التي يقدمها المحللون إلى محلَّليهم حين يعملون داخل إطار مفهومي يتضمن التماهي الإسقاطي ليست، بالمعنى الدقيق، تأويلات أصلًا بحسب المعايير المبسوطة في الفصل 5. فلكي يُعد شيء ما تأويلًا، بالمعنى اللاكاني للمصطلح، لا بد أن يكون إيقاظيًا ومتعدد الدلالة. أما ما يقوله المحللون، عادة، في شأن ما يسمى بالتماهيات الإسقاطية، فنادرًا ما يعزف على المدرجات المتعددة للمدونة الموسيقية للكلام، ولذا ينبغي أن يوصف، بدلًا من ذلك، بأنه شروح، أي أقوال تقدم معاني محددة ملموسة. وكما رأينا سابقًا، فهذه هي الأقوال التي ينبغي تجنبها عند العمل مع العصابيين، وكما سنرى في الفصل 10، فهي الأقوال التي تكتسب معناها الكامل عند العمل مع الذهانيين.
حكاية تحذيرية
"أنت تنشرين النعاس في الجو."
—محلل إلى محلَّلة
أخبرتني معالجة فائقة التبصر عملتُ معها سنوات عدة مرة أن تحليلها الأول، الذي دام ثلاث سنوات، انتهى إلى خراب عندما استدعى محللها مفهوم التماهي الإسقاطي ليفسر حقيقة أنه نام خلال إحدى جلساتها معه. وقبيل الجلسة مباشرة كان أخوها قد توسَّل إليها أن تنتحر معه، وكانت هي، على حد تعبيرها، في حال أزمة، تبكي وترتعش، ولم تكن في أوضح حالاتها الكلامية. وفي أثناء ذلك لاحظت أن محللها يبدو نائمًا، لكنها خمنت أنه ربما كان ينظر فقط إلى ملاحظاته. فلما مال رأسه إلى الجانب ثم استفاق مع شخير مرتفع، لم يبق في ذهنها أي شك في أنه قد غفا. وحاول أن يتصرف كما لو أن شيئًا لم يحدث، وسألها عما كانت تفكر فيه. فقالت، وقد تملكها الذهول والحرج: "أنك متعب؟" واعترف بأنه متعب، لكنه قال: "أنت تنشرين النعاس في الجو." وشرح أن لديها رغبة لاواعية في أن يهجرها، وأنها، بهذا المعنى، هي التي جعلت الأمر يحدث.
وكون هذا الشرح لم ينسجم إطلاقًا مع خبرتها هي بالجلسة ولا بالتحليل لم يدفعها إلى قطع التحليل فورًا، فقد تساءلت عن نياتها اللاواعية وحاولت أن تستكشفها في جلسات لاحقة. لكن كلما أثارت الموضوع غيَّر محللها الحديث، وبدا غير راغب في العمل على هذا الحادث. وكان هذا، مقترنًا ببعض ردود الفعل التحويلية المضادة المضطربة من جانبه، ومنها تغيبه عن جلسات، هو ما دفعها إلى ترك التحليل وإيجاد شخص آخر تعمل معه. ولو أنه اعترف ببساطة بتعبه هو أو بحرمانه من النوم، واعتذر عن إغفائه، بل وربما أعاد تحديد الجلسة، لما كان شيء من هذا قد وقع على الأرجح. ويبدو أن مجرد وجود مفهوم نظري مثل التماهي الإسقاطي في حقيبته من الحيل التحليلية هو الذي سمح له بأن ينكر مسؤوليته عن النوم، وأن يعزو "صنع النعاس" إلى محلَّلته، بعناد أكبر مما قد يفعله كثيرون، بلا شك، لكن تحت مباركة من أمثال Bion، الذي وصف إحدى مريضاته بأنها تتكلم "بطريقة نعسة محسوبة لوضع المحلل في النوم". ويبدو لي أنه ما من أحد تدرب على مقاربة لاكانية للتحويل والتحويل المضاد كان يمكن أن يزعم أبدًا أن المحلَّلة مسؤولة عن إغفاءة المحلل. وكما قال Gill نفسه: "يمكن عقلنة التحويل المضاد بسهولة في ضوء نظرية للعلاج."
وليست كل استدعاءات مفهوم التماهي الإسقاطي بهذه الدرجة من السذاجة والحمق كما في الحكاية التحذيرية التي أوردتها هنا، لكني آمل أن تردع الممارسين عن إعفاء أنفسهم من المسؤولية عن زلاتهم هم.
تفضيل التخيلي
ما لدينا هنا ليس إلا أثر أهواء المحلل.... ولا صلة لذلك بالتحويل المضاد لدى هذا المحلل أو ذاك؛ بل الأمر يتعلق بعواقب العلاقة الثنائية [أي التخيلي] إذا لم يتجاوزها المعالج، وكيف له أن يتجاوزها وهو يعدها مثال فعله؟
—لاكان
إن محاولة الاستفادة من ردود الفعل الواقعة على المستوى التخيلي من جانب المحلل تجاه إسقاطات المحلَّل تشجع المحلل على أن يموضع عمله في السجل التخيلي، فيظن أن النصيب الأسد من العمل يقع في التحويل والتحويل المضاد. غير أن التحويل، عند لاكان، يقع في اللحظات التي يفشل فيها الترميز، أي عندما يعجز المحلَّل عن أن يمضي أبعد في صياغته "للنواة الممرضة"، في حين يدل التحويل المضاد على فشل المحلل في تموضع نفسه في موقع الآخر الرمزي، وقد غرق في العلاقة التخيلية.
وبعبارة أخرى، وفق منظور لاكاني، يقع التحويل والتحويل المضاد في اللحظات التي تنهار فيها عملية الترميز ذات الأهمية القصوى، لا عندما يكون شيء منتج للتحليل واقعًا. ومن ثم فهما صارفات، وإغراءات تخيلية، ويرتبطان بلحظات الجمود، لا بلحظات يمكن فيها إنجاز شيء ذي شأن تحليلي نفسي. وقد يكون العمل المباشر مع التحويل والتحويل المضاد مُرضيًا للمحلَّل على مستوى ما، لكنه لا ينتج نوع التغير الذي يرمي إليه التحليل النفسي اللاكاني.
وحين شددت Heimann على أن "التحويل المضاد للمحلل ليس فقط جزءًا لا يتجزأ من العلاقة التحليلية، بل هو خلق المريض، وهو جزء من شخصية المريض"، وخلصت إلى أن "التحويل المضاد للمحلل أداة للبحث في لاوعي المريض"، فإنها اقتربت اقترابًا خطرًا من طرح البعد الرمزي جانبًا. ويُدفع الإكلينيكيون إلى القيام بألعاب بهلوانية نظرية من أجل فصل المرضية النفسية المحتملة لدى المحلل، التي سماها Spotnitz "التحويل المضاد الذاتي" للمحلل، عن "التحويل المضاد الموضوعي" لديه. غير أن Ogden نفسه أقر بأننا "لا نتعامل هنا مع ظاهرة كل شيء أو لا شيء."
والافتراض الكامن، أي أن المحلل يعرف نفسه إلى الحد الذي يمكنه معه أن يعرف أي جزء من استجابته للمحلَّل ذاتي وأي جزء منها موضوعي، افتراض معيب من أساسه. فالمحلل يظل غير عارف بجميع دوافعه هو حتى بعد تحليل طويل جدًا، تلك هي طبيعة اللاوعي. والتشديد، كما فعلت Zetzel، على "الوجوه الواقعية من شخصية المعالج" يفترض أن المحلل هو من يعرف ما هو واقعي وما ليس بواقعي في شخصيته. لكن المحلَّلين، كما لوحظ مرارًا، شديدو التنبه إلى وجوه من شخصية المحلل قد يكون هو نفسه غافلًا عنها في طيبة أو في عناد! ومن هنا توصية فرويد بأن يكون المحلل مستعدًا لأن يخضع بين حين وآخر لفترة جديدة من التحليل.
وعندما يصوَّر المحلل، لدى Bion وأتباعه، بوصفه وعاءً يضع فيه المحلَّل ما يشاء من غير أي توسط على الإطلاق، يبدو أن الرمزي قد رُمي من النافذة بالكامل.
وقد سمعت ممارسين من اتجاهات مختلفة يقولون إنه لا بد من القدرة على النفاذ إلى الأنواع نفسها من المشكلات عبر السجل التخيلي كما عبر السجل الرمزي، ما دام المحللون الذين يعملون بطرائق مختلفة جدًا يحققون قسطًا معينًا من النجاح، وإن كان متفاوت الدرجة. وأنا لا أنازع في أن المحللين الذين يعملون أساسًا على المستوى التخيلي يحققون بعض الأثر العلاجي في مرضاهم، ولا سيما في مرضاهم الذهانيين، بقدر ما أن التخيلي واحد من المستويات التي لا بد لنا من العمل بها في الذهان. لكنني أجادل، استنادًا إلى سنوات طويلة من الإشراف على محللين تدرَّبوا في مقاربات تحليلية نفسية تشدد على التخيلي إلى حد يكاد يقصي الرمزي، وإلى سنوات طويلة من تحليل مرضى كانوا قد أمضوا فترات طويلة من العمل على المستوى التخيلي مع محللين آخرين قبل أن يأتوا إليَّ، بأن نوع الشفاء المقصود في مثل هذه الممارسات يختلف جدًا عن نوع الشفاء المقصود عندما يجري التشديد على السجل الرمزي؛ فالأول يعزز قبل كل شيء تطور أنا ملاحظة تكتسب معرفة بـ"أنماط" المحلَّل، وهي أنماط كثيرًا ما لا تتغير. والمحللون، بطبيعة الحال، أحرار في تعريف التحويل والتحويل المضاد بغير ما يعرِّفهما به لاكان، لكن عملهم حينئذ يرجح أن يتموضع أساسًا على المستوى التخيلي، وعلى المستوى التخيلي تحتل شخصية المحلل نفسه مركز المسرح. وكما قال لاكان سنة 1958: "كلما كان [شخص المحلل] منخرطًا أكثر، قل يقينه في فعله." وربما كان هذا يفسر، على الأقل جزئيًا، الهوس الموجود في الأدبيات التحليلية النفسية المعاصرة بمناقشات التحويل المضاد لدى المحلل، وبمحاولة إيجاد طريقة للقول إنه يعكس المحلَّل حقًا بقدر ما يعكس المحلل، إن لم يكن أكثر.
وكما قال Glover: "إن العصاب التحويلي يتغذى، في المقام الأول، على تأويل التحويل." غير أن اهتمامه، في ما يبدو، كان منصبًا على تأويل التحويل عمدًا من أجل جعل العصاب التحويلي أشد حدة. وكان Strachey يرى أن أكثر التأويلات فاعلية هي تأويلات التحويل، وعزا ذلك إلى أن "مُعطي التأويل وموضوع نزوة الهوية الجاري تأويلها في الوضع التحليلي شخص واحد بعينه." أما أنا فأجادل، في المقابل، بأن هذا هو بالضبط سبب كون تأويلات التحويل، في أحوال كثيرة، أقل التأويلات فاعلية.
إن المحللين الشبان، الذين قد يتركون أنفسهم، مع ذلك، ينخدعون بالمواهب المستغلقة [لبعض المحللين]... لن يجدوا سبيلًا أفضل لتبديد أوهامهم من أن يتأملوا في نجاح الإشراف الذي يخضعون له هم أنفسهم. فإمكان ذلك الإشراف نفسه كان سيغدو موضع إشكال لو نُظر إليه من منظور الاتصال بـ[واقع المحلَّل]. ففي الإشراف، بدل [أن يكون هناك اتصال بواقع المريض]، يُظهر المشرف بصيرة ثانية... تجعل الخبرة على الأقل بالقدر نفسه من الإفادة له كما هي للمُشرَف عليه. وكلما قل ما يبديه المُشرَف عليه من مثل هذه المواهب، التي يعدها بعضهم أبلغ في عدم قابليتها للنقل كلما ضخموا هم أنفسهم أسرارهم المتعلقة بالتقنية، ازداد صدق هذا الأمر تقريبًا.
وسبب هذا اللغز أن المُشرَف عليه يؤدي دور المرشح، أو حتى المكسِّر، لخطاب الذات، وبذلك تُقدَّم إلى المشرف، منذ البدء، صورة مجسمة جاهزة تبرز ثلاثة أو أربعة من السجلات التي يمكن أن تُقرأ عليها المدونة الموسيقية التي يؤلفها خطاب الذات.
8
«التحليل عبر الهاتف»
سواء أراد التحليل النفسي أن يكون عامل شفاء، أو تدريب، أو سبرٍ للأعماق، فليس له إلا وسيط واحد: كلام المريض.
—لاكان
في المتوسط، ينتقل الأمريكيون كل 18 إلى 24 شهرًا، وأحيانًا يكون الانتقال «إلى الجهة الأخرى من المدينة» فحسب، وهو ما قد يعني، في الامتداد الحضري لمنطقة مثل Los Angeles، قيادة تستغرق ساعتين من المسكن السابق؛ وأحيانًا يكون الانتقال إلى مدينة أخرى، أو ولاية أخرى، أو بلد آخر، أو حتى قارة أخرى. وفي ممارستي الخاصة، انتقل معظم محلَّليَّ مرة واحدة على الأقل أو مرتين خلال مجرى تحليلاتهم، وغالبًا إلى أماكن تبعد نحو 1,000 ميل؛ وقد غادر أربعة من محلَّليَّ قارة أمريكا الشمالية سنة كاملة أو أكثر، وانتقل اثنان منهم ما لا يقل عن ثماني مرات في نحو ثماني سنوات.
نظرًا إلى قابلية السكان الأمريكيين العالية للتنقل، وهي قابلية يجد كثير من غير الأمريكيين صعوبة في تصورها، يواجه المحللون في أمريكا مشكلة شائكة: كيف يُحافَظ على العمل التحليلي الطويل الأمد مع المحلَّلين. وقد يكون من الممكن أحيانًا، بطبيعة الحال، إحالة محلَّلة إلى محلل آخر في المدينة التي نُقلت إليها، لكن المحلل لا يعرف في كثير من الأحيان العمل العيادي لأي محللين يمارسون في تلك المدينة معرفة تكفي ليوصي بأحدهم بثقة. وإلى ذلك، فإن عددًا كبيرًا من انتقالات المحلَّلين يكون لفترات محدودة، كفترة تدريب تمتد ثلاثة أشهر، أو تفرغ علمي لستة أشهر، أو منحة Fulbright لمدة سنة، أو مهمة تستغرق سنتين في مقر شركة ما وراء البحار. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون من العملي أن تستمر المحلَّلة في التحليل مع شخص آخر، بسبب اليقين شبه التام بأنها ستعود إلى موطنها خلال فترة قصيرة نسبيًا، ومع ذلك قد تكون صعوباتها من النوع الذي يقتضي استمرار العلاج خلال تلك الفترة.
كان يمكن للمحلل، نظريًا، أن يحاول ثني المحلَّلة عن مثل هذه الانتقالات القصيرة الأجل بأن يلفت نظرها إلى أهمية مواصلة عملها التحليلي حضوريًا، وقد يكون ذلك ملائمًا فعلًا في بعض الحالات. غير أن الانتقال القصير الأجل يمثل، في حالات كثيرة، فرصة خاصة جدًا قد لا تتكرر، ويمثل في حالات أخرى خيارًا مفروضًا نوعًا ما، إذ يقول صاحب العمل للمحلَّلة: «انتقلي إلى المدينة X للمساعدة في إنشاء المكتب الجديد، أو ابدئي بالبحث عن وظيفة جديدة». ومن هنا أهمية إيجاد طريقة تسمح باستمرار العمل التحليلي أثناء مثل هذه الغيابات التي يكاد تعذرها يكون خارج الإرادة.
منذ سنوات كثيرة في ممارستي الخاصة، بدأت إحدى المحلَّلات، وكانت قد سافرت إلى الخارج سنةً في إطار زمالة، تتصل بي وهي في ضيق شديد. ومع أننا كنا قد اتفقنا على أن تستأنف تحليلها عند عودتها، فإن ضيقها كان من الشدة بحيث شعرت بأنها لا تستطيع الانتظار إلى ذلك الحين. وبعد عدة اتصالات يائسة من هذا النوع، اتفقنا على أوقات منتظمة للاتصال، وواصلنا العمل عبر الهاتف إلى أن عادت إلى الولايات المتحدة. ولاحظت سريعًا جدًا أن العمل معها عبر الهاتف يمضي إلى حد بعيد كما كان يمضي وهي على الأريكة، وحين انتهى بي الأمر لاحقًا إلى مغادرة الساحل الغربي وقبول منصب في Pittsburgh، استأنفنا جلساتنا الهاتفية.
رويدًا رويدًا، بدأت أُدخل جلسات هاتفية متفرقة في عملي مع كثيرين من المحلَّلين المختلفين: بعضهم لم يكن يستطيع مغادرة البيت أحيانًا بسبب قلق جارف، وبعضهم كان مريضًا أو مشلول الحركة مؤقتًا، وبعضهم الآخر كان ببساطة عالقًا بعد تعطل سيارته. وقد أتاح ذلك لبعض الناس أن يواصلوا تحليلاتهم حيث كان من الممكن لولا ذلك أن يهبطوا إلى اكتئابات عميقة، وأتاح لآخرين أن يواصلوا التحليل في أدنى لحظات حياتهم، ولغيرهم أن يستمروا حين كان خوفهم من القيادة أو من انقلاب الحافلات قد يمنعهم من الوصول إلى جلساتهم. وبدأت أيضًا أقترح أحيانًا جلسات هاتفية على محلَّلين في منطقة Pittsburgh كانوا يتصلون لإلغاء جلساتهم بسبب أمطار غزيرة، أو تحذيرات من أعاصير، أو عواصف ثلج وجليد تجعل القيادة بالغة الخطورة، وكذلك على محلَّلين من ذوي الإعاقات الجزئية أو على كبار السن الذين لم يكونوا يثقون بثبات أقدامهم في الظروف الشتوية القاسية.
وسرعان ما اتضح لي أن الجلسات الهاتفية يمكن أن تكمل الجلسات الحضورية على نحو مفيد، لكنني ترددت سنوات عدة في قبول محلَّلين يكون عملهم معي، بسبب المسافة وظروفهم المالية، قائمًا تقريبًا كله على الهاتف. غير أنه، بعد سنوات كافية من العمل مع محلَّليَّ على الساحل الغربي عبر الهاتف، بدأت أقبل محلَّلين يعيشون بعيدًا، وليس في مناطقهم أي محللين لاكانيين آخرين يستطيعون اللجوء إليهم.
الظواهر التخيلية
[على المحلِّل] أن يضبط نفسه على المريض كما يُضبط جهاز استقبال الهاتف على الميكروفون المرسِل.
—فرويد
فوجئت في البداية إذ لاحظت أن تحليلات هؤلاء «المحلَّلين هاتفيًا» تبدأ مثل سائر التحليلات، وأنني كنت قادرًا في الغالب على إشراكهم في المسعى التحليلي بالقدر نفسه تقريبًا، رغم أنني لم أكن أراهم وجهًا لوجه إلا نادرًا، أو لا أراهم أبدًا أحيانًا. ولاحظت أيضًا أن جميع استجابات النقل تقريبًا التي ألفتها في العمل الحضوري كانت تظهر في العمل الهاتفي، ولم يكن يغيب سوى أشكال النقل القائمة على مظهري الجسدي الفعلي أو على هندامي. بل قد يقال إن المحلَّلين الذين لم أرهم قط حضوريًا كانوا يُسقطون عليَّ أشياء بحرية أكبر، لأنهم لم تكن لديهم صورة بصرية لي أمامهم. وكما هي حال المحلَّل على الأريكة، الذي يتحرر من النظر إلى المحلل أو من أن يُنظَر إليه من قبله، فإن المحلَّل على الهاتف حر في أن يتخيلني على أي نحو يشاء.
والعمل عبر الهاتف يزيل في الواقع بعض الظواهر التخيلية بالنسبة إلى المحلل أيضًا؛ فنحن جميعًا ميالون إلى ربط كل شخص جديد نلقاه بآخرين عرفناهم ويشبهونه على نحو من الأنحاء، وغالبًا ما تتغلب المشابهة البصرية في مثل هذه الروابط، وإلى أن نستجيب للشخص الجديد كما استجبنا للشخص القديم، على الأقل في البداية. وحين يُجرى العمل التحليلي عبر الهاتف، لا يمكن للمحلل أن يُفتن بمظهر المحلَّلة، ولا أن يُساق إلى ردِّها إلى نساء أخريات عرفهن أو إلى محلَّلات أخريات سبق أن عالجهن.
والمحلَّلة أيضًا تتحرر من الميل إلى أن تُطابق المحلل، في التو واللحظة، مع شخص آخر، ومن الافتتان القائم على الصور البصرية. ومع ذلك، ولأن المحلَّلة هي التي تكشف عن نفسها لا المحلل، يظل هذا الأخير أشبه بشاشة إسقاط بيضاء، ويُرجَّح أن «ترى» فيه سمات أشخاص آخرين بالاستناد إلى طريقته في الكلام، ونبرة صوته، وتنغيمه، وإيقاعه، وحتى طريقته في التنفس.
حضور المحلِّل
قد يُعترَض بأن المحلِّل يمنح مع ذلك حضوره، لكنني أعتقد أن هذا الحضور يتضمنه ابتداءً مجرد إنصاته، وأن هذا الإنصات هو ببساطة شرط الكلام. ولماذا كانت التقنية التحليلية تقتضي منه أن يجعل حضوره متحفظًا إلى هذا الحد لو لم يكن الأمر كذلك في الواقع؟
—لاكان
ذهب غير اللاكانيين واللاكانيون على السواء إلى القول بأن التحليل عبر الهاتف مستحيل، لأنه يلزم أن يكون المحلِّل والمحلَّل حاضرين جسديًا أحدهما للآخر. فما الذي يجعل الحضور الجسدي، في زعمهم، حاسمًا إلى هذا الحد؟ وما الذي يفترض أنه غائب عن التحليل عبر الهاتف؟
ومن المؤكد أن ما ينقص ليس هو التماس الجسدي المباشر، لأن التحليل يستبعد مثل هذا التماس. وكما قال لاكان: «منذ اللحظة التي يدخل فيها المرء في الخطاب التحليلي، لا يعود ثمة أي سؤال عن لقاء الأجساد». فلا حاجة إلى أن يلمس المحلل والمحلَّل أحدهما الآخر لكي يمضي التحليل؛ ولأسباب مشابهة، لا حاجة أيضًا إلى أن يتصلا أحدهما بالآخر عبر حاسة الذوق.
ولا يُظَن، على الأرجح، أن على المحلل والمحلَّل أن يتمكنا من شم أحدهما الآخر، مع أن واقعة مضحكة، علّق عليها لاكان، حدثت بالفعل في Société Psychanalytique de Paris في أوائل خمسينيات القرن العشرين. ففي سياق حديثه عن محللي زمنه الذين بدا أنهم يعتقدون أنه لكي يفهموا محلَّليهم عليهم أن ينظروا إلى ما وراء اللغة، إلى ما وراء كلام محلَّليهم، كتب لاكان:
في أيامنا هذه، يستطيع محلل شاب قيد التدريب، بعد سنتين أو ثلاث من تحليل عقيم، أن يحتفي فعلًا بالمجيء المنتظر منذ زمن لعلاقة الموضوع حين يشمه موضوعه، وأن يجني من ذلك dignus est intrare أصواتنا، نحن الضامنين لكفاءاته.
وفي الواقعة التي أشار إليها لاكان، قُبل أحد المرشحين للتحليل بحماسة في المراتب العليا من SPP حين أفاد بأن محلَّله استطاع أخيرًا أن يشمَّه، وهو إنجاز لا تكاد قيمته، في أحسن الأحوال، تكون مؤكدة. وعلى هذا الطرف من الطرافة، أشك في أن حاسة الشم هي ما يشغل أساسًا الذين يعترضون على التحليل عبر الهاتف. ومع ذلك، يسهل عليَّ أن أقابل هذه الحكاية بحكاية من عندي، إذ قالت لي إحدى محلَّلاتي فجأة أثناء جلسة هاتفية: «أتساءل كيف ستكون رائحة نَفَسك في هذه اللحظة بالذات». وحين سألتها: «نَفَسي؟» علقت قائلة إن أباها كان كثيرًا ما يعود من الحفلات وقد دخن سيجارًا وأكل أطعمة غير مألوفة، وهي أشياء كانت تربطها بـ«روائح الكبار». وليس واضحًا أن المحلَّلة كان يمكنها أن تشم نَفَسي حتى لو كنا في الغرفة نفسها آنذاك؛ لكن الواضح، فيما يبدو، أن الإسقاطات والروابط الشمية لا تُستبعَد لمجرد أن العمل التحليلي يجري عبر الهاتف.
وإذا كان يُعتقد أنه لا بد من اتصال بصري بين المحلل والمحلَّل، فهل يصبح من المستحيل إذن على المكفوفين أن يخضعوا للتحليل أو أن يصيروا محللين؟ أرجح أن معظم الناس سيقولون إن الأمر ليس كذلك. ثم إن استعمال الأريكة في التحليل النفسي يلغي إلى حد بعيد الحاجة إلى التماس البصري، إلا في بداية الجلسات ونهايتها. فهل سيشعر الذين يرون أن هذا المقدار المحدود جدًا من التماس البصري لا غنى عنه بأن مؤتمرات الفيديو ستعالج المشكلة بالفعل؟ لا يمكن استبعاد أهمية رؤية أحدنا الآخر، مهما كانت محدودة، استبعادًا جزافيًا بسبب صلتها بالنظرة؛ غير أنه ينبغي أن يكون قد اتضح بالفعل أنها ليست لازمة دائمًا، إذا سلَّمنا بأن المكفوفين قابلون للتحليل.
أما ما يبدو لي ضروريًا على نحو مطلق فهو السمع: يجب أن يكون المحلل والمحلَّل قادرين على سماع أحدهما الآخر وهو يتكلم. فما يقوله المحلَّل وكيف يقوله هو موضع الأهمية القصوى في التحليل. وما دام من الممكن إقامة اتصال هاتفي جيد وواضح، وما دام المحلل والمحلَّل يستطيعان أن يسمع أحدهما الآخر سماعًا جيدًا جدًا، جيدًا بما يكفي لسماع كل زلة، وكل تعثر، وكل تأتأة، وكل تردد، وكل تنهيدة، وكل تثاؤب، فإن التحليل يستطيع أن يمضي. ومن المثير للاهتمام أن بعض المحلَّلين ذكروا لي أنهم يشعرون بأن جلساتنا الهاتفية أشد حميمية من جلساتنا الحضورية، لأنهم يسمعونني أتحدث مباشرة في آذانهم ويشعرون بأنني أقرب إليهم عبر الهاتف مما أكون حين يكونون ممددين على الأريكة على بعد أقدام قليلة مني.
لغة الجسد
في حين أن خطاب الذات يمكن، من حيث المنظور الأولي للتحليل، أن يُوضَع بين قوسين لأنه قد يخدم إغواء الحقيقة أو حتى يعيق انكشافها، فإنه بقدر ما [يخدم] بوصفه علامة، يكون قد فُقِدَت قيمته على نحو دائم.... ويبدو أن أي مظهر آخر من مظاهر حضور الذات سيغدو مفضَّلًا عليه قريبًا: هيئته في إقباله ومشيته، وتكلُّف سلوكه، والطريقة التي يودعنا بها.
—لاكان
المحللون الذين يعتمدون إلى حد كبير على «قراءتهم» لغة جسد المحلَّل مرشحون لأن يجدوا استخدام الهاتف إشكاليًا. لكن، كما ذكرت سابقًا، ليست «لغة الجسد» شفافة، ولا كونية، ولا بديهية كما يظن كثيرون، والطريقة الوحيدة التي تتيح للمحلل أن يتأكد من أنه يعرف ما تعنيه لغة جسد المحلَّلة هي أن يطلب منها أن تتكلم عنها. فليس لكثير من إشارات اليد معنى واحد لا لبس فيه ولا يختلف عليه أحد، حتى داخل الثقافة الواحدة، والأمر نفسه يصح على كثير من الأوضاع الجسدية التي سمعت بعض الإكلينيكيين يزعمون أنهم يقرؤونها.
فهل تدل، مثلًا، هيئة الجسد المفرطة في الاستقامة على الصلابة؟ أو على نوع من الوقفة القضيبية؟ أم لعلها تجسد بدلًا من ذلك «الاستقامة»، بما يوحي بغرس وصايا أحد الوالدين الأخلاقية في الجسد أو بالتماهي مع الموقف الأخلاقي الصارم لأحد الوالدين؟ وهل يدل الجلوس منحنِيًا، لنأخذ مثالًا آخر، دائمًا على وضع دفاعي أو حمائي للذات؟ أو على متلازمة القولون المتهيج؟ أم قد يكون مرده أحيانًا إلى التماهي مع Quasimodo أو مع أحدب شارع Quincampoix؟ إن لغة الجسد ليست بديهية بذاتها! ولكي نفهمها، علينا أن نسأل المحلَّلة عما قد تعنيه، وعلينا أن نطلب منها أن تتكلم عنها.
وكان أحد محلَّليَّ يضع يديه بانتظام على بطنه حين يروي لي قصصًا مشحونة انفعاليًا. وكان بعض الممارسين قد يقفز إلى استنتاج أنها قصص «تمزق الأحشاء»، أو أن لديه قرحة أو مشكلة أخرى في جهازه الهضمي. لكنني حين سألته عن ذلك، قال لي إن الموضع الذي يُعتقَد تقليديًا في ثقافته أن القلب يوجد فيه هو هذا الموضع، وإنه كثيرًا ما يشعر بانقباض أو ضغط في قلبه، نوع من وجع القلب قال إن جميع النساء في ثقافته يعرفنه. وكانت المعاني المجازية لكلمة القلب في لغته الأم شديدة الأهمية بالنسبة إليه، وقال مرة أيضًا إن في «قلبي صخرة قاسية ينبغي تفتيتها». وهذه أمور لم يكن في وسعي، وأنا الآتي من ثقافة مختلفة وخلفية لغوية مختلفة، أن أخمنها قط بمحاولة «قراءة لغة جسده».
فأوضاع الجسد البشري وإشاراته لا يمكن قراءتها كما تُقرأ أوضاع الحيوانات وإشاراتها، التي تميل إلى أن يكون لها معنى لا لبس فيه عند جميع أفراد النوع الواحد، استنادًا إلى شيفرتهم الجينية. أما أوضاع الجسد البشري وإشاراته فتتأثر باللغة والتاريخ والثقافة، ومن ثم لا يمكن اعتبارها ذات معنى لا لبس فيه عند جميع البشر، ولا حتى عند جميع المتكلمين باللغة نفسها؛ فكثيرًا ما يكون معناها فرديًا تمامًا.
ويبدو أن بعض المحللين يبحثون عن شيء أوثق، أكثر موضوعية من الكلام، لأن الكلام يمكن أن يكذب. ويبدو أنهم يفترضون أن لغة الجسد لا تخضع للتصنع، وأن الجسد يقول الحقيقة دائمًا. لكن لغة الجسد يمكن أن «تكذب» مثل أي لغة أخرى؛ ويكفي أن نتأمل كيف يخفي الممثلون الحقيقة بإتيانهم إشارات معينة واعتمادهم لغة جسد معينة حتى نرى ذلك. وقد توحي للمحلل، في بعض الأحيان، قدرته على رؤية تعبيرات وجه المحلَّلة وإشاراتها وأوضاع جسدها بأن ثمة تناقضًا بين ما تقوله وما تشعر به، لكن لا يجوز أخذ هذا التناقض على ظاهره، ويجب مع ذلك أن يسأل المحلَّلة عما تصنعه من حقيقة أنها، مثلًا، كانت تبتسم وهي تقول إن موت أمها كان تجربة مروعة بالنسبة إليها. ثم إن مثل هذه التناقضات الممكنة يمكن، في خبرتي، التقاطها بسهولة بطرق أخرى، وعلى أي حال لا بد من إدخالها في الكلام لكي يكون لها أي أثر علاجي. فلا مهرب ببساطة من استعمال الكلام في التحليل النفسي. بل قد يكون لغياب الإشارات البصرية أثر نافع، لأنه يحبط إغراء المحلل بأن يقفز إلى استنتاجات بشأن لغة جسد المحلَّلة.
وفي النهاية، يدفعنا إدخال تقنيات الاتصالات عن بُعد «إلى أن نفحص التجربة [التحليلية] بمزيد من الإلحاح من حيث ما هو إيجابي فيها»، في مقابل ما هو «سلبي» أو مستبعَد فيها، أي اللمس والذوق والشم وحتى البصر.
تحديات خاصة بالتحليل عبر الهاتف
إن جهدنا هو... تعاونٌ ترميمي مع الشخص الذي هو في موضع المحلَّل.
—لاكان
كل هذا لا يعني أن العمل التحليلي عبر الهاتف لا يطرح تحدياته الخاصة. فقد يكون من الصعب أحيانًا، مثلًا، أن يعرف المرء ما إذا كانت المحلَّلة تضحك أم تبكي، ولا يجوز للمحلل أن يفترض أنه يعرف أيهما يحدث. وفي الجلسات التمهيدية المعقودة وجهًا لوجه، يستطيع المحلل كثيرًا ما أن يخمن من ملامح وجه المحلَّلة ما إذا كانت ساخرة، أو متهكمة، أو مازحة، أو جادة. ويقل هذا الإمكان عبر الهاتف، كما يقل أيضًا بعد أن تنتقل المحلَّلة إلى الأريكة، ويجب على المحلل أن يولي مزيدًا من الانتباه إلى الإشارات الأقل المتاحة له، مثل التغيرات الدقيقة في التنفس، والزفير القصير المصاحب للضحك، والتغيرات التي تطرأ على الطريقة المعتادة التي تعبر بها المحلَّلة عن نفسها. وخلاصة القول إن على المحلل، كعادته دائمًا، أن يحسن الإفادة مما هو متاح له ضمن قيود الوضع ومعاييره. ففي العمل وجهًا لوجه، قد تدل حركة يد أو انفتاح فم على أن المحلَّلة كانت على وشك قول شيء ثم منعت نفسها، أما في التحليل عبر الهاتف فليس الوسيط المتاح إلا الصوت، ومن ثم على المحلل أن ينتبه إلى اللحظات التي تستنشق فيها المحلَّلة الهواء وتبدو كأنها على وشك قول شيء ثم تتوقف. وقد يدهش المرء كم يمكن التقاطه حين يصبح متنبهًا لمثل هذه الأمور.
ويكون التحليل عبر الهاتف مريحًا أحيانًا إلى حد يبدو معه مفرط الراحة: فالمحلَّلة لا تحتاج إلى أن تخصص، مثلًا، نصف ساعة قبل كل جلسة وبعدها للسفر إلى مكتب المحلل؛ كل ما عليها هو أن ترفع السماعة أينما كانت وتتصل بالرقم الصحيح. وقد يكون الجهد المطلوب عند بعض الناس ضئيلًا أكثر مما ينبغي؛ فبلا الجهد الإضافي المتمثل في المجيء إلى المحلل، قد يميلون إلى النظر إلى التحليل باعتباره وسيلة مريحة «لتنفيس الاحتقان» لا فضاءً لعمل تداعٍ كثيرًا ما يكون شاقًا. وقد يتمنى المحلل، في مثل هذه الحالات، ألا يكون الأمر سهلًا إلى هذا الحد على المحلَّلة، لكن المشكلة الحقيقية تقع في موضع آخر: فإذا كانت الرسوم محددة عند مستوى مرتفع بما يكفي، وكان المحلل يطلب الدفع في الوقت المناسب حتى لا تشعر المحلَّلة بأنها تحصل، إذا جاز القول، على خدمة مجانية، فلن تُحل المشكلة بإضافة نصف ساعة قيادة في كل اتجاه إلى مكتب المحلل، بل فقط بإيجاد طريقة تجعل المحلَّلة منخرطة حقًا في العمل التحليلي. وبعبارة أخرى، فهذه هي المشكلة نفسها التي قد تنشأ في أي تحليل تقضي فيه المحلَّلة وقتها في الشكوى، أو في الكلام عن أمور الحياة اليومية، أو في ألا تعرف أصلًا ما الذي تتكلم عنه. ولا يمكن زيادة انخراط المحلَّلة في السيرورة بإضافة عقبات؛ بل على المحلل أن يجد سبيلًا يلهمها أن تثير سؤالًا أو أسئلة تخصها هي.
وبعض المحلَّلين يجدون في عوائق التحليل عبر الهاتف ما يكفي من التحدي أصلًا: فقد يدهش المرء كم من المحلَّلين يجدون صعوبة في أن يكون خطهم الهاتفي عاملًا دائمًا، أو أن يعمل هاتفهم من غير تماس كهربائي سيئ، أو أن تكون بطارياتهم مشحونة، أو أن تكون بطاقة الاتصال الهاتفية مفعلة، أو أن يكون الرقم الصحيح في أيديهم. وقد يدهش المرء أيضًا كم منهم لا يتصل في الوقت المتفق عليه. والواقع أن جميع أشكال المقاومة العاملة في التحليل الحضوري تدخل أيضًا إلى التحليل عبر الهاتف: فكل ما يمكن أن يختل سيختل حين تنهض المقاومة.
ويبدو أن بعض المحللين يظنون أن مقاومات المحلَّلة ونقولاتها تعجز عن التعبير عن نفسها في الحقل الأضيق للتحليل الهاتفي، لكن خبرتي تقول إنها تجد دائمًا سبيلًا إلى التعبير. وكما قال فرويد إن علينا ألا ننشغل عندما نعجز عن استكشاف كل وجه من وجوه الحلم في جلسة واحدة، لأن ما بقي غير مستكشف في حلم ما سيعرض نفسه في حلم تالٍ، فكذلك كل ما يتعذر التعبير عنه للمحلل بطريقة ما بسبب قيود الوضع سيُعبَّر عنه بطريقة أخرى تكون في متناول حواس المحلل.
فإذا تعذر على المحلَّلة أن تعطي، من غير قصد، إشارة جسدية على ضيقها بالمحلل، فإنها ستُسقط الهاتف «عرضًا» أو تتحرك على نحو يقتلع الهاتف من الحائط. وإذا لم يكن في وسعها أن تحاول من غير قصد فتح باب مكتب المحلل بمفتاح بيتها هي، معبرةً بذلك عن مدى شعورها بأنها في بيتها معه، فإنها ستعطي رقم هاتف المحلل من غير قصد لموعد غرامي محتمل بدلًا من رقمها هي. وإذا لم تستطع وضعية جسدها أن تقول للمحلل إنها تشعر معه بالحميمية نفسها التي تشعر بها مع أمها، فإنها ستطلب من غير قصد رقم المحلل حين تنوي الاتصال بأمها، والعكس بالعكس. وإذا تعذر على المحلَّلة أن تُظهر للمحلل أنها تكره أن تدفع له بأن تفتش في جميع جيوبها وحقيبتها خمس دقائق قبل أن تقع على الشيك أو النقود، فإنها ستضع خطأً رقم شارع أو رمزًا بريديًا خاطئًا على الشيك الذي ترسله بالبريد، أو تنسى توقيع الشيك، أو تهمل وضع طابع على الظرف، أو تُسقط الرسالة في الوحل أو الثلج، وسمِّ ما شئت، فقد رأيت ذلك كله!
لا بد أن تنكشف الحقيقة. ويمكن للمحلل، إذا كان قد رحب بكل ما تقوله المحلَّلة وشجع كل ما تضيق عن قوله، أن يثق بأن المادة ستظهر على نحو أو آخر. وكل ما يحتاج إليه هو أن يبقى منتبهًا لكل ما يمكنه الوصول إليه، وألا يقصر عن الاستفسار عن أمور يظن أنه يسمعها ولكن المحلَّلة قد تمر عليها أول الأمر مرورًا سريعًا. وعندئذ يمكن في الغالب الوثوق بالمحلَّلة في أن تتعاون بالإشارة إلى اللحظات التي يكون فيها جسدها هو الذي يتكلم من غير أن يعلم المحلل، كأن ترتجف يداها وهي تسرد حلمًا بطريقة خالية من الوجدان، أو يحس رأسها بوخز وهي تسرد واقعة تتصل بأبيها، أو تشعر بألم حاد في أحشائها وهي تتحدث عن انفصال عاطفي، وما إلى ذلك. فنحن نعتمد على محلَّلينا في أن يخبرونا بأشياء لا تقع، إذا جاز القول، داخل مجال رؤيتنا: خواطر عابرة ترد عليهم بين الجلسات، وأحلام يقظة، وتخيلات، وأحلام نوم، وكوابيس، وانفجارات، ونوبات بكاء، ولحظات فرح، وما شابه ذلك، فلماذا لا نعتمد عليهم في التفاعلات الجسدية أثناء الجلسات أيضًا؟ هل نظن أننا نحن وحدنا القادرون على ملاحظتها؟
وتنطوي الجلسات الهاتفية على تحديات أخرى أيضًا، بطبيعة الحال. فقد ينقطع الخط الهاتفي أحيانًا من غير أي إنذار، وعلى المحللين الذين يعملون بالجلسة ذات الطول المتغير أن يوضحوا لمحلَّليهم أنهم لا ينهون الجلسات بمجرد إغلاق الهاتف، بل بشيء أقرب إلى: «حسنًا، سنتوقف هنا اليوم. سأتحدث إليك غدًا عند الثالثة». وينبغي أن يُطلب من المحلَّلين أن يعاودوا الاتصال فورًا إذا انقطع الاتصال من غير أي تمهيد من هذا القبيل.
وبقدر ما يمكن لقطع الجلسة أن يأتي مباغتًا أحيانًا، فإن المحللين الذين يمارسونه عبر الهاتف سيلحظون هنا فرقًا عن الجلسات الحضورية: فالمحلَّلة أقل ميلًا إلى تلقي القطع المباغت عقابًا حين يعقبه مصافحة عند الباب وتحيتها بود في الجلسة التالية، مما هي عليه حين يقع الأمر عبر الهاتف. ولا يستطيع صوت المحلل إلا أن يخفف تلك الفجائية إلى حد محدود. ولذلك قد يريد المحلل، مع بعض المحلَّلين، أن يتجنب مثل هذه القطوع المباغتة.
ولا ريب في أن التحليل الهاتفي ليس مناسبًا للجميع. فقد يحتاج بعض المحلَّلين إلى ذلك النوع من الرابطة الليبيدية مع المحلل، وهو ما لا يتولد عندهم إلا حضوريًا، لكي ينخرطوا في العمل التحليلي، إذ يؤدي غياب نقل إيروسي قائم على الرؤية إلى انعدام النقل تقريبًا في حالتهم. وقد يجد محلَّلون آخرون في حضور المحلل الجسدي ما يبعث على الطمأنينة، إذ يشعرون بحاجة لا إلى الإنصات المتنبه فحسب، بل إلى نظرات مهتمة متكررة أيضًا؛ وهؤلاء كثيرًا ما لا يتكلمون بحرية كبيرة في بداية تحليلاتهم، ويبدو أنهم يبنون الثقة بالمحلل أكثر على أساس حضوره الذي يكاد لا يخذلهم في مواعيدهم وصبره عليهم إلى أن يتكلموا، لا على أساس إنصاته المتنبه.
وعلى أي حال، يبدو لي أن استخدام الهاتف بوصفه مكملًا للجلسات الحضورية المنتظمة أفضل بكثير من الممارسة الأوروبية الشائعة التي تقضي برؤية المحلَّلين الذين يعيشون بعيدًا بصورة مكثفة مرة كل شهر. فحتى عندما يكون للمحلَّلة أربع جلسات أو أكثر خلال إقامة قصيرة في عطلة نهاية الأسبوع في مدينة المحلل، يظل إيقاع التحليل منقطعًا باستمرار بفجوات تمتد ثلاثة أو أربعة أسابيع، ومن الصعب تخيل كيف يمكن أن يُنجز أي عمل حقيقي، لأن اللاوعي يميل، إذا جاز القول، إلى «الانغلاق» حين يكون في عطلة من التحليل. وهذا هو السبب نفسه في الواقع الذي يجعل المحللين يحاولون أن تكون لمحلَّليهم أكبر قدر ممكن من الجلسات في الأسبوع، بدل جلسة واحدة فقط؛ فمن الصعب جدًا البناء على مادة الجلسة السابقة عندما يكون قد انقضى وقت طويل بين الجلسات، وفي خبرتي يتيسر إنجاز عمل أكثر كثافة بكثير عند تواتر من ثلاث إلى خمس جلسات أسبوعيًا مما يتيسر عند جلسة واحدة في الأسبوع، فضلًا عن جلسة واحدة كل أربعة أسابيع.
ممارسة شائعة
إن الذي يخدم أساسًا للتأويل هو دائمًا سرد الحلم بوصفه كذلك، أي المادة اللفظية.
—لاكان
يكاد كل محلل يجد نفسه، في وقت ما أو آخر، مضطرًا إلى التحدث مطولًا مع محلَّل عبر الهاتف، سواء بسبب دخول طارئ إلى المستشفى، أو نوبة هلع، أو اكتئاب عميق، أو وضع آخر غير متوقع وغير مألوف. وكثير من المحللين لا يرتاحون إلى ذلك، إذ يشعرون بأنه ينتهك الإطار العلاجي الذي أقاموه، ويحاولون تجنب المكالمات الهاتفية بدل أن يستخدموها فرصًا لمواصلة العمل التحليلي. وأملي أن يساعدهم المزيد من النقاش حول ما هو «إيجابي» في الوضع التحليلي، أي حول الحواس التي نستخدمها بالفعل في التحليل وتجعل التحليل فعالًا، على أن يزدادوا ارتياحًا إلى العمل عبر الهاتف. وفي نظري، فإن العمل على الدال كما يتلفظ به في الكلام هو، قبل كل شيء، ما يجعل التحليل فعالًا، وهذا يعني أن الهاتف يوفر كل ما هو لازم لكي يمضي التحليل. وقد يحتج بعضهم بأن قصر المرء نفسه على وسيط الصوت يجعله يعتقد أن العمل على الدال هو العمل الوحيد الفعال في التحليل، أي إن الأمر، بعبارة أخرى، نبوءة تحقق نفسها بذاتها. غير أنني، في حالتي الخاصة، بدأت الممارسة على أساس فرضية أن «البعد الرمزي هو البعد الوحيد الذي يشفي» في التحليل النفسي، ولم أعثر على الهاتف بوصفه وسيطًا إلا بعد ذلك بوقت طويل. وإن فهمي لفرويد ولاكان يوحي بأنهما كلاهما يعزو نجاح التحليل النفسي إلى علاقة تُقام عبر الكلام، وإلى عمل يمضي بوساطة الكلام.
وقد علمت في السنوات القليلة الماضية أن عددًا كبيرًا من المحللين في أمريكا يجرون التحليلات جزئيًا أو كليًا عبر الهاتف. وقد أجرى Richards وGoldberg مسحًا، فوجدا أن أكثر من 85% من أعضاء شعبة التحليل النفسي في الجمعية الأمريكية لعلم النفس كانوا يقومون ببعض العمل على الأقل عبر الهاتف، وكانوا راضين عن آثاره. غير أنه لا يبدو أن كثيرًا من المحللين كتبوا عن ذلك، وكانت Sharon Zalusky في Los Angeles استثناءً بارزًا. واللافت أنها ذكرت، في أول تجربة لها مع التحليل عبر الهاتف، أنها «كانت أكثر حضورًا لسماع دقائق تداعيات [محلَّلتها]... وكانت قادرة على سماعها على نحو مختلف». ويبدو لي هذا كاشفًا على نحو خاص، بالنظر إلى تركيزها الواضح نسبيًا على اللاملفوظ، والوجدان، والنقل المضاد، و«البيئة الحاضنة»، وكثير من اهتمامات المحللين المعاصرين الأخرى. أما أنا فقد أجريت تحليلات كثيرة جزئيًا أو كليًا عبر الهاتف، من غير تنوع في النجاح أكبر أو أقل من ذلك الذي عرفته في التحليلات الحضورية، وأُشرف على عدد كبير من المحللين، لاكانيين وغير لاكانيين في تكوينهم، وهم أيضًا يعملون بالتحليل عبر الهاتف. وقد مررت بعدد من الخبرات التي أنجز فيها محلَّلون كانوا قد خضعوا من قبل لتحليل حضوري مع محللين أكثروا من الحديث عن «البيئة الحاضنة» والنقل المضاد ولغة الجسد، ثم انهارت تحليلاتهم، عملًا أكثر فاعلية بكثير عبر الهاتف معي. وبوسع كثير من المحللين، بطبيعة الحال، أن يرووا قصصًا عن نجاحات حققوها مع محلَّلين جاؤوا إليهم بعد تحليلات غير ناجحة مع محللين من توجهات أخرى. ولعل توجهي يلائم الهاتف أكثر من غيره. وسيكون من المثير أن نرى مع الوقت كيف سيقارن محللون آخرون بين التحليل عبر الهاتف والتحليل الحضوري.
9
التحليل غير المُطبِّع
ينبغي أن يكون واضحًا أن الخطاب التحليلي لا يقوم بأي حال على إزالة ما لا يسير على ما يرام، ولا على قمع ما لا يسير على ما يرام في الخطاب العادي.... فالخطاب الذي لا يمضي إلا بالكلام الحق هو بالضبط ما يثير الاضطراب.... ويكفي أن يبذل شخص جهدًا ليقول الحقيقة حتى يزعج الجميع.
—لاكان
لفكرة الطبيعية قبضة قوية علينا إلى حد أن كثيرين منا يرتاحون حين يُقال لهم إن شياطينهم، والدوافع والتخيلات التي يصارعونها، «طبيعية». وقدمت McWilliams خلاصة حالة قصيرة عن امرأة عصابية كانت تعالجها، بدأت، بعد قدر من الوقت في التحليل، تتكلم عن «تخيلات استمنائية، كانت تخجل منها أشد الخجل، تنطوي على ضروب مختلفة من الإخضاع المازوشي». وذكرت McWilliams أنها قالت لمحلَّلتها «إن مثل هذه التخيلات شائعة، ولا ترتبط بالضرورة بسلوك جنسي مازوشي فعلي»، لأن المحلَّلة كانت قلقة من أنها «في الحقيقة» مازوشية جنسيًا في معنى أساسي من المعاني.
وعندما وصفت المحللة تخيلات محلَّلتها بأنها «شائعة»، كان نهجها هنا يهدف إلى إزالة قلق المريضة وتخفيف توترها. وقد يوفر مثل هذا النهج، وهو نهج واسع الانتشار جدًا في زماننا، راحة مؤقتة لبعض المرضى، لكن علينا أن ننظر في آثاره القصيرة الأمد المرجحة، وكذلك في آثاره الطويلة الأمد، لمثل هذه التدخلات. فعلى المدى المباشر، قد تضع هذه التدخلات حدًا لاستكشاف المريضة تخيلاتها الاستمنائية، إذ إذا كانت هذه التخيلات «شائعة» فما الحاجة إلى أن تصوغ كل تفاصيلها وتداعي حولها لتفهم ما الذي تتعلق به؟ وإذا كان الجميع تقريبًا يملكونها، فلماذا تتكلف المحلَّلة عناء فك معناها الخاص لها، ولا سيما أن هذا التفكيك قد يكون طويلًا وشاقًا ومهينًا؟ وعلى المدى الأطول، توحي تعليقات المحللة هذه إلى المحلَّلة بأن المحللة، مثل معظم الناس، تعتقد أن ثمة شيئًا اسمه الطبيعية، وأن الإنسان يكون بخير إذا كان طبيعيًا. وهذا يوحي بنوع من طغيان المعايير من جهة المحللة، ذلك الطغيان نفسه الذي تتوقعه المحلَّلة من الأصدقاء، والأقارب، والمرشدين، واختصاصيي علم النفس المدرسي، وما شابههم؛ ولكي تُظهر للمحللة أنها مريضة فعلًا أو غير طبيعية من بعض الوجوه، فقد تمضي إلى أن تسأل عما إذا كان هذا الجانب من حياتها أو ذاك طبيعيًا، إلى أن تقع على شيء لا تستطيع المحللة البتة أن تصفه بأنه طبيعي.
ويبدو أن McWilliams شعرت بأنها بحاجة إلى تهدئة هواجس هذه المحلَّلة الخاصة قبل أن تتمكن حتى من الشروع في مناقشة تخيلاتها الاستمنائية، لكن خبرتي تقول إن ما يكفي عادة في مثل هذه الحالات هو أن نضع موضع سؤال رأي المحلَّلة القائل إن مثل هذه الأمور قد لا تكون طبيعية، بأن نقول شيئًا بسيطًا مثل: «أوليست كذلك؟» من غير أن نتبنى نحن أنفسنا فكرة الطبيعية.
وحين كان أحد محلَّليَّ الرجال قلقًا من أن المرأة التي اختارها زوجة تشبه أخته في وجوه كثيرة، كان يمكنني أن أقول له إن من الطبيعي تمامًا أن يختار الرجال نساء يشبهن أمهاتهم أو أخواتهم، وربما شعر براحة عابرة لو قلت ذلك، لكن هذا كان على الأرجح سيحول دون إدراكه أنه لا يستطيع أن يتمتع بعلاقته بزوجته لأنه يشعر بأنها علاقة محرَّمية. ومع أنه ليس أمرًا نادرًا إحصائيًا، من حيث الكلام العددي، أن يختار الرجال نساء يشبهن أمهاتهم أو أخواتهم، فإن تعليقًا من هذا القبيل ما كان ليتناول خصوصية علاقاته المحرَّمية بأخته قبل سنوات كثيرة وآثار ذلك في علاقته الراهنة بزوجته.
وكان فرويد نفسه أقل استعمالًا لفكرة الطبيعية مما يظن الناس، وقد أشار صراحة في مناسبات عدة إلى أنه لا يرى تمييزًا حقيقيًا بين الطبيعي والعصابي:
إذا اتخذت وجهة نظر نظرية وأهملت مسألة الكم، أمكنك تمامًا أن تقول إننا كلنا مرضى، أي عصابيون، لأن الشروط السابقة لتكوّن الأعراض [أي الكبت] يمكن ملاحظتها أيضًا عند الناس الطبيعيين.
وكان لاكان أقل استعمالًا من ذلك بكثير لمفاهيم مثل الطبيعي وغير الطبيعي، وقد انتقد بحدة «الافتتان بالتحليل المُطبِّع» الذي وجده في عمل محللين آخرين. وفي نظري، من الأفضل أن تُترك مثل هذه المفاهيم لعلماء الإحصاء، حيث يحق لها أن تظهر فقط في نقاشات من قبيل التوزيع الطبيعي، والمنحنى الجَرَسي الطبيعي، والانحرافات المعيارية عن المتوسط. ومثل هذه الاستخدامات الإحصائية تتيح دائمًا أن نطرح السؤال: «ما الرائع في أن يكون المرء متوسطًا، مثل معظم الناس؟»
وعلى الرغم من أن فرويد نفسه لم يكثر من استعمال فكرة الطبيعية، فإنه مهد مع ذلك الطريق لنظرية في الطبيعية واللاتطبيعية بمفهومه عن المراحل الليبيدية الخاصة، الفموية، والشرجية، والتناسلية، التي كان يعتقد أنها ينبغي أن تتكشف بترتيب معين وأن تؤدي إلى تسلسل هرمي تهيمن عليه المرحلة التناسلية. غير أنه كان واضحًا لفرويد أصلًا أن ثمة عددًا كبيرًا من الحالات التي يتكون فيها بالفعل تسلسل هرمي، لكنه لا يكون خاضعًا لهيمنة المرحلة التناسلية؛ ومع مرور الوقت اتضح أنه في حالات أخرى لا يتكون أي تسلسل هرمي أصلًا.
وأحد الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من ذلك هو أنه ليس ثمة شيء حتمي في الانتقال من الفموي إلى الشرجي إلى التناسلي؛ فلا يمكن اعتباره «تقدمًا طبيعيًا» لأنه يعتمد اعتمادًا بالغًا على علاقات الطفل بالقائمين الأساسيين على رعايته، وهذه العلاقات من النوع الذي قد يجعل الأمور تنعطف في اتجاه مختلف عند نقاط كثيرة على طول الطريق. ولعل ما يمكن قوله فحسب، من الناحية الإحصائية، هو أن هذا هو المسار «الطبيعي» أو «الطبيعي بحكم الطبيعة» للتطور.
ومع ذلك، سعى كثير من المحللين إلى التفوق على فرويد في هذا الباب: فقد أرادوا رسم عمليات تطور الطفل على نحو يجعل من الممكن النظر إليها باعتبارها طبيعية وعادية وحتمية تقريبًا إلا إذا اعتراها عائق. ولم يكن يكفيهم أن يقولوا إن الناس كثيرًا ما يتطورون على هذا النحو أو ذاك، أو إن الناس في الثقافة الغربية في القرن العشرين كانوا يميلون إلى التطور وفق خط زمني معين؛ بل أرادوا أن يجدوا غاية واضحة للتطور، وحالة نهائية مثلى واضحة له، كثيرًا ما يُشار إليها باسم «النضج الانفعالي»، تدفع طبيعة الطفل إليه، شريطة ألا يعرقل القائمون على رعايته تقدمه.
وقد يسأل المرء: «ولماذا أرادوا ذلك؟» إن مثل هذا النموذج التطوري الراسخ كان سيمنحهم صورة محددة عن نوع الشخصية التي كانوا يحاولون تشكيلها، وسيبرر شتى أنواع التدخلات التي من شأنها أن تدفع المحلَّل في ذلك الاتجاه. وكان سيوفر لهم أيضًا نوعًا من الخريطة في السيرورة التحليلية الطويلة الأمد التي تستعصي على الضبط، لأنهم بدأوا ينظرون إلى التحليل بوصفه سيرورة من «إعادة الوالدية» يعود فيها المحلل بالمحلَّل إلى كل عثرة تطورية حدثت خلال «عمليات النضج» الطبيعية المفترضة، ويقوده من جديد عبر كل واحدة من «مراحل النضج» التي انحرفت. وإذا نُظر إلى الأمر على هذا النحو، لم يكن المحلل يفعل سوى إزالة العوائق أمام التطور الطبيعي للمحلَّل، وكان يمكنها أن تحوِّل مسؤولية أفعالها إلى النموذج النظري نفسه. وبعبارة أخرى، كان هذا يبعث الراحة في نفس المحللة، لأنه كان يخبرها بما ينبغي لها أن تفعله بالنظر إلى تقديرها «للمرحلة» التي توقف عندها المحلَّل.
ومهما يكن من إغراء هذه الفكرة عند صوغ نظرية تحليلية نفسية صالحة على نحو كوني، فإنها تعتمد على تصور أحادي، عابر للتاريخ، وعابر للثقافات للطبيعة البشرية. لكن تصورات الطبيعة البشرية التي صيغت خلال الألفيات القليلة الماضية متباعدة إلى حد كبير، على أقل تقدير. فكل فلسفة تقريبًا اشتبكت مع سؤال «ماذا ينبغي أن نفعل؟» أو «ما الذي يجب فعله؟» حاولت أن تصوغ تصورًا كونيًا صالحًا للطبيعة البشرية تنشأ عنه الحقوق والواجبات والالتزامات. وكأن الفلاسفة يقولون: «أخبرني ما الإنسان، أخبرك بما ينبغي له أو لها أن يفعله». فإذا كان البشر، مثلًا، الحيوان الوحيد القادر على التعقل، فإنهم ينبغي أن يعقلوا ويتصرفوا بأقصى قدر ممكن من المعقولية؛ وإذا كانوا الحيوان الوحيد الذي تكون كينونته نفسها موضع سؤال، فإنهم ينبغي أن ينتبهوا إلى سؤال الكينونة وإلى «الكينونة نحو الموت» الخاصة بهم؛ وهكذا دواليك. وتبدو النماذج المعيارية وكأنها تنبت كالأعشاب الضارة من دعاوى التعميم بشأن ماهية البشر.
وقد استشهد Kohut، موافقًا، بتعريف King سنة 1945 لمصطلح normal في البيولوجيا بأنه «ما يؤدي وظيفته وفق تصميمه». وكأن Kohut ظن أن هذا يمكن أن ينطبق على النفس بالقدر نفسه، وكأن ما صُمم البشر لأجله واضح إلى هذا الحد! أما Joseph، من جهة أخرى، فقد عرض بعض المحاولات الرئيسية التي قام بها المحللون لتعريف الطبيعية بوصفها حالة مثالية من الصحة النفسية، ويشير عرضه إلى أن التداخل بين التعريفات المختلفة عند Jones وKlein وHartmann وKubie وMoney-Kyrle وغيرهم ضئيل جدًا، وأن المعايير التي يستندون إليها تكاد تكون مستحيلة التحقق. وأحسب أن مقارنة دقيقة بين النظريات المختلفة للتطور البشري التي قدمها أكثر قليلًا من قرن من التأمل التحليلي النفسي ستُظهر قدرًا ضئيلًا جدًا من التداخل بينها، بما يحملنا على الاعتقاد بأن تصورًا مقبولًا على نحو كوني للطبيعة البشرية ليس في الأفق حتى على نحو غامض.
نظرية كونية للطبيعة البشرية؟
يحاول المحلِّل [خطأً] أن يُطبِّع سلوك الذات وفقًا لمعيار ينسجم مع أنا المحلل نفسه. وهذا يستتبع دائمًا نمذجة أنا بوساطة أنا أخرى، أنا [يُفترَض أنها] أرقى.
—لاكان
ومع أنني لا أستطيع أن أقدم هنا مقارنة تفصيلية بين النظريات التحليلية النفسية المختلفة، فإني أود أن أقترح أن بعض أكثر المفاهيم أساسية فيها عسير جدًا، على الأرجح، أن ينسجم بعضها مع بعض. تأملوا مدى صعوبة التوفيق بين ما يلي:
• عند فرويد، لا يكون الأنا موجودًا عند الولادة، بل يتطور مع الزمن عبر سلسلة من التماهيات مع الوالدين من الجنسين، بوصفه «راسبًا من الاستثمارات الموضوعية المهجورة».
• وعند Klein يكون ثمة أنا بدائي موجود أصلًا عند الولادة، ويعاني منذ البداية من «قلق اضطهادي»، يقود الرضيع إلى أن يشطر الموضوع الواحد نفسه، الثدي مثلًا، إلى موضوعين مختلفين يُحبان بالتناوب ويُهاجمان هجومًا ساديًا، ويُستدخَلان ويُسقَطان. وفي رأي Klein، إذا جرت الأمور على ما يرام، فإن الطفل سيعاني بين الشهر الثالث والسادس من العمر «قلقًا اكتئابيًا»، وبحلول الشهر السادس سيكون أنا الطفل متماسكًا نسبيًا.
• ووفقًا للاكان، يبدأ الأنا أول ما يبدأ بالتشكل خلال مرحلة المرآة بين الشهر السادس والثامن عشر من العمر.
• أما المحللون الذين ينطلقون من موقع إثولوجي إلى حد ما، فلا يبدو أن ثمة سببًا يُذكر لافتراض انشطار الموضوع؛ فقد يكون الرضيع راضيًا عن الأم في لحظة وغاضبًا منها في اللحظة التالية من غير أن نحتاج إلى افتراض أنه يكون تمثلين منفصلين تمامًا للأم.
• ومفهوما Mahler عن «الانفصال» و«التفرد» والأعمار التي يقعان فيها لا يكادان يشبهان شيئًا من مفهومي لاكان عن اللحظات المنطقية للاغتراب والانفصال. وهذه الأخيرة، شأنها شأن مفهوم فرويد عن الكبت الأصلي، ليستا متعارضتين جذريًا في الروح فحسب، بل هما أيضًا غير متوافقتين مفهوميًا مع اعتقاد Winnicott بإمكان النكوص إلى مراحل تطورية أسبق، بل وبضرورة هذا النكوص في علاج الذهان.
وأرجو أن أكون قد جعلت معقولة، على الأقل، دعواي هنا بأن نموذجًا مقبولًا على نطاق واسع ومترسخًا للطور الطبيعي عند الإنسان لا يمكن استخراجه من قرن من التنظير التحليلي النفسي، لأن الفروق بين مدارس التحليل المختلفة أكبر من أن تسمح بذلك. ومع ذلك لم يتخل المحللون عن أملهم في العثور على نظرية في التطور تكون صالحة في كل الأزمنة والأمكنة، وقد اتجهوا إلى «العلوم الصلبة» طلبًا للإلهام والدعم، فاستعانوا بعلم الأعصاب لفهم «الدوائر العصبية» المنخرطة، مثلًا، في التعلق بين الأم والطفل. والأمل، فيما يبدو، أن يستطيع علم الأعصاب أن يقدم تعريفًا موضوعيًا لا يدحض لـ«الأداء العصبي الأمثل» في مختلف أعمار الحياة، مما يتيح لنا عندئذ أن نفترض ما الذي كان ينبغي للطفل وأمه أن يفعلاه عند مرحلة معينة من حياة الطفل من أجل بلوغ ذلك الأداء. لكن حقيقة أن في وسعنا مع ذلك أن نسأل: «أداء عصبي أمثل لأجل ماذا؟» تدل على أن المشكلة قد أُرجئت هنا درجة واحدة إلى الوراء فحسب، وأن مدارس التحليل المختلفة ستظل تملك تصورات مختلفة عما ترى أن الأداء العصبي ينبغي أن يُحسَّن لأجله.
طبيعي بالنسبة إلى من؟
ما يسمى عرضًا عصابيًا ليس إلا شيئًا يتيح [للعصابي] أن يعيش.
—لاكان
إن مجرد العدد الهائل من النظريات التطورية المختلفة التي عرضها محللون نفسيون مختلفون يكفي، فيما نظن، لإثارة الشك في اعتقادنا أننا نستطيع أن نجد تفسيرًا مرضيًا واحدًا لشيء شديد التعقيد على نحو ظاهر مثل التطور البشري، ومسارًا واحدًا نحو تطور «طبيعي». وعلى أقل تقدير، لا بد من التسليم بأن ما هو طبيعي عند الوسواسيين ليس طبيعيًا البتة عند الهستيريين. فالناس الذين يقعون ضمن فئات تشخيصية مختلفة يعملون بطرائق مختلفة في الأساس: إن منطق تطور البشر وعيشهم لحياتهم يختلف اختلافًا شديدًا من بنية تشخيصية إلى أخرى.
تأملوا الملاحظة الشائعة جدًا التي يطلقها الرجال في الغرب حين يقولون إنهم لا يفهمون النساء: فالنساء يمِلن إلى ألا يختزلن الشركاء الجنسيين إلى أجزاء من الجسد كما يفعل الرجال؛ وكثيرًا ما تشعر النساء بحاجة إلى أن يعبر شركاؤهن لهن بانتظام عن رغبتهم فيهن، في حين يشعر الرجال كثيرًا ما بالتهديد أو بالإغراق من تعبير شريكاتهم عن رغبتهن فيهم؛ وهكذا. ويميل الرجال إلى الشعور بأن للنساء رغبات غير مشروعة، وقد استطاعوا أن يقنعوا كثيرًا من النساء بأن رغباتهن غير مشروعة؛ بل لعل أكثر دعاوى الرجال شيوعًا هي أن النساء غير منطقيات. غير أن الرجال أحرى بهم أن يدركوا أن منطق رغبة النساء يختلف تمامًا عن منطق رغبتهم هم. فلكل منهما منطق، لكن المنطقين مختلفان في الصميم.
وكثيرًا ما يصرح الرجال بأنهم يودون لو استطاعوا أن يجعلوا النساء يفكرن كما يفكرون هم، أي أن يزيلوا اختلاف النساء عن الرجال لكي يصبحن مثل الرجال. والمحللون، الذين كان معظمهم عصابيين، تمنوا كثيرًا لو استطاعوا أن يجعلوا الذهانيين عصابيين، وأن يعيدوا تشكيل الذهانيين على صورتهم هم، وأن يجعلوهم مثلهم. وينطوي كلا المشروعين على محاولة محو مغايرة الآخرين، ورد كل اختلاف يظهره الآخر عن الذات إلى الصفر. وهما يقفان على الضد تمامًا من تحذير فرويد من «أن نفرض مُثُلنا الخاصة على [مريض يضع نفسه بين أيدينا طلبًا للعون]، وأن نشكله، بكبرياء خالق، على صورتنا نحن، ونرى أن ذلك حسن». ولا شك أن فرويد وجد نفسه يستسلم أحيانًا لهذه الإغراءات التطبيعية، وهذا هو بالضبط سبب إصداره لنا هذا التحذير.
والمقصود، في نظري، ليس أن نقترح تلطيف نهجنا إزاء الطبيعية بإضافة فئات جديدة عدة، مثل «الطبيعي عند النساء» و«الطبيعي عند الرجال» وما إلى ذلك، بل أن نقترح بالأحرى أن نتخلص من فكرة الطبيعية في مجملها، لأنها ليست عديمة النفع فحسب، بل قد تكون مضرة حتى لعملنا العيادي. فهي تعمينا، في الواقع، عن أن عصاب كل شخص يجعله يعمل بطرائق تبدو «غير طبيعية» لأي شخص آخر، لكنها «طبيعية» تمامًا للشخص المعني. فأحد محلَّليَّ، مثلًا، يبذل قصارى جهده ألا يلمس مقبض باب قط، وألا يصافح أحدًا، وألا يدع أحدًا يلمس كتبه. ومع أن هذا قد يبدو لكثيرين غريبًا أو لا عقلانيًا أو حتى جنونيًا، فإنه «طبيعي» و«عقلاني» تمامًا بالنسبة إليه، لأن هذه الأشياء كلها ترتبط لديه بالشعور بالتلوث. ولم يدخل التحليل لأنه كان يرى هذه الأمور «غير طبيعية»، بل لأنه، على الأقل جزئيًا، وجد أن أشياء أكثر فأكثر بدأت ترتبط مع مرور السنين بالشعور بالتلوث، وأن قدرته على التحرك في العالم كانت تضيق على نحو يبعث على الكرب.
فماذا يعني أن يصبح محلَّل كهذا «طبيعيًا»؟ أأن يعود فلا يقلق أبدًا من التلوث؟ أم أن يقلق من التلوث فقط في الأوضاع التي يقلق فيها معظم الناس الآخرين؟ أم فقط في الأوضاع التي يوجد فيها خطر «حقيقي»؟ وإذا كان الأخير، فخطر «حقيقي» بحسب تعريف من، العالم الذي يقول إن مرضًا معينًا يمكن أن ينتقل عبر قرحة مفتوحة في يد شخص ما، أم العالم الذي يقول إنه لا يمكن أن ينتقل بهذه الطريقة؟ فكثيرًا ما تظل طرق الانتقال غير مفهومة مدة طويلة، وتخالف توقعات كثير من العلماء. وإن الاحتكام هنا إلى «الفطرة السليمة البسيطة» سيكون بمثابة الاحتكام إلى ما يراه «معظم الناس الآخرين»، أي «معظم المحللين»، لا إلى معيار يمكن تمييزه لمعرفة ما هو «معقول» وما ليس معقولًا عندما يتعلق الأمر بالخوف من التلوث.
والأفضل بكثير للمحللة، في رأيي، أن تُلصق عينيها وأذنيها بأثر المكبوت بدلًا من أن تثبتهما على مثل هذا المثال المتفلت المسمى الطبيعية. وقد يتيح لها ذلك، في الحالة الراهنة، أن تحاول تحديد أول ظهور لهذه المخاوف، التي اتضح، حين سألت المحلَّل، أنها تتصل باحتكاكه في شبابه بشخص كان يعمل مع البرصى؛ وكان هذا قد أحيا في ذهنه التحذيرات التي تلقاها في طفولته ممن حوله بألا يخالط البرصى الذين كانوا يعيشون غير بعيد من بيت طفولته. كما أحيا غضبه من أمه لأنها عرضت صحته للخطر بدعوتها برصيًا محتملًا إلى البيت، وأحيا كربه عندما مات أبوه بمرض شديد العدوى وهو لا يزال صبيًا صغيرًا. ولأنه شعر بالذنب نحو أبيه بعد أن صار له، بعد موت الأب، وصول شبه غير محدود إلى أمه، فقد شعر بأنه هو نفسه يستحق أن يصاب بالعدوى وأن يموت كما مات أبوه، بل إن أمه كانت تقول له ذلك أحيانًا. وكان أخوه الأصغر قد مات أيضًا بمرض شديد العدوى، وكان يشعر بالذنب نحو هذا الأخ كذلك؛ فكثيرًا ما كان أفراد الأسرة يعلقون بأن الأخ الأصغر أقوى وأذكى من الأخ الأكبر، وكان الأخ الأكبر يتمنى أحيانًا أن يختفي الأخ الأصغر. وبدا أيضًا أن خوفه من أن يتلوث يخفي رغبة في أن يلوث الآخرين الذين كان يعدهم عائقًا في طريقه، مثل أبيه وأخيه.
وحين توضحت هذه العوامل وغيرها من العوامل ذات الصلة، انحسرت مخاوفه إلى درجة أنه نادرًا ما عاد يشكو منها. فهل ثمة ما يُكتسب من وسم مخاوفه السابقة بأنها «غير طبيعية» أو «غير صحية»، ووسم غياب الخوف لاحقًا بأنه «طبيعي» أو «صحي»؟ وهل ثمة جدوى من وصف مخاوفه السابقة بأنها «لا عقلانية» وغياب الخوف لاحقًا بأنه «عقلاني»؟ إن استعمال ألفاظ مثل العقلانية والطبيعية هو أحد أكبر التمويهات، بل أحد أكبر التعقلنات، في الخطاب العلاجي النفسي الراهن. وكما قالت Macalpine على نحو جميل: «من المؤسف على نحو خاص أن أُدخلت المقابلة بين “العقلاني” و“اللاعقلاني”، لأن التحليل النفسي هو الذي برهن بالضبط على أن السلوك “العقلاني” يمكن ردُّه إلى جذور “لاعقلانية”.»
ويبدو لي أنه ليس من قبيل المصادفة أن تصبح المعايير والتطبيع بهذه الأهمية في علم النفس والتحليل النفسي في اللحظة التاريخية نفسها التي أصبحنا فيها شديدي الانتباه إلى الفروق في المنظور الناشئة من اختلاف الخلفيات الجنسية والعرقية والدينية والثقافية والاقتصادية والتعليمية عند الناس، وشديدي الانتباه إلى الطريقة التي تتأثر بها خبرة الناس بالعالم وبأنفسهم بأصولهم ولغتهم ووسطهم الاجتماعي، وهو ما يحدد بدوره تصوراتهم للواقع. فبعد أن رفض الإكلينيكيون جوانب كثيرة من نظرية فرويد كان يمكن أن توجههم في عملهم في مواجهة الهجمات على نظريات المعرفة التقليدية، بدا أنهم يتشبثون أكثر فأكثر بمفاهيم مثل الطبيعية من أجل مقاومة النسبية التي تبدو كأنها تنبثق من التطورات الحديثة في الحقول المكرسة لدراسة الثقافة والعرق والمعرفة، وما إلى ذلك. وفي رأيي، لن يساعد الالتزام الصارم بالمعايير، وبنظرة غائية إلى الكيفية التي ينبغي أن يتطور بها جميع البشر لكي يبلغوا حالة نهائية طبيعية محددة، في توجيه عمل الممارس، بل سيزيد فقط من ترسيخ طغيان المعايير. ودليل أكثر فائدة بكثير للإكلينيكي الحائر هو أن يركز على أصول الكبت وطرائق عمله ونتائجه في كل حالة فردية.
«الوجدان غير المناسب»
[إن] وجدانات [العصابيين] تكون دائمًا ملائمة، على الأقل من حيث نوعها، مع أننا ينبغي أن نجيز إمكان زيادة شدتها بسبب الإزاحة.... ويمكن للتحليل النفسي أن يردها إلى مسارها الصحيح بأن يعترف بأن الوجدان... مبرر، وبأن يبحث عن الفكرة التي تخصه لكنها كُبتت وحلَّ محلها بديل.
—فرويد
ويمكن رؤية النهوج التطبيعية يومًا بعد يوم في العيادات في أنحاء الولايات المتحدة من خلال استخدام عدد من الألفاظ التي تزداد شعبية؛ وسأبدأ بلفظتي المناسب وغير المناسب. فما الذي يمكن، أصلًا، أن يجعل الحالة الوجدانية لشخص ما «مناسبة» أو «غير مناسبة»؟ وما الشيء الذي يُنظر إلى وجدان الشخص على أنه مناسب له أو له؟
والمقصود بـ«المناسب» ليس، على الأرجح، شيئًا أفلاطونيًا، أي صفة أو خاصية كونية ثابتة للعاطفة؛ فأغلب الممارسين الذين يستخدمون هذا اللفظ لا أظنهم سيدعون أنهم يقولون إن إظهار وجدان معين غير مناسب في كل ظرف، وفي كل مكان على الأرض، وفي كل ثقافة، وفي كل عصر تاريخي. ومع ذلك، يبدو أنهم يزعمون أنه، في زمانهم التاريخي المحدد ومكانهم المحدد على الأرض، تكون بعض الوجدانات غير مناسبة دائمًا في ظروف معينة، في العيادات أو المستشفيات أو في المكتب الخاص للمعالج. فإذا أصبح أحد المحلَّلين عدوانيًا بالكلام أثناء جلسة، سارع كثير من الممارسين إلى نعته بالسلوك غير المناسب. لكن أليس هذا في الغالب مجرد استجابة نقل عادية، تعكس الطريقة التي كان المحلَّل يميل بها إلى التعامل مع أحد الوالدين، أو رد فعل سلبي من المحلَّل على نهج معين في العلاج يعتمده الممارس؟ وكيف يمكن أن يُعد أي شيء يحدث في إطار العلاج غير مناسب؟ فإذا تعمد المحلَّل إسقاط مصباح المحلل، أليس في ذلك دلالة؟ أليس، في الواقع، دالًا على ما لم يسمح المعالج للمحلَّل بالتعبير عنه بطريقة أخرى أو لم يستطع أن يوصله إلى التعبير عنه بطريقة أخرى؟
ويمكن فهم سلوك المحلَّل هنا بوصفه acting out، بالمعنى التحليلي النفسي الذي لا يُفهم فيه على أنه «خطأ المحلَّل». وكما أشرت في الفصل 7، فإن acting out يتعلق بأشياء يجد المريض صعوبة أو استحالة في قولها، أو بما لا يتيح المحلل للمحلَّل أن يقوله أو أن يواجهه عبر الكلام. أو يمكن فهم سلوك المحلَّل هنا بوصفه مقاومة، وهي في النهاية مقاومة المحلل نفسه لفعل شيء أو قوله من أجل إبقاء المحلَّل متكلمًا، ومتحدثًا عما يعتد به. وسيغلب عليَّ أن أقول إنه لا توجد «وجدانات غير مناسبة» في العلاج، بل توجد فقط طرائق غير مناسبة في ممارسة العلاج.
وهذا لا ينفي وجود أشخاص، بصرف النظر عن التقنية المعتمدة، ليسوا مستعدين ولا راغبين في الانخراط في عمل علاجي حقيقي. لكن بالنسبة إلى من هم مستعدون، راغبون، بل ويحاولون فعلًا، فلا شيء اسمه وجدان غير مناسب، فالوجدانات ببساطة موجودة كما هي. ومع أن السلوك الإغرائي عند مريضة ما قد يبدو في غير موضعه في «سياق مهني» مثل غرفة الاستشارة، فإنه يعكس بوضوح شيئًا يحدث عند المريضة، سواء أكان أنها تفهم جميع العلاقات على أنها ذات إمكان جنسي، أم أنها تتعامل مع جميع الرجال ذوي السلطة بطريقة إغرائية، أم أنها تُساق أحيانًا إلى التركيز على مشاعرها تجاه المحلل بوصفه شخصًا من أجل صرف انتباهها عن العمل الصعب المتعلق بالتذكر والاستفاضة. وقد يكون من العسير في البداية التعامل مع مثل هذا السلوك في الإطار التحليلي، لكنه يؤدي كثيرًا ما إلى عمل علاجي شديد الخصوبة؛ بل ماذا يمكن أن يكون أليق بالمريضة أن تعبر عنه في الإطار التحليلي من ذلك؟
تأملوا الطريقة التي صاغ بها فرويد ما سيوصف بلا شك عند كثير من المعالجين المعاصرين بأنه «وجدان غير مناسب»: تأنيبات رجل الجرذ الشديدة لنفسه لأنه سمح لنفسه بساعة من النوم بينما كان أبوه يحتضر، وخلال تلك الساعة مات الأب فعلًا. كتب فرويد:
عندما تكون هناك mésalliance [سوء اقتران]... بين وجدان ومحتواه التصوري، يقول الرجل العادي إن الوجدان أكبر من المناسبة، أي إنه مبالغ فيه، وإن الاستنتاج المترتب على تأنيب الذات زائف تبعًا لذلك. وعلى العكس من ذلك يقول [المحلل]: «لا. الوجدان مبرر. والشعور بالذنب ليس في ذاته مما يحتاج إلى مزيد من النقد. لكنه ينتمي إلى محتوى آخر، مجهول، ينبغي البحث عنه. أما المحتوى التصوري المعروف فلم يصل إلى موضعه الفعلي إلا بسبب ارتباط زائف. ولسنا معتادين على الإحساس بوجدانات قوية من غير أن يكون لها محتوى تصوري، ولذلك، إذا غاب المحتوى، تمسكنا بدلًا منه بمحتوى آخر يلائمه بطريقة أو بأخرى، تمامًا كما أن شرطتنا، حين تعجز عن القبض على القاتل الحقيقي، تقبض على قاتل آخر خطأ.»
وفي رأي فرويد، لم يكن وجدان رجل الجرذ «غير مناسب»، بل كان مزاحًا: فالوجدان كان متصلًا بالرغبة الراسخة عند رجل الجرذ في أن يموت أبوه، لا بحقيقة أنه فاتته لحظات أبيه الأخيرة. وكانت هذه الأخيرة «ارتباطًا زائفًا». بل إن المحللة، متى راودتها الرغبة في أن تصف وجدان شخص ما بأنه «غير مناسب»، ينبغي لها أن تفكر في الإزاحة أو الإسقاط بدلًا من ذلك.
ويبدو أن استخدام الممارسين لألفاظ مثل المناسب وغير المناسب لوصف السلوك والوجدان، وهو قريب جدًا من استخدامهم ألفاظًا مثل سوء أو قصور تنظيم الوجدان التي يصعب تجاهل إيحاءاتها الكالحة، يدل على واحد من أمرين:
• إما أن هؤلاء الممارسين يتبنون بالكامل نموذجًا تطوريًا يعتقدون أنه يجيز لهم أن يجزموا بأن جميع الناس الناضجين ينبغي أن يُظهروا وجدانًا محددًا في وضع معين،
• وإما أنهم جندوا أنفسهم ببساطة في خدمة الأخلاق والمعايير السائدة، وكرسوا أنفسهم لتشكيل سلوك المرضى بحيث يتكيف مع ظروف العمل المعاصرة والأعراف الغالبة؛ لأن المرضى الذين يبدون «وجدانًا مناسبًا» في العلاج يُظن أنهم سيبدون «سلوكًا مناسبًا» في البيت، وفي مكان العمل، وفي المجتمع على نطاق أوسع.
وبقدر ما تكون الحال هي الثانية، يكشف علم النفس، من خلال استخدامه المتزايد لمثل هذه الألفاظ، أنه منخرط تمامًا في مهمة جعل الأفراد يمتثلون للمعايير الاجتماعية والثقافية والجنسية والسياسية والاقتصادية الشائعة، بحيث يغدو أسلوبًا متنكرًا لممارسة السلطة. وكما قال لاكان بطريقته المعهودة التي لا تعرف المجاملة: «لقد اكتشف علم النفس وسيلة ليبقي نفسه حيًا بأن يقدم خدمات للتكنوقراطية». وكحال عدد من «العلوم الإنسانية» الأخرى، انخرط علم النفس في خدمة الخيرات، وأصبح «فرعًا من فروع خدمة الخيرات»، يعمل في خدمة مجتمع تكون فيه السلعة ملكًا.
وبهذا المعنى، تبنت الممارسة العلاجية النفسية، في كثير من وجوهها، لا كلها بطبيعة الحال، إذ توجد استثناءات بارزة، القيم الأخلاقية والثقافية للمجتمع الأمريكي السائد برمتها. وكان لاكان ينتقد كون المحللين الذين قدموا إلى أمريكا قبل الحرب العالمية الثانية أو خلالها قد كيفوا الممارسة التحليلية النفسية على نحو يجعلها تنسجم مع المثل السائدة آنذاك في الثقافة الأمريكية. بل إن لاكان انتقد حتى Anna Freud، التي لم تهاجر إلى أمريكا، لأنها أشارت إلى معايير من قبيل «تحقيق دخل أعلى» لتدل على أن تحليلًا أجرته كان ناجحًا. وقد بدأ المحللون أنفسهم يعدون المرضى بالنجاح الاجتماعي والاقتصادي، وكيَّفوا ممارستهم على نحو يحاول أن يعزز مثل هذه الأهداف في التحليل.
وبعبارة أخرى، يبدو أن الممارسين تبنوا هدف مساعدة المريض على أن يؤدي أداءً أفضل في مجتمع الخيرات، في صيغتنا الراهنة من الرأسمالية المعولمة. ويشعرون بأنه ينبغي مساعدة المريض على تجاوز العوائق التي تقف في سبيل تحسن تركيزه في ساحة العمل، وفي سبيل انسجامه مع رؤسائه ومرؤوسيه وزملائه، ومن ثم في سبيل نيله قطعة أكبر من الكعكة لنفسه. وفي مثل هذا السياق وحده يمكن أن يغدو معقولًا أن يشار إلى «المريض» بوصفه «عميلًا»، إذ إن الممارِسة هنا تكون قد جعلت أهداف مريضها أهدافها هي، بحيث لا تعود ثمة فجوة بين ما يرمي إليه وما ترمي هي إلى تحقيقه له.
ومع أن فرويد قال إن العلاج التحليلي النفسي يسعى إلى أن يتيح للمحلَّل «القدرة على العمل والتمتع»، فإني لا أظن أنه يمكن الادعاء بأن إشارته إلى العمل كانت تعني مساعدة المريض على التقدم ماليًا. فنية فرويد تبدو مكرسة إلى حد بعيد لكشف الرغبة، أي لإظهار الأماني التي كان المريض يخفيها عن النظر وعن الذهن. و«العمل» الذي يبدو أنه قصده كان في الغالب عمل التسامي، وهو عمل إبداعي، وغالبًا فني، ونادرًا ما يكون مجزيًا ماديًا في الثقافة الغربية.
وكثيرًا ما يكون القول إن المريض يُظهر «وجدانًا مناسبًا» بمثابة القول، في عالم العلاج المعاصر، إن المريض يظهر النوع نفسه من الوجدان الذي كانت المحللة نفسها ستظهره لو كانت في وضع مماثل، وكأنها مقياس الأشياء كلها، أو على الأقل القدر والنوع من الوجدان الذي تظن أنه سيساعد المريض على أن ينجح في العالم كما فهمته هي. والقول إن المريض يظهر «وجدانًا غير مناسب» هو، في نهاية المطاف، بمثابة القول إن المريض يظهر نوعًا من الوجدان و/أو مقدارًا منه لا تستطيع المحللة حتى أن تتخيل أنها ستظهره لو كانت في وضع مماثل، أو أنها تراه معيقًا لبلوغ الأهداف السائدة التي تؤيدها.
«عالي الأداء» و«منخفض الأداء»
قال فرويد أحيانًا إن اللاوعي لا عقلاني، لكن هذا يعني ببساطة أن عقلانيته لا تزال بحاجة إلى أن تُبنى؛ فإذا كان مبدأ عدم التناقض... لا يؤدي في اللاوعي الدور الذي نظن أنه يؤديه في المنطق الكلاسيكي، فعلينا أن نبني منطقًا آخر، لأن المنطق الكلاسيكي قد عفا عليه الزمن منذ زمن طويل.
—لاكان
وليست لفظتا المناسب وغير المناسب وحدهما في رطانة العلاج النفسي المعاصرة مما يدل على نزعات تطبيعية. فالتقسيم الشائع على نحو متزايد للمرضى إلى فئتي «عالي الأداء» و«منخفض الأداء» ينطوي بوضوح على تقدير من جانب الممارس لقدرة المريض على أن يعمل داخل المجتمع المحيط به كما هو منظم سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا الآن، وأن يعمل بالطريقة التي يراها الممارس ملائمة أو «مناسبة». وينطوي هذا التقسيم أيضًا على افتراض ضمني مؤداه أن المريض ينبغي أن يكون قادرًا على العمل جيدًا في المجتمع، سواء أكان هذا المجتمع يؤيد الرأسمالية القائمة على laissez-faire أم كان ديكتاتورية، وسواء أكان دولة رفاه أم دولة بوليسية. فما الذي قد يعنيه أن يعمل المرء بمستوى عالٍ في مجتمع يضطهد جزءًا من السكان اضطهادًا منهجيًا؟ أن يكون محظوظًا بما يكفي ليكون من المضطهِدين لا من المضطهَدين، وأن يطيع أوامر الاضطهاد حين تصدر؟ وما الذي قد يعنيه أن يعمل المرء بمستوى عالٍ في مجتمع يكون الفائزون فيه هم الأقدر على المنافسة الافتراسية؟ أن يطعن الآخرين في الظهر وأن يهزم الجميع في لعبتهم هم؟ ومع أن هذا قد يبدو لبعض القراء أمثلة متطرفة، فإن كلا المثالين يمكن القول إنه يصف المجتمع الأمريكي في بعض وجوهه، وأظن أن معظم الإكلينيكيين، بصرف النظر عن ميولهم السياسية، سيوافقون على أن المجتمع يفيض بمظالم كبرى وصغرى. وربما كان من المعقول تمامًا أن يؤدي المرء أداءً سيئًا داخل مجتمع ظالم، أو مجتمع تميل مظالمه إلى استهداف أناس يشبهونه! فكل منظور أخلاقي وسياسي للعلاقة بين الفرد والمجتمع يكاد يخرج من الصورة عندما يستخدم الإكلينيكيون ألفاظًا مثل عالي الأداء ومنخفض الأداء.
ومع ذلك، أصبح هذا التقسيم شائعًا إلى حد أن المرء يستطيع، كما ذكرت في المقدمة، أن يجادل بأنه التمييز التشخيصي الأول الذي يعتمده كثير من الإكلينيكيين في الولايات المتحدة اليوم، متقدمًا على جميع أشكال التشخيص الأخرى تقريبًا، سواء كانت قائمة على DSM أم على التحليل النفسي. وهذا يبدو لي حالًا مؤسفة جدًا.
«اختبار الواقع»
الفانتازم يمنح الواقع إطاره.
—لاكان
في الممارسة التحليلية، فإن موضعة الذات إزاء الواقع، على النحو الذي يفترض الناس أنه يقومنا، لا إزاء الدال، لا تعني إلا الوقوع في الفخ المهين المتمثل في التكوين النفسي للذات.
—لاكان
ومن الألفاظ الشديدة التطبيع أيضًا في ترسانة الإكلينيكي المعاصر لفظ اختبار الواقع. ففي حين اتجهت جميع العلوم الاجتماعية تقريبًا نحو تصور للواقع بوصفه مشيَّدًا اجتماعيًا، أي واقعًا تُشكِّله لغة مجتمع بعينه أو جماعة بعينها ورؤيتها للعالم، كثيرًا ما واصل علم النفس والتحليل النفسي الدفاع عن واقع موضوعي، غير مصنوع من أنظمة اعتقادنا الواقعة في التاريخ، وقابل للمعرفة الكاملة. ويبدو أن كثيرًا من الممارسين يظنون أنهم يرون الواقع بوضوح أكبر من غالبية مرضاهم، لا أنهم يرونه على نحو مختلف فحسب لأن خلفياتهم تختلف عن خلفيات مرضاهم، ولا أنهم يرون العالم ببساطة على نحو مختلف بسبب تكوينهم النفسي الخاص. إنهم يعدون أنفسهم علماء من نوع ما، استطاعوا بطريقة ما أن ينتزعوا أنفسهم من ظروفهم التاريخية الخاصة، ومن النماذج الفكرية المميزة لزمانهم ومكانهم، تلك النماذج التي تتيح لهم الرؤية وتعمل في الوقت نفسه كغشاوات، ومن مفردات عصرهم نفسها، بحيث صار لهم وصول مباشر غير متوسَّط إلى الواقع، وكأن شيئًا كهذا يمكن أن يوجد أصلًا!
إن وصولنا إلى الواقع متوسَّط باللغة، وكما أننا لا نستطيع أن نخرج من النقل، كما أشرت في الفصل 7، فإننا لا نستطيع أن نخرج من اللغة لكي نختبر الواقع مباشرة على نحو ما. وحتى مفرداتنا ورموزنا المتخصصة مصنوعة من مادة اللغة، ولا يمكن شرحها إلا بمزيد من اللغة. فلا مهرب من وساطة اللغة.
وقد يصر بعض الإكلينيكيين على أن استعمالهم لمصطلح اختبار الواقع أضيق بكثير من هذا، وأنه لا يشير إلا إلى سوء قراءات المريض المبلغ عنها لمشاعر من حوله ونواياهم، كما حين يكرر مريض أنه يعتقد أن زوجته غاضبة منه بينما هي ليست كذلك. لكن كيف يقرر الإكلينيكي، في حالة من هذا القبيل، أن الزوجة ليست غاضبة منه حقًا؟ هل يمكنه أن يعتمد فقط على إنكار الزوجة للغضب كما ينقله المريض؟ ألا يمكن أن تكون غير واعية بغضبها؟ أو ألا تريد الاعتراف بأنها غاضبة؟
فلنفترض أن محلَّلًا راح يتكلم مطولًا عن كراهية مديرته له وخوفه من أن تطرده من العمل. فهل يجوز أن نفترض أنه يعاني «سوء اختبار للواقع» إذا أُبقي عليه في العمل، بل رُقي؟ سيكون هذا افتراضًا محفوفًا بالمخاطر، على أقل تقدير. فربما كان على وشك أن يُطرد، وربما لا؛ وربما كانت ترقيته طريقة من مديرته لإبعاده عن رأسها؛ أو ربما أُبقي عليه أو رُقي بسبب صراع قوة بين مديرته وآخرين أعلى منها في السلم الإداري. إن المحللة ببساطة لا تستطيع أن تعرف هذه الأمور! ولا تستطيع أن تعرف الواقع الذي يواجهه، حتى لو افترضنا أن هذا الواقع شيء واحد لا سلسلة من البنى المختلفة للوضع عند الأطراف المتنوعة المعنية به.
وفي زمن أدرك فيه عدد كبير من العاملين حتى في «العلوم الصلبة» أنهم لا يلامسون المادة مباشرة، بل يلامسونها على نحو متوسَّط فقط، عبر الاصطلاحات والنظريات العلمية المهيمنة التي تُخبر أبحاثهم وتحد طرائق تفكيرهم، يغدو من الغريب أن يحتكم المعالجون النفسيون إلى مفاهيم تبدو «متحررة من النماذج» مثل «اختبار الواقع» و«الاتصال الجيد أو السيئ بالواقع».
ومن المفارقة أن كثيرًا من المعالجين يظنون أن فرويد هو الذي وفر الأسس النظرية لفكرة اختبار الواقع التي يستخدمونها. لكنهم لو أخذوا وقتهم في قراءة محاولات فرويد الأولى لشرح ما سماه لاحقًا «اختبار الواقع»، أي كيف تميز النفس بين الصور المتكونة في الذهن على أساس الرغبات والصور المتكونة على أساس إدراكات العالم الخارجي، لأدركوا هشاشة تلك الأسس، ومدى قابلية نقاش فرويد كله في هذه المسألة للتساؤل. تأملوا المقطع الآتي:
[لا بد من] علامة تميز بين الإدراك والذكرى.
ومن المحتمل أن تكون عصبونات ω [أي العصبونات المنخرطة في الإدراك] هي التي توفر هذه العلامة: علامة الواقع. ففي كل إدراك خارجي تحدث استثارة نوعية في ω، إلا أن هذه الاستثارة لا تكون، في البداية، ذات دلالة بالنسبة إلى ψ [جهاز الذاكرة]. ويجب أن يضاف أن استثارة ω تؤدي إلى تفريغ في ω، وأن خبر هذا التفريغ، شأنه شأن كل تفريغ، يصل إلى ψ. ومن ثم فإن خبر التفريغ من ω هو علامة النوعية أو الواقع بالنسبة إلى ψ.
وإذا كان الموضوع المرغوب مستثمَرًا استثمارًا وافرًا، بحيث يُفعَّل على نحو هلوسي، فإن العلامة نفسها على التفريغ، أو على الواقع، تترتب أيضًا كما في حالة الإدراك الخارجي. وفي هذه الحالة يفشل المعيار. لكن إذا وقع الاستثمار الرغبي تحت تثبيط، كما يصبح ممكنًا حين يكون الأنا مستثمَرًا، أمكن تصور حالة كمية لا ينتج فيها الاستثمار الرغبي، لكونه غير شديد بما يكفي، أي علامة نوعية، في حين ينتجها الإدراك الخارجي. وعندئذ يحتفظ المعيار بقيمته. فالفارق هو أن علامة النوعية تترتب، إذا جاءت من الخارج، مهما كانت شدة الاستثمار، في حين أنها، إذا جاءت من ψ، لا تفعل ذلك إلا حين تكون الشدات كبيرة. وعلى هذا فإن تثبيط الأنا هو ما يجعل ممكنًا وجود معيار للتمييز بين الإدراك والذكرى.
وفي هذا المقطع العسير من أحد أعماله الأولى، افترض فرويد أن إشارات الواقع أو علاماته تُنتَج من الجهاز الإدراكي حين يأتي إدراك ما من العالم الخارجي، لكن الأنواع نفسها من هذه الإشارات يمكن أن تُنتَج أيضًا حين تُستعاد ذكرى إدراكية من العالم الداخلي في الحالات التي يكون فيها «الموضوع المرغوب مستثمَرًا استثمارًا وافرًا»، أي حين تكون الرغبة شديدة جدًا.
ومن ثم لا توجد وسيلة لمعرفة ما إذا كان المرء يتعامل سلفًا مع إدراك لشيء خارج نفسه أو مع صورة ذكرى أُحييت على نحو هلوسي. فإذا كان الأنا قويًا، فإن إشارات الواقع أو علاماته الافتراضية هذه لن تنتج إلا عن «إدراكات حقيقية»، كما جادل فرويد، أما إذا كان الأنا ضعيفًا، فقد تنتج هذه الإشارات أو العلامات عن «الإدراكات الحقيقية» وعن «الإدراكات المتذكَّرة/المتخيلة» معًا. وهكذا يبدو الفرد قادرًا على التمييز بين الإدراكات الحقيقية والخيال إذا كان لديه أنا قوي، وعاجزًا عن ذلك إذا كان لديه أنا ضعيف. فالإدراكات الحقيقية لا تقدم علامات واقع مختلفة عن تلك التي تقدمها التخيلات، علاماتٍ يمكن للمرء أن يتعلم قراءتها قراءة صحيحة؛ بل يبدو، بحسب هذا النص المبكر لفرويد، أنه كلما زدنا من تثبيط رغباتنا أحسنَّا التمييز بين الإدراكات الأصيلة والتخيلات.
ومع أن كثيرًا من هذا قد ينسجم مع الطريقة التي يفكر بها كثير من الإكلينيكيين المعاصرين في اختبار الواقع، فأرجو أن يكون واضحًا من هذا النقاش الموجز أنه، عند فرويد، لا ينطوي اختبار الواقع على قدرتنا على معرفة «العالم الخارجي» حقًا وصدقًا على نحو مباشر غير متوسَّط، بل على قدرتنا على التمييز بين ما نختبره بوصفه إدراكًا وما نختبره بوصفه ذكرى، أي على قدرتنا على التمييز بين الإدراك والخيال. وليس له أي علاقة بالمحتوى الفعلي للإدراك. وكما نعلم منذ ما قبل السقراطيين، كثيرًا ما تكون المعلومات التي تنقلها إلينا الحواس مضللة، ويجب تأكيدها أو تصحيحها بإدراكات أخرى. وكان فرويد واعيًا تمامًا بأن ليس لنا وصول مباشر إلى الواقع، لأن وصولنا متوسَّط بحواسنا: فاللاوعي «مجهول لنا بقدر ما [هو] واقع العالم الخارجي، ولا تقدمه معطيات الوعي إلا على نحو غير مكتمل، كما لا يقدم العالم الخارجي إلا على نحو غير مكتمل عبر ما تنقله إلينا أعضاء الحس».
ويُظهر عمل فرويد اللاحق بوضوح وافر أن الذاكرة تُعلم محتوى الإدراك وتحرِّفه باستمرار، ولذلك كثيرًا ما «نرى» ما نتوقع أو نريد أن نراه، وكثيرًا ما «ندرك» الآخرين على أنهم يتصرفون معنا بالطريقة التي نتوقع أو نريد أن يتصرفوا بها معنا. لا وجود لإدراك خالص: فما نظنه إدراكًا في الحاضر يقوم إلى حد بعيد على ما نظن أننا أدركناه في الماضي؛ وحين نواجه موضوعات غير مألوفة أو غير متوقعة فإننا كثيرًا ما لا نلاحظها أصلًا أو ندرك من خصائصها الفعلية القليل جدًا. وبعبارة أخرى، ما نظن أننا نراه حين ندرك شيئًا يكون مؤولًا سلفًا: فهو يُؤوَّل بوصفه دالة على جميع خبراتنا السابقة والطريقة التي انتهينا بها إلى فهمها، ودالة على ما نتوقعه في زمان ومكان معينين. وباستثناء الأيام القليلة الأولى من الحياة ربما، لا يمكن أن يوجد تمييز كلي أو لا شيء بين محتوى الإدراك ومحتوى الذاكرة.
وكما حدث لكثير جدًا من المصطلحات التحليلية النفسية، انجرف معنى اختبار الواقع بعيدًا جدًا عن المعنى الذي قصده فرويد أصلًا.
وفيما يتعلق بمسألة «قوة الأنا»، لاحظوا أنه، إذا كنا سنمنح بعض المصداقية لعمل فرويد اللاحق، فإن الناس ذوي الأنا القوي هم بالضبط الأقدر على الكبت، وهذا يعني أنهم كثيرًا ما يكونون هم الذين يملكون أكبر قدر من المادة المكبوتة الساعية إلى أن تجد تعبيرًا، وهو تعبير كثيرًا ما يجد طريقه في صورة إسقاط، كأن «يدركوا» أن الآخرين غاضبون منهم حين يكونون هم غاضبين من الآخرين. وإذا كان أصحاب الأنا القوي أقدر على التمييز بين ما يعيشونه بوصفه إدراكًا وما يعيشونه بوصفه ذكرى من أصحاب الأنا الضعيف، فهذا لا يعني البتة أنهم أقدر على التمييز بين ما إذا كان محتوى الإدراك يصف أنفسهم أو يصف الآخرين على نحو أدق. بل قد نفترض أنه، في كثير من الحالات، كلما كان الأنا أقوى قلَّت قدرة المرء على معرفة ما هو مكبوت في داخله، وبالتالي قلت قدرته على التمييز بين ما إذا كان ما «يراه» صادرًا منه هو أو من الآخرين. ولعل هذه الملاحظة تلقي ضوءًا جديدًا على افتتان التحليل النفسي بتقوية أناهات المرضى.
وعلى حد علمي، لم يزعم فرويد قط أن المحللة، لأنها خضعت لتحليلها الخاص، ترى «العالم الخارجي» بوضوح أكبر أو تملك «اتصالًا بالواقع» أفضل من المحلَّل. ومن المؤكد أنها ترى العالم وتفكر في الواقع على نحو مختلف عما كانت تفعل قبل تحليلها. لكن كيف يمكن أن نصف التغير الذي حدث لها؟ لقد افترض لاكان، كما ذكرت في الفصل 6، أن لكل عصابي فانتازمًا أساسيًا ينظم علاقاته بالآخرين وبالعالم عمومًا. ومع أن لكل واحد منا تخيلات واعية كثيرة، فإن أغلبها يمكن أن يُرى على أنه يتبع سيناريو متشابهًا نلقي فيه بأنفسنا في دور معين، كأن نكون ضحية لأهواء الآخرين العقابية، أو موضوعًا يرغبه الآخرون أو يستخدمونه، أو مستخدِمين للآخرين، أو أبطالًا ينقذون الضحايا، مثلًا. ويضفي الفانتازم الأساسي الفردي لونًا على الطريقة التي نرى بها العالم ونتفاعل معه، فيقودنا إلى أن نخلق ونعيد خلق السيناريو نفسه، والنوع نفسه من العلاقة مع الآخرين، مرة بعد مرة. وكما قال لاكان: «الفانتازم هو ما يشكل لكل واحد منا نافذته على الواقع». وفي مجرى التحليل يهتز هذا الفانتازم الأساسي، ثم يعاد تشكيله في نهاية المطاف؛ وليس المقصود بهذا أنه يُمحى، بل إن فانتازمًا أساسيًا مختلفًا قليلًا، نجده أقدر على الاحتمال، يتكون بدلًا منه. وما يوحي به هذا هو أننا نظل نرى العالم، أي نرى «الواقع»، من خلال عدسات فانتازمنا الأساسي، حتى إن لم يعد هو الفانتازم الأساسي نفسه الذي بدأنا به.
وتظل علاقتنا بالعالم متوسطة بواقعنا النفسي الخاص، بتخيلاتنا نحن، وفي أفضل الأحوال نكون قد تعلمنا شيئًا عن الكيفية التي تؤثر بها تخيلاتنا الخاصة في الآخرين وفي علاقتنا بهم. وبخضوعها لتحليلها الخاص، ينبغي للمحللة أن تكتسب إحساسًا أفضل بالرغبات والدوافع التي تسكنها وبكيفية تأثيرها في العمل الذي تقوم به مع محلَّليها. ولن تكون «على تماس» مع الواقع أكثر أو أقل مما كانت عليه قبل ذلك، إذا فُهم «الواقع» بمعنى موضوعي؛ لكنها ستكون قد عرفت عن واقعها النفسي الخاص أكثر بكثير مما كانت تعرف عند البداية. وفي أفضل الأحوال، ستدرك بحلول ذلك الوقت أنه لا شأن لها بمحاولة فرض تصوراتها الخاصة للواقع على الآخرين.
«الاضطراب» و«الاختلال الوظيفي» و«الضغط» وغيرها
لقد شيدتُ طوبولوجيا [الواقعي، والرمزي، والتخيلي] أجرؤ بها على أن أقسم تقسيمًا مختلفًا ما كان فرويد يسنده إلى مصطلح «الواقع النفسي».
—لاكان
وكثير من الألفاظ الأخرى في المعجم الراهن للممارس تعكس نزعات تطبيعية مشابهة لما ذكرتُه بالفعل. فمصطلح الاضطراب، الذي غدا شائعًا في كل مكان، يفترض بوضوح وجود «نظام» يُعد قياسيًا أو مثاليًا ينحرف عنه «الاضطراب». وهو يوحي بأنه عندما تكون شخصية الشخص أو نفسيته «منتظمة» على نحو حسن فإن كل شيء سيكون على ما يرام في العالم بالنسبة إلى ذلك الشخص وبالنسبة إلى من حوله: لن يرى أحد أن ثمة مشكلة. أما عندما تكون شخصية الشخص أو نفسيته «مضطربة»، فلن يكون كل شيء على ما يرام في العالم بالنسبة إليه أو بالنسبة إلى من حوله: سيرى الناس أن ثمة مشكلة. ومع أنه مكسو بلباس أكثر علمية، فإن مصطلح الاضطراب ليس إلا نسخة جديدة من مصطلح اللاتطبيعي.
والشيء نفسه يصح بوضوح على مصطلح الاختلال الوظيفي، الذي يفترض أن الشخص أو الوحدة الاجتماعية كالعائلة ينبغي أن تؤدي وظيفة محددة، يفترض بدوره أنه يمكن تعريفها تعريفًا لا لبس فيه، وأن يلقى هذا التعريف إجماعًا كاملًا. وتوحي التواريخ الاجتماعية للأسرة بأن الثقافات المختلفة والعصور التاريخية المختلفة قد أسندت إلى الأسرة وظائف مختلفة اختلافًا بالغًا، أي إنه لا يكاد يوجد اتفاق كوني على الوظائف المثالية للأسرة. ومحاولة إسناد وظيفة أو مجموعة وظائف إلى الفرد تصطدم بكل المزالق نفسها التي تصطدم بها محاولة تعريف الطبيعة البشرية عمومًا. وكذلك تستدعي لفظتا النكوص والمرتد مستوى مثاليًا من الأداء يكون الشخص قد سقط عنه أو تراجع إليه؛ كما توحي لفظتا متكيف وسيئ التكيف بأن السلوك ينبغي أن يمتثل لمستوى مثالي من الأداء، أي أداء منسجم مع العالم من حولنا، لكنه يفشل أحيانًا في ذلك.
ولكل عصر تفسيرات جامعة مفضلة لديه، وينبغي أن نكون حذرين من كل لفظ يجتاح الأمة أو المهنة. وهذا هو الحال مع لفظ الضغط، الذي عُرِّف أصلًا في الفيزيولوجيا بأنه «أي منبه، كالخوف أو الألم، يزعزع أو يعرقل التوازن الفيزيولوجي الطبيعي للكائن الحي». وخلال الثلاثين سنة الماضية تشبث الإكلينيكيون بهذا المصطلح، ومن الواضح أن ما جذبهم إليه هو أساسه الذي يبدو علميًا، وطبقوه على كل جوانب الحياة النفسية تقريبًا. وبات كل شيء تقريبًا اليوم يمكن اعتباره مولدًا للضغط: ما يسمى stressor.
ولنلاحظ أولًا أن الكامن ضمنًا في استخدام الإكلينيكيين لهذا المصطلح هو فكرة أنه لا ينبغي للمرء أن يكون تحت ضغط، وأن حياته ينبغي أن تكون خالية من الضغط. وكما يمكن للمرء أن يتساءل عما إذا كان ينبغي أن يكون «عالي الأداء» في مجتمع ظالم، يمكنه أن يتساءل عما إذا كان ينبغي فعلًا أن تكون حياته خالية من الضغط في ظل ديكتاتورية فاشية، أو عما إذا كان يمكن نظريًا أن تكون خالية من عوامل الضغط في مجتمع تحكمه «قانون البقاء للأصلح». ويفترض الاستخدام الراهن للمصطلح، فيما يبدو، أنه ينبغي أن يكون لدى المرء أقل قدر مطلق متصور من الضغط، بصرف النظر عن مهنته أو عن سياقه الثقافي أو الاقتصادي أو السياسي. لكن لعل مقدارًا معينًا من الضغط يكون نافعًا، إذ يلهم المرء الانخراط في فعل ثقافي أو سياسي.
وثانيًا، مع أن الإكلينيكيين انجذبوا بلا شك إلى الحالة الموضوعية ظاهريًا التي يشير إليها المصطلح في الفيزيولوجيا، أي اختلال التوازن الفيزيولوجي الطبيعي للكائن الحي، فإنهم بدوا متعمدين تجاهل حقيقة أنه، وفق تعريف الفيزيولوجيا، ينبغي أيضًا أن تُعد الخبرات الإيجابية مثل الوقوع في الحب، أو الفوز باليانصيب، أو إحراز ميدالية ذهبية، وما إلى ذلك، عواملَ ضغط، لأنها هي أيضًا تزعزع عمومًا «التوازن الفيزيولوجي الطبيعي للكائن الحي»! ثم إن البشر الأحياء يستجيبون استجابات مختلفة جدًا لأنواع عوامل الضغط التي يُحتج بها عادة في الأوضاع العيادية: فقد يُدمَّر أحد طرفي الطلاق، في حين يشعر الطرف الآخر بالارتياح؛ وقد يهبط أحد الأطفال في أسرة ما إلى اكتئاب انتحاري بعد وفاة أحد الوالدين، في حين يبتهج طفل آخر؛ وقد يغرق شخص يعلم بأنه مصاب بمرض يهدد حياته في يأس عميق، في حين يغتنم آخر الفرصة ليقلب حياته رأسًا على عقب. فالضغط في المجال النفسي، بل وإلى حد ما في المجال الفيزيولوجي أيضًا، شيء يُعاش ذاتيًا: وليس شيئًا يمكن قياسه بـ«اختبار ضغط».
وأرجو أن يكون هذا التوغل الموجز في لغة المصطلح العيادي المعاصر كافيًا على الأقل لإثارة سؤال في أذهان الممارسين بشأن وجاهة الاعتقاد بأننا نعرف ما هو الخير لمرضانا لأن بين أيدينا نظرية مقبولة على نطاق واسع لما هو خير أو أفضل للبشر، نظرية تقوم على علم حقيقي بالطبيعة البشرية، ومنه تتدفق أحكام ما هو طبيعي وما هو غير طبيعي، وما هو مناسب وما هو غير مناسب، وما هو وظيفي وما هو مختل وظيفيًا كما يتدفق الماء من نوافير Trevi في Rome. فثمة قدر ضئيل جدًا من الاتفاق بين الفلاسفة، ومنظري السياسة، والاقتصاديين، فضلًا عن المحللين النفسيين، بشأن الطريق الصحيح أو الأفضل للشعور والفعل والتطور والعيش عند البشر؛ وحتى لو وجد مثل هذا الاتفاق، فإن الإكلينيكي لن يكون إلا مطلقًا أحكامًا أخلاقوية على أساس ما يعتقده أكثرية من المنظرين. فهل يمكن لمثل هذه الأحكام أن تكون ذات نفع حقيقي لمحلَّلينا؟ وهل يمكن أن تكون ذات نفع لنا أصلًا في نقاشاتنا مع الزملاء بشأن محلَّلينا؟ ويبدو أنها، أكثر من أي شيء آخر، لا تفعل سوى أنها تميل بنا إلى السقوط في أخاديد التفكير النفساني المعاصر الذي يأخذ قيم العالم المحيط بنا على ظاهرها.
10
معالجة الذهان
لذلك لا تصلح الذهانات للتحليل النفسي؛ أو على الأقل لا تصلح للطريقة التي مُورست بها حتى الآن. ومع ذلك، لا أرى أن من المستحيل بحال أن ننجح، عبر تعديلات مناسبة في الطريقة، في تجاوز هذا المانع، وأن نتمكن بذلك من تدشين علاج نفسي للذهانات.
—Freud
إن دور المحلل… يجب أن يختلف بحسب تشخيص المريض… والغالبية الساحقة ممن قد يأتون إلينا طلبًا للتحليل النفسي ليسوا ذهانيين، ولذلك ينبغي أن يُعلَّم الطلاب أولًا تحليل الحالات غير الذهانية.
—Winnicott
يكاد لا ينطبق شيء من المقاربات التقنية التي عرضتها حتى الآن في هذا الكتاب على معالجة الذهان كما يُفهم في التحليل النفسي اللاكاني. فمصطلح الذهان لا يغطي، عند لاكان، المجال نفسه الذي يغطيه في الطب النفسي وعلم النفس المعاصرين؛ إذ هو، من جهة، أضيق وأدق، ومن جهة أخرى أوسع وأشمل. وهو أضيق لأنه يقوم على آلية خاصة من آليات النفي يسميها لاكان foreclosure؛ وهو أوسع لأنه لا يضم فقط من سبق أن مروا بانفجار ذهاني، بل يشمل أيضًا كل من يمكن أن يمر به. وكما أن للعصاب صورًا متعددة، ولكل صورة منها طرائق في العلاج قد تكون أنفع من غيرها، فكذلك للذهان صور مختلفة: البارانويا، والفصام، وهوس العشق، والمالنخوليا، والهوس، إلى آخره. ولا ينبغي أن نتصور أن العلاج يمضي بالصورة نفسها تمامًا في كل شكل من هذه الأشكال، أو حتى في كل الحالات الداخلة في الشكل الواحد. وإذا كان العمل التحليلي مع المحلَّلين العصابيين عملًا خلاقًا يتطلب من المحلل جهدًا ذهنيًا كبيرًا ليبني تأويلات نافعة ويتدخل بطريقة موفقة لهذا الشخص بعينه، فإن العمل التحليلي مع المحلَّلين الذهانيين، كما سنرى، يحتاج إلى قدر أكبر من الخلق والابتكار.
لن أحاول هنا عرض نظرية لاكان في الذهان عرضًا كاملًا، لأن ذلك يتجاوز نطاق هذا الكتاب، ولأنني فعلت ذلك في موضع آخر. وسأكتفي من النظرية بالفرضية القائلة إنه لا يوجد في الذهان كبت، وبالتالي، بالمعنى الدقيق، لا يوجد لاوعي. وانطلاقًا من ذلك، سأبدأ بعرض بعض الفروق البسيطة بين معالجة الذهان ومعالجة العصاب، استنادًا إلى ما قيل سابقًا في هذا الكتاب. ثم سأحاول أن أبين كيف يمكن كشف الذهان من خلال نوع العمل السريري الذي يتاح مع المحلَّل. وسيقودنا ذلك إلى بعض الاعتبارات النظرية الإضافية في طبيعة الذهان، وإلى مناقشة عدد من المسالك العلاجية الممكنة. وينبغي أن يبقى حاضرًا في الذهن طوال هذا الفصل أن المقاربة العلاجية التي أعرضها هنا أنسب للبارانويا من سائر أشكال الذهان.
ما الذي لا ينبغي فعله مع الذهانيين
تعني البارانويا أن يغرق المرء في التخيلي.
—Lacan
هذا الحلم الذي نسميه الواقع…
—Lacan
مع أن على المحلل أن يسعى إلى الإصغاء إلى خطاب المحلَّل الذهاني من موقع رمزي، أي من موقع لا يجعل فيه نفسه مقياس كل شيء، ولا هدف كل شكاوى المحلَّل، ولا يقفز فيه إلى استنتاجات بشأن ما يعنيه كلام المحلَّل انطلاقًا مما كان هو نفسه سيعنيه لو قال الكلام عينه، فإنه ينبغي له عمومًا أن يتجنب إطلاق أصوات لافتة من قبيل «همم» و«هاه» يسهل أن تُفهم على أنها تشكك أو ارتياب. فبما أنه لا يوجد، بحسب ما أطرحه هنا، كبت في الذهان، فإن مثل هذه الأصوات لا تشجع المحلَّل على أن يأتي بأجزاء من الحكاية كان قد تركها خارجًا، أو بجوانب من القصة بدت له مخجلة أو مستهجنة؛ بل إنها تُفهم في الغالب على نحو اتهامي، كما لو أنها تتهمه بالكذب أو بانعدام حسن النية. صحيح أن الذهانيين الذين مروا بما أسميه «مطحنة الطب النفسي» قد يتعلمون إغفال بعض أجزاء القصص. أما الذين لم يمروا بها فكثيرًا ما يوضحون أنهم يجدون الكذب عسيرًا جدًا، وأنهم حتى حين يعزمون على عدم ذكر بعض الأفكار أو المشاعر، تميل هذه إلى أن تفلت منهم على كل حال.
ومع أن الإصغاء الدقيق إلى الزلات والتعثرات اللفظية قد يكون مفيدًا جدًا للمحلل في بداية عمله مع أي مريض، فإنه سيجد عمومًا أن الذهانيين لا يقعون إلا في عدد يسير جدًا من الزلات الفرويدية، أي الزلات التي يمكن تعبئتها بسهولة لفتح المجال أمام المحلَّل كي يفكر في أفكار ورغبات لم يكن ينوي طرحها، وقد تكون في الواقع مناقضة تمامًا لما كان يتوقع أن يبلغه. فبما أنه لا يوجد في الذهان لاوعي يسعى إلى التعبير عن نفسه في مواجهة قوى مضادة قوية، فإن الزلات لا تنتج من تدخل أفكار أو رغبات لاواعية في الأفكار الواعية. وإذا أبرز المحلل الزلات في البداية، وهو ما ينبغي له أن يفعله بلطف، ولا سيما حين لا يكون متأكدًا تمامًا من التشخيص، فسيجد أنها نادرة جدًا، وأن محاولته تسخيرها في خدمة العلاج لا تثمر شيئًا. وإذا كان المحلَّل على إلمام ما بالنظرية التحليلية النفسية، فقد يضحك حين يشدد المحلل على زلة ما، وقد يوافق حتى على تأويله لمعناها، لكنه غالبًا لن يقترح معاني تخصه هو. وأحيانًا يكون السيجار مجرد سيجار: فالزلة التي تصدر عن ذهاني ليست من سلالة فرويد، بل هي مجرد خطأ.
ومع أن من المهم في العادة أن يطرح المحلل على المحلَّل الذهاني عددًا كبيرًا من الأسئلة الاستكشافية ليكوِّن فكرة أفضل عن حياته وتجربته، فإن هناك أوقاتًا يكون ذلك فيها مضادًا للاستطباب. فمثلًا، إذا كان والد المحلَّل الذهاني قد لعب دورًا شديد الإشكال في حياته، فقد يصير المحلَّل شديد القلق عندما تُناقش أحداث معينة من ماضيه تتصل بأبيه. ولو كان المحلل يعمل مع محلَّل عصابي واضح العصاب، فقد يواصل الاستقصاء رغم ظهور مقدار من القلق، أملًا في تجاوز تردده في كشف بعض التفاصيل أو في حمله على تذكرها. وإذا كان القلق أشد قليلًا، فقد يكتفي بتدوين ملاحظة ذهنية ليعود إلى الأمر في الجلسة التالية أو في جلسة لاحقة، أو قد يوضح للمحلَّل، ولا سيما في المراحل المبكرة من العلاج، أنه يود أن يتحدث عنه أكثر، لكن ليس عليه أن يفيض فيه الآن إن لم يكن مرتاحًا لذلك. أما إذا كان المحلَّل ذهانيًا، فمن الحكمة أن يغير المحلل الموضوع عندما تصبح الذكريات المتعلقة بالآباء الغائبين باعثة على القلق؛ فمثل هذه الذكريات قد تتضح خلال سنوات العلاج القادمة، لكن قد لا تكون هناك حاجة أصلًا إلى إيضاحها، ولا سيما أن هذه الأفكار قد تقود المحلَّل نحو هوة سحيقة، نحو ذلك النوع من الثقوب في الرمزي الذي يمكن أن يطلق انفجارًا ذهانيًا. ومع أن هذا الانفجار قد يفضي، كما سنرى، إلى تكوين ضلالة ينبغي أن تُفهم بوصفها جزءًا من المسار العلاجي، فإن الأكثر أمانًا عمومًا هو تجنب استثارته بعناية، لأن ذلك قد يزيد الأمور سوءًا، على الأقل في البداية. فمتى خرج الجني من القمقم، كان من غير المرجح أن يعود إليه، ولن يبقى شيء كما كان بعد ذلك. Primum non nocere: إن واجبنا الأول هو ألا نؤذي.
وبما أن غاية معظم أشكال الترقيم، على نحو فضفاض، هي الوصول إلى المكبوت، فإن الترقيم قليل القيمة في العمل مع الذهانيين. فإذا أبرز المحلل بعض الكلمات التي ينطق بها المحلَّل الذهاني، فالأفضل ألا تكون كلمات ملتبسة أو متعددة الدلالة؛ بل ينبغي أن يكون هذا الإبراز مصممًا فحسب لكي يدفع المحلَّل إلى توضيح ما لم يفهمه المحلل، أو إلى شرح كلمات معينة بمزيد من التفصيل، أو إلى متابعة ما يقوله. والأمر نفسه ينطبق على «الهمهمات» اللطيفة التي قد يطلقها المحلل: ينبغي ألا تُعطى إلا للدلالة على أنه يصغي، ولتشجيع المحلَّل على مواصلة الكلام.
وينبغي تجنب القطوع المفاجئة، ولا سيما تلك التي كان من شأنها في العصاب أن تؤكد صياغة ملتبسة خرج بها المحلَّل لتوه، أو زلة لسان، أو انقلابًا مفاجئًا في المنظور. فمعظم العمل مع المحلَّل الذهاني يجري أثناء الجلسة نفسها، لا بين الجلسات كما يحدث كثيرًا مع العصابيين. ففي العصاب، يسعى المحلل إلى تشغيل لاوعي المحلَّل؛ أما في الذهان فلا يوجد لاوعي يمكن تشغيله. ولذلك فإن ترك المحلَّل غير واثق من سبب إيقاف الجلسة عند نقطة معينة لا يحقق في الذهان الأثر نفسه الذي يحققه في العصاب؛ بل يرجح أن يثير الحيرة والضيق والقلق بدل أن يطلق عمل التداعي.
وبقدر ما يُفهم التأويل على أنه يستهدف المكبوت، أي أن يبرز مثلًا الرغبة اللاواعية في الحلم، فإنه لا مكان له في العمل مع الذهانيين. وقد رأيت مرارًا مرضى ذهانيين يضطربون اضطرابًا شديدًا عندما يحاول معالج أن يشير إلى شيء في حلم أو خيال أو زلة لم يكونوا هم قد رأوه أو ظنوا أنه موجود أصلًا. فالمعالجون الذين يداومون على تأويل ما يرونه لاواعيًا في خطاب الذهانيين ينتهي بهم الأمر، في نظر محلَّليهم، إلى أن يتموضعوا تموضعًا لا رجعة فيه بوصفهم مضطهِدين، أشخاصًا يحاولون قراءة أفكارهم أو التأثير فيهم بأفكارهم أو زرع أفكار غريبة في رؤوسهم. وإذا أراد المحلل أن ينخرط في عمل تأويلي مع الذهاني، فينبغي أن يكون تأويلًا قائمًا على المعنى؛ أي أن يهدف إلى نقل معنى محدد جدًا، لا إلى تفجير منظومة المعاني القائمة لدى المحلَّل أو تقويض سجل المعنى نفسه.
وفي حين أن المحلل كثيرًا ما يحسن في عمله مع العصابيين استخدام صياغات ملتبسة تتيح للمحلَّل أن يتلقف ما يقوله بطرق متعددة، بحيث يكون ما يسمعه المحلَّل أكثر أهمية أحيانًا مما قصده المحلل، فإنه يحسن به في عمله مع الذهانيين أن يقول الأشياء بأوضح صورة ممكنة. فينبغي تجنب الكلام النبوي الموحِي، والمراوغة، والالتباس، وينبغي، كما في كل الأحوال، محاولة العمل داخل معجم المحلَّل نفسه إلى أقصى حد ممكن. وليس الهدف إطلاقًا أن يوضع المحلَّل الذهاني وجهًا لوجه مع غياب التفسيرات النهائية، أو مع كون الآخر ناقصًا، أو مع الخصاء بوصفه كذلك؛ فليس في مثل هذا المسعى شيء علاجي للذهاني.
تشخيص الذهان
لم يعد ممكنًا اعتبار الذهان نوعًا من فشل الذات في مطابقة الواقع، بل ينبغي اعتباره نمطًا من العلاقة باللغة.
—Freda and colleagues
قبل أن أقول المزيد عما لا ينبغي فعله في علاج الذهانيين، أود أولًا أن أسجل بضع ملاحظات عن التشخيص. ففي خبرتي، كثيرًا ما يجد السريريّون صعوبة في التمييز بين العصاب والذهان، ولذلك يفسدون الأمور مع عدد غير قليل من المرضى الذهانيين.
ومن غير أن أدخل في جميع تفاصيل نظرية لاكان في ما يؤدي إلى الذهان، ومقتصرًا هنا على غياب الكبت بوصفه سمة مميزة للذهان، أود أن أذكر عدة خصائص يمكن ملاحظتها بسهولة في خطاب المحلَّل وفي علاقته بالمحلل، مما قد يساعدنا على التشخيص التفريقي. ولا ينبغي الظن أن العلامات التقليدية للذهان، من قبيل الأصوات والهلوسات والضلالات، أكثر حسمًا من المعايير التي سأصفها، لأن ما الذي يشكل بالضبط «صوتًا» ذهانيًا مسألة موضع جدل واسع. وينطبق الشيء نفسه على «الهلوسات»، وهو مصطلح يستخدمه العصابيون في الغالب على نحو فضفاض لوصف أي تجربة بصرية أو سمعية غير مألوفة، بينما لا يستخدمه الذهانيون كثيرًا، إذ يشيرون بدلًا من ذلك إلى رؤى أو خبرات. ولا يجوز للمحلل أن يأخذ تقارير الأصوات والهلوسات على ظاهرها، ولا ما قد يبدو لأول وهلة تفكيرًا ضلاليًا. ويجب ألا نسارع إلى استنتاج أن المريض يتخيل الأشياء، لأن من العسير جدًا، إن لم يكن مستحيلًا تمامًا، على السريري المتوسط مثلًا أن يقرر ما إذا كان FBI يراقب شخصًا ما. ونادرًا ما تكون فكرة بعينها هي التي تصلح دليلاً مقنعًا على أن شخصًا ما ضلالي، بل إن الحاسم هو اليقين الذي يعبِّر به عن تلك الفكرة. وليس محتوى الخطاب هنا هو الأهم بقدر ما هي صورته.
أشكال الخطاب
من الصعب ألا نرى أن مفهوم اللاوعي قائم، جزئيًا، على الزلات.
—Lacan
وراء كل زلة غاية دالّة. وإذا كان هناك لاوعي، فإن الخطأ يميل إلى أن يريد التعبير عن شيء ما.
—Lacan
إن صورة خطاب المحلَّل يمكن أن تخبرنا بأشياء كثيرة بالفعل. وقد ذكرت سابقًا أن الذهانيين يقعون في عدد قليل جدًا من الزلات الفرويدية. فالسريري الذي درّب نفسه فعلًا على سماع الزلات والتعثرات والانزلاقات اللفظية الطفيفة في سياقات متنوعة سيسمع زلة واحدة أو أكثر في كل جلسة تقريبًا مع محلَّليه العصابيين، وأحيانًا بمعدل زلة كل دقيقة. فإذا وجد هذا السريري «المُمكَّن سمعيًا» نفسه يعمل مع شخص يتكلم بسرعة مألوفة نسبيًا لكنه لا يقع إلا في زلة كل شهر أو نحوه، فعليه أن يبدأ بالاشتباه في أنه لا توجد مادة مكبوتة تحاول مقاطعة تدفق خطاب هذا المحلَّل.
وبالمثل، عندما ينتبه المحلل عنايةً إلى خطاب محلَّليه، سيلاحظ أن بعضهم نادرًا ما يصوغون أقوالهم، إن صاغوها أصلًا، بذلك النحو الدفاعي الصارخ الذي يصوغ بها العصابيون كلامهم كثيرًا. فالمحلَّل العصابي، مثلًا، يفتتح أقواله بانتظام بتحفظات من قبيل: «إليك فكرة سخيفة»، أو «لتوِّه خطرت ببالي أتفه فكرة»، أو «أنا واثق أن هذا لا علاقة له بأي شيء»، أو «هذا غير ذي صلة تمامًا». وهو يعلِّق على خطابه واصفًا إياه بأنه «سخيف» أو «غير ذي صلة» أو «بعيد الاحتمال» أو «غبي» أو «مبتذل» أو «عبثي» أو «جاء من العدم» أو «مجرد مزحة»، كما ينفي أشياء لم يتهمه أحد بها أصلًا. وكل ذلك علامات دفاع من جهة العصابي، وتدل على الاتجاه الذي يستطيع المحلل أن يصوب نحوه حقيقة العصابي المكبوتة. فإذا غابت هذه العلامات الدفاعية غيابًا تامًا من خطاب محلَّل ما، فعلى المحلل أن يضع تشخيص الذهان في حسبانه.
وبعض خصائص طريقة الذهاني في الكلام تُلخَّص في الطب النفسي المعاصر بالمصطلح المبهم نسبيًا concrete. وهذا المصطلح يلتقط، بالطبع، جانبًا من خطاب الذهاني، لكنه يبدو كأنه يضعه في مقابل سيولة خطاب العصابي، وهذا يضع التشديد في غير موضعه. فلا ينبغي أن نخلط بين الإيقاع البطيء المترجرج أو الجمود المفهومي وبين الخطاب الذهاني. كما أن concrete يوحي أيضًا بغياب التصوير، وليس هذا لازمًا بدوره. إن الفارق الأشد حسماً بين الخطاب الذهاني والخطاب العصابي هو العجز أو القدرة على رؤية معانٍ متعددة في الجزء نفسه من الكلام. وهنا نصل إلى العلاقة بين الكلام والمعنى، أي، بلغة اللسانيات، بين الدال والمدلول، وهي علاقة مختلفة جدًا في العصاب عنها في الذهان.
الدال هو ما تسمعه حين يتكلم شخص ما، أي إن الدال هو في جوهره الأصوات التي ينتجها المتكلم، أما المدلول فهو ما تعنيه تلك الأصوات. وكاتب محاضر المحكمة يسجل أصوات الكلمات، وهذه الأصوات يمكن في بعض الأحيان أن تُقسَّم على نحو مختلف، فيصبح معنى النص ملتبسًا. فتيار الصوت، أو «شريط الصوت» كما سماه Saussure، يمكن تفكيكه في بعض المواضع بطرائق مختلفة عديدة.
أما بالنسبة إلى المحلَّل الذهاني، فالمعنى والصوت، والمدلول والدال، لا ينفصل بعضهما عن بعض: فالدوال التي قصد نطقها تظل، في ذهنه، ملتصقة التصاقًا لا فكاك منه بالمعنى الذي أراد أن ينقله بها. وليس ثمة هنا انزلاق، ولا معنى آخر لما قاله غير ما قصده، ولا طريقة أخرى لقراءة الكلمات نفسها قراءة مختلفة، أو لتقطيع شريط الصوت على نحو يجعله يعني شيئًا آخر. فالدال والمدلول ملحومان هنا بعضهما ببعض، ولا يمكن أن تكون بينهما فجوة. وهذا يعني أنه، مع أن الذهاني يتكلم لغة ما، وقد يتكلمها بإتقان بالغ بكل المقاييس، فإنه لا يتكلمها ولا يعمل داخلها بالطريقة التي يفعلها العصابي. فالبعد الرمزي الخالص للغة، بما ينطوي عليه من فجوة محتملة بين الدال والمدلول، مفقود في الذهان.
ويشعر المحلَّل العصابي كثيرًا بأنه يفشل في نقل ما يعنيه بالكلام. تكون لديه فكرة في ذهنه، لكنه قد يشعر تمامًا أنه لم ينقلها على نحو كاف حين خاطب شخصًا آخر. لقد قال أكثر مما أراد أو أقل مما أراد؛ وكأن كلماته لم تفِ بالفكرة التي كانت في ذهنه.
وما يمكن قوله، على العموم، هو أن مستويين مختلفين اختلافًا جذريًا قد وجدا لدى العصابي، هما الكلمة والمعنى، وأنهما يميلان ألا يرتبطا بعضهما ببعض بالقدر الذي يريده العصابي:
ما يقوله ينتهي إلى أن يكون ملتبسًا، وهو ومخاطبه كلاهما يدركان أن كلامه يمكن فهمه بطرق مختلفة.
وما يعنيه ليس من السهل جدًا صوغه في كلمات، ولذلك يصاب كثيرًا بالإحباط من عجزه عن قوله على نحو جيد، أو عن التعبير عنه بقوة وأناقة، بطريقة يراها منصفة للفكرة.
ولا توجد مثل هذه الفجوة لدى الذهاني بين المعنى والتعبير. فالذهاني لا يستطيع أن يقول شيئًا ويعني شيئًا آخر. ولذلك لا يوجد في كلام الذهاني ما أسميه المفارقة الحقيقية. فالعصابي واعٍ تمامًا بقدرته على استخدام اللغة عمدًا لخداع الآخر، بأن يقول عكس ما يعنيه بالضبط أو يستعمل المفارقة ليلمح إلى عكس المعنى الدلالي المباشر لكلامه. وليس لديه أي حرج في أن يقول للمحلل: «أنا في حال أفضل بكثير منذ أن بدأت أراك»، وهو يقصد في الوقت نفسه أن لا شيء قد تغيَّر أو أنه أسوأ مما كان عليه من قبل.
وهذا الاستخدام ذو الوجهين للغة غير متاح للذهاني. فالذهاني لا يستعمل المفارقة، أو على الأقل لا يستعملها عن قصد. فالازدواج الذي تمنحه اللغة للعصابي، أي استخدامها الاجتماعي ليكون بالغ التهذيب وهو منزعج من شخص ما، أو ليقول أعذب العبارات وهو في ذروة غضبه، غير متاح للذهاني. ومع أن الممارس قد يرى قدرًا كبيرًا من المفارقة في الأشياء التي يقولها المحلَّل الذهاني، أو يظن أن محلَّله يقصد التلاعب بالألفاظ على نحو طريف، فعليه أن يميز بعناية بين ما يقرؤه هو في الكلام، وبين ما يقصده المحلَّل نفسه. ومرة أخرى، نرى هنا أن صورة خطاب المحلَّل يمكن أن تخبرنا بالكثير.
التحويل
في الذهان، يتحدد موضع المحلل بالمعرفة. لكن المعرفة المقصودة هنا ليست معرفة باللاوعي بوصفه آخر، أي معرفة ينبغي فك شفراتها، بل معرفة بتمتع الآخر.
—Kizer and colleagues
ويمكن للمحلل أيضًا أن يتعلم التمييز بين العصاب والذهان من خلال النظر في نوع العلاقة التحويلية التي يقيمها المحلَّل معه. لقد ظن فرويد أن التحليل النفسي مستحيل مع الذهانيين، لأنه اعتقد أنهم عاجزون عن تكوين تحويل نحو المحلل. والواضح أن نوع العلاقة التي يشكلها الذهاني مع المحلل يختلف اختلافًا كبيرًا عن ذلك الذي يشكله العصابي. ولنبدأ بالاختلاف في العلاقة من جهة المعرفة.
فالعصابي، الذي كبت أشياء كثيرة عن نفسه، يعتقد أن المعرفة التي يفتقدها عن نفسه، والمعرفة التي لا يملكها عن نفسه، موجودة لدى المحلل بوصفه الآخر الكبير. وقد لا يبدو ذلك جليًا منذ البداية، وقد يجد الممارسون الشباب هذا الجانب من التحويل أقل بروزًا مما يجده السريريون الأكبر خبرة، لكنه يتضح عاجلًا أو آجلًا في تحليل كل عصابي، وإن بدرجات متفاوتة. فالمحلَّل العصابي يشعر تلقائيًا بالحب نحو الشخص الذي ينسب إليه المعرفة التي لا يظن أنه يملكها، لكنه يشعر أنه يحتاج إليها، وهو يطلب من المحلل مرارًا، وبصراحة، أن يخبره بمعنى أعراضه وخيالاته وأحلامه.
أما المحلَّل الذهاني فلا يفعل شيئًا من ذلك. فقد يظن أن المحلل يعرف بعض التقنيات المتعلقة بالأكل الصحي، أو بعض الأدوية التي قد تساعده على النوم، أو بعض النصائح التي تجعله يتدبر أمره في العالم على نحو أفضل، لكنه لا يفترض أن المحلل يعرف شيئًا مخصوصًا عن معنى صعوباته الخاصة في الحياة. والذهاني لا يتكون لديه تلقائيًا الانطباع بأن المحلل لا بد أن يرى في ما يقوله شيئًا لا يراه هو نفسه، وهذه سمة كلاسيكية تمامًا عند العصابيين. فإذا أوحى المحلل بأن تعبيرًا استخدمه المحلَّل العصابي كان ملتبسًا ويمكن تأويله بطرق مختلفة، فقد ينازع في ذلك أولًا، وقد يتردد في الإقرار بمشروعية أن يسمع المحلل في كلامه شيئًا لم يقصده. وقد ينزعج من هذا الإيحاء، أو يبتهج لأن المحلل كشفه على مستوى ما، لكنه نادرًا ما يجادل في الطبيعة الملتبسة المحتملة لما قاله، ولا سيما بعد قدر من العلاج. وليس من المحتمل أن يقول العصابي: «لا، ما قلته كان واضحًا تمامًا، ولا يسمح نحويًا بأي سوء فهم، بل لا يسمح أصلًا بأي تأويل آخر». وهو لا يميل إلى إنكار إمكان كل التباس على الإطلاق، بل قد يأسف أحيانًا إلى أنه لا يستطيع التحكم في معنى كل ما يقول. وهو يقر ضمنًا بذلك بأنه واعٍ بأن قصده قد يكون معنى واحدًا، في حين أن الآخرين أحرار في أن ينسبوا إلى كلامه معاني أخرى، مهما كانت تلك المعاني الأخرى مزعجة له.
وحين أشرت إلى أحد محلَّليَّ العصابيين أن عبارته my attraction to porn يمكن أن تعني أيضًا أنه يفكر في المواد الإباحية كما لو كانت هي المنجذبة إليه، بدا عليه في البداية الوجوم ولم يعرف كيف يجيب. لكن مع بداية الجلسة التالية، أشار إلى أنه ظل يفكر في ملاحظتي، وتساءل هل كنت أقصد احتمال أنه يتصور نفسه موضوعًا لنساء الصور الإباحية التي ينظر إليها، الأمر الذي يقلب افتراضه بأنه الذات الراغبة التي تنظر إلى موضوعات جنسية سلبية. وقد قاده ذلك إلى مناقشة اعتقاده الراسخ بأن النساء لا يردن الجنس ولا يستمتعن به، أو على الأقل ينبغي ألا يردنه أو يستمتعن به، لأن الرغبة في الجنس لا بد أن تكون لطرف واحد فقط، وهو ما سماه zero-sum game. وكان هذا المحلَّل العصابي يشعر بوضوح أن ما سمعته أنا في خطابه قد يكون له نصيب من المشروعية، وأنني إذا كنت قد أبرزت تلك العبارة، فذلك غالبًا لأنني أعرف عنه شيئًا لا يعرفه هو بعد. وحتى هذا القدر الدقيق من الالتباس النحوي يمكن أن يكون نافعًا في العمل مع العصابيين، في حين أنه يسقط سقوطًا كاملًا مع الذهانيين، الذين لا يهمهم ما يسمعه المحلل في خطابهم مما لم يقصدوه، لأنهم لا يفترضون أنه يملك أي معرفة خاصة بخباياهم الداخلية.
وعندما يجد المحلل أن معرفته تُعَد عديمة الجدوى إلى هذا الحد من جهة المحلَّل، وحين أقول عديمة الجدوى لا أعني مجرد أنها موضع تحد، كما قد يحدث مع الهستيري، أو أنها تُداس بالأقدام، كما قد يحدث مع الوسواسي، وهما كلاهما يكشفان عمومًا أن تأويلات المحلل، وإن رُفضت أول الأمر، تُستوعب لاحقًا أو يُشتغل عليها على مستوى ما، بل أعني أنها لا تُطلَب منه تلقائيًا أصلًا، فعليه أن يبدأ بالاشتباه في أنه يتعامل مع شخص ذي بنية ذهانية.
ولا ينبغي للمحلل أن يقفز سريعًا إلى الاستنتاج بأنه لا يتموضع لدى المحلَّل بوصفه الآخر الكبير لمجرد أن المحلَّل يعلن أنه لا يثق بالعلاج بالكلام. فقد يكون من الممكن أحيانًا، منذ الجلسة الأولى، أن نستنتج بدرجة لا بأس بها من الثقة أن المريض يضع المحلل في موضع الآخر الرمزي، بسبب كثرة الإشارات المباشرة التي يوردها إلى معرفة المحلل المسبقة بكل ما هو على وشك قوله، أو لأنه يعطيه ملخصًا شديد الاختصار عن قصة حياته ثم يتوقع منه أن يقدم، بصورة سحرية، حلًا أو تشخيصًا وإنذارًا. وفي أحيان أخرى، قد يكون من الممكن الوصول إلى استنتاج مشابه حين يحتج المحلَّل من البداية بأنه لا يؤمن بالتحليل النفسي، وأنه يرى جميع المعالجين النفسيين مجانين، وأنه لا يكن أي احترام إطلاقًا لـ«معالجي الرؤوس»، أيًا كانت نزعاتهم. فمع Shakespeare، قد نرتاب في أنه «يحتج أكثر مما ينبغي»، لأن مجرد منازعته معرفة المحلل تشير مع ذلك إلى وجود موضع في عالمه لمثل هذه المعرفة، حتى لو بدا أنه يريد أن يمنع المحلل من النفاذ إلى ذلك الموضع. وعلى الأقل يتضح في هذه الحال أن هذا المثال الأعلى موجود لدى المحلَّل، وأن فكرة الآخر الكلي المعرفة قد تشكلت، وأن أحدًا ربما شغل هذا الموضع في وقت ما، بحيث إن خيبة المريض نفسها مرتبطة بأن أحدًا لا يبدو الآن قادرًا على أن يحتله أو يرقى إليه.
فمجرد أن ينازع المريض معرفة المحلل منذ البداية يعني أنه، رغمًا عنه، يفترض أن المحلل يملك شيئًا من هذه المعرفة، وأنه يريد أن ينكره عليه، ربما من باب الاستفزاز، أو لمجرد أن يرى كيف سيرد. وبعبارة أخرى، تعمل مثل هذه التصريحات عمل الإنكارات الفرويدية المألوفة. ويزداد هذا وضوحًا حين لا يكون المحلل قد ادعى صراحة امتلاك أي معرفة مخصوصة؛ فالمهم هنا أن فكرة امتلاكه معرفةً قد خطرت للمريض. ولكي تُنكَر معرفة المحلل، كان لا بد أن ترد أولًا إلى ذهن المريض. وبكلمة واحدة، فإن إنكار المريض المتحمس لأن المحلل يملك نوعًا من المعرفة التي يمكن أن تساعده قد يكون علامة على العصاب بقدر ما تكون إثباته أن المحلل يملك هذه المعرفة علامة على ذلك.
وقد رأيت حالات، مثلًا، جاءت من ثقافات غير غربية إلى العلاج وهي تقول إنها لا تؤمن إطلاقًا بقدرة الطب أو علم النفس الغربيين على مساعدتها، في حين أنها تعتقد أنها تلقت في وقت ما من ماضيها عونًا كبيرًا من معالج بالإيمان أو رجل طب من ثقافتها الخاصة. وفي حالات أخرى، يصرح المريض بأنه استفاد من مدرب أو قائد كشافة أو زعيم ديني من نوع ما، شخص أعطاه تحديات جسدية وروحية أو أعمالًا يجب إنجازها، لكنه لا يعتقد أن مجرد الكلام يمكن أن ينفع في شيء. ولا حاجة بالمحلل أن ينزعج من هذه التصريحات المتشككة، لأنها توحي بأن المريض كوَّن على الأقل فكرة ما عن آخر يعرف، آخر يعرف ما الخير بالنسبة إليه، وبوسعه على الأقل أن يأمل أن يرتبط هو نفسه، في وقت ما، في ذهن المريض بذلك الآخر، حتى لو استغرق الأمر زمنًا طويلًا.
أما الذهاني، فعلى العكس، فلا يشترك في الوهم الذي «يقود [الذات العصابية] إلى الاعتقاد بأن حقيقتها موجودة فينا سلفًا، وأننا نعرفها مسبقًا». فالذهاني لا يأخذ المحلل بوصفه آخرًا يعرف ما الذي يعتل داخله، ويعرف الأصل السري لذلك الاعتلال وكيفية إصلاحه. العصابي يفعل ذلك، وهذا ما يظهر كثيرًا في الملاحظة العابرة: «لكنك سمعت كل هذا من قبل»، أو في جوابه عن سؤال المحلل «ما الذي يجول في ذهنك؟» حين يلوذ بالصمت: «كنت أتساءل ماذا أنت تفكر في كل هذا».
وإذا أولى المحلل هذه الأقوال عناية فائقة، وبذل جهده لاستنطاق مثل هذه الأفكار حتى قبل أن تصبح أقوالًا صريحة، فسيُفاجأ في بعض الحالات بغيابها الكامل. وبعبارة أخرى، سيصير واعيًا لحقيقة أن بعض المرضى لا يشغلهم أصلًا ما يعرفه المعالجون أو ما يفكرون فيه. ففي حين أن فئة من المرضى تكرر القول إنها قلقة من أن يظن المحلل أنها مجنونة أو أن تكون صورته عنها سيئة، تبدو فئة أخرى غير منشغلة بهذه الأسئلة. ومع أن هذه الفئة الأخيرة، أي الذهانيين، قد تتساءل عن سلامتها العقلية هي نفسها أو عما إذا كانت توشك أن تجن، فإن النقطة الحاسمة هي أنهم لا يتساءلون عما إذا كان المحلل يراهم مجانين.
قد يظنون أن المحلل يستطيع المساعدة بطريقة ما، وأنه مفيد حين يوصي بتغيير العمل، أو بمزيد من النوم، أو بنظام غذائي مختلف، أو ما إلى ذلك، لكنهم لا ينسبون إليه أي بصيرة خاصة أو معرفة بشأن طفولتهم، أو صراعاتهم الداخلية، أو مشاعرهم الحقيقية؛ لأنه، في نظرهم، لا يختلف عنهم من حيث الجوهر: إنه آخر صغير، لا آخر كبير. فهو ليس مختلفًا نوعيًا؛ إنما الاختلاف هنا كمي فحسب.
ولا ينبغي أن يُفهم من ذلك أن كل من يؤمن بوجود آخر كلي المعرفة ومختلف نوعيًا هو عصابي تلقائيًا. فالسؤال الحاسم هو ما إذا كان افتراض المحلَّل أن ثمة معرفة عن ذاته موجودة خارجه يمكن أن تنتقل إلى المحلل أم لا، أي هل يستطيع أن يرى محلله بوصفه الآخر الكلي المعرفة. فإذا كان المريض قادرًا على أن يضع المحلل في موضع المعرفة، أمكن للمحلل أن يستبعد الذهان.
وبقدر ما يتوقع المحللون من المحلَّلين أن يضعوهم في موضع المعرفة بوصفه جزءًا عاديًا من التحويل، فإنهم يميلون إلى الإحساس بعدم وجود تحويل أصلًا في الحالات التي لا ينسب فيها المحلَّلون إليهم أي معرفة خاصة. ومن دون شك، بسبب عملهم المكثف مع العصابيين، فإنهم يربطون التحويل على نحو وثيق بإسقاط المحلَّل عليهم صورة «الذات المفترضة أنها تعرف»، بحيث يبدو لهم، عندما تغيب علامة هذا الإسقاط، أن لا علامة على التحويل إطلاقًا. وبدلًا من أن نقول إنه لا يوجد تحويل، بالمعنى الدقيق، في العمل التحليلي مع الذهانيين، قد يكون الأفضل أن نقول إن التحويل يقع مع الذهانيين على المستويين التخيلي والواقعي فقط، لا على المستويات الثلاثة كلها كما يقع مع العصابيين. وليس معنى ذلك أن عمل المحلل مع الذهانيين يتجاوز الكلام: فمعظم العمل يظل قائمًا على الكلام، لكن الكلام هنا لا يستدعي الرمزي إلى الساحة، لأن اللغة والكلام يغدوان مُتَخَيَّلَين في الذهان.
وقد يُسقط الذهاني شيئًا ما، بالمعنى الصارم للكلمة، على المحلل، مثل النوايا الشريرة أو الاضطهادية التي كانت جزءًا من خبرته مع أشخاص سابقين في حياته. لكن ما ينقله، حين ينقله فعلًا، يكون ذا طبيعة تخيلية لأنه ينطوي على حب جارِف أو كراهية جارفة من جهة الآخر الشبيه به. وبعبارة أخرى، قد يكون هذا التحويل إيروتيكيًا أو عدوانيًا قبل كل شيء. فالتحويل في الذهان يميل إلى أن يدور حول الانفعال لا حول المعرفة، بينما يميل في العصاب إلى أن يجمع بين الاثنين.
أي نوع من «الآخر» يكون المحلل بالنسبة إلى الذهاني؟
مع أن هؤلاء الذوات خارج التحويل بقدر خروجهم من الخطاب، فإنهم قد يأتمنون، مع ذلك، نفرًا قليلًا من أشباههم. وليس ذلك تحويلًا، بالمعنى الدقيق، لأن التحويل علاقة رمزية تتضمن الذات المفترضة أنها تعرف، والفصامي لا يدخل هناك. لكنه يترك موضعًا ممكنًا لعلاقة موضوع، هي تخيلية وواقعية في آن، ويسهل الخلط بينها وبين التحويل، موضعًا يمكن الحصول منه أحيانًا على بعض الآثار.
—Soler
وبما أن البعد الرمزي مفقود في الذهان، فلا يوجد موضع في عالم الذهاني لآخر رمزي، أو لآخر كلي المعرفة، أو لآخر خيِّر يمكن عقد «ميثاق رمزي» معه. ففي عالم العصابي، تُعَد الأرضية لمثل هذا الآخر، في العادة، على يد راعٍ لطيف أحيانًا على الأقل، يبدو كأنه يعرف أشياء كثيرة، ويفرض كذلك قانونًا في البيت، قانونًا ليس من صنعه المحض. ومن هذه الأرضية تنمو فكرة كائن يعرف كيف يجعل الأمور أفضل حين يتألم المرء، ويعرف كل أفكاره، ويعرف متى كان صالحًا أو سيئًا، ويكافئ أو يعاقب، لا اعتباطًا، بل استنادًا إلى قاعدة يمكن تمييزها، ولو بجهد ذهني كبير من جهة الطفل. وغالبًا ما ترتبط فكرة هذا الكائن أولًا بأحد الوالدين، ثم بمعلم أو شخصية دينية، وأخيرًا بالكائن الأعلى، ويتميز «الآخر» لدى العصابي عمومًا بكلية المعرفة والعدالة.
ومع أن الذهاني قد يؤمن بالله فعلًا، فإن الآخر الوالدي الذي عرفه ليس آخر المعرفة، بل آخر التمتع القاسي الاستغلالي. فالذهاني لم يتعرض عمومًا لراعٍ طيب عارف يفرض قانونًا في المنزل ليس من صنعه المحض؛ وإنما لم تُمهَّد الأرضية إلا لآخر يريد أن يلتهم ذات الموضوع أو يفنيها، آخر يسعى إلى اختراق ذات الموضوع جسدًا وروحًا وامتلاكها، آخر يريد استغلال الموضوع أو تجريده من عقله أو الأمرين معًا.
وإذا كان المحلل من التهور بحيث يحاول أن يحتل، بالنسبة إلى الذهاني، موضع السلطة، موضع الشخص الذي يملك معرفة سلطوية بما الذي يجعل الذهاني يعمل كما يعمل، فإنه سيجد نفسه سريعًا مرتبطًا بذلك الآخر القاسي الاضطهادي الذي يُعاش بوصفه شخصًا يستغل الذهاني، أو يستثمره جنسيًا، أو يسرق أفكاره، أو يدمر حياته عمومًا.
إن محاولة المحلل أن يشغل موضعًا رمزيًا لشخص لم يوجد في تاريخه أي سابقة لمثل هذا الموضع، أي لم يوجد فيه تأسيس للنظام الرمزي بوصفه كذلك، هي ما يرجح أكثر من غيره أن يطلق انفجارًا ذهانيًا. ولذلك فمن الحاسم أن يعرف المحلل موضعه وأن يبقى فيه. وعندما لا يكون متأكدًا من التشخيص، عليه أن يطأ الأرض بحذر شديد، وأن يتجنب القطوع والترقيمات المفاجئة، وأن يبتعد عن التدخلات أو الإيحاءات التي قد تُفهم على أنها اضطهادية.
فما هو الموضع الذي ينبغي له أن يبقى فيه حين يتيقن تمامًا أن محلَّله ذهاني؟ بما أنه لا يستطيع أن يشغل دورًا رمزيًا، فلا يبقى له إلا دور تخييلي. ومع أن البعد التخيلي يمكن أن يتسم بالمنافسة والغيرة، فإن الجانب المهم في العلاقة التخيلية هنا هو أن المحلل والمحلَّل متماثلان من حيث الكيف: إنهما أقرب إلى الشقيقين منهما إلى الوالد والطفل. فهما يشبه أحدهما الآخر في نواح كثيرة؛ إنهما، بتعبير لاكان، semblables، أي أشخاص يشبه بعضهم بعضًا أكثر مما يختلفون.
ومع ذلك، يجب أن يواصل المحلل تجنب مزالق التخيلي، كما وصفتها في الفصل 1. فلا ينبغي له أن يحاول فهم كل ما يقوله المحلَّل في ضوء خبرته الخاصة، ولا أن ينشغل دائمًا بما يعنيه ذلك عنه هو. فليس في ذلك مع الذهاني قيمة تزيد على قيمته مع العصابي. كما أن الإفصاح عن الذات ليس أكثر قيمة مع الذهاني منه مع العصابي: فكلما عرف المحلَّل عن المحلل أقل كان ذلك أفضل، في الجملة. ومع أن الذهاني قد يضع المحلل في موضع تخييلي منذ البداية، فإن ذلك لا يعني أن المحلل يجب أن يوافق على شغل كل وجوه ذلك الموضع.
ومع ذلك، قد يحسن بالمحلل أحيانًا أن يكون أقل غموضًا وأكثر شفافية مع محلَّليه الذهانيين في ما يتعلق بسبب إعادة جدولة الجلسات أو بوجهة سفره في الإجازة؛ فالتصورات التي يميل العصابيون إلى نسجها حول أسباب إعادة الجدولة أو حول أوقات فراغ المحلل ونشاطاته حين لا يقدم تفاصيل عنها كثيرًا ما توفر مادة ممتازة للطاحونة التحليلية، في حين أن بعض الذهانيين يرجح أن يتخيلوا سيناريوهات اضطهادية يكون فيها المحلل متآمرًا مع سلطات معينة لإدخالهم قسرًا إلى مؤسسة علاجية، أو مسافرًا ليتحقق من صحة قصصهم. ولأسباب مشابهة، ينبغي للمحلل عمومًا أن يتجنب استعمال الأريكة في العمل مع الذهانيين: فمن الأفضل لهم أن يروا ما الذي يفعله، بدل أن يتخيلوا أنه يفعل من وراء ظهورهم ما ليس فيه خير.
ومن النافع أيضًا أن يتحالف المحلل مع الذهاني بطريقة يتجنبها عادة مع العصابي. ففي حين ينبغي للمحلل مع العصابي أن يحتفظ بأفكاره الخاصة عما هو خير أو شر للمحلَّل لنفسه قدر الإمكان، وأن يتدخل في القرارات التي يتخذها العصابي وفي الأفعال التي يقدم عليها في أضيق الحدود، فقد يكون من المفيد أحيانًا، بعد أن يكسب ثقة المحلَّل ويصير لديه قدر كبير من المعرفة بحياته واهتماماته وقدراته وظروفه الراهنة، أن يشجع المساعي التي يبدو أنها تعزز استقراره، وأن يثنيه عن تلك التي كثيرًا ما أدت إلى صراعات كبيرة في حياته، إن لم تؤد إلى انفجارات ذهانية صريحة. فالمحلل يسعى هنا، من بعض الوجوه، إلى أن يتصرف كأفضل صديق يمكن أن يُؤمَل فيه: صديق يشجع مساعيك لا لأغراضه هو ولا لمنفعته، بل، إلى أقصى حد ممكن، لما يقدره أنه أصلح لمصلحتك أنت. ومثل هذا التقدير لا يمكن أن يُحسَم سريعًا أو نهائيًا؛ فهو يتطلب معرفة واسعة بالمحلَّل ويجب أن يبقى مفتوحًا على المراجعة المستمرة.
وقد قدم Garcia-Castellano مثالًا جيدًا على هذه المقاربة في مناقشته لعمله مع امرأة ذهانية اكتشفت، في السنة الثانية من تحليلها معه، «اكتشافًا غير محتمل»، هو أنها كانت قد تعرضت للاغتصاب على يد أبيها وأمها وعدة إخوة، على الرغم من أنها لم تكن تتذكر إطلاقًا أن شيئًا من ذلك قد حدث. وكتب Garcia-Castellano:
لقد كانت حائرة بسبب غياب أي ذكرى للحادثة، لكنها كانت تجد آثار ما حدث لها في جسدها: في آلامها. وينبغي التنبيه إلى أن تأملاتها في هذا الموضوع ظلت، في معظمها، محصورة في الإطار التحليلي. وقد تصورت أن تبدأ تحقيقًا فعليًا، وهو مشروع مثقل بالعنف، لكنني ثنيتها عنه. فامتثلت قائلة: «من الأفضل أن أتكلم هنا عن الاغتصاب وأبكيه بدلًا من أن أفعل ذلك في مكان آخر». وبعد سنوات، حين عادت إلى ذكر هذا التدخل من جهتي، أشارت المريضة إلى أنها كانت قد «شعرت» آنذاك «بنوع من اليد الحانية التي كانت تحميني».
وفي حين يحاول المحلل مع العصابيين أن يتجنب فرض تصوراته الخاصة عن الخير والشر أو نقلها بأي صورة، ساعيًا إلى أن يعمل بطريقة تعزز إيروس المحلَّل لا «خيره» المفترض، فإنه يفعل، من بعض الوجوه، العكس مع الذهانيين: عليه أن يسعى إلى تعزيز خير المحلَّل الذهاني، بحسب ما يستطيع أن يتبينه، وأن يساعده على الحد من التمتع الذي يجده لا يحتمل ولا يفهمه، وأن يموضعه ويعطيه معنى، ذاك التمتع الذي يهدد بزعزعته كلما اجتاحه.
الآخر المساعد
ما يطلبه الذهاني هو شاهد، لا ذات مفترضة أنها تعرف.
—Forbes and colleagues
ينبغي أن يكون موضع المحلل مع الذهانيين موضع «الآخر المساعد»، بحسب ما أقترح أن أسميه، لا موضع الآخر العارف. فمن يكون هذا الآخر المساعد على وجه التحديد، وهل يبحث الذهاني عن مثل هذا الآخر حين يلتمس العلاج؟
إن أحد الأمور التي يطلبها العصابي كثيرًا حين يأتي إلى العلاج هو الاعتراف. ومع أن المحلل لا يمنحه الاعتراف بما يريد منه أن يعترف به، كموضعه بوصفه ضحية أو شهيدًا مثلًا، فإنه يبيِّن له أنه يسمع ما يقول، غير أن ما يعترف به هو الرغبة الكامنة في خطابه، تلك التي يجهلها هو نفسه. وبعبارة أخرى، فبدل أن يعترف باغترابه من وجه ما، يسعى المحلل إلى إبراز الرغبة في شيء آخر الكامنة في خطابه وإظهارها والاعتراف بها.
فماذا يريد الذهاني حين يأتي ليتكلم مع معالج؟ وهل يرفض المحلل أن يعطيه ما يريد، كما يفعل في عمله مع العصابيين؟ يبدو أن الذهانيين، في العلاج، يبحثون عن شخص يصغي إليهم ولا يبادر فورًا إلى القول إن ما يقولونه جزء من مرضهم وينبغي نسيانه. وهم يواصلون الكلام مع من يقبل أن يكون شاهدًا على ما حدث لهم وما لا يزال يحدث لهم، من غير أن يحكم عليه، ولا أن ينتقده، ولا أن يصدق به بالضرورة أو يكذبه، بل أن يقبله ضمن سياق معين، هو حدود الوضع التحليلي نفسه.
ولا يعني ذلك أن على المحلل أن يقبل جميع أفعال الذهاني خارج الإطار التحليلي، لكنه يجب على الأقل أن يقبل ما يقوله داخل ما يمكن أن نسميه «قوسين» الوضع التحليلي. فذلك يسمح بأن يتموضع التحليل في مكان مختلف عن بقية حياة المريض، في مكان معزول أو مفصول أو موضوع بين قوسين بالنسبة إلى الحياة اليومية، مكان يمكن أن تؤخذ فيه الكلمات على محمل الجد إلى أقصى حد، من غير أن تقتضي أي أفعال محددة خارج غرفة الاستشارة. ففي هذا المكان يمكن نسج نسيج من المعنى، ثم فك بعض خيوطه وإعادة نسجه، وتفصيله بتؤدة شديدة، من غير أن يستلزم ذلك أن يُفعَل شيء بعينه خارج غرفة الاستشارة.
وقد يميل المرء إلى الاعتقاد بأنه كما أن العصابي، حين يأتي إلى العلاج، يضع المحلل تلقائيًا في موضع الآخر العارف ويحاول أن يعالج عبره صراعه مع هذه الشخصية السلطوية المجردة، فإن الذهاني يضع المحلل تلقائيًا في موضع الآخر الاضطهادي ويحاول أن يعالج عبره صراعه مع هذا الآخر الفاحش القاتل. لكن الذهاني لا يبحث بالضرورة عن أن ينقل إلى المحلل صورة المضطهِّد أو دوره في حياته اليومية لكي «يشتغل عليها» داخل العلاج. وقد يحدث ذلك أكثر مما يروق للمحلل، لكنه يكون غالبًا نتيجة عثراته هو، بسبب أجندته الخاطئة بشأن الكيفية التي ينبغي أن تسير بها الأمور، وبشأن نوع الأشياء التي ينبغي للمريض أن يتحدث عنها أو يمتنع عنها، وبشأن نوع التدخلات التي ينبغي له أن يقوم بها.
وفي حين يكون المحلل أكثر فائدة في علاج العصاب عندما يسلِّم نفسه لأي إسقاط يقيمه عليه العصابي، فإنه لا يكون «آخرًا مساعدًا» للذهاني إذا أسلم نفسه لأي إسقاط كيفما كان. فالمحلل، مع العصابي، لا يقبل إسقاطاته ولا يرفضها، بل يحاول أن يتبين ما الذي يقف وراءها، أما مع الذهاني فعليه أن يبذل جهده لتبديد الإسقاطات التي تضعه في موضع ذلك الآخر الخطر الذي يتمتع على حساب الذهاني.
وقد يكون قول ذلك أيسر من فعله، ولا سيما حين يكون المحلل لا يعرف إلا القليل عن المحلَّل. وكما قلت في الفصل السابع، فبمجرد أن يقع إسقاط تحويلي، يُسمَع كل ما يقوله المحلل بعد ذلك على أنه صادر عن الشخص الذي يُنسَب إليه في ذهن المحلَّل؛ فلا يستطيع أن يجد موضعًا يقف فيه خارج التحويل، وقد يجد نفسه يغوص أعمق بدل أن يخفف من حدة الموقف كما كان يرجو. والموقف الداعم بلا تذبذب، والتصريحات المباشرة مثل: «ليست لدي أدنى رغبة في أن آخذ أفكارك منك»، و«لن أستغلك على هذا النحو أبدًا»، و«لم أحاول قط أن أتسبب في طردك من العمل»، هي أفضل ما يمكنه فعله عادة، ولحسن الحظ فإنها كثيرًا ما تكفي.
الأهداف العلاجية
إن فكرة كون الذهاني خارج الخطاب تتيح لنا أن نحدد ما الذي يصنع حجر عثرة للتحليل النفسي. فهذا لا يعني أن الذوات الذهانية لا يمكن أن تطلب المحللين؛ فالخبرة تثبت أنهم يفعلون. لكنه يعني أن الاستخدام الذي يصنعونه منهم ليس تحليل اللاوعي.
—Soler
كما رأينا، فإن الأنا لدى العصابي، في الغالبية العظمى من الحالات، أقوى مما ينبغي لها. فهي قوية وصلبة إلى درجة أن الكبت يقع كلما لم تلائم إحدى أفكار العصابي الجنسية أو العدوانية نظرته إلى نفسه، مما يؤدي إلى عودة المكبوت في صورة أعراض. ولو كانت الأنا أضعف من أن تدفع هذه الدوافع إلى خارجها لما وُجدت الأعراض أصلًا. ومن ثم فإن أحد أهداف التحليل مع العصابيين هو تليين صلابة الأنا، لأن هذه الصلابة نفسها هي التي تقتضي وضع أشياء كثيرة خارج الذهن. ولتحقيق ذلك، يشكك المحلل في الكليات التي تعيد الأنا تكوينها باستمرار، أو يبحث فيها عن ثقوب، في محاولتها تعقيل سلوك المحلَّل ودوافعه. فهو يفكك تصور المحلَّل لنفسه، ذلك التصور الذي ما يفتأ يتبلور من جديد بصورة تستبعد جزءًا منه.
أما أَنا الذهاني، فعلى العكس، فهي هشة في نواح معينة. فالأنا لا تُغلَق أبدًا ولا تتكامل في الذهان، لأن البعد الرمزي لا يُؤسَّس فيه أصلًا. إنها تبقى مفتوحة أو غير مكتملة من وجه ما: يمكننا أن نقول إن في أَنا الذهاني ثقبًا، وإن الأشياء تنهار، بالمعنى المجازي، عندما يقترب المحلَّل أكثر مما ينبغي من هذا الثقب في أناه، وعندئذ يزداد احتمال الانفجار الذهاني. ولذلك، فبدل أن يحاول المحلل تفكيك تصور المحلَّل لنفسه، أو أن يفتش عن ثقوب في رؤية متكلسة أكثر مما ينبغي للذات، يحتاج إلى مساعدته على ترقيعها، وعلى تغطية الثقب الموجود أصلًا. وهذه طريقة مبسطة للحديث عما سماه لاكان «التكميل» (supplementation).
ففي حين نسعى في العصاب إلى نزع الاكتمال عن تصور المحلَّل لنفسه ولعالمه، ذلك التصور الذي تكوَّن على هيئة كلٍّ تام بفعل الانقسام الصلب بين الذات والآخر الناتج من تأسيس السجل الرمزي أو محوره، فإننا نسعى في الذهان إلى مساعدته على إكمال تصوره لنفسه وللعالم بطريقة ما عبر تكميله. لكن كيف يمكن تدعيم رؤية المحلَّل للعالم أو تكميلها؟
علينا أولًا أن نوضح ما الذي ينقص بالضبط.
تعزيز بناء مبدأ تفسيري
يقول لاكان إن الفصامي «يواجه أعضاءه من غير عون خطاب مستقر». لكن ما نفع الخطاب المستقر حين يتعلق الأمر بالأعضاء؟ إنه يساعد على إقامة حدود، وحواجز معيارية في وجه التمتع. ولهذا يأتي كل خطاب بشيء من الخصاء.
—Soler
بالنسبة إلى العصابي، توجد دائمًا حكاية صغيرة، مهما تكن غامضة ومربكة، عن السبب الذي جعل والديه يريدانه، أو ربما لم يريدا وجوده في البداية ثم أحباه لاحقًا. وتخبره هذه الحكاية بشيء عن الموضع الذي يشغله في رغبتهما، وهذه المساحة في رغبتهما، مهما صغرت، هي موطئ قدمه في الحياة. فهي، في حدها الأدنى، تفسر له لماذا هو موجود في العالم، أي تفسر سبب وجوده هنا. وبهذا المعنى، تؤدي الحكاية وظيفة مبدأ تفسيري.
لكن هذا ليس كل الأمر: فلأي شيء يُراد؟ هذا هو السؤال. فإذا كان يشعر أنه مطلوب فقط بوصفه امتدادًا لأحد الوالدين، أو أنه متوقع منه أن يهب نفسه «للخدمة الجنسية» لذلك الوالد، فهنا تبدأ المشكلات. والأفضل بكثير أن يكون مطلوبًا لشيء آخر، ربما كان شديد الغموض: «نريد فقط أن تكون سعيدًا يا عزيزي»، أو «نريدك أن تتقن ما تريد أن تفعله أيًا كان». ومع أن مثل هذه الرغبات الوالدية كثيرًا ما تثير القلق لدى العصابي، فإنها توضح للطفل أنه منفصل من وجوه معينة عن والديه، وأن له مكانًا يخصه في العالم. فهناك سبب لوجوده هنا، سبب لا يصل بالضرورة إلى حد منحه رسالة أو غاية غالبة لحياته كلها، لكنه يرسخه في العالم على الأقل.
أما الذهاني فلا يملك مثل هذا المبدأ التفسيري المتسق، ولا شيئًا يرسخه في العالم. فالذهانيون يروون مرة بعد مرة أنهم لم يُعامَلوا قط من أحد والديهم أو من كليهما كما لو كانوا أشخاصًا لهم حق في الوجود، أو كما لو كانت أجسادهم مصونة وتخصهم وحدهم، أو كما لو كانت هناك حدود حقيقية لما يمكن أن يفعله الناس بهم وسبل قانونية للرجوع إليها إن لم تُحترم تلك الحدود. وفي إحدى حالاتي، كان والد المحلَّل يقول إنه حين حملت زوجته في أوائل زواجهما أراد الاحتفاظ بالطفل؛ أما أم المحلَّل فكانت تقول، على الضد، إن والد المحلَّل أراد منها أن تتخلى عن الطفل للتبني، لكنها رفضت. وكانت الروايتان متعذرتي الجمع، ولم تستطيعا أن تقولا للمحلَّل لماذا كان هنا، ولماذا كان مرغوبًا، وإلى أي حد كان مرغوبًا، إلى آخره. وبكلمة واحدة، لم تستطيعا أن تؤديا له وظيفة المبدأ التفسيري.
وفي غياب مثل هذا المبدأ التفسيري، يتخبط بعض الذهانيين فلا يجدون موطئ قدم لهم، إذا جاز التعبير؛ ويُوفَّق آخرون إلى العثور على مشروع يمنح حياتهم معنى؛ أما آخرون فيبنون أنظمة ضلالية، إذا تُرك لها أن تتطور كاملًا، توفر للذات مكانًا خاصًا في العالم. وقد يكون هذا المكان مكان جاسوس دولي، أو شخصية دينية كالمسيح، أو زوجة الله؛ أي، باختصار، مكانًا لا يُسلَّم به بسهولة، بل تعترض عليه الذهانية نفسها بشدة في البداية، كما يعترض عليه المحيطون بها. لكن مثل هذا النظام الضلالي يمنح عمومًا أكثر من قدر يسير من الاستقرار، وكثيرًا ما يعطي الذات غاية ورسالة في الحياة ليستا، في نهاية المطاف، متعارضتين تعارضًا كاملًا مع الحياة في زمانها ومكانها على الأرض. وفي أفضل الأحوال، تكون تلك الغاية أو الرسالة متوافقة تمامًا مع الأهداف التي يسعى إليها من حولها: فقد تكون معلمة، أو ممرضة، أو مبشرة، أو تنخرط في أي عدد آخر من الأنشطة.
فالذهاني ينطلق، عبر المسار الضلالي، إلى توليد تفسيرات لما يحدث في عالمه، وبخاصة إلى إنضاج مبدأ تفسيري يخصه هو. إن الضلالة التي يبنيها الذهاني تؤدي وظيفة التعويض عن غياب مبدأ تفسيري؛ فهي تكمل هذا الغياب. والنشاط الضلالي، حين يُسمح له بأن يأخذ مجراه بدل أن يُسكَت بتدخل المعالج أو بالأدوية أو بهما معًا، يفضي في النهاية، وقد تستغرق هذه العملية سنوات، إلى بناء ما سماه لاكان «استعارة ضلالية»، أي نقطة انطلاق جديدة يثبت الذهاني على أساسها معنى حياته وعالمه. فضلالات الذهاني، حين يُسمح لها أن تتبع مسارها، تمضي في اتجاه بناء عالم يُسنَد فيه إلى الذهاني مكان مهم، ودور حاسم. فالكوسمولوجيا الضلالية لدى الذهاني تشرح لماذا وُلد وكيف وُلد، وما الغاية من حياته على الأرض.
فإذا لم تكن هناك بعدُ أي علامة على نشاط ضلالي لدى المريض، فعلى المحلل أن يسعى إلى مساعدته على بناء معانٍ تستطيع أن تسنده في الحياة من غير أن تعيد خلق الكون كله على طريقة Schreber. وليس هناك هنا منهج وصفي جاهز: على المحلل أن يحاول أن يتبين ما الذي يهدد بزعزعة المحلَّل، وأن يبني معه معاني يمكن أن تكون مشبعة وقادرة على الحمل في آن، إن صح التعبير، معاني تستطيع أن تتحمل ضغط الظروف التي يُرجَّح أن يواجهها المحلَّل في مسار حياته. وليس في هذه العملية شيء محدود بالضرورة، وينبغي أن يكون المحلل مستعدًا لتكوين علاقة مع المحلَّل قد تدوم إلى غير أجل معلوم. فمع أن كثافة العمل قد تكون في البداية أعلى بكثير مما تكون عليه بعد عشر سنوات أو خمس عشرة سنة، فقد يظل المحلَّل يجد نفعًا، على مدى عقود كثيرة، في أن يتحدث مع المحلل بين حين وآخر حتى يجتاز الفترات العسرة.
أما إذا كانت هناك، على العكس، علامات على نشاط ضلالي قائم بالفعل لدى المريض، فلا يجوز للمحلل أن يتولى مهمة تخليص المحلَّل من ضلالاته. وكما أشار فرويد في تعليقه على حالة القاضي Schreber، فإن الضلالات جزء من العملية العلاجية. فالهلوسات والضلالات كثيرًا ما تكون عزيزة جدًا على المريض، إنه يحبها أكثر مما يحب نفسه، على حد تعبير فرويد، وقد يشعر بفقدان شديد إذا انتُزعت منه بفرض المعالجة بالصدمات الكهربائية أو الدواء. فكونه يرى أو يسمع أو يعتقد أشياء لا يراها الآخرون ولا يسمعونها ولا يعتقدونها قد يكون جزءًا مما يجعله مميزًا، وجزءًا مما يمنحه دورًا استثنائيًا وغرضًا في الحياة. والصعوبة بالنسبة إلى المحلل هي أن يشهد تكوُّن النظام الضلالي وأن يحاول العمل من داخله. ومن غير أن يطعن في أهم جوانبه، ومع أنه يعمل ضمن كون مفهومي قد يكون غريبًا جدًا عن عالمه هو، عليه أن يحاول أحيانًا إقناع المحلَّل بأن يرى بعض الأشياء على نحو مختلف قليلًا، ولا سيما حين يكون المحلَّل قد انتهى إلى تأويل لشيء ما قد يقوده إلى إيذاء نفسه، أو إيذاء شخص آخر، أو إلى طرده من بيته أو فصله من عمله.
وعلى المحلل أيضًا أن يحاول تبديد الإسقاطات التي ينسب بها المحلَّل نوايا شريرة إلى أشخاص محيطه، وأن يخفف من الإيحاءات الجارحة في ما قالوه له. فإذا بدأ المحلَّل، مثلًا، يشعر بأن أصدقاءه يضطهدونه بمكالماتهم الهاتفية المتكررة عندما يختفي عن الأنظار أيامًا قليلة، وشرع ينسب نيات خبيثة إلى أشخاص كانوا، بحسب أفضل ما يعرفه المحلل، الدعامة الأساسية لوجوده حتى ذلك الحين، فقد يقترح المحلل فكرة أنهم إنما يقلقون عليه لأنهم لم يسمعوا منه منذ بعض الوقت. وبعبارة أخرى، قد يحاول أن يبدد المعنى البارانويدي الذي ألصقه المحلَّل بسلوك أصدقائه، وأن يلين الأمور ويخفض من التصعيد. وقد أشارت Soler إلى هذه التقنية باسم «مواجهة تمتع الآخر»، لأن المحلل يحاول هنا أن يمنع المحلَّل من وضع شخص ما في موضع الآخر الخبيث الذي سيتلذذ بالتهامه أو تدميره.
وقد ناقش Stevens حالة «فرَّغ فيها محلل الهواء من سيناريو [قد يكون خطرًا]» كان محلَّله قد بدأ ينسجه في ذهنه. فعندما قال له المحلَّل في جلسة ما: «أظن أنني أصير الابن الروحي لرئيسي في العمل!»، أجابه المحلل بأنه لم يُوظَّف عند ذلك الرئيس إلا لكي يعمل، أي لكي يؤدي عمله. ولعل المحلل كان يشتبه في أن الانتقال في ذهن المحلَّل من موضع «الأب الروحي» إلى موضع الآخر الشرير الاضطهادي ليس إلا خطوة قصيرة.
وعلى المحلل أن يمشي على خيط دقيق بين أن يشهد تطور منظومة مفهومية جديدة، وأن يوجهها، عند الضرورة، بعيدًا من الاصطدامات الكارثية المحتملة. ومرة أخرى، لا توجد هنا طريقة نمطية جاهزة؛ بل على المحلل أن يكيّف تقنيته مع كل حالة ومع الطريقة الفريدة التي تتكشف بها.
ومع ذلك، فنحن ملزمون في جميع هذه الحالات بأن نعمل، بقدر الإمكان، داخل إطار منظومة الاعتقاد التي يعتنقها المريض أصلًا، سواء كانت إطارًا دينيًا أصوليًا أو إطار السحر الأسود. ومهما بدت لنا منظومة اعتقاد المريض، نحن الأفراد ذوي الرؤى الخاصة، محل اعتراض، فليس بفرض رؤانا الخاصة من الخارج، إذا جاز القول، ما يحتمل أن نحدث أي قدر من الاستقرار. فنحن بحاجة إلى أن نحاول مساعدة المريض على أن يجد داخل منظومة اعتقاده موضعًا يستطيع أن يشغله، موضعًا مهمًا مقرونًا برسالة يمكن أن تمنحه مشروعًا وشيئًا يهدي أفعاله.
Caveat Sanator
إن العمل مع الذهانيين سيتضمن دائمًا العثور على طريقة تمكّن الذات… من إحداث تحولات تُمَدِّن التمتع حتى يغدو محتملًا… والحلول التي يسهل العثور عليها أكثر من غيرها هي تلك التي تنطوي على رمزي إضافي، أي التي تقوم على تشييد حبكة أخرى غير الحبكة الأوديبية وإيصالها إلى نقطة من الاستقرار.
—Soler
وبما أن للذهان صورًا كثيرة مختلفة، فمن المستحيل تقديم وصفة تشملها كلها. ومع ذلك أود أن أناقش باقتضاب ما يمكن أن يُنظر إليه على أنه نوع من المرحلة الوسطى بين ما يسمى ما قبل الذهان وبين الذهان الذي يتميز بالضلالات. ففي هذه المرحلة، التي صادفتها في مناسبات عدة في ممارستي وفي إشرافي على آخرين، يُسد الثقب في منظومة المعنى لدى الذهاني بلفظ مخصوص يؤدي وظيفة أداة تفسيرية. وفي الحالات التي أعرفها، لم يكن هذا اللفظ مطلوبًا بقدر ما وقع عليه الشخص وقوعًا، إذ قدمه له مهنيون في الصحة النفسية شخصوه باضطراب نقص الانتباه. وسرعان ما صار ADD يؤدي لهؤلاء وظيفة أداة تفسيرية، أي شيئًا يشرح كل شيء في عالمهم: لماذا صاروا على ما صاروا عليه، ولماذا حدثت الأشياء كما حدثت، ولماذا كان لهم موضع بعينه في العالم. وفي إحدى الحالات، منح التشخيص حتى مشروعًا وجوديًا أو رسالة في الحياة: مساعدة أشخاص آخرين يحملون التشخيص نفسه، والضغط من أجل منافع وامتيازات لآخرين مثله. ومع أن قصد السريريين لم يكن بالتأكيد مساعدة هؤلاء الأشخاص على سد ثقب معين في رؤيتهم للعالم، فإن المادة الدالّة التي قدمها الخطاب «العلمي» المعاصر نُسجت في نسيج المعاني التي أعطاها هؤلاء الأشخاص لعوالمهم، وأدت إلى قدر من الاستقرار، أي إلى أنظمة اعتقاد مستقرة.
وعندما يواجه الممارسون مثل هؤلاء الأشخاص، يرجح أن يصيبهم الإحباط. فكثيرًا ما يقتنعون بأنهم، في الحقيقة، يتعاملون مع عصابيين تشبثوا بمجرد وسمٍ يفسر كل شيء ويعفيهم من المسؤولية، ويطلقهم من تبعة ما جرى في حياتهم. ومع أن هذا يحدث بالطبع في بعض الأحيان، فعليهم أن يحذروا من أن يطعنوا سريعًا في هذا العنصر بعينه من رؤية المريض للعالم، لأنه قد يكون هو ما يغطي هاوية، أو يسد ثقبًا فاغرًا في تاريخ الشخص. وما دام هذا «المبدأ التفسيري الإسعافي» لا يقود الشخص إلى إخضاع نفسه لأدوية مؤذية أو لأشكال أخرى خبيثة من العلاج، فإنه قد يخدم الذات الذهانية خير خدمة، ولا ينبغي للسريري أن يقوضه. وقد ذكر Georges أنه استشير من قبل شاب كان مقتنعًا بأنه يعاني حالة عادية من الاكتئاب، ولم يكن يريد من المحلل إلا أن يؤكد ذلك لأبيه. ومع أن Georges مال أول الأمر إلى التشكيك في يقين الرجل، فإنه آثر غير ذلك سريعًا، نظرًا إلى الصورة السريرية الذهانية في غير هذا الجانب، وإلى أن مصطلح depression كان يبدو كأنه يرسخ الشاب في العالم ويمنحه موضعًا معترفًا به فيه.
«Borderline»
ينبغي لي أن أعترف بأن اللاوعي الذي عليَّ أن أنشغل به على المستوى النظري هو أيضًا اللاوعي المتشخصن لمقاومات المحللين. فكل تطور ما بعد فرويدي في التحليل النفسي هو، في الواقع، نتيجة رفض كبير للاوعي.
—Lacan
إن بعض الأشخاص الذين يمكن أن يُعَدوا ما قبل ذهانيين بحسب المعايير اللاكانية قد يُعَدون بسهولة «حدّيين» في لغة التحليل النفسي المعاصرة. لكن إذا اعتُمِد المنظور القائل إن العصاب والذهان يتميزان، على التوالي، بوجود الكبت أو غيابه، وإذا قُبل فوق ذلك أن الكبت ظاهرة من نمط الكل أو لا شيء، أي إنه إما أن يكون قد وقع أو لم يقع، فلا يمكن أن توجد منطقة حدودية حقيقية بين العصاب والذهان. وقد يكون من العسير جدًا، كما ذكرت سابقًا، أن نحدد التشخيص الصحيح بثقة في بعض الأحيان، لكن المتردد أو المتقلب بين التشخيصين هو السريري، لا المحلَّل.
ومع أن بعض المقاربات النظرية تتحدث عادة عن مرضى يصيرون ذهانيين ثم يدخلون في «هَدأة»، أي ربما بمعنى أنهم لم يعودوا ذهانيين، وفي تقاليد أخرى ليس من النادر الحديث عن «أجزاء ذهانية وغير ذهانية من الشخصية»، فإن التقليد اللاكاني لا يرى تدرجًا متصلًا بين العصابي والذهاني، بل يرى انقطاعًا حادًا، كما لا يرى أي حركة ذهابًا وإيابًا عبر الخط الفاصل بين العصابي والذهاني في نقاط مختلفة من حياة الشخص.
وفي حين اتجه كثير من التفكير النفسي والتحليلي والطب النفسي المعاصر إلى تصنيف المرضى بحسب ما إذا كانوا يستخدمون «دفاعات بدائية» في مقابل «دفاعات أكثر نضجًا»، فأنا أقترح أن الأدق هو إدراج هذه الدفاعات تحت العناوين البنيوية الأوسع: العصاب والذهان. فلا ينبغي النظر إلى الكبت بوصفه مجرد آلية دفاعية واحدة بين غيرها في قائمة طويلة من دفاعات العصابيين، بل بوصفه الشرط نفسه لإمكان تلك الدفاعات.
ففي إحدى أوراقه المبكرة قال فرويد إن الفكرة تنفصل، عبر الكبت، عن الوجدان المصاحب لها، ثم يُزاح هذا الوجدان إلى فكرة أخرى أو يتحول إلى عرض جسدي. ثم قال إن الفكرة «تُضعَف» بذلك إلى حد كبير و«تُفصَل عن كل ارتباط»، أي إنها تصبح جزءًا من «جماعة نفسية ثانية»، وبعبارة أخرى: تصبح لاواعية. وما كان لأي من هذه التحولات التي تصيب الأفكار والوجدانات أن يكون ممكنًا لو لم يكن اللاوعي قد جاء إلى الوجود أصلًا بفعل ما سماه فرويد «الكبت الأولي». ومع أنها لا يمكن مساواتها بالكبت، بالمعنى الدقيق، فإنها لا يمكن أن تقع في ذوات لم يقع لها الكبت الأولي. وهي كلها غير ممكنة في الذهان، حيث لم يقع الكبت الأولي. وقد استخدم فرويد لفظ verwirft في نصه من عام 1894 ليدل على فكرة جرى محوها، في مقابل أن تُزاح أو تتحول إلى أعراض جسدية أو تُعزل عن سائر الأفكار. وعندما يقع مثل هذا المحو، فإن الشخص «يتصرف كما لو أن الفكرة لم تخطر له [قط]». وفي هذه الحالات لا ينشأ اللاوعي عبر الكبت الأولي، ولذلك لا تعمل أنواع الدفاعات المتاحة للعصابي. وهذا المنظور النظري يفضي إلى بديل قاطع: إما الكبت الأولي وإما foreclosure، من غير أي منطقة رمادية أو حدودية بينهما.
Sinthome
في الذهانات، ما ينبغي فعله في الغالب الأعم هو ربط [الأبعاد الثلاثة] معًا حيث تعسر العقدة أن تنعقد، أو منع انفكاكها حين تكون الذات معرضة لذلك، أو المساعدة على إعادة عقدها حيث كانت العقدة السابقة قد انفكت، كما في ذهانات الرشد التي تُستثار لاحقًا.
—Nominé
في أعماله المتأخرة، تناول لاكان العصاب والذهان على نحو مختلف إلى حد ما: فبدل أن يقول إنه لا يوجد في الذهان بعد رمزي حقيقي، وبالتالي لا يوجد لاوعي عامل، افترض أنه، وإن كانت الأبعاد الثلاثة، التخيلي والرمزي والواقعي، حاضرة عمومًا في الذهان، فإنها ليست مربوطة بعضها ببعض كما هي في العصاب، ولا تعمل معًا بالطريقة نفسها التي تعمل بها في العصاب. وبصياغة مبسطة، تترابط هذه الأبعاد الثلاثة ترابطًا محكمًا في العصاب بتكوين نوع من العقدة، عقدة أطلق عليها فرويد اسم المركب الأوديبي، وعممها لاكان باسم «الاستعارة الأبوية». وطريقة انعقاد هذه العقدة ليست موفقة دائمًا، وقد تقود إلى أنواع كثيرة من المشكلات للعصابي، لكن العقدة تبقى متماسكة، ويمكن، في أفضل الحالات، التخفيف من آثارها غير الموفقة تخفيفًا كبيرًا عبر التحليل.
أما في الذهان، فعلى العكس، فإن التخيلي والرمزي والواقعي لا ترتبط قط ببعضها عبر المركب الأوديبي. وفي الحالات التي لا يتجلى فيها الذهان بوضوح إلا في سن متقدمة نسبيًا، تُمسَك الأبعاد الثلاثة معًا بطريقة أخرى، عبر عقدة «غير معيارية»، عقدة تنفك حين يُثار الذهان. وكما يتبين، يمكن لهذه الأبعاد الثلاثة أن تُمسَك معًا بطرائق متنوعة، كما نرى في الحالات المختلفة جدًا للذهان حين نفحص الأحداث التي أدت إلى زعزعة الاستقرار أو إلى الاستثارة: فقد يكون ذلك فقدان شريك أتاح للذهاني أن يؤدي دورًا مخصوصًا في الأسرة، وكان جسده نفسه حدًّا لتمتع الذهاني؛ أو فقدان القدرة على الانخراط في نشاط فني أو إبداعي ما بسبب حادث من نوع ما؛ أو فقدان عمل كان يمنح الذهاني غاية في الحياة. وفي كل واحدة من هذه الحالات، يمكن أن نفترض بأثر رجعي أن ما أتاح للذات أن تبقي صورة جسدها ولغتها وتمتعها عاملة معًا لم يكن المركب الأوديبي، بل كان، تباعًا، شريك حياة، أو مسعى فنيًا، أو مهنة أو نشاطًا بعينه.
فكيف يبدو الأمر عندما لا تعمل الأبعاد الثلاثة معًا كما تعمل عادة في العصاب؟ لقد أشار لاكان إلى أن بإمكاننا أن نلمح فشلها في العمل معًا على النحو الذي يحدده المركب الأوديبي بالنظر إلى شخصية Stephen Daedalus عند James Joyce في A Portrait of the Artist as a Young Man. ففي أحد المواضع، يسخر زملاء Stephen منه لأنه اقترح أن Byron هو أعظم شاعر على الإطلاق، ويضربونه بوحشية ملحوظة عندما يرفض التراجع عن قوله. والغريب أنه، بسرعة شديدة، «لم يحمل ضغينة… للذين عذبوه» و«شعر أن قوة ما كانت تنزع عنه ذلك الغضب المنسوج فجأة كما تُنزع القشرة الرخوة الناضجة عن ثمرة». وبدل أن نخمن أن Stephen ماسوشي ببساطة، أي إنه ربما استمتع بخشونة زملائه معه، اقترح لاكان أن Stephen يكشف هنا عن علاقة غير مألوفة بجسده، لأن الغضب الذي يشعر به المرء عادة بوصفه إحساسًا جسديًا يدوم بعض الوقت يُنزَع هنا كما تُنزَع قشرة موزة. فبدل أن يغتاظ أو يتوتر أو يمتلئ بالأدرينالين أو يغلي غضبًا، يخلع Stephen «ذلك الغضب المنسوج فجأة» كما يخلع الثعبان جلده القديم، من غير أي أفكار متعالية عن المسامحة أو عزم راسخ على الثأر عاجلًا أو آجلًا. بل يبدو الأمر كما لو أن الضرب لم يمس صميم كيانه أصلًا؛ لم يؤثر فيه على النحو الذي كان سيؤثر به في معظم الناس. ويبدو أن جسد Stephen، الذي يمكن ربطه هنا بالبعد التخيلي من حيث إن التخيلي يتعلق قبل كل شيء بصور الجسد وحدوده، غير متصل به اتصالًا أساسيًا: فهو لا يبدو شاعرًا بأن تعرض جسده للهجوم يعني أن شخصه نفسه مهدد؛ ولا تظهر أي لذة لاواعية غير معترف بها بالألم؛ ولا يبدو أنه يشعر بأنه قد ظُلِم أو انتُهِكت حرمته على نحو ملحوظ؛ كما أن الحادثة لا تؤدي إلى تكوين حقد.
وهذا الانقطاع بين السجل التخيلي وبين السجلين الرمزي والواقعي هو، بحسب لاكان، وصفة للذهان، تؤدي في حالات كثيرة إلى تبدد الشخصية وخبرات الخروج من الجسد، وما إلى ذلك. وبعبارة مبسطة، اقترح لاكان أن كتابة Joyce والاسم الذي صنعه لنفسه عبر هذه الكتابة هما ما يمنع التخيلي، في حالته، من أن ينفصل انفصالًا كاملًا عن الرمزي والواقعي. وبهذا المعنى، تؤدي كتابته له وظيفة ما سماه لاكان sinthome، أي العرض أو العقدة التي تحتل مكان المركب الأوديبي عنده، والتي تتيح له، بصورة تكاد تكون حرفية، أن يبقي الجسد والروح متماسكين معًا.
ويبدو أن sinthome لدى Joyce كان شديد المتانة، ولم يحتج إلى مساعدة تحليلية نفسية. أما الآخرون الذين لا تُمسك لديهم الأبعاد التخيلي والرمزي والواقعي معًا بما نحيل عليه عادة باسم المركب الأوديبي، فليسوا جميعًا بهذه الدرجة من الحظ. فقد يكون الشخص قد وجد sinthome أو بناه في وقت ما، لكنه ينهار أو يبدأ بالانفكاك تحت ضغط ظروف حياتية معينة تهدد استقرار الحل الذي توصل إليه الشخص لمشكلة إبقاء الجسد والروح معًا، إذا جاز التعبير. وهدف المحلل في مثل هذه الحالات هو أن يساعد المحلَّل على أن يجد طريقًا إلى الاستقرار السابق، أو أن يجد وضعًا جديدًا يقود إلى استقرار من النوع نفسه أو من نوع مختلف قليلًا.
وفي بعض الحالات، مثلًا عندما يكون الاستقرار السابق للمحلَّل نابعًا من علاقة وثيقة بطفل أو بشريك حياة مات، لن يكون الرجوع ممكنًا، وسيتعين العثور على شيء ذي صلة أو شيء جديد بالكامل. وفي حالات أخرى قد يكون الرجوع ممكنًا إذا أزيلت بعض العوائق من الطريق. وفي حالات أخرى أيضًا، «يمكن للرابطة التحليلية نفسها أن تشكل sinthome للذات إذا أصر المحلل على محاولة ضمان النظام الجديد للكون [الذي بناه المحلَّل]. وهذا تحديدًا ما تتوقعه الذات: أن يصير المحلل شاهدًا، وأن يضمن هذا النظام». وكما أشرت سابقًا، فإن هذا يدعم فكرة انخراط المحلل مدى الحياة مع بعض المحلَّلين الذهانيين، إذ توجد في هذه الحالات علة بنيوية لتحليل لا تفرض بنيته الداخلية له خاتمة ضرورية.
Capitonnage المعمَّم
إن استعارة ضلالية هادئة توجه حياة الذات وأفكارها وأفعالها وروابطها بالآخرين أكثر مما نميل إلى الاعتقاد، من غير أن يبدو ذلك مرضيًا في نظر أحد.
—Deffieux
في هذا القسم، أقدم عرضًا شديد التكثيف لبعض النظرية التي تقف وراء صياغة لاكان للذهان من خمسينيات القرن العشرين إلى سبعينياته، وهو عرض ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد فاتحة شهية لا أكثر. ولا يسعني إلا أن آمل أن تدفع مناقشتي هنا القراء إلى التوسع في قراءة نصوص لاكان المختلفة حول الموضوع.
فعندما أعاد لاكان صياغة «علم الأمراض النفسية» في السبعينيات، افترض، في الجوهر، أننا جميعًا، سواء كنا عصابيين أو ذهانيين، نمسك بعضنا ببعض، أو «نعقد» أو «نخيط» بعضنا ببعض، على نحو عرضي مخصوص. ومع أن نوع العقدة أو الغرزة التي تمسك أغلبنا معًا يرتبط بالمركب الأوديبي، فثمة أنواع أخرى من الغرز أيضًا. والمثير للاهتمام أن لاكان كان قد استخدم بالفعل، في الخمسينيات، استعارة من عالم العقد والخياطة حين أعاد صياغة مركب فرويد الأوديبي بوصفه الاستعارة الأبوية، حيث يمنع الأب رغبة الطفل في الأم ورغبة الأم في الطفل، ويسمي نقص الأم أو رغبتها على أنها متعلقة بالأب. فالاستعارة الأبوية، بحسب لاكان، تربط على نحو دائم بين خسارة للتمتع الجسدي وبين اسم، أي إنها تعقد معًا فقدان الطفل للتماس القريب بالأم وName-of-the-Father.
وقد سمى لاكان هذا الاتصال الأول الذي لا انفصام له بين اللغة وخبرة فقدانٍ ما للتمتع «ربطة الزر» (button tie)، وهي نوع من الغرز أو العقد يستخدمها المنجدون لكي يمنعوا الحشوة في قطعة أثاث من التحرك بالنسبة إلى القماش الذي يغطيها. ويفعل المنجدون ذلك بتثبيت زر في خيط يمر عبر الحشوة والقماش، وبذلك يمسكونهما معًا بالنسبة إلى بعضهما بعضًا، مع أنهما لا يكونان بالضرورة مثبتين إلى جزء أكثر بنيوية من قطعة الأثاث. وإذا نظرنا إلى ذلك من منظور النظرية التي عرضها لاكان في السبعينيات، أمكننا أن نرى أن ربطة الزر هي بالفعل sinthome، بمعنى ما، لأنها غرزة أو عقدة تربط اللغة والجسد والتمتع بعضه ببعض. ومن ثم يمكن النظر إلى ربطة الزر التي تشكلها الاستعارة الأبوية على أنها واحدة من الغرز الممكنة بين غيرها.
وبهذا المعنى، يمكن أيضًا فهم sinthome على أنه استمرار أو امتداد لمفهوم capitonnage الذي طوره لاكان ابتداءً من الندوة الخامسة وكتب عنه عام 1960. وقد نما مفهوم capitonnage من بصيرته الأساسية في كيفية تشكل المعنى: فكما أن بداية الجملة لا تكتسب معناها بالضرورة إلا حين يكون المرء قد سمع أو قرأ نهايتها، فإن الحدث الذي يقع في نقطة معينة من حياة المرء لا يكتسب معناه أو لا يصبح مفهومًا إلا لاحقًا. بل إن جزءًا حاسمًا من العمل التحليلي مع العصابيين ينطوي على فحص اللحظات الحرجة من الماضي ومحاولة الاهتداء إلى ما الذي جعلها حرجة إلى هذا الحد، بل ما الذي جعلها نقاط انعطاف كبرى. وكثيرًا ما يستلزم هذا الرجوع إلى حدث بعينه مرارًا في لحظات مختلفة من مجرى التحليل، في محاولة لتحديد الرهانات الليبيدية التي كانت داخلة فيه.
والأحداث التي يعود إليها المحلَّلون مرارًا تختلف كثيرًا من حيث الطابع ومن حيث العمر الذي وقعت فيه. ففي إحدى حالاتي، كان الحدث مشهدًا هستيريًا من الأم بعد وقت قصير من استعادة حضانة طفلها الصغير، بكت فيه بمرارة من معاملة العالم لها، ومن معاملة الرجال لها بخاصة؛ ولم يعد طفلها بعد ذلك المشهد كما كان قط، إذ اتخذ خلاله وفي أعقابه عددًا من الاختيارات الغامضة والمعقدة التي استغرق حلها وإعادة بنائها سنوات كثيرة. وفي حالة أخرى، كان الحدث هو الموت المبكر للأم، ثم زواج زوجها ثانية على نحو يكاد يكون فوريًا، الأمر الذي قاد ابنها البالغ إلى أن يشكك في كامل أساس الأسرة حتى ذلك الحين: هل كان الأب قد أحب الأم حقًا أصلًا؟ وهل كان الأب يريد الأطفال حقًا؟ إن الانبعاث المفاجئ لليبيدو عند الأب، والاضطراب الذي أحدثه في ليبيدو الطفل، شكلا حدثًا كبيرًا عاد إليه المحلَّل مرارًا في محاولة لأن «يمسك بطرفه».
وفي حالة ثالثة أيضًا، كان الحدث محاولة انتحار شبه مكتملة بالتسمم الكحولي، وقد فكر فيها المحلَّل في البداية بوصفها مجرد محاولة مبكرة ليرى كيف يكون السكر. لكن سرعان ما اتضح أنها تضمنت أيضًا تطابقًا قويًا مع شخصية شبيهة بالأب من سلسلة قصص مصورة، ومن ثم مع والده الكحولي هو نفسه. وقد أدت صراعات المحلَّل مع أمه لاحقًا إلى إدراك أنه كان، على الأرجح، يحاول أن يحرمها شيئًا ما، حتى لو كان الثمن حياته هو، ثم أُسندت إلى الحدث معانٍ لاحقة شملت أيضًا لوْمًا ربما كان يوجهه إلى أبيه. وقد راحت الصراعات الجارية بين المحلَّل وبين كل واحد من أفراد أسرته تدخل في البؤرة تدريجيًا، وأُعطي الحدث الأصلي أو الوضع الأصلي سلسلة كاملة من المعاني، وهي معانٍ لم تكن تلغي بالضرورة بعضها بعضًا أو تناقض بعضها بعضًا، لكنها كانت تقدم كل واحدة منها قطعة من الأحجية، استنادًا إلى ما كان قد جرى تفصيله حتى ذلك الحين في التحليل. ويحاول المحلَّل العصابي بهذه الطريقة أن يربط معنى حدث سابق أو يثبته بأثر رجعي، بعد سنوات أو حتى عقود من وقوعه، بحيث تؤدي كل إعادة قراءة إلى تثبيت المعنى مؤقتًا، وتثبت بعض الإعادات ذلك المعنى لمدة أطول من غيرها. ولاحظ أن لهذا العمل بنية الاستعارة الاستبدالية، بمعنى أن تأويلًا يوضع مكان تأويل آخر، جديدًا في مكان قديم.
وكل معنى جديد يُبلَغ إليه يؤدي وظيفة مرساة من نوع ما، تربط عوالم المعنى والخبرة لدى المحلَّل بعضها ببعض، وتتشكل كل واحدة منها على غرار المرساة الكبرى التي أشار إليها لاكان باسم «الاستعارة الأبوية». فمتى وُضعت ربطة الزر الأولى التي تشكلها الاستعارة الأبوية، أصبح من الممكن إنشاء معانٍ مستقرة أخرى، وإعادة إنشائها عند الضرورة عبر العمل التحليلي. ولكل واحد من هذه المعاني أثر في لاوعي المحلَّل، وهو ما كان لاكان يرمز إليه بالعلامة .
وقد سمح لي هذا العرض المختصر جدًا بأن أجمع تقريبًا جميع عناصر ما اعتبره لاكان البنية الأساسية للدلالة نفسها، وهي بنية تعمل بوضوح في العصاب لا في الذهان:
ومن غير أن أدخل في جميع تفاصيل هذه الصياغة، دعني أشير فحسب إلى أن كلا المصطلحين اللذين يظهران في السطر السفلي، أي الذات المشطوبة وobject *a*، يرتبطان بنوع من الثبات أو حتى التثبيت: ثبات للمعنى في حالة الذات المشطوبة، وتثبيت لرغبة الذات في حالة object *a*. وobject *a* هو مصطلح لاكان لما يسبب رغبة المرء في أعمق أصولها، وما يوقظها من جذورها. فسبب رغبة العصابي، في الكلام العام، محدد جدًا بحسب لاكان، حتى لو كان من العسير جدًا وصفه؛ ومن أمثلة object *a* طريقة معينة في أن يُنظَر إلى الشخص، أو نبرة أو طبقة معينة في الصوت، أو الثدي، إلى آخره. والفكرة الأساسية هنا هي أن رغبة العصابي تستثار بموضوع واحد مخصوص، ولا يكاد يثيرها شيء غيره.
إن البنية الأساسية للدلالة، التي تُؤسَّس في العصاب، تنطوي معًا على ثبات المعنى وتثبيت الرغبة. وثبات المعنى يعني تقييد من يكون المرء وما يكونه، أي الخصاء بالمعنى التحليلي النفسي للكلمة، وتثبيت الرغبة يعني الحد من التمتع، لا تمتعًا غير محدود ولا منفلتًا ولا خارجًا عن السيطرة.
أما في الذهان، فكثيرًا ما نعجز عن العثور على مثل هذا الثبات أو مثل هذا التثبيت. وما أطلق عليه المحللون النفسيون بازدراء اسم «النرجسية» و«العظمة» يمكن فهمه فهمًا أفضل بوصفه غيابًا للحد. ففي الذهان لا تتأسس أي ربطة زر أولى قط، لأن الاستعارة الأبوية لا تُؤسَّس، أي إن الأودبة لا تقع، وهذا يعني أنه لا يمكن إقامة أي صلات دالّة أخرى مخصوصة بين عوالم الخبرة والمعنى. فنحن لا نجد، في العمل التحليلي مع الذهانيين، أنهم يعودون إلى الحدث نفسه مرارًا ويعطونه كل مرة معاني جديدة تفصل جوانب أخرى من الخبرة. إنهم عاجزون عن إنتاج S<sub>2</sub> يمكن أن يثبت بأثر رجعي معنى حدث سابق، أي تأويلًا جديدًا يحل محل تأويل قديم، فيكوِّن بذلك استعارة استبدالية. وما يستطيعون قوله لا يشكل إلا سلسلة من الأحداث الجديدة، كل واحد منها يبدو وكأنه يعمل مستقلًا عن الآخر، من غير أن يؤثر اللاحق بأثر رجعي في السابق على نحو «يغلق الدلالة»، أي يثبت دلالتها تثبيتًا مؤقتًا. أما في حالة العصابي، فعلى العكس، فإن إنتاج S<sub>2</sub> جديد في مجرى التحليل يحدث أثرًا مهمًا في الذات المنقسمة بين الواعي واللاواعي، من حيث إن التأويل الجديد يصيب شيئًا كان سابقًا لاواعيًا.
وما نجده كثيرًا في الذهان، بدلًا من ذلك، هو صعوبة إيقاف تدفق الأفكار أو حركتها عند نقطة بعينها؛ ومن هنا صعوبة العثور على موضع مناسب، أي معنى ذي شأن قد تكوَّن، يمكن أن يُجرى عليه قطع للجلسة. بل إننا نجد في الهوس ما يسمى كثيرًا «الخروج عن السكة» أو «تطاير الأفكار»، أي حركة في الكلام تبدو عاجزة عن أن تثبت بأثر رجعي أي معنى بعينه أو تحده بحيث يرضى به الذهاني. ويُدرَج هذا العجز أحيانًا، في الطب النفسي، تحت عنوان «اضطرابات التفكير»، وهو، في رأيي، عنوان ضبابي جامع ينبغي أن يُصاغ بلغة بنية إنتاج المعنى ذاتها. ومع أنه يبدو ممكنًا أن نجرِّد بعض الأحداث المؤلمة في ماضي المحلَّل الذهاني من التمتع المرضي المتعلق بها، فإن تثبيت معناها أصعب بكثير، وكذلك تثبيت تمتعها أو الحد منه بمجرد أن يُستثار الذهان، إذ يصبح «جسدها، بدل أن يكون صحراء كما هو عند [العصابيين]، محاصَرًا ومجتاحًا بتمتع لا يُنطَق به ولا يمكن فك رموزه».
وobject *a*، الذي يظهر أيضًا على السطر السفلي من البنية الأساسية للدلالة المعروضة سابقًا، يموضع التمتع لدى العصابي على نحو دائم ومستمر؛ بل إن العصابي كثيرًا ما يشتكي من أنه لا يجد أحدًا، إلا في الخيال، يكلمه بالنبرة التي يريد أن يُكلم بها، أو ينظر إليه بالطريقة التي يريد أن يُنظر إليه بها، كأنه لا سبيل آخر بالنسبة إليه لاختبار التمتع. أما في الذهان، فعلى العكس، فلا يعمل object *a* بالطريقة نفسها، وقد يكون تمتع الذهاني، عندما يقع انفجار، صعب التموضع والحد، إن لم يكن مستحيلًا. وهذا يقود الذهاني، على نحو متكرر أكثر مما ينبغي، إلى محاولة تموضع تمتعه هو نفسه والحد منه بتشويه «الأعضاء المسيئة» أو قطعها، أي الأجزاء من جسده التي يشعر أنها تغدو مجتاحة بالتمتع. وكما قال Miller: «حين لا يُرمَّز الخصاء، فإنه يطلب أن يُنفَّذ في الواقعي»، الأمر الذي يوحي بأن كثيرًا من القطع وتشويه الذات الذي نلقاه في العيادات اليوم قد يكون في الواقع تعبيرًا عن محاولات من الذهانيين لتنفيذ نوع من «الخصاء الواقعي» حيث لم يكن «الخصاء الرمزي» قادرًا على الحدوث.
وواضح أن هدف المحلل هو مساعدة الذهاني على الحد من تمتعه وتحديده من غير أن يقطع نفسه إربًا، وأن يساعده على أن يجد طريقة يوقف بها ذلك الإفراغ المفاجئ لكل المعاني المستقرة الذي قد يحدث أثناء النوبة الذهانية. لكن بما أن الذهاني لا يعمل داخل البنية الأساسية للدلالة التي عرضناها قبل قليل، فإن الحدود والمعاني لا بد أن يُعثَر عليها بطرق أخرى غير تلك التي يُعثَر عليها بها في العمل مع العصابيين. فالعمل مع الذهانيين غير قابل للتنبؤ، وكما في كل عمل تحليلي نفسي، يجب أن يظل المحلل مفتوحًا على المفاجأة، ومستعدًا لاستخدام كل ما يقدمه الموقف. إن الاستقرار بمساعدة تكميل تخييلي، أي بشيء في البعد التخيلي يمكن أن يكمل السجلات الثلاثة التي لا تعمل معًا أو أن يمسكها بعضها ببعض، هو طريق معروف ومثبت نسبيًا؛ وفي محاولة تعزيز مثل هذا التكميل التخيلي، قد يشجع المحلل الميول الفنية الموجودة أصلًا لدى المحلَّل، سواء كانت في التصوير أو الرسم أو النحت أو الرقص أو الموسيقى أو غيرها من الفنون. أما الاستقرار بمساعدة تكميل رمزي فهو طريق معروف آخر، إذ يحاول المحلل الاستفادة من الميل الشائع بين الذهانيين إلى الكتابة، حين لا يكون مضطرًا، كما يحدث كثيرًا في حالات الذهان المستثار، إلى أن يكتفي بالشهادة والمساعدة في إنتاج منظومة معنى ضلالية، أي استعارة ضلالية تقوم مقام الاستعارة الأبوية، وتبني، على نحو أعم، البعد الرمزي كله.
إن اللوازم العلاجية لنظرية لاكان في الذهان في سبعينيات القرن العشرين توسع مقاربته الأسبق: فلم يعد على المحلل أن يحاول فحسب إما منع الانفجار من الحدوث أو توجيه مشروع ضلالي في مسار غير خطر؛ بل تظهر هنا خيارات أخرى في الأفق أيضًا، مثل إعادة المحلَّل إلى حالة استقرار سابقة، أو العمل نحو حالة استقرار جديدة لا يلزم بالضرورة أن تقوم على إعادة بناء الكون كله على نحو ضلالي. ومع أن لاكان لا يقدم أي إرشادات محددة تقريبًا عن الكيفية التي ينبغي بها التقدم، فإن استراتيجيات علاجية جديدة تغدو هنا، على الأقل، قابلة للتصور.
ولاحظ أن لاكان، بخلاف بعض المحللين، لم يكن يعتقد أننا نستطيع أن نحوّل الذهانيين البالغين الذين يأتون إلينا إلى عصابيين. ففي نظره، إذا لم تكن الاستعارة الأبوية قد أُسِّست قبل السادسة أو الثامنة من العمر تقريبًا، فإنها لن تُؤسَّس أبدًا. وخلافًا لـ Winnicott وSpotnitz وبعض المحللين الآخرين، لم يكن لاكان يعتقد أن المرضى يمكن أن «ينكصوا» إلى جميع «مراحل التطور» السابقة ويجتازوها من جديد مع المحلل. فالشخص الذي بلغ الرشد وصار ذهانيًا لا يمكن، من الناحية النظرية، أن يصير في نهاية تحليله ذاتًا منقسمة بين اللاواعي والواعي. ومع أن آراء لاكان في علاج الذهان قد لا تكون بالقدر نفسه من التفاؤل الذي نجده عند بعض المحللين الآخرين، فإنه يبدو مع ذلك أكثر رجاءً في ما يتعلق بمآل المصابين بالبارانويا منه في ما يتعلق بالمصابين بالفصام.
ملاحظات ختامية
حين تواجه شخصًا مجنونًا وضلاليًا، فلا تنس أنك أنت أيضًا ذات يوم كنت محلَّلًا، وأنك أنت أيضًا تكلمت عما لا وجود له.
—Miller
ينبغي أن يكون واضحًا أن مناقشتي هنا للمقاربة اللاكانية في علاج الذهان مناقشة شديدة الإيجاز، فهي لا تقدم إلا رسمًا سريعًا لكيفية تموضع المحلل في العلاج، وإلى بعض المفاهيم الأساسية عما ينبغي أن يفعله وما لا ينبغي أن يفعله. ومع أن مناقشتي السابقة في هذا الكتاب للمقاربة اللاكانية في علاج العصاب أكثر تفصيلًا بكثير، فإنها تغطي المراحل المبكرة من العلاج على نحو أفضل بكثير مما تغطي به مراحله اللاحقة، ولا يمكن، بالتأكيد، أن تؤخذ بوصفها دليلًا شاملًا: فستكون هناك حالات لا تنطبق عليها، وحالات لا تكون فعالة فيها، وحالات يتعين فيها ثني القواعد الأساسية في نقطة أو أخرى حتى يبدأ التحليل أو يستمر. وهذا أصدق، بدرجة أكبر، على مناقشتي هنا لعلاج الذهان، وهي مناقشة آمل أن أقدم لها دليلًا أكمل في مناسبة أخرى.
كلمة ختامية
إن قراءة Freud، في حد ذاتها، تدربنا.
—Lacan
في محاولتي أن أصير ملمًا بمقاربات أخرى للنظرية والممارسة التحليليتين النفسيتين، لاحظت أن المحللين كثيرًا ما يكونون قراءً سيئين جدًا لأعمال بعضهم بعضًا. فثمّة قدر من التراخي مدمج في صيغة الإحالة نفسها، تلك التي تتضمن اسم المؤلف وسنة النشر ولا تتضمن رقم الصفحة، والتي يعتمدها كثير من المحللين وعلماء النفس؛ وكأن ما يقولونه عن عمل ذلك المؤلف بديهي أو متفق عليه على نطاق واسع، بحيث لا حاجة إلى الإشارة إلى مقطع بعينه أو التعليق عليه. غير أنني وجدت، مرة بعد مرة وأنا أعد هذا الكتاب، أن ما كان يقوله المؤلفون لم يكن بديهيًا ولا متفقًا عليه على نطاق واسع، وأن مجرد مقارنة عابرة بين تأويل الشارح والنص الأصلي تكشف عن فجوة معتبرة.
وفي مرحلة من تطور المعاهد التحليلية النفسية وغيرها من برامج التدريب، حيث يبدو أن الطلاب وأعضاء الهيئات التعليمية على السواء يركزون على المرور بالمادة بسرعة أكبر فأكبر، ويميلون إلى قراءة المصادر الثانوية وحدها، أرى من المهم أن أؤكد أنه لا شيء يعوض قراءة النصوص الأصلية لكبار المحللين. فليس Sandler ولا Mitchell and Black ولا Segal، أي مؤلفو الشروح المعروفة على المفكرين التحليليين النفسيين، هم الذين يُعدون السريريين والمنظرين الخبراء، بل Freud وKlein وWinnicott وBion، إلى آخره. ويبدو أن المحللين لا يبذلون عناية كبيرة في قراءة أعمال بعضهم بعضًا على نحو يمنحهم إحساسًا جادًا فعليًا بها.
ولا يصدق ذلك على كتّاب الشروح وحدهم، بل حتى على بعض أشهر المنظرين: فعندما أشار Winnicott، مثلًا، إلى مقالة Lacan عن طور المرآة، لم يحتفظ بشيء يذكر من مفهوم Lacan الأصلي، واستخدم بدلًا من ذلك مصطلح «الانعكاس» ليتحدث عن شيء مختلف تمامًا. بل يمكننا أن نقول إنه لم يستعر إلا كلمة mirror نفسها. وعلى نحو مشابه، عندما صادف Heimann وRacker وBion مصطلح projective identification في أعمال Klein، قرأوا فيه بوضوح معنى هو معنى لهم هم، لا معنى Klein. وأقصى ما يمكن قوله، على ما يبدو، هو أنه عندما كان محلل ما يقرأ مقالة لمحلل آخر، خطرت له فكرة، ثم نسبها إلى صاحب المقالة. وهذه عملية غريبة جدًا، على أقل تقدير، لأننا كنا نتوقع من المحللين أن يحاولوا ادعاء الأصالة لأفكارهم الخاصة، بينما نراهم، في هذه الحالات على الأقل، يبحثون، ربما، عن ساتر خلف اسم محلل «كبير»، فيُدخلون أفكارهم من الباب الخلفي، إذا جاز القول، مستخدمين الألفاظ نفسها ليدلوا بها على شيء مختلف تمامًا.
وهذا يعقد مهمة الطالب تعقيدًا كبيرًا: فالمحللون من جميع مدارس التحليل النفسي تقريبًا يستخدمون الكلمات نفسها، لكنهم يعنون بها أشياء مختلفة جدًا. ويبدو أن دراسة تاريخ المفاهيم التحليلية النفسية وتطورها أمر لا غنى عنه لامتلاك فهم راسخ لهذا الحقل.
إن دراسة الأعمال التمهيدية في التقنية لا يمكن أن تكون بديلًا من الدراسة المعمقة للأعمال الكبرى في النظرية والممارسة التحليليتين النفسيتين. وأرجو أن تدفع اقتباساتي من Freud وLacan، ومناقشتي لهما، القارئ إلى الرجوع إلى الأعمال الكثيرة التي استشهدت بها، لا رجوعًا عابرًا فحسب؛ إذ إن المرء كثيرًا ما يجني من قراءة هذه الأعمال مرارًا وتكرارًا أكثر بكثير مما يجنيه من قراءتها مرة واحدة، ولا سيما حين يقرؤها مع جماعة من الناس، بحيث يُضطر إلى صياغة النقاط الرئيسة بصوت عالٍ للآخرين. فلا بد أن تتطور تقنية كل سريري مع الزمن، عبر الدراسة والخبرة، ومع تطور أشكال الاعتلال نفسها؛ وليس إلا على أساس معرفة عميقة بأسس التحليل النفسي يستطيع الممارسون أن يدفعوا التقنية في اتجاهات جديدة لا تكون مجرد رفض للتحليل النفسي أو رجوع إلى تصورات ما قبل تحليلية.
يجب أن تتطور التقنية دائمًا
لا حاجة بنا، بالطبع، إلى أن نجعل هذا، أو أي سياسة أخرى في التحليل، عادةً لنا؛ لأن المريض، ما إن يدرك الفكرة الجديدة، حتى يبدأ في مجاراتها ويحاول خداعنا.
—Glover
يقال إن المحللين الناطقين بالإنجليزية يعشقون الحديث عن التقنية، في حين أن المحللين الناطقين بالفرنسية يتحاشونها كما يتحاشون الطاعون. ويصدق ذلك خصوصًا على اللاكانيين، لكنني أرى أنه سيكون من الخير لهم أن يقضوا وقتًا أطول في بيان مقتضيات تنظيرهم التحليلي النفسي الغزير على مستوى الممارسة. فقد أدى عزوفهم عن مناقشة التقنية إلى أن يظن عدد من السريريين الناطقين بالإنجليزية، ممن لا تدريب رسميًا لهم في التحليل النفسي اللاكاني، أنهم يمارسون بطريقة لاكانية، في حين أنهم، في تقديري على الأقل، لا يفعلون شيئًا من هذا القبيل. وإذا ضغط عليهم في هذه المسألة، فالأرجح أنهم يدعون واحدًا من أمور ثلاثة: أنهم يفعلون الشيء نفسه الذي يفعله اللاكانيون ولكن يسمونه باسم آخر؛ أو أن أحدًا لا يعرف حقًا ما هي التقنية اللاكانية أصلًا لأن أحدًا لا يصفها أبدًا؛ أو أننا جميعًا، في نهاية المطاف، نواجه المشكلات نفسها، فهل يعقل ألا نكون جميعًا نفعل الأشياء نفسها مع مرضانا؟ وربما تكرم الفرنسيون بمحاولة ترجمة نظريتهم إلى ممارسة لو علموا ما الذي يفعله الذين يطلقون على أنفسهم اسم اللاكانيين، أو لو علموا أن مصطلحاتهم، بما في ذلك مصطلح الآخر الكبير ومصطلح الجدل والذاتية، تُستولى عليها لأغراض غريبة عنها تمامًا، غايتها في الجوهر ردُّ تغاير البعد الرمزي إلى تجانس البعد التخيلي. ويبدو أن ذلك يحدث قبل كل شيء في المدارس العلائقية والتفاعلية والبينذاتية. فـ«الثالث التحليلي» المزعوم عند Ogden، مثلًا، لا يتجاوز التخيلي بأي وجه؛ بل قد يُساوى، في الواقع، بمحور التخيلي ذاته.
ومن الحاسم أن نبين أي نوع من الممارسة يتدفق منطقيًا من نظريتنا، وإلا فقد ينتهي الأمر بالسريريين إلى الظن أن ممارستهم تستند إلى نظرية معينة، في حين أن تلك الممارسة قد تكون، في الحقيقة، مما تناهضه النظرية نفسها. ولذلك نحن ملزمون بأن نقدم «نظرية في الممارسة»، تمامًا كما نحن ملزمون بمناقشة ممارسة النظرية. وقد يترتب على الممارسة الواحدة، على نحو معقول، أكثر من نظرية، لكنني أظن أن ذلك هو الاستثناء لا القاعدة في الأغلب. وفي العالم الناطق بالإنجليزية اليوم، بدأ بعض السريريين المهتمين بأعمال Lacan يزعمون أن شكل ممارستهم يترتب على النظرية اللاكانية، في حين أنني أرجح أنه لا يمكن إقامة أي رابط تصوري متماسك بين الاثنين.
وتشتد الحاجة إلى ترجمة النظرية إلى ممارسة حين يتعلق الأمر بمعالجة الذهان؛ فالمحللون، وهم في أفضل الأحوال ليسوا ذهانيين، يستطيعون أن يستنبطوا بسهولة نسبيًا كثيرًا من عناصر التقنية من التحليلات التي خاضوها هم أنفسهم، لكنهم لا يستطيعون أن يستنبطوا من خبرتهم العصابية الخاصة في التحليل ما يخص الذهاني. وبعبارة أخرى، ففي سياق المغامرة التي هي التحليل النفسي الشخصي للمحلل، يتعلم المحلل المتدرب الكثير عن علاج العصاب، ويتعلم القليل النفيس عن علاج الذهان.
ولعل كل تقنية مخصوصة، وكل أداة تقنية مخصوصة، لا بد أن تستنفد نفسها في مرحلة ما: فحين تصير الجماعة المرضية مألوفة للغاية بأفكار ومقاربات تحليلية نفسية معينة، تعود هذه الأخيرة غير قادرة على إحداث الأثر الذي كانت تحدثه من قبل. وهذا ما حدث مع أنواع التأويلات التي كانت تُقدَّم أحيانًا في العقود الأولى من الممارسة التحليلية النفسية، تلك التأويلات التي كانت تستهدف معاني أوديبية محددة جدًا. فبحلول عشرينيات القرن العشرين، وجد Freud أن مثل هذه التأويلات لم تعد تحمل شيئًا من وقع الصدمة الذي كانت تحمله قبل ذلك. ولذلك لا بد أن تتطور التقنية باستمرار، لكن هذا لا يعني أنه، في سعي بعض المحللين وراء «الشيء الكبير التالي»، ينبغي أن يُرمى الطفل مع ماء الحمام: فالهدف العام في العمل مع العصابيين، أي الوصول إلى ما جرى كبته، يجب أن يبقى محفوظًا. وفي تعلم المحلل للتحليل النفسي مدى الحياة، عبر الدراسة وعبر المغامرة التي يمثلها كل تحليل جديد يجريه، ينبغي أن يبقى المبدأ الهادي هو: إحداث أثر في اللاوعي.
أين يمكن العثور على الموضوعية؟
مهما صغت التحليل النفسي، فإن صياغتك تميل دائمًا إلى أن تترقق، لكن ذلك لا يمنع التحليل من أن يكون شيئًا آخر، مع ذلك.
—Lacan
لقد سعى قسم كبير من التقليد التحليلي إلى العثور على أساس للموضوعية في العمل السريري داخل نوع ما من العلاقة القابلة تمامًا للمعرفة مع الواقع، واقع يُفترض أنه مستقل عن المحلل والمحلَّل معًا، ومن ثم يؤدي وظيفة الحدِّ لأفعال الاثنين وتأملاتهما. ويُنظر إلى هذا الواقع القابل للمعرفة على أنه معروف للمحلل أكثر مما هو معروف للمحلَّل في بداية التحليل، لكنه يشكل نوعًا من الآخر أو المرجع الموضوعي لكليهما، بما يضمن، في نظر كثير من الممارسين، ألا يتحول التحليل إلى délire à deux، أي حوار منفلت غير مؤسس وغير مربوط بشيء عن أحادي القرن والأقزام.
وفي الأجزاء من التقليد التحليلي التي تسربت إليها التفكيكية وما بعد الحداثة، لم يعد «الواقع» مرجعًا يقينيًا إلى هذا الحد، وصار «الإطار» التحليلي النفسي نفسه هو ما يُتشبَّث به بوصفه الضمانة الأخيرة الباقية للمحلَّل في وجه قدرة المحللين المطلقة إذا تُركوا لأجهزتهم الخاصة، أي إذا تُركوا لتحويلهم المضاد. فمن دون الإطار، يخشى المحللون أنهم سيعملون من غير حاجز حماية، ومن غير شبكة.
ويقترح التحليل النفسي اللاكاني، بدلًا من ذلك، أن نبحث عن معالم ثابتة في البعد الرمزي، أي في ما يقوله المحلَّل فعلًا وفي كل المعاني التي يمكن أن يتخذها في الآخر، وأن نبحث عن إشارات موثوق بها في الواقعي الذي يقاوم الترميز. فهذه توفر لنا إرشادات أوثق وأكثر نفعًا من مفهوم الواقع الموضوعي القابل للمعرفة المفبرك، ومن الاعتقاد بأن احترام الإطار يمكن أن يضمن شيئًا أكثر من أن يجد المحلل والمحلَّل نفسيهما في الغرفة نفسها بانتظام لمدة زمنية محددة، ومن الفكرة القائلة إن المرجع الثابت الوحيد للممارسة التحليلية النفسية هو أن يصرح المريض بأنه صار أفضل حالًا وأنه «يعيش تغيرات حياتية مرغوبة». لقد غلبت الفكرة الأولى من هذه الأفكار على التحليل النفسي خلال النصف الأول من القرن العشرين، والثانية خلال النصف الثاني، والثالثة طُرحت للقرن الحادي والعشرين. وبالنسبة إلى Renik، فإن المقاربة الثالثة تعطي المحلل «معيارًا للنتيجة مستقلًا نسبيًا عن نظريته الخاصة وخبرته المفترضة»، لكن من شأنها، في ما يبدو، أن توحي بأن تحليلًا بعينه أجريته كان سيكون ناجحًا إذا، وفقط إذا، أمكنني أن أمكن أحد محلَّليَّ، الذي كان يرغب في امتلاك السلطة على الجميع وإذلال كل من شعر دائمًا بالدونية أمامهم، من أن يحقق ذلك فعلًا وأن يشعر بالرضا وهو يفعله. وهذا يعادل، في النهاية، تبني الحكمة الرأسمالية القائلة إن «الزبون دائمًا على حق».
وكما أشرت سابقًا، فإن الشكل الوحيد من الموضوعية الذي يمكن أن نطمح إليه في التحليل النفسي هو عمل يقوم على المادة الرمزية: خطاب المحلَّل والإحداثيات الرمزية التي يزودنا بها. فهذا، في نهاية الأمر، هو ما يتيح لنا أن نناقش حالاتنا مع محللين آخرين، وأن يكوِّنوا آراءهم الخاصة في تلك الحالات، وهي آراء قد تختلف تمامًا عن آرائنا. وتعتمد وجاهتها المحتملة على الدرجة التي تفسر بها المادة الرمزية للحالة.
هل يلوح في الأفق تقارب؟
النظريات نفسها موسومة بالكبت.
—Miller
قدم Kernberg عرضًا مثيرًا للاهتمام لـ«التيارين الرئيسين في التيار التحليلي النفسي السائد باللغة الإنجليزية»، اللذين سماهما «التيار التحليلي النفسي السائد المعاصر» و«تيار البينذاتية - التفاعلية - سيكولوجيا الذات». أما المقاربة اللاكانية التي عرضتها في هذا الكتاب فهي تناقض تقريبًا كل تقنية نسبها Kernberg إلى التيار التحليلي النفسي السائد المعاصر، وتناقض كثيرًا من التقنيات التي نسبها إلى مدارس البينذاتية - التفاعلية - سيكولوجيا الذات. ثم مضى Kernberg فقدم عرضًا موجزًا لما يسميه «المقاربة التحليلية النفسية الفرنسية»، فذكر Lacan من غير أن يقتبس منه أو يحيل إليه فعلًا، وانتهى إلى الخلاصة التالية: «إذا استمر اتجاه التعديل المتبادل للفروق التي كانت موضع دفاع حار فيما مضى، فقد نتوقع قدرًا من التقارب بين المدرستين الفرنسية والإنجليزية في السنوات القادمة». وآمل أن يكون قد اتضح من عرضي في هذا الكتاب أن المقاربة اللاكانية للتقنية التحليلية النفسية ليست مرشحة لأي تقارب قريب مع أي من المدارس الإنجليزية التي أعرفها أو التي يذكرها Kernberg. فمواضع الخلاف بينها تبدو بنيوية أكثر مما ينبغي، لأنها قائمة على فروق نظرية لا سبيل إلى جبرها.