المظهر

من التحليل النفسي إلى التحليل الفُصامي
الفوضى والتعقيد في الممارسة العلاجية
سكوت ويليام غريمِلز
أطروحة دكتوراه
كلية لندن للاقتصاد
جامعة لندن
رقم UMI: U615615
جميع الحقوق محفوظة
معلومات إلى جميع المستخدمين
تعتمد جودة هذا الاستنساخ على جودة النسخة المقدمة.
وفي الحالة غير المحتملة التي لا يكون فيها المؤلف قد أرسل مخطوطًا كاملًا وكانت هناك صفحات مفقودة، فسيُشار إلى ذلك. وإذا كان لا بد من حذف مادة ما، فسيُبيَّن ذلك بملاحظة.
UMI U615615
نُشر بواسطة ProQuest LLC عام 2014. حقوق النشر في الأطروحة محفوظة للمؤلف.
طبعة الميكروفيلم © ProQuest LLC.
جميع الحقوق محفوظة. هذا العمل محمي من النسخ غير المصرح به بموجب الباب 17 من قانون الولايات المتحدة.
ProQuest LLC
789 East Eisenhower Parkway
P.O. Box 1346
Ann Arbor, Ml 48106-1346
الملخص
تنخرط الحياة الإنسانية في عملية دائمة من رسم الخرائط وبناء النماذج عن الكون الخارجي. ومن المستوى المباشر للإحساس إلى أشكال أكثر تجريدًا من الخرائط الانفعالية والمعرفية، يبني الكائن البشري شبكة من الخبرة الداخلية التي تقوم عليها عملية بناء «الواقع» وإدراكه. ويكوّن فعل التعلّم هذا البرنامج الجيني والعصبي واللغوي والاجتماعي الذي تُبنى به الذاتية الفردية والجماعية. أما الإدراك الموضوعي للواقع، الذي لا يتاح بالكامل للإدراك الذاتي الإنساني، فهو أمر يمكننا أن نسعى إليه، غير أننا لا نتحرر أبدًا نهائيًا من حدود الموقع الذاتي الذي يختبر فيه كل واحد منا هذا الواقع بوصفه «واقعه». ثم إن هذا الواقع، أو الذاتية، أو الخبرة الداخلية، يكوّن عالمًا خاصًا به هو الآخر، عالمًا قد يكون لاواعيًا، لكنه ليس مجرد جزء من الواقع فحسب، بل ربما كان أكثر تأثيرًا في حياتنا من الخبرة الواعية أو الموضوعية لذلك الواقع.
الكتاب الأول. بناء الذاتية – علم النفس الحيوي
1. الإنسان والصيرورة – كائن واعٍ
تنخرط الحياة الإنسانية في عملية دائمة من رسم الخرائط وبناء النماذج عن الكون الخارجي. ومن المستوى المباشر للإحساس إلى أشكال أكثر تجريدًا من الخرائط الانفعالية والمعرفية، يبني الكائن البشري شبكة من الخبرة الداخلية التي تقوم عليها عملية بناء «الواقع» وإدراكه. ويكوّن فعل التعلّم هذا البرنامج الجيني والعصبي واللغوي والاجتماعي الذي تُبنى به الذاتية الفردية والجماعية. أما الإدراك الموضوعي للواقع، الذي لا يتاح بالكامل للإدراك الذاتي الإنساني، فهو أمر يمكننا أن نسعى إليه، غير أننا لا نتحرر أبدًا نهائيًا من حدود الموقع الذاتي الذي يختبر فيه كل واحد منا هذا الواقع بوصفه «واقعه». ثم إن هذا الواقع، أو الذاتية، أو الخبرة الداخلية، يكوّن عالمًا خاصًا به هو الآخر، عالمًا قد يكون لاواعيًا، لكنه ليس مجرد جزء من الواقع فحسب، بل ربما كان أكثر تأثيرًا في حياتنا من الخبرة الواعية أو الموضوعية لذلك الواقع.
وإذا انتقلنا إلى مستوى أعلى من النمذجة عبر ما وراء النمذجة، أمكننا أن نفهم كيف قامت نظريات شتى عن الحياة الإنسانية برسم خرائط للواقع. إن الربط العرضي بين النظريات أو النماذج المختلفة يتيح لنا أن نصنع خرائط أوضح للعملية، وأن نتجاوز الفوارق الناشئة عن المحتوى الذي يمنح المعنى للذاتية الباطنة وينظّم النظريات والتخصصات والممارسات كما تفعل أنظمة المعتقد الديني. والتحليل الفُصامي بما وراء النمذجة ينخرط في هذه العملية العرضية للتواصل، التي بواسطتها تُتجاوز وجهتان أو أكثر مختلفتان للواقع، أو ذاتيتان أو واقعان، عبر الانتقال إلى المستوى المنطقي الأعلى التالي في هرمية متداخلة من التنظيم. وكان «التحليل الفُصامي» أحد الأسماء التي أطلقها فيليكس غواتاري وجيل دولوز على مشروعهما الطويل في إعادة اختراع التحليل النفسي والممارسة العلاجية، وتوسيعهما إلى الحقل المادي والاجتماعي. وبإعطائهما اسمًا لهذه الممارسة ورسم معالم جوهرها، شرعا في جمع أعمال محللين وفنانين وفلاسفة وعلماء مختلفين كانوا، على الرغم من تفرقهم، منخرطين بالفعل في مشروع من هذا القبيل لتحويل التجربة الإنسانية، ولم يبدأ تاريخهم بعد إلا في أن يُروى.
يوجد خيط يمتد من نيتشه إلى دولوز وغواتاري، يلتفّ على قرن كامل من العمل الفقير في مجالات علم النفس والعلاج النفسي والطب النفسي والتحليل النفسي والتخصصات ذات الصلة. فقد كان نيتشه بالفعل معالجًا/طبيبًا بارعًا في البعد الحيوي-النفسي-الاجتماعي، حتى إن فرويد قال إنه كان يعرف عن نفسه أكثر من أي إنسان واحد، ومع ذلك اعترف بأنه لا يستطيع قراءته. وتقدّم أعمال دولوز وغواتاري جوابًا عن رؤية نيتشه لتحويل العلاج إلى ممارسة يومية. فخاتمة كتابهما الأخير «ما الفلسفة؟» — «من الفوضى إلى الدماغ» — تقدّم نموذجًا للكائن الحيوي-النفسي الإنساني بوصفه عقدة تنظّم الطاقة-المادة باستمرار في أحداث جسدية-انفعالية-معرفية يمكن أن تُسمّى «دولًا ذات سيادة». وربما كانت نقطة الضعف الوحيدة في مقاربتهما هي الإفراط في الاعتماد على الدماغ، بدلًا من التجسّد المركب للذاتية الذي يشمل تيارات حيوية-نفسية متعددة للجسد، بما فيها النظم الهرمونية والمناعية والمسارية وغيرها من نظم المعلومات-الطاقة.
وإذا نظرنا إلى الكائن البشري وهو عالق في هذا الجريان، وجب أن نرى أن فكرة الأنا أو الوعي نسبية، وأن العمل في التحليل النفسي والتنويم والإمكانات النفسدوائية والظاهراتية لم يرسم إلا على نحو جزئي كيف يكون النقل والتنويم حاضرين في الحياة اليومية على نحو واسع ولا يمكن حلهما. فالنماذج العلاجية القائمة باتت عتيقة. وتستعير الممارسات التحليلية الفُصامية في الخرائط النظرية والعملية من جميع هذه النماذج، لكنها تستعير أيضًا من الفن والأدب، في تطوير سبل للقبض على اللحظات التعبيرية والدول الذاتية السيادية والتواصل معها. وتمكّن ما وراء النمذجة التحليلية الفُصامية من إدراك الطبيعة المتقلبة والفوضوية للذاتية الإنسانية، حيث تعجز النماذج البسيطة التي تسعى إلى تعريفها عن بلوغها. وهي تختلف جذريًا عن النظريات والممارسات الراهنة للنفس في وجوه عدة:
يطوّر التحليل الفُصامي نمذجته للنفس البشرية بالاستناد إلى أولئك الذين عملوا عن قرب مع الخبرة «الذهانية» أو «الفُصامية»، مثل رايش ولاينغ ولاكان وغواتاري، والذين رأوا في الحالة المؤلمة لهؤلاء الناس حقيقة خبرتهم. ويتهيأ الشامان والصوفي للدخول إلى مثل هذه الحالات من النشوة الصوفية وإعادة تنظيم الإدراك المعتاد لأسباب شخصية وثقافية وعلاجية. أما الفُصامي فيُلقى في هذه الحالات على غير إرادته، بلا اختيار ولا خريطة تهديه.
يستبدل التحليل الفُصامي النماذج العلمية-العلاجية بنماذج أخلاقية-جمالية داخل بيئة نفسية ومادية. والغاية القصوى للتحليل الفُصامي بوصفه ممارسة حياة هي الإنسان في حالة خلق وتعبير دائمين عن جوهره بوصفه حدثًا في الزمن يتفاعل مع أحداث أخرى من الشكل نفسه في صورة بشر وطبيعة حيّة وأفكار ثقافية وطقوس اجتماعية وآلات للخلق. وهو لا يتجه إلى المعالجين وحدهم، بل إلى الفنانين والعلماء من جميع الأنواع لإعادة تشكيل التجربة النفسية-الاجتماعية.
لا يركّز التحليل الفُصامي على المصيدة، بل على الهروب أو إعادة ابتكار الممكن. ومنطلقه ليس ماضي النمو الأسري والبيولوجي، بل اللحظة الحاضرة كما تُعاش وهي تتجه نحو المستقبل المجهول. فكل جلسة أو ندوة أو ورشة أو عرض أو حدث أو تدخل أو مشروع، بما في ذلك الوجبة والعمل من أجل البقاء، يصبح فضاءً تحليليًا تنكشف فيه الاستثمارات الانفعالية في «النقل» أو «الرغبة» أو «الحب» على خلفية فكر واعٍ يعيد إدماج الخبرة المنقسمة بين النفس والجسد.
يتتبع التحليل الفُصامي الصورة بوصفها تنظّم الخبرة الباطنة داخل الفرد، وهو منفصل عن الأشكال الرمزية الاجتماعية المجرّدة من قبيل «الأخلاق» و«الحقيقة». فأفضل ما قدّمته العلاجات حتى الآن هو استعادة قدر من القبول بالنظام الرمزي الاجتماعي بوصفه بديلًا عن الأعراض الفردية المعزولة من «الجنون» أو «المرض». لكن كل عرض هو فرصة — رغبة تطرق النافذة باحثة عن الخروج من قيدها الصارم. إن العالم المتخيّل للفرد يصنع خريطة استشرافية للحياة تتحرر من الجمود والتجريد، لكنها تتطلع إلى أن تتحقق ماديًا عبر خرائط ملموسة للفعل الجماعي. والخلق الفني هو الصلة بين الخريطة الاستشرافية للمتخيل والخريطة الملموسة للفعل أو التواصل الجماعي. فأن تتكلم أو تكتب أو ترسم يعني أن تعبّر المتخيّل في الواقع حيث يمكن أن يصوغ الحقيقة الرمزية للحظة داخل الحياة اليومية بين جماعة من الناس يرضون أن يتقاسموا، في تلك اللحظة، تلك «الحقيقة». وجماعة العشاق — جماعة أولئك الذين لا شيء يجمع بينهم — لا تلجأ إلى الإخصاء أمام القانون، بل تصون سيادة كل لحظة وسلامة السرد في الزمن لكل فرد مكوَّن من مثل هذه اللحظات، ولكل جماعة مؤلفة من مثل هؤلاء الأفراد. والعميل الذي يتكلم في السياق العلاجي والفنان الذي يبدع لجماعة من المتلقين، كل منهما يخترع رمزيته فرديًا وجماعيًا بجعل تشكيله المتخيّل لـ«الدافع» أو «اللاوعي» ملموسًا أو واقعيًا. إنهما ينتجان رغبتهما، ويستمتعان بعرضهما.
يعمل التحليل الفُصامي بالدرجة نفسها في الجلسة الفردية أو الورشة الجماعية أو المشروع المؤسسي، عبر المكوّنات الأساسية «الأربعة» للتجربة التحليلية. فالإحاطة أو الاحتواء يوفّر المكان الذي تذوب فيه الصلابة ويُعاد الابتكار في مواجهة الخوف من ضياع الذات. والتدخلات تكسر الأنماط التي تُبقي العادات المتخيلة قائمة. أما النقل فينخرط في الرغبة أو الجذب أو الاستثمار الليبيدي الذي يربط الكائنات الحية معًا في مشروع مشترك. وحوارية الوعي تأتي بالتأمل الذاتي إلى إدراك كيف تستمر الرغبة اللاواعية والفوضوية في الكائن، متجاوزة كل محاولة أخيرة لـ«معرفتها» أو تثبيتها.
ليس التحليل الفُصامي نموذجًا آخر للنفس، بل ممارسةً لما وراء النمذجة لتعقيد الخبرة الإنسانية. ولذلك فهو لا يدّعي معرفة الحقيقة عن الحياة، ولا يقرّر طريقة بعينها في التفكير أو الإحساس أو العيش، بل يقدّم ممارسة يُعاد بها اختراع الخبرة نفسها على الدوام بوصفها تعبيرًا عن كل لحظة من لحظات حياة كل فرد داخل حدث الإنسانية.
إن النظريات نماذج لغوية تثير استجابات دلالية، بل وحتى جسدية، داخل من يدركها. وما وراء النمذجة هو فن وعلوم الذاتية، لأنه ينمذج السبل التي تعمل بها الخبرة الباطنة أو النفس. وبوضع نماذج شتى من مجالات متعددة، منها علم الأعصاب والسيبرنطيقا وعلم النفس الحيوي والفيزيولوجيا النفسية والتحليل النفسي والإثنولوجيا (الممارسات الثقافية والدينية والفنية واللغوية)، يمكن صياغة فهم أشمل للذاتية الإنسانية وتحولها. وتشير أبحاث حديثة أجراها روبرت لانغز (1996) إلى أن التواصل الإنساني وصياغة النماذج اللغوية يتبعان نمطًا رياضيًا، سواء في البناء الأحادي للنظريات والقصص أو في البناء الحواري للسياق التواصلي أو العلاجي. فالتواصل الإنساني يتبع نمطًا من الذهاب والإياب بين التكرار والتعقيد، بين استقرار اللغة النظرية الواعية وتحولات اللغة السردية المشفّرة لاواعيًا. وفي ثنائية، يتحرك أحد المتواصلين دائمًا لإعادة توازن الحوار وفق لغة الآخر في نمط يحاكي المونولوج. ولكي يبلغ التواصل والتحول المستوى الأمثل في سياق علاجي أو حواري، يجب أن يُسمح للطرفين بتطوير قصتيهما أو نموذجيهما للواقع على نحو كامل، عبر مدد زمنية كافية لتجربة اكتمال كل نموذج من دون طرق مسبقة للحكم على مثل هذه القصص أو تأطيرها. وعلى نحو مماثل، في بحثنا، يجب أن يُسمح لكل نموذج — لكل خطاب — أن يطوّر نفسه، وأن يُوضع جنبًا إلى جنب مع غيره، وأن يرتبط به في حوار أو محادثة متعددة (Blanchot 1969). وبدلًا من محاولة إدخال النماذج النظرية واللغوية في حجج سابقة معدّة للدعم، فإن ما وراء النمذجة النفسية ينبثق من التواصل العرضي بين النماذج المختلفة داخل الحوار.
أي كائن أو حدث يعمل دائمًا في علاقة مع الاقتصاد العام أو الإيكولوجيا العامة للقوى التي يندرج فيها. والمقاربة العضوية أو السيبرنطيقية تعترف بتعقيد النظم المتكاملة المتفاعلة بعضها مع بعض. فالعلاج ليس مسألة استئصال المرض أو إعادة الطبيعية، بل براغماتية وظيفية للتوازن الإيكولوجي، يجب أن تدرك ليس حركة العمليات المتفاعلة فحسب، بل الروح والمعنى والإرادة التي تدفع هذه العمليات. وجميع الممارسات العلاجية — سواء كانت جسدية أو نفسية أو اجتماعية — يجب أن تعمل داخل حدود الكائن نفسه بدلًا من تطبيق نظريات تستند إلى مفاهيم وأحكام مسبقة. وما يسميه جورج فيثولكاس «القانون الأساسي للشفاء» يقوم على هذه المقاربة الدينامية والسيبرنطيقية.
وتبيّن مفاهيم السيبرنطيقا الحديثة مبدأً أساسيًا ينطبق على الكائن البشري كما ينطبق على سائر النظم: فكل نظام عالي التنظيم يستجيب للضغط دائمًا بإنتاج أفضل استجابة ممكنة في تلك اللحظة. وهذا يعني، في الإنسان، أن آلية الدفاع تقدّم أفضل استجابة ممكنة للمثير المرضي بحسب الحالة الصحية في تلك اللحظة وشدة الضغط…
ولكي يكون أي علاج فعّالًا، فمن الواضح أن على الممارس أن يتعاون مع هذه العملية وألا يحيد عنها إطلاقًا. وبما أن آلية الدفاع تستجيب بالفعل بأفضل استجابة ممكنة، فإن أي انحراف عن اتجاه فعلها لا بد أن يكون أقل فاعلية. ولهذا فإن العلاجات القائمة على نظريات ذهنية وفهم جزئي للكل لا يمكنها إلا أن تعوق عملية الشفاء، بل كثيرًا ما تُحدث ضررًا فعليًا للكائن عبر الكبح. (Vithoulkas 1980, p. 87-9)
سواء أكان الأمر في المستوى غير العضوي أم العضوي أم النفسي، فإن المعلومات تتألف من تنظيم الأشكال بين دورات التكرار ودورات التفارق والتعقيد. والابتعاد كثيرًا في اتجاه التكرار أو في اتجاه التعقيد يقود إلى الإنتروبيا — أي غياب التنظيم أو المعلومات والعودة إلى الفوضى. غير أن العملية التنظيمية المتواصلة التي وصفها فيليكس غواتاري (1992) باسم «الفوضوية-الكوسمولوجية» تتيح للنظم، ومنها الذاتية الإنسانية أو النفس، أن تمر عبر الفوضى في أثناء تفكيك الأشكال الصلبة وإعادة بنائها بوصفها أشكالًا جديدة من التنظيم، فتفلت بذلك من الإنتروبيا عبر التحول. ومن خلال عملية التحول تُصان الذاكرة في الحركة من شكل إلى آخر. فالتنظيم هو التحول — اللازمة المعيارية للتكرار في مواجهة الاختلاف. والنفس البشرية نظام متقلب يقف على حافة دقيقة بين النظام والفوضى، بين الثبات والتغير. ومع أنها عرضة للإنتروبيا أو الموت، فإنها غنية بالتنظيم والمعلومات والمعنى: ذاتيتها عميقة ومعقدة. وتشكل النشوة أفق المعنى في الخبرة الداخلية، سواء في الذاتية الجمعية للطقوس الثقافية كما يصفها مفهوم جورج باتاي (1973) عن «المقدّس»، أو في الذاتية الفردية للطقوس الشخصية والمعتقدات والأعراض كما يصفها مفهوم جاك لاكان (1966) عن «اللذة الفائضة». إن النشوة واللذة الفائضة والمقدّس في صورها المتعددة تقود إلى عودة إلى اللاانتظام، فتغرق الأشكال المستقرة — وغالبًا الراكدة — في الفوضى. والرغبة الذاتية والمعنى — والنزوع إلى العودة إلى المحايثة في اللحظة السيادية التي تنكر تأجيل الإشباع — كلها أمور لا تنسجم مع العمليات الموضوعية للمعرفة والسيطرة على البقاء. وإيكولوجيا النشوة تتيح عودة هذه المحايثة المقدسة من غير أن تفضي بالضرورة إلى إنتروبيا مطلقة وفوضى وموت، بل إلى التحول وإعادة التنظيم. وحيث تعجز التربية والدين والعلاج والعلم اليوم عن توفير هذه الإيكولوجيا للنشوة، التي كانت تُدار يومًا ما بالطقوس الثقافية الجمعية، ينبغي لنا أن ندخل فهمًا أوسع لما تطلبه هذه المجالات في صورة ما وراء النمذجة التحليلية، والعلوم الروحية، والممارسات العابرة للتخصصات من أجل تحويل الذاتية.
والإنسان أيضًا في حالة صيرورة. فالنظريات التطورية والتكيفية لا ترسم إلا جزءًا من الاقتصاد العام للطفرات والتغير والتحول الذي يميّز جميع النظم والكائنات المعقدة التي تعيش على الحافة بين النظام والفوضى. وما ينكشف ويتحقق من الكل الافتراضي للامكانات قد يبدو أحيانًا ثابتًا من وجهة نظرنا الذاتية البشرية، غير أن الثبات والديمومة نسبيان فقط. فكل شيء في حالة جريان. ومع ذلك فإن العوامل الذاتية التي نعيش في إطارها تؤثر فينا كأنها معطيات موضوعية. نحن فعلًا نوجد في حالة كينونة حيث يكفي قدر من شبه الثبات ليمنحنا النظام الذي نحتاج إليه لكي نوجد — لكي «نكون». وهذا التوتر بين النظام والفوضى، بين الكينونة والصيرورة، بين الذات والموضوع، وبين الميل إلى تأكيد المعتقدات المحدودة واللحظات الفريدة فوق كل شيء وبين القدرة على تجاوز هذه الأحداث الخاصة والتواصل، هو ما يجعل الذاتية الإنسانية غنية ومرنة ومعقدة، ويمنحها طابعها السيادي والمقدس الفريد.
وعلى خلاف إدراك الاقتصاد العام للنظم المتكاملة وسيادة الأحداث المفردة التي تؤلف هذه الشبكة المعقدة، تبدو الإنسانية المعاصرة متجهة نحو وجود آخذ في التمركز الميكانيكي، تهيمن عليه نظرة تَشييئية لا تسعى فقط إلى استئصال السيادة الذاتية للأفق الداخلي للأشكال المفردة واستبدالها بأشياء خالية من أي معنى تُستخدم وتُستهلك، بل إلى زرع التنظيم التشييئي لتجربتنا للعالم داخل الذاتية الإنسانية مرة واحدة وإلى الأبد عبر استخدام التكنولوجيا الحديثة.
كما ترى، فقد اكتمل التحول. فباسم التحرر «من خارج الأرض»، تغرس التقانات-العلوم أسنانها في إنسان-كوكب خفيف لا شيء يمكن أن يحميه الآن حقًا، لا الأخلاق ولا الأخلاق الحيوية-السياسية. وبدلًا من الهروب من غلافنا الحيوي الطبيعي، سنستعمر، كما حدث كثيرًا في الماضي، كوكبًا أسهل بلوغًا إلى ما لا نهاية، هو كوكب الجسد-من-دون-روح، الجسد الدنيوي، باسم علم-بلا-ضمير لم يكفّ عن تدنيس فضاء جسد الحيوانات والعبيد، ومستعمَري الإمبراطوريات السابقة. فنحن، في الواقع، لم نكن نسيطر على الاتساع الجيوفيزيائي من دون ضبط، على نحو متزايد، المادةَ، أي النواة الميكروفزيائية للكائن-الذات: من تدجين الأنواع الأخرى إلى التدريب الإيقاعي للجندي أو الخادم، وإغتراب العامل المنتج، وإطعام الأبطال الرياضيين قسرًا بالستيرويدات البنائية. وتوضح كل هذه الأمثلة هذا المشروع الأخير، الذي ليس رائدنا الأسترالي [Stelarc] واضعه بقدر ما هو ضحيته، ضحيةً راضيةً، كما يحدث كثيرًا مع الخادم الذي يفسده السيد. وفي وقت يُتحدث فيه عن التطهير العرقي في أوروبا، فإن تدقيق أحشاء الكائن الحي المُفرَّغ يذكّر في وقته بمخاطر الطغيان الداخلي لعلم الأعصاب، وبالهندسة الإرجونومية المعرفية التي تعمل أصلًا على أحدث صور التصميم البشري، وتدريب المنعكسات الشرطية، والتصميم الفوقي لقدراتنا المفهومية والإدراكية. ومع هذا الأخير، سيصير حكم الحاسوب أخيرًا مساويًا لجسد المريض، تحت ثيابه، تحت زيه، محققًا بذلك نوعًا جديدًا من «الملابس الداخلية» حيث تحلّ عملية «ذكاء» جهازنا العصبي محلّ تصميم السلعة الاستهلاكية لعصر الصناعة الآفل. (Virilio 1993, p. 113-4)
إن تحليل بول فيريليو للحياة المعاصرة هو أطروحة واضحة حول التشييء المتزايد للحياة ومحو الذاتي عبر التكنولوجيا الحيوية والواقع الافتراضي. فالتكنولوجيا، في إنتاجها أشياء جميلة وحياة تبدو أسهل، مغرية، لكننا نادرًا ما نرى ما تأخذه منا. وقد أوضح جورج باتاي (1949, 1973, 1976) كيف أن شراهة زائدة للمعرفة — سواء في العلم أو التكنولوجيا أو الفلسفة — تقود إلى مأزق. إنها مغامرة تشييئية تسرق «سيادة» الذاتية — تلك الخاصية الخاصة للحظة التي تقف وحدها ولا يمكن نقلها بأي مكافئ عام، ولا قياسها، ولا مبادلتها. وربما تكون الإنسانية اليوم قد بلغت من الخوف حدًا يجعلها تسعى إلى إطفاء أعزّ خبراتها — أساسها — وسبب وجودها. ويصعب إنجاز هذا الفعل، ولهذا فإن محاولات محو الذات(ية) لصالح حكم الموضوع(ية) لا تزال تُخرَّب بعودة المكبوت، أي بالأعراض التي لا تزال تشكل ذاتيتنا «المقدسة» — أو كانت كذلك حتى وقت قريب. أما الآن فلم تعد الجريمة والانحراف والتشويه تؤثر فينا. وكان باتاي سابقًا لزمانه في توضيح الحالة الناشئة للعالم، ومع ذلك لم يفهم رسالته إلا قليلون حتى اليوم.
ومن خلال حديثه من داخل عمق العلم دفاعًا عن النماذج «الأخلاقية-الجمالية»، حاول باتاي وفيريليو وغواتاري فهم العمليات والنظم المعقدة في ضوء انكشاف الكون، من غير أن يفقدوا ما هو أساسي للإنسان، ومن غير أن يستسلموا لتلك السيادة التي نختبر بواسطتها الكينونة. ومن ذا يلوم الذين يستسلمون، بما أن المقصود هو العيش. وإذا كان المرء يسعى إلى تجنب لحظته السيادية أو المقدسة جزئيًا، كما لدى باتاي أو غواتاري، فهل يكون ذلك ليضحي بقليل من أجل الآخرين، أم ليخفف حرارة لحظته الخاصة؟
في السنوات الأخيرة ازداد الاهتمام بالوعي والعمليات المعرفية، غير أن الذهني لا يمكن في الواقع أن ينفصل أبدًا عن مجال الإحساس والانفعال والرغبة. فالعقل والجسد في تفاعل دائم، والنفس والدماغ متداخلان. وتشير الذاتية إلى مجمل خبرة الكائن التي لا يمكن فيها فصل مسائل الإحساس والانفعال والرغبة عن مسائل المعرفة والوعي. أما براغماتية سبينوزا (1903) للأحداث فتنزع إلى الإفلات من أي خريطة مسبقة تقسم أو تحكم، وتقترح بدلًا من ذلك أن الذات هي مجموع الأفعال الممكنة التي قد تختبرها. وقد تكون هذه الذات فردية أو اجتماعية أو شخصية أو جمعية أو لحظية أو غير ذلك. فالموضوع هو تنظيم «الفعلي» المفصول والمميَّز من كلية «الممكن». والخبرة الذاتية تأخذ في الحسبان ما يسميه وايتهد (1969) الأفق الداخلي للكائن، وهو دائمًا مختلف عمّا يمكن معرفته عن الكائن أو الموجود أو العملية أو الحدث من الخارج — من وجهة النظر الموضوعية.
وفي عملية البحث عن ذاتيات جديدة، لا يمكن إلا أن يُقاد المرء إلى خبرة تشييئية. وهذا ما يحدث حين «ننظر إلى العالم بعيون ميتة». هذا هو العلم: بلوغ الموضوعية التي ترى من خارج أفقها الداخلي. وهذا هو الإفلات من الذات. وبالطبع فإن الموضوعية أساسية أيضًا لحالتنا — فالأحداث والعمليات والذوات تموت، والتحول الأبدي للمادة عبر الطفرة/التطور ضروري للكون. فالاتزان ليس شيئًا. الاضطراب، واللا-صحة، والإغواء، والتدمير: هذا أيضًا جزء مطلوب من الوجود. وقد استطاع ساد ونيتشه وهيغل أن يروا ذلك — أن يروا «بموضوعية» — والمفارقة أن هذه الموضوعية الحقة لا تضع ذاتيتنا إلا في موضعها الأمتن، بل وتزيدها قوة. إن أخلاق ساد ونيتشه «ما وراء الخير والشر» هي تحية لعلاقات الذات والموضوع، بينما «الأخلاق» ليست سوى أخلاق حيوية — منظور محدود يتمحور حول الحياة ويتجنب التغير والطفرات (بما في ذلك الموت) ويسعى إلى السيطرة على التحول. نحن نخاف الموت والفقدان والطفرات والتغير، لكنها أمور لا مهرب منها. والمكافئ للطفرات هو التكاثر — التضاعف والبقاء والتقاليد. نحن نحافظ عبر التواصل: عبر استنساخ الأنواع وتواصل النفس — من خلال الفن والأدب والثقافة — عبر موت الأشكال الجديدة وولادتها. والتفاعل بين الموضوعي والذاتي هو تفاعل الطفرة (الموت) والتواصل (الحياة).
فكيف نواجه حركة الكون في مسار التحول؟ وكيف نحافظ على الشجاعة اللازمة للعيش في التغير؟ إن موقف فيريليو، مثل موقف باتاي، هو مقاربة «حيوية» أو «غنوصية» تعترف بأن قلب الوعي اليهودي-المسيحي — لا «المسيحية» بوصفها شكلًا متحللًا، كما حدده نيتشه — هو القبض على الذاتية السيادية، وهو ما ينسجم تمامًا مع نظرية ألفرد نورث وايتهد في العملية، ونظرية هنري برغسون (1896) في تكوين الأحداث، و«العلم الروحي» عند رودولف شتاينر (1911). والمقاربة التحليلية أو العضوية للفكر والكينونة تتبنى رؤية للكون تختلف عن الرؤية النيوتنية الميكانيكية التي لا تزال سائدة حتى اليوم.
سواء عبر البحث العلمي أو التأمل الفلسفي أو غير ذلك من الوسائل، فإننا نسعى إلى التواصل. «أنت» تتواصل مع نفسك عبر الآخر. «هو» يتواصل عبرك. أنت تذكّر نفسك كيف تتحول كل الأشياء إلى كل شيء آخر، وكيف تتفرد وتعود فتتفرعن إلى ما كانت عليه، وهو لا يزال مختلفًا — كيف يحدث ذلك. فالكون يُبنى أنطولوجيًا. والممارسات الدينية والتحليل النفسي والنضال السياسي والمواد المؤثرة نفسيًا لا تشير إلا إلى أكثر الخرائط بدائية للتنظيم. نحن لا نعرف شيئًا. لكن ذلك لا يمنعنا بالضرورة من اختبار كل ما هو كائن.
«في حقل العقل، ما أعتقده حقًا هو حق، أو يصير حقًا، ضمن الحدود التي تُكتشف تجريبيًا ومعياريًا. وهذه الحدود حقائق أخرى ينبغي تجاوزها». (Lilly 1972)
إن العالم الرمزي، والمعرفي، والوجودي للغة والطقوس والقواعد والمعاني يشكّل جوهر التجربة الإنسانية. والبحث عن سبب — عن أصل — لولادة الوعي الإنساني سيكون، منذ البداية، مقاربة للمسألة من المنظور التشييئي الذي نحاول معالجته. بل ينبغي لنا أن نأخذ عالم الفكر والرمزي بوصفه ما تطور في علاقة بالحاجات البيولوجية للأجساد الحية. لا يمكننا الإجابة عن سؤال سيّئ الصياغة. علينا أن نتراجع، وأن نفكك النماذج ذاتها التي بواسطتها وصلنا إلى إدراك عالم التجربة الإنسانية والتفكير فيه، وأن نحاول إعادة صنع تجربتنا وإعادة نمذجتها. وبهذه الطريقة، يلتقي الصرامة والحسّ السليم في براغماتية.
إن الحاجة إلى البقاء والتكيّف مع بيئة معينة ندركها بوصفها مبرمجة في الحيوانات، وهذا ما نسميه الغريزة. لكن منذ الولادة — بل قبلها أيضًا — فإن ما يمكن أن يُعدّ غريزة صرفة في الإنسان يكون قد ارتبط بالفعل بعالم الرموز والمعنى. ولا شك في أننا، بوصفنا أجسادًا، خاضعون للحاجات البيولوجية، لكن هذه الحاجات المباشرة تختلط دائمًا بما يتجاوزها، والذي تُساق إليه دوافعنا بقدر ما تُساق إليه حاجاتنا — وأحيانًا حتى على حساب حاجاتنا أو بقاءنا ذاته. وقد صار المحللون النفسيون يسمون هذه الخبرة الإنسانية «الرغبة». إن «غريزة الحياة» عند فرويد تقترب من الحاجة إلى البقاء، ومبدأ اللذة يوسّع ذلك إلى خفض التوتر باتجاه التوازن والاتزان. وربما يكون وضع «غريزة الموت» في مواجهة هذه الغريزة أول فهم واضح أو «علمي» للفرق بين الإنسان والحيوان من منظور غير ديني — أي فهم لا يُفترض بالإيمان بل يُرصد ويُوصف بالعقل العلمي والتجريبية. وللأسف فإن مفهوم دافع الموت — الذي أثار هذا القدر من المقاومة — قد يكون مسمّى على نحو سيئ، لأن ما يتجاوز الحاجة في الخبرة الإنسانية — أي الرغبة — ليس نزوعًا إلى الموت بقدر ما هو «حاجة» تزيد على الحفظ البيولوجي — دافع يتجه إلى شيء آخر غير البقاء وقد يعمل ضده — أي إلى التحول.
«إن حاجاتنا هي، إذن، بمثابة كشافات عديدة تُسلَّط على استمرارية الصفات المحسوسة فتنتقي فيها أجسامًا متميزة. ولا يمكنها أن تكتفي إلا بشرط أن تنحت، داخل هذه الاستمرارية، جسدًا يكون جسدها هي، ثم تحدد أجسامًا أخرى يمكن للجسد الأول أن يدخل معها في علاقة، كما لو كانت أشخاصًا. وإقامة هذه العلاقات الخاصة بين أجزاء منقورة هكذا من الواقع المحسوس هو ما نسميه الحياة». (Bergson 1896, p. 198)
يطرح برغسون السؤال: ماذا لو لم تكن هناك أجوبة محددة، بل أسئلة مختارة جيدًا فقط؟ في البحث العلمي، لا تكون النتائج سوى تأكيد للفرضية. وفي الفيزياء الكمية يؤثر الراصد في قياساته. ليس الأمر أن العلم غير صالح، بل إننا كنّا وما زلنا منخرطين في العملية العلمية — أو الفلسفية أو البراغماتية — المتمثلة في التقسيم والنمذجة ورسم الخرائط، وهي عملية تتضمن مركبات مترابطة من الإدراك والملاحظة والتذكر والتفكير والرسم في أشكال ولغات قابلة للتواصل مع الآخرين. وهذه العملية هي ما يسميه برغسون «الحدس»، وما يسميه توماس سيبـوك «لعبة التأمل»، وما يسميه تشارلز بيرس (1935-66) «الاستدلال الاختطافي» — في مقابل الاستنباط المنطقي والاستقراء التجريبي، وهما عمليتان تأتيان بعد الاختطاف. فالاختطاف هو الفرضية التي نمارسها باستمرار ونحن ندرك العالم. أما الاستنباط والاستقراء فهما إجراءات منطقية وتجريبية أكثر وساطة، نتتبع بهما نتائج فرضياتنا. لكن بيرس يوضح بجلاء أنه من دون الفرضية الأولى أو الاختطاف، لا يمكن أن يظهر جديد في الفهم أو العلم. وفي الواقع، إن الاختطاف قريب من فن المحلل النفسي، والوسطية، والمحقق الذي يقرأ العلامات بعقل مفتوح — بإدراك غير متحيز. ويقع الاختطاف في مكان ما بين مباشرة الإدراك وأشكال التصور الوسيطة، وينظم ذاتيتنا عبر الانفعال والعاطفة — متنبهًا على الدوام إلى الرسائل الباطنية في إدراكنا التي يمكن أن تُحدث ومضة بصيرة.
«تستبدل الفرضية، مقابل متشابك معقد من المحمولات الملصقة بموضوع واحد، تصورًا واحدًا. والآن، هناك إحساس خاص يرافق فعل التفكير بأن كل واحد من هذه المحمولات كامن في الموضوع. وفي الاستدلال الفرضي يُستبدل هذا الشعور المعقد الناتج شعورٌ واحد أشد كثافة، هو ذلك الذي يرافق فعل التفكير في النتيجة الفرضية. والآن، عندما يُثار جهازنا العصبي بطريقة معقدة، مع وجود علاقة بين عناصر الإثارة، تكون النتيجة اضطرابًا متناغمًا واحدًا أسميه انفعالًا. وهكذا فإن الأصوات المختلفة التي تصدرها آلات الأوركسترا تصطدم بالأذن، وتكون النتيجة انفعالًا موسيقيًا خاصًا، متميزًا تمامًا من الأصوات نفسها. وهذا الانفعال هو في جوهره الشيء نفسه كما في الاستدلال الفرضي، وكل استدلال فرضي يتضمن تكوين مثل هذا الانفعال. ولذلك يمكننا أن نقول إن الفرضية تنتج العنصر الحسي للفكر، والاستقراء ينتج العنصر الاعتيادي». (Sebeok 1981, p. 27)
هذه العملية البراغماتية لا شك أنها محددة في أساسها بحاجاتنا إلى البقاء، لكن ماذا يحتاج الإنسان فعلًا؟ فبعد البقاء الأساسي — أو ما يبدو أنه يقابل الحاجة والغريزة عند الحيوانات — يطوّر البشر عددًا لا نهائيًا من الأشكال التي تجعل من المتعذر أصلًا تحديد «الحاجات» إذ يطغى عليها «الرغبة». والرغبة ليست ما يأتي بعد الحاجة، كما أنها ليست إقليمًا غامضًا صوفيًا. بل هي اسم لما يحدد البشر، تمامًا كما تحدد «الحاجة» أو «الغريزة» الحيوانات على نحو موازٍ. إنها «مغناطيسنا الجاذب» (Prigogine & Stengers 1984).
ولدى برغسون (1896) يمكن حل المشكلات الناتجة عن الأسئلة السيئة الصياغة بتقسيم الحدث إلى مركبات مختلفة. وجذر كلمة science — أي «scio» — يعني التقسيم أو الشطر. ويشير كل من برغسون ووايتهد (1967, 1969) إلى أن مشكلتنا في صياغة الأسئلة وفهم الخبرة كانت سوء فهم الزمن. نحن نُشيِّئ الزمن أو نُحوّله إلى مكان. نتجاهله. ونتصرف كأن الأشياء أو المادة معطاة، وكأن الزمن شيء يُضاف إليها. أما عند وايتهد فلا وجود إلا للعمليات أو الأحداث. فلا يمكن فهم عملية الإنسان مثلًا في لحظة واحدة، بل فقط من خلال تغيرها الدينامي عبر مسار تاريخ حياتها. وهذا صحيح بالمثل عن الأميبا أو الجزيء أو المدينة أو الثقافة. فالهوية لا تتحدد بالمادة أو الجوهر الثابتين، بل بالعملية الدينامية أو الحدث عبر الزمن.
وبالمثل يقول برغسون إننا نُحوّل الزمن إلى مكان. وما يسميه وايتهد عملية، يسميه برغسون مدة. وبذلك يؤكد أن تصورنا للحركة خاطئ. فبدلًا من التفكير في موضوع يبقى هو هو وينتقل من موضع مكاني إلى آخر، علينا أن نرى الحدث بوصفه تغيرًا في الحالة: من حدث يضم الشيء هنا إلى حدث يضم الشيء هناك. وكل حدث يكتسب تماسكه الذاتي أو تنظيمه الخاص له مدة تناسبه. فكما أن تغير الحالة والحدث الذي هو جزيء في جسدنا له مدته، كذلك فإن جسدنا الذي يحتوي الجزيء له في الوقت نفسه مدته الخاصة. فالزمن ذاتي وموضوعي معًا، إذ يختبر كل كائن مدته المختلفة الخاصة، والتي تتوافق مع ذلك مع مدد الآخرين. ثم إن كل كائن يتكوّن في الوقت نفسه من كائنات أخرى — مندمجة فيه — وهو أيضًا جزء من كائن أكبر يندرج فيه أو يتداخل معه. هذا الفهم للعمليات أو الأحداث المندمجة يتيح لنا أن ندرك الترابط الأساسي بين الهرميات المتداخلة للكائنات من غير حاجة إلى هرميات سيطرة تُحدَّد بعلاقات القوة.
«إن إلكترونًا داخل جسد حي يختلف عن إلكترون خارجه، بحكم خطة الجسد؛ فالإلكترون يتحرك أعمى سواء داخل الجسد أو خارجه، لكنه يتحرك داخل الجسد وفقًا لخصائصه داخل الجسد؛ أي وفقًا للخطة العامة للجسد، وهذه الخطة تتضمن الحالة العقلية». (Whitehead 1967, p. 79)
ورسالة هؤلاء المفكرين مفهومية وعلمية وأخلاقية: اقسم الأشياء — أو حللها — على نحو مناسب. فبالنسبة إلى وايتهد، إن العملية أو الحقبة — أي المدة عند برغسون — هي ما يمنح أي كائن تماسكه، أي حقه في أن يُعدّ كيانًا أو مركبًا منفصلًا عن الكل. ومن فوضى الممكن ينبثق الكائن أو ما يسميه وايتهد «التكثف» (concrescence). وكل تكثف هو حدث في الزمكان لا يمكن معرفته أو تحديده بالكامل، بل فقط على نحو احتمالي. لكن هذا الاحتمال لا يشكل مشكلة. فنحن لا نحتاج إلى أن نعرف هل نحن على صواب أو هل «هو» صحيح. نحن بحاجة إلى فهم «يكفي» — يعمل. وعلى الرغم من أن كل شيء — بما في ذلك نحن أنفسنا — في حالة تغير، وأننا لا نستطيع أبدًا أن نعرفه نهائيًا، فإننا نستطيع أن نعرفه بما يكفي لنعيش ونفعل ونؤدي وظائفنا. وهذه المقاربة الوظيفية تشكل أساس البراغماتية — فن وعلم العيش بوصفنا كائنًا.
وتمنح خرائط برغسون ووايتهد خلفية غنية ومعقدة لما صار مقبولًا تجريبيًا عبر الفيزياء الكمية. وبالطبع يمكن للمرء أن يقول إن كل ما رسمه هؤلاء الفلاسفة وكل ما اكتشفه العلماء تجريبيًا كان قد وصل إلينا من قبل عبر أعمال التصوف الشرقي والغربي، وأن كل خريطة أو نظام هو في النهاية دائرية — تحصيل حاصل — لكن المسألة هي: ما مدى فعالية النظام؟ هل يقدّم خريطة مقنعة؟ هل ينتج النتائج المطلوبة؟ هل يلبّي الحاجة إلى المعنى والرغبة في البقاء؟ وبهذا المعنى، فإن عملية رسم خرائط الوجود والخبرة لا تكفّ عن إنتاج ذاتيات جديدة — طرق جديدة لاختبار العالم.
في الواقع، هذه العملية في صنع الخرائط — في خلق طرق جديدة لاختبار العالم — ليست إلا ما نفعله كل واحد منا باستمرار. فقد قدّمت الأبحاث البيولوجية والنفسية الحديثة في مجالي الإدراك والمعرفة شواهد على الفكرة البرغسونية القائلة إن البشر منغرسون في العالم، وأن المعرفة فعلية — نحن نصنع خبرتنا بالعالم بقدر ما يصنعها هو لنا. وفي العقود الأخيرة، بدأ عدد من العلماء يقترب من العالم البيولوجي للكائنات من منظور أوسع، وأصبحت الأبحاث تُظهر على نحو متزايد عملية التنظيم المعقدة المتضمنة في التطور (Maturana & Varela 1987, Varela 1991, Eigen 1987, Kauffman 1993, 1995, Goodwin 1994, Sheldrake 1988, Gell-Mann 1994). وقد طوّر أومبرتو ماتورانا وفرانسيسكو فاريلا مقاربة للكائنات الحية بوصفها أنظمة ذاتية الإنتاج أو ذاتية التنظيم. ومع أن استقلال كل كائن أو إنتاجه لذاته يُحافَظ عليه عبر إنتاجه نفسه وعملية تكثفه الخاصة، فإنه يفعل ذلك في تفاعل دائم مع كيانات ذاتية الإنتاج أخرى. ثم إن هذا «الاقتران البنيوي»، الذي بواسطته تندرج الكائنات وتتفاعل مع كائنات أخرى، ليس أمرًا لا مفر منه فحسب بل هو أساسي. فالتواجه مع ما هو غير الكيان أو خارجه هو ما يسبب الاضطرابات اللازمة لكي يتغير الكيان أو يتطور عبر عمليته. وهذه الكائنات توجد عند حافة النظام والفوضى. فالتغير الهدّام يفضي إلى موت الكائن ويضع حدًا لحدثه أو عمليته، لكن السكون المطلق للكائن من دون تحفيز وتفاعل من الخارج يفضي إلى هذا الموت نفسه.
وبحسب ماتورانا وفاريلا، فإن بنية الكائن ذو الإنتاج الذاتي يمكن أن تُغيَّر، أما تنظيمه أو تكثفه فلا يمكن أن يتغير. ففي الإنسان مثلًا يمكن لبنية المادة في صورة خلايا أو أعضاء أو أطراف أن تُزال أو تتغير — وهي في الواقع تتغير باستمرار — لكن التنظيم، أي ما يمنحنا تكثفنا أو إنتاجنا الذاتي الخاص، لا يمكن ذلك: فلا يمكننا مثلًا أن نتبادل موضع القلب والرأس. سيكون هذا تغيرًا هدّامًا: أي تغيرًا يدمر الكائن والحدث والعملية والتكثف الذي كان ذلك الإنسان. وبما أن الزمن جزء من تنظيمنا في صورة الاستقلاب، فإن تغيير ذلك الاستقلاب كثيرًا في أي اتجاه قد يكون هدّامًا أيضًا، سواء أكان الأمر سرعة التغير الصدمي أم تجميد الزمن باتجاه السكون.
إن علاقتنا بالآخرين تحددنا منذ بداية الحياة، وفي الواقع لا يمكننا البقاء من دون الآخرين — هذه هي حالنا كبشر. فنحن كائنات اجتماعية بقدر ما نحن كائنات بيولوجية، ومن خلال علاقتنا بالآخرين نقيم خبرتنا بالعالم أو «نُبديها». وعلى الرغم من أننا محددون بعمليتنا الذاتية الإنتاج والاقتران البنيوي، فهناك أمر آخر يميز حدثنا عن حدث الحيوانات الأخرى. فالعقل أو الروح أو الوعي هي الكلمات التي صارت تشير إلى ما يبدو أكثر ما يعرّفنا — وأكثر ما يصعب تعريفه. ومن خلال اللغة طوّر البشر هذا التفعيل الغني والمعقد المقترن بنيويًا لخبرتهم بالعالم. والاعتراف بهذا يجعل الأخلاق منسجمة مع الوعي، لأن كل فكر وفعل إنساني قد سبق تحديده، إلى حد ما، بغيره، تمامًا كما أن ذلك الفكر أو الفعل سيشارك بدوره في بناء خبرة الآخرين بالعالم.
«كل فعل إنساني يحدث في اللغة. وكل فعل في اللغة يُظهر عالمًا يُخلق مع الآخرين في فعل التعايش الذي يفضي إلى ما هو إنساني. ولذلك فإن كل فعل إنساني يحمل معنى أخلاقيًا، لأنه فعل تأسيس للعالم الإنساني. وهذه الوصلة بين الإنسان والإنسان هي، في التحليل الأخير، أساس كل أخلاق بوصفها تأملًا في مشروعية حضور الآخرين». (Maturana & Varela 1987)
إن النفس، والروح، والعقل: هذا ما حاول الفلاسفة والشعراء والمحللون النفسيون رسم خرائطه عبر حقبة الإنسانية. فعند هيغل تمثل ظاهريات العقل أو الروح مجيء النوع إلى الوعي من حيث تكثفه. ولم يدرك ماركس إلا جزءًا من ذلك حين سعى إلى إيقاظ الوعي بتاريخ العلاقات الاجتماعية بين السيادة والعبودية. وبالمثل رسم فرويد خريطة مجيء الوعي بتشكّل الذات الفردية عبر العلاقات الأسرية التي كانت تحددها. لكن الحكماء الروحيين كانوا قد مارسوا هذا وعلّموه قرونًا طويلة: فإذا سمعت النداء، وجب أن ترحل وأن تفرغ نفسك مما برمجك عليه العالم — عندها فقط تبلغ الاستنارة أو الوعي (الذاتي).
وفي الأزمنة الحديثة، ألهمت أسئلة الانفعال والمعرفة والوعي علماء النفس الحيوي وعلماء الأعصاب في محاولة لسد الفجوة بين العمليات الفيزيائية للجسد والدماغ وبين الخبرة المراوغة ظاهريًا للعقل والنفس (Edelman 1992, Damasio 1994, Pribram 1971, 1991, McKenna & McKenna 1993, Kauffman 1993, Hameroff 1986, Penrose 1994, Scott 1995, Eccles 1994, Stapp 1993, Harth 1993)، وقد جعل هذا البحث العلمي يقترب أكثر فأكثر من العمل السريري للتحليل النفسي ومن تأملات الفلاسفة العضويين والعلماء الروحيين مثل برغسون ووايتهد ونيتشه وشتاينر وباتاي ودولوز.
وبحسب علماء الأعصاب، بدأ الجهاز العصبي بوصفه نظامًا للوعي في المستوى الأساسي للجذب/النفور، وتطور في الإنسان إلى دماغ أشد تعقيدًا من أي حاسوب يمكن تخيله، فضلًا عن بنائه. ويحدد الحمض النووي إنتاج الخلايا، لكن في كل إنسان، تُختار الخلايا بما فيها العصبونات أو تُنظَّم عبر انجرافها غير المتوقع إلى جماعات وشبكات من خلال عمليات توصف بالبيولوجيا الموضعية (Edelman 1992)، أو التنظيم الذاتي (Maturana & Varela 1987)، أو التخلق الشكلي (Kauffman 1993, Sheldrake 1987)، أو القوى التكوينية (Steiner 1920).
وفي تطور كائن مثل الإنسان، تتشكل خرائط الشبكات والجماعات العصبية — أو تُنتقى أكثر — عبر التفاعل البيئي الفيزيائي والاجتماعي، من خلال التقوية طويلة الأمد للمشابك المحددة في توليد خرائط متكررة للإدراك والإحساس. فبعض العصبونات تنشط، وأخرى لا تنشط. وهذه الخرائط العصبية تمثل الخبرة الخارجية أو تحاكيها، لكن لا على نحو خطي. وبالمثل، تندمج هذه الخرائط المعلوماتية مع الحالات الحسية أو الانفعالية (Edelman 1992, Damasio 1994, Pribram 1991, LeDoux 1996).
وتقوم مجموعات مختلفة من الشبكات برسم خرائط لأحداث مختلفة، وتتواصل فيما بينها عرضيًا. فيتشكّل حدث-تكثف متعدد الأبعاد ويُخزن في كمّات صغرى قابلة للتصرف، لا في وحدات معلوماتية، وتشمل هذا الربط الدائم بين الوقائع الإدراكية المجردة (الزمن-المكان) والإحساس الجسدي (الطاقة-الزخم). وتشارك الانفعالات والمشاعر في العملية نفسها التي يشارك فيها الإدراك والوعي. فكل ما يوجد هو قابلية أو ميل أو إمكان أو افتراضية، تتحقق أو تتجسد من الممكن — من الإنتروبيا أو الفوضى — عبر رنين الاستثارة الخارجية المتفاعلة مع التحديد المسبق الداخلي. وعلى المستوى البيولوجي للكائنات، تسير الطفرة على خط دقيق بين تدمير «تنظيم» الكائن وبين التكيف إلى شكل متطور أكثر ملاءمة — سواء في تخلق ذلك الكائن نفسه أو في تخلق النوع.
ولهذا آثار على مستوى النفس أو الذهن الإنساني، لأننا لا نختبر إلا ما نعرفه بالفعل ما لم نكن «نعرف» كيف نكون منفتحين أو متفاجئين أو باحثين عن الآخر — أو ما لم يعرف آخر أو حدث كيف يكسر إرادة إدراك ما هو موجود سلفًا فينا: صورة الآخر، أو المجال المتخيّل للآخر، الذي يحدد «أعراضنا» بلغة جاك لاكان (1966). وهذه «الإغواء» الذي يمارسه الآخر يبني ذاتيتنا باستمرار، لكن كلما تقدمنا في العمر قلّ ما نظل منفتحين عليه للتغير. وبهذا المعنى تعلّم فيليكس غواتاري (1992) درس لاكان على نحو جعله يواصل العمل حيث ربما أخفق لاكان نفسه — بل وتلامذته من بعده بالأحرى — لأن غواتاري رسم فهمًا للذاتية الإنسانية والنفس في حالتها المعقدة والهشّة بين النظام والفوضى.
ويبدو أن النظام الإنساني غني جدًا ومعقد في إدراك أبعاد متعددة مثل اللون والشكل والإيقاع، لكن الأبحاث والنظريات الحديثة تؤكد أن أشياء مثل الصوت والضوء تُفكك إلى كمّات ميكروفزيائية ثم يعاد تركيبها في كليات على نحو ad hoc تبعًا للشروط المتغيرة أعلاه، بما في ذلك «الرغبة» — أي تاريخ الخبرة الإدراكية المرسومة على مدى حياة كاملة بالنسبة إلى «الدوافع» — الشهية والذوق والحسية والجنسية، وما يتصل بأشياء مثل الأمان والاحتواء والراحة والتنوع. ويقارن هنري ستاپ (1993) الإدراك بقطع هايزنبرغ في النظرية الفيزيائية الكمية، حيث تكون لحظة القياس هي لحظة خلق/تجلي الكل المنظم من فوضى التذبذب غير اليقيني. وهنا يزول الفرق بين الفاعل والمفعول. فالإدراك-الفعل شيء واحد كما يصفه برغسون. وبالمثل، ينظّر كارل برِبرام (1992) وإيليا بريغوجين (1984) وستيوارت كوفمان (1993) إلى أن الكليات الذاتية التنظيم (التكثفات بالمعنى الافتري عند وايتهد) قد تتشكل في دماغنا — وفي ذاتيتنا — بوصفها أحداثًا مستقرة لحظيًا قائمة على «مغناطيسات الجذب». فالاضطرابات القادمة من الداخل أو الخارج تكسر الأنماط المستمرة اللاواعية لخبرة دماغنا بالعالم وتجذبنا إلى حدث جديد، فتجعلنا واعين أو منتبهين، وتولّد خرائط جديدة تميل بعد ذلك إلى الاستقرار والنمط المعتاد إلى أن تأتي لحظة الابتكار التالية. كما تجعل الاضطرابات الخرائطَ الاستعدادية المتراكمة سابقًا تشعّ بجِدّة واعية حين تكتسب فجأة ضوءًا جديدًا. ومرة أخرى، كما وصف دولوز وغواتاري (1972)، فإن الرغبة نشطة بقدر ما هي سلبية. فـ«الإنتاج الراغب» هو تجلي النظام من الفوضى لدى البشر — وهو لحظة مخصوصة في الحركة الفوضوية-الكونية بين الفوضى والتعقيد في الكون.
إن النموذج الإيكوسوفي الناشئ للنظم التفاعلية المعقدة العاملة عند حافة النظام والفوضى يحمل آثارًا عميقة على فهمنا للتجربة العقلية والانفعالية والنفسية والاجتماعية. وبصرف النظر عن الفهم، كيف يمكن عمليًا أو براغماتيًا أن نحمل الناس على أن يعيشوا ما يوضحه هؤلاء الفلاسفة-العلماء؟ بمعنى ما، لم يكن كل العلاج والتعليم والنشاط حتى الآن إلا تمهيدًا. كان نيتشه يقول إنه جسر إلى نوع جديد من الإنسان — إلى أنماط جديدة من الذاتية. وإذا كان للإنسانية أن تبقى عبر تحولها الدائم ولقائها مع الفوضى، فيجب أن نعبر ذلك الجسر عبر التطوير العابِر للتخصصات لممارسات تحوّلية تعيد بناء طرق تنظيمنا لخبرتنا بالكون وتخلق ذاتيات جديدة على الدوام داخل الإيكولوجيا المعقدة للنظم.
2. مادة الذهن – الخرائط المستعرضة
إن «هجوم» العلوم العصبية لا يجعل التحليل النفسي متجاوزًا، لكنه يدفعنا إلى إعادة النظر في مفهوم فرويد للدافع. فالدافع نقطة ارتكاز بين «الجسد» و«النفس»، بين البيولوجيا والتمثيل — أي أعلى مستوى من التنظيم والاستمرار يمكن للإصغاء الفرويدي والنظرية الفرويدية أن يطمحا إليه، أو بالأحرى يمكن للبناء التحليلي (أو التخيل) أن يطمح إليه. لأن ما نفهمه بالبيولوجيا هو — الدوافع والطاقة إن شئت — لكنه دائمًا بالفعل «حامل معنى» وعلاقة بشخص آخر، حتى وإن كان هذا الشخص هو نفسك. (Kristeva 1993, p. 30)
«الرغبة عند حدود الفكر» هي ما يعرّف الطبيعة المتكاملة والمتناقضة والجدلية لخبرتنا. فالكائنات الأساسية خاضعة للجذب والنفور، لكن هل يمكن أن يسمى هذا رغبة؟ حتى الأشكال والأحداث غير العضوية تتحرك نحو حالات شبه مستقرة بعيدة عن التوازن نحو «مغناطيسات غريبة»، كما أن تفسيرات من قبيل «التنظيم الذاتي» و«الرنين الشكلي» تشير إلى «دافع» حتى في هذا المستوى. ويقال إن الحيوانات خاضعة للغريزة. ومع ازدياد مستويات الوعي تصبح هذه الدوافع أكثر وساطة. ومن خلال هذه المستويات المتزايدة من الوعي أو التعلّم يتحول الدافع إلى رغبة. والرغبة تتجسد على نحو متزايد بفعل الطبيعة التساؤلية في «التعلم كيف نتعلم»، الذي يحرر الإنسان من الاستجابات المشروطة مباشرة — سواء كانت مشروطة بيولوجيًا أم اجتماعيًا. وعندما يمسك المرء بسياقات المواقف بحيث يمكن إعادة صياغة الشروط وإبطال اليقين والمباشرة، تصبح الرغبة نفسها — في صورة دافع — مهددة. فالذات الحرة في الاختيار تواجه صحراء الممكن المحيطية التي يمكن أن تقود بسهولة إلى الخبرة الذهانية أو الصوفية. وفي هذه النقطة، ما ينقذه أو يثبته هو الرغبة نفسها، التي لم تعد شبيهة بالغريزة أو الدافع، بل أقرب إلى الإيمان. وتصبح الرغبة فعلًا مُختارًا بوعي.
يزداد الوعي إلى مستويات أعلى فأعلى عبر إعادة الصياغة المستمرة والتساؤل اللامتناهي عن سياقات أي موقف. والرغبة هي دائمًا ما يحدد حدود الفكر داخل ذاتية أي كائن مفرد — أو داخل أي لحظة-ذات. ويطلق غريغوري باتيسون (1972) على الاستجابة المباشرة للجذب/النفور اسم «التعلّم الصفري»، بينما يتميز التعلّم من الدرجة الأولى بما ينشأ عن الشرطنة: أي تعلم تصحيح استجابة مباشرة من بين مجموعة بدائل. أما التعلّم من الدرجة الثانية فيحدث عندما يستطيع الكائن أن يتعلم كيف يتعلم، وذلك بنقل عملية التعلم المشروط الأساسي إلى موقف آخر. ويبلغ هذا التعلم الأعلى أو هذا الوعي — الذي قد تشارك فيه بعض الحيوانات — أقصاه في البشر، حيث تصبح استراتيجية تعلّم الألعاب ولعبها من أجل غرض المرء نفسه هي ما يصوغ تاريخ الشخصية أو الذات. ويبدأ التعلّم من الدرجة الثالثة عندما يمكن مساءلة سياق أي موقف من خارج مجموعة قواعده وافتراضاته الضمنية. وقد سعت التحليلات النفسية والمراجعات الجدلية والظاهراتية، وممارسات «صوفية» متعددة للاستنارة (الزن، والتصوف الإسلامي، والغنوصية، والخيمياء...)، إلى إحداث هذا التعلّم من الدرجة الثالثة وتعليمه. وما يفترضه باتيسون من درجة رابعة من التعلم لا يفعل إلا مواصلة التساؤل اللامتناهي عن إعادة تأطير السياقات على نحو أبعد، وهذه العملية يمكن أن تُمارس بلا نهاية، إذ يوجد دائمًا سياق مضمر تُسائل منه السياق الراهن. ومواجهةً لفوضى اللانهائي، فإن الرغبة هي ما يبقى من الغريزة أو الدافع بعد أن يوسّطه الفكر أو الوعي. والرغبة هي القطع الهايزنبرغي أو اللاكاني الذي ينتج الحدث عبر فعل إيمان. والرغبة هي الأفق الذي يُلعب عليه الوعي.
فالطقس، والسحر، والعنف، والتنويم، والنقل، والإغواء، والرغبة، والحب، والإيمان، كلها تشكل حدودًا للوعي. وإن الارتقاء إلى مستويات أعلى فأعلى من الوعي عبر تعلّم باتيسون I وII وIII وIV — وهو ببساطة تحقق واضح ومعلن لممارسات الزن والتصوف — يقوم على مساءلة الذات باستمرار وإخراجها من المعتقدات/القواعد/السياقات الضمنية للحظة. إن ممارسة الوعي تضعك على تماس مع الفوضى اللامتناهية للممكن، التي يضع حدًا لها التحقق الفردي للحدث في الطقس والسحر والمعتقد عبر قبول تعسفي. والوعي ليس شيئًا — بل هو إبطال شيء ما — نفيٌ محض — لكنه نفي يفسح الطريق لمزيد من الوضع، وإلا وقع الجمود، وهو الوهم الحقيقي.
يمكن لممارسات الوعي أن تشكّل سياسة لإزالة السياق وإعادة التأطير، تسهم في الوساطة بين الفوارق التي لا يمكن التوفيق بينها في مختلف تجليات المعنى، المعبر عنها بوصفها رغبة أو إيمانًا. ويمكن أيضًا لممارسة الوعي أن تصبح غاية في ذاتها. إن ممارسة «اللامبالاة» لدى ساد بوصفها لاهوتًا سلبيًا تحاول بلوغ الاتزان عبر النفي المحض، بإبطال العقل المرآتي والحاكم والواعي من خلال الإتيان المباشر للدافع، لكن باتاي يرى أن هذا يقود إلى مأزقه الخاص، ويصر بدلاً من ذلك على مواجهة هذه المباشرة بإمكانية استعادة الإيمان دائمًا. إن بلوغ الموضوعية الحقة صعب، لكن الموضوعية داخل الذاتية أصعب بعد.
وأخيرًا، تعتمد الخبرة الإنسانية على نماذج أخلاقية وجمالية ومعرفية. فالسؤال، مثلًا، ليس ما العنيف وما اللاعنفي، أو ما الصحيح وما الخاطئ، بل كيف تتحول الطاقة أو الدافع وكيف تُترجم وتتحور. فإدارة الخد الآخر، والاستسلام، والفرار، والرد بالمثل، وتحويل الهجوم «العنيف» إلى هزيمته هو نفسه عبر فنون القتال — كلها احتمالات بالنسبة إلى المثال الأوضح للاعتداء الجسدي، وهذه التعددية في الاستجابات الممكنة تنطبق على كل مواقف الخبرة الإنسانية. وبالنسبة إلى الطرق المختلفة لاحتواء الدافع أو التعبير عنه أو قناته، تقدم طقوس التضحية، والأديان التمثيلية، والفن، والفلسفة، والقانون، والألعاب بمختلف أنواعها إمكانات متعددة. والاختيار الذي يقوم به المرء هو اختيار رغبة/إيمان، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. ولا يمكن لأي مقاربة واحدة أن تدّعي الحكم أو الجزم بالطريق الصحيح للآخر. ومع ذلك يمكننا أن نقدّم طرائقنا المختلفة لكي تُفهم وتُعجب أو تُرفض، بل وحتى يُؤخذ بها لصالح طرائق أخرى مختلفة و/أو «أفضل» — مع أن هذا أيضًا مسألة قبول تعسفي أو رغبة/إيمان. ويمكننا أن نسمي ذلك إغواءً أو تواصلًا. فنحن نتصرف ونفكر ونشعر ونؤمن وفق مجموعة من أنماط الإيمان الضمنية التي لا نسائلها. ومن جهة أخرى، إذا عرفنا ما الذي يحدث لنا — أننا مبرمَجون أو مُغْوَون — وأن ذاتيتنا تُبنى لنا — وأن السبيل الوحيد إلى الخروج هو أن نصبح واعين بالسبل التي نُبرمَج بها — فقد نملك حينها القدرة على الاستمتاع بما نحن عليه و/أو على تحويل هذه السبل باستمرار. ويمكننا أن نلقي بأنفسنا بوعي في لعبة الإغواءات، حيث نسمح لأنفسنا بأن نُغوى بسبل جديدة.
وبالنسبة إلى إمانويل ليفيناس (1961)، فإن العلاقة الأخلاقية الوحيدة هي أن يتخذ المرء موقع المخاطَب — أي «أنت» في مقابل «أنا» الآخر. والإثنوغرافي الحقيقي يفعل الشيء نفسه — فينتقل إلى نمط وجود الآخر إلى درجة أنه يضيع فيه في تلك اللحظة، ثم يعود إلى نمطه الخاص وقد تغيّر. فهناك دائمًا خطر أن يتحول المرء أو يصبح آخر عبر الإغواء نحو معتقدات أو إيمانات أو خرائط وجود أخرى، لكن هذا هو المصير الجوهري للكائن البشري وهو قائم على الحافة بين النظام والفوضى. وإن الوعي بأن الإغواء-النقل-التنويم هو كل ما يوجد يتيح على الأقل إمكانية التواصل — أي الإبقاء الأخلاقي-الجمالي-الإيكولوجي على قدر من النظام والتوازن داخل الفوضى. وفي هذه الأثناء، سيجد كل حدث-ذات سببه الخاص للوجود — ولدى آخر قد يبدو ذلك «عنيفًا» أو «خاطئًا».
ومن أكثر الجوانب إثارة في عمل غريغوري باتيسون أنه وجد طريقًا للخروج من مأزق المقاربات النفسعلاجية والتربوية الخاصة — من المحتوى إلى السياق. ومن الناحية الشكلية، يمكن لحالات الربط المزدوج أن تقود إلى الإبداع أو الدعابة أو التصوف أو الفصام. أما الروابط المزدوجة المطبقة لاواعيًا فتنتج في العادة «الجنون»، بينما تؤدي الروابط المزدوجة المطبقة بوعي، كما في الزن وسياقات مشابهة، إلى مستويات أعلى من التعلم والوعي وإزالة السياق. وقد كان باتيسون يصغي إلى لغة المصابين بالفصام، ويضعهم في روابط مزدوجة بالنسبة إلى أنظمتهم الخاصة من القواعد الرمزية والمعرفية التي كانت تشكل أساس خبرتهم، وذلك كي يخرجهم من مآزقهم.
وتقرر نظرية الربط المزدوج أن هناك مكونًا خبراتيًا في تحديد الأعراض الفصامية أو في نشأتها، وكذلك في أنماط السلوك المتصلة بها، مثل الدعابة والفن والشعر، إلخ. ولا سيما أن النظرية لا تميز بين هذه الأنواع الفرعية. فداخل النظم لا شيء يحدد ما إذا كان فرد بعينه سيصير مهرجًا أو شاعرًا أو فصاميًا أو مزيجًا من هذه كلها. نحن لا نتعامل مع متلازمة واحدة، بل مع جنس من المتلازمات، لا يُنظر إلى معظمها تقليديًا بوصفها مرضية.
دعني أصك كلمة «عابر للسياقات» بوصفها مصطلحًا عامًا لهذا الجنس من المتلازمات.
يبدو أن كلاً من أولئك الذين تثري حياتهم الهبات العابرة للسياقات، وأولئك الذين يفقَرون بسبب الالتباسات العابرة للسياقات، يشتركون في أمر واحد: فبالنسبة إليهم توجد دائمًا، أو غالبًا، «نظرة ثانية». فالساقطة من ورقة، أو تحية صديق، أو «نبتة الربيع على حافة النهر» ليست «فقط ذلك ولا شيء أكثر». فالخبرة الخارجية يمكن أن تُؤطَّر داخل سياقات الحلم، كما يمكن إسقاط الفكر الداخلي على سياقات العالم الخارجي. وهكذا دواليك. ومع كل هذا، نلتمس تفسيرًا جزئيًا في التعلم والخبرة. (Bateson 1972, p. 272-3)
ومن حيث العملية، فإن العلاج والتعليم الوظيفيين سيتبعان صيغة أساسية: توفير بيئة حاضنة أو حاملة، وكسر الأنماط التي تستحوذ على الذات، ثم الاستمرار حتى يستطيع المرء أن يفعل ذلك بنفسه (رافضًا السيد — لا متماهيا مع الأنا المثالية للمعالج/المعلم). وأخيرًا، تظل هناك مسألة المعنى في مواجهة الوعي أو «الرغبة عند حدود الفكر». إن احتضان/تفعيل رغبتك الخاصة يصبح إيمان كل لحظة — وهو «اختلاف يصنع فرقًا» في الجريان الإيكوسوفي للطاقة-المادة. وبالنسبة إلى باتاي وساد، فإن القبض الإيكوسوفي اللامركزي والموضوعي جذريًا على الوجود لم يزد إلا لحظاتهم الذاتية الشخصية، فأمدّها بغنى مستحيل بسبب سيادتها المطلقة. وهذا يكشف محدودية محاولة حصر النفس فيما يقع داخل جلد الفرد. إن «خطوات باتيسون نحو إيكولوجيا العقل» و«الاقتصاد العام» لدى باتاي يشكلان حركة نحو قبضة أوسع وأكثر تعقيدًا على الهرمية المتداخلة لمستويات الخبرة، من الفيزياء الحيوية إلى الظواهر الاجتماعية-الثقافية.
وبالاستناد إلى قدر متزايد من البحث، يفسّر علماء الأعصاب اليوم شعورنا أو نوعية خبرتنا عبر الربط المستمر بين المعلومات الإدراكية والإحساس الجسدي — وهو منظور طرحه هنري برغسون (1896) قبل قرن كامل. ومنذ بداية حياة الرضيع، تجري عملية التعلم عبر هذا الربط. فالإنسان مبرمَج منذ الولادة عبر ما يبدأ كتعلّم مشروط ثم يصل في النهاية إلى مستويات أعلى من التعلم كيف نتعلم. وحقيقة أن كل سلوك أو استراتيجية أو إدراك متعلم يتأثر بالإحساسات المصاحبة له ليست أمرًا عرضيًا. بل صار يُفهَم بشكل متزايد أن المعرفة تعتمد على الخبرة الإدراكية الحركية للجسد في العالم. فالعقل «متجسّد» ومرتبط ببيئته (Varela 1993). ووفقًا لجيرالد إيدلمان، لو أمكن لدماغ أن يوجد خارج جسد — أو لو أمكن بناؤه اصطناعيًا — فلن تكون خبرته الذاتية بالعالم مختلفة فحسب، بل لن يكون قادرًا حتى على أداء العمليات المعرفية المعقدة التي يؤديها حشرَة، فضلًا عن إنسان، من دون أن يمر بالتعلّم الجسدي الطويل للخبرة في العالم.
إن الكواليا، وهي فردية لدى كل واحد منا، هي إعادة تصنيف من قبل وعي أعلى للروابط الإدراكية المحملة بالقيمة في كل نمط حسي أو في تراكيبها المفهومية بعضها مع بعض. ونحن نبلغها للآخرين على نحو تقريبي؛ أما بالنسبة إلينا فنحن نبلغها مباشرة أكثر. وهذه المجموعة من العلاقات مرتبطة بالقيمة عادة، وإن لم يكن دائمًا. وإن التحرر من الزمن يتيح تحديد موقع الحالات الظاهراتية في الزمن بواسطة ذات متألّمة أو مبتهجة. كما أن حضور اللغة الملائمة يحسن التمييز بشكل هائل؛ فالمهارة في تذوق النبيذ، مثلًا، يمكن اعتبارها نتيجة لشغف قائم على كواليا تُصقل تدريجيًا باللغة. (Edelman 1992, p. 136)
وفي حين يُرسَم الجانب المعلوماتي للإدراك-الفعل في القشور الحسية الأولية في الدماغ، فإن الإحساسات الداخلية القائمة على القيمة تُسجّل في الوقت نفسه في منطقة الحصين في الدماغ، وهي مرتبطة مباشرة بالجهاز العصبي المركزي الكامل في الجسد. وتخزن عملية التصنيف المفهومي القائمة على الإدراك المرتبط بالقيمة عبر خرائط عصبية تتولد في القشور الجبهية والجدارية والصدغية. وبالنسبة إلى إيدلمان، ينشأ الوعي الأولي نتيجة التواصل بين الخرائط المصنفة طويلة الأمد المخزنة في الذاكرة والخرائط القصيرة الأمد المباشرة في لحظة الإدراك-الفعل الجاري حاضرًا. والاهتمام بالحياة يربط على الدوام بين التفاعل في العالم ونفس الذاكرة والتعلم. وحتى أشكال الحياة البدائية جدًا تختبر هذا النوع من الوعي أو التعلم. أما الوعي الأعلى فينشأ لدى البشر حين تبدأ الخرائط المخزنة في التواصل وتوليد تجارب تعلم وانفعال جديدة خاصة بها من دون تفاعل مع الشرط الخارجي. ومع البشر تتسع عمق النفس أو الذهن بما يتجاوز ما يبدو تفاعلًا ميكانيكيًا مع العالم، بحيث يبني هذا الوعي الأعلى خبرة داخلية تقوم عليها الأفكار والمشاعر والذكريات والآمال والخطط والرغبات والأحلام — والشعور بأننا موجودون بوصفنا ذاتًا.
يعتمد الوعي الأعلى على بناء ذات عبر تبادلات وجدانية-بينية ذات طابع متبادل. وهذه التبادلات — مع شخصيات الوالدين، ومع الأقران في الرعاية والتنظيف، ومع الشركاء الجنسيين — من النوع نفسه الذي يوجّه التبادل الدلالي وبناء اللغة. والتبادلات المصبوغة انفعاليًا عبر الرموز تبدأ تأسيسًا دلاليًا للذات. والنتيجة هي نموذج لعالم لا لنطاق بيئي، إلى جانب نماذج للماضي والحاضر والمستقبل. غير أن الوعي الأعلى، في الوقت الذي يحررنا فيه من طغيان الحاضر المتذكَّر، يظل الوعي الأولي قائمًا ويتفاعل مع آلية الوعي الأعلى. بل إن الوعي الأولي يوفر قوة دافعة قوية لعمليات الوعي الأعلى. نحن نعيش على عدة مستويات في الوقت نفسه. (Edelman 1992, p. 150)
إن غنى التفاعل مع البشر الآخرين — وكل واحد منهم يملك عالمه الداخلي من العقل أو النفس — يضاعف تعقيد الخبرة الإنسانية مرات عديدة، وعلى الرغم من أن هذا الوعي الأعلى يبدأ عبر شكل سابق للسانية من التصنيف، فإن اللغة تسهم في تيسير هذا التعقيد المتزايد. وفي النشاط الإنساني الذي نأخذه كأمر مفروغ منه، تعمل طبقات كثيرة من المعنى — تمتد كلها إلى الوراء حتى الحالات الحسية والإدراكية البدائية — بحيث لا نعي هذا الغنى والتعقيد. والحقيقة أن الانفعال والمعرفة لا ينفصلان أبدًا، وحتى أكثر الأفكار والأفعال عقلانية ظاهرًا تحركها العاطفة.
يتشكّل المعنى في صورة مفاهيم تعتمد على تصنيفات قائمة على القيمة. وهو ينمو مع تاريخ الإحساسات الجسدية والخيالات المتذكَّرة. ومزيج الأحداث فردي، وهو إلى حد كبير غير متوقع. وحين تنشأ، داخل المجتمع، القدرات اللغوية والدلالية وتُربط الجمل المتضمنة للاستعارة بالفكر، فإن القدرة على إنشاء نماذج جديدة للعالم تنمو بمعدل انفجاري. لكن ينبغي أن نتذكر أن هذا النظام المعنوي، بسبب ارتباطه بالقيمة وبمفهوم الذات، نادرًا ما يكون خاليًا من الانفعال؛ فهو مشحون بالعواطف. (Edelman 1992, p. 170)
إن جهود علماء الأعصاب لفهم عمل الدماغ في تفاعل العقل والجسد لم تفعل سوى إيضاح المستوى الذي لا يُختزل من الخبرة الذي يجري داخل الحياة الإنسانية. فعلى الرغم من أن الاجتماعي يقوم على الفردي، والفردي على البيولوجي والكيميائي والفيزيائي، فإن أي مستوى لا يمكن أن يفسر مستوى آخر بالكامل. إن فحص الظواهر أو الأحداث عند أي مستوى يرتبط دائمًا بمستوى آخر أعلى أو أدنى، ولا يختزل إليه أبدًا. وعلى الرغم من أن التحليل النفسي وعلم النفس يستفيدان من علوم الدماغ والجسد، فإن الخبرة الإنسانية في النهاية لا يمكن فهمها إلا عبر القبض على ما هو جوهري فيها.
وعلى نقطة عملية معينة، ينبغي إذن أن تفشل محاولات اختزال علم النفس إلى علم الأعصاب. فبما أن السعي إلى الفكر بوصفه مهارة يعتمد على التفاعل الاجتماعي والثقافي، والعرف، والمنطق، وكذلك على الاستعارة، فإن الأساليب البيولوجية المحضة بصيغتها الحالية غير كافية. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الفكر في أعلى مستوياته يكون ارتداديًا ورمزيًا. ولأننا جميعًا مصادر فريدة لتأويل الدلالة، ولأن التواصل بين الذوات ضروري للفكر (سواء مع مخاطب حقيقي أو متخيَّل)، فعلينا أن نستخدم هذه القدرات وندرسها لذاتها. (Edelman 1992, p. 175)
وفي تحليل تطور الانفعال الإنساني، يمضي أنطونيو داماسيو أبعد من إيدلمان في إيضاح أساس المعرفة، إذ يزعم أن الانتباه إلى الحياة — إلى الإدراك والمعرفة والفعل — يعتمد على الدوام على الرغبة أو الدافع. وهذا يشبه ادعاء برغسون بأن الإدراك نفسه يتشكل بالحاجات أو بالدافع. فما يُنتقى من كلية الوجود لأجل الإدراك — ما سيُرى ويُسمع ويُحَسّ من قبل أي كيان — يتشكل بالغريزة والحاجة والدافع، الذي يصير في الإنسان أكثر دقة ويتحول إلى رغبة. وهذا واضح في حالة التعلم المشروط الذي يُكافأ فيه المرء على السلوك على نحو معين، لكنه يظهر أيضًا في الأشكال الأرقى من التعلم المحفز والخلّاق — حيث يُشجَّع المرء على الاستكشاف، ويُحفَّز على التعلم وتغيير الذات استنادًا إلى الرغبة المباشرة بدلًا من مكافأة مؤجلة — أو أسوأ من ذلك، التحرر من العقاب.
«في فرضية العلامة الجسدية الكاملة، أقترح أن حالة جسدية، سلبية كانت أم إيجابية، يسببها ظهور تمثيل معين، لا تعمل فقط بوصفها علامة على قيمة ما هو مُمثَّل، بل أيضًا بوصفها معززًا لاستمرار الذاكرة العاملة والانتباه. فالعمليات تُمنح طاقة من العلامات التي تشير إلى أن العملية يجري تقويمها فعلًا، إيجابًا أو سلبًا، من حيث تفضيلات الفرد وأهدافه. إن تخصيص الانتباه والذاكرة العاملة والحفاظ عليهما لا يحدثان على نحو معجز. إنهما يُحفَّزان أولًا بتفضيلات كامنة في الكائن، ثم بتفضيلات وأهداف مكتسبة على أساس تلك الكامنة». (Damasio 1994, p. 197-8)
وفي إيضاح تشكّل الذاتية ومفهوم الذات لدى البشر، يذهب داماسيو إلى أن القدرة على فصل النفس أو العقل عن الحالات المباشرة للوعي القصصي الضيق الموجودة عند الحيوانات، وتجربة الذكريات والخطط، لا تكفي وحدها. فلا بد، إضافة إلى ذلك، من وجود مجموعة دائمة من التمثيلات للحالات الجسدية، الماضية والحاضرة، في تفاعل المرء مع العالم في صورة الآخر أو الموضوع.
«وأخيرًا، إذا تأملنا أن جميع العناصر التي وصفتها أعلاه — موضوعًا يُمثَّل، وكائنًا يستجيب لموضوع التمثيل، وحالة للذات في طور التغير بسبب استجابة الكائن للموضوع — تُحتفظ كلها في وقت واحد داخل الذاكرة العاملة ويُنتبه إليها، جنبًا إلى جنب أو عبر إدخال سريع متعاقب، في القشور الحسية المبكرة، فإنني أقترح أن الذاتية تنبثق خلال الخطوة الأخيرة، حين لا ينتج الدماغ صورًا لشيء فحسب، ولا صورًا لاستجابات الكائن لذلك الشيء فقط، بل نوعًا ثالثًا من الصور، صورة لكائن في فعل الإدراك والاستجابة لشيء. وأعتقد أن المنظور الذاتي ينبثق من ثبات هذا النوع الثالث من الصور». (Damasio 1994, p. 242-3)
في هذه النظرية، تعتمد الذاتية نفسها على التمييز الأولي للأشياء هناك في العالم، وهو ما يميزها من غمرٍ أوتستي كامل في الوجود. وهذا يشبه مراحل التطور عند ميلاني كلاين (1932) حيث تسبق علاقات الموضوع البدئية وانقسام الأحداث إلى موضوعات جيدة وأخرى سيئة تكوّنَ الذات في الوضع الاكتئابي، الذي يميز نفسه عن الموضوعات الأخرى ويضم نفسه بوصفه كائنًا متصلًا له تاريخ من التفاعلات مع هؤلاء الآخرين أو الموضوعات. وكما ترى كلاين أن تكوّن علاقات الموضوع التي تبقى معنا طوال حياتنا وتشكل جزءًا مهمًا من خبرتنا الإنسانية الذاتية وتفاعلنا مع الآخرين يسبق اللغة، كذلك يؤكد داماسيو من موقع عصبي أن بناء الذاتية والذات لا يعتمد وحده على اللغة الإنسانية.
«هذه الأداة العصبية الأساسية لا تحتاج إلى اللغة. فبناء الأنا الأعلى الذي أتخيله غير لفظي تمامًا، وهو رؤية تخطيطية للشخصيات الرئيسية من منظور خارجي لكلتيهما. وفعليًا، يشكل منظور الطرف الثالث، لحظةً بلحظة، وثيقة سردية غير لفظية عما يحدث لتلك الشخصيات. ويمكن إنجاز السرد من دون لغة، باستخدام الأدوات التمثيلية الأولية للنظم الحسية والحركية في الزمان والمكان. ولا أرى سببًا يمنع الحيوانات التي لا لغة لها من أن تصنع مثل هذه السرديات». (Damasio 1994, p. 243)
ويبدو أن الفكرة اللاكانية القائلة إن اللغة تحدد ذاتيتنا منذ ما قبل الولادة تتعارض مع هذا المنظور. وفي الواقع كان مشروع لاكان كله قائمًا على تصحيح الخطأ في العمل التحليلي النفسي، وهو تقوية الأنا أو الذات، لأن الذات في نظره كانت جزءًا من الخيال المبني على نحو زائف والذي يسبب المعاناة، إذ لا يسمح للذات أن تُحدَّد برغبتها أو مصيرها، بل يوقعها في أنماط سلوك وخبرة يحددها الآخر. وبالمثل تتبع ميشيل فوكو (1976) جينيالوجيا خبرة الذات بوصفها شكلًا من الذاتية، فوجد أنها خاصية غريبة جدًا على الحضارة الغربية الحديثة، التي صار خطابها يشكل هذه الخبرة الذاتية في الأفراد والمجتمعات. وما يسميه داماسيو بالذات ليس إلا شكلًا ما قبل لغوي من الذات أكثر بدائية من الخبرة الأشد تعقيدًا لـ«الأنا» أو للـego التي يطورها الإنسان الحديث.
«تتوفر لدى البشر قدرات سردية من الدرجة الثانية، توفرها اللغة، يمكنها أن تولّد سرديات لفظية من سرديات غير لفظية. والشكل المصقول من الذاتية الذي هو لنا سينبثق من هذه العملية الأخيرة. قد لا تكون اللغة مصدر الذات، لكنها بالتأكيد مصدر الـ“أنا”». (Damasio 1994, p. 243)
ومن جهة أخرى، فإن البناء ما قبل اللفظي لـ«الأنا» والذات، عند لاكان، يكون دائمًا-سبقًا يُبنى بواسطة الرمزي الذي قد يُنطق وقد لا يُنطق، وقد يُصاغ عبر التواصل اللغوي البشري أو لا. فالإنسان يولد داخل عالم رمزي ومعرفي معقد من الأساطير والقوانين والطقوس والألعاب، وحتى حين تكون أبسط عمليات الانقسام وعلاقات الموضوع تحول الذاتية الرضيعية من أوتزم محيط إلى تمييز، يكون العالم الرمزي الأكثر تعقيدًا قد وضعه في مكانه بطريقته الخاصة. وربما يكون رسم دانيال ستيرن (1985) لمراحل بناء الذاتية، استنادًا إلى أبحاثه الإثولوجية، قد وحّد النظريات السابقة بإظهاره كيف تبقى أكثر الحالات النفسية بدائية معنا حتى ونحن نكتسب الوصول إلى العوالم البينية والرمزية واللفظية. بل لو أخذنا ستيرن خطوة أبعد، لأمكننا أن نتفق مع لاكان على أنه حتى قبل أن تُستثار هذه المراحل اللاحقة من التطور البيني واللفظي وتبلغ لحظة تأثيرها الأمثل، فإنها كانت تعمل مع ذلك تحت الأرض منذ البداية.
ويبدو، إذن، أن الحياة الإنسانية، منذ الحالة الهشّة في لحظة الولادة، رحلة طويلة ومعقدة من التعلم، لا يتعلم فيها الذات كيف ينجو فحسب، بل تُبنى فيها أيضًا الطريقة نفسها التي يختبر بها العالم. ويمكن لمستويات التعلم المتزايدة عند باتيسون أن تعمل على نحو مماثل لنموذج ستيرن في كيفية تشكّل الذاتية. فالكائن البشري يولد مع مجموعة معينة من الاستجابات المبرمجة، ويبدأ التعلم المشروط الأساسي منذ الولادة أو حتى قبلها، لكن حتى حين تُستهل مستويات أعلى من التعلم كيف نتعلم وإزالة السياق، تظل هذه المستويات الأساسية تعمل في الأسفل، مشكلةً خبرة عاطفية-معرفية معقدة.
وفي تحليل النظام النفسي-العصبي، أوضح كارل برِبرام تشكّل الذاتية والتعلم عبر تفاعلهما مع نظم أخرى داخلية وخارجية. واستعان من الفيزياء النظرية لإليا بريغوجين (1984) ليصف الخبرة الإنسانية بوصفها دارة جدلية أو سيبرنطيقية مع تذبذب دائم وغير متوقع بين الثبات والجِدّة. فالأمان في صورة النظام والثبات والألفة هو دافع أساسي يتقدم نحوه التعلم الإنساني. وما إن يُشَرَّط شخص ما على أن يدرك/يتصرف بطريقة معينة، حتى يزداد احتمال أن يواصل في الاتجاه نفسه بناءً على التعلم المشروط المرتبط بالإحساس الجسدي المتصل بالحاجات الأساسية.
«إن الاعتبارات الثرمودينامية التي طرحها بريغوجين بشأن الاستقرارات البعيدة عن التوازن مثيرة للاهتمام: فالاستقرارات البعيدة عن التوازن جاذبة؛ فهي تعمل بوصفها مغناطيسات جذب تتجه إليها العملية. وهكذا فإن الحادثة، التي تتميز باستقرارها المؤقت البعيد عن التوازن، يمكن أن تعمل بوصفها جاذبًا أثناء التعلم — وبعبارات علم النفس التجريبي، فهي تمنح الفعل قيمة عبر عملية تدعيمية». (Pribram 1991, p. 218-9)
وإلى الحد الممكن، يسعى أي كائن، بما في ذلك الإنسان، إلى إدماج أي تغيير في نظامه القائم من القواعد. ومع ذلك فإن الاضطراب الآتي من البيئتين الداخلية والخارجية ينتج في النهاية وضعًا يحدث فيه انهيار للاستقرار. وفي محاولة إيجاد استقرار جديد، قد يعلق الكائن في الارتباك أو الاضطراب الناتج.
غالبًا ما يعمل النظام النفسي-العصبي في الواقع قريبًا من التوازن، ويُواجَه الاضطراب بالعودة إلى التوازن: فالتشتيت الناتج عن استجابة التوجّه إما أن يُتجاهل أو يُدمج في العملية الجارية عبر التكرار والألفة. لكن إذا كان الاضطراب كبيرًا، فقد تنتج عنه استجابة نسميها عادةً انزعاجًا انفعاليًا، فتقع حالة اضطراب ويجب بلوغ استقرار جديد. وعندما يُتصوَّر المسار، كما في نظرية الدماغ الهولوﭭنية، بوصفه مؤلفًا من وظيفة متصلة، مثل المتشعبات التي يصفها جبر لي، يمكن أن تتطور دوامات داخل النظام المضطرب. وهكذا فإن احتمالًا كثير التحقق هو أن يُعلَّق المرء داخل الاضطراب. لكن بما أن هذه حالة بعيدة عن التوازن، يمكن للمرء أن يبحث عمدًا عن قيود بديلة من أجل تغيير الحالة. (Pribram 1991, p. 219)
واستعارةً من عمل روس آشبي حول النظم الحاسوبية، يصف برِبرام طريقة لمنع ركود الانهيار وتحويله إلى اختراق. فإدخال العشوائية يعمل بوصفه اضطرابًا دائمًا يمنع النظام — أو الذاتية — من الركود داخل أي حالة مستقرة نسبيًا. وعلى المستوى الإنساني يمكن لهذه الطريقة أن تساعد في تجنب التثبيت والركود والمرض.
«وصف آشبي طريقة مثيرة وقوية للتعامل مع الاضطراب، طريقة تؤدي إلى حالات إعادة استقرار “كارثية” (“دوالّ خطوات”). ففي نموذجه الحسابي، كان الاستقرار يُحقق بإضافة أعداد مأخوذة من قائمة أعداد عشوائية إلى الحساب. وتوفر العشوائية أكبر قدر من التباين، وأوسع مجال للنتائج الممكنة. وفي نظام ذي مثل هذا التوزيع الاحتمالي توجد أيضًا أكبر إمكانات (القدرة) لتطوير تنظيمات جديدة. وكما في نموذج بريغوجين، لا يمكن التنبؤ بكيفية إعادة استقرار النظام تحديدًا، بسبب العشوائية المُدخلة في النظام المضطرب». (Pribram 1991, p. 219)
وتشترك نماذج آشبي وبريغوجين في كثير من الأمور مع النماذج الثرمودينامية التي طُوِّرت لاحقًا. فالمعالجة الفعالة تتحقق عبر أسلوب إرشادي تكون فيه إضافة الضجيج مهمة لمنع الإغلاق المبكر على جاذب مهيمن. (Pribram 1991, p. 219)
وهذا قريب بشكل مدهش من طرق باتيسون، ومن ممارسات الزن والتصوف الصوفي في الوعي، وكذلك من أشكال متعددة من الشامانية والتصوف، حيث تُستخدم الوسائل الجسدية والكيميائية والرمزية من أجل منع الركود وزيادة التحول الانفعالي والمعرفي. وفي هذه المجالات يصبح التعليم والشفاء والخبرة المقدسة جزءًا لا يتجزأ من الممارسات التحويلية.
وحتى بعيدًا عن الممارسات المحددة المصممة لتحويل نظام فردي أو جمعي عالق عبر أساليب تربوية أو علاجية، يصف برِبرام التجربة المستمرة للإنسان بوصفها عملية متذبذبة يكون فيها التغير والاختلاف والمواجهة ذاتها حاضرة. ومهما اندفع البشر بحاجتهم إلى الثبات، فإن اقتحام التغيير من النظم التي نحن مرتبطون بها هو ما يمنح حياتنا معناها. فكثير من وجودنا ينبغي أن يحدث على المستوى اللاواعي، ومع ذلك فإن الاضطراب هو ما يأتي بغاية واعية وبانتباه إلى حياتنا.
«إن الاضطراب، سواء تولد داخليًا أم خارجيًا، ينتج استجابة توجّه تقطع السلوك الجاري وتحدّد حادثة. ومع اعتياد استجابة التوجّه، يُعاد (ت)نظيم أوزان (قيم) الاستقطابات في العملية المجهرية الوصلية على أساس المعالجة البروتوقِرْتيكية. ويتميز التماسك المؤقت بالبنية الجديدة التي تعمل بوصفها جاذبًا تدعيميًا طوال مدة الحادثة، أي حتى يحدث عدم الاعتياد (استجابة توجّه أخرى)». (Pribram 1991, p. 220)
وفوق المعنى، تعتمد وظائفنا المعرفية الأساسية على هذا الاختلاف. كما أوضح برغسون، فإن الطريقة التي يختبر بها أي كائن بيئته تعتمد على الحاجة والدافع والرغبة. فالإدراك/الفعل الأساسي والانتباه إلى الحياة مدفوعان بالاضطراب المستمر القادم من الخارج.
«كلما تغير موقف، حدثت استجابة توجّه، وانقلبت الإدراكات التي كانت معتادة سابقًا إلى حالة عدم الاعتياد. وتشير استجابة التوجّه إلى إدراك الجِدّة، أي إدراك التغير في الموقف. وقد تولَّد التغيرات المُدرَكة من الداخل — كما حين يصير الكائن جائعًا. وفي مثل هذه الحالات، يجعل “الإدراك” الجديد — لافتات المطاعم تبدأ في ملء المشهد — ما كان غير ذي صلة يصبح ذا صلة. فيُبذل الجهد، ويُدفع الانتباه، ويُختبَر المألوف على نحو مبتكر». (Pribram 1994, p. 221)
لكن الاختلاف في ذاته ليس شيئًا، إذ إن مقدارًا لا نهائيًا من الاختلاف يحيط بأي نظام. وما يهم — كما يقول باتيسون — هو الاختلاف الذي يصنع فرقًا، أي الجِدّة. فالاختلاف المطلق يميل إلى الفوضى والإنتروبيا، بينما تؤدي إعادة تنظيم المألوف باستمرار إلى الجديد إلى تحقيق توازن بين التفاعل بين الثبات والجِدّة الذي يميز الحركة الأساسية للخبرة الإنسانية، إن لم يكن لكل النظم الذاتية التنظيم. ومن خلال هذه الطريقة في إعادة التنظيم وفي إدارة اللعب بين النظام والفوضى، وفي الحفاظ على حالة شبه ثابتة عند نقطة بعيدة عن التوازن، تستطيع بعض النظم (المنخفضة الحرارة) أحيانًا أن تتحول إلى كائنات أعلى مستوى بدلًا من أن تنزلق إلى الإنتروبيا أو الموت أو إكمال تكثفها.
هناك قدر كبير من الالتباس حول إدراك الجِدّة. ففي الأوساط العلمية، ينبع كثير من هذا الالتباس من الخلط بين الجِدّة والمعلومات... غير أنه، كما سيُفصل بعد قليل، فإن الجِدّة بالمعنى المستخدم هنا لا تزيد مقدار اللايقين ولا تنقصه؛ بل إنها ناتجة عن إعادة ترتيب لما هو مألوف. وتكمن المهارة في كتابة الرواية لا في تقديم المعلومات بمعنى خفض مقدار اللايقين في التواصل، بل في تصوير المألوف بطرائق جديدة، أي في تراكيب جديدة. (Pribram 1994, p. 222)
والجِدّة تشبه العشوائية التي أدخلها آشبي إلى النظم الحاسوبية لضمان ألا تركد في شبه الثبات البعيد عن التوازن. فإذا كان التوازن يقارب الإنتروبيا أو الفوضى القائمة في غياب الاختلاف، وكانت المعلومات نقطة استقرار نسبي بعيدة عن التوازن — جاذبًا معينًا — فإن العشوائية هي ما يمنع هذه الجاذبات من أن تصبح بدورها معلومات راكدة. ولعل هذا هو دور الفن. فكتبنا وأفلامنا وموسيقانا تتحدّى وتعيد تنظيم خبرتنا الإدراكية والمعرفية والانفعالية بالحياة اليومية، حتى وهي تمنحنا إحساسًا بالمعنى. ثم إن أي فعل يتولى هذه المهمة يمكن أن نصفه بأنه فن للحياة — ممارسة تحويلية. وأخيرًا، قد يكون انهيار السرديات الكبرى المعاصرة داخل الفلسفة والعلم والدين والفن قد فتح الطريق أمام خبرة أكثر مباشرة بالمعنى في العالم، حيث يصبح تدفق الجِدّة المستمر هو فن الحياة ذاته. فلن يعود المعنى أو الجلال أو الحقيقة خارجهنا في آلهة أو قادة أو أعمال كبرى بعينها تستحوذ على رغبتنا أو إيماننا أو ولاءنا. وفي الحداثة، قادت الفنون والعلوم والفلسفة الطريق إلى إعادة بناء ذاتيتنا، حيث يصير الإدراك والانفعال والمفهوم فعلَ إيمان كل لحظة في وجودنا.
ولكي نبلغ الخبرة الإنسانية على أي مستوى، يلزم أن نأخذ موضعنا في الحسبان. ففي التقدم نحو هدف البحث، نعرف أحيانًا من دون أن نعرف، ونتبع ما يقودنا من غير أن نستطيع شرحه بالكامل. ووفقًا لقراءة توماس سيبـوك (1981) لبيرس، فإن طريقة «الاختطاف» أو «لعبة التأمل» هي على الأرجح كيف يتقدم معظم العلم والفلسفة، لكنها لا تُعرض أبدًا على هذا النحو بعد وقوعها، وتتطلب قدرًا كبيرًا من الإيمان والشجاعة تجاه الذات والآخرين للمضي من دون يقين.
إن مشروع صياغة خطوات نحو فن وعلم الوجود الإنساني يتعلق بتشكل الذاتية: كيف تُبنى الطرق التي يختبر بها البشر العالم، وكيف يمكن إعادة بناء هذه الذاتيات بالنسبة إلى «الاعتلال» و«التحسين»، وما الآثار السياسية والأخلاقية المترتبة على ذلك. وفي سياق عملنا، يجب أن نسعى إلى فهم أكبر عدد ممكن من خرائط الخبرة من الداخل والخارج معًا — أي إيميًا وإيتيًا — كما يفعل الإثنوغرافي حين يغمر نفسه في ثقافة أخرى، أي في طريقة أخرى لتنظيم خبرته. ويشمل ذلك خرائط علمية وفلسفية وتحليلية نفسية ودينية على مستويات وشدات وأغراض شتى. لكن طرائق الناس في اختبار العالم وفهمه ووصفه لا يمكن التوفيق بينها، ولا خريطة واحدة تمتلك الجواب، بل حتى مدى أفضلية خريطة على أخرى أو صدقها يعتمد على القيم الضمنية والرغبات والحاجات الآنية. وبدلًا من البحث عن الخريطة الصحيحة، يمكننا أن نبحث عن التواصل — عن الترجمة عبر الخرائط. هذه «العَبْرية» (Guattari 1992) لا تيسر التواصل فحسب، في كل شيء من معالجة المعلومات إلى الحب إلى الإيكولوجيا، بل تزيد أيضًا متعددة الأبعاد في الخبرة المباشرة والذاتية الإنسانية.
إن رؤية كيفية ترجمة الخرائط لا تعطينا الجواب — بل تُرينا «كيف يحدث الأمر». لا ماذا بل كيف. ولهذا السبب فإن رسم الوجود علميًا لا يدمر الإيمان أو المعنى أو النشوة، إلا إذا كان ذلك الإيمان مجرد خيال أساسي من الأصل. ومهما أنشأنا من خرائط، ستبقى مسألة باتاي (1954): «لماذا يجب أن يوجد ما أعرفه؟»
إن فهم النظم بوصفها هرمية متداخلة هو طريقة أخرى للإحاطة بالعَبْرية، بشرط السعي إلى ما يسميه برِبرام «دوال التحويل» — أي السبل التي تترجم من خريطة إلى أخرى. فالأمر لا يتعلق فقط بفهم القفزة من الفيزياء الكمية إلى الفيزياء الكلاسيكية إلى الشبكات العصبية إلى الرغبة، بل يتعلق بالقفزة من ذاتية شخص إلى ذاتية آخر، أو من ذاتية لحظة إلى ذاتية أخرى. ومعظم «نظرية النظم» لا تهتم بهذه العَبْرية، ولذلك فإن «النظم» عند هؤلاء المفكرين ليست إلا طريقة واحدة أخرى للرؤية — وهي طريقة ميكانيكية. ولا تضمن المقاربات السيبرنطيقية أو التحليلية النفسية أو الإيكولوجية أو العضوية بأي حال ألا يقع المرء في المآزق الميكانيكية نفسها، لكنها تفتح وعدًا بفهم أكثر تعقيدًا للخبرة الإنسانية.
3. الفوضى والتعقيد – ما وراء الدماغ
يمكن النظر إلى الدماغ أو الجهاز العصبي في جسد الذاتية الفردية بوصفه شبكة شديدة الحساسية لتنظيم الأحداث. أمّا ما نسمّيه العقل أو النفس أو الروح أو المعلومات فيمكن أن يُتصوَّر بوصفه الحدث المنظَّم نفسه في لحظته، في تنوّع لا نهائي من الأشكال، وهو دائمًا فريد وغير قابل للاختزال إلى المادة أو الطاقة اللتين ينشأ منهما. وبدلًا من الكلام على الإدراك أو المعرفة أو الانفعال أو الوعي، يكون الأجدر أن نتحدث عن الذاتية بوصفها الخبرة الكلية لأي حدث غير قابل للاختزال، حدث يشارك في كل تلك الأبعاد. أمّا «إحساس» الذات بذاتها، أو بتاريخها، أو ذاكرتها، أو بأي لحظة بعينها، فهو دائمًا جزء من أفقها الداخلي بوصفها كائنًا ذاتيًا، ولا يمكن إعادة تقديمه إلا بوصفه «وصفًا موضوعيًا»؛ وعندئذٍ يصبح ذلك الوصف أو الترجمة أو التواصل حدثًا آخر بذاته، مختلفًا وإن كان ذا صلة.
يصف فيليكس غاتاري (1992) الحركة الأساسية للذاتية الإنسانية وللكون نفسه بأنها حركة «فوضوية-تكوينية» chaosmosis، أي تقلب أبدي بين تشكل النظام من الفوضى ثم تحلله في النهاية وسقوطه من جديد في اللايقين والفوضى أثناء مزيد من التحول؛ وهي عملية خطية ودائرية وأبدية في آن واحد. وقد اكتشف كارل بريبرام عملية مشابهة داخل عمل الدماغ ودوره في التعلم وفي تطور العقل الإنساني والذاتية الإنسانية.
ومن ثم، فإن إحدى طرق النظر إلى العلاقة بين الزمكان والطيف تقوم على مبدأ أقل فعل، الذي يتوسط بين نظامين. فمن جهة أولى، توجد أنظمة محتملة يوفرها التذبذب بين التغير (المقاس على أنه طاقة) والقصور الذاتي (المقاس على أنه زخم). ومن جهة أخرى، توجد تشكيلات الزمكان المتطورة. وتقوم المعلومات مرارًا بتحقيق الفعلي من القوة إلى تشكيلات زمكانية، وبذلك تفسر تطورها. وأحد أنواع هذه التشكيلات المتطورة نختبره نحن بوصفه خبرة إدراكية. (Pribram 1991, p. 271-2)
ما يُسمّى معلومات في السبرنطيقا ليس سوى اسم آخر للتماسك الكمي أو للحدث المنظَّم ذاتيًا الذي يمنح أي كيان وجوده الفريد. وما نظنه أشياء هناك في العالم ندركها على نحو سلبي ليس إلا نتاجًا لتشكّل الإدراك الإنساني أو خلقًا له؛ فهي تنتظم في التفاعل بين الإدراك الإنساني والعالم الخارجي. إن تشكيلات الزمكان تتحقق فعليًا أو تُخلق بواسطة إدراكنا نحن، أي بطريقة تفاعلنا الفريدة مع الطاقة والمادة، وهي خبرة تختلف لدى الكائنات الأخرى. وأحد السبل إلى فهم ذلك هو أن نختبر كيف تغيّر بعض المواد الكيميائية أو الأفعال الجسدية إدراك ما يختبره الآخرون «بشكل طبيعي». ويصف بريبرام الطقوس الصوفية والأدوية المؤثرة نفسيًا بأنها تغيّر تفاعل الجسد-الدماغ مع الكون وتنظيمه للأحداث، حين ينتقل من البعد الزمكاني إلى البعد الطيفي، فتذيب الحدود المعتادة بين العقل والمادة التي نحافظ عليها عادة. وهذه الحدود التي نحتفظ بها عادة ليست إلا ما يسميه برغسون (1896) «الانتباه إلى الحياة»، أو نمط الذاتية الذي يوجّه نفسه إلى البيئة الخارجية لإشباع الحاجات الأساسية، أي الإدراك البراغماتي. ويمكن للممارسات الصوفية أو المواد الكيميائية المؤثرة نفسيًا، بل حتى التأثيرات النفسية للفن أو الحب أو الصدمة، أن تلقينا في عمق خبرة داخلية مقطوعة عن الإدراك البراغماتي، وأن تعيد تنظيم ذاتيتنا بطرق أخرى.
يمكن إحداث الإثارة الجبهية-الحوفية frontolimbic إما بتحفيز كيميائي عصبي داخلي أو بوسائل خارجية، مثل التركيز على مثيرات ملتبسة أو عديمة المعنى تُقدَّم عبر التعاويذ مثلًا. وعندما يهيمن البعد الطيفي على إنتاج الإدراك، ينطوي الزمان والمكان داخل الخبرة المعيشة. فتتوقف حركة الزمن وتختفي الحدود المكانية. وتتميز الواقعة بسلسلة لا نهائية من التغايرات المتخيلة. ولذلك يُشار إلى هذه الواقعة كثيرًا بوصفها روحية، بمعنى أنه، كنتيجة لاستدلال متدرَّب، يُتخيَّل اتحاد فعّال بين المدرك والمدرَك. وتذوب الحدود بين العقل والمادة، كما تذوب سائر الحدود. وسيأتي مزيد في هذا في مناسبة لاحقة. (Pribram 1991, p. 272-3)
سعى روجر بنروز وستيوارت هاميروف إلى إيجاد خريطة تفسيرية لعمل الدماغ الإنساني والطريقة التي ينظم بها العقل، وذلك عبر تطبيق النمذجة الرياضية المعقدة ونظرية الكم على أبحاث علم الأعصاب. ووفقًا لبنروز، تبيّن أن الشبكات العصبية المسؤولة عن رسم الخبرة الإنسانية ومعالجتها في العالم أكثر تعقيدًا بما لا يقاس مما كان يُظن من قبل، مما يوضح أن الذكاء الاصطناعي بعيد جدًا عن القدرة على بناء شيء يقترب من ثراء الجهاز العصبي البشري. ويُعتقد أن الهيكل الخلوي الذي يشكّل «الجهاز العصبي» الأساسي البنيوي والدوراني ومعالجة المعلومات لدى الكائنات وحيدة الخلية، مثل الأميبا، يكوّن، في نظر بنروز وهاميروف، نظامًا معقدًا لمعالجة المعلومات داخل خلايا الدماغ نفسها أو العصبونات. وبدلًا من قبول الفكرة الساذجة القائلة بأن العصبونات إما تطلق الإشارة أو لا تطلقها، يفترضان أن العدد الكبير من الأنابيب الدقيقة microtubules الموجودة في كل عصبون يعمل على نحو تماسك كمي واسع النطاق داخل العصبونات وفي ما بينها وبين الشبكات العصبية.
ها نحن نتخيل أنه لا بد من اشتراك الأنابيب الدقيقة المفردة وحدها في حالة تماسك كمي ذات نطاق واسع نسبيًا، بل إن مثل هذه الحالة يجب أن تمتد من أنبوب دقيق إلى آخر. فلا يكفي أن يمتد هذا التماسك الكمي إلى طول أنبوب دقيق كامل فحسب، بل لا بد أيضًا من أن يشترك عدد كبير من الأنابيب الدقيقة المختلفة في الهيكل الخلوي داخل العصبون، إن لم تكن كلها، في الحالة التماسكية الكمية نفسها. وليس هذا فقط، بل يجب أن يقفز التماسك الكمي الحاجز المشبكي بين عصبون وآخر. وليس في ذلك قدر كبير من الشمولية إذا اقتصر على خلايا فردية! ولا يمكن لواحدية العقل أن تنشأ، في مثل هذا الوصف، إلا إذا كانت هناك صورة من صور التماسك الكمي تمتد عبر جزء ملموس على الأقل من الدماغ كله. (Penrose 1994, p. 375)
تشارك الأنابيب الدقيقة في نقل الجزيئات الضخمة التي تكوّن المواد الكيميائية الناقلة للإشارات العصبية، وهي التي تطلق عبر الشبكات العصبية العملية المعقدة لرسم الخبرة الخارجية والإحساس الجسدي، ثم إعادة تصنيفها إلى الذاكرة العليا والتعلم والوعي. وقد أشارت الأبحاث والتخمينات في مجال الأحداث الفيزيائية الكمية إلى سبل يمكن بها للنظام العصبي الإنساني المعقد أن ينظّم الأحداث على نحو مماثل من خلال رسم خبرتنا بالوجود في العالم.
إن صورتنا، إذن، هي صورة نوع من الحالة الكمية الكروية التي تقرن على نحو متماسك الأنشطة الجارية داخل الأنابيب، وتتعلق بالأنابيب الدقيقة مجتمعة عبر مساحات واسعة من الدماغ. وهناك أثر تمارسه هذه الحالة، التي قد لا تكون «حالة كمية» بالمعنى التقليدي لصياغة الكم القياسية، على العمليات الحسابية الجارية على طول الأنابيب الدقيقة، أثرٌ يأخذ في الحسبان بدقة ولطف الفيزياء المفترضة المفقودة وغير الحسابية OR [الاختزال الموضوعي] التي دافعتُ عنها بقوة. وتتحكم الأنشطة «الحسابية» للتغيرات التشكّلية في التيوبيولينات tubulins في الطريقة التي تنقل بها الأنابيب المواد على أسطحها الخارجية، وتؤثر في النهاية في قوة المشابك عند النهايات قبل المشبكية وبعد المشبكية. وبهذه الطريقة يُنتزع جزء من هذا التنظيم الكمي المتماسك داخل الأنابيب الدقيقة ليؤثر في تغييرات الوصلات المشبكية للحاسوب العصبي في تلك اللحظة. (Penrose 1994, p. 375-6)
تذهب إحدى النظريات الشائعة في فيزياء الكم إلى أن التراكب فوقيًّا للأنماط الممكنة لموضع جسيم مادي على هيئة موجة يُختزل إلى موضعه الفعلي في لحظة القياس بفعل القياس نفسه. وهذا «الاختزال الذاتي» للواقع لا مفر منه. ومع أننا، نحن البشر ذوي الذاتية، المنخرطين في فعل الملاحظة، لا نستطيع الإفلات من هذه النقطة العمياء، فإن بنروز وهاميروف يسعيان مع ذلك إلى طرح نظرية «الاختزال الموضوعي» OR أو «الاختزال المنظَّم موضوعيًا» OOR، يفترضان فيها أنه على الرغم من أن الإدراك أو القياس الذاتي يحقّق الفعل من تعدد الممكن إلى حدث واحد، فإن عملية تنظيم الأحداث أو الكليات هذه، أو عمليات التحقق المتراكم concrescences بتعبير وايتهد، تقع من دون قياسنا نحن؛ وأن خبرتنا بالعالم أو ذاتيتنا قد تكون نتيجة لمراحل متتابعة مستمرة من الاختزال الإدراكي المنظم إلى كليات أعلى عبر الزمن، على نحو يشبه الطريقة التي يلتقط بها إدراكنا السينمائي، وفقًا لدولوز (1983)، أربعًا وعشرين صورة أو إدراكًا في الثانية. ولإظهار أثر النشاط التنظيمي للجهاز العصبي الإنساني وعلاقته بخبرتنا، أُعطي المشاركون نبضات كهربائية شديدة الخفة عبر دماغهم، تكفي فقط لتعطيل تنظيم الأحداث داخل شبكاتهم العصبية، أثناء محاولتهم إنجاز مهمة إدراكية، ثم قورِنوا بمجموعة ضابطة تؤدي المهمة نفسها. وقد تبيّن فعلًا أن الذين لم يتلقوا النبضة أدوا المهمة على نحو أفضل (Hameroff & Penrose 1996).
وعندما يركّز بنروز على الوعي والإرادة الحرة، يبيّن أن الفعل الواعي الحقيقي الذي يتدخل ويغيّر نمط الاستجابات المبرمجة للأحداث نادر للغاية. وقد أظهرت أبحاث حديثة لزملاء بنروز (1994) أن النشاط القشري يتغير بفعل القرار الواعي بالفعل، وأن هذا التوجّه إلى الفعل يظهر في الدماغ قبل الفعل الفعلي بوقت ما، بل حتى قبل أن يكون الموضوع نفسه مدركًا لنيته. قد يقبع الوعي الأولي أو الذاتية فوق سلوكنا شبه المبرمج، فيمنحنا طابع خبرتنا، كما جادل إيدلمان وداماسيو، لكن القدرة على الوساطة المستمرة بين التأمل الواعي والتغيرات الفعلية في السلوك تبعًا لذلك التأمل هي قدرة نادرة من قدرات الوعي الأعلى. وهذا يشبه التعلم من الدرجة الثالثة عند باتسون، ويشبه أيضًا «الاستنارة» الواعية بالذات التي تسعى إليها الممارسات الزنّية والصوفية وطرائق مختلفة من العلاج النفسي.
وقد حاول جون إكليس كذلك أن يفسر التفاعل بين العقل والدماغ، وبخاصة قدرة الأحداث النفسية أو الذهنية على تنظيم الأحداث المادية في الدماغ. وكما أشير سابقًا، صار معلومًا الآن أن العصبونات لا تطلق الإشارة ببساطة أو لا تطلقها، بل تدخل في عملية معقدة تحسم فيها عوامل شتى ما إذا كانت ستواصل الإطلاق وأي خرائط عصبية ستتصل ببعضها. إن احتمال الإخراج الخلوي exocytosis، الذي يطلق فيه العصبون جزيئات الناقل العصبي عبر المشبك إلى عصبون آخر، منخفض فعلًا، كما أن تثبيط الإطلاق لا يقل أهمية عن الإطلاق نفسه. وينظر إكليس إلى النفس أو العقل نفسه بوصفه التنظيم الكمي للتعدد أو الإمكان إلى أحداث بواسطة المعلومات، وهو تنظيم يتجاوز القوانين الكلاسيكية للديناميكا الحرارية.
وباستخدام هذه الملاحظات مع تحليلنا الكمي الخُليّ exocytosis للبوتون، نطرح الآن الفرضية القائلة إن النية الذهنية (الإرادة) تصبح فعالة عصبيًا عبر زيادة احتمال الإخراج الخلوي لحظةً في مناطق قشرية مختارة، مثل عصبونات المنطقة الحركية التكميلية. وبلغة ميكانيكا الكم يعني هذا اختيارًا للأحداث (الحدث الذي اشتغل فيه آلية الإطلاق، وهي آلية معدَّة أصلًا باحتمال معين). وترتبط عملية الاختيار هذه بعملية الاختيار عند فينغر في الحالات الكمية، وتقع آليتها بوضوح خارج نطاق ميكانيكا الكم العادية. وتزيد آلية الاختيار هذه من احتمال الإخراج الخلوي، فتولّد بهذا EPSPs [الجهود المشبكية بعد التنبيه] المتزايدة من غير خرق لقوانين الحفظ… إن [ال]اختيار الكمي هو السبيل الممكن الوحيد لإنتاج حالات نهائية مختلفة من شروط ابتدائية متماثلة في وضع ديناميكي متماثل، وبالتالي مع القيم نفسها للكميات المحفوظة. ولا يمكن لمثل هذا الوضع أن يسود في عملية كلاسيكية خالصة، حيث يقتضي أي تغير في الحالة النهائية بالضرورة تغيرًا في الشروط الابتدائية أو في الديناميات. وحتى في العمليات التي نوقشت على نطاق واسع مؤخرًا والمضبوطة بـ«الفوضى الحتمية» الكلاسيكية، فإن المآل النهائي محدد مسبقًا بالشروط الابتدائية، وإن كان ذلك على نحو شديد الحساسية. فالحركة الفوضوية الكلاسيكية تتسم بعدم استقرار بالغ تجاه التغيرات الصغيرة، ولذلك لا يمكنها تفسير العمليات الدماغية المنتظمة مثل الإخراج الخلوي. (Eccles 1994, p. 160)
ومن دون قدرة العقل الواعية على التدخل في تنظيم الأحداث عبر الأنماط السلوكية - ومن دون الاحتمال المنخفض للإخراج الخلوي الذي يفتح إمكانات غير معروفة، ومن دون تدخل الإرادة الحرة - لما احتل البشر موقعهم المتميز في الكون بين العقل والمادة، وبين الطاقة والمعلومات، وهو موقع يمنحهم حرية معينة - وإن كانت محدودة - في الفعل داخل عالم ذي شروط حدودية مستقرة نسبيًا ومحددة. يصف ستيوارت كوفمان (1993) كيف تعجز الأنظمة «الصلبة» شديدة النظام عن التواصل عبر أنظمة أخرى وعن إجراء تكيفات كبرى مع الأنظمة المتفاعلة معها، بينما تكون الأنظمة «الغازية» الشديدة الفوضى حساسة للغاية للتغيرات الطفيفة بحيث تعجز عن الإمساك بأي نظام أو تحقق. أمّا النظام العصبي الإنساني فهو مثال على نظام أكثر سيولة، أو على نظام صلب يقترب من السيولة، حيث يتوازن النظام والفوضى على نحو فريد يسمح بأقصى قدر من التكيف والتفاعل مع أنظمة وأحداث متحققة أخرى، فيتحول باستمرار إلى صور أعلى من التعقيد من غير أن ينزلق إلى الإنتروبيا. ويقدم نموذج إكليس خريطة أنيقة للطريقة التي تتفاعل بها هذه الأنظمة المضمَّنة والمتكاملة من المادة والطاقة الفيزيائيتين مع أنظمة العقل والنفس والروح والثقافة، وكلها يشارك فيها البشر.
ثمة نتيجة مدهشة تنجم عن فرضية أن الأحداث الذهنية (psychons) تؤثر فعليًا في dendrons عبر زيادة احتمال الإخراجات الخلوية التي تولدها غزوة نبضة قبل مشبكية على bouton. ولحسن الحظ فإن الاحتمال الكمي منخفض (0.3-0.4) في القشرة المخية والحُصين. فلو كان الاحتمال مرتفعًا إلى 1.0، لما استطاعت الخبرات الذهنية أن تؤثر تأثيرًا فعّالًا في الأحداث العصبية للـ dendrons. ولن يكون التطور التطوري للقشرة الحديثة الثديية قد عوّض لا-ذهنية الدماغ… ولن يكون هناك «كيف» لظهور الخبرات الواعية بوصفها مآلًا نهائيًا للتطور البيولوجي للدماغ الثديي. وكل شيء يتوقف على التصميم العصبي لعمليات المواقع المتناهية الصغر للغاية ذات الاحتمال المنخفض للإخراج الخلوي في الملايين من boutons في القشرة الحديثة الثديية، وعلى أن بعض الخبرات الواعية البدائية تنبثق إلى الوجود لأنها تحقق التعبير بفضل انخفاض احتمال الإخراج الخلوي. (Eccles 1994, p. 182)
إن الموقع الفريد للجهاز العصبي الإنساني يعتمد على حساسيته، التي تعمل جسرًا بين العالم الفيزيائي «الكلاسيكي» والعالم «الكمّي» أو «النفسي» الذي لم يُقَس بعد. فالشبكة العصبية الإنسانية ليست مبرمجة فحسب لروابط دائمة، بل إن عملية الإخراج الخلوي التي تصل المشابك بشبكات معقدة وتنظم الذاتية هي عملية موزونة بدقة بين التعزيز والتثبيط، وربما توفر جهازًا إدراكيًا أو تواصليًا حساسًا للطاقة الكمية الدقيقة التي بدأنا فقط نفهمها.
ويمكن لوصف ريتشارد جربر (1996) لنموذج تيلر-آينشتاين Tiller-Einstein الخاص بالزمكان والطاقة الإيجابيين والسالبين أن يقدم تفسيرًا ممكنًا لهذه العلاقة، كما يمكن أن يقدّم خريطة تشرح الآثار التجريبية للعلاج المثلّي homeopathy، والوخز بالإبر accupuncture، والتأمل، والشفاء النفسي، وغيرها من أشكال «الطب الاهتزازي». إن معادلة أينشتاين الشهيرة (E=mc2) تبيّن أن المادة كلها ليست في الحقيقة إلا حزمة من الطاقة أو ضوءًا متجمّدًا في تشكيل مستقر، وهو ما نأخذه نحن في خبرتنا بالمادة الفيزيائية الكلاسيكية على أنه أمر مسلم به. ووفقًا لجربر، فإن معادلة أينشتاين الكاملة هي أن الطاقة تساوي كتلة جسيم مادي مضروبة في ثابت سرعة الضوء (E=mc2) مقسومة على الجذر التربيعي لواحد ناقص سرعة الجسيم مقسومة على سرعة الضوء (√(1-v2/c2)). ويُهمل هذا الجزء من المعادلة عادة لأن سرعة الجسيم تُفترض صغيرة جدًا بحيث تجعل المقام مساويًا لـ1 عمليًا. أمّا في الواقع، فعندما تزداد سرعة حزمة الطاقة المادية مقتربة من سرعة الضوء، تزداد الطاقة إلى ما لا نهاية مع تناقص المقام في المعادلة، لكن بعد تجاوز سرعة الضوء ستكشف المعادلة عن الجذر التربيعي لـ(-1) - أي عدد «تخيلي». ومع أن الطاقة اللازمة لتعجيل المادة بما يتجاوز سرعة الضوء تفوق قدراتنا الكلاسيكية، فإن هذا هو الموضع الذي يدّعي فيه تيلر أن العالم الكمي أو النفسي للزمكان السالب يبدأ. وهو يعتقد أن هذا الزمكان السالب يعمل عبر نوع من الطاقة «المغناطيسية-الكهربائية» الدقيقة تتجاوز سرعة الضوء وتختلف عن الكهرومغناطيسية عند السرعات دون الضوئية. وعلاوة على ذلك، فهذه الطاقة ذات إنتروبيا سالبة، وهو ما يفسر القوى التكوينية أو المبادئ الذاتية التنظيم للعقل والنفس والحياة، ويفسر أيضًا صعوبة قياس هذا النوع من الأثر بالطرائق الكلاسيكية، إذ يتأثر بعوامل طاقية دقيقة مثل الإرادة والاعتقاد والعناصر الاهتزازية غير المرئية.
وطرح هنري ستاب كذلك افتراضًا مفاده أن تنظيم الخبرة على مستوى الدماغ والعقل يعمل بطريقة متماسكة كميًا. وبمقارنته الدماغ بنظام غير خطي شديد الحساسية، يقول إن كل دماغ نفسه متضمن في الكون الكمي بوصفه مجموعة من الإمكانات المتراكبة حتى على المستوى العياني. وعند مستوى الخبرة الواعية الذاتية يجب أن يُختزل هذا التراكب من الإمكانات بفعل حدث فعلي. ويسأل ستاب: كيف يقع هذا الحدث وأين؟ ومن العسير علينا أن نستوعب هذا الوضع بالذات لأننا نسيء فهم الفكرة القائلة إن هناك أنماطًا أو أحداثًا أو أشياء هناك في العالم ينبغي إدراكها. وإنما هو دماغنا «الكمّي» الذي ينظم نمطًا مثل المثلث من فوضى المادة والحركة. أما الكائنات الأخرى - الحشرات مثلًا - فلا ترى مثلثًا، ولا كرسيًا، ولا شمسًا.
في الوجودية الكمية، لا يكون الدماغ الذي ينتبه إلى مثلث خارجي بصدد القيام بالفعل الارتجاعي الذي يحول مثلثًا خارجيًا فعليًا إلى بنية متطابقة من حركات الجسيمات، ثم تُفك رموزها بعد ذلك حتى تُدرَك على أنها مثلث. بل هو يحوّل المثلث الخارجي، الذي لا يوجد إلا بوصفه نمطًا من أحداث وميلان متباعدة، إلى حدث واحد يحقق، بصيغة متكاملة، صورة الروابط البنيوية الكامنة في المثلث المُدرَك. وبالتالي فإن الدماغ لا يحوّل مثلثًا كاملًا فعليًا إلى مجموعة مضطربة من حركات الجسيمات؛ بل يحوّل تتابعًا من الأحداث الخارجية المنفصلة إلى تحقيق نمط واحد متكامل من النشاط العصبي المتطابق مع الكل المُدرَك بوصفه مثلثًا. والسؤال المركزي عندئذ هو: لماذا يُحَسُّ تحقيق هذا النمط المتكامل من النشاط بوصفه إدراكًا للمثلث؟ وعلى وجه أعم: لماذا تبدو لنا أحداث الدماغ على نحو ما تبدو عليه؟ (Stapp 1993, p. 155)
بالنسبة إلى ستاب، الخبرة الواعية الإنسانية هي الإحساس أو الذاتية أو الخبرة الكلية لحدث يقع في مستوى العقل، وهو غير قابل للاختزال إلى النظام العصبي الذي تُعرَف هذه الخبرة بواسطته. وعند ستاب، يصبح سؤال بنروز عن الموضع الذي يقع فيه الاختزال أو «قطع هايزنبرغ» الذي ينتج حدثًا غير ذي صلة: إذ يمكننا أن نضعه في أي موضع، بل إنه في الواقع موضوع في مستويات كثيرة - وبطرق مختلفة - بواسطة كل ذاتية.
تفترض النظرية الحاضرة أن كل خبرة واعية إنسانية هي إحساس بحدث يقع في العملية العليا الجارية داخل الدماغ البشري. وتُفترض هذه العملية الدماغية مؤلفة من سلسلة من الأحداث الفعلية الهايزنبرغية تسمى الأحداث العليا. وكل حدث من هذه الأحداث يحقق نمطًا عيانيًا شبه مستقر من النشاط العصبي. ويُسمى النمط الذي يحققه حدث علوي Symbol. وهو يتكون عادة من مجموعة من الرموز الأخرى، تُسمى مكوناته، مرتبطة معًا بنشاط عصبي متراكب.
إن تحقيق الرمز S يولد تغيرات فيزيائية دائمة في المشابك (التيسير) facilitation، وهذه التغيرات تجعل أي تحقيق لاحق لأي مكوِّن من مكونات S يولد نمطًا من الاستعدادات لتنشيط المكونات الأخرى لـ S (الاقتران association). (Stapp 1993, p. 155)
هنا، عند مستوى الأحداث الذاتية الإنسانية، نعثر على الرمز. وفي الواقع، فإن ما يسميه ستاب رمزًا هو الطريقة التي نبدأ بها في مزيد من تنظيم الأحداث وإعادة تصنيفها إلى أحداث أعلى وأكثر تعقيدًا من صنعنا، عبر التسمية والترجمة والتواصل والدمج - وهو استنتاج وصل إليه إيدلمان وداماسيو عبر أبحاث واسعة في عصبية الدماغ الإنساني. وهنا يُذكِّرنا ذلك بالعالم التحليلي النفسي للرضيع وهو يبدأ اختبار الأحداث والتمييز بينها عبر التكوين الرمزي البدائي. ففي البداية، تكون الرموز بالكاد قابلة للتمييز عن مباشرة الخبرة في صلتها بالمادة والطاقة، أو عن الدوافع الأساسية البدائية والإحساسات الجسدية. ثم، عبر عملية طويلة ينتفع فيها ontogeny الفرد من phylogenetics النوع، سيأتي الموضوع إلى تنظيم خبرته على نحو أكثر تعقيدًا وتمكينًا وتوسيطًا - عبر إعادة تنظيم ذاتيته في العالم بواسطة الطقوس والألعاب والتواصل البيني واللغة. إن الخرائط المستمرة التي يرسمها الدماغ للخبرة النفسية أو الذهنية عبر الرموز تمنح إحساسًا متواصلًا بالذات، وهو ما يسميه ستاب «الهيكل الجسم-العالم المعمم» generalized body-world schema، حيث تتكون الخبرة الإنسانية - على نحو يشبه، كثيرًا، مفهوم شتيرن للذاتية - من أنظمة رموز معقدة ومتكاملة.
إن مكوِّنًا من مكونات الفكر، بقدر ما يُدرَك، هو نفسه فكر ممكن. ومن ثم فكل فكر له بنية تأليفية: له مكونات هي كيانات من النوع نفسه الذي ينتمي إليه الفكر نفسه. ومبدؤنا الأساسي هو أن البنية التأليفية لإحساس الحدث العلوي مماثلة بنيويًا للبنية التأليفية للرمز الذي يحققه ذلك الحدث: فثمة تطابق واحد-إلى-واحد بين الرموز والإحساسات، وهذا التطابق يحفظ البنية التأليفية. (Stapp 1993, p. 156)
يتخذ ستاب موقفًا شبيهًا بالفلسفة العضوية أو الفلسفة القائمة على العملية عند وايتهد، حيث يكون الواقع هو الرمز أو الحدث الذي يتحقق أو يُنظَّم من الفوضى. ويسمي ستاب هذا «أنطولوجيا تحليلية» في مقابل أنطولوجيا تركيبية ترى أن الأحداث قابلة للاختزال إلى أجزاء أساسية يمكن تقسيمها كيفما نشاء.
في الوجودية الكمية لا تكون الحقائق الفيزيائية الحقيقية إلا الأحداث الفعلية. ومن ثم يجب أن «يمثل» بعض الحدث الفعلي المقابل الموضوعي الحقيقي [لكل] حالة نفسية. لكن في هذه الحالة تعكس الوحدة الجوهرية للحالة النفسية - التي تبدو عصية على الفهم في التفكير الكلاسيكي الاختزالي - الوحدة الجوهرية لمقابلها الفيزيائي. وفي الحالتين معًا، يكون التقدم الأنطولوجي من الكليات الأساسية وجوديًا إلى مكوّناتها التابعة، لا من عناصر مفترضة أساسية وجوديًا إلى تجميعاتها. وهذا التحول من أنطولوجيا تركيبية إلى أنطولوجيا تحليلية هو أساس العمل الحاضر. (Stapp 1993, p. 157)
وفق فهم تحليلي أو عضوي، فإن الذاتية والموضوعية طريقتان مختلفتان - وموحَّدتان - في اختبار الكون، ويشارك كل حدث في كلتيهما. فالإدراك الموضوعي هو رؤية من الخارج، محرَّرة قدر الإمكان من الإحساس الذاتي، وإن كان ذلك غير ممكن في النهاية على نحو كامل، لفكّ انبثاق الكلية أو الفوضى إلى أحداث فعلية. وسواء عُدّ ذلك مصادفة أم حتمية، فالأمر يعود إلى الاختيار. أمّا الإدراك الذاتي فهو القبض على إحساس أي حدث من الداخل بوصفه فريدًا في ذاته، خبرة يشارك فيها الفعل البشري الحر في الخلق النشط للأحداث.
وفق النظرية المطروحة هنا، لكل حدث فعلي جانبان: إحساس، وتمثيل فيزيائي داخل الصياغة الكمية. ويُفترض أن الإحساس صورة صادقة لأثر الفعل الذي يقوم به الحدث الموصوف فيزيائيًا.
وعلى المستوى الفيزيائي الخالص، يكون الحدث الفعلي الهايزنبرغي سلبيًا: إنه مجرد مجيء مجموعة جديدة من الميول إلى الوجود. غير أنه في سياق الأنطولوجيا الحاضرة يجب أن يُبنى الحدث بناءً فعّالًا: فالحدث يحقق التحول في الميول. وإذا عُدّ الإحساس الجانب الفاعل للحدث، فإن الإحساس يكون الإحساس الصادق بتحقيق الحالة الجديدة للأمور فعلًا، ويصبح الوعي هو الفاعل المؤثر الذي يشعر صدقًا بأنه كذلك. (Stapp 1993, p. 168)
وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى برغسون: الإدراك هو الفعل. فالإدراك/الفعل هو الخلق/التجلي في آن واحد، سلبي وفعّال بحسب زاوية النظر. والكائن البشري، بوصفه حدثًا ينكشف ويتطور موضوعيًا في الكون من الكلية الممكنة كلها - وكلها «موجودة» بمعنى أنها افتراضية - ويتفاعل مع الأحداث الأخرى عبر الإدراك/الفعل، قد انكشف أو تطور إلى درجة تمكنه من تنظيم الأحداث عبر أقصى درجات التعقيد والاختيار الواعي. أن يفعل المرء ذاتيًا بإرادة حرة داخل الشروط الحدّية الموضوعية. أن يخلق.
ويثور السؤال: ما الذي يحدد أيّ السلوكيات الدماغية البديلة الممكنة يحققه حدث فعلي؟
وفق نظرية الكم المعاصرة، يساهم عاملان في هذا الاختيار الكمي. الأول هو التطور الحتمي المحلي للميول المحكوم بمعادلات هايزنبرغ للحركة. ويجلب هذا العامل معه كل التأثيرات التاريخية المحلية مثل الوراثة والتعلم والتأمل الاسترجاعي في الأولويات والقيم، إلخ، التي تساهم في تشكيل الحالة الراهنة للدماغ. غير أن هذه العوامل تحدد، في الحقيقة، الميول أو الأوزان المرتبطة بمسالك الفعل المختلفة الممكنة. ثم يقع حدث فعلي. وهذا الحدث يحقق أحد الأنماط العليا المتميزة للنشاط الدماغي، وبذلك يختار أحد المسارات الممكنة المتميزة للفعل. وهذا الاختيار، وفق نظرية الكم المعاصرة، يقرره العامل الثاني: المصادفة الخالصة.
إن العشوائية الخام الصرفة، من دون أساس أنطولوجي، تبدو لي عبثًا؛ إذ لا بد للانتظامات الإحصائية من أساس ما. ومن جهة أخرى، فإن الجواب الذي تقدمه نظرية الكم المعاصرة صحيح على الأرجح بمعنى أن أساس الاختيارات الكمية لا يمكن تصوره بمفاهيم الأدوات التي تستخدمها النظرية نفسها. وداخل ذلك الإطار يجب أن تبدو هذه الاختيارات وكأنها تأتي من العدم؛ ويجب أن تكون، باللفظ الذي استعمله باولي وبوهر، «لاعقلانية». (Stapp 1993, p. 168-9).
وأخيرًا، يبقى السؤال: ما الذي يحدد كيف ستُنظَّم الأحداث - وما مقدار الحرية والحتمية العاملان في وجودنا. ففي إدراك تعقيد الأنظمة والأحداث وتداخلها المتبادل، طور العلماء خرائط أكثر تعقيدًا ودقة للوجود. ومع ذلك، فإن التحقق الفعلي في اللحظة الأخيرة سيظل دائمًا غير قابل للحسم من موقعنا الذاتي المحدود. وما يبدو يقينًا يعتمد على عدد كافٍ من العوامل بحيث قد نتمكن من قياس الحدث أو التنبؤ به في معظم الأحيان، غير أن هذا في الواقع لا يزيد يقينًا عن الأحداث الأشد تعقيدًا التي لا نستطيع حتى الشروع في إدخال كل عواملها في الحساب. قد يكون كل شيء ينكشف على نحو موضوعي، لكن أن تكون إنسانًا يعني أن تكون داخل الكون بوصفك حدثًا ذاتيًا جزئيًا لا يستطيع أن يعرف الكلية التي هو جزء منها. ومع ذلك فالذاتية الإنسانية غنية ومعقدة إلى حد أنها تستطيع أن تعرف وتشعر وتفكر وتفعل وتختبر بحرية كبيرة. وفي الوقت نفسه، يمنحنا نقصنا غموضًا لا ينفد. فلعلنا نعرف أقل مما نعتقد بكثير، وأكثر مما نعلم بكثير. وأي خريطة للخبرة تمنحنا معنى لازمًا ووسائل عملية للبقاء والتمتع عبر القبض المحايث على الحدث من الفوضى، فإنها في الوقت نفسه تغلقنا عن طبقات أخرى لا تنتهي من الخبرة الممكنة التي يجب أن نحاول، بأي سبيل، أن نبقى منفتحين عليها. وقد تكهن دنييس وتيرينس مكينا بالعناصر الكيميائية الحيوية والكهرومغناطيسية المحتملة لتنظيم الجسد-الدماغ للعقل والنفس والذاتية، ولقدرتنا على اختبار أحداث واعية مثل الأفكار.
إذا كان الإدخال الدائم لـ 5HT [السيروتونين] في مواقع الارتباط بين الكودونات، وهو الآن جزء معترف به من أيض 5HT، يغيّر فعلًا أنماط ESR [الرنين المغزلي الإلكتروني] في DNA، فبدت لنا على الأرجح أن أنماط التداخل التي يمكن أن تولدها مثل هذه الإزاحة في إشارات ESR قد توفر الآلية للموجة الواقفة الهولوغرامية التي طوّرها النظام الحي ليُنمذج داخل ذاته العالم الذي يلقاه خارجه. ولا يشارك سوى 10 في المئة من DNA في تصنيع البروتين. أما وظائف الـ 90 في المئة الأخرى فغير مؤكدة، لكننا نقترح أن أفق خبرة الكائن الداخلي كله يُخلق ويُحافَظ عليه في سلسلة الطاقة المستمرة التي ينظمها DNA العصبي ويحافظ عليها. وقد يكون التفكير والتأمل وظيفتين هولوغرافيتين تقعان على خلفية تدفق الطاقة في الأيض الذي يتحكم فيه DNA. وهذا التدفق من الطاقة هو ما تختبره الكائنات بوصفه ظاهرة الزمن نفسها. وقد تطورت الكائنات وتشكّلت استجابةً لهذا التدفق. (McKenna & McKenna 1993, p. 151)
إن نظرية الكارثة، والديناميكا الحرارية، والنمذجة الفوقية غير الخطية تتتبع حركة الظواهر المعقدة، لكن الحدث نفسه يظل أبعد من أي خريطة يقين من وجهة نظرنا المحدودة الذاتية. وتستكشف الأوتوبوييسis autopoesis (Maturana & Varela 1987)، والقوى التكوينية (Steiner 1924)، والرنين الشكلي morphic resonance (Sheldrake 1987)، والهولو-نيميّة holonymy (Pribram 1971,1991, Grof 1985) الإقليم بصورة أعمق وتشير إلى فهم للعملية والحدث والتنظيم في الوجود والصيرورة. ومع ذلك فستظل تحقق أي حدث يبدو لنا دائمًا «لاعقلانيًا» أو «مصادفة» أو «قدرًا» من وجهة نظر معينة. وفي تطوير فن وعلم للذاتية يكون براغماتية للحياة، ستذوب الأفكار المتناقضة بين المصادفة والحتمية - القدر والإرادة الحرة - في إيمان كل لحظة، تلك اللحظة التي يُنظَّم فيها الحدث عبر الإدراك/الفعل، لكنه يُقاد عبر احتضان/إعمال الرغبة - أو ما يسميه كستانيدا (1987) الشامان الياقي بـ «القصد». وبذلك يمكننا أن نرى أن المقاربة الإيكوسوفية implicate ecosophic لفهم الكون بوصفه مؤلفًا من نظم كلية ومعقدة داخل نظم، وهي المقاربة التي تتضح خرائطها بصورة متزايدة لدى الفلاسفة والعلماء، تقود مباشرة إلى ممارسات أخلاقية-جمالية تشكل فنًا وعلمًا للحياة الإنسانية كما طوّره المحللون النفسيون والمعلمون والنشطاء والمستكشفون لآفاق الوجود الإنساني الأبعد.
إن البشرية، مع ذلك، ليست حرة في اختيار متى تكتمل. فالحظة الفعلية للتحقق هي خاصية لأوسع حقبة شمولًا. وفي الهرمية المعيارية للزمن، هي حقيقة مفروضة. يجب استخدام الزمن جيدًا؛ وهذه قاعدة لنظرية ممكنة في الأخلاق. لكن حتى الزمن المستعمل جيدًا يسرع بنا وبكل الكائنات إلى خاتمته الخاصة. ولكي نحافظ على هذا التصور وعلى فكرة وجود هولوغرام بيولوجي عابر للأنواع، يوجّه المادة والتاريخ في آن، وينكشف عبر الزمن ويمكن وصفه رياضيًا، يلزم أن نتخذ الرؤية التالية لحرية البشر في الفعل ولا تغيّر نظام ومعدل التدخلات الجديدة. فهذه التدخلات لا تحدد إلا شروط الحدود. وفي انكشاف التدخلات الجديدة توجد لحظات غاية في الملاءمة. ومع اشتداد احتمال وقت التجدد، من ذا الذي يشك في إمكان أن تستبق الإنسانية، بفعل إرادة حرة، الحقبة الجديدة؟ إن كل فلسفة تنبع من فكرة أن العقل البشري هو المقياس وحدّ التقدم الأقصى لكل الأشياء. وبالشعر والفلسفة علينا أن نأخذ هذا المقياس. (McKenna & McKenna 1993, p. 205)
في هذه اللحظة من التاريخ، وصلنا إلى فهم جديد للخبرة الإنسانية في تفاعلها مع الوجود كله. فالعلماء يقتربون أكثر فأكثر من إدراك العنصر الذاتي في موضوعيتهم، بينما يقترب الفلاسفة والمحللون النفسيون وعلماء الاجتماع أكثر فأكثر من فهم موضوعي للذاتية. ومن خلال السعي إلى تواصل عابر-للمجالات transversal communication يمتد عبر طائفة من الممارسات والتخصصات والمنظورات - وكل منها يحتفظ، مع ذلك، بفرادته الأساسية الخاصة - قد نبدأ ربما في جمع سلسلة من الخطوات نحو علم إنساني وفن وممارسة للذاتية يتجاوز حدود الحقول المنفصلة للمعرفة الرمزية، وينجح في تحليل التعدد المتغير دومًا للممارسات والمعتقدات الجمالية والأخلاقية المتداخلة في تنوع الخبرة الإنسانية.
4. الرغبة عند حدود الفكر – المقدس
إن هذا الوضع غير المتكافئ يطرح المشكلة في النهاية بعبارات واضحة. فالنظام الحميم لا يُنال ما لم يُرفع إلى مستوى الأصالة والسلطة اللتين للعالم الواقعي والإنسانية الواقعية. ويعني ذلك، في الواقع، إحلال الكشف محل التسويات، أي إخراج محتويات هذا النظام إلى الضوء في مجال وعي واضح ومستقل نظمه العلم. ويعني أيضًا أن يتناول الوعيُ بالذات المصباحَ الذي صنعه العلم لإضاءة الأشياء ويوجهه نحو الحميم...
غير أن ما يطلبه الوعي بالذات ليس، في الحقيقة، تدمير نظام الأشياء. فالنظام الحميم لا يستطيع أن يدمر نظام الأشياء تدميرًا حقيقيًا، كما أن نظام الأشياء لم يدمر يومًا النظام الحميم تدميرًا كاملًا. لكن هذا العالم الواقعي، بعد أن يبلغ ذروة تطوره، يمكن تدميره بمعنى أنه يمكن اختزاله إلى الحميم. وبالدقة نفسها، لا يستطيع الوعي أن يجعل الحميم قابلًا للاختزال إليه، لكنه يستطيع أن يستعيد عملياته الخاصة، وأن يعيد تلخيصها على نحو معكوس بحيث تنتهي إلى إلغاء ذاتها، ويُختزل الوعي نفسه اختزالًا صارمًا إلى الحميم. وبطبيعة الحال، فإن هذه العملية المضادة ليست معارضةً لحركة الوعي حين يُختزل إلى ما هو عليه في جوهره، إلى ما كان كل واحد منا يعرف منذ البدء أنه هو. غير أن هذا لن يكون وعيًا واضحًا إلا بمعنى واحد: فهو لن يستعيد الحميمية إلا في الظلام. وبهذا يبلغ أعلى درجات الصفاء والتمييز، لكنه يحقق كذلك إمكان الإنسان، أو إمكان الكينونة، إلى الحد الذي يعيد فيه اكتشاف ليل الحيوان الحميم بالعالم، ذلك الليل الذي سيدخله. (Bataille 1973, p. 97-100)
إذا كانت الوجودية تتحقق من الممكن بطرائق متعددة، فإن الذاتية الإنسانية في حالتها الواعية بذاتها تحتل موضعًا متميزًا بين العقل والطبيعة، ومن خلال هذا الموضع تنظم الأحداث. أما وجهة النظر الموضوعية فهي قرينة الفكر العقلاني، أي مجيء الوعي الذي أتاح للإنسان، شيئًا فشيئًا، أن ينظر إلى العالم من الخارج وأن يبتعد عن خبرته المباشرة. والوعي الكامل بالذات يقتضي أن يقبض المرء على الطبيعة الذاتية لنفسه من وجهة نظر موضوعية، وأن يعي حدود الموضوعية من داخل ذاتيته نفسها. وتدور تاريخية الخبرة المقدسة وتنوعها داخل البشرية حول هذه النقطة التي يلتقي فيها الموضوع والذات، أو الوعي والمحايثة. فقد سعت الأشكال الوحدوية أو الشرقية للمقدس إلى محايثة المباشرة عند ذروة الوعي بالذات، في حين اعتمدت طقوس بدائية ووثنية وحديثة، أكثر شيوعًا في الغرب، على حركة جدلية حادة بين الصفاء العقلي واللحظة المتعالية. وبالنسبة إلينا، فالمقدس هو تحقق اللحظة التي يصير فيها الحدث متحققًا بالفعل من فوضى الممكن، بقدر ما نكون واعين بطبيعته الزمنية.
وإذا كانت الذاتية قد كانت يومًا مغمورة في الاجتماعي، فإن الطقوس الدينية الجماعية كانت تعبيرًا عن عودة إلى المحايثة المقدسة التي أنكرَتها الوسائل العقلانية المتزايدة للبقاء. وكما أشار باتاي، ففي العملية الطويلة التي اكتسب فيها الإنسان الوعي لم يفقد مع ذلك نظرته إلى غاية وجوده في الخبرة المقدسة للحظة المحايثة. لقد تغيّر موضع المقدس فحسب، وانطوت الذاتية نفسها، إذا صح التعبير، إلى داخل الكائن الفردي، فتقدمت على الاجتماعي. غير أن هذه الخطوة الإضافية في مجيء البشرية كلها إلى الوعي جلبت معها، للأسف، مزيدًا من تشييء الحياة، بحيث تُركت «غاية» الحياة المقدسة لصالح الوسائل. وكان مشروع باتاي أن يصحح هذا الوضع عبر تطوير علم إنساني تُستعاد فيه الاقتصاديات العامة للوعي العقلاني والمباشرة المقدسة، وتُعاد صياغتها وتكثيرها في اتجاه مستقبل مجهول للبشرية. والحل النهائي الذي طرحه باتاي للذاتية السيادية داخل اقتصاد عام للوجود يتناغم مع فهم إيكوسوفي لحركة المعلومات والطاقة في التفكير العلمي الراهن، في مقاربات فيزياء الكم ونظرية الفوضى والسبرنطيقا والتطور الذاتي التنظيم وعلم الأعصاب العضوي، ومع احتضان/إعمال الـjouissance أو الرغبة في التحليل النفسي ما بعد اللاكاني.
إن علم الإنسان ليس إلا علم الذاتية، حيث تنظم الإدراكَ والفعلَ والمعرفةَ والانفعالَ الحدثَ. ومن خلال بحثنا نقترح تطوير نظرية أساسية في الخبرة الإنسانية توفر إطارًا لعلم وممارسة إنسانيين عامين. وتبرز فورًا المشكلة المتعلقة بما يمكن أن يكونه علم الإنسان أو معرفته، ما دمنا نحقق في ذلك الذي يؤدي فعل التحقيق نفسه. وقد اكتشف فيزيائيو الكم أن هذه الحقيقة تنطبق حتى على أكثر علوم المادة غير العضوية موضوعيةً في ظاهرها. وعلى نحو مماثل، تصوغ مبرهنة غودل في اللاتعيين المشكلة بوضوح: لا يوجد نسق من المبادئ يحاول أن يعرّف أو يعرف يستطيع أن يؤسس نفسه إلا من خارج نسقه الخاص، أي من خارج خطابه. وعندما ننتقل إلى العلوم الإنسانية، تغدو مفارقات اللايقين واللاتعيين أكثر تعقيدًا. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي أن نستسلم؛ بل يعني أننا يجب أن نعثر على مقاربة للمعرفة تختلف عن تلك التي هيمنت على الفكر الغربي زمنًا طويلًا.
والواقع أن هذا، فيما يبدو، هو بعينه ما كان يحدث طوال القرون الماضية داخل الفلسفة والعلوم الإنسانية، وإن كان ذلك كثيرًا ما جرى على الهوامش. فبحسب سبينوزا، لا يمكن لأي حق أن يؤسس قوةً أو أخلاقًا، بل إن كل ذات لا تفعل «سياديًا» إلا عند حدود قوتها التي تشكلت بشروط الذوات، أو الأنظمة، التي تتداخل معها. وكل فعل أو مفهوم يقوم على «موافقة اعتباطية»، وإن كان الحكيم يستطيع أن يحاول تعليق موافقته الاعتباطية وأن يضع نفسه على مستوى جميع الذوات الموازية الممكنة. وهذا هو القطب «الموضوعي» الذي يكون القطب «الذاتي» للموافقة السيادية متممًا له. ومع كانط وهيغل نجد الفكر يحاول أن ينسق ما بدأ يراه غير قابل للنسق. فما يبقى حاضرًا في جميع محاولات هيغل لإغلاق الفكر والتأمل في معرفة تامة هو التوتر غير القابل للتسوية بين الجوهر والفكرة، بين الواقع والمفهوم، بين الحقيقة والمبدأ، بين الحقيقي والرمزي، بين الرغبة والفكر. لكن هذا يفتح ثغرة يبدأ عبرها المجهول، أو غير المفكر فيه، في أن يُفكر. وتحاول أنطولوجيا هايدغر ألا تركز على فكرة ما هو كائن، بل على إمكان أن يفكر الفكر الإنساني ما هو كائن. ومن خلال الخبرة السريرية التجريبية، عثر فرويد على الشيء نفسه: حقيقة أن الفكر الواعي في الخبرة الإنسانية معتاد أن يخفي نفسه عن مفكره.
وهكذا أُزيح الفكر التأملي أو الانعكاسي، ببطء، عن مكانه بوصفه الطريقة البديهية وغير القابلة للسؤال لمعرفة ما هو كائن. وبدلًا من ذلك بدأنا نرى أن الفكر جزء مما هو كائن، أي خبرةً نخوضها نحن بوصفنا بشرًا. إن خبرة الفكر بوصفه انعكاسًا وتأملًا ووعيًا ومنطقًا ومعرفةً وعلمًا ولغةً وخطابًا هي التي تفصلنا عن مباشرتنا وتسمح لنا بأن نرى من الخارج ما يحدث لنا، غير أن هذه الخبرة نفسها هي التي تضمن أن المعرفة ستظل تفلت منا، وأننا سنعجز عن أن نغلق المعرفة إغلاقًا نهائيًا في صورة حقيقة أو واقعة موضوعية.
ومن خلال بحثنا في تنظير الخبرة الإنسانية في الفلسفة والعلوم الإنسانية، وكذلك في الأعمال المنتجة في الممارسة التحليلية النفسية والخبرة الدينية والممارسة الفنية والشعرية، نسعى إلى تقديم نظرية عن الإنسان تصلح لتوجيه تحقيق عام في جميع وجوه الوجود، كما تصلح لتوجيه تطوير ممارسات شتى. وتوضح هذه النظرية خبرة الكائن الإنساني بوصفها منقسمة من الداخل انقسامًا جذريًا بفعل التوتر الذي يخلقه الفكر الواعي، وهو يحاول بلا نهاية أن يتأمل ويعرّف عبر اللغة رغبته الخاصة، تلك الرغبة التي تدفعها لاكتمالها الناقص أو لعجزها عن أن تجد إغلاقًا في الذات، نحو ما هو مجهول أو آخر.
وسيلازم عملنا كله هاجس واحد. فإذا كان العلم الصارم الذي يحاول أن يعرف ما نحن عليه يجب أن يبقى مفتوحًا على ما هو دائمًا جديد ومختلف وآخر ولاواعٍ وما يزال مجهولًا، وإذا كان عليه أن يواصل تطوير ذوات جديدة ولغات جديدة وخطابات جديدة وأنماطًا جديدة من المعرفة والتواصل بخبرتنا، فهل يقربنا ذلك من شيء يشبه معرفة عملية بآثار الواقع، أم أنه يورطنا أكثر في الهذيان والخيال والجنون؟ وبصرف النظر عن الوسائل العملية لبقائنا، ما الذي يمكن أن يُتخذ غايةً لهذا الوجود الإنساني؟
تتميز الخبرة الإنسانية بحركة أساسية. فمن جهة لدينا الرغبة، أي الدافع الذي يبقينا قائمين، سبب وجودنا. ومن جهة أخرى لدينا الوعي، أي الوضوح، وهو العملية التي لا تنتهي والتي نفكر بها وننظم ونصنف ونحاول أن نعرف ما يحدث لنا عبر الرموز. وهناك نقطة عمياء أو نقطة تلاشي بين هذين البعدين من حياتنا. وما دمنا أحياء فلن يكف أي منهما عن الوجود لحظة، ولا يمكن لأحدهما أن يطمس الآخر. وفي نقطة تقاطعهما، في الأرض المستحيلة التي تتشكل منها خبراتنا، نجد ما هو الأشد جوهرية في كينونتنا.
كيف يمكننا أن نتواصل بخبرتنا؟ نود أن نضم كل شيء، لكننا لا نستطيع إلا أن نبدأ من داخل الرمزي. غير أننا في النهاية سنجد أنفسنا خارجه. فنحن مطاردون بما هو خارجنا، بالمجهول، وباللامقصود الذي يمكن أن يحمل أسماء كثيرة. سواء كانت المسألة مسألة الآخر الذي يداهمنا، أو الشيء اللاواعي الذي يتكلم من خلالنا، أو المستحيل الذي تدفعنا إليه قوة لا تفسير لها من غير أن نبلغه أبدًا، أو الخبرة السامية للألوهية، فإن هذا الـekstasis، هذا الـ«ما وراء» الخارج عن حدود المعرفة والفكر، هو ما يعرّف الإنسان.
نحن بشر. ونحن، مثل الحيوانات، تتحركنا دوافعنا. لكننا، هبةً كانت أم لعنة، نختبر حركاتنا عبر اللغة، عبر ما يسمى التفكير. والتفكير في «ما هو كائن» من دون التفكير في معنى أن يكون الإنسان كائنًا يفكر في «ما هو كائن» كان المهمة المفقرة التي اضطلعت بها الفلسفة وعلوم الماضي. غير أن أنصار الأنطولوجيا الوجودية ونظرية الكم اقترحوا هم أيضًا وعيًا بالذات لا يقل خيانةً للخبرة الإنسانية. فمع أنهم يعترفون بأن فعل التفكير ذاته، وفعل القياس، والصياغة في اللغة، تتأثر جميعًا باللايقين المتأصل في الكائن الإنساني نفسه، فأين يتركوننا؟ يتركوننا مع يقين جديد باللايقين، ومع شكل آخر من «المعرفة»، يظن أصحابه أنهم صاروا أقرب خطوة إلى الفهم، وينتظرون بصبر مجيء الانكشاف، أو الخطوة إلى الوراء بعد الميتافيزيقا. وقد فتح استكشاف فرويد التحليلي النفسي منظورًا آخر على الشرخ في الكلي حين سمى هذا اللايقين اللاوعي، أو الرغبة، ثم رأى أكثر أتباعه يحولون ذلك بدورهم إلى عقيدة جامدة أخرى.
علينا أن نلتقط ما تركه هؤلاء وراءهم، وأن نضع هذه الخطابات في حوار بدل أن نصقلها إلى أنظمة كاملة تطبق على الحياة كلها. فنحن لا نستطيع أبدًا أن نعرف ما هو كائن، لأنه على الرغم من وجود «واقع» نختبر آثاره، فإننا، نحن البشر، لا نملك وصولًا مباشرًا إلى هذا الواقع، بما في ذلك ما نحن أنفسنا عليه. ولا نستطيع إلا أن نصوغ أو نترجم أو نتواصل بوسائط سيميائية ورمزية.
فماذا يمكن أن نعرف إذن؟ لا شيء بالمعنى التقليدي للمعرفة بوصفها حقيقة أو واقعة، لكن يمكننا أن نعرف أي شيء إذا استطعنا أن نقوله. فـ«المعرفة» تُنتجها تلك الجهة فينا التي تفكر وتصوغ في الرموز، وحقيقة الواقع هي أن فعل المعرفة والكلام هذا يقع فينا، ما يعني أن المسألة ليست ما يمكن أن نعرفه، بل حقيقة أن هذه المعرفة فينا أمر لازم. وبوصفنا كليةً لا نستطيع أن نعرف شيئًا، لكن كل واحد منا يستطيع، ويجب عليه، أن يعرف ما يؤثر فيه؛ أي يجب أن يكون قادرًا على ملازمة الحركة الإنسانية المستمرة التي نحن محكومون بها، وهي ترجمة واقع أجسادنا ونفوسنا ورغباتنا ودوافعنا إلى قصة ترضي فكرنا. وإذ نكون محاصرين بين ما يؤثر فينا من الداخل، في واقع الجسد، ومن الخارج، في العالم، من جهة، وبين محاولة عقولنا أن تعرف وتفهم وتصوغ باللغة ما يحدث لنا من جهة أخرى، فإننا نحيا الخبرة الإنسانية المستحيلة.
فماذا علينا أن نفعل إذن؟ لا شيء، مرة أخرى، بالمعنى الكلي، لأن الأخلاق، كما أشار لاكان، نسبية إلى خطاب. لكن الخطاب هو الصياغة المحكمة لرغبتنا، وبمعنى آخر فإن كل واحد منا مشدود إلى الأمر نفسه الذي قد لا يسمى أخلاقيًا بقدر ما يسمى حقيقيًا: علينا أن نصوغ خبرتنا الحقيقية في خطاب رمزي وأن نعمل وفقًا لذلك الخطاب. وفي النهاية لا يهم حتى أي خطاب نصوغه، كما لو أن لكل منا رغبة قائمة هناك تنتظر أن تُكتشف، بل المهم فقط أن نحتضن/نُعمل رغبتنا في النظام الرمزي الذي يفلت منا. فأي محاولة لاكتشاف نواة كينونتنا وتعريفها مرةً واحدةً وإلى الأبد ستبقينا معلّقين إلى الأبد في التخيل، بين الخبرة «الحقيقية» لدافعنا والقصة المتخيلة لـ«الواقع» الرمزي. وبطبيعة الحال، فإن ما يسميه الناس «العالم الحقيقي» كاذب مرتين، لأنه أولًا الإعمال الضروري، وإن كان متخيلًا، للمجهول الكامن فينا، وثانيًا لأنه ليس كذلك إلا بالنسبة إلى من يتكلم أو يعرّف هذا «العالم الحقيقي». ومع ذلك، فمن أجل أن نوجد، وأن نعيش، وأن نبقى أسوياء، يُطلب من البشر أن يذوتوا أنفسهم، أن يسردوا أنفسهم، وأن يخلقوا قصة رمزية متماسكة عن خبرتهم الملغزة، ولو للحظة واحدة.
في الماضي كانت هذه القصص تُسلَّم إلى أغلب البشر في صورة طقوس وقوانين وأعراف ومعتقدات وأساطير. لكن مع استمرار الفكر الواعي في منازعة كل معطى، تصبح أزمة الوجود الإنساني هي: كيف نؤمن؟ كيف نقوم بهذه القفزة الإيمانية؟ لقد جعل الفكر الواضح من الصعب علينا، على نحو متزايد، أن نتلقى سردياتنا الرمزية من الخارج، ومن ثم صار علينا أن نتعلم، كلٌّ منا، أن يترجم خبرته إلى لغة رمزية. وهذا ليس معرفةً بل «لا-معرفة»، إنه gaya scienza عند شعراء التروبادور، وmagnum opus عند الخيميائيين، والعلم الشعري لترجمة خبرتنا عن الواقع إلى لغة. ومع ذلك فليس هذا التذاتن نفسه هو الموضوع الإنساني كما يزعم فوكو (1976)، ولا هو السقوط المحتوم في الإفقار الذاتي الذي وصفه لاكان (1966) وزيزيك (1989). بل نحن عالقون بين هذه الحركة المزدوجة الحتمية للخبرة الإنسانية: بين تنظيم ذواتنا عبر سرد قصتنا، والعودة الحتمية للواقع التي تثقب أنظمتنا الكاملة.
لقد عرّف لاكان التحليل النفسي بأنه اللقاء المتكرر مع الواقع المستحيل. ولهذا السبب يكون التحليل النفسي قابلًا للانتهاء وغير قابل له في آن واحد. فهو قابل للانتهاء بمعنى أن المستحلِل، في نهاية العلاقة التحليلية، يكون قد تعلم كيف يلازم مياه هذه الخبرة الإنسانية، إذ صار قادرًا على أن يتعرف إلى رغبته ويحتضنها ويعملها في مواجهة الفراغ الخاوي الذي ينفتح مع حقيقة أنه لا توجد حقيقة أو معنى معطيان من فوق. لقد صار قادرًا على إعمال رغبته في مواجهة سقوطه في العدم، أي إفقاره الذاتي. وهذا العبور إلى الفعل، passage to the act، هو قفزة الإيمان. وهو، فوق ذلك، ذوبان الفرق بين القدر والإرادة الحرة. فربما كان الموضوع من قبل يعاني، في أعمق مستوى، من كرب أن كل شيء يحدث مصادفة، لكنه حين يترجم خبرته الحقيقية إلى لغة رمزية ثم يعمل، يقبل مسؤوليته عن «رغبته» وفي الوقت نفسه يختار أن يعمل وفق ما «يرغب» فيه تحديدًا. وهكذا تلغي كلمة «الرغبة» نفسها التمييز الزائف بين القدر والإرادة الحرة، وتصبح ما هي عليه حقًا، أي «الإيمان»، في لحظة هذا العبور إلى الفعل في نهاية اللقاء التحليلي.
ومع ذلك يظل التحليل النفسي غير قابل للانتهاء بمعنى أن الملاحة بين العودة الحتمية للمجهول الحقيقي التي تجعلنا نسقط في الإفقار الذاتي، وبين تذويت هذه الحالة في سرد رمزي آخر، لا تنتهي أبدًا. وهنا يقيم المحلل النفسي، وكذلك الشاعر. فمثل الخيميائيين القدماء، يعيش المحلل النفسي المعاصر في الحيز التخيلي الخطِر للإنسان، بين خواء الواقع وفكرة الوقائع الرمزية. وهنا نحن البشر مقدر لنا أن نعيش، بين موتين، بين لقاءين لا يمكن بلوغهما ولا يمكن قطع النسبة إليهما: لقاء مع الحقيقي، وهو موجود فعلًا وإن كنا لا نستطيع أبدًا أن نسيطر عليه، ولقاء مع الواقع، وهو غير موجود وإن كنا مطالبين دائمًا بأن نخلقه. وعندما أعلن لوتريامون أن الشعر ينبغي أن يخلقه الجميع، لم يكن يعلم إلى أي حد كان مصيبًا. ففي ذلك الوقت، كانت الدعوة إلى أن تُعمل الذات الفردية إيمانها الرمزي الخاص مجرد حلم. أمّا في زمن تنهار فيه البنى الاجتماعية والمعتقدات، فإنها تصبح ضرورة.
ولكن إذا كان على كل إنسان أن يصوغ خطابه الخاص وأن يعمل وفقًا للقاءه الخاص بالحقيقي، فأين يضعنا ذلك؟ ماذا يصير إلى رغباتنا وأساطيرنا في حضور الآخرين؟ وأي نوع من الطقوس يمكن أن نشترك فيه؟ كيف يمكن للبشرية أن تبقى أصلًا تحت وطأة هذه الأخلاق؟ وأين يترك ذلك الحب والصداقة والأسرة والمعنى والأسطورة والنسيج الاجتماعي؟ إلى هذه النقطة قادنا عمل الشعراء والفنانين والفلاسفة والمحللين النفسيين والعلماء والمتصوفة. وهنا سنبدأ بوضع أولئك الذين اتبعوا رغباتهم بإصرار في حوار متبادل لمواجهة هذه الأسئلة.
وأي طريق آخر يمكن أن نسلكه إلى مستقبلنا غير اللغة، غير خلق خطاباتنا وعرضها وتبادلها واستقبالها وإغوائها، أي خرائطنا للعالم؟ لقد صاغ لاكان مرةً ما اعتبره الخطابات الأربعة التي يجب على كل واحد منا أن يعمل تحتها في أوقات مختلفة. ففي خطاب الجامعة، أو الحقيقة أو المعرفة، وفي خطاب السيد، قدم اثنين من أكثر الخطابات انتشارًا وهيمنة في التاريخ الإنساني، أي الخطابين اللذين حاولنا أن نتخلص من سيطرتهما طوال الحداثة. وفي خطاب الهستيري، أو العصابي أو المستحلِل، وخطاب المحلل، قدم تذويته هو نفسه، أي تكلمه من رغبته، وأعطانا شيئًا لا يقدَّر بثمن. لكن هناك تعددية من الخطابات، ولكل خطاب أساس أخلاقي-جمالي. فكيف تكون هذه الخطابات التي تقول الشيء نفسه، وكيف تختلف؟ من الذي يتكلم فينا، أو لنا، أو إلينا، أو معنا؟
5. التحليل النفسي – علم روحي
من المؤكد أنه من الخطر، في توسيع البحث البارد للعلوم، أن يبلغ المرء نقطة لا يعود موضوعه يتركه غير متأثر، بل يصبح، على العكس، ما يلهبه. فالاندفاع الذي أراه محركًا للكرة الأرضية هو اندفاعي أنا أيضًا. ومن ثم لا يمكن التمييز بين موضوع بحثي والذات عند نقطة غليانها. وبهذا المعنى، حتى قبل أن أجد صعوبة في منح مشروعي مكانًا داخل الحركة المشتركة للأفكار، كان هذا المشروع قد اصطدم بأشد العقبات خصوصية، وهي العقبة التي تمنح الكتاب، فوق ذلك، معناه الأساسي.
وحين كنت أتأمل موضوع دراستي لم أستطع شخصيًا أن أقاوم الفوران الذي اكتشفت فيه الغاية الحتمية، وقيمة العملية الباردة المحسوبة. لقد كان بحثي يرمي إلى اكتساب معرفة؛ وكان يقتضي برودةً وحسابًا، غير أن المعرفة المكتسَبة كانت معرفةً بخطأ، بخطأ تنطوي عليه البرودة الملازمة لكل حساب. وبعبارة أخرى، كان عملي يسعى أولًا إلى زيادة مجموع الموارد البشرية، لكن نتائجه أظهرت لي أن هذا التراكم ليس إلا إرجاءً، أو تراجعًا أمام الحد المحتوم الذي لا تعود الثروة المتراكمة فيه ذات قيمة إلا في اللحظة. وأنا أكتب هذا الكتاب الذي أقول فيه إن الطاقة لا يمكن أن تنتهي إلا إلى التبديد، كنت أنا نفسي أستخدم طاقتي ووقتي وأعمل؛ وكان بحثي يجيب، على نحو أساسي، عن الرغبة في أن أضيف إلى مقدار الثروة التي اكتسبتها البشرية. فهل أقول إنني، في ظل هذه الشروط، لم أكن أستطيع أحيانًا إلا أن أستجيب لحقيقة كتابي، وأن أعجز عن الاستمرار في كتابته؟ (Bataille 1967, p. 10-11)
في هذا العصر حضرت لغة فوقية أخرى لكي تخبرنا بأنه «لا توجد لغة فوقية»، أي لا سبيل إلى الوقوف خارج موقع الذات المتكلمة في الزمان والمكان بغية القبض على «الحقيقة» من فوق أو التعبير عنها. وهذه اللغة الفوقية هي في الوقت نفسه انحلال جميع اللغات الفوقية، أي جميع المحاولات التي تروم تصنيف الخبرة وتعريفها ووضع تمثيل حقيقي لها من غير الاعتراف بالموقع النسبي الذي يتكلم المرء منه، وهي أيضًا اللغة الفوقية العليا التي يمكن، كما يتضح في الصيغ الدوغمائية من الكلبية أو البوذية، أن تغدو بنفسها لغةً فوقية قائمة بذاتها. فهذه اللغة، إذا اتبعت صفاءها حتى النهاية، لا بد لها أن تعترف بأن وعيها، أو ekstasis الخاص بها، يختلف عن أي لغة فوقية أو خطاب آخر، وإن لم يكن أفضل منه ولا أصدق، ما دام هذا الخطاب يظل داخل اعتقاده ورغبته ومقيدًا بهما.
لقد منحت ممارسات الوعي في الزن والتصوف وغيرهما من أشكال التجربة الصوفية بعض الأفراد، عبر التاريخ، خبرة الوقوف خارج المعتقدات والحقائق التي تحددوا من خلالها. لكن ما ينتج عن هذه الخبرة كثيرًا ما يكون حالة تهيمن عليها المعرفة الإدراكية، تعلن أن جميع الرغبات، شأنها شأن جميع المعتقدات، أوهام، وتعيش على مزيج من إيمان غير واعٍ بتفوق هذه «الحرية من الأوهام» الواعية، ومشاركة غير معترف بها في ممارسات الرغبة الخاصة بها. وعلى الجانب الآخر، فقد انطلقت طرائق الشفاء الشامانية من حقيقة أن البشر يعملون عبر الإيمان، أي عبر الرغبة، وأن هذا الإيمان يؤثر في الجسد. ولذلك، وسواء وعى معظم المعالجين النفسيين ما يفعلونه أم لم يعوه، فإنهم يعتمدون على هذا الإيمان أو على الإيحاء التنويمي.
إن المشكلة الحقيقية في زماننا هي هذا الانهيار في «الإيمان»، أو «موت الإله»، أو نسبية اللاإيمان وكلبيته، بما يشطر الفكر المعرفي عن «إيمان» الخبرة المباشرة أو الرغبة. والذين لم تعد تخدمهم تخييلات الحقيقة والأخلاق المقبولة يجدون لأنفسهم استجاباتهم الخاصة. فهناك مثلًا العصابي الوسواسي الذي يتجنب مواجهة كيف يؤمن وكيف يرغب من خلال نشاط وسواسي متكرر، وهناك الهستيري الذي، إزاء عجزه عن الإقرار برغبته، يشرع في تقويض رغبات الآخرين جميعًا لكي يجعل نفسه موضوع الرغبة، وهناك المنحرف الذي يتنكر لسؤال الرغبة أو الإيمان عبر افتراض فعل أو موضوع للإنكار مع بقائه جاهلًا بأسسه، وهناك الذهاني الذي لا يملك خيارًا في الأمر لأنه مغمور بالإيمان. ويبدو حتى أن من يسمى الشخص «الطبيعي» لا تخدمه الفنتازيا الاجتماعية المعطاة كما يُظن، أو أنه في الحقيقة لا «يؤمن» حتى بما يعلنه، ما دام ينتهي كثيرًا إلى طيف متزايد من الأعراض والأسقام الجسدية.
على امتداد التاريخ، صاغت الثقافات والجماعات والمجتمعات والحضارات صيغًا مختلفة لما عدّته حقيقة الوجود، مع أن مفهوم الصدق والكذب نفسه لم يدخل الصورة إلا متأخرًا؛ فقد كانت الأشياء ببساطة كما هي. وفي كل مجموعة من الأفراد، في كل مكان وزمان، كانت تسود منظومة من الطقوس والقواعد والمعتقدات تضمن الثبات والنظام وتحدد ما هو «حق» ومن يملك السلطة، من غير أن تُساءل زمنًا طويلًا. إلى أن يظهر غريب ما، أو صوفي، أو هرطوقي، أو ثوري، فيتحدى «نظام الأشياء» ويفتح الجماعة على زعزعة الاستقرار. وسرعان ما يغدو هذا النظام الجديد، الذي يُرفض أول الأمر، أساسًا لنظام آخر جديد، أي لمجموعة أخرى من الممارسات والمعتقدات.
وقد وصف ولفريد بيون (1970) هذه العلاقة، داخل الأفراد والجماعات، بأنها توتر بين الحاوي والمحتوى. وسمى هنري برغسون (1932) هذه الحركة الدائرية للبشرية «المصدرين للأخلاق والدين»، بينما وصف جورج دوميزيل (1940) طيفًا من هذه الممارسات التي وفرت شكلًا اجتماعيًا من الصحة النفسية. أما جورج باتاي (1973, 1976) فتتبع هذه الصيغة الاجتماعية من التوازن النفسي عبر العصور، من البدائي إلى الحديث، في الممارسات اللاواعية للمقدس التي كانت تتيح حيّزًا لهذه الحركة المزدوجة في البشرية، ومن ثم تديرها: الحركة التي تميل، من جهة، إلى توليد قصص وطقوس الثبات من أجل خفض التوتر وصون الحياة، وتميل، من جهة أخرى، إلى تحدي النظام القائم والمخاطرة بتدميره. وقد بيّن باتاي أيضًا الأخطار التي كانت البشرية تتجه إليها في غياب أي اقتصاد عام أو إيكولوجيا عامة للنفس.
وعندما أعلن نيتشه (1882) موت الإله، لم يكن مجرد فيلسوف آخر، أو صوفي، أو ثوري، يطعن في الخطاب السائد أو اللغة الفوقية في عصره. فبفضل تتبعه الأنساب الجينيالوجية للحقائق والأخلاقيات بوصفه فقه لغات، صار واعيًا بحقيقة أنه «لا توجد لغة فوقية»، وتنبأ بالمخاطر، وشخّص تصاعد الضغينة لدى الإنسان الصغير الذي ظلت تخييلاته الفردية اللاواعية تحت السطح في ظل انفصال كلبي متزايد. وقد حاول نيتشه، وهو يتأرجح بين نشوة مانوية من فائض المعنى وعزلة اكتئابية من قلته، أن يجد مخرجًا من العجز الجديد عن الإيمان، للإنسانية ولنفسه معًا، في مواجهة الذهان المقبل.
وفي الوقت نفسه، كان سيغموند فرويد يكتشف، عبر معالجي عصره النفسيين، أن الإيحاء التنويمي، أي التأثير في المعتقدات بالإيحاء أو بالإغواء، يستطيع أن يؤثر في الجسد وأن يحول الأعراض الجسدية. غير أن ما اكتشفه فرويد هو أن هذا لا يفضي إلا إلى عرض جديد، وأن الذات يمكن أن تتحول، إن لم تُشفَ، إذا امتنع المعالِج عن الاعتماد على التنويم وعمل مع الإغواء والإيمان بطريقة أخرى.
فما المقصود، على التحديد، بالمقاربة التحليلية النفسية للاشتغال على الخبرة الإنسانية للإيمان كما مارسها فرويد؟ إذا كان الموضوع يعاني مما يرغبه ويؤمن به على نحو لا واعٍ، فاغوه إذن، أو نوّمه كي يؤمن بشيء آخر، بالمحلل نفسه، عبر التحويل الحتمي للحب أو للوجدان الذي ينشأ. لكن، وهنا بالذات أخذ فرويد الممارسة التحليلية النفسية في اتجاه يختلف عن اتجاهات أخرى للشفاء والتعليم، لا تستخدم هذه القدرة الإيحائية لكي تجعل الموضوع يؤمن بشيء آخر محدد سلفًا أو يرغبه. بل اعمل على نزع أوهامه، كما يفعل معلم الزن. اشفه من «عصاب التحويل» هذا. بيّن له أنه يؤمن ويرغب، في شيء ما، مع أن لا الموضوع ولا المحلل يعرفان بعد ما هو. وساعده على أن يكتشف ماذا يؤمن وكيف يؤمن. وبخلاف معلم الزن إذن، لا ينفي المحلل النفسي الرغبة بوصفها وهمًا، بل يصونها ويعمل بها بوصفها السمة الأساسية للكائن الإنساني. بل يمكن القول إن المحلل النفسي لا يقبل إلا حقيقتين تجريبيتين يختبرهما كل يوم: الرغبة والفكر. وليس للمحلل النفسي نية في تعريف ماهية الرغبة أو الفكر؛ فهما خبرتان تقعان في البشر، وممارسة التحليل النفسي إنما هي ترجمة لهذه العقدة أو الشبكة التي تصنعها هاتان الخبرتان، وإدارتها وإعادة توزيعها وإعادة اشتغالها.
وقد صاغ فرويد (1938) هذه العقدة بوصفها علاقة بين الدوافع والرغبات اللاواعية وبين وعي الفكر واللغة. كما رسم هذا المخطط في صورة «هو» مجهولة من القوى الحيوانية، واستدخال للقانون والأخلاق البشريين في الأنا الأعلى، وذات أو أنا تحاول أن تثبت الموضوع عبر الإرادة والعقل. ثم أعاد جاك لاكان (1966) صياغة طوبولوجيا الخبرة الإنسانية في عقدة تتألف من الحقيقي، أي واقع «ما هو كائن» بما في ذلك الجسد والكون، وهو غير متاح للمعرفة الإنسانية؛ والمتخيل، أي الخبرة السابقة على الرمزي للذات والآخر، وترجمة الدوافع والقوى إلى علاقات بشرية وانفعالات انجذاب ونفور، حب وتقليد؛ والرمزي، أي الطقوس واللغات المقننة للفكر التي تخلق فرديًا واجتماعيًا مسافة عن مباشرة الدوافع.
وتناظر الخبرات الإنسانية للرغبة والحب والإيمان هذه الطوبولوجيات عند فرويد ولاكان معًا، غير أنها بدل أن تكون موضوعات (it, self, superego) أو مجالات (real, imaginary, symbolic) هي أقرب إلى التعبير عن فعل وعلاقة وخبرة. ومع الانتقال من فرويد إلى لاكان وما بعده، يتضح أكثر فأكثر أن التمييز داخل النفس بين الفردي والاجتماعي، بين الذات والآخر، مستحيل. فخبرة الرغبة هي خبرة مغايرة مطلقة، أي رغبة في اختلاف مطلق ودفع نحو المجهول يعرض الأليف والثابت للخطر مرة بعد مرة، حتى عند حافة الموت، ومن هنا «دافع الموت». وخبرة الحب قوة مضادة أقرب إلى مبدأ اللذة، تسعى إلى حل التوتر وخفضه، وإلى استيعاب الآخر والموضوع، وإلى تجاوز فجوة الاختلاف، وإلى العثور على الاحتواء والعودة إلى راحة الرحم وحمايته. أما خبرة الإيمان فهي خبرة إعمال رغبة المرء أو jouissance الخاصة به، أي ترجمة فنتازياه الأساسية اللاواعية إلى فعل رمزي في اللغة والطقس، مع قبول مصيره الفردي وإرادة اختيار واحد في الوقت نفسه. وهذه هي الخبرة التي تكون على المحك في السيرورة التحليلية، وهي خبرة يصعب على الإنسان الحديث أن يقبض عليها، وإن كانت تشبه، من بعض الوجوه، قفزة الإيمان الكيركغاردية بعد أن تُترجم إلى عصرنا وتُبث في الخبرة المستمرة لإعمال كل لحظة (Deleuze 1983, 1984).
وهناك طرق كثيرة لتقطيع هذه الخبرة النفسية الإنسانية وتمثيلها من جديد. وقد سمى لاكان هذه العقدة عقدة الـjouissance، مشيرًا إلى أن كل إنسان قريب من التصوف في كونه فريسة خبرة للرغبة تتوسطها الشعورية، ومع ذلك فهي تتجاوز الفكر العقلاني، وتتجاوز الخير والشر. وهذه الخبرة التي يجتازها كل فرد على نحو مختلف هي في آنٍ مصدر كل المعاناة ومصدر كل ما يسند البشرية. فالتحليل النفسي لا يشفي بالمعرفة، ولا بالبيداغوجيا، ولا بالأدوية، ولا بالتنويم. وهو لا يعلّم ولا يدرّب ولا يكيّف السلوك. كما أنه لا يستأصل الرغبة ولا يعلن حقيقة نهائية. إن التحليل النفسي يشفي بفك عقدة النفس. فهو يتيح للموضوع أن يعي كيف يختبر الرغبة والإغواء والإيمان والمعنى، وكيف تترجم هذه كلها إلى فكر ولغة ومعرفة وتعبير. ويتيح له أن يعيد الاشتغال على هذه الخبرة من الـjouissance، أو أن يقبل رغبته الخاصة ويستمتع بها، أي أن يعمل رغبته بوصفها إيمانًا، بوصفها حقيقته الذاتية في مواجهة غياب حقائق معطاة سلفًا من الخارج.
وكان فرويد كثيرًا ما يسمي مشروعه التحليلي النفسي «علم نفس فوقيًّا» أو metapsychology. وهذا الـmetapsychology يكون علم نفس لعلم النفس، أي خطابًا أو لغةً أو نظريةً عن كيفية تفكيرنا في النفس. ومع أنه لا توجد لغة فوقية بالمعنى الذي يمنح حقيقة شاملة تعلو على الجميع، فإنه يظل ممكنًا أن نجاور بين منظورات وحقول معرفة وخبرة متعددة لكي نحصل على صورة أوسع وأعمق. واتباعًا لهذا النهج العابر-للمجالات عند غواتاري، لا بد أن يكون العمل التحليلي النفسي metapsychoanalysis، أي تفكيكًا أو تحليلًا نفسيًا للتحليل النفسي نفسه، يأخذ في الاعتبار لا تاريخ تشكل النظرية والممارسة داخل الحركة فحسب، بل أيضًا أسلافها وتأثيراتها غير المعترف بها من الخارج، وانتشارها في الثقافة عامة. وكما أشار لاكان، فإن كل محلل لا بد له أن يعيد اختراع التحليل النفسي من جديد.
ولا يمكن المبالغة في أهمية عمل لاكان بالنسبة إلى المشروع التحليلي النفسي. فإلى جانب عمله السريري، كان لاكان غارقًا في التأثير الفكري والثقافي لوسطه، وهو ما مكّنه من إيضاح الممارسة التحليلية ونظريتها من خارجها أيضًا (Borch-Jacobsen 1991). إن تأثير هيغل وهايدغر ونيتشه وماركس والسوريالية والتصوف، عبر تعاونه مع فلاسفة وعلماء اجتماع في زمنه، أتاح له أن يصوغ مقاربة لعلم إنساني ولممارسة سريرية غير مسبوقة في مداها وعمقها. ومع ذلك فإن لاكان نفسه مهدد اليوم بأن لا يخلّف إلا أتباعًا ومناوئين. فإغواء لاكان وإرثه يجذبان منظّرين وممارسين لا يدركون شيئًا عن نسبه الواسع في البحث الفلسفي واللاهوتي والثقافي، ولا عن عمله السريري. لقد عانى التحليل النفسي طويلًا من انشقاقات كنيسة. والمطلوب هو العودة إلى روح لاكان لا إلى حرفه. وكما قال لاكان نفسه: «إن الذي يستجوبني يعرف أيضًا كيف يقرأني». وروح لاكان هذه هي التي تعرف كيف تدرسه بصرامة، وأن تتعلم دروسه، وأن ترى تناقضاته وتحولاته، وأن تمد عمله من غير أن تهجره أو تنفيه بدافع الضيق. وهذا هو الروح المفتوح الذي يعرف كيف يصغي ويتعلم من كل شيء: من النظرية والممارسة، ومن الحالات السريرية والأدب، ومن الوقائع الثقافية والاجتماعية، ومن الأفراد.
وخارج إطار الجلسة السريرية وممارسة الفرد الخاصة لـjouissance، تبرز مسألة الاجتماعي والسياسي. كيف ندير التفاعل بين ممارسات متعارضة للـjouissance إذا كان تمتع شخص ما بنفسه على نحو بعينه يتدخل مثلًا في تمتع شخص آخر؟ لقد تناول هذه الأسئلة، المتعلقة بالتحليل النفسي الاجتماعي، فرويد نفسه، كما تناولها مفكرون مثل جاك دريدا وميشيل فوكو وسلافوي جيجيك، في محاولة لتحليل الفنتازيات الاجتماعية الأساسية الكامنة في حضارات مختلفة، والكشف عن كيفية تنظيم مجموعة من القوانين والأعراف، المؤسسة على استبعاد لاواعي لممارسات معينة، لعلاقات القوة بين الذوات.
وعلى نحو مماثل، يركز التحليل النفسي الثقافي عند جورج باتاي وجان بودريار على إغواء الأفراد عبر خلق ممارسات جديدة للـjouissance في الفن والأدب والأيديولوجيا والطقس. ويفحص هذا البحث التحليلي النفسي الموسع شعريات التعبير والتواصل بوصفها بديلًا من التحليل النفسي السريري أو مكمّلًا له. وقد يتيح استحضار خبرات المعتقدات والممارسات الاجتماعية والجماعية التي ساندت البشر آلاف السنين قبل ظهور التحليل النفسي، ثم ترجمتها إلى الحاضر، مدخلًا لإدارة النفس لا يكفيه العمل السريري وحده.
وأخيرًا، هناك تحليل نفسي نظري معنيّ بتطوير فهم للخبرة الإنسانية في جميع وجوهها، أي بتطوير علم إنساني حقيقي يأخذ في الحسبان لاتعيّن الموضوع الإنساني الخاضع للبحث. فمع أن الحقيقي موجود، فإننا لا نملك وصولًا مباشرًا إليه. ومع ذلك نجد وسائل مختلفة لترجمة المجهول، أي لإعادة تمثيل ما لا يمكن تقديمه. وبهذا المعنى يكون فن العلم، وفن النظرية، فنًّا شعريًا. وهو أيضًا فن الممارسة، لأن النظرية تتحدى الحقيقي، تدعوه إلى أن يوجد، وإلى أن يطابق رغباتنا وتخييلاتنا عما هو عليه، من خلال استحضارنا للحقيقة من المجهول، أو، كما وصف هيغل الحياة والفكر بعد المعرفة المطلقة، من خلال «المكث مع السلب».
6. التمتّع – الرغبة في المعرفة
بالنسبة إلى المعالِج السريري، يظل الموضوع الإنساني ساعيًا على الدوام إلى تجاوز فقدان الموضوع، أي الانفصال عن التمتّع الكامل في الاتحاد بالآخر، بالأم، بالرحم، بوحدة ما قبل الحياة. ونتيجة لذلك، ينخرط الموضوع، على نحو لا واعٍ، في ممارسات، تخييلات وأفكار وعلاقات وعادات، تعيده إلى اللحظة التي كان فيها كاملًا، حتى لو قادته هذه الخبرات إلى المعاناة أو الموت. ومن ثم يكون هدف العيادة هو أن تصغي إلى قصص الموضوع، أي إلى ما يمنحه معنى عبر تداعيه الحر، وأن تحاول فك شفرة هذه الممارسات اللاواعية للـjouissance على وجه الدقة. فإذا أُصبح الموضوع واعيًا بهذه الفنتازيات الأساسية، أمكنه حينئذ أن يغيرها، وأن يقوى على اتباع رغبته فيما هو جديد ومجهول بدل أن يبقى أسير التكرار الذي يولد أعراض المعاناة.
غير أن هذه الحكاية عن الممارسة التحليلية النفسية ما تزال تحتفظ ببقايا من نزعة أخلاقية، أي بفنتازيا أساسية لاواعية تجعل اللذة والصحة والتوازن غايةً، وتعمل في الوقت نفسه على صرف النظر عن «دافع الموت» المولود من تعقيد الخبرة الإنسانية وهي تعيش على حافة النظام والفوضى. لا شك أن من يأتي إلى المحلل طالبًا العون في معاناته إنما يطلب شيئًا، ولكن ماذا يطلب؟ لقد كان معنى أخلاق التحليل النفسي عند لاكان: «لا تتخلَّ عن رغبتك»، غير أن هذه الأخلاق معقدة.
لا تتنازل عن رغبتك للآخر. لا تخطئ الفهم: فالتمتّع الكامل قد مضى أصلًا ما دمت قد وُلدت في العالم البشري حيث يكون المرء معتمدًا على القوت والعمل والآخرين والوعي. لكن لا تتفادَ ما تبقى لك من التمتّع، أي الفرصة التي لا تزال لديك لكي تتجاوز العقلاني والمحظور نحو تمتعك العبثي وغير القابل للتبرير، تمتعك الخاص. اعبر فنتازياك، وتماهَ مع عرضك، وعش دافعك المجهول بوصفه ممارسةً للـjouissance. هذه هي أخلاق الصوفي، أخلاق القديس يوحنا الصليب.
وقد اقترب لاكان (1973) في أواخر حياته من هذا الشرح لأخلاق الفعل التحليلي وأهدافه، فطهّر فكره مما كان يراه بقايا نزعة أخلاقية غير محللة، وبقايا فنتازيا لاواعية. بل إنه صرّح في محاضراته بأنه يأمل أن يأتي من بعده من يستطيع أن يرقى إلى مثل هذه الأخلاق، لأنه هو نفسه ربما لم يفلح في ذلك. ولكن: أخفق في ماذا؟
في الصياغة الأولى نجد «الأخلاق الذكورية» للبطل، على الرغم من المثال الأنثوي الذي تمثله أنتيغونا، ذلك الذي يضحي بتمتّعه باسم الواجب، أي باسم نظام أعلى متوهم، يظل مع ذلك مقيدًا بخطاب الآخر الكبير. وفي هذه الحال يبقى البطل محددًا بفنتازيا التضحية نفسها، محافظًا على السيطرة التي للقضيب، أي للنظام والـlogos، وخاضعًا لها في الوقت نفسه. فتغدو التضحية بالـjouissance طريقةً أخرى لتفادي واقعه.
أما في الصياغة الثانية فنحن بإزاء «الأخلاق الأنثوية» للصوفي، على الرغم من المثال الذكري الذي يمثله القديس يوحنا. فقد قال لاكان إن النساء، وقد استُبعدن عبر التاريخ من السيطرة الاجتماعية ومن النظام الأبوي «القضيبي»، كن أصلًا أكثر انفتاحًا على اختبار هذا الـjouissance الخاص بـ«اللا-كل»، أي بالحقيقي المستحيل، وبالمجهول الواقع وراء الفكر العقلاني والمعرفة. وما يكون على المحك في هذه الصياغة الثانية هو التضحية بالتضحية، أو die Versagung كما يسميه فرويد. وهذا ليس عودةً إلى التمتّع الصغير لأعراض اللاوعي، بل هو عبور لهذه الفنتازيا اللاواعية وقبول لممارسة المرء الخاصة التي لا تُستأصل من الـjouissance، والتماهي معها، تلك الممارسة التي توجد وتلحّ وراء الاستقرار والصحة والعقلانية.
وهكذا فالجميع متصوفة فاشلون. فكل إنسان يختبر الـjouissance، لكنه يختبره في صورة منحطة. إن الأعراض العصابية والذهانية والجسدية ليست إلا علامات على jouissance معطل أو مسدود. وغاية الخبرة التحليلية النفسية هي تمكين المرء من أن يمارس jouissance الخاص به: أن يقبله ويعمله، وأن يحافظ عليه، وأن يغيره، وأن يضحي به، وأن يخففه، وأن يؤججه. ولهذا يستطيع التحليل النفسي أن يذيب الأعراض الجسدية والعصابية التي نشأت من jouissance لاواعي منحرف الوجهة، وأن يحول الاكتئاب إلى معنى متجدد للحياة، وأن يعيد توجيه الوساوس والتثبيتات والفِتشيات التي لا يمكن ضبطها ولا يرغب فيها صاحبها، وأن يبدل فرط التنبيه في الالتباس الذهاني. لكن وراء ذلك، تمنح السيرورة التحليلية النفسية المرءَ أدوات ممارسة jouissance الخاص به. ولهذا السبب لا يوجد، عند لاكان، شيء اسمه تحليل تدريبي. فكل تحليل هو تحليل تدريبي، وكل تحليل، سواء كان الطلب فيه هو التدريب أو تخفيف عرض ما، ينبغي أن يكشف حركة الـjouissance.
ولهذا أيضًا يكون التحليل النفسي قابلًا للانتهاء وغير قابل له في الوقت نفسه. فلا نهاية للتحليل، بل توجد نهاية لكل تحليل على حدة، لكل حدث أو سيرورة، وهذه النهاية لا يحددها إلا الظرف نفسه. وبالنسبة إلى معظم المعالجين النفسيين، تأتي النهاية مع ذوبان الأعراض الأصلية، ولكن ماذا يبقى بعد ذلك؟ لقد حاول المحللون النفسيون أن يغيروا الموضوع كليًا وأن يحرروه من جميع أعراضه. غير أن فرويد نفسه أدرك أن هذا مستحيل، عندما عاين تعاسة الحضارة الحتمية في العصابات الثقافية التي تنتج من كبت «الطبيعية» وتساميها داخل الأنا الفردية. وأقصى ما أمكن الأمل فيه، في نظر فرويد، هو استبدال الأعراض المؤلمة بوعي ساخر عام بعبث الحياة.
ومع أن تفاصيل نظريات التحليل النفسي وتقنياته تبدو معقدة، فإن هناك خطًا متصلًا من التطور يمتد من فرويد إلى لاكان وما بعده. فالاكشاف التجريبي، المدعوم بالشهادة اليومية، وبيانه النظري، يفيدان بأن البشر يتأثرون بدافع ورغبة حقيقيين يحاولان أن يجدا لهما مكانًا عبر الفكر واللغة، وأن الفجوة بينهما تولد طيفًا كاملًا من الأعراض النفسية والجسدية المؤلمة، فضلًا عن خبرة لا يمكن تعريفها من الـjouissance، تشمل الذاكرة والأحلام والأمل والفنتازيا والحب والإيمان والنشوة والإيروسية والسرد والضحك والدموع والفرح والحزن... والتحليل النفسي يحاول أن يجعل اللاواعي واعيًا، والمستحيل ممكنًا. فهو يعمل على إعادة توزيع هذا الـjouissance بين الرغبة والفكر، وينتج محللين قادرين على أن يقودوا أنفسهم وغيرهم عبر اكتشاف كيف يرغبون، نحو ممارسة jouissance الخاص بهم.
لكن البشر لا يريدون أن يعرفوا ما الذي يحدث لهم. فإلى جانب إرادة الـjouissance تقوم إرادة عنيدة للجهل. وهكذا تصبح الخبرة التحليلية النفسية محاولةً بطولية لمواجهة الحقيقي. غير أننا لا نملك إلا أن نقاوم؛ فهذا من طبيعتنا. فمن الذي يستطيع أن يحتمل تحطيم أوهامه، وهي الشيء الوحيد الذي يسندنا؟ إن مواجهة انهيار الآخر الذي يمثل الحقيقة والقانون والإله والأخلاق والعقل شيء، ومواجهة الآخر الكامن في كل واحد منا، أي تلك الفنتازيا الأساسية التي تسندنا، شيء آخر.
ويجب الاعتراف بأن فرويد لم يكن يشيد مجرد قصة أو نظرية أو تمثيل آخر للوجود الإنساني على مثال أنبياء أو فلاسفة أو علماء سابقين. لقد كان يستنبط هذه النظرية وهذه الممارسة من ملاحظة الحقيقة التجريبية الجذرية لحياة مرضاه وحياته هو، مستعينًا في الوقت نفسه بتمثل تاريخ الفن والأدب والعلم والأسطورة. ولم يكن إلا هذا المنهج العلمي الجذري نفسه، بعد تجريده من تحيزات العقل والأخلاق، حين وُجِّه إلى رغبات البشر ومشاعرهم وأفكارهم وأفعالهم وخبراتهم الجسدية والذهنية، قادرًا على أن يكشف لنا واقعيّة وجودنا.
يبدأ البحث بوصفه رغبةً في المعرفة، في هيئة بحث عن معرفة «هناك» في العالم. ولا يستطيع أحد أن يأمل في تقديم نظرية عن الخبرة الإنسانية من دون استيعاب كامل، عرضًا وعمقًا، للأعمال التي أُنجزت حتى الآن لجمع طرائق الوجود العديدة، وحفظها، وفهمها، وإعادة تقديمها، أي ممارسات الـjouissance المختلفة حتى الآن. لكن التخصصات مرسومة مثل طوائف دوغمائية، والنجاة من هذه النهايات المسدودة تقتضي فضولًا يكاد يبلغ حد الجنون، بل أكثر من ذلك، رفضًا منحرفًا للركون، ورغبةً عنيدة في أن يتناول المرء باستمرار وجهة نظر معارضة أخرى، منظورًا آخر منسيًا أو مرفوضًا أو مقصيًا من قبل ما هو معطى. وهذه هي الطبيعة الحقيقية للجدل، لا كما أسيء فهمه بوصفه محاولةً للتوفيق أو للتلفيق بين وجهات النظر المختلفة. إن هذا هو الإبقاء المتزامن على منظورات متعارضة، ومدّ الجدل إلى تعدديات جيل دولوز وفيليكس غواتاري (1972, 1980)، وإلى «الاختلاف» عند جاك دريدا (1967, 1973)، وإلى «الهيتيرولوجيا» عند جورج باتاي (1986)، بوصفها جميعًا بحثًا لا ينتهي عن معرفة ما هو مجهول أو آخر.
وخلافًا لأشكال العقل والعقلانية التي هيمنت على الحضارة الغربية طويلًا، تقوم كل هذه المقاربات للمعرفة على خبرة التعاطف أو الإثنوغرافيا. فالخبرة الإثنوغرافية لا تسعى إلى معرفة ما هو خارجنا أو تقريره أو السيطرة عليه، سواء أكان أفرادًا آخرين أم ثقافات أم موضوعات أم أفكارًا. إنها تسعى إلى العبور إلى طريقة أخرى في الإيمان، إلى ترك الطريقة الخاصة في التفكير والفعل والرغبة والإيمان، والتعرض لإغواء طريقة شخص آخر، ثم العودة إلى طريقتك أنت وأنت تحمل فهمًا حقيقيًا لتلك الطريقة الأخرى، إن لم تحمل تحولًا في طريقتك نفسها. وبالطبع تنطوي هذه الخبرة دائمًا على خطر الضياع، غير أن ما البديل عن العيش في مملكة المتماثل، فلا يطلب المرء إلا أن يبقى جاهلًا بما هو مختلف أو آخر، أو أن يكره الآخرين على الامتثال لتحيزه الخاص؟ لقد سارت البحوث الإثنولوجية على هذا النحو، وقدمت بذلك مثالًا لإمكان قيام علم إنساني. لكن ينبغي أن يحدث هذا في كل موضع: في القراءة، وفي التأويل النقدي، وفي التحليل النفسي، وفي الحكم القانوني. وقد وصف ليفيناس (1961) ذلك بأنه تقديم الأخلاق على الإبستمولوجيا والأنطولوجيا والظاهراتية، وتتبعَه عبر التقليد اليهودي-المسيحي بوصفه عنايةً بالآخر واستعدادًا لقبول موقع الـ«أنت» الذي يخاطبه «أنا» الآخر، أي الإصغاء إلى الآخر قبل الحكم.
لكن حتى هذه الخبرة الإثنوغرافية للمعرفة، مع أنها تركز على ما هو خارج، يمكن أن تقود المرء في نهاية المطاف إلى بحث عن معرفة مطلقة. وهذه المعرفة المطلقة لا بد أن تنحل في نهاية الأمر إلى بحث عن معرفة الذات. فكيف يمكن لأحد أن يقدم حقًا صورةً عن الخبرة الإنسانية من دون أن يوجه مصباح العلم، المركّز إلى الخارج، إلى نفسه أيضًا؟ وكيف يمكن بلوغ أي شكل من الموضوعية من غير تحليل الموقع الذاتي الذي يؤثر لا محالة في الخبرة وفي التعبير، وكشفه وتقديمه، بأكبر قدر ممكن من الموضوعية؟ حتى داخل الفيزياء والرياضيات، أي أكثر العلوم «موضوعية»، صار هذا اليوم أمرًا مسلّمًا به. أما داخل العلوم الإنسانية، حيث يكون الموضوع هو أيضًا الموضوع المدروس، فيغدو هذا أكثر لزومًا.
وعلى امتداد التاريخ، اتخذ البحث عن معرفة الذات صورة رحلة عبر ممارسات شرقية وغربية مختلفة للوعي والتصوف. غير أن ممارسات الوعي هذه تقوم كثيرًا على النظر إلى العقل والجسد بوصفهما كيانين يمكن التحكم فيهما. وخلف nirvana بوصفها وعيًا كاملًا وحريةً من أوهام الرغبة لا يوجد إلا حالة الموت غير العضوية. فكثيرًا ما تقود خبرة الاستنارة إلى حالة «الميت الحي» في التأليه والكمال والكلية. غير أن ما يمكن أن تقود إليه أيضًا هو فهم ما هو إنساني على نحو أساسي: الإيمان، والرغبة، والوهم، والفنتازيا، والحلم... فالبوديساتفا لا يمتنع عن دخول nirvana لكي يقود الآخرين إليها فحسب. إنه، بعد أن يختبر حقيقة كينونته، يحيا الخبرة الإنسانية إلى أقصاها، وإذا قاد الآخرين إلى هذا الموضع فإنما يفعل ذلك لكي يحيَوها هم أيضًا.
ومن خلال المتصوفة والقديسين، والشعراء والفلاسفة والفنانين في الحداثة، أمكن تقديم هذه الخبرة في الرغبة. لكن مع التحليل النفسي وحده، أي مع الوضوح الموضوعي والتجريبية العلمية وهما يوجهان نظرهما إلى هذه الرغبة، أمكن أن تصبح هذه الخبرة معروفة. وقد قال فرويد نفسه إن الشعراء كانوا قد عرفوا ما قدمه هو من غير أن «يعرفوه». فمن خلال أعراض مرضاه اكتشف فرويد أن خبرةً جسديةً وعاطفيةً كُبتت بلا نجاح يمكن أن تؤدي إلى أشكال جديدة من المعاناة، ومن هنا شرع في الإصغاء إلى جانب مهمل من الخبرة الإنسانية. ولم يكتف التحليل النفسي بإعادة فتح الجوانب المكبوتة من طبيعتنا المنقسمة بوصفنا ذواتًا بشرية، بل افتتح أيضًا حقلًا جديدًا من البحث يواصل إلى اليوم رسم مسار هذه الخبرة الإنسانية الملتبسة.
الكتاب الثاني
1. اللاواعي والواعي – سيغموند فرويد
إن أي محاولة لتعريف الخبرة التحليلية محكومة بالفشل. فبقدر ما يتحدد الإطار التحليلي بالمستحيل، لا يمكن إلا أن يُستدعى أو يُلمَّح إليه. وكما في الإثنوغرافيا، فإن الغمر في عالم تنظيم الآخر لـjouissance يقتضي انفتاحًا، وقابليةً للتصديق، وشجاعةً على المخاطرة بالنفس. إن إيمان المرء برغبته الخاصة، أو عزمه عليها، أمر حاسم في دخول هذا الإقليم. وليس الذي يسمح للمرء أن يُستعمل من قبل آخر وأن يكشف المعنى الكامن في هذا الاستعمال إلا عزمُ رغبته هو نفسه مقترنًا بمسافة الوعي عن الآخر. فالتحليل النفسي ليس شيئًا يطبَّق، بل هو جواب عن طلب يصدر عن آخر يريد المساعدة على تخفيف أعراضه. والجواب ليس مجرد تخفيفها، لأن ذلك ينكر رسالتها، إن لم يأت بأعراض أخرى، بل هو أن نُشعِر الآخر بأعراضه بوصفها رسالةً عن التعبير اللاواعي للرغبة.
في زمن كانت التصورات الميكانيكية النيوتنية للإنسان تهيمن فيه على العلم، اتجهت metapsychology فرويد إلى مقاربة طاقية تدين، في الواقع، بأكثر مما كان يظن لأشكال أقدم من الشفاء الروحي، والشامانية، والمغناطيسية الحيوانية. فبدل أن يطلب سبب السلوك البشري في بيولوجيا حتمية، ركز فرويد على البراغماتية البيئية لتاريخ حياة الفرد وتفاعله الاجتماعي. وكان لب اكتشاف فرويد واختراعه قائمًا على قدرة الأنا الواعية والإرادية على تحويل الدوافع القادمة من الداخل ومن الخارج. فالكبت والإنكار والتنكّر والتسامي جميعها أشكال من الأيض أو الهضم النفسي. وإن واقع العالم الخارجي الذي يبدو لنا بديهيًا، مع بقائه مجهولًا بقدر ما تبقى خبرتنا الداخلية مجهولة، لا بد له أن يجد سبيلًا إلى أن يُهضم داخل الكائن الإنساني. فالحياة فعل ترجمة متواصل: من المجاز المرسل والاستعارة في اللغة إلى التمثيل بالفعل في السلوك، ومن استعمال الموضوعات إلى هلوسة الفنتازيا.
وفي حين كانت الطقوس والأساطير والأديان تستطيع من قبل أن تمنح الرغبة الإنسانية شكلًا على نطاق واسع، كان فرويد هو من اكتشف «أسطورة العصابي الفردية» المولودة من رومانسية العائلة. فإذا كانت الخبرة الإنسانية قد انعطفت بحيث غدت الذاتية الفردية قادرة على تشخيص جدية حياتها الخاصة في المستوى الذي كان محفوظًا للآلهة والملوك، فقد صار على كل فرد أن يجد الطقوس والأساطير التي تشبع دوافعه. وإذا لم يكن قادرًا على فعل ذلك على نحو واعٍ، أي عبر الأنا، فإن المهمة ستنجز مع ذلك. وهكذا كانت المحاولات الفاشلة لأيض الخبرة العاطفية تكشف عن نفسها في الزلات والحوادث والأحلام والنكات، وفي الأفعال المنحرفة والوسواسية، والعلاقات الهستيرية، والمرض الجسدي، بل حتى في العجز الكامل عن العمل.
وفي الماضي، كان من يعجز عن ترجمة خبرته العاطفية عبر الأشكال الاجتماعية المقبولة في الجماعة يُنظر إليه على أنه مريض أو ممسوس. وربما لم نتقدم كثيرًا على ذلك، ما دامت هيمنة التصنيف النفسي-الطبّي للأعراض عبر DSM-IV تهدد بأن تحجب تحدي فرويد الجذري القائل إن الأعراض النفسية والجسدية لا تُكتسب على نحو غامض من خارج الكائن، بل تنتج من العجز عن العثور على طريقة لاحتواء الخبرة البيولوجية والاجتماعية والبيئية عبر الفكر واللغة.
لقد افترضت طبوغرافيا فرويد الأولى وعيًا ولاوعيًا، أي خبرةً عاطفيةً تم احتواؤها، وخبرةً لم تُحتوَ تمامًا، بواسطة الفكر العقلاني واللغة. وإلى جانب ذلك أضاف ما قبل الوعي، أي ما يشبه أشكال علاقات الموضوع المعروفة غير المفكر فيها، كما رسمتها لاحقًا المدرسة البريطانية في التحليل النفسي (Bollas 1987). وللمفارقة، قد يكون هذا النموذج الأول، في بساطته، أفضل من الترسيم البنيوي الثاني للهو والأنا والأنا الأعلى. لقد كان فرويد قد اكتشف العناصر الأساسية للترجمة في حركة الخبرة الإنسانية، لكنه، في جوعه إلى صياغة علم موضوعي، بدأ يفقد ذلك الاكتشاف. وليس معنى هذا أن ترسيم الأعراض والتقنيات عديم الفائدة، بل إن الخطر دائم في أن تتحول الخرائط إلى حقائق صلبة.
وقد خدم عمل فرويد تحليله الذاتي خير خدمة. ولأنه لم يجد في تقاليد عصره ما يكفيه، فقد صاغ أسطورةً علميةً تحولت هي نفسها إلى علم أسطوري. وفي النهاية لم يعد يرى سبيلًا للخروج من أعراض المعاناة الناشئة عن الفشل في الترميز إلا عبر هيمنة الفكر العقلاني والإرادة. فالأنا كانت، بالنسبة إليه، الفرد كله، أي الربان المسيطر على الذات التي تبحر بين اندفاعات الهو البيولوجية الخطرة، وبين صدمة الحقيقي القادم من العالم الخارجي، وبين صيغ أوامر الآخرين المستدخلة في صورة الأنا الأعلى. وبالطبع، فبقدر ما يؤمن فرد أو ثقافة بالعقل والإرادة، تخدم الأنا كل شخص خدمة جيدة بوصفها دعامة بنيوية. لكن فرويد نفسه، في أواخر حياته، اعترف بعدم كفاية الأنا بوصفها وسيلةً لترجمة الرغبة.
مهما فعلت الأنا في جهودها الدفاعية، سواء سعت إلى إنكار جزء من العالم الواقعي الخارجي أو إلى رفض مطلب غريزي آتٍ من العالم الداخلي، فإن نجاحها لا يكون أبدًا كاملًا ولا مطلقًا. فالمآل ينتهي دائمًا إلى موقفين متعارضين، يكون الموقف المهزوم الأضعف فيهما، مثل الآخر تمامًا، سببًا لمضاعفات نفسية. وفي الختام لا يلزم إلا أن نشير إلى ضآلة ما يعرفه إدراكنا الواعي عن جميع هذه السيرورات. (Freud 1938, p. 61)
وفي انشطار الأنا وجد فرويد الأسس العصابية للذات، وهي الأسس التي ستلهم لاكان لاحقًا لكي يسلك اتجاهًا مختلفًا تمامًا عن اتجاه التعويل على الأنا الذي سيطر على كثير من أتباع فرويد. فعلى الرغم من نجاح الأنا في الحفاظ على التماسك العقلاني والقوة التي تمنع التفكك، فإن هذا النجاح لا يفعل في النهاية إلا أن يقسم الموضوع بين مطالب الآخر، أي الدافع أو الغريزة، وبين مطالب الآخر الكبير، أي العقلانية الواعية والذات المتكاملة والاحتكام إلى الحقيقة والأخلاق. وبالنسبة إلى لاكان، فإن مطالب الأنا الأعلى في صورة القانون والأخلاق لا تنفصل في النهاية عن الأنا أو الذات التي تُبنى للموضوع الفردي وبه. وتصبح الذات القصة التخيلية لدور المرء المزعوم الثبات والانقسام في العالم. وفي مقابل ذلك، افترض لاكان الـje أو الـ«أنا» بوصفه ذلك الإحساس النسبي بالوعي الذاتي الذي يُحافَظ عليه في كل لحظة، فيما تبحر الذاتية المتغيرة في التدفق الفوضوي لدوافع الهو، أو رغبات الآخر، وفي السرديات الرمزية للذات وللآخر الكبير، أي الأنا والأنا الأعلى، التي تكوّن الحقائق والطقوس شبه المستقرة لخبرتنا الاجتماعية-النفسية الحديثة.
وفي أثناء رسم النفس الحديثة وتطوير ممارسة لتنظيم هذه النفس على نحو يحرر الموضوع من الأعراض العصابية والجسدية، اصطدم فرويد في النهاية بالتكامل الذي لا ينفصل بين العالم الاجتماعي والعالم النفسي، ذلك التكامل الذي يشكل الخبرة الإنسانية. وفي المحصلة، لم يعد هناك موقع يمكن منه الحكم على الأشكال «الصحية» أو المثلى للطباع. بل لقد انتهى إلى أن يرى إمكان اعتبار ذوات جماعية كاملة من الحضارة الإنسانية ذواتًا عصابية.
إذا كان تطور الحضارة يشبه إلى هذا الحد تطور الفرد، وإذا كان يستخدم الطرائق نفسها، أفلا يحق لنا أن ننتهي إلى تشخيص يقول إن بعض الحضارات، أو بعض عصور الحضارة، وربما الجنس البشري كله، قد صار «عصابيًا» تحت تأثير الدوافع الثقافية؟ إن تشريحًا تحليليًا لمثل هذه العصابات قد يقود إلى توصيات علاجية يمكن أن تدّعي أهمية عملية كبيرة... ولكن، فيما يخص التطبيق العلاجي لمعرفتنا، ما فائدة أدق تحليل لعصابات اجتماعية إذا لم يكن لدى أحد سلطة فرض مثل هذا العلاج على الجماعة؟ ومع ذلك، وعلى الرغم من جميع هذه الصعوبات، يمكننا أن نتوقع أن يجرؤ أحدهم يومًا على الشروع في باثولوجيا للمجتمعات الثقافية. (Freud 1930, p. 102-3)
وكان نيتشه قد اضطلع بالفعل بنوع من هذا التحليل النفسي الاجتماعي-الثقافي قبل ذلك بسنوات، ولم يبق له هو أيضًا في النهاية إلا رغبته الخاصة أو حكمه الخاص الذي يقيس به الإنسان الحديث على ثقافات الماضي وعلى إمكانات المستقبل التي كان يشعر بأنها تمنح الذاتية الإنسانية أغنى خبراتها. وربما لم تكن أنا نيتشه، أو ذاته، قويةً بما يكفي للصمود في وجه مثل هذا الموضع المنفرد. وربما أدى خروجه خارج حدود الأساطير والطقوس الرمزية الاجتماعية غير المساءلة التي تمسك النفس معًا إلى أن يلقى في إقليم ذهاني لم يكن مهيأ له. وربما كان قد التمس تفككه الشيزويدي بإرادته لكي يعثر على أشكال جديدة، وخرائط جديدة للنفس، وذواتيات جديدة، يستطيع أن يعود بها. فالشامان والمتصوف يخاطران بنفسيهما بالسفر إلى إقليم فوضوي من أجل استثارة طفرة في النوع، تُحافَظ عليها بحساسية بين النظام والفوضى (Bergson 1932, Bion 1970, Castaneda 1987, McKenna & McKenna 1993). وفي النهاية لم يستطع احتواء المجتمع أن يحمل نيتشه كما حمل فرويد، وفي تدميره الحاويَ دُمِّر هو أيضًا، فضاع في فوضى الجنون. أما تحدي فرويد لبنى عصره فبقي عند هذا الجانب من التدمير، وتشبعَت به النفس الحديثة على مهل، إلى أن لم يعد واضحًا إلى أي حد اكتشف فرويد الذاتيات الجديدة للحداثة، وإلى أي حد أسهم هو نفسه في خلقها.
2. الفصامي والاكتئابي – ميلاني كلاين
أضافت ميلاني كلاين، من خلال عملها الواسع مع الأطفال، فصلًا آخر إلى فهم الذاتية الإنسانية الحديثة الذي كان فرويد قد طوّره. فقبل الولادة، يوجد الرضيع في ذاتية غير مميزة من الخبرة المباشرة. وهو، ما دام محاطًا بالرحم، موصولًا ومغمورًا ومندمجًا مع كلية الوجود، لا يعرف شيئًا عن التمايز. وعند الولادة يُطرد من أمنه ويُلقى على الفور في عالم من موضوعات وقوى غريبة. ومنذ البداية، وفي اللحظات الأولى من الحياة، يُواجَه الرضيع بما يسميه جيمس (1890) «الارتباك الضجيجي» buzzing confusion، وهو ما يثير ويحفز الصيغ البدئية للذاتية الفردية التي تشكل ما يسميه دانييل شتيرن (1985) «الذات الناشئة» emergent self. وبالنسبة إلى كلاين، تتميز الأشهر الستة الأولى من الحياة بمرحلة فصامية من التطور تشكل حركةً نحو التمايز. فالخبرة الذاتية للرضيع الإنساني تكون مغمورة في حالة فوضوية، وتأتي خطواته الأولى نحو تعلم تنظيم خبرته عبر الانقسام الأولي للأشياء والقوى والأحداث إلى خير وشر، حب وكراهية، أمان وخطر، وذلك استنادًا إلى أكثر الحاجات بدائية للبقاء والأمن. وهكذا، فمن خلال التفاعل البيئي والاجتماعي مع النظام البيولوجي للكائن الإنساني - أي من خلال التعلم - يصير إدراك المرء منظمًا، وتُبنى ذاتيته. ويُدخل الانقسام الأولي الرضيع في مستوى باتسون (1972) الأول من التعلم، حيث تُشَرْط الاستجابات وطرائق اختبار العالم بإشباع الحاجات الأساسية وتجنب التهديدات.
غير أن الرضيع، منذ البداية، يكون بالفعل منخرطًا في شبكة رمزية تحوّل الإحساس المباشر إلى عاطفة، ثم تتداخل هذه بدورها مع الإدراك. فالخضوع للتعلم الأولي عبر التمايز وإعادة التصنيف يجعل الذات تتكيف وتحوّل جهازها المعرفي إلى آلة شديدة التعقيد للتنظيم والعمل من خلال تعلم رسم خرائط العالم. وفي الوقت نفسه، فإن الرواسب الانفعالية التي تخلّفها الرغبة والحب والوجدان تتعمق، تاركةً عالمًا نفسيًا غنيًا - ولاواعيًا إلى حد كبير - يمنح معنى لذاتية الوجود المقدسة، ويعوق الأداء العملي، و/أو يترك الذات منقسمة انفعاليًا وإدراكيًا.
إن جزءًا من نظريتي هو أنه خلال أبكر مراحل الطفولة، يكون الانقسام بين الحب والكراهية، وبالمقابل بين الموضوعات الخيّرة والسيئة - وبين الموضوعات المثالية والموضوعات الخطرة جدًا إلى حد ما - هو الطريقة التي يحافظ بها الرضيع الصغير جدًا على قدر من الاستقرار النسبي. وقد أكدت في كتابي Envy and Gratitude على أهمية عمليات الانقسام المبكرة جدًا. فإذا أمكن فصل الحب والكراهية، والموضوعات الخيّرة والسيئة، على نحو ناجح (أي من غير عمق يعيق الإدماج، ومع ذلك بما يكفي لمعادلة قلق الرضيع على نحو كافٍ) فإن ذلك يضع أساسًا لقدرة متنامية على التمييز بين الخير والشر. وهذا يمكّنه، خلال فترة الوضع الاكتئابي، من أن يؤلف بدرجة ما بين الجوانب المختلفة للموضوع. وقد اقترحت أن القدرة على هذا الانقسام البدئي الناجح تعتمد إلى حد كبير على ألا يكون القلق الاضطهادي الأولي مفرطًا (وهو أمر يعتمد بدوره على عوامل داخلية وإلى حد ما على عوامل خارجية). (Klein 1961, p. 249)
وبحسب كلاين، يعقب المرحلة الفصامية-البارانويدية مرحلة اكتئابية يمكن فيها أن تبدأ التعددية التي أنشأها الانقسام البدئي في أن تُدمج. فبالنسبة إلى الرضيع، يمكن للقوى البدئية للخير والشر، والحب والكراهية، أن تأتي من داخل الذاتية والجسد أو من خارجهما، لكن من أجل الحفاظ على قدر من الاستقرار النسبي، يجري إسقاط كل «السوء»، و«الخطر»، و«الكراهية» إلى الخارج. وعندما يأتي الرضيع إلى إدراك أن الثنائيات المنقسمة محتواة معًا داخله، وداخل الآخر، وداخل العالم، فإنه يُواجَه بمهمة إعادة دمج هذه الأضداد. ويُعد تنظيم هذا الالتباس أحد أعلى إنجازات النظام الإنساني، ويظل يختبر الذات طوال حياتها. ويسهم استدخال الموضوعات الخارجية والآخرين بدور مهم في تكوين علاقتنا الانفعالية والأخلاقية بالبشر الآخرين وبالأجزاء المختلفة من ذواتنا، كما يسهم في تشكيل قدرتنا على رسم خرائط إدراكية للمستويات المجردة من كينونتنا في العالم. ويؤسّس الانقسام وإعادة التنظيم لوعي أرقى على مستوى المعرفة، كما يرسّخان الشبكة المعقدة للخبرة الانفعالية، والشخصية، والرغبة، والجوع السعيد jouissance، وتنوع الأعراض النفسية التي يظهرها البشر.
إن استكشاف العالم الخارجي وتنظيم الذاتية يعتمدان على بيئة مستقرة نسبيًا إذا كان للرضيع أن يكون قادرًا على إعادة تنظيم انقسامه وإسقاطه في نظام متماسك ومعقد. وإذا غابت هذه الأمانة، فقد يصبح عالمه - أي ذاته - مأهولًا بالقوى البدئية والموضوعات الغريبة. وهذه المرحلة الفصامية التي نمر بها جميعًا قد تهيمن على ذاتية «الفصامي»، فتجعله عاجزًا عن التعامل مع العالم الاجتماعي البيني للطقوس وقواعد السلوك. فالاضطهاد والخيال والبارانويا والارتباك تشكل الفوضى التي - حين تُجسَّد وتُفصل عن إعادة إدماجها مع النظام والحل - يمكن أن تنتج خبرة مستحيلة. وحتى إذا تجاوزنا هذا الوضع المتطرف، فإن المرحلة الفصامية التي تشكل أساس النفس لدى الجميع يمكن أن تنزلق إلى سقوط في الفوضى النفسية في أي وقت، وهي فوضى - وإن كان يمكن أن تقدم ثمار تكيفنا وتحولنا وتبدلنا - فإنها تحمل دائمًا تهديدًا بأن تبتلعنا إلى ما بعد نقطة اللاعودة.
إن الوضع البارانويدي هو المرحلة التي تهيمن فيها النزعات التدميرية والقلق الاضطهادي، ويمتد من الولادة حتى نحو ثلاثة أو أربعة أو حتى خمسة أشهر من العمر. ويستلزم ذلك تعديلًا في تأريخ المرحلة التي تبلغ فيها السادية ذروتها، لكنه لا يستلزم تغييرًا في الرأي بشأن التفاعل الوثيق بين السادية والقلق الاضطهادي عند قمتهما.
أما الوضع الاكتئابي، الذي يأتي بعد هذه المرحلة ويرتبط بخطوات مهمة في تطور الأنا، فيُرسَّخ في منتصف السنة الأولى من الحياة تقريبًا. وفي هذه المرحلة تضعف النزعات السادية والخيالات، وكذلك القلق الاضطهادي. ويستدخل الرضيع الموضوعات بوصفها كُلاً، ويصبح في الوقت نفسه قادرًا بدرجة ما على تأليف الجوانب المختلفة للموضوع وكذلك عواطفه نحوه. ويقترب الحب والكراهية في ذهنه، ويؤدي ذلك إلى قلق من أن يُصاب الموضوع، الداخلي والخارجي، بالأذى أو التدمير. وتؤدي مشاعر الاكتئاب والذنب إلى نزوع إلى الحفاظ على الموضوع المحبوب أو إحيائه، وبالتالي إلى جبر ما أحدثته النزعات والخيالات التدميرية. (Klein 1948, p xiii-xiv)
إن فهم كلاين للمراحل، بدلًا من مراحل التطور الفرويدية، يتيح لنا أن نقبض على الخريطة المعقدة لطبقات النفس الإنسانية وهي تعيش عبر الزمن. وهذه النظرية «الحقلية» أكثر انسجامًا مع المبادئ المنظمة للأنظمة المعقدة العاملة بين النظام والفوضى، وهي مبادئ تميز الجسد والدماغ والذاتية في جميع صورها الفردية والجماعية والثقافية والأسطورية. وتمنحنا فكرة كلاين عن الجزء أو الموضوع الجزئي، الذي يختبره الرضيع البدئي والبالغ الضائع على خط فصامي من التطور، شكلًا للطبيعة الغريبة والاضطهادية لهذه الشذرات - إذ تكون منفصلة عن أي تحقق متراكم concrescence أو أي كلية. وكما أوضح وايتهد وبرغسون، فإن الحدث يمتلك سيادته الخاصة - وذاتيته الكلية وطابعه الخاص - التي لا يمكن أبدًا تقسيمها اصطناعيًا إلى أجزاء. ولعل تطورنا في العالم يتمثل في تعلمنا - كما يوصي برغسون - أن نقسم الأشياء على نحو ملائم إلى مكونات عضوية وأحداث لكل منها نظامها الذاتي التنظيم. وإذا كان الأمر كذلك، فإن ثقافتنا المعاصرة نفسها تنزلق أكثر فأكثر إلى أزمة فصامية، لا نستطيع معها أن نعود من التدمير المتزايد للأشكال ذات المعنى من الذاتية، وما يرافقه من تفكك في الفوضى، إلا عبر التشييء وإضفاء الموضوعية والتفكير الآلي في الأشكال التي تحاول بيأس أن تحافظ على النظام في مواجهة هذه الفوضى.
3. الاحتواء والتصوف – ويلفرد بايون
بتأثير من مراجعة كلاين للميتاسيكولوجيا والميتافيزيقا الفرويديتين، افتتح ويلفرد بايون رحلة إلى أقاليم النفس غيّرت طريقتنا في فهم العلاقة بين العمليات الانفعالية والعمليات المعرفية. فمفهومه للحيز الذهني يوسّع نطاق النظرية والممارسة التحليليتين إلى ما يتجاوز المحتوى المحدد لمراحل النمو والأشكال البنائية للتاريخ الإنساني، ويفتحهما على الإقليم المجهول من النفس. وعند بايون يذوب الانقسام بين الانفعال والإدراك في خبرة الاحتواء. كما أن مفهوم الحاوي والمحتوى يمتد عبر مستويات متعددة من الذاتية، من علاقة الفرد بنفسه، إلى علاقات المواجهة المباشرة في الحب والتحليل النفسي، إلى العلاقات البينذاتية بين الفرد والجماعة، وبين الجماعة والمجتمع.
تصبح القدرة على استخدام النقاط والخطوط والحيز ضرورية لفهم «الحيز الانفعالي»، ولمواصلة العمل وتجنب وضع يعجز فيه شخصان متعذرا التعبير عن تحرير نفسيهما من أسر هذا التعذر. وهذه العلاقة العقيمة المتبادلة تقدم نموذجًا لبعض علاقات الذات بنفسها. فإذا كانت علاقة الذات بنفسها من هذا النوع، وجب تدمير الحاوي أو المحتوى. وأخيرًا، لا يستطيع الفرد أن يحتوي الدوافع الخاصة بالثنائي، كما لا يستطيع الثنائي أن يحتوي الدوافع الخاصة بالجماعة. ومن ثم فإن المشكلة التحليلية النفسية هي مشكلة النمو وحلّه المتناغم في العلاقة بين الحاوي والمحتوى، وهي علاقة تتكرر على مستوى الفرد، ثم الثنائي، ثم الجماعة، داخل النفس وخارجها. (Bion 1970, p. 15-16)
عند الولادة يُقذَف الرضيع خارج حاوي الرحم. ومن هنا تبدأ رحلة عبر الاحتواء في الأم، ثم في الأسرة، ثم في الجماعة، ثم في الأشكال السيميائية والرمزية للمعنى الحاضرة في المجتمع وفي تشكل الطبع والأعراض والذات عند الفرد. والعلاقة التحليلية هي، بدورها، رحلة عبر احتواء انهار على نحو ما أو أثبت فشله بالنسبة إلى الذات. غير أن الاحتواء ليس بسيطًا أبدًا. فهو ليس ماهية أو حالة يمكن بلوغها، بل حركة يسعى فيها ما هو محتوى إلى كسر حدود احتوائه. وهذا يشبه العلاقة بين النظام والفوضى التي تميز جميع الأنظمة المعقدة. ولعل خريطة بايون للنفس البشرية تشبه، على نحو لافت، الخرائط التي يضعها علماء الأعصاب المعاصرون للدماغ والإدراك والوعي. وما ينتقده بايون في الجماعة التحليلية النفسية هو أنها أخطأت فهم التعقيد الجوهري للعقل والنفس حين حاولت أن تقبض على حقيقتهما الموضوعية، بدل أن تعترف بأن الوظيفة العلاجية تقوم على رسم خريطة لما يفلت دائمًا من «المعرفة» واحتوائه، مع تحديه في الوقت نفسه لكي يكشف عن نفسه ويتجاوز الحاويات العقيمة أو الراكدة.
وهذه خاصية من خصائص المجال الذهني: إذ لا يمكن احتواؤه داخل إطار النظرية التحليلية النفسية. فهل هذا دليل على قصور في النظرية، أم دليل على أن المحللين النفسيين لا يفهمون أن التحليل النفسي لا يمكن أن يُحتوى نهائيًا داخل التعريفات التي يستخدمونها؟ ويمكن أن تكون الملاحظة صائبة إذا قلنا إن التحليل النفسي لا يستطيع أن «يحتوي» المجال الذهني لأنه ليس «حاويًا» بل مسبارًا… (Bion 1970, p. 72-73)
إن ممارسة التحليل النفسي، داخل المجال السريري وخارجه، تقوم على زحزحة الحاويات التي لم تعد تؤدي وظيفتها، وعلى تطوير العملية السائلة للاحتواء نفسها. ففي العلاقة التحليلية يكون عقل المحلل أو نفسه هو الذي يوفر شبكة أمان من الاحتواء أثناء تفكيك الذاتية والدخول في الفوضى التي سيعاد بناؤها في النهاية. وهذه الممارسة تشبه ما يجري في أحياز متعددة من الممارسة الصوفية. بل إن بايون يقارن تطور التحليل النفسي بالعلاقة الأبدية بين الصوفي الفرد والجماعة المؤسسة عبر حضارات شتى.
هدفي أن أُظهر أن عناصر معينة في تطور التحليل النفسي ليست جديدة على التحليل ولا خاصة به، بل إن لها تاريخًا يوحي بأنها تتجاوز حواجز العرق والزمن والتخصص، وأنها كامنة في علاقة الصوفي بالجماعة. ولا يمكن الاستغناء عن المؤسسة، وإن بدا أن ذلك قد تحقق تقريبًا في التصوف وفي نظرية الماركسية، لأن الجماعة المؤسسية، أو جماعة العمل، ضرورية لتطور الفرد، بما في ذلك الصوفي، كما أن الفرد ضروري لها. (Bion 1970, p. 75)
وغاية الحاوي أو الجماعة هي أن تمدنا بالنظام الذي يقود في النهاية إلى ظهور الصوفي أو إلى الومضة العابرة من العبقرية التي ستبدل الأشكال الفردية والجماعية للذاتية إلى أشكال أعلى. وهذه هي القصة نفسها عند برغسون ونيتشه وباتاي، وفي ممارسات الزن والتصوف التي تسعى إلى البقاء واعية بالعملية الأبدية والحتمية التي يُساء فيها في نهاية المطاف فهم الصوفي الفرد أو العبقري، فتُشيَّأ كلماته وتُحوَّل إلى نظام من العقيدة والأخلاق يُفوّت وظيفة هذه الكلمات بوصفها ترجمة واحتواء واستقرارًا شبه مؤقت. وفي التوتر بين هذا النظام وتلك الفوضى تتكون الحضارة الإنسانية، والذوات الفردية، وعلاقات الجماعات، والذوات المتعددة، على نحو من الظهور والخلق والتحول المستمر.
قد يكتشف فرويد التحليل النفسي ويؤسسه، لكن لا بد من الحفاظ عليه عبر إمداد متواصل من «العبقرية». ولا يمكن الأمر بهذه العبقرية؛ لكن إذا حضرت وجب أن تكون المؤسسة قادرة على احتمال الصدمة. وإذا غابت العبقرية، وهي قد تغيب فترة طويلة جدًا، فلا بد أن تكون للجماعة قواعد وبنية تحفظها. وهكذا يوجد محيط جاهز، كما قال نيتشه عن الأمة، لكي يؤدي وظيفته الصحيحة، أي أن ينتج عبقريًا. وبالمثل يمكن القول إن الفرد ينبغي أن يكون مستعدًا لإنتاج «ومضة عبقرية». (Bion 1970, p. 74)
إن «ومضة العبقرية» التي تنتج الذات السيادية أو اللحظة السيادية التي يصفها باتاي (1976) بوصفها عنصرًا أساسيًا في الخبرة الإنسانية، تنبثق في البيئة التحليلية عبر «الانتباه المعلّق بالتساوي» لدى المحلل، وهو ما يقارب المنهج الاختطافي عند المحقق والوسيط النفسي وعالم السيميائيات كما وصفه توماس سيبيوك (1981). وتتيح «لعبة التملي» للوقائع اللاواعية القائمة أمام أعيننا ولكن المستترة أن تكشف عن نفسها. وفي هذه العملية قد تكون أي نظرية مسبقة عائقًا. وكذلك تعوق عمليتا الاستنباط والاستقراء انبثاق مثل هذه البصائر والانكشافات. ويضيف بايون أن «الذاكرة والرغبة» تفسدان العملية التحليلية التي يكشف فيها عمل النفس عن نفسه من خلال احتواء المحلل غير المنشغل. وبالنسبة إلى بايون فإن فعل الإيمان هو هذا «الحضور» من أجل الآخر، وهو أقرب ما يمكن بلوغه من الموضوعية المطلقة بإزاء الذاتية الإنسانية.
كلما اشتغل المحلل النفسي بالذاكرة والرغبة ازدادت قدرته على إيوائهما، واقترب بذلك من تقويض قدرته على F [فعل الإيمان]. فلنتأمل: إذا كان ذهنه مشغولًا بما قيل أو لم يُقل، أو بما يرجوه أو لا يرجوه، فهذا يعني أنه لا يستطيع أن يتيح للتجربة أن تفرض نفسها، ولا سيما ذلك الجانب منها الذي هو أكثر من مجرد صوت المريض أو منظر هيئاته. (Bion 1970, p. 41)
ويذكّر منهج بايون التحليلي بالمنهج العلمي الروحي عند شتاينر (1920)، ومنهج الحدس عند برغسون (1896)، والمنهج البراغماتي عند جيمس (1890) وبيرس (1903). غير أن هذا المنهج لا يُستخدم هنا بوصفه مسبارًا وحاويًا مترجمًا للمعرفة في الصلة بين الذات والعالم، بل يُستخدم للمحافظة على الصلة بين ذاتين، المحلل والمحلَّل، رجاء الكشف عما يعمل عند المحلَّل عبر كونه النفسي. فالرباط الذي يثبته فعل الإيمان، أي F عند بايون، داخل العلاقة التحليلية ينتج انكشافاته الخاصة متحررًا من التأويلات أو الإنشاءات الصريحة التي يحددها سلفًا جهاز المحلل الذهني المتحيز بالنظرية أو بالذاكرة والرغبة. أما Grid بايون، الذي يرسم النفس في صيغة متعددة الأبعاد، فليس إلا أداة براغماتية لفهم تضاريس النفس المتقلبة. وينبغي في الممارسة التحليلية أن تُستوعب هذه الأداة ثم تنسحب إلى الخلفية، بحيث توفر قدرًا محدودًا من الاحتواء، أي شبكة أمان، من غير أن تتدخل في فورية فعل الإيمان التحليلي.
إن التأويل أو الإنشاء الذي ينتجه المحلل النفسي يعتمد على الصلة الحدسية بين المحلَّل والمحلل. ولأن هذه الصلة مهددة باستمرار بفعل الهجمات المتعمدة، وبفعل هشاشتها الجوهرية وإعيائها العادي، فهي تحتاج إلى الحماية والصون. وغاية Grid هي أن يقدّم أداة لتمرين الذهن. ويمكن استخدامه في عزلة نسبية عن الهجوم، ولا يسبب ضررًا ما دام لا يُسمح له بأن يتدخل في العلاقة بين المحلَّل والمحلل، كما يحدث حين تُبنى نظرية ما عن المريض ثم تُخزَّن وتُستخدم بوصفها شيئًا يمكن إطلاقه كالصاروخ في معركة. (Bion 1977, p. 26-27)
إن الفعل التحليلي النفسي يتيح للنفس أن تتكلم. فما يظل مجهولًا أو لاواعيًا يكون كذلك نتيجة طرائق في الرؤية، أي نتيجة أشكال من الذاتية محكومة بتنظيمها الإدراكي للكون الفيزيائي والاجتماعي الرمزي. ولا فائدة تُرجى من «فهم» الأعراض أو «شرحها» بمعزل عن الممارسة التي تبسط أمام الذات كيفية اشتغال حيزها النفسي أو الذهني؛ وهي ممارسة توضح للذات الوعي الموضوعي المتزايد بتجربتها، بما في ذلك حدود هذا الوعي الموضوعي في أفق الرغبة أو jouissance الذاتي، أي فعل الإيمان الذي ينظم الذاتيات الفردية والجماعية واللحظية التي يقوم عليها كل فكر ومعرفة ووعي.
4. التناظر والانبساط – إغناسيو ماتيه-بلانكو
بحسب إغناسيو ماتيه-بلانكو، لم نفهم قط الانفعال وصلته بالإدراك. فالانفعال يفكر، والفكر يشعر. وانطلاقًا من فرويد وكلاين وبايون، يتجه ماتيه-بلانكو إلى نظريات معقدة في المنطق والرياضيات في محاولة للإمساك بكيفية اشتغال النفس البشرية. فكل ما يندرج تحت اسم الفكر أو المنطق ليس إلا نوعًا واحدًا من المنطق، أي خريطة واحدة للوجود. ومع أنه نوع أساسي، فإنه ليس حتى الغالب في الخبرة الإنسانية. أما التفكير المنطقي الذي ورثناه من أرسطو فهو ما يسميه ماتيه-بلانكو التفكير logico-bivalent، أي العملية المعرفية التي تتيح لنا التفريد والفصل. لكننا نفكر على نحو مغاير عبر مستوى «لاواعي» أو «انفعالي»، ويمكن فهم هذا التفكير بالإحالة إلى منطقيات مختلفة.
إن الانفعال، من حيث هو انفعال، لا يعرف الأفراد، بل يعرف الأصناف أو الدوال القضوية وحدها؛ ولذلك فإنه حين يواجه فردًا يميل إلى تعريف هذا الفرد بالصنف الذي ينتمي إليه، أو بالدالة القضوية المنطبقة عليه.
وما إن نصل إلى هذه الصياغة البسيطة حتى تبدأ أسرار الانفعال في أن تصبح قابلة للفهم، ويمكن أن تُرى على نحو واضح. فإذا انطلقنا من سؤال عام جدًا، هو: إذا كان النشاط القضوي جانبًا مكوّنًا للانفعال، فإننا نتحرر فورًا من ذلك الالتباس الهائل الذي يشيع في الأدبيات النفسية، بما فيها الأدبيات التحليلية النفسية، حول طبيعة العلاقة القائمة بين التفكير والانفعال. فالجميع يسلّم بالأثر الضخم للانفعالات في التفكير، لكن لا أحد، فيما أعلم، استطاع أن يقدّم وصفًا مفهومًا لكيفية إقامة الصلة بين شيئين نُظر إليهما على أنهما مختلفان تمام الاختلاف. أما إذا كان أحد جوانب الانفعال شكلًا من أشكال التفكير، صار من الأيسر فهم إمكان قيام صلات حميمة بينه وبين الأشكال الأخرى من التفكير. (Matte-Blanco 1975, p. 244)
ويشارك منطق الانفعال في عمليات من قبيل التناظر، واللامنتهية، والتعميم، والتعظيم، والإشعاع، وهي عمليات بدأ فرويد نفسه في إيضاحها عبر تفسير الأحلام. فالمنطق التناظري في النفس البشرية لا يصنع التمييزات التي يصنعها التفكير logico-bivalent، بل ينهار بهذه التمييزات أو الفروق داخل مجموعات قائمة على سمات عامة. ففيما يسمى النقل، يمكن رد الأثر أو الشحنة النفسية التي تتطور عند الذات تجاه آخر ما إلى سمات محددة يشترك فيها هذا الآخر مع موضوع سبق استثماره انفعاليًا، كالأم أو حبيب سابق مثلًا. ومن ثم تُهمَل كثرة الفروق، ويُسوّى بين موضوعي الرغبة أو يُناظَر بينهما من غير اعتبار للاختلاف. وهذا مغالطة منطقية كلاسيكية، غير أن العقل الانفعالي اللاواعي في النفس البشرية لا يعمل وفق منطق logico-bivalent. فالنفس البشرية ثنائية المنطق؛ إنها تعمل عبر التناظر واللاتناظر. واللاتناظر هو ما يصنع الفروق، وهو هذا التمايز الأولي الذي يحقّق الأحداث من الكلية الافتراضية للممكن عبر تنظيمات الفوضى في إدراكنا، وبذلك يخلق خبرتنا بقدر من الثبات. أما التناظر فيدفعنا إلى انهيار التمييز والاختلاف نحو إعادة تشكيل فوضوية لهذه الفروق، بحيث لا تصبح راكدة أو عقيمة بل تظل في تحول دائم. غير أن التناظر قد يقود أيضًا إلى مسالك خطرة من اللاتمايز نجدها في الخبرة الصوفية والفصامية. كما أن «الانهيار» الذهاني أو السقوط في هذه المنطقة، الذي قد يفضي إلى اختراق، قد يتوقف بدوره أو يعلق في الاضطراب، كما يصف بريبرام (1991) حال الأنظمة التي تواجه تغيرًا كارثيًا.
ومن هذا المنظور، يتمثل فعل المعالجة التحليلية النفسية في تجريد الأشخاص والأشياء والظروف من معناها الرمزي، وهو المعنى الذي يفضي إلى الخلط بين الفرد والصنف كله، ثم تحويلها، بالنسبة إلى التفكير الواعي، إلى ما ينبغي أن تكونه حقًا، أي إلى كيانات محددة الحدود لا تتداخل فيها هالة الصنف مع معناها الملموس فتجعلها تبدو أكثر مما هي عليه في الواقع. وباختصار، إنه فعل نزع، أو سحب، للمجموعة اللامتناهية التي يستضيفها الشيء الملموس منه؛ أي عملية تفريغ. (Matte-Blanco 1975, p. 185)
ومع أن التمايز والتمييز هما ما ينقذنا من الذهان، فإن القانون الرمزي المنحدر من أعلى، وتماهي الذات مع أنا المحلل، ليسا الطريقين الوحيدين للخروج من اللاتمايز الأولي. فممارسات التحليل النفسي والتصوف والوعي قد تعيد إلى الذات قدرتها السيادية والأوتوبويتية على تنظيم نفسها بوصفها نظامًا معقدًا بين النظام والفوضى. وتمارس «الهتيرولوجيا» عند باتاي (1986)، وdifferance عند دريدا (1967, 1973)، و«التحليل الشيزوني» و«فوضى-التنظيم» عند ديلوز وغتاري (1972,1980, 1992) البراغماتية نفسها. وعلى نحو مشابه، يذهب ماتيه-بلانكو إلى أن ممارسة التحليل لا تنطوي على رفع الكبت أو تقوية الذات، بل على «انبساط» الوظيفة المترجمة التي تعمل ثنائيًا منطقيًا في الذاتية البشرية.
إن النظر في الوظيفة المترجمة يفضي إلى إدراك أن كثيرًا من العمل التحليلي المعاصر، وربما معظمه، يتناول هذه الوظيفة أكثر مما يتناول رفع الكبت. وبعبارة أخرى، يبدو أن «الصيرورة إلى الوعي» تتحقق في كثير من الأحيان بمعونة الوظيفة المترجمة أكثر مما تتحقق عبر رفع الكبت. ولا مفر من ذلك، لأن المكبوت ليس إلا جزءًا صغيرًا من اللاوعي، الذي هو مجموعة من المجموعات اللامتناهية. وفي الممارسة الفعلية نضطر كثيرًا إلى العمل، في الوقت نفسه، على رفع الكبت والترجمة. (Matte-Blanco 1975, p. 302)
وتحدث الترجمة في الذات عبر التنظيم المستمر للمادة. فالذات البشرية تنظّم وتمايز، على مستوى معقد من العقل والجسد، عبر ما نسميه الانفعال والإدراك والوعي. والعلامات، والرموز، والكلمات، والمعاني، والمعتقدات، أي الرمزي والنوئي، هي الأدوات اللاتناظرية لوظيفة الترجمة-الانبساط. غير أن انفعالنا اللاواعي لا نهائي في إعادة صوغ الوجود والصيرورة.
إذا كان الانفعال مجموعة لانهائية، فإن الوظيفة المترجمة هي، بالقوة، وظيفة لانهائية بالضرورة. وفي الواقع لا يتحقق منها إلا جزء صغير. لكن إمكانات اللاوعي لانهائية فعلًا. وكذلك الإمكانات النظرية للفن. ولنلاحظ مرة أخرى أن وصفنا الانفعال بأنه مجموعة لانهائية هو وصف لاتناظري لشيء غريب في ذاته عن اللاتناظر؛ إنه عملية ترجمة. (Matte-Blanco, 1975 p. 300)
ويستخدم ماتيه-بلانكو الميتافيزيقا لفهم النفس على مستوى سريري عملي، كما يستخدم الخبرة العملية مع النفس لصوغ فهم للوجود. فالطبيعة ثنائية المنطق للذاتية البشرية، المنخرطة بلا نهاية في ترجمة-انبساط «الواقع المتجانس غير القابل للانقسام» عبر توليد غيري يجمع بين اللاتناظر والتناظر، لا تستطيع إلا أن تفكر في هذه الكلية غير المتمايزة أو حولها. وهذا، كما يقول ماتيه-بلانكو، هو وجودنا «ثنائي النمط». إننا نحاول أن نفكر الوجود، لكننا مقيدون بذاتيتنا القاسمة ثنائية المنطق. وإذا نسينا لحظة الحدود الذاتية لمحاولاتنا الموضوعية في التفكير في الكلية والوجود، فقدنا كل موضوعية على الفور. ولا نستطيع أن نبدأ الإشارة إلى الواقعي، وأن نفكر ونشعر ونعيش الذاتية الفريدة والسيادية التي تخصنا، إلا إذا أدركنا حالتنا الثنائية النمط وحدودها.
كذلك فإن ما هو منقسم لا وجود له بالنسبة إلى ما هو غير منقسم، أي بالنسبة إلى الواقع المتجانس غير القابل للانقسام. وبالعكس، فإن الواقع غير المنقسم لا يُدرَك بالتفكير، ولا يمكن التفكير فيه. والوظيفة المترجمة شكل من أشكال التفكير، لكنها مع ذلك ليست تفكيرًا في الواقع المتجانس غير القابل للانقسام، بل محاولة للتفكير في ما هو «خارج» هذا الواقع، وهي لا تنجح إلا في ذلك. ولو أننا نظرنا من دون تفكير، وهو عبث logico-bivalent أو «قسمي»، أي لو نظرنا من «وجهة نظر» الواقع المتجانس غير القابل للانقسام، لوجب علينا أن نستنتج أن الوظيفة المترجمة، التي يمكن من وجهة نظر التفكير أن تُعَد بالفعل تفكيرًا، وأحيانًا تفكيرًا ممتازًا، ليست تفكيرًا جيدًا أو صحيحًا إذا ادعت أنها تنقل الواقع المتجانس. فمن جهة هذا الادعاء أو القصد، تكون فشلًا كاملًا، وثرثرة مثيرة للشفقة. (Matte-Blanco 1981, p. 525)
ولا نستطيع أن نفكر الفوضى أو الوجود أو الكلية، كما لا نستطيع أن نعرف الواقع المتجانس غير القابل للانقسام. لكن يمكن أن نجد أنفسنا منغمسين في هذه الفوضى عبر «أكروستيكات» الذهن التي نسميها، في جهلنا logico-bivalent، خبرة نفسية وذهانية. فالأوهام حقيقية، بقدر ما تكون الفروق اللاتناظرية التي نحيا وفقها حقيقية. وما يحول الخبرة الصوفية أو النفسية أو الذهانية إلى انهيار هو العجز عن الإفلات من هذا الاعتقاد، أي العجز عن رؤية أن الواقع المتمايز الذي نبنيه هو أيضًا حقيقي، وأنه يقف في مواجهة الفوضى التي تجعل كل الأشكال المنظمة السيادية تنصهر بعضها في بعض داخل تواصل مفرط يجرف معه كل المغايرة والاختلاف.
وجميع أكروستيكات الذهن مثيرة للقلق، لأنها تميل إلى استدعاء إحساس الغريب المألوف. ويمكن أن نأخذ مثالًا متطرفًا هو الوهم الاضطهادي الذي يساور بعض المرضى حين يظنون أن الناس يلمحون إليهم في الراديو أو الصحف. ومن وجهة نظر logico-bivalent هذا خطأ، لكنه ليس كذلك من وجهة نظر ثنائية النمط، لأن أي أكروستيك ثنائي النمط، أي كل فكر وكل قول في العالم، يحيل إلى أي واحد منا بوصفنا أفرادًا ما دمنا نحن الواقع المتجانس غير القابل للانقسام. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن للوهم دائمًا جانبًا من الحقيقة. وما يجعله وهمًا هو أن «المزيج» بين النمطين الذي يعبّر عنه لا يحترم احترامًا كاملًا النمط التغايري. (Matte-Blanco 1981, p. 527)
وبالنسبة إلى ماتيه-بلانكو، فإن الإمساك بهذه الحركة الجوهرية للوجود والصيرورة في الكون ثنائي النمط للذاتية البشرية هو، في الوقت نفسه، نتيجة الممارسة التحليلية النفسية وغايتها؛ وهي ممارسة تكشف الوجود عبر ممارسة الصيرورة التي نحن إياها. إن مقاربته الأخلاقية-الجمالية تشبه مقاربة نيتشه وشتاينر وبرغسون ووايتهد، الذين سعوا إلى كشف الحدود الذاتية للإنسان في لعب الكون بأكبر قدر ممكن من الموضوعية، لكي يحتفلوا على نحو أكمل بإمكانات الصيرورة هذه، ويقبضوا على السيادة غير القابلة للاختزال وغير القابلة للمقارنة التي تؤلف الحدث والعملية والتلاحم الذي لنا. أما بالنسبة إلى الفرد، فإن إدراك طبيعته بوصفه، في آن، «إلهًا» و«لا شيء» عبر قطبي الذات والموضوع المتزامنين والمتعاقبين، وهي خريطة يرسمها ديلوز (1983) وغتاري (1992) على نحو قريب من خريطة ماتيه-بلانكو، فهو أعلى إنجاز في أي علاقة بينذاتية مع الآخر الذي هو، في الوقت نفسه، «أنا» و«ليس أنا». وعلى ممارسة التحليل، الفردية والجماعية والمؤسسية وغيرها، أن تسعى إلى بلوغ هذا الفن والعلم للحياة المعاشة في أقصى مداها بين تعدد الذاتيات المنبسطة من اللانهائي.
إذا كان المرء أصيلًا وخلاقًا، فإنه يشعر، على نحو تناظري، بأنه إله. فإذا اكتشف، أو حين يكتشف، خلاقية-ألوهية الآخر، شعر بالفناء. عندئذ يحاول قتل الإله. فإذا لم يمت ذلك الإله، فلا بديل من قبول وجوده. وهنا يولد شكل من التعددية الدينية في أعماق الأحشاء. والنضج يعني قبول المرء أنه إله، وفي الوقت نفسه نقطة، أي صغير إلى حد انعدام الأبعاد، وأن الآخرين أيضًا آلهة ونقاط. وهذا إنجاز شديد الصعوبة؛ فمعظم الناس يبقون عند مستوى تأليه الذات وفناء الآخر. والنضج يتضمن، ويعبّر ضمنًا، عن القصة الطويلة المفصلة لتأليه الذات، وقتل الإله، وفناء الآخر، ثم تأليه الذات، ثم ولادة إلهين، أو أكثر. (Matte-Blanco 1981, p. 527-528)
5. الموضوع الجمالي – دونالد ميلتزر
إن المقاربة الجمالية للجهاز النفسي لا تستبعد بالضرورة فهمًا كاملًا لتفاعله مع الجهاز العصبي-الفيزيولوجي وتجليه من خلاله. فقد سعى كل من فرويد وماتيه-بلانكو إلى رسم خرائط العمليات المعقدة للنفس، وهي نفس تشتمل على منطقيات تخصها. ثم وسّع كلاين وبايون نطاق مراحل النمو البيولوجية بإدراكهما التطور المتواصل للعقل الذي ينظم نفسه في طبقات أو «حقول» متعايشة ومعقدة من الخبرة. وينطلق دونالد ميلتزر من هذا الفهم الموسع للنفس الحيوية-الاجتماعية لكي يبلور ميتاسيكولوجيا يكون الجمالي فيها على المحك. فعند ميلتزر، كما عند بايون، تسبق الأفكار التفكير؛ بل إن الأفكار هي التي تخلق التفكير. غير أن هذه الأفكار ليست سوى قوى ودوافع وإحساسات، وفوق ذلك كله لغز محاولة الفهم، أي محاولة الترجمة والتفكير في هذه القوى. فالدوافع الحيوية-الطاقية متشابكة مع المعنى والاعتقاد والفكر في بناء الذاتيات البشرية. ولا يوجد خط فاصل محدد بين الانفعال والإدراك؛ بل توجد هذه العملية اللامنتهية من الهضم.
ويبدو أن التوجه «الحقلّي»، الذي يقبل مستويات متعددة من الاشتغال المتزامن والمتكامل بدرجات متفاوتة، يتيح سؤال «كيف؟» لا سؤال «متى؟» فقط، أي: كيف يُستدعى المستوى الذهني إلى العمل لكي يفرض نفسه على ما هو عصبي-فيزيولوجي صرف؟ ويبدو أن مقاربة بايون لهذه المشكلة، بافتراضها أن العملية الأولى هي خلق الأفكار التي تتطلب بعد ذلك جهازًا للتفكير فيها، أي للتعامل معها واستخدامها، تمثل القطيعة الحاسمة مع الإيحاء التقليدي بأن التفكير سابق بوصفه وظيفة وأنه هو الذي يولد الأفكار. (Meltzer 1986, p. 206)
ويصف ميلتزر رحلة الرضيع الإنساني بوصفها لقاءً ممتدًا مع الموضوع الجمالي، وهو موضوع قد يبدأ بالأم، لكنه يشمل سلسلة لا تنتهي من الموضوعات والآخرين. ولسنا هنا بعيدين من مفهوم لاكان (1966) للموضوع (a)، أو الآخر، الذي يشكل الأساس الأولي لرغبتنا أو jouissance الخاصة بنا. بل ما الأساس الجمالي للذاتية البشرية كما يصفه ميلتزر، وكذلك بيرس (1935-66) وسيبيوك (1981)، إن لم يكن هذا jouissance نفسه؟ غير أن الصفات الحسية الخارجية المباشرة للموضوع، وإن كانت تمنح الذات خبرة آمنة وسارة، فإن صفاته الداخلية تقدم لها، في الوقت نفسه، لغزًا من عدم اليقين: «ماذا يريد الآخر مني؟» بحسب عبارة لاكان.
وكان المجال الإشكالي الذي استُدعيت إليه مفتاح تكوّن الرمز لكي يفتحه هو لغز الداخل والخارج في الموضوع الجمالي. فقوة هذا الموضوع على استثارة الانفعال لا تعادلها إلا قدرته على توليد القلق والشك وانعدام الثقة. وإذا كانت الصفات الحسية للموضوع الجمالي يمكن إدراكها بدرجة من الثقة، فإن صفاته الداخلية، بما هي تحت-حسية أو فوق-حسية، لا تحمل مثل هذا العزاء. (Meltzer 1986, p. 207)
إن تكوّن الرمز، أو الوظيفة المترجمة، التي تُبسط بها الأفكار، بما هي قوى وألغاز، بواسطة جهاز للتفكير، يحاول أن يحل التباس هذه الخبرة اللذيذة والمخيفة، أو الجيدة والسيئة. غير أن لغز عدم اليقين نفسه، الذي يسبب الخوف والشك والقلق، أليس هو أيضًا ما يجعل اللذة الحسية أكثر من مجرد لذة؟ وما يسميه لاكان jouissance هو ما يميز هذه الخبرة الواقعة وراء الألم واللذة، والتي تشكل الأساس الفريد للذاتية البشرية. وكذلك يذهب باتاي (1954, 1961, 1986) إلى أننا لا نستطيع أن نبرأ أو أن نقبض على جوهر الإنساني فينا إلا إذا ارتقينا إلى مستوى هذا الالتباس والازدواج. فمشروع باتاي في العثور على ممارسة لـ«تحويل الكرب إلى نشوة» هو استجابة براغماتية لفشلنا في حل الخبرة الفصامية للانشطار الأولي في الطور الاكتئابي من النفس. وكانت الطقوس والتمثيلات القديمة للمأساة تعمل على تمكين النفس الفردية والجماعية من تعلم احتمال ألم الالتباس فيما يخص الحب والكراهية، والحضور والغياب. ووفقًا لميلتزر، فإن الوقوف بإزاء التباس الموضوع الجمالي وتناوب حضوره وغيابه هو الموضع الذي تولد فيه الثقة من القدرة على قبول هذا الالتباس وهذا اللادوام.
وفي هذا السياق، إذًا، يصير غياب الموضوع هو ما يحدث أثره الحاسم ويختبر المتانة. وقد عرّف بايون مشكلة الموضوع الغائب بأنها «الموضوع الغائب بوصفه مضطهدًا حاضرًا» فيما يخص «الحيز الذي كان الموضوع يشغله»…
… وعندئذ تكون الثقة صفة مركبة من صفات العقل، مثلما تمثل الأقدام-الأرطال تعريفًا للعمل: ساعات-أمل، أو دقائق، أو أيام، أو سنوات. (Meltzer 1986, p. 207)
إن خبرة الثقة هذه، التي يُحافَظ فيها على الأمل أثناء غياب الموضوع الجمالي عبر الامتداد إلى الخلف نحو ذاكرة حضوره، تعيد بناء تنظيم الزمان-المكان في الذات، وتحول الرغبة المباشرة إلى إيمان. كما أن خبرة الإيمان والثقة والأمل تمد النفس البشرية إلى ما وراء الإدراك المباشر والوعي الحدثي المحدود من غير حاجة إلى اللغة أو الرمزي، على نحو يشبه إعادة التصنيف العصبي للوعي الأعلى كما يصفه علماء الأعصاب (Edelman 1992, Damasio 1994). غير أن بلورة ميلتزر للثقة لا تحتاج، في رسمها للعالم البينذاتي للنفس البشرية، إلى أي إحالة على البيولوجيا. فعلى الرغم من الأسس البيولوجية والفيزيائية للخبرة الإنسانية، فإن مجال تشكل الذاتيات هو المجال الروحي أو الجمالي للرغبة والحب والعاطفة.
ومن خلال تعريف المشكلة الأساسية للعلاقات الجمالية على هذا النحو، ومن خلال تأكيد العلاقة الجمالية بالعالم باعتبارها المنبه الأول للفكر، نكون قد تبنينا موقفًا ينسجم مع نظرية حقلية، وهو في الوقت نفسه موقف ذو طابع جيني من حيث الأصل. وما يفعله هذا الموقف، وهو ما لا يفعله التمييز بين الوضعين البارانويدي-الفصامي والاكتئابي حين يظلان متمسكين بأساس غريزتي الحياة والموت، هو أنه يتيح مقاربة ذهنية خالصة للقيم غير مثقلة بالتخمين البيولوجي. ومن ثم فإن مسألة الألم النفسي واحتماله لا تفقد شيئًا من حيويتها السريرية بوصفها معيارًا لقوة الأنا، لكن عاملًا جديدًا يدخل في دينامية الصراع. فالثقة، إذا تكلمنا تخطيطيًا بلغة وحدات زمن-الأمل، تبدو ذات جذور نوعية في غنى الخبرة الجمالية التي يكون الانفصال لاحقتها. وهذا الغنى يوجد بلا ريب في عنصر التبادل المتكافئ في إدراك الجمال. إذ لا بد أن تحمل الأم طفلها بوصفه موضوعًا جماليًا حتى يتردد صدى خبرة صنعهما الحب معًا، ويتصاعد في شدته. (Meltzer 1986, p. 207-208)
وبالنسبة إلى ميلتزر، فإن تردد صدى الحب بين الرضيع والأم، أو بين الذات والآخر، يعتمد على «إدراك متبادل للجمال» يُختبر فيه كل واحد منهما بوصفه موضوعًا جماليًا بالنسبة إلى الآخر. ولا يكفي أن توفر الأم بيئة حاوية أو ممسكة. فلا بد من الرغبة والحب والإيمان حتى يطوّر الرضيع العملية نفسها. غير أن هذا البينذاتية بالغ التعقيد، لأن خبرة الرغبة أو الحب من غير إيمان، إذا ظلت ثنائية وتابعة، قد تقود إلى ذاتيات تتسم بـ«رغبة محاكاتية» عالقة في مرآة الأوهام والتخيلات وانعدام الأمن، وهي بدورها تقود إلى التشكيلات الجماعية والاجتماعية والمؤسسية للبيروقراطية والقمع وعلاقات السيد والعبد التي وصفها رينيه جيرار (1978) وإيمانويل ليفيناس (1961) بوصفها مكوّنة لمعظم الحضارات. ولن تُدخِل الأم، إذا كانت خائفة أو معتمدة، إلا هذا الخوف وهذا الاعتماد في خبرة الرضيع الذاتية. كما أن فرط الرغبة والحب بين الأم والرضيع لا يتيح نشوء الإيمان عبر الثقة. أما إيمان الثقة، على النقيض، فيمكّن الذات من الدخول في البناء السيميائي وتكوّن الرمز، وهو ما يتيح لها أن تتواصل عبر الزمان والمكان مع ذاتيات أخرى في داخلها وفي محيطها الخارجي. ومن دون هذه البينذاتية المتطورة عبر الثقة، تنقلب الخبرة الذاتية، بدرجات مختلفة، إلى الداخل، في عالم من التخيلات المعزولة المسقطة على الآخر، مولدة طيفًا من الذاتيات يمتد من التوحد إلى النرجسية.
إن مثل هذا الأساس، الذي يتيح لنا أن نتصور «كيف» تُستدعى إلى العمل القدرة على الفكر الرمزي، وهي ثمرة «وظيفة ألفا» الغامضة، يحررنا إلى حد بعيد من أي انشغال كبير بسؤال «متى» يحدث ذلك. سواء وقع قبل الولادة أو بعدها، فلا بد أن يقع، وإذا كان هذا التعالق في التبادلية هو مكوّنه الجوهري، فإن ابتداءه قد يختلف اختلافًا واسعًا من حيث الزمن. لكن علينا، للأسف، أن نعترف بأنه قد لا يقع أصلًا، كما في الأطفال الذين لا يبدو أنهم ينجزون التكيف ما بعد الولادة، أو الذين لا يكون جهازهم العصبي-الفيزيولوجي بالغ التعقيد بالقدر الكافي لبلوغ المستوى الجمالي من الاستجابة. فالمصاب بالتوحد وغير المتطور قد يذوقانه ثم يتمردا على سلطته.
غير أن الأهم بالنسبة إلى الممارسة السريرية هو النتيجة الملازمة لهذا كله: وهي أن العمليات الدفاعية التي صُمم التحليل النفسي خصوصًا لتتبعها يمكن، في معظمها، وربما كلها، أن تُرى بوصفها حركات ضد أثر الموضوع الجمالي… (Meltzer 1986, p. 208)
فإذا كان أثر الموضوع الجمالي أعظم من أن يُحتمل، أي إذا كان اللقاء صادمًا إلى درجة يتعذر معها استيعابه، فقد تضطر الذات إلى الارتداد إلى أمان المألوف. وخريطة ميلتزر لهذا اللقاء تتجاوز المراحل أو الأطوار، وتؤسس للخبرة الإنسانية الفردية والجماعية في كل الأوقات. وعندئذ تصبح العملية التحليلية، مثل الأسرة أو المدرسة أو علاقة الحب، بيئة لخوض هذا اللقاء، حيث تُرفع العمليات الدفاعية ضد القلق تمهيدًا لمواجهة أعماق الكرب الكامن في الموت والفقدان واللايقين، وهي الأعماق التي تقع في صميم الخبرة الإنسانية. ومن ثم لا يكون مركز اللقاء التحليلي هو سيميائيات المعنى واللغة، بل العلاقة نفسها التي تسبق الرمزي وتكوّن أسس الانفعال والإدراك والوعي.
ولا ريب أن أول تحول وأهمه هو خفوت التشديد على «صواب» التأويل، وربما خفوت الإلحاح على التأويل أصلًا. فبدلًا من ذلك يتحرك التركيز إلى الأمام، إذا صح التعبير، نحو التفاعل نفسه، أي نحو العلاقة التي تخرج منها الأفكار التأويلية. ويمنح نموذج الحاوي-المحتوى قيمة جديدة للتقبل والإمساك بالوضع الدينامي للنقل-النقل المضاد في الذهن. (Meltzer 1986, p. 208)
إن اللقاء بالموضوع الجمالي هو لقاء بما هو آخر بجميع أشكاله، أي لقاء بالرغبة. ويمكن للمرء أن ينكفئ إلى عالمه الخاص، ويمكنه أن يواجه لغز الاختلاف. ويمكنه أن يحارب القلق بأعراض «عصابية» جامدة، ويمكنه أن يتقدم بشجاعة إلى المجهول. ويرى لاكان أن الذنب والعصاب لا ينشآن من إعمال الرغبات، بل من عدم إعمالها، ومن ترك المصير يتحدد بأمر الآخر. وحين نصير واعين بالطريقة التي شُيدت بها ذاتيتنا، يمكننا أن نعود إلى اللقاء بالجمالي، وأن نعود إلى jouissance الخاص بنا، لكي ندرك الجمال خارج أمان الأشكال المألوفة.
6. الظواهر الانتقالية – دونالد وينيكوت
البارادوكس هو جوهر الذاتية الإنسانية - في الانقسام، وفي الازدواج، وفي الالتباس، وفي التناظر، وفي استخدام الموضوع. وفي المقاربة البراغماتية لدونالد وينيكوت يصبح مجال الخبرة الإنسانية البيئة الميسِّرة التي يقود فيها استخدام الموضوع إلى خلق الذات. إن رسم وينيكوت للدوائر داخل الدوائر يخطط بيئات الاحتواء المتراكبة التي يُحتوى فيها الرضيع بواسطة الأم، وتُحتوى الأم بواسطة الأسرة، وتُحتوى الأسرة بواسطة المجتمع، وهكذا دواليك. وهذه الخريطة توازي الهيرارشيات المتداخلة لمستويات التنظيم من الجزيء إلى الكائن الفرد إلى المجرة. إن المولود البشري أشد اعتمادًا وهشاشة من أي كائن من هذا القبيل، لكن فترة الاحتضان والتعلم الطويلة هي بالذات ما يمنحه هذه الدرجة من التعقيد. وخلال هذه العملية، لا ينبغي للاحتواء أن يكون قليلًا جدًا ولا كثيرًا جدًا. فمن دون الحد الأدنى من الاستقرار، يدفع كلُّ اقتحام الذاتَ إلى الداخل باحثةً عن الحماية. وإذا زاد الاحتواء اختنقت. أما الاحتواء الذي يشبه سترة نجاة - حاضرًا على الدوام لكنه غير متدخل - فيتيح للذات أن تتحرك إلى الخارج وأن تستكشف العالم الخارجي.
أود هنا أن أذكّر بأن السمة الجوهرية في مفهوم الأشياء والظواهر الانتقالية (وفقًا لعرضي للموضوع) هي البارادوكس، وقبول البارادوكس: فالطفل يخلق الموضوع، لكن الموضوع كان موجودًا في انتظار أن يُخلَق وأن يغدو موضوعًا مستثمَرًا ليبيديًا. (Winnicott 1971, p. 89)
بالنسبة إلى وينيكوت، فإن الرحلة منذ الولادة هي رحلة عبر ظواهر انتقالية يستبدل فيها الموضوع اعتماده على الرحم بسلسلة من الموضوعات الأكثر توسطًا، من الأم إلى لعبة التسلية إلى المجال الرمزي للغة والثقافة. ولهذا تكون النفس فردية واجتماعية في آن، ولهذا أيضًا لا يمكن فصل أعراض الذات الفردية عن الجماعة أو المجتمع بوصفه كلًا. وتحدث لعبة الظواهر الانتقالية في حقل بينذاتي للمعنى يحتضن النفس كما تتبدّى في ذوات فردية وجماعية ولحظية. وفي هذه العملية تتحول علاقات الموضوع الأولية، القائمة على الانقسام البدئي، في النهاية إلى استخدام فعلي للموضوع.
في هذا التسلسل يمكن القول إن البداية هي علاقة بالموضوع، وفي النهاية يكون هناك استخدام للموضوع؛ وبينهما يكمن أصعب شيء، ربما، في النمو الإنساني، أو أكثر إخفاقات الطفولة إزعاجًا مما يحتاج إلى ترميم. وهذا الشيء الكامن بين العلاقة والاستخدام هو أن يضع الموضوعُ الموضوعَ خارج مجال السيطرة المطلقة للذات؛ أي أن تدرك الذاتُ الموضوعَ بوصفه ظاهرة خارجية، لا بوصفه كيانًا إسقاطيًا، بل بوصفه كيانًا قائمًا بذاته حقًا. (Winnicott 1971, p. 89)
إن الاستخدام الفعلي للموضوع يمنح الذات القدرة على إتقان خلق العالم الخارجي وتحويله، وفهمه ضمن مجال العقل. وما يلزم لتحقيق ذلك هو العمل عبر قوى الرغبة والحب والكراهية في تدمير الموضوع وإعادة ولادته. وعلى نحو يشبه عملية الثقة عند ملتزر، يتيح تدمير الموضوع لدى وينيكوت للرضيع أن يعثر على حدود القوى المجهولة وغير المفكَّر فيها التي تمر فيه. إن الدافع إلى التملك، والسيطرة، وتدمير ما هو آخر أو خارجي يظل غامضًا وغير معالج ما لم تختبر الذاتُ الآخرَ الذي لا ينتقم، بل يحتضن هذه القوى ويحتويها، ويقبل أن يتعرض للهجوم ثم ينجو من هذه الدوافع. عند هذه النقطة، يقول وينيكوت، يُعترف بالآخر خارج مجال الذات، ومن هذا الاعتراف تبدأ قدرة الذات على التفكير على مستوى أكثر تعقيدًا.
هذا التغيّر (من العلاقة إلى الاستخدام) يعني أن الذات تدمر الموضوع. ومن هنا قد يعترض فيلسوفٌ جالسٌ في مقعده ويقول إنه لا وجود في الممارسة لما يسمى استخدام الموضوع: فإذا كان الموضوع خارجيًا، فإن الموضوع يُدمَّر بواسطة الذات. لكن إذا نهض الفيلسوف من مقعده وجلس على الأرض مع مريضه فسيجد أن هناك موضعًا وسيطًا. وبعبارة أخرى، سيجد أنه بعد «الذات ترتبط بالموضوع» يأتي «الذات تدمر الموضوع» (لأنه يغدو خارجيًا)؛ ثم قد يأتي «الموضوع ينجو من تدمير الذات له». لكن النجاة قد تقع وقد لا تقع. وهنا تظهر سمة جديدة في نظرية الارتباط بالموضوع. تقول الذات للموضوع: «لقد دمرتك»، والموضوع موجود ليتلقى الرسالة. ومن الآن فصاعدًا تقول الذات: «مرحبًا أيها الموضوع!» «لقد دمرتك» «أحبك» «لك قيمة عندي بسبب نجاتك من تدميري لك» «وأنا أحبك، أكون في الوقت نفسه أدمرك دائمًا في خيال (لاواعي)». وهنا يبدأ الخيال بالنسبة إلى الفرد. ويمكن للذات الآن أن تستخدم الموضوع الذي نجا. ومن المهم ملاحظة أن الأمر ليس فقط أن الذات تدمر الموضوع لأن الموضوع وُضع خارج مجال السيطرة المطلقة. بل من المهم بالقدر نفسه أن نقول الأمر بالعكس، أي إن تدمير الموضوع هو الذي يضع الموضوع خارج مجال السيطرة المطلقة للذات. وبذلك يكتسب الموضوع استقلاله وحياته الخاصة، وإن نجا فإنه يسهم في الذات وفق خصائصه هو. (Winnicott 1971, p. 90)
عند هذه النقطة تُدمَج إسقاطات علاقات الموضوع الشيزويدية واستبطاناتها في التنظيم الإدراكي للعالم الأكثر عقلية والأقل انفعالًا. ويغدو الإدراك/الخلق، إلى حد ما، أكثر «موضوعية» وأقل «ذاتية» في تفاعله مع العالم عبر الاعتراف البينذاتي بذوات أخرى. وإذا لم ينجُ الموضوع من قوى الرغبة والتدمير التي تطلقها الذات، انتشر في العلاقات شعور بالذنب واليأس وقمع الإبداع. أما التدمير المتكرر للموضوع وإحياؤه من جديد فيقويان، من جهة أخرى، ثقة العمليات المعرفية لـ«الذات» في العالم واستثماراتها الانفعالية من رغبة وحب.
إذا كانت هذه الأمور تحدث داخل تحليل نفسي، فإن المحلل، والتقنية التحليلية، والإطار التحليلي تدخل جميعها بوصفها ناجية من الهجمات التدميرية للمريض أو غير ناجية منها. وهذه الفاعلية التدميرية هي محاولة المريض لوضع المحلل خارج مجال السيطرة المطلقة، أي خارجه إلى العالم. ومن دون اختبار أقصى درجات التدمير (مع عدم حماية الموضوع) لا يضع المريض المحلل خارج المجال، ومن ثم لا يستطيع أن يفعل أكثر من نوع من التحليل الذاتي، مستخدمًا المحلل بوصفه إسقاطًا لجزء من الذات. (Winnicott 1971, p. 91)
إن العملية التحليلية تؤسس بيئة ميسِّرة يُعمَل فيها عبر هذه العملية الخاصة باستخدام الموضوع. فليس التركيز بقدر ما هو على الحقيقة الماضية أو الاستثمارات الليبيدية، بل على حقل الظواهر الانتقالية نفسه، الذي قد يوجد في أي مكان. وبالنسبة إلى فرويد كانت أساطير الأسرة الفردية قد حلّت محل فضاء ثقافي يحتضر من الطقس واللعب. وعلى نحو متزايد يُستدعى الوسط التحليلي أو العلاجي ليحل محل مجالات أخرى من اللعب الجماعي التي كانت توفر في السابق بيئات للظواهر الانتقالية. يرى وينيكوت المجال الثقافي محيطًا ومتشابكًا مع التحول الأسري والبينذاتي للنفس البشرية، لكننا نعيش الآن في عالم تنهار فيه الأشكال الاجتماعية على نحو متزايد، تاركةً بيئة اجتماعية شيزويدية فوضوية من قوى بلا أمن ولا استقرار ولا إيمان.
كثيرون يعانون نقصًا في الثقة يعيق قدرتهم على اللعب بسبب محدودية الفضاء المحتمل؛ وكذلك يعاني كثيرون فقرًا في اللعب والحياة الثقافية لأنه، رغم أن للشخص موضعًا للمعرفة، فإن هناك إخفاقًا نسبيًا من جانب أولئك الذين يشكلون عالم الطفل من الأشخاص في إدخال العناصر الثقافية في المراحل المناسبة من نمو شخصية الطفل. وبالطبع تنشأ القيود من النقص النسبي في المعرفة الثقافية أو حتى من غياب الألفة بالتراث الثقافي الذي قد يميّز من يتولون فعليًا رعاية الطفل. (Winnicott 1971, p. 109)
ينتقل وينيكوت بعيدًا عن العملية التحليلية التي تقود فيها التأويلات إلى وعي بتاريخ حياة المرء الخاص والتماهِي مع الأنا المثالية للمحلل، ويتجه نحو حقل الذوات المتعددة التي تُفكك وتُعاد بناؤها عبر اللعب بالطقوس والعلاقات والموضوعات والخلق السيميائي والرمزي. وفي هذا السيناريو لم يعد المحلل يجسد احتواء الأم أو قانون الأب، بل صار مرشدًا في حقل معقد من الإمكانات المنفتحة وإعادة التنظيم المستمرة للفوضى.
يعتمد الفضاء المحتمل بين الطفل والأم، وبين الطفل والأسرة، وبين الفرد والمجتمع أو العالم، على الخبرة التي تقود إلى الثقة. ويمكن النظر إليه بوصفه مقدسًا بالنسبة إلى الفرد، إذ فيه تختبر الذات العيش الخلاق.
وعلى النقيض، فإن استغلال هذه المنطقة يؤدي إلى حالة مرضية تُثقل فيها الذات بالعناصر الاضطهادية التي لا تملك وسيلة للتخلص منها.
ولعل مما يمكن أن يُرى من هذا مدى أهمية أن يعترف المحلل بوجود هذا الموضع، وهو الموضع الوحيد الذي يمكن أن يبدأ فيه اللعب، الموضع الكائن عند لحظة الاستمرار-التجاور، حيث تنشأ الظواهر الانتقالية. (Winnicott 1971, p. 103)
ومن دون أشكال مستقرة من الاحتواء في الأسرة أو الجماعة أو المجتمع أو حتى في الأساطير الثقافية الرمزية، تصبح الظواهر الانتقالية أشد اضطهادًا على نحو متزايد، فتنتج أعراضًا نفسية تظهر على المستوى الاجتماعي في صورة انفجارات غريبة من العنف والتدمير لا يلتفت إليها الناس إلا قليلًا - وباسمها يطالبون بمزيد من العقاب والاضطهاد والحبس. وعلى مستوى العلاقات الفردية والبينذاتية، يعمّ الشعور بالاكتئاب والارتباك وتبديد الواقع في عالم تتحول فيه الخيارات الكثيرة - والحداثة الكثيرة - في النهاية إلى انطواء على تجربة من الجمود، في غياب تفرد أي حدث معين أو عملية معينة أو لحظة ذاتية. وعندما تصبح كل الأشياء قابلة للقياس والمبادلة وفق مكافئ عام، تختفي سيادة الذات في اختزال الحياة إلى أشياء.
7. العقل المعالج للانفعالات – روبرت لانغس
سعى روبرت لانغس إلى توسيع نطاق الميتاسيكولوجيا والممارسة العلاجية النفسية بوضع النفس داخل الهرمية المتداخلة للأنظمة التكيفية المتفاعلة التي تتطور معًا عبر الكون. ومن خلال التركيز على نقطة التماس بين العقل والجسد في تفاعل البيولوجيا البشرية والنفس، يعيد لانغس رسم بنية العقل بوصفه نظامًا تكيفيًا يعمل في آن معًا على المستويين الواعي واللاواعي. وميتاسيكولوجيا لانغس هي، إلى حد بعيد، عودة إلى محاولة فرويد توحيد الفهم العلمي لطاقة الجسد والدماغ والعقل مع الفهم الجمالي لتفاعلها عبر القصة والأسطورة واللغة. فمن خلال القصص التي نرويها عن أنفسنا نكشف عمل النفس ثنائية المستوى ومحاولاتها معالجة الخبرة الانفعالية.
يحدث تكيف الإنسان على مستويين - أحدهما مع وجود وعي فعلي أو ممكن، والآخر من دون مثل هذا الاحتمال…
إن التواصل اللفظي البشري (وهو مظهر بالغ الأهمية في جهودنا لفهم تصميم العقل) ذو طبقتين - ولا سيما حين يُنقل في صيغة سردية. فالتواصل القصصي وسيلة لنقل رسالتين مزدوجتين، لأنه يجسد باستمرار مجموعتين من المعاني تعكسان مستويين متميزين من التكيف - الواعي واللاواعي. (Langs 1995, p. 13-14)
يعيد لانغس تمركز فهمنا للنفس حول تكيف الكائن الواعي - واللاواعي - وهو الكائن البشري. فكل شيء يبدأ بالتكيف مع البيئة المباشرة. وما ينفصل ويُخزَّن بوصفه بقايا اللاوعي ينمو جنبًا إلى جنب مع «الانتباه إلى الحياة» المباشر الجاري في إدراكنا/فعلنا في العالم، وهو يلبّي الحاجات والدوافع الأساسية. وما يسميه برغسون (1896) الروح أو الذاكرة هو هذا الجزء النفسي من وجودنا الذي ينفصل عن الإدراك/الفعل المباشر ويعمّق ملكاتنا الانفعالية والمعرفية - وهو المجال المسؤول عن الوعي الأعلى، والرغبة، والانكسارات الذهنية. ورغم نمو العمق المعرفي والانفعالي للعقل، يعتقد لانغس أن استجاباتنا تبقى مهيأة دائمًا للتعامل مع اللقاءات المباشرة، بما في ذلك الأحداث التي تستثير بقايا لاواعية وأحداثًا مرتبطة تناظرًا من تكوينات زمانية-مكانية أخرى.
إن البنية المتطورة لقدرات التكيف، الجسدية والذهنية، لدى جميع الكائنات الحية تتمحور حول جهود المواجهة التي تستجيب للمثيرات أو المحفزات المباشرة. وينطبق هذا التركيز على التعامل أولًا وقبل كل شيء مع المثيرات المعاصرة على التكيفات الذهنية البشرية، رغم القدرات العالية التطور لدى البشر على تذكّر الماضي واستشراف المستقبل، وعلى التعامل مع الصدمات الماضية فترات طويلة، والتنبؤ بالقضايا الانفعالية المستقبلية والاستجابة لها قبل وقوعها بوقت بعيد.
وعليه، فرغم أن القضايا التكيفية غير المحلولة، الماضية والمستقبلية، قد تستدعي استجابات واعية - وتحت شروط انتقائية، لاواعية - فإن التكيف مع البيئة الراهنة، والتفاعلات، والمثيرات الضاغطة يحتل الأولوية تكيفيًا. وأكثر الأشكال شيوعًا هو ذلك الذي تكون فيه الحالة الحاضرة هي السبب الأول للتكيف، بينما تنشّط الخبرات المرتبطة، الماضية والمستقبلية، استجابات مواجهة ثانوية، لأن الحالة الحاضرة تشبه، أو تستدعي على نحو ما، خبرات من أطر زمنية أخرى. (Langs 1995, p. 14-15)
إن الاستجابة لإعادة تشكيل فهمنا للعقل البشري هي تحويل العلاج أو التحليل من ممارسة عقيمة قائمة على مبادئ دوغمائية إلى براغماتية مفتوحة النهاية لها إمكانات متعددة تحت تصرفها. ولم يُفحَص إلا قليلًا ارتباط الاعتقاد بتحويل الواقع، سواء على مستوى الأعراض النفسية أو الجسدية. بل إن الممارسة التحليلية النفسية ظلت مدفونة تحت أيديولوجيات انتقلت مثل الأديان التي يُلقَّن أتباعها عقائدها. فهذه القوانين النظرية والعملية تسبق الحقيقة العملية لتعقيد النفس وعدم يقينها، وهما يتجاوزان كل الميتاسيكولوجيات والميتافيزيقا القائمة ويفلتان منهما، على نحو يشبه تمامًا تجاوز عمل الدماغ لأكثر الحواسيب تعقيدًا. ويرسم لانغس مواقع مجموعة من العلاجات المختلفة بالنسبة إلى النفس، ومحاولاتها التعامل إما مع بقايا اللاوعي العميقة في العقل أو مع المجال الواعي الأكثر مباشرة تكيفيًا.
وحتى الآن، كان يُنظر إلى مسألة نوع العلاج النفسي الذي يختاره المعالج بوصفها خيارًا فكريًا له بعض الأسس النفسدينامية الغامضة. وقد حُددت المسألة الأساسية على أنها: هل يقرر المرء متابعة مجال المعنى اللاواعي، كما في الأشكال الدينامية من التحليل النفسي والعلاج النفسي، أم يختار بدلًا من ذلك مقاربة أكثر معرفية، مثل إعادة التدريب، والتكييف، ونحو ذلك، كما في العلاجات المعرفية وعلاجات الجشطالت؟ (Langs 1995, p. 115)
بالنسبة إلى لانغس، من الضروري الشروع في المهمة شبه المستحيلة المتمثلة في إعادة بناء الذاتية ثنائية المستوى للعقل التكيفي. فقد يكون التكييف السلوكي قادرًا على تعديل الاستجابات النمطية اللاواعية، لكنه لا يفعل إلا استبدال مجموعة من البرامج بأخرى. أما العلاجات المعرفية فتهدف إلى زيادة التكيف الواعي، لكنها تتجاهل قوة المعالجة اللاواعية في الهيمنة على الخبرة الإنسانية. وحدها المعالجة التي تعمل مع النظام اللاواعي العميق، الذي يحدد قدرًا كبيرًا من عمل الإنسان، وتسعى إلى إحضار عمل هذا النظام نفسه إلى الوعي بالنسبة إلى كل فرد بعينه، هي التي تمنح الذات القدرة على إعادة بناء تجربتها الخاصة للعالم ضمن حدود الآلة الذهنية أو النفسية التي تعمل من خلالها.
تتكيف الحيوانات غريزيًا مع أي خطر مباشر من أجل البقاء. وقد جلب تطور العقل البشري إلى وعي معقد يتجاوز الزمان والمكان المباشرين معه الخبرات الانفعالية للخوف والقلق، وهما يطلقان استجابات لتجنب تلك الخبرة غير المريحة. إن الوعي بالموت بوصفه نهاية لتلاحم الذات لا يُدرك من دون الخوف المصاحب من المجهول والحزن على فقدان الذات، المستبطنة في عالمها الداخلي، والمُسقطة إلى الخارج في عالم الآخرين. ووفقًا لانغس تستجيب النفس لمثل هذا الخوف بالإنكار وبأشكال متعددة من الدفاع.
ترتبط قلاقل الإطار المؤمَّن ارتباطًا وثيقًا بقلق الموت - إذ تُختبر خصائص القلعة المحصَّنة في الإطار المؤمَّن بعمق بوصفها القلعة المحصَّنة للحياة نفسها، المحاطة بالموت والمغلَّفة به. ولم يطور العقل البشري إلا آلية أساسية واحدة للتعامل مع قلق الموت وتحمله - وهي استخدام الإنكار في صوره المتعددة. وأحد أشكال الإنكار يتمثل في تعديل الأطر بغرض إنكار الأسر داخل حياة تنتهي بالموت. وهذا يعني أن أذهان كلٍّ من المرضى والمعالجين - بحكم التصميم - عاجزة عن التعامل مع الموت وقلقاته المرتبطة عبر البصيرة؛ ولذلك تميل إلى حلول لا تكيفية، قائمة على الفعل، ومنحرفة عن الإطار، وهي حلول تكون في المدى الطويل مكلفة ومؤذية جدًا. (Langs 1995, p. 117)
على نحوٍ مفارق، لا يجد الموضوع البشري الأمان في السكون ولا في الحركة. ومن الواضح أن الإنسان يطلب الأمن والاستقرار في التكرار والمألوف، لكن لانغس يبيّن أن الشكل الأشد خفاءً من الإنكار يعمل عبر تعديل الأطر الآمنة، وهو ما كان سيجلب لو لم يُعدَّل مواجهة مباشرة غير متوسَّطة مع الموت، والغياب، والحضور نفسه. وبينما نتشبث بالأشكال والموضوعات والحقائق المستقرة بوصفها بطانيات أمان، ونخشى فوضى التغير والتصير التي تسلبها منا، فإننا نخشى أكثر المواجهة الواعية مع حدود تصيرنا ومع الاعتراف بوجودنا. إن عملية التحليل في صورها الفردية والجماعية والمؤسسية تستدعي عملية مزدوجة: أولًا تفكيك أشكال الذاتية الراكدة التي بُنيت لنا وفُرضت علينا من قبل الآخر، وثانيًا زيادة الوعي بأشكال الركود والتشتت الخاصة بنا، التي تتجنب مواجهة الواقع بما فيه من فوضى وعدم يقين وحدود الموت والفقدان واللاشيء.
وعلى خلاف ذلك، يشارك معظم المعالجين والمحللين في إعادة بناء أشكال قمعية من النظام عبر إعادة تنظيم الذاتيات بحسب أوامر وأخلاقيات مرسومة سلفًا، أو بشكل أكثر خفاءً من خلال تشجيع التماهي مع المحلل. ولأنهم يخشون الفوضى وقلق الإطار المؤمَّن الذي يستدعي الإحساس بالأسر، فإن المحللين أنفسهم قلما يكونون مؤهلين لمرافقة الذات إلى هذا الإقليم، بل يضاعفون المشتتات تحت عناوين نماذج شتى للشفاء الناجح.
في الواقع، إن المعنى اللاواعي العميق والإطارات المؤمَّنة هما وجهان لعملة واحدة - فاحتضان أحدهما يقترن باحتضان الآخر، تمامًا كما أن تجنب أحدهما يقترن بتجنب الآخر. وبالنظر إلى قلق الإطار المؤمَّن غير المحلول لديهم، فإن المعالجين يعزفون عن العمل داخل الأطر المؤمَّنة أو عن فكّ ترميز السرديات المحفَّزة بالإطار لدى مرضاهم، خشية أن يواجهوا توجيهات مشفَّرة قوية لإقامة الأطر المؤمَّنة أو الحفاظ عليها. (Langs 1995, p. 118)
إن توصية لانغس بأن يمر العلاج عبر تحليل الاستجابات التكيفية المحفَّزة عند الخطر المباشر لقلق الإطار المؤمَّن لا تنتظر أن يتحقق التراجع والاحتواء بوصفهما عودة إلى الطفولة، بل تجعل العنصر الجاري الدائم في حركتنا بين الاستقرار والتغير، والاختلاف والتكرار، والنظام والفوضى، واعيًا، في البحث عن اقتصاد عام (Bataille 1949, 1967, 1976) أو بيئة للعقل (Bateson 1972, Guattari 1992). إن التركيز على المحفزات السيميائية والسرديات الرمزية للذات، التي تكشف الأجندة النفسية اللاواعية الكامنة تحت النية المعلنة وعيًا، يوحّد برشاقة عناصر مهمة لدى فرويد ولاكان وبايون، مع تجريد العملية التحليلية من ادعاءاتها الطائفية.
ستعترف الأشكال الجديدة من العلاج النفسي اعترافًا كاملًا بالدور المركزي الذي تلعبه اقتحامات القاعدة الأساسية في الخبرة اللاواعية العميقة وفي الحياة الانفعالية لكل من المرضى والمعالجين. وسيصبح العلاج النفسي متمحورًا حول الإطار، وسيسلط الضوء على ضرورة توفير إطار للمريض مؤمَّن ما أمكن. وستكون تصحيحات انحرافات الإطار، استجابةً للسرديات المشتقة أو المشفرة لدى المريض، وفكّ ترميز جميع التبادلات المتعلقة بالإطار، من أكثر التدخلات شيوعًا التي يمارسها المعالج.
وسيعترف بأن هذا النوع من العمل هو جوهر الشفاء. فهو يوفر للمرضى (وللمعالجين) إعدادًا علاجيًا مثاليًا وخبرة خلفية مناسبة. كما يتيح العمل البصير على مسائل الإطار الأمامية كلما تفعّلت بواسطة أفعال أيٍّ من طرفي العلاج. وهو يتيح أيضًا للمعالج ربط الخبرة اللاواعية لدى المريض بتاريخ حياته وبعلم أمراضه النفسية. ويُعد الإطار المؤمَّن كذلك أفضل سياق لحل الأشكال المرضية من قلق الموت. (Langs 1995, p. 121)
إن المسعى الأولي لفرويد إلى دمج العقل والجسد عبر ميتاسيكولوجيا المادة والطاقة والدوافع، والأساطير الأخلاقية-الجمالية والرمزية-النوئية، قد تعزز في الممارسة بتحويل بايون للحيز الذهني عبر الاحتواء والأطر المؤمَّنة، وبمواجهة لاكان المتكررة مع الحقيقي وراء الانحرافات الرمزية والمتخيلة. ولانغس مشروع مماثل، لكنه يستخدم لغة الموضوعية والسايبرنيتيك على أمل منع عودة الأساطير التي تملأ شعرية العمليات حين تتحول إلى معتقدات. إن براغماتية تحليل الإطار وتحويل الأنظمة المقترنة بنيويًا تنقل فهم النفس وشفاءها من المجال الخاص بالعلاج الفردي إلى فضاءات جديدة من التشكيلات الاجتماعية والجماعية وعبر-الشخصية للذاتية البشرية.
8. السيميائيات النفسية – ألفرد سيلفر
ظل التحليل النفسي معنيًا دائمًا بسيميائيات التعبير في الخبرة الإنسانية. ويشكّل دمج ألفرد سيلفر للممارسة السيميائية عند تشارلز بيرس مع النظريات التحليلية النفسية لدى فرويد وكلاين وبايون نظريةً وممارسةً لـ«السيميائيات النفسية» للحيز الذهني ولتطور تشكيل الرمز عبر التعلم الانفعالي-المعرفي. إن فكرة بيرس عن firstness تستحضر النقطة الخالصة للواحدية غير القابلة للانقسام التي يختبرها الرضيع غير المتمايز في الرحم، وكذلك ذاتية العزلة التوحدية والسقوط في الفوضى الذهانية. أما secondness فتبدأ بالتشكل في الذاتية البشرية مع الانقسام الشيزويدي للموضوعات والقوى، ومع مرآوية الذات والآخر. لكن لا شيء سوى thirdness يتيح نشوء المسافة والوساطة، بما يسمح للذاتية البشرية بأن تحرر نفسها من الوعي الحادثي المباشر وأن تخطط وتفكر وتنظم على المستوى المعقد من تمثيل الزمان-المكان الذي يشكل أساس البراغماتية الخاصة بالبقاء، من الحياة اليومية إلى التكنولوجيا المتقدمة. وتحررنا thirdness أيضًا من أسر الانفعال في قوى الجذب/النفور التي تُمارس نفسها في مجال secondness أو الرغبة المحاكاتية المعاشة في الحب والكراهية والحرب وغيبة الجماعة و«سيكولوجيا الجماهير» عند فرويد. ويتيح تشكيل الرموز المجردة من المستوى الثالث المسافةَ التي تباعدنا عن الأسر المباشر، وهي ما يشكل الاعتقاد اللاواعي الجوهري في أي عرض - نفسي أو اجتماعي أو جسدي. وبواسطة الرمزي نكسب مسافة بالانتقال من «الانفعالي» إلى «الذهني» أو «المعرفي».
في الرؤية شبه السيميائية، يمكن ترجمة «تكوّن العرض» بوصفه تكوّنًا بروتوزمبوليًا ملموسًا، أي تماهيًا أحادي البعد: شبهَ تصوري ناتجًا عن خبرة ذات منظور ضيق جدًا. ويرتبط هذا بدوره بسيميائيات بدئية تكون فيها العلامة ضعيفة التطور إلى درجة لا تتميز فيها عن موضوعها البدئي الذي يحمل تصورات مسبقة بدائية؛ بل قد تكون حتى شَبَهًا لجزء غريب من موضوع بدئي (يُعاد عكسه بوصفه تماهيًا غريبًا) بدلًا من أن تكون قد تطورت عبر تشكيل رمزي ثلاثي الأبعاد بحق. وبعبارة أخرى، فإن «الحدس» عند برغسون، و«تكوّن العرض» عند فرويد، و«التماهي الإسقاطي» عند كلاين، كلها تشترك في البنية شبه السيميائية نفسها: مثلث ضيق يعمل بشكل دوراني ويُختبر ظاهراتيًا في secondness (على نحو أحادي البعد) بوصفه واقعيةً غلظة ملموسة - إشارة لا تُوصف، أو عرضًا مباشرًا، أو تماهِيًا ملتبسًا. (Silver 1981, p. 298-299)
يشبّه سيلفر secondness عند بيرس بـ«تكوّن العرض» الفرويدي و«التماهي الإسقاطي» الكلاييني بوصفه شكلًا من الوساطة البدئية التي قد لا تتطور بالكامل إلى تجريد اللغة السلس. وهو يقارنه أيضًا بمنهج «الحدس» عند برغسون، حيث تقرأ السيميائيات البدئية ما وراء سطح اللغة المنطقية-الاستنباطية. لكن المنهج السيميائي-الفلسفي عند برغسون وبيرس يمتلك القدرة على الحركة ذهابًا وإيابًا بين السيميائيات البدئية والرمزيات الأكثر تجريدًا، بينما قد تظل بعض الذوات عالقة في تكوّن عرضي محدد لا يشارك في التجريد والمسافة فحسب، بل يعود دائمًا إلى الدورة نفسها.
تطوّر thirdness علاقة ثلاثية بين الذات والموضوع والعلامة - أو بين الذات والآخر والرمز. فالعلامات لا تدل على الأشياء في العالم أو تمثلها بمعنى موضوعي صادق - فهي تمثل شيئًا لشخص ما. وكل حدث أو نظام أو كائن حي هو ذات بقدر ما له أفقه الداخلي الخاص، غير أن كل ذات تنظّم الذوات الأخرى أو تدركها بوصفها موضوعات ممثلة عبر العلامة-الرمز-الدال. وهذه thirdness هي الموضوعية - لا موضوعية الحقيقة، إذ إن الواقع لا يُتاح لأي ذات - بل الموضوعية البراغماتية للمسافة العلمية التي تعمل على تطويع الواقع من أجل البقاء، وتعدّل تبعيتنا الذاتية للأسر المباشر لعلاقات المرآة البدئية في الرغبة المحاكاتية، وهي علاقات قد تقود إلى فخاخ هستيرية وفصامية.
ومن المهم أن نوضح التمييز الظاهراتي الحيوي بين «المرآوية» التي تقع داخل المثلثات الضيقة للهوس والحدس وتشكّل الرمز الزائف أو البدئي، وبين «الانعكاسات» التي تميز التفكير المفهومي. فالمرآوية تشير إلى الأثر الذي ينتج نموذجيًا في التماهي الاضطهادي حين يُشعَر بأن الاستعدادات العدائية تنبع حتى من الأشياء غير الحية، لكن التفسير العلمي يقود إلى إدراك أن هذه العلامات العدائية تنبع أو تُسقَط على الموضوع ثم تُرتَدّ إليه مرآويًا من غير تطور يذكر. وتُعرّف خطأً بوصفها تابعة للمُتَّهَم أو الموضوع الملام الذي يتلقى الإسقاط. أما التفكير الانعكاسي الحق فيحدث بوصفه نقدًا للفهم وتجليًا للعقل الخالص. ويحدث حين تُلاحظ الذات التجريبية والموضوع التجريبي محل الفحص، وتُحكَم علاقتهما بواسطة الذات (غير المتجلية) للإدراك الخالص (I-in-itself) التي تعمل بوصفها «الثالث» في علاقة الموضوع الثلاثية هذه. ويتمثل التمييز الأساسي في مصير التصور المسبق. (Silver 1981, p. 299)
إن الفضاء من الثنائية إلى الثلاثية يتطور بطرائق مختلفة في الذاتية البشرية، وهو متقلب دائمًا. فالعلاقات الثنائية لا تمنحنا إدراكنا الأولي فحسب، بل تمنحنا أيضًا عمق الخبرة الانفعالية الموجود في الحب، والتصوف، والفن، والمقدس. وليس المطلوب أن نستبدل بالذاتية الثنائية ذاتيةَ التفكير الثلاثية، بل أن نوسّع كليهما وأن ندمجهما في ثراء انفعالي-معرفي تتعايش فيه الرغبة والوعي.
إن انتباهنا إلى الحياة وكوننا المباشر في العالم يجدنا منذ بداية الحياة ننظم ونترجم ونحتوي ونجسّد قوى المادة والطاقة. فما الأعراض إلا شكل من الأيض النفسي نحاول به هضم هذه الخبرة؟ ويمكن قراءة الخريطة الكاملة المعقدة للذوات البشرية، بما فيها الأعراض الجسدية والنفسية، والشخصية، والأسلوب، والفن، والتصميم، والطقوس، والأديان، والأفكار، والنظريات، والقوانين، والأفكار، والمشاعر، بوصفها الترجمة السيميائية للتجسّد وتحويل الطاقة والمادة والشكل.
وبخلاف انبساط الحلزونات المتقدمة في thirdness، قد لا يُعبَّر عن خبرة ما إلا بشعور لا يُقال. وقد لا تتجلى علامة هذه الخبرة إلا في فعل جسدي، وربما فقط داخل نظام ذاتي بسيط أو حركي. غير أنني أعدّ مبدأً لا يقبل الاختزال مفاده أن الخبرة الذاتية يجب أن تتجلى بعلامة ما من علامات التجسّد، وإلا فلا يمكن القول إنها خبرة فعلية. ويصدق هذا حتى لو لم يُعرَف التجسّد إلا بعلامات إنكاره على هيئة عرض من أعراض مثل الاغتراب عن الذات أو العجز عن تسمية الانفعال. وهذا المبدأ بالغ الأهمية لأنه يثبت الضرورة الظاهراتية القائلة إن الخبرة، لكي تملك أي فعلية أو حتى أي صفة بالقوة، لا بد أن تكون محتواة أو متجسدة. (Silver 1981, p. 300)
فما هذا «الشعور الذي لا يُعبَّر عنه» إلا ما يسميه باتاي (1954) بالمقدس. لكننا لا نستطيع أن نحتوي إلا قدرًا معينًا، وأخلاق التحليل النفسي هي أن الاستجابة تكون ببساطة لنداء المعاناة بوصفها كثيرًا جدًا أو قليلًا جدًا من هذا الشعور - أي إعادة دمج الذاتية الانفعالية-المعرفية عبر ممارسة إعادة التنظيم القائمة على النظام شبه السيميائي الذي يشكّل كل ذات بعينها. إن «موضوعية» المستوى الثالث ليست حقيقة - لكنها ضرورية. وهي وظيفية من أجل البقاء، وبراغماتية من أجل إعادة تشكيل تعقيد المعتقدات والدوافع في عالم لم تعد فيه الأشكال الطقوسية والدينية الجماعية والمؤسسية تؤدي هذه الخدمة.
يشكل الفكر والإدراك والوعي ذلك الجزء من الذاتية البشرية الذي يعارض الخبرة المباشرة أو يشكك فيها - أي الشعور، والرغبة، والحدس. وهذا الشك أو الارتياب يحررنا من قيود «الخرافة» والفخاخ الدائرية، ويؤسس لأشكال جديدة من التفكير والشعور والوجود، ولتحولات براغماتية للواقع توفر وسائل أسهل وأكثر لذة للبقاء. لكن هذا الشك العلمي قد يقود بدوره إلى تساؤل لا نهائي يفصلنا عن خبرتنا المباشرة - أي الأساس الذي تقوم عليه الثقة في تنظيمنا الإدراكي للكون بوصفه ما هو حقيقي. وفي النهاية يقود الوعي الفلسفي والعلمي المطلق إلى الفوضى اللانهائية للممكن، ولهذا قال لاكان إن العلم نوع من الهستيريا المطلقة أو الذهان المنقى القادر على دفع أي ذاتية - بما فيها الإنسانية عمومًا - إلى الضلال.
تنشأ في الانتقال من الأحادية البعد لخط الحد إلى اكتمال الأبعاد الزمانية-المكانية الظواهر الانتقالية الحلمية واللعبية التي تتميز بعلامات أيقونية وفهرسية، لكنها تتميز أيضًا ببروز الرمزية. ويُوسَم تكوّن الرمز بالقيود الكابحة التي تفرضها عليه الخيالات تحت ضغط متطلبات التمثيل الصادق للزمان-المكان وقواعد التشكيل المفهومي السليم. والثمن الذي يُدفع مقابل التعددية البعدية والمنظور هو الشك «العلمي» المتزايد الذي يرافق خبرة المرء - وهو شك، لولا هذه القيود المرتبطة بتكوّن الرمز، لَكان يترك العنان الكامل ليقينٍ وهامي غير مضبوط. (Silver 1981, p. 302)
إن تكوّن الرمز المجرد لا يقود بالضرورة إلى التفكير العقلاني الانعكاسي أو إلى التماسك الاجتماعي. فـthirdness الرمزية قد تُستخدم لتجسيد ثراء الذاتية الثنائية البدئية خارج العقد الاجتماعي الضمني لأي جماعة رمزية. وما يُسمّى الخبرة الهستيرية أو المنحرفة أو الذهانية لا يفلت من نظام الواقع الطبيعي فحسب، بل يفلت منه بطريقة تجعل بريق هذه الأساطير الفردية كثيرًا ما يفلت من الفهم التحليلي والشفاء. إن منح الذات تشكيلًا شخصيًّا مقبولًا ثقافيًا، أو أنا قوية يتماهى معها، قد يكون عديم الجدوى في تجسيد دوافع الذات بقدر ما كانت الأسرة والثقافة التي نشأت فيها. وقد تكون هذه الرمزية نفسها «نورموتية» أو «نورموباثية» - مجرد تكوّن عرضي متَّفق عليه جماعيًا لا يُتحدَّى أبدًا (Freud 1930, Reich 1949, Laing 1967, Guattari 1992, Bollas 1987).
ولكن كما يستغل الحلم واللعب والتفكير الخيالَ الملموس، كذلك قد تتطور الحالة العكسية الارتدادية وتغلب. فخدمةً لإنكار الاعتماد على عالم الموضوع الرمزي للواقع التمثيلي المنفصل، ومن أجل استعادة الجنة المتعالية للعالم البدئي، قد يستغل الموضوعُ الخبرةَ المفهومية والرمزية المكتسبة سلفًا، فضلاً عن المحاكاة الطبيعية جدًا في عالم خطّ الحد الخاص بالعلامات الأيقونية التناظرية. وهنا قد تُستعمل الرموز اللفظية استعمالًا ملموسًا بوصفها بدائل أو معادلات رمزية للموضوعات البدئية. وقد يُستبدل سرًّا بشفرة ذاتية الصنع ذات دلالة تناظرية، أو تُفرض، بدلًا من الشفرة الثقافية المفروضة للرموز المجردة. (Silver 1981, p. 303)
وهنا تصبح الحدود بين السليم والمجنون، وبين الصحيح والمريض، ضبابية - وكذلك العلاقة بين النفس الفردية والنفس الاجتماعية. ومرة أخرى، فإن القوانين والطقوس والقواعد براغماتية، لا صادقة ولا أخلاقية. إنها تؤدي وظيفة الوساطة داخل شبكة معقدة من الأنظمة المتفاعلة للرغبة وتجسّداتها عبر المعنى والفعل. وعند هذه النقطة يجب أن تتحد أي ممارسة تحليلية في صورة علاج فردي أو تغيير اجتماعي من أجل براغماتية للتعقيد تعترف على نحو كامل بالاقتصاد العام لمثل هذه الأنظمة وبـjouissance المطلقة والسيادة والإرادة الحرة التي يمتلكها كل نظام من أنظمة الذاتية - سواء كان فرديًا أو جماعيًا أو رمزيًا أو نوئيًا أو آليًا - ليؤكد اختياره، أي قفزته الإيمانية ضد براغماتية قانون الرمزي. إن الفنان أو الصوفي لا يرفض فقط التجسد الرمزي للذوات الجماعية ويستبدله بتجسده هو، بل يستطيع أيضًا أن يحول هذه الجماعية ذاتها عبر تفكيك الأشكال العقيمة وتحويل الجماعة نفسها، التي ستعيد بناء سرد رمزي جديد للنظام من الفوضى التي يقذفها فيها الصوفي (Bergson 1932, Bion 1970, Derrida 1992).
قد يوفّر تحليل البنية شبه السيميائية أساسًا لإعادة البحث في ما يُسمّى «اختبار الواقع». إن المنطق البراغماتي عند بيرس يضع أساسًا للاختبار يتطلب أكثر من التحقق الصوري الاستنباطي. فالمنطق البراغماتي يقتضي بنيةً تكون بواسطتها فعلية الخبرة عبر الخيال الملموس مرتبطة حقًا وعلى نحو سليم بتكوين الرمز أو التماهي. وينبغي أن يُسمّى هذا بحق «اختبار الحقيقة» لا «اختبار الواقع»، لأن سلامة البنية الرمزية مسألة اتساق مع العرف الثقافي على أساس داخلي من الاتساق التوافقي أو الحس المشترك. وهذا يرتبط بالحقيقة بالمعنى البراغماتي، أي الاعتقاد المتسق مع معتقدات جماعة ما يُسمّى بالمفكرين العلميين، أي من لهم أهلية الشك. ويسمح هذا المعيار بظهور انحرافات خلاقة عن المقدمات التالية الافتراضية المقبولة سابقًا (interpretants). وهذا المفهوم للحقيقة يختلف كثيرًا عن المفهوم البراغماتي للواقع. فبراغماتيًا، ما هو غلظي وفِعلي ومختبر مباشرة هو الأكثر واقعية. وبهذا المعنى تكون الأوهام أحقّ الأشياء بأن تُعرّف بأنها «حقيقية»، لأن حقيقتها لا تُدحض باحتمالات تالية أخرى يوفرها الفهم الذي تمنحه وجهات نظر أخرى في الفضاء الزماني-المكاني التمثيلي لتكوّن الرمز الحق. (Silver 1981, p. 313)
ما يسميه سيلفر «الواقع» هو خبرة real عند لاكان، بينما «الحقيقة» عند سيلفر هي ما يسميه لاكان «الرمزي» - أي التثبيت البراغماتي لتجسّد متوافق عليه جماعيًا أو ترجمة شبه سيميائية للواقع. فما الذي نسميه «الواقع»؟ الواقع يُصنع عبر بناء الذاتيات - عبر تنظيم الفوضى - عبر برمجة خبرتنا في real. والـreal هو ما هو غلظي وفِعلي ومختبر مباشرة، إذا فهمنا أننا لا نقترب من real إلا على نحو تقريبي - فنحن لا نعرفه أو نختبره حقًا بمعزل عن الطريقة التي يُنشأ بها إدراكنا له أو تنظيمنا له - أي بمعزل عن هندسة واقعنا بأيدينا أو بأيدي الآخرين (Von Glaserfeld 1987). لكن إذا حررنا أنفسنا من برمجة الآخر - إذا تحمّلنا مسؤولية خلق واقعنا - وبناء ذواتنا - فماذا سنختار أن نؤمن به؟ وماذا سنرغب؟ فالرغبة هي الإيمان، والإغواء، والسقوط في الاعتقاد، والاستعداد لأن نُستدرج ونُنوَّم ونُبرمَج، وهو ما يبدد في ومضة كل موضوعية وكل وعي انعكاسي ويخطو إلى الأمام بلا سؤال. الرغبة هي حدّ الفكر.
9. ذات التحليل – جاك لاكان
يتتبع تحويل جاك لاكان للتحليل النفسي سيادةَ subject of desire في مواجهة الشبكة الرمزية للمعنى التي يُشيّدها البينذاتي في المجال الاجتماعي. وعند رسمه للعالم يفترض ثلاثة أقاليم. فالـreal يشكّل مجموع الممكن في صورته الملموسة، بما في ذلك آثار النفس نفسها في محاولتها ترجمة خبرتها وإعطائها شكلًا في هذا الواقع. أما الـimaginary فيشكّل التكوين شبه السيميائي البدئي للواقع في الصورة الأيقونية للآخر التي تربط الذوات عبر دوافع الجذب/النفور البدئية ورغبة المحاكاة في علاقات السيد/العبد ضمن صراع الموت من أجل الاعتراف بالسيادة. والـsymbolic يصف التطور الثلاثي للسيميائيات المجردة، والنوئية، واللغوية التي تتجسد بها خبرتنا في الواقع. إن تفاعل هذه الأقاليم المتشابكة من real وimaginary وsymbolic يشكّل عقدة - كما تفعل جميع الأنظمة المقترنة بنيويًا - لا يمكن قطعها، بل فقط فكها. والتحليل هو عملية الفك - وفق الجذور اليونانية للكلمة. والفك هو القبض على تلاحم الأحداث والكائنات - أي تقسيم الأشياء إلى مكوّناتها - ثم إعادة العمل براغماتيًا على التفاعل المعقد بينها عبر الانقسام، والإذابة، والربط، وإعادة الإطار.
ومع أن كثيرًا من المحللين أضافوا عناصر مهمة إلى الميتاسيكولوجيا الخاصة بالانفعال والإدراك، فإن لاكان هو من أدرك الطبيعة الكاملة للذات ودلالاتها التي تتجاوز الحقيقة أو أخلاقيات الممارسة. وبينما كان التحليل النفسي، بوصفه ممارسةً ونظريةً، يضيع في لاهوتيات دوغمائية، كان لاكان قد أدرك سلفًا نطاقه الأوسع للذاتية البشرية خارج العلاج الفردي، بل يمكن النظر إلى مشروعه كله بوصفه تحليلًا للتحليل نفسه - ذلك التحليل النفسي للحضارة الذي دعا إليه فرويد (1930) في نهاية حياته.
إن حضور الخطاب البشري في كل مكان قد يُحتضن يومًا ما تحت السماء المفتوحة لتواصلية شاملة لنصه. وليس معنى هذا أن الخطاب البشري سيغدو أكثر انسجامًا مما هو الآن. لكن هذا هو الحقل الذي تستقطبه خبرتنا في علاقة تبدو ثنائية فقط ظاهرًا، لأن كل افتراض لبنيتها بمصطلحات ثنائية وحدها قاصر عنها نظريًا كما هو مفسد لها تقنيًا. (Lacan 1956, p. 56)
يستحضر نقد لاكان للأخلاق الثقافية وللذاتية العلمية ومحاولاتهما كبح السيادة الفردية لـjouissance عبر الحقيقي والعقلاني والخير، مشروع نيتشه. فالفرار من مواجهة جوهر الحياة في تلاحمها العابر، المقيدة بالموت والفقدان في الزمن، هو عند لاكان تجنّبٌ للـreal وجبنٌ يشارك فيه معظم الناس - وتشجعه الحداثة الاجتماعية بوصفها كلها، عبر إنكارها الخاص. وما يترتب على ذلك، وفق لاكان، هو بالضبط الذنب - الذنب والأعراض العصابية الناجمة عن التضحية بـjouissance بوصفها الدافع المتجاوز للخير والشر مقابل «الخير» - أي الحقيقة، والأخلاق، والاقتصاد.
لكن مخرجًا يُعرَض على الذات لحل ذلك المأزق حين يكون خطابها وهاميًا. يمكن إقامة تواصل صالح لها في المهمة المشتركة للعلم وفي الوظائف التي يفرضها في حضارتنا الكونية؛ وسيكون هذا التواصل فاعلًا داخل موضوعية هائلة يصنعها ذلك العلم، وسيتيح لها أن تنسى ذاتيتها. وستسهم إسهامًا فعالًا في المهمة المشتركة في عملها اليومي، وستكون قادرة على ملء وقت فراغها بكل لذائذ ثقافة فائضة، من الروايات البوليسية إلى المذكرات التاريخية، ومن المحاضرات التثقيفية إلى تقويم علاقات الجماعة، بما يوفر لها الوسائل اللازمة لنسيان وجودها وموتها، وفي الوقت نفسه لإساءة فهم المعنى الخاص لحياتها في تواصل زائف. (Lacan 1956, p. 70)
تتبع ممارسة لاكان في التحليل أخلاقَ تجسيد موضوع الآخر بالنسبة إلى الذات، من أجل قيادتها إلى وعي رغبتها - أو jouissance - وممارستها. فما تقوله الذات إنها ترغبه قد لا يتحدد إلا ببناء ذاتيتها عبر imperative الآخر في شكل الأم والأب والجماعة والمجتمع، وقد يكون على خلاف الرغبات اللاواعية التي تحدد مشاعرها وأفكارها وأفعالها والتي تتشابك معها أوامر الآخر.
ولكي نعرف كيف نجيب الذات في التحليل، فالإجراء هو أن نحدد أولًا الموضع الذي يكون فيه
ego، ذلك الأنا الذي عرّفه فرويد نفسه بأنه أنا مؤلف من نواة لفظية؛ أي أن نعرف عبر من ولمن تطرح الذات سؤالها. وما لم يُعرَف هذا، فسيظل هناك خطر سوء فهم يتعلق بالرغبة التي ينبغي أن يُعرَف بها وبالموضوع الذي تُوجَّه إليه هذه الرغبة. (Lacan 1956, p. 89)
بعد نزع الطبقات الحاسمة من الأوامر التي يفرضها الآخر، تظل الذات مع لا شيء - مع حقيقة اللاشيء التي يجب أن يُقاس بها كل تفكير وشعور ووجود. إن الوعي هو وعي موضوعي بالطبيعة الذاتية للكائن البشري: فالتلاحم الذي يخص أي حدث أو كائن هو طبيعته الفريدة والزمانية والمحدودة. والإنسانية تشكّل تلاحمًا لتلاحمات تشارك فيها كل ذاتية فردية في ذاتية الجميع، ومع ذلك تبقى واعية لاختلافها السيادي عن الآخرين. وفي الوقت نفسه فإن الحدث الذي هو حياة الذات الفردية يتكون من سلسلة لا نهائية من الأحداث غير القابلة للاختزال، يستطيع كل واحد منها أن يوحّد نفسه مع كلية تلك اللحظات كلها حين يفني نفسه في جوهر نفسه - حين يتواصل عرضيًا عبر الفتحة التي تفصل الذوات.
هذه هي الحياة الوحيدة التي تدوم وتكون صادقة، لأنها تنتقل من ذات إلى ذات من غير أن تضيع في التقليد الموروث المتواصل. كيف لا نرى إلى أي حد تتجاوز هذه الحياة تلك الموروثة عن الحيوان، حيث يختفي الفرد داخل النوع، بما أنه لا توجد أي علامة تذكارية تميّز ظهوره العابر عما سيعيد إنتاجه من جديد في ثبات النمط. في الواقع، عدا تلك التحولات الافتراضية في السلالة التي لا بد أن تدمجها ذاتية لا يزال الإنسان يقترب منها من الخارج، لا شيء - سوى التجارب التي يقرنه بها الإنسان - يميز الجرذ عن الجرذ، والحصان عن الحصان، لا شيء سوى هذا العبور غير المستقر من الحياة إلى الموت - بينما يترك إمبيدوقليس، حين يلقي بنفسه في جبل إتنا، فعلَ كينونته من أجل الموت حاضرًا إلى الأبد في ذاكرة الناس. (Lacan 1956, p. 104)
إذا كانت thirdness الرمزية هي ما يتوسط بين الذوات والموضوعات ويتيح انعكاسًا وتجسدًا للتواصل، فإن الرمزي نفسه هو الذي يمكن أن يَغترب بالذات عن رغبتها حين يلتقط دوافعها في شبكة اللغة والقانون. وتظل الرغبة تنفجر عبر انهيار الرمزي نفسه، وهذا الانفجار يضعنا لحظةً في تماس مع real بكل نشوته ورعبه. فبالنسبة إلى لاكان، إن العملية التحليلية رحلةٌ نحو real الذي يبقى للذات بعد نزع السياقات التي تعودت أن تختبر العالم فيها. وما يبقى بوصفه الموضوع غير القابل للاختزال للرغبة يندمج مع وعي هذه الرغبة عبر التمتع بعرضها.
تقول الذات «لا!» لهذه اللعبة البينذاتية من مطاردة النعل/النعال، حيث تُعرَف الرغبة للحظة واحدة، ثم تضيع في إرادة هي إرادة الآخر. وبصبر، تسحب الذات حياتها الهشّة من التجمع الشبيهي القطيعي لـeros الرمزي من أجل أن تؤكدها في النهاية عبر لعنة غير منطوقة.
فإذا أردنا أن نبلغ في الذات ما كان قبل الصياغة المتسلسلة للكلام، وما هو بدئي بالنسبة إلى ولادة الرموز، وجدناه في الموت، الذي تكتسب منه وجودها كل معانيه. فهي تؤكد نفسها للآخرين بوصفه رغبةً في الموت؛ فإذا تماهت مع الآخر، فذلك بتثبيته بقوة في تحوّل صورته الجوهرية، ولا يستدعى كائنٌ ما منها إلا بين ظلال الموت. (Lacan 1956, p. 105)
إن الرغبة في الموت ليست غريزة موت، بل هي الذاتية الإنسانية التي لا تُقارن، المولودة من الوعي بتلاحمها الخاص، الفريد والمحدود بالموت. فالذاتية والموضوعية قطبان متقابلان يمكن من خلالهما النظر إلى العالم. والذاتية هي العنصر الأخلاقي-الجمالي النوعي في الوجود، الذي يعترف بالكيفيات غير القابلة للاختزال في العمليات والأنظمة والأحداث - أي إن الكل ليس مجموع أجزائه. ويمكن تغيير المادة أو الجوهر الموضوعي لأي نظام كما نشاء من دون تغيير العلاقات أو الطرق التي ينظَّم بها. وعندئذ يبقى النظام محتفظًا بـautopoesis الخاص به - بتلاحمه - بسيادته. لكن حين يتغير تنظيم المادة القابلة للانقسام بلا نهاية، تنتهي تلك التلاحمية المنظمة - وتموت تلك الذاتية. فالذاتية تختبر نفسها بوصفها ذاتية في الاعتراف بالحياة والموت.
تعبر هذه المخططة على نحو مُرضٍ عن اللاتناهي الدائري للعملية الجدلية التي تُنتَج حين يأتي الموضوع بصحبته إلى تحقيق وحدته، سواء في الالتباس القاتل للرغبة المباشرة أو في تبنيه الكامل لكونه من أجل الموت.
ولكن من هذا الفعل نفسه يمكن إدراك أن الجدلية ليست فردية، وأن مسألة إنهاء التحليل هي مسألة اللحظة التي تجد فيها إرضاء الذات وسيلةً لكي تحقق نفسها في إرضاء الجميع - أي جميع أولئك الذين يضمهم هذا الإرضاء إليه في مشروع إنساني. ومن بين جميع المشاريع التي طُرحت في هذا القرن، ربما كان مشروع المحلل النفسي هو الأرفع، لأن مشروع المحلل النفسي يعمل في عصرنا بوصفه وسيطًا بين إنسان الرعاية وذات المعرفة المطلقة. (Lacan 1956, p. 105)
10. لعبة الآخر - فرانسوا روستانغ
قاد اشتغال فرويد بالتنويم المغناطيسي إلى موقف يقوم، قدر المستطاع، على الامتناع عن استخدام قوة الإيحاء والإغواء. ولعله كان يعلم، وإن لم يصرح بذلك، أن التحليل النفسي لا يستطيع حقًا أن يتخلص نهائيًا من القوى التي تعمل بين النفس والجسد في التواصل الإنساني. ومع ذلك كان ابتكاره للمنهج التحليلي عميقًا، لأنه أقام جسرًا بين تلك القوى الذاتية وبين المقاربة العلمية الموضوعية الساعية إلى جعلها واعية. فبدل الانخراط في قوى الرغبة والحب والإيمان والتنويم والغشية، وهي قوى تستدعي تحولات نفسية وجسدية فعلية، أو بدل محاولة تبديدها بتفسيرات منطقية، يسعى التحليل النفسي إلى إيضاح هذه العمليات وإلى تحديد الحدود الموضوعية لآثارها الذاتية. وقد جعل فرويد ولاكان هذا لب أخلاقهما وممارستهما: إدخال القوى أو الرغبات اللاواعية التي تعبر الذات وتحددها إلى مجال الوعي، من غير استبدالها بقوى أخرى. وكان هدفهما تأسيس علم للذاتية الإنسانية. لم يلجآ إلى قوة الغشية لإحداث الشفاء، لكنهما لم ينخدعا، كما انخدع كثير من الأتباع، بإمكان القضاء عليها قضاءً تامًا بواسطة الوعي.
يسعى عمل فرانسوا روستانغ إلى بلوغ صميم العلاقة بين قوى الإغواء التنويمي وبين الآثار الوسيطة للوعي والرمزي. فقد استغرق كثير من أتباع لاكان في أخلاق التحفظ وفي الاعتقاد بقدرتهم على تجنب إغواء مرضاهم أو تنويمهم. لكن إلى أي مدى يقع ذلك فعلًا؟ وهل أعضاء الجماعة التي تشكل معتقداتها الرمزية عقدًا اجتماعيًا أحرار حقًا من غشية القطيع البدئي، أو من هستيريا الرغبة، أو من إيمان الطوائف الدينية؟ يطرح روستانغ هذا السؤال المهم، والمحصن تقريبًا ضد المساءلة، على المحللين الذين يرون أن مناهجهم بمنأى عن هذا اللايقين.
بعد هذا الانعطاف الطويل، هل يستطيع التحليل أن يتجنب هذا الارتداد الجارف الذي قد يدل، في أفضل الأحوال، على عبث العلاج، وفي أسوأها على انحرافه، لكنه قد يفسر أيضًا السحر الذي يمارسه؟ كأن كل واحد لا يسعى إلى أن يفهم على نحو أوضح الآليات اللاواعية التي تتحكم فيه، ولا إلى أن يتخلص من أعراضه، بل إلى أن يمارس ما يمكن أن نسميه لعبة الآخر، أو لعبة الموت، وهي أفتن لعبة لأن رهاناتها في أعلى درجاتها، ولأنها تظل بلا حسم دائمًا، ولأنه لا شيء أشد خطرًا أو أشد عقمًا منها. (Roustang 1980, p. 97)
ما يسميه روستانغ "لعبة الآخر" أو "اللا-علاقة القديمة" هو لعبة الإغواء الخطرة الكامنة في قلب الذاتية الإنسانية. لكل ذات، من حيث المبدأ، خياران: أن تحافظ على المعتقدات التي تشكل أساس ذاتيتها، وهي ثمرة إغواء سابق وطريقة مخصوصة في بناء تجربة العالم، أو أن تخاطر بتفكيك تلك الذاتية وإعادة بنائها تحت إغواء معتقدات أخرى. لكن هذه، على التحقيق، ليست خيارات خالصة؛ فالمرء إما أن يقع تحت الإغواء أو لا يقع. بعض الناس شديدو الاستعداد للإيحاء، وبعضهم أشد ثباتًا في حفظ ذاتيتهم. ووفقًا لروستانغ، فإن الإطار التحليلي هو موضع مخصوص تُمارس فيه هذه العملية، حيث يسهم وعي المحلل بهذه اللعبة الإنسانية الأساسية نفسها في خلق المسافة التي تتيح الاشتغال على تلك المعتقدات، مع زيادة الوعي بالطريقة التي تعمل بها هذه القوى عند المحلَّل، وربما عند غيره أيضًا. وما يريد روستانغ توضيحه هو أن هذه العملية لا يمكن تطهيرها من لايقين النتائج الناجم عن خوض مثل هذه القوى. فالمحلل يمارس سيرورة مزدوجة: أن يكون قادرًا على الدخول في قوى الجذب والنفور القائمة في صميم "الذاتية" الإنسانية، وأن يكون قادرًا في الوقت نفسه على التراجع بما يكفي للمحافظة على "الموضوعية" الوسيطة التي تتيح الوعي. عليه أن يكون بقدم داخل الدائرة وبقدم خارجها، داخل "لعبة الآخر" وخارجها في آن واحد. وعليه أن يدمج الذاتية والموضوعية على نحو مخصوص لا يستطيع أن يحدده سلفًا.
أخطاء المحلل ليست ممكنة فحسب، بل لا غنى عنها لتقدم التحليل، لأن اختيار "المسافة الصحيحة" مستحيل أصلًا. وكما رأينا، إذا لم تؤخذ هذه المسافة فلن يحدث شيء، لأن المريض لن يستطيع بسط عبث الحلم الذي يطارده. أما إذا لم تنفلت المسافة من جديد، فلن تعود هناك إمكانية لتحليل هذا الحلم. وأمام تكرار اللعبة على نحو عقيم، لا بد من فصل الوقائع شيئًا فشيئًا. وإذا وصفت اللا-علاقة بأنها قديمة أو ما قبل تاريخية، فذلك بمعنى محدود فقط، لأنها، بحكم تعريفها، تفلت من الزمن ولا يمكن إدراجها إدراجًا صحيحًا في التاريخ. (Roustang 1980, p. 99)
العصاب والذهان، عند روستانغ، هما فشل في الرمزية الوسيطة لمصلحة تجسيد القوى أو احتوائها عبر أنماط بدئية. وتضع العملية التحليلية هذا الأداء الثنائي للقوى في حركة، أملًا في استخراج الوجدان من الأعراض التي يفترض أنها سبب اللجوء إلى التحليل، حتى يمكن إدخاله في لعب جديدة. فهل يمكن أن نعد التحليل النفسي ضربًا من البراغماتية تُنتزع فيه قوى الدافع أو الانفعال أو الإغواء من أنماطها الدائرية، وتُعاد إلى الفوضى، ثم يعاد تنظيمها في صور جديدة من التجسد؟ لقد شاركت طقوس الشفاء والتعليم والروحانية، على امتداد التاريخ الإنساني، في مثل هذه الممارسات التحويلية، غير أن التحليل النفسي يحاول أن يضع أدوات العملية نفسها في يد المحلَّل، بدل أن يحول ذاتيته إلى نتيجة نهائية مقررة سلفًا.
لنسلِّم بأن العصاب هو فشل في الرمزية. يمكننا عندئذ أن نسأل: ما القوى القادرة على حمل اللغة وهي مشوهة على نحو يجعل علاقة الفرد بنفسه وبالآخرين غير قابلة للممارسة، أو ملغاة أصلًا كما في الذهان؟... لنسلِّم بأن خصم اللغة والجنس يتموضع في لعبة الآخر، وهي أيضًا شغف الواحد، وأن الحالة التي يكون فيها التوحد الأبكم والاستمنائي هي الصورة الأكمل لذلك. ومن هذا المنظور، فإن العصابي، ذلك التوحدي الفاشل، سيكون شخصًا يقاوم، لحسن الحظ، على نحو غير كافٍ، ضرورة الكلام والحاجة إلى العلاقات الجنسية. (Roustang 1980, p. 100)
في التحليل، لا يراد من التفسيرات أن تكون ترجمات صحيحة لتجربة الذات، بل إعادة بناء يجري التفاوض عليها بين المحلل والمحلَّل داخل النسق أو الحدث الذي يخلقه الإطار التحليلي. إن ثالثية اللغة الرمزية تمنح الوعي الوسيط الذي يجعل من ترجمة الدوافع وسيلة قوية للتجسد والاحتواء، بحيث يستطيع الموضوع أن يحتضن رغبته أو يمارسها من غير أن يبقى تحت رحمتها. فالزمن والتاريخ والسرد تشكل الأسس العقلية والوجودية والرمزية للتفرد، وهي التي تسمح للذاتية الإنسانية بأن تنظم خبرتها بفوضى المادة-الطاقة على نحو خلاق وفاعل.
لا شيء يمكن أن يحدث ما لم يُدخل المريضُ المحللَ في معركة الطاقات الكاسحة والكراهية. ومن خلال "انتباهه الجسدي" يقاوم المحلل الامتصاص، وبعد حين تتيح له هذه المقاومة أن يجعل المريض يتكلم كراهيته، وأن يكشف للمحلل وسائلها وغاياتها. لذلك فالنقل المضاد ليس خليطًا من الانفعالات والمواقف. إنه أولًا قبول للمواجهة، وفي الوقت نفسه رفض للعبة الآخر. ثم، إذا صدرت عن المريض الملاحظة المناسبة، صار النقل المضاد التعبير اللفظي عن المواقع المتبادلة التي وضع فيها المريضُ المحللَ ووضع نفسه هو فيها. ولا يتعلق الأمر أبدًا بتفريغات انفعالية تزيد أو تنقص. فلحظة الانفصال هي وضع لحظة الأسر في كلمات. وهنا، حقًا، يكون القول فعلًا. فالكلمة تنشئ مسافة من حيث هي فعل في مواجهة التوحد. وهي تخرج من القبض بقدر ما تكون منخرطة فيه. وتتحرر الكلمة من قبضة التوحد لأنها هي نفسها نتيجة التوحد، إلى الحد الذي تعبِّر فيه عنه على نحو ملائم وفريد يبتعد عن العموميات المألوفة. وهكذا تستطيع اللغة أن تُحدث فصلًا في اللامؤرخ، إذا أخذته في الحسبان، بطبيعة الحال، ولكن أيضًا إذا استمدت قوتها من تلك الحالة اللامؤرخة. ويمكن القول إن الكلمات تكون أشد فاعلية كلما ناضلت ضد الصمت الذي يحاول قمعها. وهذا الصمت، في التحليل النفسي، ليس سوى "اللاوعي المجهول وغير الموجود". وربما في هذا السياق يمكن فهم ملاحظات فرويد عن العمل-عبر، التي لا تكتسب أهميتها إلا إذا فهمنا منها أن العمل-عبر ضروري في العلاج بعد انكشاف النقل بوصفه حامل التهديد الأقصى. (Roustang 1980, p. 112)
التحليل النفسي، عند روستانغ، فن للحياة وعلم بها، وقد خدم في استكشاف ما لم تجد له الموضوعية العلمية موضعًا قط. فالقطب الموضوعي للعلم يقبض على جوهر الوقائع من الخارج، أي على نحو etic، بينما يقبض القطب الذاتي عليها من الداخل، أي على نحو emic. وفي مكان ما بين هذين القطبين يقع التحليل النفسي، الذي يستخدم، مثل الإثولوجيا والإثنوغرافيا، طريقة بيرس في "الاستدلال الأبداكتي" أو شكلًا من الملاحظة بالمشاركة، لكي يفهم ويؤثر. ولم يكن الأمر أن التحليل النفسي أراد أن يصير علمًا موضوعيًا من منظور الاستقراء والاستنباط، وإن كان كثير من المحللين والنقاد قد ظنوا ذلك، بل إنه سعى إلى إنشاء أول علم بالإنسان، ذاك الذي دعا إليه باتاي (1973)، والذي يوجه مصباح العلم الموضوعي إلى الحدود الذاتية لمن يحمل هذا المصباح.
وبعبارة أخرى، ينتج التحليل النفسي أسطورة لا تدخل قوة غريبة إلى النظام القائم رجاء قلبه، فضلًا عن تفجيره، بل تنتج، على العكس، أسطورة تروِّض، من حيث المبدأ، ما لا يمكن دمجه في عالم علمي وتقني وعقلاني، وتمنحه صفة العلم والمنطق، ومن ثم تجعله مقبولًا. فمن خلال إضفاء معقولية علمية على ما كان خارج مجال العلم والتقنية، يخلق التحليل النفسي أولًا انطباعًا بأنه يقوض ذلك المجال، لكنه يصير بعد ذلك وسيلة لتمديد العلم إلى ما وراء حدوده. وبعبارة أخرى، قد يشعر المجتمع التقني، الذي طرد الأحلام والتخيلات والجنون إلى ظلمات الخرافة أو السحر أو الأسطورة، بالتهديد حين تعاد هذه الظواهر إلى قلبه. غير أن هذه الظواهر، التي تؤلف الإنسان في صميمه، ما دامت قد أُقلمت مع التشكيل الجديد للمجتمع، فإنها تستطيع أن تعزز هذا المجتمع، لأنها تضع تحت تصرفه ما كان قد أفلت منه بحكم التعريف، وما كان معرضًا لأن ينساه، مع أنه كان ضروريًا لبقائه. وفي زمن كانت فيه العلموية والمجتمع الذي أنشأه العلم معرضين للانغلاق على نفسيهما، جعل التحليل النفسي إدماج هذه المجالات الأجنبية والمهملة في العلم أمرًا محتملًا، لكنه خاطر في الوقت نفسه بأن يجعل منها أعداء خطرين. (Roustang 1980, p. 119-120)
لقد نسي المحللون النفسيون، على نحو مفارق، غايتهم من إنشاء علم وممارسة إنسانيين، إن كانوا قد عرفوها أصلًا. فالكثير منهم وقع في الفخ نفسه الذي يقع فيه معالجون آخرون يسعون إلى إعادة برمجة ذواتهم المريضة وفق غاياتهم هم، باسم الخير والصحة. ووقع آخرون في فخ الاعتقاد بأن التحليل يمكن تنقيته بواسطة "الماثيمات"، أو أنه يمكن أن يتحول إلى علم تجريبي "قابل للتكذيب". والمقصود، بدل ذلك، أن يظل المحلل منتبهًا إلى طبيعة الإيحاء والإغواء، وأن يواصل تحليل غايات وسائله، مع الاعتراف بأن القوى العاملة لا تختزل إلى يقين موضوعي. فقوى الجذب والنفور، والدافع، واللاوعي، أو اللا-علاقة، ليست فقط عصية على الاختزال إلى الفكر العقلاني والوعي، بل هي أيضًا الهوة التي تحدد حدودهما.
وخلاصة القول، أقترح هذه الصيغة: إن مهمة التحليل النفسي في المجتمع الحديث هي أن يدير اللاعقلاني على نحو علمي قدر الإمكان. وهي مهمة لا غنى عنها، لأنه لا يجوز لأي مجتمع، مهما بلغ من التقنية، أن يتجاهل ما يقع على حدوده، وما يقف عند تخومه، وما يهدده بالاجتياح في كل لحظة... ويمكن القول، بوجه عام، إن المحللين النفسيين، بوصفهم جماعة، فئة هامشية، عاجزة، سواء بسبب رفعتها أو انحطاط منزلتها، عن الاندماج في الدورة الاقتصادية للإنتاج. ومع ذلك فهم هوامش يُعاد إدماجهم في المجتمع عبر الالتفاف المربح المتمثل في إدارة اللاعقلاني، كي لا نقول اللاوعي في هذا السياق. وبصورة أدق، فإنهم يديرون اللاعقلاني عبر اختلالات الطبقة المهيمنة. (Roustang 1980, p. 120)
وعند حدود الفكر نصادف الرغبة. ومع غودل (1931) وديريدا (1992)، يمكن القول إن أي نسق للفكر، وأي معرفة، وأي أخلاق، وأي قانون، لا يستطيع أن يبرر نفسه بالاحتكام إلى نظامه الداخلي وحده. فكل واحد منها مؤسس على فعل إيمان أولي، أو رغبة أولية، يقوم عليها ما عداه. وهذه هي "الأسس الخفية للقانون" التي يحاول ديريدا إيضاحها. فالرمزي المتفق عليه اجتماعيًا لا يعتمد على الحقيقة، بل على الاعتقاد، وعلى براغماتية فعل الإيمان في قبول هذا الاعتقاد أو الموافقة عليه، أو في الوقوع تحت إغرائه أو تنويمه. ومع ذلك، يواجه الفرد، في كل نقطة، رغبته الخاصة أو إيمانه أو اعتقاده، المتشابك مع معتقدات الآخرين، وإن كان كثيرًا ما يقف ضدها. وكذلك فإن معرفة الفرد أو أفعاله الواعية تعتمد على تجمعات من المعتقدات اللاواعية، غير المفحوصة وغير المحللة، التي تقوم عليها. وإن التشكيك فيها إلى ما لا نهاية لا يفضي إلى شيء. لكن كل فعل، وكل اعتقاد، وكل تنظيم إدراكي للعالم، إنما يمثل رغبة، أو لحظة إيمان، لا سلطة له سواها. ويمكن للتأمل الواعي أن يهيئ الإنسان، عبر تحليل الشبكة المعقدة للعوامل المتداخلة، وهذا يوضح الأبعاد المتعددة للقوى والرغبات والأخلاقيات المتعارضة المنخرطة في كل حدث، لكن الحدث، في النهاية، يصير هو الفعل الذي يتكلم عن نفسه.
11. الإغواء الأولي - جان لابلانش
أعاد الجدل المعاصر حول "نظرية الإغواء" عند فرويد إلى الواجهة مسألة الواقعي والمتخيل في الخبرة الإنسانية (Masson 1985). ويقال إن فرويد طرح أولًا نظرية مفادها أن مريضاته كن قد تعرَّضن فعلًا، في كل حالة، لإغواء أو إساءة من أسرهن، ثم إنه، بعد أن واجه الجدل والإنكار، وبعد أن أخذ هو نفسه يتعرض للتهميش، غيَّر نظريته ليقول إن هذه الإغواءات كانت "متخيلة". والأرجح أن الأمر كان مزيجًا معقدًا من الأمرين معًا. فلا شك في وجود حالات قصوى من الإساءة، قديمًا وحديثًا، لكن ما اكتشفه فرويد هو العنصر التخيلي الملازم للذاتية الإنسانية، والذي يستمر عبر الأحلام ويتسلل إلى "واقع" الذاكرة نفسه، ولا سيما من حيث صلته بمشهد الإغواء في دراما الأسرة.
أعاد جان لابلانش بناء الميتاسيكولوجيا التحليلية وطبيعة الإغواء على وجه الخصوص. فهو يصف مشهد الطفل والوالد بوصفه متاهة من التفاعلات المتبادلة، يكون فيها الإغواء أوليًا أو بدئيًا، ولا يمكن رده إلى طرف واحد بعينه. وتصف نظرية "الإغواء البدئي" حدث الطفولة بوصفه مواجهة مع "دوال ملغزة" ومحاولة لترجمتها. فبناء ذاتية الطفل، أي طريقته في تنظيم العالم إدراكيًا وانفعاليًا ومعرفيًا، يحدث وهو يُقاد عبر حالة طويلة من الاعتماد إلى العالم البين-ذاتي لأقرانه من البشر. وليس مطلوبًا من الرضيع فقط أن يجسد القوى الطبيعية والدوافع ويحتويها في أحداث ما قبل دلالية وشبه-سيميائية، بل إن هذه الأحداث تجري، منذ البداية، داخل عالم من الدلالة. فالأفعال البسيطة والأشياء التي تُقدَّم للطفل تصاحبها، في الوقت نفسه، أحجية الرغبة والمعنى واللغة التي تنفذ في كل علاقة إنسانية. والطفل لا يستطيع أن يسيطر على هذه الرسائل أو يجسدها أو يترجمها، لكنه مدفوع إلى محاولة ذلك. وهذا اللغز الذي يتجاوز قدرته على الترجمة يترك عنصرًا مجهولًا، أو معلومًا غير مفكَّر فيه، على حد تعبير بولاس (1987)، لكنه يُسجَّل مع ذلك في اللاوعي. فالقليل من اللغز يخنق الإبداع والرغبة، وكثرته تخلِّف صدمة موهنة.
والنقطة الأساسية عند لابلانش هي أن الإغواء أولي في تطور الذاتية الإنسانية، وأن لغز الرمزي ليس ضروريًا فحسب، بل هو أساس التعقيد الإنساني والهشاشة الإنسانية أيضًا. فهشاشة الذاتية في مجال الكائن الإنساني في بداية الحياة تؤدي إلى نشوء متانة عاطفية ومعرفية، لكنها تنطوي كذلك على إمكان كبير للانهيار والصدمة. والصدمة الواقعية لا تكون جسدية فحسب. فقد يتكيف الإنسان مع صدمة جسدية، أو جنسية، "واقعية" بسهولة نسبية، لكن كل واقعة جسدية تكون قد انخرطت سلفًا في محاولة نفسية لفهم الحدث أو ترجمته من حيث الدلالة. وإضافة إلى ذلك فإن لغز الإغواء الذي يحيط بالجذب والنفور والرغبة والحب والوجدان، وهو اللغز الملازم لاشعوريًا لكل علاقة إنسانية، معقد إلى حد كبير. ومن ثم فمن الممكن تمامًا أن تستدعي بقايا لاواعية، أو تجسدات لدوال ملغزة ليست جنسية على نحو ظاهر، ذكرياتِ إساءة جنسية تبدو "واقعية" حين تُستثار لاحقًا بالإيحاء والاستدعاء. وهكذا يحول لابلانش نظرية فرويد الخاصة في الإغواء إلى نظرية عامة، كما فعل الفيزيائيون حين حوَّلوا النظرية الخاصة في النسبية إلى نظرية عامة.
يجب إعادة بناء نظرية الإغواء، في صورتها العامة، على أساس تصور مخصوص لتدرج الإغواءات. وهذا البناء الجديد يتيح لنا الانتقال من نظرية فرويد "الخاصة" إلى مستوى جديد، على النحو نفسه الذي انتقلت به الفيزياء من النظرية الخاصة للنسبية إلى النظرية العامة. ولم تعد النظرية العامة مقصورة على علم الأمراض... بل إنها تقصد إلى تأسيس بنية الجهاز النفسي أو الروحي عمومًا، وهي تبطل الاحتكام إلى البيولوجيا والتطور العِرقي، وإن كانت قد تبررهما في مرحلة لاحقة. ويجب أن تكون النظرية قادرة على استخدام آلية الكبت لتفسير تكون اللاوعي واستمراره، وكذلك أثر "الدافع" الملازم له بالضرورة. لكن لا بد أيضًا أن يكون النموذج قادرًا على استيعاب "العلاج" وآثاره وحدوده.
لقد عرضت بالفعل مخططًا عامًا، وإن كان شديد التفصيل، في سياق مناقشة الدوافع. وهو يمثل لقاءً بين فرد تقع بنيته النفسجسدية أساسًا عند مستوى الحاجة، وبين دوال صادرة عن راشد. وهذه الدوال تتعلق بإشباع حاجات الطفل، لكنها تنقل أيضًا الإمكان الاستفهامي الخالص لرسائل أخرى، وهذه الرسائل الأخرى جنسية. وهذه الرسائل الملغزة تفرض على الطفل مهمة عسيرة، بل مستحيلة أحيانًا، هي التمكن والرمزنة، وتترك محاولة إنجازها بالضرورة بقايا لاواعية... وأنا أسميها الأشياء-المصدر للدوافع.
... ليست لغة الطفل ملائمة للغة الراشد. والأهم من ذلك أن لغة الراشد نفسه ليست ملائمة للشيء-المصدر الذي يؤثر فيه. (Laplanche 1987, p. 129-130)
إن التكون الفردي للنمو الإنساني والتكيف لا يمضي فقط عبر التحول البيولوجي للمادة-الطاقة، بل يمضي نفسيًا أيضًا عبر الإغواء الأولي للدوال الملغزة. فالحاجة البيولوجية والغريزة ترتبطان دائمًا بوعي اللغة والمعنى النافذين في البيئة، وهو ما يحول الحاجة والغريزة المباشرتين إلى رغبة وسيطة. فالإرضاع لا يشبع الجوع فقط، بل يشرك الطفل في عالم رمزي ومتخيل وعقلي كامل من التفاعل الإنساني. والنفس، وهي بناء اجتماعي، تقوم على الكائن العضوي البيوكيميائي-الفيزيائي، لكنها لا تختزل إليه. فالإدراك والفعل منظمان دائمًا عبر الاجتماعي، واللاوعي ليس مجرد كبت، بل هو أيضًا ما يتعذر ترجمته، وهو ما يستمر البشر في خبرته، وفي طلبه أحيانًا بحسب ذواتهم، طوال حياتهم.
لو كان الأمر مجرد إدراك لأشياء جامدة، لكان الإدراك، في أحسن الأحوال، يزوِّدنا بمؤشر. ولو كان الأمر مجرد إشارات، أو آثار واقعية محضة، أو بقايا خالية من أي قصدية سيميولوجية، فكيف يمكن لها أن تقترح على الموضوع حتى ترجمة أولية؟ ولهذا يمكننا أن نقول إن أول مؤشر للإدراك، أو أول نقش في الجهاز النفسي، هو الدال الملغز، وإنه يُنقش قبل أي محاولة لترجمته...
إن الإنسان كائن يترجم نفسه وينظِّر لنفسه، وسيظل كذلك. والكبت الأولي ليس إلا اللحظة التأسيسية الأولى في سيرورة تمتد مدى الحياة. (Laplanche 1987, p. 131)
لا تشير الإغواءة البدئية عند لابلانش إلى "مرحلة" زمنية بقدر ما تشير إلى الأساس أو اللب في نظرية مجالية للذاتية متعددة المستويات، قريبة من خريطة دانيال ستيرن (1985) للنفس الإنسانية. ويمكن لبعض الوقائع الجسدية أو النفسية أن تستدعي لبَّ الإغواء البدئي وأنظمة ما قبل الدلالة، أو ما يسميه سيلفر الأولية والثانوية. ولهذا يقدم لابلانش البيئة التحليلية بوصفها موضعًا للتعامل مع مثل هذه العوالم من الذاتية. ومن ثم فليس غريبًا أن تستعيد التغيرات الكهرومغناطيسية أو السيكوفارماكولوجية في الجهاز العصبي بقايا متجسدة لاواعية في صورة ظواهر هلوسية "فصامية" أو "خارقة"، كما ليس غريبًا أن تستثير الذاكرةَ علاقاتٌ وجدانية تقوم على الاعتقاد والإيحاء، ومنها العلاقات العاطفية والدينية والعلاجية، فتستدعي ذكريات إساءة.
إن ما يدخل هنا في الفعل ليس سوى الإغواء البدئي وحده، وهو يفعل ذلك في صورة أنقى وأشد جوهرية مما يفعل في الطفولة، لأن أوضاع الطفولة تكون دائمًا، إلى حد ما، متوسطة عبر حركات أو سلوكيات جنسية. وهذا يلقي ضوءًا جديدًا على مفهوم البدئي: فالبدئي ليس أساسًا ما يأتي أولًا، بل ما هو أساسي. ولذلك لا غرابة في أن يكون البدئي حاضرًا، بالقوة على الأقل، في المراحل المبكرة من الحياة. لكن ليس من المستحيل البتة أن يعيد وضع لاحق، مثل التحليل، تنشيط جوهر البدئي نفسه. (Laplanche 1987, p. 157)
تعمل العملية التحليلية بين حركة مزدوجة من الاعتقاد والوعي، بين القطب الذاتي والقطب الموضوعي، بين الرغبة والفكر. فاللغز هو جهل الرغبة، وهو ما يؤلف الحدث غير اليقيني الذي هو الذاتية الإنسانية. فالمحلَّل "يعرف" عرَضه و"يؤمن" به. ولا يسعى المحلل، بدلًا من ذلك، إلى استبدال هذا العرض بإيحاء آخر أو إغواء آخر أو اعتقاد آخر أو معرفة أخرى، بل يضع العملية نفسها في الحركة. فالمعرفة تغلق، أما الوعي فيفتح ويجعلنا ننتبه إلى كيفية عمل العملية. لكن الوعي الخالص، لو أمكن بلوغه، لما كان إلا فراغًا بلا أساس. ولهذا تقود حركة الوعي إلى وعي حدود الوعي نفسه، في الرضوخ الاعتباطي، وفي فعل الإيمان، وفي المعرفة اللحظية التي تغلق من جديد. إن جهل المحلل نفسه بسيرورة رغبته هو ما يحافظ على اللغز الذي يدفع الحدث التحليلي، بوصفه صورة صغرى من "الكاوزموزيس" في الوجود الإنساني والصيرورة الإنسانية.
يثبت الموقف علاقة بدئية باللغز وبحامله، الذي هو، إذا استعرنا تعبيرًا استخدمه لاكان من غير أن يبسطه، "المفترض أنه يعرف". وهذا يقودنا إلى العنصر الجوهري في أخلاق المحلل النفسي: النقل المضاد. فكثيرًا ما يجري الحديث عن السيطرة على النقل المضاد، أو استخدامه، أو عن النقل المضاد بوصفه وجدانًا أو مشاركة أو تورطًا، وما إلى ذلك. ولكن لعل ذلك يفوِّت النقطة الأساسية. فإذا كان على المحلل أن يكون في موضع من يُفترض فيه أنه يعرف، فعليه، من الواضح، أن يرفض المعرفة، وعليه أيضًا أن يرفض أن يدع نفسه يعرف. وهذا الرفض للمعرفة هو الصورة الثانية من "الرفض" التحليلي، أما الصورة الأولى فهي رفض التكييف. وهذا هو المحرك، وهذا هو مصدر الطاقة، ولعله مصدر طاقة جديدة، وهي التي تدفع العلاج. إن طلب المعرفة يستعبد المحلَّل ويدفعه في آن واحد، كما كان يدفع الطفل الصغير من قبل. (Laplanche 1987, p. 158)
إن التنظير الميتاسيكولوجي والميتافيزيقي ينجز، على مستوى الذوات الاجتماعية والثقافية، ما تنجزه براغماتية التحليل الفردي والجماعي لذوات الأنا والآخر. فالفن والأدب والفلسفة والعلم والمؤسسات الدينية والسياسية كلها تنخرط في ذاتيات جديدة، أي في تجسدات جديدة، وترجمات جديدة، وخرائط جديدة لذلك الإغواء البدئي الذي تحمله رغبتنا في المجهول في الخبرة الإنسانية. وهذه الممارسات، بدل أن تكون منشغلة باكتشاف حقائق أو حقوق، ومع كونها منشغلة أيضًا ببراغماتية البقاء، تنخرط قبل كل شيء في عمليات أخلاقية-جمالية لإنتاج المعنى أو التنظير.
يمكن تمييز مستويين على الأقل، وربما ثلاثة، من التنظير. أولًا، لدينا النظرية العامة، والنص الحالي مثال عليها. وهذه النظرية العامة ينبغي أن يعاد بناؤها على أسس جديدة، وهي لذلك ميتاسيكولوجيا. وسيكون من العبث أن أزعم أنني أريد إدخال هذا المستوى النظري في التحليل العملي. فالمسألة ليست فقط أن النظرية يجب ألا تقتحم التحليل، بل إنها موجودة لكي تحد من اقتحام أي نظرية غريبة عن الموضوع. وفي الطرف المقابل لدينا الترميز الذاتي للموضوع، وهو مرادف للعلاج التحليلي نفسه... لكن تنظير الإنسان لذاته لا يقوم على لا شيء. فلا إنسان، ولا محلَّل، يبتدع قصة حياته من الصفر. وليس بين أيدينا عدد لا نهائي من السيناريوهات. ولهذا توجد، بين الحدين اللذين يمثلهما التنظير الذاتي، الذي يشكل العلاج التحليلي لحظة متميزة فيه، والنظرية العامة للتحليل النفسي، فسحة لمستوى وسطي، أو لمخططات نظرية تكون مرتبطة جزئيًا بوسط ثقافي معين. (Laplanche 1987, p. 162-163)
التحليل، عند لابلانش، بوصفه ممارسة للوعي، محدود باللاوعي. فالفكر تحده الرغبة الكامنة في قلب اللغز المجهول الذي يقوم عليه الإغواء. ولهذا السبب نفسه يكون التحليل غير قابل للاستنفاد. فالذاتية الإنسانية، بوصفها تماسكًا ذاتي التكوين، تتحدد بإنتاجها الراغب أو بإغوائها الأبدي. وما لا يتأسس على هذه الرغبة ليس إنسانيًا. وإذا استعرنا لغة بوذية، فإن "النيرفانا"، بوصفها تحررًا من أوهام الرغبة، هي تحول إلى صورة أخرى من الوجود. والبوديساتفا يقترب من هذا الحد ثم يعود إلى التماسك الإنساني ليقيم فيه على نحو مغاير، بقدر من الوعي وبأخلاق مخصوصة في الممارسة. وبالمثل، يعترف المحلل بالعقدة المؤلفة من الفكر الواعي والرغبة اللاواعية، ويكون كل تحليل حدثًا يشتبك مع هذه العقدة في أساس الذاتية الإنسانية، وهو حدث له، مع ذلك، نهاية.
دعوني أقدم ثلاثة ألفاظ: "محدود"، و"غير متناه"، و"منتهٍ". فالتحليل محدود: إنه محدود باللاوعي، وحتى داخل اللاوعي هو محدود بما أسميه الأشياء-المصدر للدافع. ومن الممكن خرق هذا الحد اللاواعي ودفعه إلى الوراء، لكن من غير الممكن إلغاؤه، كما كان فرويد يأمل. وأطروحتي الثانية هي أنه، مع كونه محدودًا، أو ربما بسبب ذلك، غير متناهٍ أيضًا. ولحسن الحظ بالنسبة إلى البشر، فإن التأويل الذاتي عملية يمكن أن تكون لا نهائية. وسيكون يومًا حزينًا جدًا أن تنتهي تلك العملية. لكن كون التأويل الذاتي غير محدود لا يعني أن الوضع التحليلي غير محدود، ولا أن كل تحليل غير منتهٍ. وهنا لا بد من إدخال لفظ ثالث: النهاية. وعلى ضوء ما سبق، لا يمكن أن تعني النهاية "حل النقل"، لأن النقل علاقة بالموضوع الملغز. وقد تعني ببساطة أن سيرورة النقل تنتقل إلى موضع آخر أو إلى علاقات أخرى. ومن ثم فإن نقل النقل هو النهاية الوحيدة التي يمكن تصورها للتحليل النفسي. (Laplanche 1987, p. 163-164)
ولا تنحصر العملية التحليلية في ما كان يسمى حتى الآن بالعلاج النفسي أو التحليل النفسي، بل تشكل أساس طيف واسع من الممارسات التحويلية. فهذه العملية، التي تفك العقدة المعقدة للنفس، وتحلل المكونات المتفردة لكل تماسك منظم، وتزعزع المعتقدات الجامدة والأشكال المتيبسة والتنظيمات شبه الثابتة "العالقة" داخل الإيكولوجيا البراغماتية والسيبرانية للذاتيات والأنظمة الواقعة على حافة النظام والفوضى، تجري في التنظير الذاتي، وفي الخلق الفني، وفي الممارسات الجمعية للروحانية والوعي، وفي فضاءات التعليم والشفاء، وفي المؤسسات الاجتماعية والسياسية، وفي الأساطير الثقافية، وفي العلاقات الإنسانية على اختلافها. فالذاتيات الاجتماعية والجمعية والطقسية المقدسة، التي كانت شديدة "الخارجية"، انهارت ذات يوم إلى خبرة داخلية فردية، ثم وجدت تعبيرها وتحولها عبر الإطار التحليلي الأول. لكن هذا الإطار نفسه صار متأخرًا عن التحول السريع المتزايد في النفس المعاصرة. فازدياد الوعي وتشابك خرائط المعلومات والاتصال يلدان حقلًا هيستيريًا-فصاميًا من الذاتيات، تختفي فيه بالفعل فردية الذات المتكاملة أو الأنا، ومعها القدرة على الإيمان بأي صورة مستقرة أو الالتزام بها. وأمام الوقائع العينية للواقعي، لا يكون خيارنا هو العودة إلى الماضي، بل محاولة إدراك مقتضيات تعقيد الذاتيات المتعددة الطبقات والمتفاعلة عبر إحداثيات الزمان والمكان، من غير أن نفقد قدرتنا على الإذعان الاعتباطي، أي على السكن الكامل في التفرد السيد والجوهر الوجودي لكل حدث. وهذه الممارسة التي سماها غواتاري "التحليل الفصامي" هي أيضًا "السيادة داخل الاقتصاد العام" عند باتاي، و"إرادة القوة" عند نيتشه، وممارسة "التمتع بعرضك" عند لاكان، وكلها توضح غايات التحليل وما يبدأ بعده.
12. الترجمة والشعرية - نيكولا أبراهام
انتقد برجسون ووايتهد الميتافيزيقا الغربية لأنها تُخضع الزمني للتموضع المكاني. ومع أن داروين وفرويد أعادا الاشتباك مع الزمن عبر فهم التماسك الإنساني في طبيعته المحدودة والمتحولة واللامتمركزة، فإن التنظير العلمي، في أكثر حالاته، يسعى إلى تأسيس ما هو أبدي أو بنيوي، أي إلى الهروب من التفتح الزمني للفعلي انطلاقًا من الممكن. إن التحويل الفينومينولوجي الذي يقترحه نيكولا أبراهام للتحليل النفسي محاولة لرسم خريطة لا للتنظيم المعقد للفضاء الذهني، بل لاختراع الزمن في الذاتية الإنسانية. وابتداءً من العودة إلى فرويد، ينطلق أبراهام من مفهوم الأمنية أو الرغبة اللاواعية. ففرويد يزعم أن الأمنية تقع خارج "واقع" الزمن، كما يزعم أنها نتيجة للكبت الذي يفرضه عائق الأنا الأعلى المستدخل. أما عند أبراهام، فإن الأمنية وعائقها يشكلان معًا مكمِّلًا يخلق زمن الذاتية الإنسانية. وهذا الزمن ليس زمنًا أبديًا، بل هو "المدة" عند برجسون، أي الخبرة الذاتية للزمانية الخاصة بكل تماسك، أي الأيض الذي يخلق "أزمنة للزمن" متعددة داخل الذاتيات وفيما بينها (Boscolo & Bertrando 1993).
يبدوان مفهومان تحليليان نفسيان كبيران مستقلين عن سيرورة الزمانية: الأمنية اللاواعية، التي شدد فرويد على طابعها الواقع خارج الزمن، والأنا الأعلى، اللاواعي هو أيضًا، والذي لا يستطيع، مثل الأمنية، أن يحدث تغييرًا من تلقاء نفسه. وإن القول إن الأمنية تدوم في اللاوعي، وإنها تستمر خارج الزمن، لا يمكن أن يعني إلا أنها حاضر فعَّال على الدوام، وأنه لا يمكن، بطبيعتها، أن تتحقق أبدًا. فالأمنية مقصود بها أن تظل أمنية فحسب. ولا تستطيع وحدها أن تخلق الزمن. بل لا يمكن تصور الأمنية في ذاتها وحدها. وإذا كانت الأمنية مصونة بالضرورة من التحقق، فلا بد أيضًا أن تنطوي على عائق جوهري يبقيها، في آن واحد، فعالة وغير متحققة. وهذه هي، في الواقع، وظيفة الأنا الأعلى بوصفه مكملًا للأمنية. ولأنهما ينشآن معًا، يصح أن نقول: لكل أمنية أناها الأعلى. فالمضامين الخاصة بكل منهما لا تنفصل البتة. (Abraham 1985, p. 112)
ليس ما يقع خارج الزمن هو الأمنية، بل فعل التمني نفسه، أو الرغبة، الذي يظل أبديًا في حركته: تحقق، فأمنية، فعائق، فتحقق من جديد... ولسنا بحاجة هنا إلى اللجوء إلى مفهوم النقص، لأن المرغوب ليس النقص، بل الحركة الأبدية نفسها. فالرغبة لا ترغب في النقص، بل ترغب في الرغبة نفسها، وهذه ليست نقصًا، بل سيرورة رغبات تقابلها عوائق، تُتخطى لتظهر رغبات أخرى. ولا داعي إلى القلق بشأن بلوغ الإشباع، لأن الإشباع المطلق لا يمكن بلوغه أبدًا. ويمكن، على هذا النحو، "أن يحتفظ المرء بكعكته ويأكلها أيضًا". وهنا نتجاوز معضلة زائفة مهمة، لأن الحركة الجدلية عند هيغل ولاكان مندرجة، في الحقيقة، داخل التعدد العضوي للانفعالات الذي نجده عند سبينوزا ودولوز. فالجدل، إذا سِير به إلى حدوده القصوى، يقود إلى تعدد مدد الزمن، غير أن نظرية التعدد معرضة لأن تفقد صيرورة الزمن نفسها إذا لم تعترف بالانشطار الأولي للجدل الذي يخلق، منذ البدء، كل اختلاف.
ويحوِّل أبراهام مفهوم فرويد عن الأنا حين يقول إن الأنا ليست سوى هذه السيرورة المنشئة للزمن، أو "التولد-الزماني"، التي تُقهر فيها العوائق بواسطة الرغبة. فالأنا ليست ذاتًا مكتملة أبدًا، بل هي قصة دوائر الرغبة والكبت المتممة عند الفرد، تلك الدوائر التي تشكل ماضيًا تاريخيًا يواصل الانزلاق نحو الحاضر من كل الجهات.
ما دام الأنا يرمز أيضًا إلى العائق الذي يخرج منه، وما دامت كل واحدة من أفعاله هي أيضًا نفيٌ لأمنية لاواعية، فإن الإشباع الذي يوفِّره الأنا لا بد أن يكون مشوبًا بعدم الرضا. وهذه هي الازدواجية الأساسية للأنا. وهذه الملاحظة حاسمة: فإذا كان تحقق كل رغبة من رغبات الأنا يستلزم خيبة أمنية لاواعية كامنة، وإذا كان ما يأتي هو دائمًا شيء آخر غير ما كان يُنتظر في أعماق النفس، فإن الحاضر لا يستطيع أن يتصلب في إنجاز نهائي. بل لا بد له أن ينزلق بلا هوادة نحو حاضر آخر، مشوب هو أيضًا، بطبيعة الحال، بالازدواجية الملازمة نفسها. إن الأنا، الواعي بعالمه، يحقق وحدته الخاصة عبر كبتات متعاقبة، ويحمل في داخله آثارها. ومن خلال نشاط أناه، ينقل الإنسان ضمنًا تاريخ كبتاته. (Abraham 1985, p. 114)
ولو لم يوجد الكبت، لوجب علينا أن نخلقه. ونحن نفعل ذلك بالفعل. فالعوائق المادية-الفيزيائية تشركنا في صراعات داخل عالم موسوم بهذه البطولة. لكن حين لا يتدخل شيء ليؤدي وظيفة العائق، نصطنع نحن كبتاتنا الخاصة، أي الأنا الأعلى عند فرويد. فنحن نلعب مع أنفسنا بأن نضع أهدافًا، ثم نستسلم لإغواء رغبات يتعذر بلوغها. وتصف فكرة جيرار (1978) عن "الرغبة المحاكاتية" السيرورة التي يقود فيها الصراع حتى الموت من أجل الاعتراف إلى مآزق عصابية. وبالمثل، حين تنتهي سيرورة الرغبة إلى الإخفاق في كل مرة، كما في وضع "الرابطة المزدوجة" عند بيتسون (1972)، تكون النتيجة عجزًا متعلمًا، واستسلامًا، واكتئابًا، أو إعادة كتابة كاملة للقواعد، كما في الذاتية الفصامية.
هذه الملاحظات، على نقصها، توضح أمرًا واحدًا على الأقل: إن خلق الزمن، إذا فُهم بوصفه تكوُّن الأنا وعمله معًا، لا يمكن وصفه من غير مفهوم فرويدي للاوعي. فكل أشكال الزمانية الأصيلة، بما أنها نتيجة لصراعات فعلية، تنطوي على كبت، كما أن كل عملية زمانية، إذ تعمل بواسطة تكرار هذا الخلق، تخصِّص هذا الكبت نفسه. يحتاج الإنسان إلى الكبت إلى حد أن الغياب التام للوجدانات الكابتة يدفعه إلى اصطناعها. فنحن لا نستطيع العيش من دون وجدانات كابتة، أيا تكن؛ فهي غذاء للأنا الأعلى، ووسيلة لإبقاء الرغبة حية. (Abraham 1985, p. 115)
يشكل التولد-الزماني جزءًا من مسار التفرد المتفتح للتماسكات المنظمة في جميع مستويات الكون. فالتشابه في التكيف والتطور والتنظيم الذاتي يكشف أنماطًا مشتركة بين الأشكال المتفردة، ويمكن النفاذ إلى هذه الأنماط بواسطة المنهج الحدسي والأبداكتي القائم على التعاطف، وهو المنهج الذي يشكل أساس التحليل النفسي والإثولوجيا والإثنوغرافيا والسيمياء الفينومينولوجية وغيرها من علوم الذاتية. وحتى في العلوم الطبيعية، كعلم الأحياء والكيمياء والفيزياء، بدأ الاعتراف بهذا المدخل. فإذا استطاع الإنسان أن يسير وفق طريقة الحكيم عند سبينوزا، بأن يضع ذاتيته، على نحو موضوعي، على التوازي مع ذوات أخرى من غير إقرار رضوخ اعتباطي إلا في أضيق الحدود، فقد يستطيع أن يرسم خرائط للأنماط والتنظيمات التي تتخاطب في أنحاء الكون بصور مختلفة.
هذه الأنماط القبلية ليست مخصوصة وفريدة فحسب، بل تدعي كذلك صلاحية كونية. فالبنية الزمانية، حين تُنقل عبر أفعال أو كلمات أو عمل فني، تخاطب الجميع لأنها تكشف عمقها التوليدي. وفي لب هذه الكونية يكمن أن كل إنسان يستخدم أدوات نضج متشابهة، وأن هذا التشابه نفسه يعكس مخزونًا مشتركًا من الوجدانات الأصلية التي عُزفت من جديد في طفولاتنا الفردية. ولهذا كان التعاطف، بالمعنى التوليدي والتحليلي النفسي، ليس مجرد إسقاط، بل شكلًا من المعرفة قابلًا للمقارنة. ولهذا أيضًا يمكن أن توجد معايير، مهما بلغت من الحدس، للتمييز بين العمل الفني الأصيل وبين المحاكاة الجوفاء. (Abraham 1985, p. 117)
إن سيمياء الترجمة علم شعري. فكل الخرائط تحصيل حاصل، بمعنى أنها لا تكشف حقيقة جوهرية، بل تنتج الحقيقة عبر ترجمة شكل متفرد أو نسق متماسك إلى شكل أو نسق آخر، وهو ما يسميه بيتسون (1972) وروسي (1988, 1993) "تحويل المعلومات". وليس هناك، خارج السيادة المحدودة للأحداث المتفردة، إلا هذا التواصل العابر الذي يصل بين هذه الجواهر المفردة. وشعرية أبراهام في الترجمة التحليلية النفسية شبيهة بنوع من عمل التحري، تُستعاد فيه كثافة السيرورة أو الحدث عبر تحليل تنظيمه الذاتي العضوي، حتى يمكن اقتلاعه من ركوده ووضعه على تماس مع حركة صور أخرى متحولة ومتطورة. فتحليل الأعمال الفنية والمؤسسات والذاتيات الإنسانية يحول الرموز الميتة إلى عمليات حية.
اعتدنا أن نتعامل مع الرموز كما يتعامل علماء الآثار مع وثائق مكتوبة بلغة مجهولة يحاولون فكها. فما يُعطى هو "شيء" له معنى. وكثير منا يعيش على الوهم المريح القائل إنه يكفي، لفك [الوثيقة]، أن نضيف معنى إلى "الشيء" أو إلى الهيروغليفات... غير أننا، حين نفعل ذلك، لا نحول إلا نسقًا من الرموز إلى نسق آخر، وهذا النسق الثاني نفسه لا يزال بعيدًا عن كشف سره. والواقع أن قراءة نص رمزي لا يمكن أن تكتفي بتسجيل تعادل واحد لواحد بين حدين. فلن يكتمل عمل الفك إلا إذا استعدنا الدائرة الوظيفية بأكملها، الدائرة التي تنطوي على تعدد من الذوات، والتي لا يكون فيها الشيء-الرمز إلا مجرد وسيط.
وهنا لا بد من تمييز أول بين الشيء-الرمز، من جهة، باعتباره هيروغليفًا، أي الرمز الميت، وبين الرمز، من جهة أخرى، كما يكون مندرجًا في سيرورة، أي الرمز في حال اشتغال، المزوَّد بمعنى، والموحي بذوات عينية، والتي تؤلف معًا وحدة فاعلة. (Abraham 1985, p. 152)
إن المعاني لا تُعطى جاهزة، بل تُخلق عبر الذاتية الإنسانية وتُترجم من خلال الأشكال الرمزية المتفردة، لكي تجد لها تعبيرًا وتواصُلًا في مسار نحو الآخر يذيب الحواجز نفسها التي كانت قد نُصبت. فالسيرورة التي تصنع الزمن والإيقاع والأيض، أي سيرورة الرغبة-الكبت، تشكل جزءًا من الحركة الفوضوية-الكونية لكل تفرد وانحلال، أي من إقامة الحواجز ثم هدمها. وتتحاوز الممارسة التحليلية النفسية عند أبراهام فكرة الأنا أو الذات الفردية بوصفها كيانًا ذا دلالة، كما تتحاوز فكرة التكيف مع ترتيب الأشياء. فالأمر كله مسألة إيقاع، ومسألة لازمة مترددة، ومسألة إصغاء إلى العمليات الخفية التي تعبرنا وتطلب التعبير، كما في الشعر الشفهي للثقافات البدائية (Brown 1991). فالذات هي القصيدة التي تُكتب على العالم، والمحلل ليس إلا مترجمًا آخر، أو قابلة، أو شامانًا يعين على تمام الولادة.
يقوم الإصغاء التحليلي النفسي على طريقة خاصة في معاملة اللغة. ففي الوضع العادي تُعطى لنا المعاني، أما المحلل فتُعطى له الرموز. والرموز معطيات ينقصها جزء ما لم يتحدد بعد، لكنه قابل، من حيث المبدأ، للتحديد. والغاية الخاصة للإصغاء التحليلي النفسي هي العثور على مكمِّل الرمز، واستعادته من حال اللاتعين. ومنذ بدايات التحليل النفسي إلى اليوم، انصبت الجهود النظرية على ابتكار قواعد تسمح لنا بأن نعثر على المكمل المفقود المجهول، أي على الشذرة التي ترمز مع... أو... تشارك في الترميز.
غير أن هذا الإصغاء قد يصادف نوعًا من الكلام يقاوم البحث عن الرمز-المشارك ويُفشل كل محاولة إلى الإتمام. وفي مثل هذه الحالات يبدو كأن معنى الكلمات محجوب بلغز أكثف من أن يُفك بواسطة الأشكال المعروفة من الإصغاء. [ويجب] ألا نتراجع عن البحث عن الرموز-المشاركة مهما بدا الأمر ميؤوسًا منه. فهي لا يمكن أن تكون مفقودة، وإن كانت عسيرة المنال، وإن كان اكتشافها قد يقتضي كسر قواعد الإصغاء المألوفة... (Abraham 1985, p. 152-153)
13. علامات الوجدان – جوليا كريستيفا
كان التحليل النفسي استجابة لتحول في الذاتية الإنسانية. فكما أن تنظيم بعض الأشكال المتشابكة في التطور وانتقاءها قد تبدل بما يرجح تركيز أنماط معينة، فردية كانت أو جماعية أو نوعية أو جينية، كذلك تبدلت النفس البشرية في طريقة تنظيمها للذاتية. وقد حمل الانتقال من الأشكال الجمعية للطقس والدين والمؤسسات السياسية إلى الذات الفردية معه انفعالات جديدة، ومفاهيم جديدة، واعتلالات جديدة. وكان اكتشاف فرويد لانطواء العلاقات الاجتماعية داخل نفس الفرد إسهامًا في اختراع هذه الذاتية نفسها، أي في منحها تعبيرها. ومع ذلك، فقد ظل التحليل النفسي، من وجه ما، متأخرًا خطوة واحدة دائمًا. فالميتاسيكولوجيا الفرويدية والممارسة التحليلية عند فرويد افترضتا سلفًا بيئات أسرية واجتماعية مستقرة تحتوي ذوات مرضاه. والحقيقة أن هذه الاستقرار الكثيف الخانق ذاته هو الذي قاد إلى كثير من الأعراض التي كان يرسم خرائطها. وخلال القرن الماضي، ظل التحليل النفسي يعيد صياغة هذه الخرائط، غير أن النفس نفسها كانت تتغير في الأثناء. فقد أدى انهيار الأشكال المستقرة للاحتواء داخل الاجتماع البشري إلى حياة اجتماعية أشد تفتتًا، وأفضى إلى نفس أشد تفتتًا بدورها.
حاولت جوليا كريستيفا أن تفهم الحالة الراهنة للنفس داخل بيئتها، وأن تفهم كذلك «الاعتلالات الجديدة للروح» التي نشأت، في كثير من الأحيان وسط عمى محللين ومعالجين ما زالوا أسرى خرائطهم وممارساتهم العتيقة. فبدلًا من أن ينخرط الإنسان الحديث في عملية المعنى التي كانت الأفعال تتخذها من قبل، أخذ يختفي داخل الفعل نفسه، داخل حركة الأشياء والمعلومات التي تصنع روابط مجردة من السيادة أو الروح.
لقد حلّت الأفعال والتخلي الوشيك عنها محل تأويل المعنى.
لم يعد لدينا لا الوقت ولا الحيز اللازمان لكي نصنع لأنفسنا روحًا، بل إن مجرد التلميح إلى مثل هذا النشاط يبدو تافهًا وغير محمود. والإنسان الحديث، وقد أعاقه تباعده البارد، هو نرجسي؛ نرجسي قد يعاني، لكنه لا يشعر بالندم. وهو يُظهر معاناته في جسده، ويبتلى بأعراض جسدية. وتغدو مشكلاته مبررًا لالتجائه إلى تلك المشكلات نفسها التي تستدعيها رغبته على نحو مفارق. وإذا لم يكن مكتئبًا، جرفته أشياء تافهة عديمة القيمة تمنحه لذة منحرفة، لكنها لا تمنحه إشباعًا. وهو يعيش في زمان ومكان متشظيين متسارعين، ولذلك كثيرًا ما يعجز عن الاعتراف حتى بهيئته الخاصة؛ وقد تُرك من غير هوية جنسية أو ذاتية أو أخلاقية، فغدا هذا الكائن البرمائي كائن حدود، حدّيًا، أو «ذاتًا زائفة»؛ جسدًا يفعل، في الغالب من غير حتى أفراح هذا السكر الأدائي. إن الإنسان الحديث يفقد روحه، لكنه لا يعرف ذلك، لأن الجهاز النفسي هو ما يسجل التمثلات وقيمها الدلالية بالنسبة إلى الذات. (Kristeva 1993, p. 7-8)
كانت الأعراض العصابية في الماضي طقوسًا تتطلب خبرة ذاتية بالزمن، ذلك الزمن الذي لم يعد موجودًا. وبالنسبة إلى كريستيفا، فإن أعراض اليوم تغدو، على نحو متزايد، ذهانية من حيث إنها تستدعي الطبيعة الفصامية الشديدة للبيئة الاجتماعية والثقافية التي تخرج منها. فالزيادة السريعة في الكفاءة لم تؤد إلى زيادة الزمن الذاتي المخصص للتأمل والمعنى والمقدس، بل أدت إلى اختفاء الذاتية السيادية واختفاء شركتها المشتركة مع الآخر، لصالح تداول المعلومات والخرائط والأشكال لذاتها، من دون روح. وهذا أيسر لنا. فمن دون فرح لا يكون هناك ألم. إننا نتصل بالشبكة. ونتخلى عن التماهي مع خبرتنا الذاتية الفردية، بل والآنية، لكي نختبر أنفسنا بوصفنا أشياء متحررة من وهم المعتقدات.
يمكن لطيف واسع من الاضطرابات أن يقود مرضى جددا إلى أريكة المحلل: صعوبات جنسية وعلاقية، وأعراض جسدية، وصعوبة في التعبير عن الذات، وسأم عام ينشأ عن اختبار اللغة بوصفها «مصطنعة» أو «فارغة» أو «آلية». وقد يشبه هؤلاء المرضى، في الظاهر، المحلَّلين «التقليديين»، لكن «اعتلالات الروح» لا تلبث أن تشق طريقها عبر إغرائهم الهستيري والوسواسي، وهي اعتلالات لا تكون بالضرورة ذهانات، لكنها تستدعي عجز المريض الذهاني عن ترميز صدماته التي لا تطاق. (Kristeva 1993, p. 8-9)
وكما يفعل باتاي (1973, 1975)، تطرح كريستيفا على الإنسانية المعاصرة مشكلة مزدوجة. أولًا، إن الحال الراهنة ليست مجهزة بأي وجه للتعامل مع دوافع الخبرة الإنسانية، وما نراه ليس إلا مخارج جديدة، أي أعراضًا جديدة نتجاهلها أو نتظاهر بأنها نتيجة عدو خارجي. إن التزايد المطرد في الأعراض الجسدية والنفسية والاجتماعية يجعل فكرة التقدم التكنولوجي في الصحة وفي شروط العيش العامة فكرة عبثية. فالأعراض لا تختفي، بل تغير شكلها فحسب. لكن كريستيفا، مثل باتاي، تواجه أيضًا إمكان أن تجد الإنسانية «حلها» عبر المحو المطلق للذاتية. وفي هذه الحال قد تتمكن السيكو-فارماكولوجيا، والواقع الافتراضي، والتقانة الحيوية من حجب كل ما يشكل التكون الإنساني المتكاثف. وعندئذ تكون التنظيمية الذاتية للإنسانية قد تبدلت إلى حد تبلغ معه اكتمال تكونها المتكاثف؛ أي إنها تموت.
غير أننا نرى بسهولة شديدة أن هذا التحول قد يبدو نافعًا. فليس الأمر مجرد سلعة أو صيغة جديدة من «أفيون الشعوب»، بل إن التحول الجاري في الحياة النفسية قد يكون تمهيدًا لإنسانية جديدة، إنسانية تستطيع وسائل راحتها النفسية أن تتغلب على القلق الميتافيزيقي وعلى الحاجة إلى المعنى. ألن يكون رائعًا أن يكتفي المرء بحبة دواء وشاشة تلفاز؟ (Kristeva 1993, p. 8)
وطبعًا، فإن التمسك بالذاتية السيادية التي تميز الإنسانية هو إقرار باختيار اعتباطي، أي هو اختيار. أما تحور الإنسانية إلى شكل آخر من الذاتية من دون ما تسميه كريستيفا «روحًا»، أو ما يسميه باتاي «سيادة»، فهو عند كثيرين الخطوة التالية في التطور، سواء وعوا دلالاته أم لم يعوها. أما كريستيفا فترى أن روح الاختيار الفردي والمعنى، القادرة على أن تميز نفسها من الآخر، وأن تنقل هذه العزلة في الوقت نفسه وتجسر الهوة بين الذات والآخر، هي جوهر الإنسانية. فبغيرها لا تكون هناك إنسانية. ولعلنا نستطيع تعريف الذاتية الإنسانية بقدرتها على التمايز من الكائنات الأخرى واختيار نفسها بنفسها، أي على اقتناص فرادتها الخاصة وإنجاز لذتها. واستدعاء هذه الفرادة هو بالضبط ما توصي به كريستيفا في الممارسة التحليلية. فقد تخدم خرائط النفس بوصفها قوالب إرشادية، لكن كل ذاتية فردية تبقى، في نهاية المطاف، عالمًا قائمًا بذاته.
ومع ذلك تبقى الحقيقة أن المحللين الذين لا يكتشفون اعتلالًا جديدًا للروح في كل واحد من مرضاهم لا يقدّرون فرادة كل فرد تقديرًا كاملًا. وكذلك يمكننا أن نضع أنفسنا في قلب المشروع التحليلي حين ندرك أن هذه الاعتلالات الجديدة للروح تتجاوز أنظمة التصنيف التقليدية وما يلازمها من مراجعات لا تنتهي. والأهم من ذلك أنها تجسد صعوبات أو عوائق في التمثيل النفسي تنتهي إلى تدمير الحياة النفسية. إن إحياء النحو والبلاغة، وإغناء أسلوب من يريدون أن يتكلموا معنا لأنهم لم يعودوا قادرين على البقاء في الصمت أو على البقاء مطروحين جانبًا، ألا يعكسان تلك الحياة الجديدة وتلك النفس الجديدة اللتين يرغب التحليل النفسي في التنقيب عنهما؟ (Kristeva 1993, p. 9-10)
إن تمثلات النفس التي تمد بها الأشكال الرمزية الثقافية الذاتَ الفردية يمكن استخدامها من غير أن تؤدي وظيفة تجسيد وجدانية الحياة أو ترجمتها. فالصور والعلامات والرموز تتخلل الحياة الاجتماعية الحديثة بوصفها خلقًا لأشياء عبر مشهد إعلامي منفصل، من غير أن تتطور انطلاقًا من الخبرة الداخلية إلى الخارج. وتسير كريستيفا على خط غواتاري في جعل الممارسة التحليلية براغماتية للنفس، تُنمَّى فيها التعبيرات والمدركات والانفعالات والمفاهيم من خلال ما ينجح داخل كل حدث ذاتي. فالبنى وخرائط النفس قد تساعد على اقتراح إمكانات، لكنها، مثل «شبكة» بيون، ينبغي ألا تخنق بناء الذواتيات الجديدة عبر ترشيح الخبرة الممكنة من خلال فئات جامدة.
وبعبارة أخرى، فإن المفاهيم الطبنفسية من قبيل «البنية»؛ الهستيرية، والوسواسية، والفصامية، والبارانوية، إلى آخره، قد تقدم للمحلل مخططًا أوليًا بدائيًا يجده نافعًا، لكنها لا تستطيع الصمود أمام تحليل مجهري ينتبه إلى تنوع الممثلين النفسيين وتعدد قيمهم. ولدينا اليوم اهتمام متزايد بالتداخلات البنيوية وبـ«الحالات الحدّية»، لا لأن هذه الحالات مجرد ظواهر سريرية جديدة تدل على نمو الذاتية والأحوال النفسية، بل لأنها تملك فضلًا إضافيًا هو زعزعة أسس أنظمة التصنيف التقليدية. (Kristeva 1993, p. 35)
وبالنسبة إلى كريستيفا، فإن «الحالة الحدّية» ليست فئة تشخيصية، بل هي الموقع الهش المتزايد الشيوع الذي نُلقى فيه على تخوم النظام والفوضى. وقد سعى بايتسون، وغواتاري، ولاينغ، وغيرهم من معالجي «اللاطبنفسية» إلى تحويل الانهيار الفصامي إلى اختراق، بدل تثبيت الذواتيات وشلها في حالة من الفوضى أو الاعتلاج. وتقترح كريستيفا أن محلَّل اليوم، بل وذات المجتمع المعاصر على نحو متزايد، يقدم مثل هذا النظام المعقد الهش، الذي يمكن أن يتحور صوب الغنى أو أن ينحدر صوب الانهيار.
لقد قادها انتسابها المزدوج إلى التقليد اللاكاني وإلى تقاليد التحليل النفسي الأقدم، وإلى الممارسات السيميائية، إلى تطوير خريطة كاملة للذاتية الإنسانية ولممارساتها التحويلية. وعلى الرغم من أهمية انتباه لاكان إلى التعبير الرمزي عن الخبرة وضرورته النهائية في بلورة اللذة، فإن كريستيفا لا تخشى الاشتغال بالأشكال ما قبل الرمزية للانفعالات على مستوى المتخيل والواقعي. بل قد يكون الرمزي نفسه، في مستوياته التجريدية من التطور المعرفي والواعي واللغوي، هو ما يحجب عمق الأثر الوجداني. وهي تسعى إلى اختراق المآزق الفكرية عبر استدعاء العاطفة بواسطة انخراط هستيري-درامي في المتخيل. وهذه العودة إلى الفوضى يمكن أن تطلق قوى الطاقة أو الدوافع، التي يمكن عندئذ أن تُترجم وتُجسَّد في ممارسات دلالية سيميائية جديدة، تجسد تعقيد المدرك والوجدان والمفهوم والفعل، من خلال تعبيرية لا تغمر فيها تجريدات الرمزي كثافة الحدث.
وأمام مثل هذه المشكلات، تملك التقنية التحليلية حلين ممكنين:
تعبئة الانفعالات، من غير تردد في تشجيع الجانب السيكودرامي للعلاج، وهو الجانب الذي يجذب الهستيريات، لأن هذا النمط يمكّنهن من التعبير عن الوجدان. فحشد الوجدان مضاد للكف في العملية الدلالية. والانفعالات الجديدة التي تتحقق في التحويل تربك مسار التعقلنة ووظيفة الكف الملازمتين للفعلنة الفكرية. ويعبئ المحللون الوجدان بأن يقدموا أنفسهم صراحة، أثناء التأويل، بوصفهم مغناطيسًا لليبيدو. وهذا التشديد على أناه المحلل هو «تخييليّة» للعلاج، قادرة على مجابهة التوحد الحسي عند الهستيري.
ويمكن بعد ذلك أن يؤدي تحويل الإدراك والإحساس إلى لفظ إلى تحرير العملية الدلالية التي انسحبت دفاعيًا عبر التعقلنة، أي إلى استعادة صورة الجسد المؤرَّج، واستعادة الإحساس والإدراك بإعطائهما اسمًا. فالذوات لا تُبعث إلى الحياة إلا إذا منحت الإدراكات والأحاسيس دلالة. ومن دون هذه الدلالة نواجه الانفصال بين أنا-الكوجيتو وبين أنا موصولة بانفعالات غير قابلة للتواصل. فما صورة الكف؟ إنها أنا-الكوجيتو المقطوعة على يد الأنا المثقلة بالوجدان والتي تعوق أنا-الكوجيتو. فهل يمكن أن تكون الذات هي مجيء الواحد في الآخر، مجيء أنا-الكوجيتو في الأنا المثقلة بالوجدان، وبالعكس؟ (Kristeva 1993, p. 99-100)
تعيد كريستيفا دمج العنصر اللغوي-الأسطوري في التحليل النفسي مع التعبير الميتانفسي عن الدوافع والقوى، عبر تنظيم إدراكي وعاطفي ومفهومي يذكّر بممارسة يونغ في التفرد وبالسيكوسنثيزيا (Rossi 1985). فالتداعي الحر لا يطلق الرمزي وحده، بل يطلق أيضًا تعددًا من الدوافع والقوى عبر أنظمة ما قبل دلالية وعبر لايقينات مرافقة. ويغدو الفضاء التحليلي، سواء في الممارسة الخاصة أو في المجالات المؤسسية، بيئة ميسرة لإعادة اكتشاف الأبعاد الزمكانية للذات وإعادة بنائها.
إن نوع الذاكرة الذي يولده التداعي الحر هو بحث عن الماضي. وهذه الذاكرة تمكّن الذوات من مواجهة خبرتها الصدمية باللغة، غير أننا لا نستطيع استدعاء هذه الذاكرة الصدمية من دون أن نفتح في الوقت نفسه جنيالوجيا العلامات المعرفية؛ أي من دون أن نقلب الكوجيتو إلى الإحساس... فالزمن المستعاد ليس شيئًا آخر غير الذات، ولكن بقدر ما تكون هذه الذات قادرة، من خلال اللغة المعرفية، على كشف الإدراك نفسه. (Kristeva 1993, p. 100)
إن الفضاء التحليلي عند كريستيفا هو تطوير لما يسميه وينيكوت البيئة الميسرة، حيث يدخل مجال الذاتية الإنسانية كله في اللعب وفي إعادة الاشتغال. وهي لا تتردد في توسيع ميدان التحليل ليشمل الدرامة، والممارسات السيميائية، وكل ما ينجح. ومن هذه الجهة، فهي تسير في اتجاه المعالجين الأسريين ومعالجي النظم المعاصرين في اتخاذ مقاربة أكثر انفتاحًا وتجريبية للذاتية المندمجة في شبكة معقدة من العلاقات، لكنها لا تفقد أبدًا البصر بعمق اللاوعي النفسي الذي تكشفه أعمال التحليل النفسي التقليدية (Elkaim 1990, Andersen 1991, Boscolo & Bertrando 1993, Cecchin et al 1992, Watzlawick et al 1974, Simon 1996). وتبقى غاية الخبرة الإنسانية هي لذة الذات كما تتحور عبر الزمن، أي سيادة المعنى كما تُعاش مباشرة داخل النظم المندمجة إيكولوجيًا وخارجها في الوقت نفسه. ولهذه الغاية تقدم كريستيفا خبرة النساء والأطفال والفنانين، الذين يستطيعون، بفضل الانفتاح واللعب، صون المجال التخيلي عبر تنمية الأشكال السيميائية والرمزية. وقد يغدو المحلل في المستقبل، لا مجرد الذات المفترضة المعرفة، أو الموضوع المعد للاستعمال، أو الحاوي، بل مرشدًا عبر سلسلة من الممارسات السيميائية والنويتيكية الفردية والجماعية، التي تعيد تنظيم خبرة النفس بالعالم وتحول الذاتية إلى تعدد من الأشكال.
والنساء، من دون شك، قادرات على هذه اللدونة التحويلية وعلى هذه الدينامية المراهقة. وفوق ذلك، فإن بعض الذوات تبلغ بلورة هذه الخصوصية رمزيًا ونقلها نقلاً إبداعيًا، وأعني بذلك الفنانين. فهناك «تدجين» للانحراف يتبع ذلك، يرتكز إلى أب مثالي، ويتيح لنا أن نتكيف مع الآخرين ببذل أقصى جهدنا داخل لذة مثلى.
وأنا مقتنعة بأن هذا النوع من الخصوصية ضروري إذا أراد المرء أن يصير محللًا. (Kristeva 1993, p. 200)
14. التحليل الفصامي والكاوسموسيس – فيليكس غواتاري
مع فيليكس غواتاري يبلغ التحليل النفسي تحوله المطلق واكتماله بوصفه نظرية وممارسة للذاتية. فقد أتاح له عبوره المتعدد لخطوط المسار، بوصفه محللًا وناشطًا وفنانًا وفيلسوفًا، أن يعيد التفكير في الجهاز التحليلي مرة بعد مرة. ومع أنه يفي بجذوره الفرويدية واللاكانية حقها من الوفاء، فإنه لا يكف عن تطوير مقاربة براغماتية تستعير الأفكار والاستعارات والأمثلة والإمكانات وتبادلها وتشغيلها، من حقول شديدة التباعد.
لقد غدت خريطة فرويد الأصلية للنفس، في نظر غواتاري، عاجزة على نحو متزايد عن العثور على جواب واضح. وعلى العكس من ذلك، فإن تعدد الأعراض التي تتجلى من لا تجانس اللاوعي الفوضوي، وتتشكل في صور شبه مستقرة، يكشف الطبيعة الكسيرية والمعقدة للنفس. ففي كل نقطة يكون ما يُكتشف هو نفسه ما يُخترع في الوقت عينه. إننا لا ندرك الواقعي، ولا نتلقاه، كما هو. بل نخلق «واقعنا» داخل الواقعي. فالإدراك/الخلق هو تنظيم الأحداث في صور جديدة، من اللحظة الفردية إلى النظرية الكبرى، بدرجات متفاوتة من السلبية والفاعلية.
إن اللاوعي، حين يُعرض بوصفه كونًا من عدم التناقض، ومن التولد غير المتجانس للأضداد، يطوّق أقاليم العرض الظاهرة، وهي أقاليم ينذر ميلها إلى الاستقلال الذاتي وإلى التكرار الأوتوبيويتي والمرضي والباتوجيني بتهديد وحدة الذات. وهذا ما سيتكشف، فوق ذلك، في تاريخ العيادة التحليلية، بوصفه أمرًا أشد فأشد هشاشة، بل متكسّرًا كسيريًا. وليست الخرائط الفرويدية وصفية فحسب؛ إنها لا تنفصل عن براغماتية التحويل والتأويل. وعلى أي حال، أذهب إلى أنها ينبغي أن تُفصل عن منظور دلالي، وأن تُفهم بوصفها تحويلًا لوسائل التعبير، وطفرة في القوامات الأنطولوجية تطلق خطوطًا جديدة من الممكن، وذلك انطلاقًا من مجرد وضع ترتيبات جديدة للإنصات والنمذجة. (Guattari 1992, p. 62-63)
لا ينجح التحليل النفسي الفرويدي في نمذجة النفس كاملة، كما لا تنجح أي نظرية في ذلك، لكنه يخلق طرائق جديدة لاختبار العالم لا يمكن إلا أن تواصل تحولها عبر الممارسة. فالنفس، في الحقيقة، تسبق النظرية دائمًا. أما الذات حين تُجوهر فإنها لا تصبح إلا أسيرة، أو «مخضعة»، لتلك التعريفات والأوامر التي تنحدر من الأعلى. والذاتية نفسها تستدعي الجوهر السيادي للقطب الذاتي من الخبرة كما تُعاش، وهو ما يحدد حدود كل صورة عابرة وفرادتها. لقد اخترعت الخريطة الفرويدية صورًا جديدة من الذاتية، أي طرائق جديدة لاختبار العالم، لكنها ضاعت على أيدي أتباع فرويد لحظة تحولت إلى عوامل وصفية موضوعية بدل أن تبقى أنماطًا ممكنة للسكنى. وما هو على المحك عند غواتاري هو رفض التعريف انطلاقًا من المعايير أو من النقص. فالفكرة ليست جعل اللاوعي واعيًا، لأن الوعي يدمر الغيرية، بل إنجاز تغاير اللاوعي نفسه. فإذا كان اللاوعي خزانًا فوضويًا للممكن، فهو ليس موضع الآخر، بل موضع الآخرية نفسها، أي الغيرية. والغيرية هي لغز المجهول، أما الوعي والمعرفة والسيادة الدلالية فإنها تدمر دائمًا هذا اللغز الكامن في قلب الوجود.
لقد أحدثت النمذجة الفرويدية، مع اختراع الجهاز التحليلي، إثراء واضحًا في إنتاج الذاتية، وتوسيعًا لنجومها المرجعية، وفتحًا براغماتيًا جديدًا. لكنها سرعان ما اصطدمت بحدودها، بسبب تصوراتها العائلية والتعميمية، وبسبب ممارستها النمطية في التأويل، وفوق ذلك كله بسبب عجزها عن تجاوز السيميولوجيا اللغوية. وإذا كان التحليل النفسي يفهّم الذهان من خلال رؤيته للعصاب، فإن التحليل الفصامي يقارب جميع أنماط التذويت في ضوء الكيفية التي يكون بها الذهان في العالم. ذلك لأن النمذجة العادية للوجود اليومي لا تنكشف من عريها الكامل في أي موضع مثل هذا الموضع؛ فـ«بديهيات الحياة اليومية» تعيق الوظيفة اللادلالية، أي درجة الصفر من كل نمذجة ممكنة. ففي العصاب تظل المادة العرضية غارقة في وسط الدلالات المهيمنة، أما في الذهان فإن عالم الـDasein المعياري يفقد تماسكه. وتغدو الغيرية، من حيث هي كذلك، السؤال الأول. فما يتصدع ويتشقق ويتفصم ويهذي ويهلوس، عند مواجهة وضع العالم الموضوعي، هو وجهة نظر الآخر فيّ، والجسد المعترف به في مفصليته مع الجسد المعيش والجسد المحسوس؛ وهذه هي إحداثيات الغيرية المطبعة التي تمنح البداهة الحسية أسسها. (Guattari 1992, p. 63-64)
لقد ركز فرويد نمذجته للنفس حول الأعراض العصابية التي كانت تميز ذواتيات وسطه، وكان الذهان يُعرّف دائمًا، بالقياس إلى هذه الأعراض المعتدلة الوظيفة، بوصفه انهيارًا مطلقًا. ولذلك أحجم معظم المحللين عن التعامل مع الخبرة «الذهانية». أما عمل غواتاري مع الفصاميين فقاده إلى الاقتراب من هذه الذواتيات من غير وصم مسبق، وإلى فهم الحالة الفصامية أو الكسيرية للنفس بوصفها جوهر الذاتية الإنسانية كلها.
وبدل أن يبحث، مثل كلاين، عن تكامل للانشطار البدئي، أو مثل لاكان عن تعبير رمزي للذات المنقسمة، يخترع غواتاري «التحليل الفصامي» بوصفه عملية لرسم خرائط الطبيعة غير المتجانسة للذاتية الإنسانية وإعادة بنائها على نحو استباقي. فهو يفكك الوسم القدحي للنقص الذي يشتغل به مفهوم الفصام، ويكشف في الوقت نفسه الطبيعة الفصامية الجوهرية للخبرة الإنسانية المسكونة بالغيرية. والحدث الموسوم بـ«الفصام» لا يُمجد بحال، بل يُعرض بوصفه واحدًا من الانهيارات الممكنة الكثيرة على حدود النظام والفوضى، وهو انهيار يفشل، بسبب شلله وتحجره تحت وطأة الوسوم والأحكام والقيود الجسدية والكيميائية، في أن يقود إلى اختراق أو إعادة تنظيم، فيبقى «معلقًا» في الاضطراب، كما يصف بريبرام (1991) الأنظمة المعقدة. ومع ذلك فالمقصود ليس تمجيد الفوضى أو الخبرة الفصامية، بل مضاعفة إمكانات إعادة التنظيم أو استرداد «الأقاليم الوجودية» للسيادة والمعنى، أي تلك اللحظات الذاتية المشبعة بفرادتها الخاصة.
من الواضح أن التحليل الفصامي لا يقوم على محاكاة الفصام، بل على عبور، على مثاله، حواجز اللامعنى التي تمنع الوصول إلى النوى اللادلالية للتذويت، وهو السبيل الوحيد إلى زحزحة أنظمة النمذجة المتحجرة. وهو يفترض توسيعًا أمثل لمداخل البراغماتية إلى تكوينات اللاوعي... ومن ثم فإن المركب الذهاني ليس شأنًا يخص التواصل اللفظي والتحويل المفرد فحسب. فمعالجة الذهاني، في سياق العلاج النفسي المؤسسي، تشتغل، عبر مقاربة متجددة للتحويل، على أجزاء من الجسد، وعلى كوكبة من الأفراد، وعلى جماعة، وعلى مجموع مؤسسي، وعلى نظام آلي، وعلى اقتصاد سيميائي، إلخ. (طعوم التحويل)، ويُفهم ذلك بوصفه صيرورة رغائبية، أي بوصفه شدة وجودية باتية، يستحيل تطويقها بوصفها كيانًا متميزًا. والهدف من مثل هذه المقاربة العلاجية هو أن تزيد، قدر الإمكان، مدى الوسائل المعروضة في إعادة تركيب الأقاليم الجسدية والبيولوجية والنفسية والاجتماعية للمريض.... وإذا عوملت المؤسسة العلاجيّة بوصفها مجموعة من الآلات الاجتماعية الأوتوبيويتية والعرضية، فإنها تغدو حقلًا مواتيًا لتمييز تلك المتجهات التي تتقاطع مع الذاتية المفردة وتعمل فيها رغمًا عنها. (Guattari 1992, p. 68-69)
إن ما هو موضع رهان في تحويل الذاتية هو مشهد، أو سيناريو، تتقاطع فيه الأبعاد الإدراكية والوجدانية والسيميائية والمفهومية على خطوط قوة متعددة. وقد كانت عيادة لا بورد، التي ساعد غواتاري في تأسيسها، نموذجًا للتجريب بمقاربات مؤسسية للخبرة «الفصامية». ومن خلال لا بورد نقل غواتاري الممارسة التحليلية من محيط غرفة الاستشارة الخاصة إلى البيئة المؤسسية نفسها، حيث يعاد الاشتغال على الرغبات والعلاقات والتعبيرات عبر تعدد من الممارسات الفردية والجماعية.
تأملوا، على سبيل المثال، المجموع الفرعي المؤسسي الذي تشكله مطبخ عيادة لا بورد. فهو يجمع أبعادًا اجتماعية وذاتية ووظيفية شديدة التغاير. ويمكن لهذا الإقليم أن ينغلق على نفسه، وأن يصبح موضعًا للمواقف والسلوكات النمطية، حيث يؤدي كل واحد آليًا لحنه الصغير الخاص. لكنه قد يكتسب حياة أيضًا، ويطلق تجمّعًا وجوديًا، وآلة دافعة، لا من النوع الفموي وحده، يكون لها أثر في المشاركين في أنشطته أو حتى في العابرين به. وعندئذ يغدو المطبخ مسرح أوبرا صغيرًا: يتكلم الناس فيه، ويرقصون، ويلعبون بكل أنواع الأدوات، بالماء والنار، بالعجين وسلال القمامة، بعلاقات الهيبة والخضوع. وبوصفه موضع إعداد الطعام، فإنه مركز لتبادل التدفقات المادية والدلالية ولكل أنواع الخدمات. غير أن هذا الأيض التدفقات لن يكون له معنى تحويلي إلا بشرط أن يشتغل الجهاز كله فعلًا بوصفه بنية ترحب بالمكونات ما قبل اللفظية لدى المرضى الذهانيين. وهذا المورد، مورد الجو أو الذاتية السياقية، يتحدد هو نفسه بدرجة انفتاح هذا المجموع الفرعي المؤسسي، أي بمعامل عرضيته، على بقية المؤسسة. (Guattari 1992, p. 69)
ومن غير أن يتحول إلى تابع للاهوتيات التحليلية أو مخدوع باليوتوبيا السياسية، يظل غواتاري يفكك الأفكار الجامدة باقترابه من الوقائع البراغماتية ومن الإمكانات اللامتناهية التي تنطوي عليها كل وضعية. فهو لا يطرح العلاج النفسي الفردي جانبًا، بل يستعيده بوصفه واحدًا من العوالم الممكنة الكثيرة لإعادة الاشتغال على انفعالات التحويل والتمسرحات والطقوس وغيرها من التجسدات ما قبل السيميائية والدلالية للدوافع. ويكشف غواتاري التحيزات والأخلاقيات الملازمة للفئات التشخيصية وللغايات العلاجية، وذلك عبر إعادة صياغة الممارسات العلاجية والتربوية والإبداعية وإذابة الحدود الفاصلة بينها. فالذواتيات موسومة بتكون ذاتي كثيف أوتوبيويتي لكائنات وأنظمة ليست بالضرورة فردية، بل علائقية ووجودية وآلية. ومن هنا فإن التركيز على الأنظمة والتركيبات يلتف على الفئات الجامدة من غير أن يفقد جوهر الوضع المعيش الملموس الذي تستدعيه الممارسات السياسية-الفنية عند غي دوبور (1967, 1988).
إن العالم النفسي الأشد توحدًا ليس في ذاته عالمًا خاليًا من الغيرية. إنه منخرط فحسب في كوكبة من الأكوان المنفصلة عن التجميعات المهيمنة للاجتماعية. ويمكن مد خطوط إلى الذهاني عبر وسائط تمنح بعض مكونات هذه الأكوان قوامًا، أو عبر ضم مكونات أخرى لم تكن موجودة من قبل. (بإدخال مواد تعبير مجهولة للذات، مثلًا، من الفنون التشكيلية، أو الفيديو، أو الموسيقى، أو المسرح، أو ببساطة... الطبخ!). إن الخرائطية التحليلية الفصامية تقوم على القدرة على تمييز تلك المكونات التي تفتقر إلى القوام أو إلى الوجود. غير أن الأمر هنا يتعلق بمسعى بالغ الهشاشة، وبخلق متواصل لا يستند إلى أي سند نظري معد سلفًا. فانبثاق الخطاب في مطبخ لا بورد، إذا بقينا مع هذا المثال، يمكن أن يقوده إلى أداء دور المحلل الجزئي، من غير أي ضمان زمني. وتدعو الخاصية الأوتوبيويتية لهذا النمط من الهيئات إلى تجديد دائم للتجميع، وإلى التحقق من قدرته على استقبال الفرادات اللادلالية، أي المرضى غير المحتملين، والصراعات غير القابلة للحل، وإلى إعادة ضبط مستمرة لانفتاحه العرضي على العالم الخارجي. ولعل شبكة نوى التلفظ الجزئي وحدها، بما تضم من جماعات واجتماعات وورش ومسؤوليات وتجمعات عفوية ومبادرات فردية، هي التي تستحق اسم المحلل المؤسسي. أما عمل المعالج النفسي في المكتب فليس إلا حلقة داخل هذا الجهاز المعقد؛ والتحويل المفرد ليس إلا عنصرًا واحدًا من عناصر التحويل المعمم الذي سبقت الإشارة إليه. وكما أن الفصامي قد قطع مراسيه مع التفرد الذاتي، كذلك ينبغي لتحليل اللاوعي أن يعاد تمركزه حول العمليات غير الإنسانية للتذويت التي أسميها آلية، لكنها أكثر من إنسانية، بل فوق إنسانية بالمعنى النيتشوي. (Guattari 1992, p. 71-72)
وبحسب نيتشه، فإن «الإله قد مات» وإن الإنسان جسر إلى صورة أخرى. ويضيف فوكو (1969) إلى ذلك أن الذاتية الفردية التي خلقتها وعاشتها إنسانية الماضي قد فارقتنا بالفعل. أما منظرو «ما بعد الحداثة» فيعلنون موت السرديات الكبرى وتسطيح الخبرة، حيث يصبح كل فرد، كما قال وارهول، «مشهورًا خمس عشرة دقيقة» (Lyotard 1979). ويلتقط غواتاري هذا الخيط لكي يتجاوز الإنساني، لا صوب تخيلات العقل الجمعي في الفضاء السيبيري، بل صوب ذواتيات جديدة من التناهي اللامتناهي. فإذا كان المتناهي هو ما يحبس الخبرة الذاتية ويجمدها داخل آليات السيطرة، وكان اللامتناهي هو ما يذيب كل تكونات الكثافة في اعتلاج اللامتمايز، فإن التناهي اللامتناهي هو عملية الكاوسموسيس نفسها التي تميز جميع الأنظمة المتقلبة بين النظام والفوضى، والتي تُبنى فيها الفرادات السيادية على نحو متواصل. ومن هنا، فإن الممارسات التحليلية التحويلية ينبغي أن تتوسع أخيرًا إلى ما وراء غرفة الاستشارة الخاصة، لتشمل الجماعات الإيكولوجية، والتنظيمات الإنتاجية، وبيئات التعليم والشفاء، في براغماتية كاملة للحياة، معنية بإنزال المعنى السيادي في الأنظمة المعقدة ضمن مضاعفة الإمكانات.
وهذا النوع الجديد من الإجراءات ليس مقصورًا على تحليل الذهانيين، بل يمكن تطبيقه أيضًا على العصابيين، وعلى السيكوباثيين، وعلى «الأسوياء المرضيين»... وهو يضع موضع السؤال الأجهزة التحليلية المستقبلية في مجال التربية، وفي حياة الحي، وفي إيكولوجيا التقاعد، عبر حقل كامل من الثورات الجزيئية، ويعمل كذلك على الإفلات من التصحر الاجتماعي المعاصر. ومن ثم ترتفع رهانات إعادة تركيب التحليل نظريًا على مستوى الميتانمذجة. وهي تتعلق، أولًا، بتحليل نفسي يكف عن تقييد استيعاب الأكوان اللامادية وتعقيمه، وعن تقييد الصيرورات المفردة وغير المتجانسة. (Guattari 1992, p. 72)
ومن خلال تحليل الاقتصاد العام للاشتغال العضوي وغير العضوي، تُوائم نمذجة غواتاري للكاوسموسيس بين الذاتية الإنسانية وبين أنماط اشتغال الأنظمة في الكون كله، من غير أن تفقد البصر بفرادتها الجوهرية. فجميع الأنظمة، والأحداث، أو التكونات الكثيفة، تنخرط في عملية كاوسموسيس، وإن اختلفت أيضاتها. ووفق نمذجة ستيوارت كوفمان (1993)، فإن الحالات الشديدة الانتظام، «المتجمدة» أو «الصلبة»، تؤدي وظائفها على نحو ثابت، لكنها تعجز عن التفاعل أو التواصل مع الصور الأخرى، كما تعجز عن التحور إلى حالات أخرى. وعلى الجانب المقابل، فإن الأنظمة الفوضوية «الغازية» شديدة الهشاشة، وعاجزة عن تنظيم أي جوهر أو تقليد من أي نوع. أما بين هذين القطبين، فإن الأنظمة المعقدة «السائلة» تعيش على حافة النظام والفوضى، وتبقى معرضة على الدوام للعبور إلى الفوضى نتيجة تواصلها مع تكونات سيادية أخرى. وهذا الدخول في الفوضى أو في الاعتلاج يجعل الكيان هشًا، لكنه يجعله قادرًا كذلك على التكيف والتطور والتحور، أي على إعادة تنظيم أقاليم جديدة باستمرار.
وللذاتية الإنسانية موضعها الخاص داخل نظام معقد من التكونات الكثيفة. والطبيعة الكاوسمية للنفس أعقد كثيرًا من أي خريطة متاحة. وما نحتاج إليه هو الميتانمذجة، أي عملية التخريط والنمذجة نفسها، تلك التي تحول منظورنا وتتيح لنا اختبار «المستوى المنطقي» الأعلى التالي، على حد تعبير بايتسون (1972) وباندلر وغريندر (1982)، وهو المستوى الذي نستطيع منه أن نختار مصيرنا. فمثلًا، يمكن أن تُعاش إعادة التنظيم المتماثل للأشكال عيشًا سلبيًا بوصفها سيطرة صارمة، وركودًا متحجرًا، وعرضية تكرارية لا مهرب منها، لكنها يمكن أيضًا أن تكون خلقًا فاعلًا لأشكال أنطية ونويتيّة ورمزية. وبالمثل، فإن القطب التغايري المكمل في الكاوسموسيس قد يُعاش بوصفه انهيارًا، وارتباكًا، وتفككًا، أو قد يُقتنص بوصفه غطسة في الغيرية واللايقين تقود إلى إعادة تنظيم الذواتيات.
ينبغي أن نحذر من الاستخدام التبسيطي والتشييئي لفئات مثل التوحد والتفكك في وصف غرابة الفصامي، أو لفقدان الشعور الحيوي في الاكتئاب، أو للـglischrogeny في الصرع... فنحن لا نتعامل في الواقع مع تبدلات عجزية كلية ومعيارية للذاتية العادية، بل مع أنماط من الأوتو-غيرية هي في آن واحد متعددة ومفردة. فالأنا آخر، وتعدد من الآخرين، متجسد عند تقاطع مكونات جزئية للتلفظ، ويخترق من كل جانب الهوية المفردة والجسد المنظم. ولا يتوقف مؤشر الكاوسموسيس عن التذبذب بين هذه النوى التلفظية المختلفة، لا لكي يُجملها أو يؤلفها داخل ذات متعالية، بل لكي يصنع، رغم كل شيء، عالمًا منها. ومن ثم فنحن بإزاء نوعين من التجانس التوليدي: تجانس عادي و/أو عصابي يمنع نفسه من الذهاب بعيدًا جدًا أو طويلًا جدًا في اختزال كاوسمي من نوع فصامي؛ وتجانس باتي-مرضي متطرف يقود إلى نقطة تموضع لتكوينات العالم، حيث لا تجد مكونات الحساسية، المثبتة في زمان ومكان، ومكونات العاطفة والمعرفة نفسها متلازمة فحسب، بل تُضاف إليها أيضًا «شحَن» قيمية وأخلاقية وجمالية. وعلى الجانب المنفعل من أنطولوجيا الفصام نجد تجانسًا اختزاليًا، وفقدانًا للون والطعم والجرس في أكوان المرجع، لكننا نجد على الجانب الفاعل تغايرًا ناشئًا متحررًا من الحواجز المحاكاتية للذات. وهنا يثبت الوجود بوصفه مسؤولية الآخر، عند ليفيناس، حين تتكون نوى التذويت الجزئي في الامتصاص أو الامتزاز مع استقلالية العمليات الإبداعية وأوتوبيويتها. (Guattari 1992, p. 83-84)
وعلى الرغم من الإمكانات اللامتناهية التي تفتحها المسارات التي يقترحها، فإن غواتاري لا يفقد أبدًا البصر بالحدود الملموسة التي نحن مقيدون بها. بل على العكس من ذلك، فإن خريطته للنفس الإنسانية ليست لاهوتًا للنظرية أو للممارسة، بل علمًا إمبريقيًا-ملموسًا-براغماتيًا للذاتية، يشكل أساسًا لفن الحياة. وهو يشبه، من جهة ما، الممارسات التي وصفها كلاستر (1974, 1980) وبودريار (1976) في المجتمعات القبلية البدائية، لكنه ليس عودة إليها بأي حال. فالكاوسموسيس عند غواتاري يرسم خريطة للمسار المعقد الذي يخرج به النظام من الفوضى، وهو المسار الذي تنخرط فيه النفس الإنسانية عبر الميتانمذجة، وتكوين الرمز، والطقس، والأسطورة، على الرغم من حدودها الجينية والبيولوجية والفيزيائية.
ولهذا، فإننا مطالبون أيضًا بأن نستخرج، مرة واحدة وإلى الأبد، من خليط من البديهيات المبتذلة، والأحكام المسبقة، والقوالب النمطية، والمواقف العبثية، أي من تداع حر للحياة اليومية كلها، تلك النقاط Z أو Zen للكاوسموسيس، التي لا يمكن العثور عليها إلا في اللامعنى، وعبر الزلات، والأعراض، واللامخارج، والفعلنة في المشاهد الجسدية، والمسرحة العائلية، أو البنى المؤسسية. وهذا، أكرر، نابع من أن الكاوسموسيس ليست حكرًا على النفس المفردة. فنحن نواجهها في الحياة الجماعية، وفي العلاقات الاقتصادية، وفي الآلية، كالمعلوميات مثلًا، بل وفي الأكوان اللامادية للفن أو الدين. وفي كل حالة تدعو هذه الكاوسموسيس إلى إعادة بناء سردية تشغيلية، أي إلى اشتغال يتجاوز الإعلام والتواصل، بوصفه تبلورًا وجوديًا لتولد الوجود غير المتجانس. ولما كان إنتاج تركيب جديد، واقعي-آخر-افتراضي، ينتج دائمًا عن انقطاع في المعنى، وعن قصر في الدلالات، وعن تجلٍ لتكرار غير مترادف، مثبت لذاته من حيث قوامه، وعن ترقية نوى جزئية من الغيرية لا «تُعرّف» ولا تقبل التعريف، فإن ذلك يحكم على المعالج والعامل في الصحة النفسية بازدواجية أخلاقية جوهرية. فمن جهة، هما يعملان في سجل تولد غير متجانس من الشظايا والقطع، من أجل إعادة نمذجة الأقاليم الوجودية، ومن أجل صوغ مكونات سيميائية عابرة بين كتل من المحايثة في طريقها إلى التحجر... ومن جهة أخرى، لا يمكنهما الادعاء بأن لهما منفذًا باتيًا إلى الشيء الكاوسمي، داخل الذهان والمؤسسة، إلا بمقدار ما يعيدان، بطريقة أو بأخرى، خلق نفسيهما وابتكارهما بوصفهما أجسادًا بلا أعضاء، قابلة لاستقبال الشدات غير الخطابية. ذلك أن إمكان فتوحاتهما لمعاملات إضافية من الحرية غير المتجانسة، وإمكان وصولهما إلى أكوان مرجعية متحولة، ودخولهما في سجلات متجددة من الغيرية، يتوقفان على غمرهما هما نفسيهما في المحايثة المتجانسة. (Guattari 1992, p. 86)
وإذا لم نجوهر الخرائط والنماذج، وإذا لم نخلط بينها وبين الحقيقة، أمكننا أن نستخدم أي واحدة منها. وحينئذ يُستبدل التفوق الإبستمولوجي، بل والأنطولوجي، بتفوق أخلاقي-جمالي: لذة سيادية موسومة بعلاقتها باللذة السيادية عند الآخرين. فالقطب الموضوعي للأنظمة المعقدة المندمجة إيكولوجيًا، الذي ينير موقع الحكيم السبنوزي، يدلنا على حدود فكرنا ووعينا الموضعين، ويكشف العملية الذاتية للمعرفة البراغماتية الملموسة في الترجمات السيميائية والرمزية التعبيرية اللادلالية، أي في هذا الإقرار الاعتباطي، أو فعل الإيمان، أو معانقة ممارسة الرغبة التي نحن هي.
إن الفئات النوسوغرافية، والخرائطيات الطبنفسية والتحليلية النفسية، لا بد أن تخون القوام الكاوسمي للتحويل الذهاني. فهي لغات من بين لغات أخرى، ووساطات من بين وساطات أخرى، من قبيل الهذيان، أو الرواية، أو المسلسل التلفازي، ولا يمكنها أن تطمح إلى أي تفوق إبستمولوجي. لا أكثر من ذلك، ولا أقل! وربما كان هذا كثيرًا أصلًا، لأنها تجسد هي نفسها أدوارًا، ووجهات نظر، وسلوكات خضوع، بل وربما، لِمَ لا، عمليات تحرر. فمن الذي يتكلم بالحقيقة؟ لم يعد هذا هو السؤال. بل السؤال هو: كيف، وفي أي شروط، يمكن للأفضل أن يستحضر براغماتية الأحداث اللامادية التي تعيد تركيب عالم وتعيد تنصيب التعقيد المساري؟ إن النمذجات الإديوسنكراتية المطعمة في التحليل الفردي، وفي التحليل الذاتي، وفي العلاج النفسي الجماعي... تلجأ دائمًا إلى الاقتراض من اللغات المتخصصة. ومشكلتنا في الكاوسموسيس وفي الإفلات التحليلي الفصامي من سجن الدلالة تتجه إلى تعويض هذه الاقتراضات، عبر تفكيك لا دلالي ضروري لخطابيتها، وعبر وضع فعاليتها الأنطولوجية في منظور براغماتي. (Guattari 1992, p. 86-87)
تُفكك الأشكال ثم يُعاد تركيبها. وقد تعاون غواتاري ودولوز (1972, 1980) في سلسلة من الأعمال أصبح كل واحد منهما فيها آخر. وتعاون غواتاري مع ناشطين وفنانين و«فصاميين» من خلال عمليات لم تكن الذواتيات تُسمّى فيها تسمية مستقرة. غير أن الحرية التي استدعاها دولوز وغواتاري صارت بالفعل اعتذارًا لخطوط هروب ينكر فيها الساعون إلى الإفلات ضرورة استعادة الأقاليم التي تشكل المكمل للكاوسموسيس. إن التحليل الفصامي يتتبع أنماط الإفلات والإمكانات الجديدة التي تفتح تشققات في الأشكال المخططة الآخذة في التعفن حولنا وداخلنا. لكن الواقع الافتراضي لأجواء الفضاء السيبيري، والحالات المتبدلة التي تصنعها السيكو-فارماكولوجيا، قد قدما نفسيهما على نحو مفرط لاسترداد «زمن الرأسمال» الذي يختزل فيه كل شيء إلى الموضوعي، ويُسخَّر فيه الجميع للخدمة (Bataille 1973, Debord 1988, Alliez 1992). فالرأسمالية نفسها تحليلية-فصامية في طرائقها لانتزاع الوجود من عمليات الإنتاج والكفاءة؛ إنها تصل دائمًا قبل غيرها.
إن الاحتفاظ بمنطقة سيادية من الذاتية، ولو للحظة أو لمدى حياة كاملة، يتطلب تماهيًا قلّ من يحتملونه وعيًا. لقد كانت الأنا دائمًا «ذاتًا زائفة» مشيدة عبر وعي زائف بالإسقاط التخيلي. لكن الشعور المقدس بالسيادة، وهو جوهر الذاتية، يتجلى في تمزق مأساوي على فقدان كل تكون كثيف متفرد، سيولد ويحيا ويموت على نحو فريد، على الرغم من وحدته مع كلية كل ما هو كائن. وهذا التمزق المأساوي هو الذي يشق عرضيًا الفرادات الذاتية، رابطًا بينها لحظة ما عبر نار من التواصل.
بعد نزع الإقليم يأتي إعادة الإقليم. فـ«آلة الحرب البدوية» التي تفلت من التعيين والدلالة لا بد لها، مع ذلك، من أن تستخدم «جهازًا للاقتناص»، ولو للحظة، لكي تنظم خبرتها: إن الفوضى تُغوى إلى النظام. والكاوسموسيس الجدلية والدائرية للوجود والصيرورة هي أيضًا تعددية منفتحة، خطية وهولوغرافية معًا. وقد اقترح نيتشه أنه حيث لا يعود المرء قادرًا على الحب، ينبغي له أن يمضي. أما التحليل الفصامي فلا يقف ليحكم أو ليفهم، بل ينخرط، وينصت، ويغوي، ويفعّل. وإن وعيك بأنك لست الشيء الذي أنت عليه، وبأنك لست شيئًا إن لم تكن كل شيء، لا ينبغي أن يقود إلى العدمية، بل إلى إعادة استثمار العمليات التي فيك ومن حولك، والتي تصير بها كل ما أنت عليه.
الكتاب الثالث. تخريط الاجتماع البشري – الإثنوسيكلوجيا
1. التضحية والسحر – الشامانية
الذاتية اجتماعية بقدر ما هي فردية. فالتمثلات الثقافية للنفس في الأسطورة والطقس والفن والدين تمنح شكلًا جمعيًا خارجيًا لما يبقى في الفرد خبرة داخلية. وبينما نجح التحليل النفسي في رسم خرائط الذاتية المنقسمة للنفس الحديثة، فإن عبقريته الحقيقية تقوم على قدرته على رسم خرائط لذواتيات أخرى تقع خارج هذا المجال. ما دام التحليل النفسي يعيد تجسيم خرائطه للذاتية الحديثة لكي يفهم خبرات حضارات أخرى وأحوالًا أخرى - ومنها، على سبيل المثال، الذاتيات الصوفية والذهانية والنفسية والتنويمية والهلوسية - فإنه لن يكون سوى شكل آخر من المعرفة أو الحقيقة. وتكمن أهمية المنهج التحليلي نفسه في قدرته على إدراك ذواتيات أخرى من دون أن يحولها إلى موضوع من داخل ذاتيته الخاصة. وتستخدم الإثنوغرافيا والإثولوجيا والمقاربات الأبداكتية الأخرى طرائق مشابهة من الملاحظة بالمشاركة في محاولة لرسم خرائط الأحوال الحيوانية والبشرية من الداخل. ولن تبلغ الفهم الميتا-تحليلي للتجربة إمكانها الكامل إلا حين تتراجع أوهام العلم وحدود التخصصات الصارمة أمام مقاربة تحليلية للآخر - سواء أكان إنسانًا أم حيوانًا أم ثقافة أم طاقة أم مادة أم آلة.
ورغم أن العلم الإنساني التحليلي أو الإثنو-نفسي لا يستطيع بالضرورة أن يكشف «الحقائق» المتعلقة بالأشكال الثقافية، فإن ذلك لا يعني أنه لا يمكن اتخاذ مقاربة أكثر موضوعية أو علمية عبر طرائق إثنوغرافية أو تحليلية نفسية أو غيرها من الطرائق الأبداكتية - ربما بجمع أكبر عدد ممكن من الحكايات أو الخرائط حول حدث بعينه، وربما بالعودة إلى المصادر الأصلية والوثائق، أو بجمع تقارير من شهدوا زمنًا ومكانًا معينين. إن ولادة الإثنولوجيا من الفولكلور والتقليد الشفهي لم تنتج سوى مقاربة أخرى لمعرفة التجربة الإنسانية. وبهذا المعنى فإن الفرق بين التاريخ والحكاية يشبه الفرق الذي يصفه جان لابلانش (1987) بين النظرية والخيال. طبعًا، على مستوى ما، كل نظرية هي خيال - وكل تاريخ هو حكاية - ويجب ألا يُنسى هذا. لكن النظرية هي أيضًا شيء أكثر من خيال، من حيث المعنى الذي تكتسبه لدى الناس على نطاق واسع. ومع ذلك يجب ألا ننسى أيضًا أن الخيال أو الحكاية ليسا «مجرد» خيال أو حكاية. فلهما أيضًا آثار واقعية على المستوى الفردي. ومن ثم فالحقيقة الخاصة بالتاريخ والحكاية - أو للنظرية والخيال - لا تُعثر عليها في واقعيتهما أو تخييليتهما، بل في آثارهما البراغماتية في الواقع - في معناهما.
لم يفعل أحد أكثر من ميشيل فوكو (1969) في التشكيك في افتراضات البحث الاجتماعي-التاريخي. صحيح أن فوكو لم يحاول في تواريخه أن يكون شاملًا، لكنه أظهر طريقة أخرى لرؤية التاريخ والحكاية عبر تتبع أنساب الوثائق المنسية والمستبعدة من الزمن - أي عبر تداول اللغة اليومي داخل هذه الوثائق، بدلًا من التاريخ الذي يبنيه المؤرخون. وبأخذه العبارات اللغوية أولًا، بوصفها الطريقة نفسها التي تُنتج بها الحقيقة عبر الإيديولوجيات المهيمنة في عصر معين، أظهر فوكو في الواقع كيف تتشكل رغباتُ وشعورُ وخبراتُ شعوب كاملة بفعل رغبات الآخر، وكيف يُستبعد أولئك الذين يفكرون ويعملون على نحو مختلف عبر بناء الرمزي.
وفوق ذلك، أوضح فوكو لأول مرة الحدود الملتبسة بين تصوراتنا عن التاريخ بوصفه حقيقة، وأساطير الحضارات «البدائية». ومن الواضح أن أهل الماضي آمنوا بحقيقة تواريخهم بقدر ما نؤمن نحن بها - بل أكثر، إذا أخذنا في الاعتبار استعدادهم للقتال والموت من أجلها. وإذا كان ثمة تقدم في منظورنا «الموضوعي»، فلن يأتي إلا حين يبلغ تلك المسافة نفسها التي تتيح لنا أن نرى الحقيقة والخيال في أي (حكاية) في آن واحد. قد يسمح لنا البحث بالاقتراب من «حقيقة» ما جرى فعلًا، لكننا لن نعرف ذلك يقينًا قط.
في المنظور السردي أو التأويلي للتاريخ، ما يهم هو كيف تُروى الحكايات. وهذا لا يعني أن كل شيء يمكن اختراعه، بل يعني أن كل التواريخ، على كل المستويات، ستتضمن على أي حال الخبرة الذاتية للمؤرخ أو الراوي في سياقاته الحاضرة. وهذا أيضًا ما يهم المحلَّل. فالنفس-تحليل ليس تنقيبًا في الماضي لاكتشاف وقائع حياة الذات، بل هو تفكيك لطريقة بناء الذات لحكاية حياتها لنفسها - أو لطريقة بناء الآخرين لها من أجلها. فالصدم ليس حدثًا فحسب، بل هو أثر استحالة إدخال الخبرة الواقعية للذات في الوعي واللغة. إن الصدمات المحددة لا تكشف سوى صدمة الحياة والموت أو فضيحتهما في كل ذات - أي ما يستعصي على الرمزية، لكنه يجب مع ذلك أن يُرمز.
الغاية الحقيقية للمحلل ليست أن يفسر للمحلَّل أو أن يبني له، بل أن يمنحه المساحة لكي يكتشف تنظيره الذاتي الخاص. وإذا كان ثمة شيء، فعلى المحلل أن يفكك كل تنظير ذاتي يصوغه الموضوع، حتى يعترف بطبيعة خبرته - وطبيعة الخبرة الإنسانية - بوصفها خبرة رمزية وترجمية مستمرة للواقع، لا تقوم على أي حقائق أو معارف «حقيقية» موجودة في العالم أو محفوظة لدى أي آخر: أب، أو حبيب، أو معلم، أو محلل.
إذا كان ما نعانيه هو الماضي بمعنى أن نظل محبوسين في «حقيقة» التكرار الدقيق، فالمحرِّر لنا يجب أن يكون الماضي بوصفه عودة أبدية. كانت هذه فكرة فريدريك نيتشه وبيير كلو سوسوفسكي (1969): علم التاريخ بوصفه جينالوجيا للتجربة والفكر يتيح لنا أن نتحرر من أجل خلق مستقبل. هذا التحليل النفسي الاجتماعي-الثقافي هو ما أنجزه فوكو عبر أنسابه في محاولة لتحرير الذات من ثقل ذاتية يحددها لها الوسط الذي ولدت فيه. نحن نعاني، فرديًا واجتماعيًا، من هذا الركود في الحقيقة. وعند فوكو ولاكان، فإن ما هو أحمّ لنا هو ما هو أكثر «إكستيمية» - أي الفكر الآتي من الخارج - المنسي والمستبعد والملعون. إن تذكر ليس الماضي بل كل الماضيات - وخصوصًا أكثرها غموضًا - يشبه، في الإثنوغرافيا، ما يتيح لنا أن نحافظ على ممارسات مختلفة للـjouissance، وعلى طرائق مختلفة في الوجود. وهو ما ينجينا من «جحيم المتماثل».
ووفقًا للعمل الإثنوغرافي لبيير كلاستر (1974، 1980) مع بعض المجتمعات الأخيرة الباقية التي لم تمسها الحداثة، فإن المجتمعات البدائية أو اللا-تاريخية لم تكن قائمة على اقتصاد الكفاف، كما يظن غالبًا أولئك الذين تهيمن عليهم مفاهيم العقلانية والكفاءة، والذين لا يستطيعون تصور جماعة بشرية لا تكون غايتها القصوى مجرد الإنتاج. ومع أن الذاتيات البدائية ربما لم تكن «واعية» بالمعنى الذي تكون فيه الذاتية المنقسمة موجودة، فإنها كانت تمتلك نوعًا آخر من الوعي بطبيعة الوجود الإنساني. وبينما وفر العمل لإنتاج الطعام والمأوى البقاء، فإن هذا لم يكن سوى الوسيلة إلى غاية كانت «مقدسة» بمصطلحات باتاي. إن خبرة المقدس، في صورة عودة إلى الحميمية أو الـjouissance، اتخذت أشكالًا مختلفة من الخبرة الجمعية، بما في ذلك الاحتفال والتضحية والأسطورة. وبالنسبة إلى باتاي، فإن الموت اللحظي للذات الفردية في العودة إلى الجمعي يتجاوز الاجتماعي إلى حد الفيوض مع الكون.
يمثل الموت والعنف حكمًا لاواعيًا عميقًا يقوم على الحفاظ على الذات الفردية والخوف من ذوبانها في العودة إلى الفوضى.
على نحو paradoxical، تكون الحميمية عنفًا، وتكون تدميرًا، لأنها لا تنسجم مع افتراض الفرد المنفصل. فإذا وصفت الفرد في عملية التضحية، فإنه يُعرَّف بالقلق. ولكن إذا كانت التضحية مُزعجة، فذلك لأن الفرد يشارك فيها. إن الفرد يتماهى مع الضحية في الحركة المفاجئة التي تعيدها إلى الامتداد الداخلي (إلى الحميمية)، غير أن هذا الامتزاج المرتبط بالعودة إلى الامتداد الداخلي يقوم مع ذلك على كون الضحية شيئًا، تمامًا كما أن المضحّي فرد. والفرد المنفصل من طبيعة الشيء نفسها، أو بالأحرى إن حرص الشخص على أن يبقى حيًا على المستوى الشخصي هو ما يربط فرديته بإدخال الوجود في عالم الأشياء. وبعبارة أخرى، فإن العمل وخوف الموت متلازمان؛ الأول يفترض الشيء، والعكس صحيح. والحقيقة أنه ليس من الضروري حتى أن يعمل المرء لكي يصبح شيئًا يخافه: فالإنسان فرد بقدر ما تربطه مخاوفه بنتائج العمل. لكنه ليس، كما قد يظن المرء، شيئًا لأنه خائف. فلن يكون لديه قلق لو لم يكن فردًا (أي شيئًا)، والواقع أن كونَه فردًا هو ما يغذي قلقه أساسًا. إنه يخاف الموت ما إن يدخل نظام المشاريع الذي هو نظام الأشياء. فالموت يربك نظام الأشياء، ونظام الأشياء يمسك بنا. والإنسان يخاف النظام الحميم الذي لا يمكن التوفيق بينه وبين نظام الأشياء. وإلا لما وُجدت التضحية، ولما وُجدت البشرية أيضًا. ولن يكشف النظام الحميم عن نفسه في تدمير الفرد وقلقه المقدس. لأن الإنسان ليس داخل ذلك النظام على نحو مباشر، بل يشارك فيه فقط عبر شيء مهدد في طبيعته (في المشاريع التي تكوّنه)، فإن الحميمية، في رجفة الفرد، مقدسة، وتفيض قداسة، وتمتلئ قلقًا. (Bataille 1973, p. 51)
على نحو paradoxical أيضًا، كانت هذه الممارسات العنيفة للمقدس هي التي حفظت الحياة نفسها. فالكائن البشري، بوصفه نظامًا متقلبًا قائمًا على حافة الفوضى، يشارك في هذه الفوضى من أجل أن يحوّل تعقيده ويتطور. لكن «دافع الموت» هذا ينطوي على مخاطرة عالية بأن لا يخرج الكائن من مواجهته مع الواقع. وبالنسبة إلى باتاي، كانت جميع ممارسات المقدس تؤدي وظيفة تنظيم الدورات الإيقاعية للذاتية جماعيًا - أي الحفاظ على النظام عبر الفوضى.
عند الأزتك، لم يكن هدف الحرب الدفاع عن الحدود أو غزو الأرض، بل أسر أفراد من القبيلة الأخرى من أجل التضحية. وكانت الحرب بين هذه القبائل أشبه بالمقامرة - رمية أساسية للنرد توضع فيها الأرواح على المحك، وتكون الجائزة أسر ضحايا للتضحية. وكان شيء يشبه الغريزة الحيوانية يجعل من الواضح أن الضحايا يجب أن يأتوا من الخارج من أجل الحفاظ على البقاء الأساسي للجماعة. لكن لم تكن هناك، في هذه الطقوس، أي رغبة في الانتقام أو العقاب. كان الأمر كله داخل اللعبة. وكان الضحية، قبل أيام من التضحية به، يُمنح أسمى الملذات ويُعامل بأقصى درجات الاحترام وكأنه ملك، وهو ما يجعل الدراما أكثر مأساوية للجميع، ويمنحه السيادة المقدسة التي يستحقها من يسير نحو الموت.
وعند قبائل السكان الأصليين في شمال غرب المحيط الهادئ، أدت ممارسة البوتلاتش غرضًا مشابهًا. ففي بيئة وهبهم فيها الطبيعة وفرة زائدة من الموارد المتاحة، تقلص العمل إلى الحد الأدنى. وكانت الزعامات الكبرى لكل قبيلة تجمع كميات هائلة من الثروة ثم تمنحها لبعضها بعضًا في صورة هدايا. لكن هذه الهدايا كانت تمثل رفعًا للرهن كما في المقامرة، مما يفرض على المتلقي أن يرد أكثر حتى يحفظ ماء وجهه. ومرة أخرى تضع هذه الممارسة للمقدس تحدي المخاطرة بنشوة الحياة في مجال الفقد والتدمير والموت. فثروات كاملة من الطعام والجلود والمجوهرات كانت تُلقى في البحر في لعبة لا يكون فيها على المحك مجرد المكانة، بل البقاء نفسه.
كان فرويد سيتعرف في هذه الممارسات على ما يشبه «دافع الموت». لكن داخل سياق الذاتية البدائية يفقد مفهوم دافع الموت قيمته التقويمية السلبية. فبالنسبة إلى هذه القبائل، كانت جسامة الحياة تُجعل مقدسة بالبقاء قريبة من انحلالها في الموت - ولكن على نحو مهيب يشترك فيه المجتمع كله في موت أي من أجزائه. كان الموت جزءًا من الحياة، وقد أتاحت هذه الممارسات للذاتية الإنسانية أن تختبر سيادة حدث الحياة في تكثفها المحدود. أما دافع الموت في حياة الذات الفردية اليوم فقد لا يكون سوى الشكل اللاواعي لهذه الحقيقة الحتمية للوجود الإنساني. ذلك أنه رغم أن التاريخ والحضارة قد بلغا بالذات الإنسانية إلى أشكال أعلى من الوعي، من حيث القدرة على التجريد وعلى إبعاد نفسه عن مباشرة الدافع لكي يخطط ويفكر ويبدع ويصمد على نحو غير مسبوق، فقد صار في الوقت نفسه أبعد عن موته هو - وربما عن المعنى نفسه لحياته. ولعل اكتشاف اللاوعي أو افتراضه هو نتيجة لهذا الإبعاد. بل لعل اللاوعي نفسه ليس سوى الطبيعة المكبوتة لدافعنا نحو الموت بوصفه رغبة في العودة إلى مباشرة كل ما سلبه منا الحساب الواعي والعقلانية: الحلم، والأسطورة، والذاكرة، والخيال، والروح، والجنسانية، والسُكر، والاستهلاك، والاحتفال.
كان الشفاء النفسي أو الروحي داخل المجتمعات البدائية حدثًا جمعيًا. لم تكن الذاتية الفردية منفصلة عن القبيلة بوصفها كُلًّا، ولذلك كان أي عرض يُعد نتيجة ومشكلة تخص الجماعة. وكان الشامان في آن واحد صوفيًا ومعالجًا، مسؤولًا عن توجيه الجماعة وأعضائها والحفاظ على توازنهم الوظيفي. وقد دُعي إلى موقعه بفعل انهياره هو نفسه - مرضه هو - ولذلك امتلك الشامان بوصفه معالجًا جريحًا معرفة بالجانب المظلم أو ظل الفوضى والشر الذي كان يطارد كل جانب من جوانب الحياة، وكان يحافظ على التوازن بالاعتماد على خبرته الخاصة بالامتداد الداخلي أو الحميمية مع الكون - وهي خبرة استبعدها العلم الحديث والطب والعلاج، كما استبعدتها الكنيسة في العصور الوسطى، وتجاهلتها واضطهدتها.
ولا شك أن الطبيعة العنيفة لهذه الحميمية أو المباشرة تناقض البقاء، لكن الإنسان البدائي حافظ على إيكولوجيا اجتماعية للنفس من دون أن يعيش الانقسام في الذاتية أو الوعي الذاتي الفردي والتأمل الذي يميز خبرتنا الذاتية. فقد خُصص مكان للوقت الذي تُقلب فيه كل أركان النظام والثبات والقانون رأسًا على عقب. وكان زمن الاحتفال - إن لم يُفرض مباشرة - يجد سبيله على أي حال عبر قتل الملك. ووفقًا لباتاي وجورج دوميزيل (1940)، كانت توجد في مجتمعات كثيرة ثنائيات مقدسة في صورة آلهة وممثليها البشر: إله للنظام والقانون والبقاء، وآخر للتدمير والانتهاك والفوضى. وكانت هذه الاقتصاد العام المقدس يوجّه حركة الإنسانية عبر حاجتها إلى الإنتاج والبقاء، وعبر حنينها إلى العودة إلى مباشرة الحياة على حافة الفوضى، تلك الحياة التي تُهينها الطاعة المطلقة للنظام والثبات، حيث لا يعود الإنسان سوى شيء.
مبدأ التضحية هو التدمير، لكن مع أنه قد يبلغ أحيانًا حد التدمير الكامل (كما في الهولوكوست)، فإن التدمير الذي تقصده التضحية ليس الإبادة. فالشيء - الشيء وحده - هو ما تقصد التضحية تدميره في الضحية. فالتضحية تدمر الروابط الحقيقية لشيء ما مع الخضوع؛ إنها تنتزع الضحية من عالم المنفعة وتعيدها إلى عالم النزوة غير المفهومة. وعندما يدخل الحيوان المقدم قربانًا الدائرة التي سيُذبح فيها على يد الكاهن، فإنه ينتقل من عالم الأشياء المغلقة على الإنسان، والتي لا تمثل له شيئًا، والتي يعرفها من الخارج - إلى العالم الذي هو متطابق مع ذاته، حميمي، معروف كما تُعرف الزوجة في الاستهلاك الجسدي (consumation charnelle). وهذا يفترض أنه قد كفّ عن أن يكون منفصلًا عن حميميته الخاصة، كما هو الحال في خضوعه للعمل. إن انفصال المضحّي السابق عن عالم الأشياء ضروري من أجل العودة إلى الحميمية، إلى الامتداد الداخلي بين الإنسان والعالم، وبين الذات والموضوع. إن انفصال المضحّي السابق عن عالم الأشياء ضروري من أجل العودة إلى الحميمية، إلى الامتداد الداخلي بين الإنسان والعالم، وبين الذات والموضوع. يحتاج المضحّي إلى التضحية لكي يفصل نفسه عن عالم الأشياء، ولا يمكن للضحية أن تنفصل عنه بدورها ما لم يكن المضحّي قد انفصل عنه مسبقًا. ويعلن المضحّي: «على نحو حميمي؛ أنا أنتمي إلى العالم السيادي للآلهة والأساطير، إلى عالم الكرم العنيف غير المحسوب، تمامًا كما تنتمي زوجتي إلى رغباتي. أنا أستردك، أيها الضحية، من العالم الذي كنت فيه، والذي لم يكن يمكن أن تُختزل فيه إلا إلى حالة الشيء، حاملةً معنى غريبًا عن طبيعتك الحميمية. أنا أدعوك إلى العودة إلى حميمية العالم الإلهي، إلى الامتداد الداخلي العميق لكل ما هو كائن». (Bataille 1973, p. 43)
إذا كان نمو الوعي والذات الفردية قد منحنا شيئًا - بدلًا من أن يبعدنا فحسب عن خبرة الـjouissance المقدسة السامية التي كانت متاحة يومًا لمجتمعات كاملة - فلا بد أن يكون هذا الشيء هو إثراء دراما الـjouissance المقدسة بطريقة ما، عبر تفاصيلها وتأجيلاتها في مزيد من التفصيل، وعبر إطالة هذه الدراما بزيادة طول الحياة. لكن الإنسان الحديث لا يرى الغابة بسبب الأشجار.
وفي سعيه إلى تحسين وسائل الحياة من أجل إطالة بقاء جسده هو، فقد المعنى أو الغاية من هذه الحياة. لكن هذه الغاية، وهذا المقدس، وهذه الـjouissance، وهذا المستحيل، وهذا المجهول، تعود على أي حال - غير قابلة للتدمير كما يزعم الفيزيائيون عن الطاقة - إلى الممارسات اللاواعية للـjouissance الموجودة في الأعراض النفسية والجسدية، وحتى في الأعراض الاجتماعية-الثقافية للجريمة والقتل والاستغلال الجماعي. فما الطقوس - الاجتماعية أو الفردية - التي لا نزال نملكها اليوم لموازنة هشاشة نفسنا الإنسانية؟ وما الأساطير والممارسات التي لا نزال قادرين على الإيمان بها؟
2. ما بعد التنوير – Pantheism
على خلاف تاريخ علاقات السيد والعبد والخيالات الجمعية التي هيمنت على الحضارة الغربية، تأثر الشرق بدرجة أكبر بأشكال شتى من التصوف تتيح مخرجًا من هذه الخيالات الاجتماعية عبر ممارسات الاستنارة أو الوعي بالذات. ويمكن النظر إلى البوذية والطاوية والتصوف الإسلامي والتنترا بوصفها كلها سوابق للتحليل النفسي، لأنها تحاول أن تُمكّن الذات من عبور الخيال الاجتماعي للآخر الذي حدّد وجودها، وأن تعي الطبيعة الوهمية لرغباتها نفسها. وقد أوضح Slavoj Zizek خبرة bodhisattva البوذي والحكيم الطاوي بوصفهما مثالين على مفهوم لاكان لموقع المحلل النفسي في العالم.
في الطاوية، يكون الاختيار في النهاية بسيطًا: فإما أن نواصل العيش في عالم الأوهام أو أن «نتبع الطريق» (Tao) ونتخلى وراءنا عن عالم التقابلات الزائفة. أما خبرة bodhisattva الأساسية فتتعلق على وجه التحديد باستحالة هذا الانسحاب الفوري للفرد من عالم الأوهام؛ فإذا أنجز الفرد ذلك، فإنه يثبت بذلك اختلافه عن البشر الآخرين، ويقع في فخ أنانيته في اللحظة نفسها التي يغادر فيها. والمخرج الوحيد من هذا المأزق هو أن يؤجل bodhisattva هناءه الخاص إلى أن تبلغ الإنسانية كلها النقطة نفسها التي بلغها هو؛ وبهذه الطريقة تتحول لا مبالاة الحكيم الطاوي إلى بطولة أخلاقية: فـ bodhisattva ينجز فعل التضحية القصوى بتأجيل دخوله هو نفسه إلى Nirvana من أجل خلاص البشرية.
في الواقع، قصة
bodhisattvaأكثر تعقيدًا من ذلك. فليس الأمر أن الطاوي يسلك طريق البطولة الأخلاقية بمحاولة بلوغ طهارة مستحيلة عبر الانسحاب من أوهام العالم في الرغبة واتباع الطريق، بينما يدركbodhisattvaاستحالة الإفلات من التلوث بأوهام الحياة اليومية. فقول هذا سيعني أنbodhisattva- والمحلل - يملكان نوعًا من الفكرة الأخلاقية العليا بالمعنى التقليدي للأخلاق الوعظية. على العكس، فعند نقطة بلوغNirvana، يدركbodhisattva«رغبته» بوصفها رغبة في البقاء في العالم، وربما في أداء دورbodhisattvaنفسه، أي في أن يقود الآخرين إلى النقطة ذاتها. وقد أدركbodhisattvaأن الكمال، والتوازن، والوعي الكامل (لذات) بالذات، كلها مترادفات للموت، وللانتروبيا، وللعودة إلى غير العضوي، ولإتمامconcrescenceالخاصة بالمرء. فلو كانت هذه هي رغبته حقًا، لتوقف عن الوجود، أي لمات. وإلا فعليه أن يقبل أن رغبته هي التي أدخلته أصلًا في أوهام دورة العالم اليومي، من محايثة الفوضى أوNirvana، وأن مكانه، ورغبته، هناك.
وعلى نحو مماثل، يدرك المستحلل في نهاية التحليل رغبته الخاصة في العالم، وهي رغبة قد تتضمن أو لا تتضمن أداء دور المحلل النفسي للآخرين، أي ذلك الذي يساعد الآخرين على العثور على الطريق إلى رغبتهم. فإذا كانت هذه «الرغبة» أو «الاستنارة» تتجسد في الموت، على هيئة انتحار أو حادث أو الموت الإرادي لكثير من المتصوفة، فليكن ذلك؛ فلا ينبغي الحكم على هذا أو الشفقة عليه. ولكي ندرك أن خبرة الحكيم الطاوي الحق هي الخبرة نفسها التي يمر بها bodhisattva والمحلل، يكفي أن نمسك بمعنى المثل الطاوي: «إذا سمع المرء الـ Tao صباحًا، فقد يموت ليلتها».
ما يوضحه bodhisattva البوذي، والحكيم الطاوي، والمحلل اللاكاني، هو أن خبرة المعرفة المطلقة، أو الوعي بالذات، أو الاستنارة، تتضمن نقصها هي نفسها. وليس معنى ذلك أننا نستطيع قبول هذا على ظاهره بوصفه معطى. بل علينا أن نمر بعملية الاعتقاد أننا نصعد نحو بلوغ صفاء تام، ثم نرى هذا الصفاء يذوب أمام أعيننا عند الوصول إليه. وربما ينبغي أن يحدث هذا مرات عدة، قبل أن نختبر - لا أن نعرف أو نفهم فقط - أن المعرفة تتضمن اللا-معرفة، وأن كل نظام أو طريق لا يتحرك إلا بقبول اعتباطي لا يمكن ضمانه. لكن هذه الخبرة، بدل أن تتركنا في حالة من السخرية أو العدمية، يمكن أن تفضي إلى نشوة اللا-معرفة، وغنى الإيمان، والقوة أو الاختيار «الاعتباطي» الذي يؤسس أوهامنا، وإلى الفهم نفسه بأن هذه المعرفة الناقصة أو الفاشلة هي الواقعي المستحيل ذاته الذي لا نقدر على مقاربته مباشرة. وليس ثمة مكان تُلخَّص فيه هذه الأمور كلها، وما بينها من صلات بين التحليل النفسي والتصوف، أفضل من أعمال Georges Bataille.
تستند جلاء أ. إلى غياب الرغبة. أما جلاءي فأنتجه فائض - وهو، بلا ريب، الجلاء الحقيقي الوحيد. وإذا كان الجلاء مجرد نفي للهذيان، فإنه لا يكون جليًا على نحو كامل، بل يظل فيه شيء من الخوف من المضي حتى النهاية، وقد نُقل هذا الخوف إلى الملل، أي إلى ازدراء موضوع الرغبة المفرطة. فنحن نعقلن الأمر مع أنفسنا ونقول: هذا الموضوع لا يملك في ذاته القيمة التي تمنحها له الرغبة. ولا نرى أن الجلاء البسيط، الذي نبلغه نحن أيضًا، يظل أعمى. ينبغي أن نرى في الوقت نفسه وهم الموضوع وحقيقته. ولا شك أننا يجب أن نعرف أننا نخدع أنفسنا، وأن الموضوع هو، أولًا، ما يدركه كائن بلا رغبة، لكنه أيضًا ما تدركه فيه الرغبة. وB. لا يُبلَغ إلا عند أقصى درجات الهذيان، ولن يوجد جَلائي لو لم يكن هذياني بالغًا إلى هذا الحد. كما أنه لن يوجد لو أفلتت مني الجوانب الأخرى، السخيفة، من B. (Bataille 1962, p. 53)
ما يوضحه Bataille - وما لا تعترف به معظم ممارسات الاستنارة - هو أن كل إنسان، واعيًا كان أم لا، يساند نفسه بنوع من jouissance. ولا يَظهر هذا بجلاء إلا في بعض ممارسات Zen. فمثلًا، يروي Suzuki (1949-53) حكاية رهبان بوذيين متواضعين كانوا يعيشون على الأرز الذي يستجديانه من أهل البلدة، وكيف أنهم، حين أُهديت إليهم قطع كبيرة من لحم البقر، التهموها إلى حد الهذيان في الحال. وتُروى أيضًا حكاية أنه ذات يوم، وحين قُدم إلى الدير نوعٌ نفيس جدًا من حلوى الأرز، اندفع المعلم الزاهد عادةً إلى التهامها واحدة بعد أخرى، بينما كان تلميذه يراقبه مذعورًا ويصيح: «لكن يا معلمي، ماذا عن الزهد؟» فيرد المعلم صارخًا: «اخرس!» ومن لا يكون مستنيرًا، بل لا يتبع إلا طرائق سادته أو خيالاتهم، لا يدرك أن صمته، وخلته، وتقواه، هي ممارسته الخاصة لـ jouissance، المختلفة عن jouissance الآخرين، ولكن غير المختلفة عنها على نحو آخر. أما الاستنارة الحقة فتمسك بهذا كله، من الرأس إلى القدمين.
وتقدم ممارسة nagual الهندي الياقي، كما عرضها Carlos Castaneda (1987)، منظورًا آخر لـ jouissance يتحرر من سيطرة الأخلاق الوعظية أو الإدراك. فـ nagual، Don Juan، يستخدم حيلًا تبدو في كثير من الأحيان قاسية ليقود تلميذه إلى الوعي، لكن ينبغي النظر إلى هذه الوسائل في ضوء العناية والتفاني والاحتواء الذي يقدمه المعلم في التزامه الذي لا يشيخ بتلميذه Castaneda. وكما يستخدم المحلل تحويله/تحويله المضاد الخاص به ليحوّل المستحلل عبر العلاقة، يصف Don Juan كيف يستخدم كل nagual أسلوبه أو شخصيته في طريقته التعليمية. فلا توجد طريقة أو ممارسة بعينها ينبغي اتباعها. ويقارن William Burroughs أخلاق Don Juan أو jouissance بالفنان، لكنها تستدعي أيضًا المحلل، الذي يتوسط ويساعد على «تلميع» العلاقة بين عالمين بالنسبة إلى الذات.
تُنال حالة المحارب بمساعدة معلم وراعٍ. ولكي نفهم الدورين النسبيين للمعلم والراعي، لا بد أن نأخذ بمفهومي
tonalوnagual، وهما مفهومان أساسيان في طريق المحارب. فالـtonalهو مجموع إدراكات الفرد ومعارفه، وكل ما يمكنه الحديث عنه وشرحه، بما في ذلك وجوده الجسدي نفسه. أماnagualفهو كل ما يقع خارجtonal: غير القابل للتفسير، وغير المتوقع، والمجهول. وهو كل ما لا يمكن الحديث عنه أو شرحه، بل لا بد من معاينته فقط. إن الاقتحام المفاجئ لـnagualداخلtonalقد يكون مميتًا ما لم يكن التلميذ مستعدًا له بعناية. ودور المعلم هو تنظيفtonalوتقويته، بحيث يستطيع التلميذ أن يتعامل معnagualالذي سيعرضه الراعي عليه بعد ذلك. ويُظهر المعلم والراعي للتلميذ كيف يبلغ المجهول، لكنهما لا يستطيعان التنبؤ بما سيحدث حين يبلغه فعلًا. فـnagualبطبيعته غير متوقع، والتدريب كله شديد الخطورة. وبينما يشكّلtonal، أي كلية الوجود الواعي، الكينونة الفردية، فإنtonalنفسه يتشكل بدوره بواسطةnagual، وبواسطة كل ما ليس هو، والذي يحيط به كما يحيط القالب. ويميلtonalإلى إقصاءnagualوإنكاره، لكنه يستولي على الكل في لحظة الموت. وإذا نظرنا إلىnagualبوصفه المجهول، وغير المتوقع، وغير القابل للتفسير، فإن دور الفنان هو أن يقيم صلة به وأن يعيد جزءًا منه إلىtonalفي صورة رسم أو عمل فني أو نحت أو فيلم أو موسيقى. كما أنnagualهو أيضًا مجال ما يسمى بالظواهر النفسية، وهي أمور يعتبرها البوذيون مشتتات عن طريق الاستنارة. فالـ Buddhism وتعاليم Don Juan لا تتجهان ببساطة إلى الغايات نفسها. فـ Don Juan لا يقدّم حلًا نهائيًا ولا استنارة. ولا الفنان يفعل ذلك أيضًا. (Burroughs 1984, p. 190)
وكـ nagual، لا يقدّم المحلل هو الآخر حلًا، بل يقدّم ممارسة لـ jouissance بوصفها العلاقة بين عالمي tonal وnagual الخاصة بكل ذات. وإن وصف Castaneda لـ tonal وnagual يشبه كثيرًا ما عند Freud من وعي ولاوعي، لكنه يقترب أكثر من صياغة Lacan للمتخيل-الرمزي والواقعي؛ فبينما الواقعي - مثل nagual - هو الكلية المجهولة لما هو كائن، فإن خبرة كل شخص به ستكون فريدة، لأنها تتحول وتُمارَس داخل وعيه الرمزي أو tonal الخاص. ومن يأتي إلى التحليل يكون قد عانى اندفاع nagual - أو الواقعي - إلى tonal - أو المتخيل-الرمزي. وهذه الممارسة للحياة بوصفها علاقة بين tonal وnagual، والتي يمارسها nagual ويعلّمها، هي ما يسميه Lacan «إظهار الواقعي» (rendering the real). فالـ nagual بوصفه شاعرًا أو عالمًا أو صوفيًا هو منخرط في ممارسة إظهار الواقعي للآخرين، أي ترجمة المجهول إلى «معرفة» من أجل إنتاج آثار عملية تتصل بالبقاء المادي والمعنى الروحي أو النفسي. أما nagual بوصفه محللًا نفسيًا أو معالجًا، فهو منخرط في العمل مع الخبرة الخاصة للذات تجاه الواقعي، ومساعدتها على أن تمارس jouissance بوصفها فن الحياة أو علمها.
3. From Tragedy to Dialogue – Paganism
بصفته عالمًا في فقه اللغة الكلاسيكي، كان Nietzsche ينجذب إلى ما رأى أنه ما قبل التاريخ المكبوت للإنسان الغربي. ففي الطقوس الديونيسية، وفي شعراء-فلاسفة ما قبل سقراط، وفي روح التراجيديا، أعاد Nietzsche اكتشاف قوة حياتية لا شعورية اعتبرها «الحقيقة» الإنسانية، وقابلها بفكرة الحقيقة أو الأخلاق القابلة للتحديد الموضوعي.
إنها لحظة بالغة الدلالة: فالسفسطائيون يلامسون أول نقد للأخلاق، وأول بصيرة في الأخلاق: - إنهم يضعون إلى جانب بعضهم التعددية (النسبية الجغرافية) لأحكام القيمة الأخلاقية؛ - وهم يعلنون أن كل أخلاق يمكن تبريرها جدليًا؛ أي إنهم يستشفون أن كل المحاولات لتقديم أسباب للأخلاق هي بالضرورة سفسطائية - وهي قضية أثبتها لاحقًا على نطاق واسع الفلاسفة القدماء، من Plato فصاعدًا (حتى Kant)؛ - وهم يفترضون أول حقيقة مفادها أن «أخلاقًا في ذاتها» و«خيرًا في ذاته» لا وجود لهما، وأنه خداعٌ الكلام عن «الحقيقة» في هذا المجال. (Nietzsche 1968, p. 233)
ما يعيده Nietzsche إلى الظهور هو النسبية الجغرافية - تعدد أحكام القيمة الأخلاقية - أي فهم إثنوغرافي لمختلف ممارسات jouissance وتبريرها الرمزي. لكن ما يجده Nietzsche أيضًا في هؤلاء الوثنيين ما قبل سقراط هو أنهم لم يكونوا بحاجة إلى تبرير - فلم تكن لديهم حاجة إلى فرض ممارساتهم أو تبريرها لأنفسهم أو للآخرين باسم الخير أو الحقيقة. بل كان المرء يمارس إيمانه في فوران jouissance - عبر «إرادة القوة».
قبل Socrates، كان الأسلوب الجدلي مرفوضًا في المجتمع الراقي؛ وكان يُعتقد أنه يسيء إلى المرء؛ وكان الشباب يُحذَّرون منه. لماذا هذا الاستعراض للأسباب؟ لماذا ينبغي على المرء أن يبرهن؟ ضد الآخرين كان يمتلك المرء السلطة. يكفي أن يأمر. وبين أقرانه، inter pares، كان يمتلك المرء التقليد، وكذلك سلطة ما: وأخيرًا، كان المرء «يفهم بعضه بعضًا»! لم يكن للجدل مكان أصلًا. فضلًا عن ذلك، كان المرء يشك في هذا العرض العلني لحججه. الأمور الصادقة لا تعرض أسبابها بهذه الطريقة. ثمة ما هو غير لائق في أن يُظهر المرء أوراقه كلها. وما يمكن «إثباته» قليل القيمة. (Nietzsche 1968, p. 235)
وفوق كل شيء، يريد Nietzsche أن يعرف كيف أمكن أن يحدث هذا - كيف أمكن للإنسان أن يخلط بين العالم الظاهر، وهو ما يجب أن نمثله (أو نعيد تمثيله) بوصفه الواقعي الذي لا يمكن الوصول إليه، والعالم الحقيقي، أي ذلك التصور الخاطئ بأننا أمسكنا بهذا الواقعي مرة واحدة وللأبد، وأنه دائم. كانت تشكيلات الذاتية الوثنية تعمل عبر نماذج أخلاقية-جمالية، بل إن العلوم نفسها كانت تُبنى بوصفها فنًا للحياة. ولم تكن techne قد صارت بعد ذلك النهج الآلي للتقنية الذي نجده في مجال الذاتية العلمية، بل كانت تشمل فن الممارسات الملموسة في إدماج العلاقات المعقدة بين الذات والمدينة.
إن التقابل بين الديونيسي والأبوللوني داخل الروح اليونانية هو أحد الألغاز الكبرى التي وجدت نفسي منجذبًا إليها عندما كنت أتأمل طبيعة الإغريق.
لقد كان همي، في الجوهر، لا شيء سوى أن أخمّن لماذا كان لا بد للأبوللونية اليونانية، على وجه التحديد، أن تنبت من تربة ديونيسية؛ ولماذا كان ينبغي لليوناني الديونيسي أن يصير أبوللونيًا؛ أي أن يكسر إرادته تجاه المريع، والمتعدد، وغير المتيقن، والفزع، على إرادة للقياس، والبساطة، والخضوع للقاعدة والمفهوم. (Nietzsche 1968, 539)
والجواب الذي يقدمه مشابه لذلك الذي يقدمه Bataille بشأن اختفاء الجانب المدمر والمحايث من الثنائية المقدسة. ففي الثنائية بين الآلهة المقدسة وممثليها البشر، كانت هناك صيغة اجتماعية خارجية للتنظيم النفسي تضمن النظام أو الاستقرار اللازمين للبقاء، كما تضمن انتهاك هذا النظام وما يتبعه من عودة إلى الفوضى في حميمية التضحية والاحتفال وتدميرهما. وهذه الثنائية المقدسة تظل باقية في الوثنية اليونانية على شكل Apollo وDionysus: فالأبوللوني يحفظ كل ما هو جميل ودائم ومكتمل، بينما يخرج الديونيسي التراجيديا والسُّكر والشرود. وقد دعا Nietzsche إلى عودة الجانب الديونيسي المفقود أو المكبوت، مع أنه كان يعرف أن هذا عمل يفوق البشر: «هل نحن على قدره؟» سأل Nietzsche. هل نحن على استعداد لمواجهة لاوعينا - ذلك الذي لا يحتوي على أي نفي، بل يؤكد فقط، كما قال Freud؟
النوعان: Dionysus والمصلوب، - لتحديد: هل الإنسان الديني النموذجي [هو] شكل من أشكال الانحطاط (فالمجددون الكبار جميعهم مرضى ومصروعون)؛ ولكن هل نغفل هنا نوعًا من الإنسان الديني، وهو الوثني؟ أليست العبادة الوثنية شكلًا من الشكر وتأكيد الحياة؟ ألا يجب أن يكون ممثلها الأعلى اعتذارًا عن الحياة وتأليهًا لها؟ إنْهُ نوع الروح المتينة والممتلئة بالنشوة! نوع الروح التي تستوعب داخلها تناقضات الوجود وجوانبه المشكوك فيها وتفككها!
هنا أضع Dionysus اليوناني: تأكيد الحياة دينيًا، الحياة كلها لا المنفية ولا المنقوصة… (Nietzsche 1968, p. 542)
وكما شرح Bataille، فمن الحتمي أن نحاول الهرب من هذا الجانب الأشد عتمة في قدرنا البشري - سنحاول أن نتسلل من الباب الخلفي، وأن نطلب فقط ما هو ثابت وآمن وما يحافظ على بقائنا. ومع ذلك، فإن هذا الجانب الأشد عتمة - الظل عند Jung، ودافع الموت عند Freud، والمقدس، والمستحيل، والواقعي، واللاوعي، والفوضى - يعود دائمًا. فـ jouissance بوصفها خبرة تتجاوز الخير والشر - وتتجاوز الوصف العقلاني - هي اسم آخر لهذا الدافع. ومع مفهوم jouissance نكتشف الطبيعة المتناقضة حقًا لهذا الدافع. فالأمر الذي يجلب أعظم لذة يجلب أعظم ألم، والذي يجعلنا نعاني قد يكون هو نفسه ما يساندنا. وهذه المفارقة نفسها هي ما يعتقد Lacan أن الإغريق اكتشفوه أيضًا في صورة الرواقية.
إن الرغبة تتضمن مرحلة دفاعية تجعلها مساوية لعدم الرغبة في الرغبة. وعدم الرغبة في الرغبة هو الرغبة في عدم الرغبة. هذه الانضباطية التي، من أجل إيجاد مخرج من مأزق الاستجواب السقراطي، مورست من قبل أشخاص لم يكونوا فلاسفة بالمعنى الخاص فحسب، بل كانوا أيضًا، بطريقتهم، نوعًا من المشتغلين بالدين - الرواقيين والأبيقوريين. فالذات تعرف أن عدم الرغبة في الرغبة يحمل في ذاته شيئًا لا يمكن دحضه، مثل شريط موبيوس الذي لا يملك وجهًا سفليًا، أي إن المرء، إذا ما اتبعه، سيعود رياضيًا إلى السطح الذي يفترض أنه جانبه الآخر. (Lacan 1973, p. 235)
لكن الرواقيين لم يفعلوا سوى ممارسة ما كان حاضرًا أصلًا في Socrates. وLacan نفسه يصف Socrates بأنه أول محلل نفسي - أو سلف للمحلل. وهكذا، مع Nietzsche وLacan، تبدأ الوثنية اليونانية ببقايا ثنائية مقدسة في生态 النفس، على شكل الشكل الأبوللوني والابتهاج الديونيسي. غير أن هذا يتدهور سريعًا من عبادة ديونيسوس إلى تراجيديا المسرح. فـ jouissance الجسدية تتحول أكثر فأكثر إلى محاكاة - أي (إعادة) تمثيل للجسد - إلى أن يصبح حدث المسرح - أو الفن - حدثًا للتطهير عند Aristotle، أي للإفراج. بل إن Plato وAristotle يصيران أكثر شكًا في الموسيقى والشعر وكل أشكال الفن التي تثير الانفعالات. وبعبارة أخرى، يحاول هؤلاء الأكاديميون تجريد الحياة من كل العناصر الديونيسية والاكتفاء بشكل كامل من jouissance، منزوع الذروة، أو المقموع، أو المكبوت.
ومع ذلك تبقى مكانة Socrates ملتبسة، فمن يكون هو خارج حكايات Plato. فإذا كان Socrates هو أول محلل، فهو أول من لا يعطي أجوبة بل يسأل الآخر. لكن إلى أي غاية؟ بوصفه فيلسوف الحوار، يبقى Socrates المعلم الميْدادي، والمرشد، والسيد: يطرح أسئلة تقتلع الأحكام المسبقة اللاشعورية من ذوات مريديه. لكن Lacan يزعم أن Socrates يخطو خطوة أبعد - خطوة نحو المحلل - فيكشف للمرة الأولى الرغبة التي تدفع الإنسان عبر حب الآخر في التحويل. وفي «الـ agalma» الفريد والنادر والمجهول، يجد Lacan «الآخر» بوصفه موضوع الرغبة (a).
إنه [Alcibiades] يطلب من Socrates شيئًا، من غير أن يعرف ما هو، لكنه يسميه agalma. وسيعرف بعضكم ما الاستعمال الذي جعلته لهذا المصطلح قبل حين. سأعود إلى هذا الـ agalma، هذا السر، الذي، في الضباب الذي يعتم رؤية Alcibiades، يمثل شيئًا يتجاوز كل خير.
كيف يمكن للمرء ألا يرى في حقيقة أن Socrates يجيب عليه، لا بما قاله له عندما كان شابًا: اعتنِ بنفسك، بل بما يلائم الرجل المزدهر الصلب الذي صار عليه الآن: اعتنِ برغبتك، اعتنِ ببصلك، إلا أول لمحة عن تقنية رسم خريطة التحويل. (Lacan 1973, p. 255)
لكن إذا كان Socrates هو أول محلل-ممارس، فإن الرواقيين هم الذين يحققون حلم Lacan بجماعة من المحللين - أي أولئك الذين خضعوا للتحليل أو استناروا، والذين يختبرون jouissance الخاصة بهم بوصفها اقتصادًا عامًا للرغبة - مع الاعتراف بكيفية تحديد الرغبة بواسطة الآخر وقبول ذلك.
أليس غريبًا، ذلك الصدى الذي وجدناه - مع أننا، بطبيعة الحال، لن نغوص في هذا طويلًا - بين أخلاق التحليل والأخلاق الرواقية؟ فما الذي تعنيه الأخلاق الرواقية في النهاية سوى الاعتراف بالسلطة المطلقة لرغبة الآخر، أي «لتكن مشيئتك»! وهي صيغة يعاد تبنيها في السجل المسيحي؟ (Lacan 1973, p. 254)
ما إن تنهار ضمانة الآخر في الله أو الحقيقة، وما إن يُرسم موضوع الرغبة الخاص بالمرء ويُحدَّد، حتى يصبح المرء رواقيًا. فخارج التحليل توجد ممارسة لـ jouissance هي لعبة الإيمان وأن يُؤمن بك - الإغواء وأن تُغوَى - وهي تصبح أكثر نشوة وأكثر خطرًا لأنها قد كُشفت. وإرادة الجهل لا توصلنا إلى أي مكان - ومع ذلك تظل jouissance الخاصة بنا تتجلى. وهنا يتولى الجانب الذي لا ينتهي من التحليل النفسي زمام الأمور - بوصفه المحاولة التي لا تنتهي لإبقاء ممارسة لـ jouissance قائمة، بوصفها أخلاقًا للرغبة تسندها ما هو آخر في مواجهة بؤسنا الذاتي. لكن في عصرنا الحاضر قد نكون تجاوزنا التحليل بوصفه ممارسة مخصوصة، وبلغنا الموضع الذي يصفه Jean Baudrillard حيث يسود التهكم والإغواء، تمامًا كما انتهت حوارات السفسطائيين والسقراطيين في النهاية إلى الرواقيين.
ومرة أخرى، ما الفائدة من القول إن العالم نشوان، أو إنه ساخر، أو إنه موضوعي؟ إنه كذلك، هذا كل شيء. وما الفائدة من القول إنه ليس كذلك؟ فهو كذلك على أي حال. وما الفائدة من عدم القول أصلًا؟ ما تستطيع النظرية فعله هو أن تتحدى العالم كي يكون أكثر: أكثر موضوعية، أكثر سخرية، أكثر إغواءً، أكثر واقعية أو أكثر لاواقعية، ماذا أيضًا؟ وليس لها معنى إلا ضمن هذا الطرد. فالمسافة التي تتخذها النظرية ليست مسافة انسحاب، بل مسافة طرد. وهي بذلك تكتسب قوة علامة مميتة، أكثر حتمية من الواقع، وربما تحمينا من هذا الواقع الحتمي، ومن هذه الموضوعية، ومن هذا اللمعان الخاص بالعالم، الذي قد يثير غضبنا بلاده لو كنا نافذي البصيرة.
لنتصرف كرواقيين: إذا كان العالم مصيريًا، فلنكن نحن أكثر مصيرية منه. وإذا كان غير مبالٍ، فلنكن نحن أكثر لا مبالاة. يجب أن نغلب العالم وأن نغويه عبر لا مبالاة لا تقل عنه على الأقل. (Baudrillard 1987, p. 100)
4. The Sacrifice of the Sacrifice – Monotheism
في أواخر حياته، روى Freud (1939) حكاية عن اليهود بوصفهم الشعب المختار - أولئك الذين اختارهم إله أبٍ واحد لا ثاني له - أولئك الذين اختاروا أن يسمعوا الرسالة. أن تسمع، وأن تقبل، وأن تفعل قبل أن تفهم: هذه هي بنية الإيمان. وبين الذات والآخر يوجد الثالث. ففي مجال المتخيل - مجال المرآة والمضاعفات، والرغبة المحاكاتية - يسود الجنون والتدمير. ومن خلال تدخل عنصر ثالث - ما يسميه Lacan «اسم الأب» أو الرمزي - يُنجَّى المرء من ذهان jouissance المباشرة. لكننا مع اليهودية ننتقل من مجال القانون إلى مجال الإيمان. ويفسر Emmanuel Levinas الخبرة اليهودية بوصفها لقاء وجهًا لوجه: لا إسقاطًا جدليًا للآخر بوصفه ذاتًا نفسها، بل اعترافًا بالآخر بوصفه المجهول - غير المفكَّر فيه - اللاشعور. إن فهم الآخر هو اضطهاده. أمّا الإصغاء فهو اتخاذ موقع إثنوغرافي جذري - أن يضع المرء نفسه في موضع «أنت» بوصفه الموجَّه إليه خطاب الآخر.
ستُبرز الطبيعة الفريدة لحدث مثل منح التوراة: فالمرء يقبل التوراة قبل أن يعرفها. وهذا يصدم المنطق، ويمكن أن يمر بوصفه إيمانًا أعمى أو سذاجة الثقة الطفولية، ومع ذلك فهو ما يقوم عليه أي فعل ملهم، حتى الفعل الفني، لأن الفعل لا يفعل سوى أن يُظهر الشكل الذي لا يعرف نموذجه إلا الآن، ولم يكن قد لمحه من قبل قط. (Levinas 1968, p. 41)
إن ظهور الإيمان هو ظهور الوعي بوصفه «ek-stasis» - أي المسافة. لم يعد ثمة معطى - موضوع - قانون - يمكن للمرء أن يتبعه أو يتجاوزه. ومع ظهور الإيمان والتوحيد، يظهر احترام اللقاء وجهًا لوجه: مولد الأنا الفردية والآخر. والمفارقة أننا لكي نختبر الآخر يجب أن نكون منفصلين أولًا. إن ولادة الذات تنبع من خبرة الآخر في عملية التفرد الذاتي - مع أنها لا تضمن بأي حال علاقة أخلاقية بالآخر. بل على العكس، يمكن للذات بسهولة أن تُخلق وتُعاش لذاتها الخاصة بوصفها أناً معزولة وقدرة مطلقة، إن لم تكن ذاتية متعالية بالكامل.
لا الكينونة المنفصلة ولا الكينونة اللانهائية تُنتج بوصفها حدًا مضادًا. فالانفصال الذي يضمن الفصل (لكن ليس بوصفه ردًا مجردًا على فكرة العلاقة) يجب أن ينتج كينونة مغلقة تمامًا على ذاتها، لا تستمد عزلتها جدليًا من معارضتها للآخر. ويجب ألا تمنع هذه الإحاطة المنغلقة الخروج من الحالة السفلى، بحيث تستطيع الخارجية أن تخاطبها، وتكشف نفسها لها، في حركة لا يمكن لعزل الكينونة المنفصلة أن تستثيرها بمجرد التباين البسيط. وفي الكينونة المنفصلة يجب أن يكون الباب المؤدي إلى الخارج في الوقت نفسه مفتوحًا ومغلقًا. (Levinas 1961, p. 148)
عند Levinas يتقدم الآخر على الكينونة، وتسبق الأخلاقُ الأنطولوجيا. وكان هذا حاضرًا أصلًا في اليهودية، لكنه نُسي. وفي تحويل المضاربات الفلسفية من الحقيقة إلى مجرد إمكانية المعرفة الإنسانية - إلى الوعي بالذات - تجاوز Heidegger الإبستمولوجيا اليونانية نحو أنطولوجيا الكينونة، لكن ذلك لا يكفي عند Levinas. فبخطوة أبعد، وبخطوة إلى الوراء أيضًا، ينتقل Levinas من «ماهية» الأنطولوجيا إلى «آخر» الأخلاق - إلى «ما هو غير الكينونة» - أي «ما ليس الكينونة بل ما سواها». وهذا الفعل إنساني جذريًا. فأن يتأمل المرء طبيعة الأشياء - أن يزعم أنه يكتشف أو يقدّم حقيقة للموضوعي - هو أن ينسى الذات الإنسانية التي تتأمل، والذات الإنسانية التي يُخاطَب إليها الخطاب. ولو كانت هناك طبيعة موضوعية للأشياء خارج الذاتية الإنسانية، لما كان في وسعنا أن نبلغها «كما هي» ما دمنا بشراً. ومن ثم، فليس فقط العلوم الإنسانية عاجزة عن أن تصير موضوعية، بل إن العلوم الطبيعية أيضًا تقع داخل مجال العلوم الإنسانية الذاتية. وهذه هي العبرة التي تعلمنا إياها فيزياء Niels Bohr في التكامل. لكن حتى المنظور الأنطولوجي الراديكالي في فلسفة Heidegger، والبوذية، وفيزياء الكم، ومبدأ اللاتعيين، يظل خطأ ما دامت تحاول صياغة أي شيء يشبه وصفًا جديدًا للعالم أو وصفة له. فهذا يظل اضطهادًا - أي أن يتكلم المرء بـjouissance الخاصة به وأن يعرّف الآخر بمحاولة فهمه. وهنا نقترب كثيرًا من التحليل النفسي اللاكاني بوصفه علمًا بالإنسان - ذلك الذي يتخلى عن محاولة بناء كوسمولوجيا، ويلتفت إلى حقيقة jouissance والرغبة الذاتيتين كما تُنقلان عبر الآخر.
ذلك هو اللبس الدائم لمصطلح اللاوعي. فمن الواضح أن اللاوعي يفترض أنه في الكائن المتكلم ثمة شيء، في مكان ما، يعرف أكثر مما يعرف هو، لكن لا يمكن بأي حال اتخاذ هذا نموذجًا للعالم. وبقدر ما تكمن إمكانته في خطاب العلم، فإن التحليل النفسي ليس كوسمولوجيا… (Lacan 1982, p. 159)
إن أخلاق Levinas وتحليل Lacan النفسي كلاهما يقوم على أساس اجتماعي راديكالي: الآخر الذي يسبق الذات - في صورة الأب، والأم، والعاشق، والموضوع، والرمزي، أو الله. ويستخدم Levinas صيغة الجمع «الآخرين». وjouissance الفرد - وسبب وجوده نفسه - هي ما يثير قلقه. وبينما تُستمد jouissance الذات من الخارج فقط - من الآخر - فإنها تُدخل باستمرار إلى الداخل لكي تحافظ على قوة الذات المستقلة واستقرارها. لكن الذات تنغلق على نفسها في نرجسيتها المنعزلة إذا لم تظل مفتوحة على الخارج: فبموت الرغبة يموت الموضوع أيضًا. وهذه الموازنة الدقيقة بين الذات والآخر هي موضوع jouissance، وهي موازنة لا يمكن أن تُحسم مرة واحدة وللأبد.
ولهذا الشرط المفرد تستجيب
jouissanceبالفعل، عبر اللااستقرار الذي يزعزع استقرارها الأساسي. وهذا اللااستقرار ليس راجعًا إلى تجانس العالم معjouissance، بما من شأنه أن يبدد سيادة الأنا. إن سعادةjouissanceأقوى من كل قلق، لكن القلق يستطيع أن يزعزعها؛ وهنا يكمن الفرق بين الحيواني والبشري. فسعادةjouissanceأكبر من كل قلق. (Levinas 1961, p. 149)
كان Freud هو من أعاد إطلاق أخلاق الإصغاء من أجل فهم حقيقة الذات. وكان موضوع المعاناة - المستحلل - هو الذي قاده إلى فهم الطبيعة المعاناة والراغبة للبشرية. وما يقدمه Levinas هو ما يشهد له المحللون النفسيون: أن الرغبة هي رغبة الآخر - وأن اعتمادنا على الآخر يجلب لنا أعظم فرح وأعظم حزن. إن لغز التضحية - بما في ذلك الانتحار - يستحضر ما يعرّف الذاتية الإنسانية إلى ما وراء مبدأ بقاء الفرد أو النوع بوصفها فعل حب وحياة.
يظهر الانتحار بوصفه إمكانية لكائن هو أصلًا في علاقة مع الآخر[ين]، وقد رُفع أصلًا إلى الحياة لأجل الآخر[ين]. إنه إمكانية لوجود بات ميتافيزيقيًا أصلًا؛ فلا يكون الانتحار ممكنًا إلا لكائن قادر بالفعل على التضحية. وقبل أن نعرّف الإنسان بأنه الحيوان القادر على الانتحار، يجب أن نعرّفه بأنه القادر على أن يعيش للآخر[ين] وأن يوجد على أساس الآخر[ين] الذين هم خارجه. لكن الطابع التراجيدي للانتحار والتضحية يدل على جذرية حب الحياة. (Levinas 1961, p. 149)
وتعيدنا هذه التضحية إلى سؤال دافع الموت - وإلى jouissance. فـ jouissance ليست ببساطة jouissance المرء الخاصة، كما في لذة الذات، بل هي تضحية بهذه jouissance: من أجل آخر - من أجل الذات. ثم هناك تضحية بـjouissance وjouissance التضحية، بل حتى تضحية تضحية jouissance. فأين ينتهي هذا؟ بالتأكيد لا ينتهي إلى تحديد أخلاقي. بل ينتهي فقط إلى لعبة اختلاف - إلى جدلية الذات والآخر - بين jouissance والتضحية - بين الحياة والموت. في ممارسة - في براغماتية - في فن وعلم الحياة.
بالنسبة إلى Rene Girard، فإن المسيح هو المثال على هذه «تضحية التضحية» - أي إضفاء الوعي على jouissance داخل التضحية. ففي دعوته إلى قراءة غير تضحيتيّة للأناجيل، يقدّم Girard مثال المسيح بوصفه بلوغًا للوعي بالرغبة المحاكاتية وبداية نهاية «آلية الضحية». ووفقًا لـ Girard، تحولت وفاة المسيح إلى أسطورة أخرى للضحية التضحية التي تموت بوصفها الجزء الملعون الذي يضمن عمل القانون نفسه، بينما كان ينبغي بدلاً من ذلك أن يُنظر إلى المسيح بوصفه انكشافًا لهذا الميكانيزم الضحيتي الذي تُحافَظ به الحقيقة والقانون لضمان النظام في مواجهة الفوضى.
بديهي أن الانكشاف الذي تحدثه لا يمكن فصله عن التيار الدينامي، المناهض للتضحية، الذي يجري في جميع الكتب المقدسة اليهودية-المسيحية. لقد أمكننا تمييز سلسلة من المراحل في الكتاب المقدس كانت تشير، على الدوام، إلى إضعاف ممارسة التضحية ثم إلغائها لاحقًا. ولذلك يجب أن تبدو التضحية في الضوء الذي وضعها فيه المفكر التوراتي العظيم، موسى بن ميمون، في شبابه: لا بوصفها مؤسسة أبدية أراد الله حقًا أن يؤسسها، بل بوصفها عكازًا مؤقتًا جعلته ضرورة ضعف الجنس البشري. فالتضحية وسيلة ناقصة، يجب على الإنسانية أن تستغني عنها. (Girard 1978, p. 412)
وعلى امتداد التاريخ، كان ما يُستبعد ويُضحَّى به ويُدمَّر يعمل بوصفه كبش فداء لـ«الفضيحة» التي لا مفر منها في الإنسانية - طبيعتها المنقسمة في التعايش بين الفرح والحزن - بين المعنى واللا-معنى - بين الحب والكراهية. لكن فضيحة الذات المنقسمة تُنكر عبر إرادة اللا-معرفة، ولا تخدم قوانين الحقيقة والأخلاق والعقلانية والعقاب إلا الحفاظ على النظام والاستقرار، عبر السماح للجانب الظل المستبعد - دافع الموت - بالعودة في صورة كبش فداء تُحول إليه المسؤولية إلى الخارج. إن أخلاق Girard المسيحية - مثل التحليل النفسي - تطلب من كل إنسان أن يتحمل مسؤوليته عن jouissance الخاصة به، وعن فضيحة الواقعي المستحيلة. فنحن مدفوعون إلى خارج أنفسنا - نحو الاختلاف. الآخر هو رغبتنا. لكننا في تعاملنا مع الآخر نريد أن نرى أنفسنا. نحن نُصدَم بما يُظهر لنا ما نحن عليه، وبما يرفض أن يفكر ويشعر ويتصرف كما نفعل. والعنصرية والتمييز الجنسي على المستوى الاجتماعي ينبعان من الخبرة نفسها التي تنبع منها خصومة العاشقين: فنحن نخاف jouissance الآخر ونكرهها. وإن نظريّة Girard للعبة المضاعفات والرغبة المحاكاتية على المستوى الاجتماعي ترتبط بتوضيح Lacan لمرحلة المرآة والمجال المتخيل للذات.
دعوني أعيد مرة أخرى صياغة آلية التكرار المحاكاتي. فالذات التي لا تستطيع أن تحسم بنفسها الموضوع الذي ينبغي أن ترغب فيه تعتمد على رغبة شخص آخر. وهي تحوّل نموذج الرغبة تلقائيًا إلى رغبة تعارض رغبتها الخاصة وتُحبطها. ولأنه لا يفهم الطابع التلقائي للمنافسة، فإن المقلِّد سرعان ما يجعل من مجرد كونه معارضًا ومحبطًا ومرفوضًا المحفز الرئيس لرغبته. ومن وجه أو آخر، يبدأ في ضخ المزيد والمزيد من العنف في رغبته. إن تحديد هذا الميل هو إدراك أن الرغبة، في نهاية المطاف، تميل إلى الموت، سواء موت النموذج والعائق (القتل) أو موت الذات نفسها (التدمير الذاتي والانتحار). وهذه الدينامية للرغبة المحاكاتية لا تعمل فقط عند «المرضى»، أو عند أولئك الذين يدفعون العملية المحاكاتية إلى حدٍ يصعب معه أن يعملوا طبيعيًا؛ بل هي أيضًا، كما أقرّ Freud، سمة للناس الذين نطلق عليهم «الطبيعيين». (Girard 1978, p. 440)
بالنسبة إلى Girard، وفرت الوسائل التاريخية للوساطة بين المضاعفات التماثلية للرغبة المحاكاتية كلًّا من القانون والتضحية، لكنه يرى أن هذا وسيلة ناقصة - وسيلة لم تعد تستطيع إشباع الحالة الراهنة للبشرية. إن انهيار الآخر - أي عجز الإنسان الحديث عن الإيمان بأي حقيقة أو قانون أو طقس أو دين - قد قادنا إلى الأزمة القصوى للرغبة المحاكاتية وإلى الميل نحو الانتروبيا والفوضى، وهو ما يتيح، عبر استمرار صور الإعلام والتكنولوجيا وتسارعها، إطلاق العنان للمتخيل - أو الثانية - من دون أي إمكانية لثالثٍ يتوسط بين الذات والآخر.
ونتيجة لتحليلنا، لا العهد القديم وحده ولا كل ديانات البشرية تبدو إلا مراحل وسطى بين الحياة الحيوانية وأزمة يومنا الحاضر، حيث ينبغي أن نضع رهاناتنا إما على اختفاء الجنس البشري كله، أو على وصولنا إلى أشكال من الحرية والوعي بالكاد نستطيع تخيلها، ونحن ملفوفون، paradoxically، في أساطير أصبحت الآن أساطير نزع الأسطرة. نحن نظن أننا نستطيع أن نضع هذه الأساطير في نهاية إيجابية عبر وسائلنا الخاصة، لكنها في الواقع تقودنا مباشرة إلى التدمير، الآن بعد أن لم يعد هناك آخرون لننزع عنهم الأسطورة، وبعد أن حلّ حضورٌ مرعب لعنفٍ مكشوف تمامًا محل الثقة الساذجة بالعلم والإنسانوية. (Girard 1978, p. 440)
عند Levinas وGirard، يوجد جواب الأزمة الراهنة للرغبة المحاكاتية في التقليد اليهودي-المسيحي للإيمان الواعي: تدخل عنصر ثالث في صورة أخلاق احترام الله أو احترام الآخرين. لكن هذا لا يفترض إلا الحياة والسلام بوصفهما عنصرين غير موضع مساءلة ينبغي رفعهما. وعلى الرغم من أنه يسلط الضوء على حركة الرغبة وjouissance، فإن هذا المنظور لا يزال يحاول الوساطة عبر اقتراح مبدأ - أخلاقًا. أما عند Lacan وBataille، فلا مفر من الرغبة - ولا سبيل في النهاية إلى تطهير الرغبة بالعدول عنها عبر الوعي.
قد تفسر اللا-معرفة، واللامبالاة، وإدارة النظر إلى الجهة الأخرى تحت أي حجاب لا يزال هذا السر مختبئًا. لكن كل من يستطيع أن يوجّه نظرًا شجاعًا نحو هذه الظاهرة - وهناك، مرة أخرى، قلائل حتمًا لا يستسلمون لسحر التضحية في ذاتها - يدرك أن التضحية تعني أننا، في موضوع رغباتنا، نحاول أن نجد دليلًا على حضور رغبة هذا الآخر الذي أسميه هنا الإله الأسود.
إنه المعنى الأبدي للتضحية، الذي لا يستطيع أحد أن يقاومه، إلا إذا أحيته تلك الإيمان الصعب جدًا على الاحتمال، والذي ربما لم ينجح في صياغته بصورة معقولة إلا رجل واحد، هو Spinoza، عبر Amor intellectualis Dei. (Lacan 1973, p. 275)
يكشف Bataille وLacan أيضًا عن الحركة الأساسية للرغبة وjouissance التي تمر عبر الذات البشرية، لكن من دون رفع النظام والاستقرار والحياة فوق الموت والفوضى. فبالنسبة إليهما، إن إغلاق جميع سبل jouissance في مجتمع يقوم حصريًا على الأنا العقلانية والإنتاج والكفاءة الرأسمالية لا يُفقِر التجربة الإنسانية فحسب، بل هو أمر مستحيل أيضًا: فـ jouissance ستنفجر على أي حال في صورة حروب أو أمراض أو قتل. وبينما سعى Lacan إلى تطوير الممارسة التحليلية بوصفها وسيلة للاستجابة لضحايا هذا jouissance المُدارة على نحو سيئ، سعى Bataille إلى تقديم بدائل على نحو مشابه عبر خبرة متحوّلة للرغبة والحب والإيمان، خبرة موجودة ما وراء أعلى درجات الوعي. وما كانا يطورانه هو شكل جديد من التصوف الواعي بوصفه ممارسة لـ jouissance.
أما بشأن Hadewijch المعنية، فالأمر نفسه ينطبق على Saint Theresa - يكفي أن تذهب وتنظر إلى تمثال Bernini في روما لتفهم فورًا أنها في حالة مجيء، فلا شك في ذلك. وما
jouissanceالخاصة بها، وما هذا المجيء الذي يأتي منه؟ من الواضح أن الشهادة الأساسية للمتصوفة هي أنهم يختبرونه لكنهم لا يعرفون عنه شيئًا. (Lacan 1982, p. 147)
بحسب Lacan، فإن الشعراء والمتصوفة والنساء كانوا قادرين على اختبار هذه jouissance، لكنهم لم يكونوا واعين بما كان يحدث لهم. كانوا لا يعرفون ما يعرفونه. فإذا كان الفكر الواعي واللغة نفسهما حاجزًا أمام خبرة jouissance، فإن ممارسة مستمدة من تصوف Bataille اللاإلهي وتحليل Lacan النفسي هي طريقة لا لمحو الوعي، بل لدفعه إلى حدوده، حيث سيكشف مرة أخرى حقيقة الذات البشرية بوصفها رغبة وفكرًا. أي أن jouissance يجب أن تتجسد عبر الفكر واللغة بدل أن يُسمح لانفصالهما بأن ينتجا أعراض المعاناة.
يمكّن المحللُ الآخرين من اختبار هذا التحول. فهو يصير الضحية التضحية، لكنه لا يقبل هذا الدور. يتيح لنفسه أن يُستعمل من قبل الذات - أن يُكرَه ويُحَب - أن يُهاجم وأن يُضحّى به. لكنه لا يتواطأ في هذه اللعبة. بل يعيد الرسالة إلى الذات - ويُظهر لها ما هي - وما تكونه بالنسبة إلى الذات. ومن خلال هذه العملية الدائرية ينكسر الفخ الجدلي بين الذات والآخر - بين السيد والعبد - وتتحرر الذات من الآخر المتخيل والرمزي الذي حدد رغباتها وأفكارها وأفعالها - والذي بنى ذاتيتها - منذ الولادة.
5. من المعرفة إلى الجنون – Nihilism
إن حدس ديكارت يؤسس المعرفة الخطابية. ولا شك أن المعرفة الخطابية، متى استقرّت، تستطيع «العلم الكلي» الذي اضطلع ديكارت بمشروعه، والذي يحتل اليوم حيّزًا كبيرًا، أن يتجاهل الحدس الذي كان في البداية (إنها تستغني عنه، طالبةً، إن أمكن، ألا تكون أكثر مما هي). لكن هذه المعرفة - التي نتباهى بها إلى هذا الحد - ماذا تعني، حين يُرفع عنها أساسها؟ (Bataille 1954, p. 105)
تتميز الحداثة بذاتية علمية صار الفيلسوف فيها يطرح ما هو معطى في الله والتقليد والقانون ويعترض عليه، حتى لا يبقى شيء. وإذا كان من الممكن تتبع الذات المنقسمة في التأمل الذاتي عبر قرون، فإن الذاتية العلمية هي التي أوصلتنا، في الأزمنة القريبة، إلى مواجهة العدمية في الفراغ الذي فتحته مثل هذه المضاربات الفلسفية والعلمية الجذرية. ومن موقعه عند نقطة تحول في خبرة الإنسانية، استطاع Georges Bataille أن يكشف حركة الذات الحديثة كما تتبدى في الخط الفلسفي الممتد من Descartes وNewton إلى Hegel وNietzsche. ولن يكون ممكنًا وضع Bataille على نحو دقيق في ذروة عدميّة الحداثة أو في ولادة عصر «ما بعد الحداثة»، لأن ما يكشفه في الحركة من Descartes إلى Hegel هو خبرة لم تخترق، حتى اليوم، الإنسانية كلها، وإن كانت آثارها جلية بما يكفي.
وعندما يعود Bataille إلى Descartes، يبيّن كيف أن ولادة الكوجيتو، والعلّية، والأنا الفردية في العقلانية والعلم الحديثين - وهي أمور نتعامل معها بوصفها من المسلَّمات - لا تتحرك، مثل كل أنظمة الفكر، إلا عبر تأكيد أولي لا أساس له. وقد انكشف هذا في نظرية Godel في اللاقرارية: فلا نظام قادرًا على أن يؤسس نفسه إلا على افتراض ابتدائي اعتباطي. وهذا الافتراض لا يمكن أن يصدر إلا من jouissance النفس الفردية و/أو الجمعية، التي تسعى دومًا إلى ترجمة رغبتها إلى فكر واعٍ، وإلى لغة، وإلى أن يجعل الآخر jouissance الخاصة بها تُتلقى بوصفها حقيقة. ويواصل Derrida وFoucault وGirard هذه الدروس الإثنو-نفسية التي صاغها Bataille، بتتبعهم كيف أن البنى الاجتماعية-السياسية للطقوس والأديان والأيديولوجيات والأخلاقيات تقوم على آخرٍ مستبعَد ومكبوت في الأصل، وهو ما يكوّن نفسه الأساس لكل نظام جديد.
لكن هذا «القبول الاعتباطي» هو الحقيقة نفسها الخاصة بالذات: فالفكر يقع فينا كما تقع الرغبة، وأننا حيوانات لا تتكون من الغريزة بل من فكر-رغبة، وأن الخيالات الرمزية التي نبنيها ضرورية وإن لم تكن «حقيقية». غير أن حقيقة الذات لا تقتصر على هذا الإظهار للواقعي المستحيل. فما يكشف لنا حقيقة خبرتنا ليس بناء أنفسنا كذوات خيالية عبر التذويت، بل السقوط من هذه الخيالات إلى الإفقار الذاتي. وهذه هي الحقيقة التي لا تُطاق والتي يعثر عليها Bataille: أن حركة التفكير العقلاني نفسها - حركة المضاربات الفلسفية والموضوعية العلمية - تكشف لنا، لا محالة، ما نحن عليه: كائنات jouissance. فالسؤال والبحث عن المعرفة ينتهيان في النهاية إلى الاعتراض على الطريقة نفسها التي صيغت بها الحقيقة والمعرفة في الذات المتفكرة: فمصباح العلم الذي يسعى إلى إضاءة العالم عبر الفكر الواعي، يتجه في النهاية إلى الذات نفسها، كاشفًا خبرة الرغبة والفكر داخل الذات.
من السهل على كل واحد منا أن يدرك أن هذا العلم، الذي يفتخر به، حتى لو كان مرفقًا بكل الإجابات عن الأسئلة التي يستطيع أن يصوغها بانتظام، سيتركنا في النهاية في حالة لا-معرفة؛ فوجود العالم لا يمكن بأي حال أن يكف عن أن يظل غير مفهوم. ولا تفسير للعلوم، ولا للمعرفة الخطابية على نحو أعم، يستطيع أن يجيب عن ذلك. ولا شك أن القدرة التي مُنحت لنا لفهم هذا أو ذاك من كل الجوانب، ولتقديم حلول كثيرة لمشكلات شتى، تترك لدينا الانطباع بأن ملكة الفهم قد نمت فينا. غير أن روح الاعتراض هذه، التي كانت العبقرية المعذِّبة لديكارت، إذا هي حرّكتنا نحن أيضًا، فإنها لم تعد تتوقف عند الموضوعات الثانوية: فالمسألة لم تعد تتعلق بحسن أو سوء تأسيس القضايا المقبولة، بل بتقرير ما إذا كانت الحاجة اللانهائية إلى المعرفة التي يفترضها حدس ديكارت الأول يمكن أن تُشبَع. وبعبارة أخرى، تنجح روح الاعتراض الآن في صياغة التأكيد النهائي: «أنا لا أعرف إلا شيئًا واحدًا: أن الإنسان لن يعرف شيئًا أبدًا». (Bataille 1954, p. 106)
وطبعًا، لا تختلف هذه الخبرة في الوعي بالذات، من حيث هي خبرة، عن Zen وSufism وسائر ممارسات الاستنارة. والاختلاف يكمن في أن هذا الوعي قد مرّ عبر حركة الفكر العقلاني نفسها، مع أنه - وإن لم يكن الحقيقة - يملك حقيقة بالنسبة إلى الذات. فالبوذيون على حق حين يبيّنون أوهام الحقيقة والعقلانية والعلّية، بل أوهام كل رغبة. لكن ما يغيب عنهم هو حقيقة هذه الأوهام: أن الذات البشرية خاضعة للفكر واللغة والمعرفة والوعي، وخاضعة أيضًا للرغبة والحب والإيمان والمعنى.
أن تعرف يعني: أن تتصل بما هو معروف، وأن تدرك أن شيئًا مجهولًا هو الشيء نفسه كشيء آخر معروف. وهذا يفترض إما أرضًا صلبة يرتكز عليها كل شيء (Descartes) أو دائرية المعرفة (Hegel). ففي الحالة الأولى، إذا ما انهارت الأرض… وفي الحالة الثانية، حتى مع التأكد من امتلاك دائرة مغلقة جيدًا، ندرك الطبيعة غير المُشبعة للمعرفة. فالسلسلة غير المنتهية من الأشياء المعروفة ليست بالنسبة إلى المعرفة إلا إكمالًا للذات. ويتوقف الرضا على أن مشروعًا للمعرفة كان موجودًا قد أثمر، واكتمل، ولم يبقَ شيء - أو لم يبقَ على الأقل شيء مهم - لاكتشافه. لكن هذا الفكر الدائري جدلي. وهو يحمل في طياته التناقض الأخير (الذي يصيب الدائرة كلها): فالمعرفة الدائرية المطلقة هي لا-معرفة نهائية. وحتى لو افترضت أنني بلغتُها، فأنا أعرف أنني لن أعرف أكثر مما أعرف الآن. (Bataille 1954, p. 108)
وبما أننا أصبحنا الآن واعين ومسافاتٍ نأخذ، فمن السهل علينا أن نفكر في الهمج البدائيين والوثنيين والمسيحيين على أنهم سذّج أو مخدوعون في معتقداتهم - مثل الأطفال. لكن عقلانيتنا الواعية ليست سوى وهم آخر إذا لم نتبع خبرتها إلى الحد الأقصى، وهي أفقر الأوهام جميعًا لأنها تحول jouissance إلى أشكال متزايدة التشييء. فإذا كانت حركة الفكر الواعي تعني شيئًا، فهي أن خبرة الإنسانية، التي تنفي فوريتها وتفصل نفسها عن الحيوانية، لا تتيح لنا إلا أن نرى بوضوح - عبر ملكة الفكر التي نملكها - ما نفعله: نتبع رغباتنا ونضحّي بها، ونؤمّن استمرارنا عبر العمل والتقنية حتى نعيش. لكن لماذا نواصل العيش؟ ما سبب وجودنا؟ وما غاية هذه الحياة، في مقابل الوسائل؟ لا يأتي الجواب عن هذا السؤال في جواب واحد عام، بل في انكشاف بنية الخبرة الإنسانية بوصفها إدامةً لوسائل الحياة من أجل خبرة jouissance في خلق متواصل، يأخذ أشكالًا لا نهائية التنوع عند كل ذات.
بحسب Bataille، مضى Hegel بالفكر حتى حدّه الأقصى، لكنه تراجع قبل الانكشاف الذي لا يُحتمل. لم يستطع أن يعبر الباب الذي فتحه، بل إنه مال عنه أيضًا. لم يستطع أن يقبل إفلاسه الذاتي في مواجهة الفراغ - في انهيار الآخر. فبدلًا من ذلك، شيّد حكاية «المعرفة المطلقة» - التي أكملها هو نفسه - والتي تصبح فيها الذات البشرية واعية بما هي عليه، كي تدخل في نظام منطقي من النيرفانا.
في اللحظة التي أُغلق فيها النسق، اعتقد Hegel لمدة سنتين أنه يجنّ: وربما كان يخشى أن يقبل الشر - وهو ما يبرره النسق ويجعله لازمًا؛ أو ربما كان يربط اليقين ببلوغ المعرفة المطلقة باكتمال التاريخ - بانتقال الوجود إلى حالة من الرتابة الفارغة - فشعر، بمعنى عميق، أنه يصير ميتًا؛ وربما حتى اكتست نوبات حزنه المختلفة شكل الفزع الأعمق من أن يكون هو الله. ومع ذلك، يبدو لي أن Hegel، وهو يتراجع عن طريق النشوة (أي عن الحل المباشر الوحيد للقلق)، كان لا بد أن يلوذ بمحاولة أحيانًا فعالة (حين يكتب أو يتكلم) ولكنها في جوهرها عبثية، للتوازن والانسجام مع العالم القائم، الفعّال، الرسمي. (Bataille 1954, p. 110)
وبالنسبة إلى Bataille، كان Hegel قد أخفق. ومع أنه قدّم خدمة لا تُقدَّر بتتبع حدود الفكر الواعي والمعرفة حتى النقطة التي تذوب فيها إلى اللا-معرفة، فإنه أعاد في اللحظة الأخيرة فرض حقيقة لاواعية: «المعرفة المطلقة» و«علم المنطق». أما Nietzsche، فلم يكن محظوظًا إلى هذا الحد. فبعد أن سلك الرحلة نفسها، لم يجد عزاءً في أي ثبات خيالي - سواء أكان نسقًا فلسفيًا أم عملًا منتجًا. ولم يلتفت Nietzsche بعيدًا عن الفراغ الذي فتحه انهيار القيم كلها وموت الإله والحقيقة، بل كشف هذه الحقيقة في وضح النهار، وواصل السير حتى وجد حلًا للثقل الذي لا يُحتمل لهذا الانكشاف، له وللآخرين. كان جواب Nietzsche على خيال الحقيقة هو حقيقة الخيال: لا الانسحاب من أوهام العالم إلى حالة الموتى الأحياء لدى مستنيري الشرق، بل القذف بالنفس إلى الأمام في اتجاه تأكيد الحياة. فلا علاقة لـ«إرادة القوة» بالأنا المحمية أو بسيطرة الآخرين، بل هي تطلب القوة والشجاعة اللازمتين لعدم الانحراف عن وعي الطبيعة الوهمية والعابرة لكل اعتقاد، ولكل لحظة - ومع ذلك الإيمان - والعيش.
وعند هذه النقطة ينهار مفهوما «الرغبة» و«الإيمان» في صورتيهما التقليديتين داخل بعضهما البعض: فالرغبة الواعية تتطلب - أو هي - إيمان. أما الرغبة عندما تُفهم لا شعوريًا، فهي شيء يشبه غريزة الحيوانات. لكن في الخبرة الإنسانية، فإن ما سيكون غريزة يظل وسيطًا بالفعل عبر الفكر الواعي واللغة: وما هو لا شعوري يفترض وعيًا جزئيًا أصلًا. لكن الوعي هو مسافة واعتراض ووساطة، ومن ثم يهدد فورية الرغبة. ولهذا تسعى الذوات إلى إنكار الرغبات أو كبتها حتى لا تدمّرها الذاتية الواعية. فالكبت أوليّ، والبشر يواصلون عنادهم في إرادة اللا-معرفة، لكن أشكال الرغبة أو jouissance تنفجر عبر الأحلام، والمرض الجسدي، والأعراض العصابية، والحرب، والجريمة، أو غير ذلك من الخبرات اللاشعورية. وهذا هو الاكتشاف التحليلي النفسي الأساسي عند Freud، المثبت تجريبيًا مرة بعد مرة في ممارسته.
لكن Bataille يذهب أبعد من ذلك ليطوّر ميتاسيكولوجيا أو ميتا-تحليلًا نفسيًا للذات البشرية بوصفها ذاتية عالقة في عقدة من الرغبة اللاشعورية والفكر الواعي. فالفكر ليس شيئًا نستطيع به أن نكتشف حقيقة الوجود هناك في العالم؛ الفكر هو ما نحنه، وإذا اتبعنا درسه حتى النهاية اكتشفنا هذا. فالمعرفة المطلقة تكشف لنا انغلاق المعرفة، وحقيقة أننا كائنات تعرف - ولكنها أيضًا لا تعرف. وهذا المعرفة يمكن أن تستخدم إما لحبسنا في ثبات زائف، أو لترجمة وتوضيح تفاصيل هذه الخبرة المستحيلة للرغبة. وفي مكان ما بين الرغبة والمعرفة تكمن jouissance - خبرة تتجاوز الخير والشر، ولا تخيب أبدًا في الظهور. ولدى Bataille كانت هذه الخبرة الخاصة بذوبان المعرفة في اللا-معرفة هي الخبرة النشوانية لدى المتصوفة، وهناك وضع الحقيقة الأساسية للوجود الإنساني، المفتوحة أمام كل من لا يمرّ بـjouissance لا شعوريًا في صورة أعراض، بل ينجز الرحلة - سواء في التحليل أم لا - عبر الفكر العقلاني والوعي بالذات نحو الرغبة.
وجودي، بطبيعة الحال، كأي وجود آخر، ينتقل من المجهول إلى المعروف (يربط المجهول بالمعروف). لا صعوبة في ذلك؛ فأنا أعتقد أنني قادر، بقدر أي شخص أعرفه، على أن أسلّم نفسي لعمليات المعرفة. وهذا، بالنسبة إليّ، ضروري - كما هو ضروري لغيري. وجودي مؤلف من خطوات إلى الأمام، من حركات يوجهها نحو نقاط مناسبة. إن المعرفة في داخلي - وأعني بذلك كل تأكيد في هذا الكتاب؛ وهي مرتبطة بهذه الخطوات، بهذه الحركات (وهذه الأخيرة مرتبطة بدورها بمخاوفي، برغباتي، بأفراحي). المعرفة ليست منفصلة عني على الإطلاق: أنا هي، وهي الوجود الذي أنا إياه. لكن هذا الوجود لا يختزل إليها؛ فمثل هذا الاختزال يقتضي أن يكون المعروف هو غاية الوجود، لا أن يكون الوجود هو غاية المعروف. (Bataille 1954, p. 110)
إن استعمال الفكر الواعي يتيح لنا أن نبعد أنفسنا عن فورية الغريزة الحيوانية - أو الرغبة الإنسانية - بما يكفي لإنتاج وسائل عملية للبقاء في صورة التقنية. لكننا لا نعيش لكي ننتج وسائل العيش لكي ننتج الوسائل… لا بد من غاية، يمكن أن نسميها معنى، أو رغبة، أو jouissance. وفي البحث عن هذه الغاية يضلّ الفكر العقلاني طريقه، ولكل واحد منا خبرته الخاصة في ذلك. فإذا لم تعد هناك طقوس وأساطير على نطاق واسع - وإذا كان «الله قد مات» - فإن هناك مع ذلك طقوسًا وأساطير لكل فرد، سواء كان واعيًا بها أم لا. وما سماه Lacan «الأسطورة الفردية للعصابي» ليس سوى jouissance كما أخذت تُعاش في الحداثة.
وهكذا يمكنك أن تخفف حركة المرور على الطرق التي تبذل جهدًا كبيرًا في إشعاعها من الوعي، والتي تشكل فخر الأنا، وقد توّجها Fichte بشعارات التعالي. لم تعد درب الحقيقة تمر عبر الفكر: والعجيب أن الأمر يبدو الآن كأنه يمر عبر الأشياء: أيها اللغز، فبك أنت أتواصل، كما يصوغ Freud ذلك في نهاية الفقرة الأولى من الفصل السادس، المكرس لعالم الحلم، من كتابه عن الأحلام وما تعنيه الأحلام. (Lacan 1966, p. 122)
ما هذه jouissance التي هي أبعد من الخير والشر - وأبعد من الحقيقة والمعرفة: أي اللا-معرفة، خبرة المتصوفة. عند Lacan، أصبحت كلمة jouissance دالًا على خبرة يستحيل تحديدها. وهي تذيب التمييز بين مبدأ اللذة عند Freud ودافع الموت. فنحن لسنا كائنات فكر فقط أو غريزة فقط، بل كائنات jouissance التي تشمل الأمرين معًا أصلًا. وتشمل jouissance الفكر بقدر ما أن الدافع الفوري يكون قد اختُبر أصلًا عبر الفكر الواعي والدلالة.
ومع ذلك فمن المؤكد، بلا أي لبس، أنه على خلاف الكينونة التي حافظ عليها التقليد الفلسفي، أي الكينونة المقيمة في الفكر والمأخوذة بوصفها قرينته، أقول إن
jouissanceهي التي تعبث بنا.
الفكر هو
jouissance. وما يكشفه الخطاب التحليلي هو هذه الحقيقة التي كانت الفلسفة نفسها قد ألمحت إليها بالفعل - وهي أن هناكjouissanceفي الكينونة. (Lacan 1982, p. 142)
أعلن Martin Heidegger (1971) نهاية الفلسفة وبداية مهمة التفكير. لكن هذا السعي إلى طلب الكينونة وراء انغلاق المعرفة المطلقة خطأ بقدر ما يظل محصورًا في الفكر. كان Heidegger يعود فقط إلى خبرة ما قبل سقراط، والحكماء الشرقيين، والشعراء - إلى فن التفكير. ومع ذلك ظلّ بإصرار يُبقي السؤال على مستوى الوعي والفكر: فصارت فلسفته تصوفًا من غير أن تعترف بذلك. ولهذا السبب بالذات تبقى فكرته داخل الدائرة المغلقة للمعرفة المطلقة: فهو يستعد مرارًا لمغادرة الدائرة - موضحًا درس Hegel على نحو أوضح - لكنه لا يفعل. وعلى الرغم من أنه لم ينصرف عن الباب الذي فُتح بعد ذاتيتنا العلمية مثل Hegel، فإنه لم يعبره أيضًا.
حيث يكتفي Heidegger بالإشارة إلى الطريق، يعثر Bataille على المخرج. وقد كان Bataille نفسه موسومًا منذ زمن بـjouissance مفرطة عبر خبرته الحياتية، فلم يستسلم لأعراضه، بل حوّلها عبر «ممارسة الفرح قبل الموت». لقد تعلم أن يعيش jouissance إلى أقصاها وأن يمجّد فائضه عبر الأدب والسياسة والتصوف. ثم، وقد ساقه الأمر أخيرًا إلى المضاربات الفلسفية، أنجز الرحلة عبر المعرفة المطلقة، كي يكشف حدودها.
إذا كانت الفعل («العمل») هو، كما يقول Hegel، السلبية، فتبقى هناك مع ذلك مشكلة معرفة ما إذا كانت سلبية من «لم يعد لديه ما يفعله» تزول أم تبقى في حالة «سلبية عاطلة». أما أنا، فلا أستطيع أن أقرر إلا على نحو واحد، لأنني أنا بالضبط هذه «السلبية العاطلة» (ولا أستطيع أن أعرّف نفسي بقدر أكبر من الوضوح). أقرّ بأن Hegel تنبأ بهذا الاحتمال، لكنه على الأقل لم يضعه بوصفه مآل العملية التي وصفها. إنني أفكر في حياتي - أو، بالأحرى، في حالتها العاجزة، في الجرح المفتوح الذي تمثله حياتي - بوصفها، في ذاتها، نقضًا للنظام المغلق لدى Hegel. (Bataille 1961, p. 123)
وعند حدود الفكر الواعي يعثر Bataille على حقيقة jouissance التي كان يعرفها من قبل من غير أن يعرفها. كما يعثر على بروز سؤال آخر: ماذا نفعل بهذه الحقيقة؟ فطالما ظل الإنسان مخدوعًا، كانت الحياة تمضي: كان يختبر jouissance الحياة بوصفها سبب وجوده، من غير أن يضع هذه jouissance أو خيالات النسق الرمزي التي تسند البقاء موضع سؤال أو اعتراض. لكن رسم Hegel لحركة الإنسانية عبر الفكر والرغبة كان، بالنسبة إلى البشرية كلها، معادلًا للفعل التحليلي الذي تختبر فيه الذات انهيار الآخر. فالذات المفسِّرة - الذات المتكلمة والمفكرة - تغلق الدائرة التوتولوجية للمعرفة المطلقة، لكنها لا تبلغ إلا الإفلاس الذاتي، الذي قد يتخذ شكل الاستياء الساخر، أو الجنون، أو الاكتئاب، أو النشوة. وقد اقترح Bataille أن كل القلق، وكل الأعراض العصابية، ليست إلا نتيجة مقاومة مواجهة هذا الفراغ الخاص بالواقعي المستحيل، كما أن كل العصابات - بما فيها «الطبيعية» - ليست سوى دفاع ضد مواجهة الحالات الفصامية والاكتئابية.
وهذا يطرح فورًا مشكلة سيادة الإنسان: أخلاق Lacan المتمثلة في عدم التنازل عن الرغبة في علاقتها بالآخر. وفي توضيح Spinoza للأخلاق، لا يمكن لأي مفهوم للحقوق أن يؤسس القدرة على الفعل على الآخر. وإذا كانت علاقات القوة والمعرفة والحقيقة قد انكشف أنها قائمة على بناءات jouissance وإغوائها - أي على القبول الاعتباطي - فإن هذا الوعي يعلن نهاية الاستغلال عبر علاقات السيد والعبد، وبداية الاعتراف المتبادل في ذاتية ما بعد Hegel. أما الشيوعية بوصفها حالة مثلى فتقف ضد سيادة الملوك والسادة، وهي بالنسبة إلى Bataille الدرس الجوهري المستفاد من Hegel وMarx. لكن Bataille أصرّ على توضيح أهمية الخبرة البنائية للسيادة التي كانت تجدها في السيد من قبل، والتي باتت الآن مفتوحة أمام كل من يستطيع أن يحول هيمنة العقلانية والإنتاج إلى jouissance اللحظة التي لا تخدم شيئًا.
الشيوعيون يعادون ما يبدو لهم سياديًا. أما بالنسبة إلى Nietzsche، فإن عالمًا يُجرَّد مما أسميه السيادي لن يكون بعد ذلك محتملًا. وفيما يتعلق بالسيادة التقليدية، كان موقفه هو موقف الشيوعيين نفسه. لكنه لم يكن يستطيع قبول عالم يكون فيه الإنسان - يكون فيه كل إنسان - وسيلة لا غاية لمشروع مشترك ما. (Bataille 1976, p. 367)
وبالنسبة إلى Bataille، كان المشروع الجماعي أو الشيوعي ضروريًا بوصفه تنظيمًا اجتماعيًا-سياسيًا، لكن المؤسسة في الممارسة لم تكن إلا قد خدمت استعباد الإنسان أكثر، عبر إعادة إنتاج جدلية السيد والعبد داخل النفس الفردية، حيث كان لا بد أن تخدم jouissance إرادة الفكر العقلاني المنتج. أما السيادة، من جهة أخرى، فتقبض على فرادة كل تكثف - سواء كانت تاريخ حياة الفرد أو اللحظة الفريدة - وتنتزعها من نظام الاقتصاد المحدود.
في الواقع، لم يبقَ اليوم في العالم إلا موقفان مقبولان: الشيوعية، التي تختزل كل إنسان إلى موضوع (ومن ثم ترفض المظاهر المخادعة التي كانت الذات قد اتخذتها)، وموقف Nietzsche - المشابه للموقف الذي يتبدى من هذا العمل - الذي يحرر الذات، في الآن نفسه، من الحدود التي يفرضها عليها الماضي ومن موضوعية الحاضر. (Bataille 1976, p. 368)
وجواب Bataille على هذا المأزق هو جماعة الكائنات السيادية التي تجد صلتها لا عبر بقاء الجماعة أو الامتثال إلى مدونة مسبقة، بل عبر الاعتراف المتبادل بانهيار الآخر، والقلق المشترك، وحقيقة jouissance. وهذه الجماعة لا يمكن أن تُوصَف أو تُفرض - وإنما لا يمكن إلا أن تُشاهَد في أمثلة مثل متحللي Sade، أو جماعة العشاق عند Duras، أو الجماعة التي لا يُفصح عنها عند Blanchot - جماعة أولئك الذين لا يجمعهم شيء. وهكذا يُعاد اكتشاف الشيوعية عبر التواصل السيادي: عبر شركة jouissance المشتركة التي تذوب فيها التفرقة بين الذات والآخر - بين الذات والموضوع. وبدل أن تذوب الذات السيادية في نفعية الجماعة، فإنها تبلغ صورتها الواعية وهي تعترف بصورة الآخرين، ثم «تتواصل»: أي إنها تجسر الهوة بين الذوات المفردة مع الحفاظ على لااختزال التكثف المحدود.
ليس ثمة شيء في الحركة الكلية التي يمثّلها فكر Hegel في نظري لا أتتبعه. غير أن استقلال «المعرفة المطلقة» عند Hegel، أي الخطاب الذي تصبح فيه الذات والموضوع متطابقين، يذوب هو نفسه في لاشيء اللا-معرفة، وفكر اللا-معرفة الزائل يوجد في اللحظة. فمن جهة، هناك تطابق بين المعرفة المطلقة وهذا الفكر الزائل؛ ومن جهة أخرى، يُستعاد هذا التطابق في الحياة. «المعرفة المطلقة» تُغلق، بينما الحركة التي أتحدث عنها تنفتح. فابتداءً من «المعرفة المطلقة» لم يستطع Hegel أن يمنع الخطاب من الذوبان، لكنه ذاب في النوم. أما فكر الزوال الذي أتحدث عنه فهو يقظة الفكر لا نومه: إنه يُستعاد في مساواة - في تواصل - مع جميع اللحظات السيادية لدى جميع الناس، بقدر ما لا يريد هؤلاء أن يأخذوها بوصفها أشياء. (Bataille 1976, p. 368)
إن فكرة Bataille عن التواصل هي التفكيك اللحظي للحدود، الذي يعيد الأحداث المعزولة إلى التفاعل مع بعضها قبل أن تعود إلى حالتها الأساسية. وهذا يشبه مفهوم Guattari عن العبوريات transversality، الذي يربط السيادية الخاصة بكل حدث أو كائن منظم من دون أن يكرر الهوية أو يذيبها في التجانس وفي انتروبيا الفوضى، بل يحفظ لا تجانس الاختلاف وتعدده. لكن على مستوى التنظيم السياسي واسع النطاق، لم ينجح هذا قط، ولهذا أخذ المنظّرون النفسيون السياسيون يعلنون أن الديمقراطية الاجتماعية - رغم تلاعبها واستغلالها - هي أفضل ما هو موجود. فإذا كان التلاعب والاستغلال نتيجة حتمية للعلاقات بين أفراد لا يملكون وعيًا بـjouissance الخاصة بهم، فإن الديمقراطية تؤسس، على الأقل، صورة «مُحلَّلة» من السلطة السياسية والعلاقات الاجتماعية، لأنها تعترف بالمساواة النظرية أو «السيادة» لجميع الأفراد - حتى وإن تعذر الحفاظ على ذلك عمليًا.
يمكن تعريف الديمقراطية اللاكانية عندئذٍ على النحو الآتي: نظام اجتماعي-سياسي لا يوجد فيه الشعب - لا يوجد بوصفه وحدة متجسدة في ممثله الفريد. ولهذا فإن السمة الأساسية للنظام الديمقراطي هي أن موضع السلطة، بحكم بنية النظام نفسها، موضع فارغ. ففي النظام الديمقراطي تكمن السيادة في الشعب - لكن ما الشعب إذا لم يكن، على وجه الدقة، مجموعة الذوات الخاضعة للسلطة؟ (Zizek 1989, p. 147)
وعند هذه النقطة نقترب جدًا مرة أخرى من بنية القبائل البدائية اللاسلطوية التي وصفها Pierre Clastres (1974, 1980)، حيث لا يملك الزعيم أي سلطة فعلية، بل لا يفعل سوى أن يملأ موضعًا في البنية. ومع أن الموضع البنيوي للزعيم أو الرئيس ضروري لضمان قدر من النظام ولحفظ بقاء القبيلة، فإن سلطته لا تكون إلا ممثلة أو ممسرحة بوصفها إيمانًا. ولو أنه ظن أن موضعه هو الحقيقة، ومارس السلطة على الآخرين في صورة jouissance أو رغبة التحكم التي أساء فهمها، لكانوا قد ضحكوا منه - ولارتفع الإيمان بسلطته.
بالنسبة إلى Claude Lefort (1986) وSlavoj Zizek (1991)، تحافظ الديمقراطية على الأشكال الاجتماعية لاقتصاد نفسي عام نجده في الجماعات البدائية، لأنها تتضمن بنية اندفاع الواقعي إلى الخيال الرمزي للقوانين والقادة. وهي تؤدي «زمن الاحتفال» أو «قتل الملك» الذي كانت الخبرة البدائية تضمنه عبر الإله المشؤوم، في صورة الانتخابات التي تقذف بالقائد خارج موضعه وتفتح كل شيء مجددًا أمام الصدفة والفوضى.
على خلفية هذا الإفراغ لموضع السلطة يمكننا أن نقيس الانقطاع الذي أدخله «الاختراع الديمقراطي» في تاريخ المؤسسات: يمكن تحديد «المجتمع الديمقراطي» بوصفه مجتمعًا تتضمن بنيته المؤسساتية، بوصفها جزءًا من إعادة إنتاجها «الطبيعية» و«المنتظمة»، لحظة انحلال الرابطة الاجتماعي-الرمزية، أي لحظة اندفاع الواقعي: الانتخابات. (Zizek 1989, p. 147)
وطبعًا، كثيرًا ما يتماهى من يشغلون موضع السلطة معه على نحو مستتر إن لم يكن صريحًا، وهذا ما تشجعه أيضًا جماعة ما تزال تبحث عن السيادة خارج نفسها رغم تراجع الملوك والقادة. وإذا كان الاعتراف المتبادل بالسيادية الذاتية قد لمَحَتْه لحظةً عبر المشروع الشيوعي - أو حتى جزئيًا عبر الديمقراطية الاجتماعية في العصر الحديث - فإنه يبدو اليوم وكأنه قد نُسي. فبعد زمن كانت فيه الرعاية الاجتماعية وتسوية ظروف العيش غير المتكافئة قد تحسنتا بثبات طوال معظم هذا القرن، عادت اللامساواة والصراع بين السيد والعبد حتى الموت من أجل الاعتراف، من جديد، ومن دون مقاومة تُذكر. وفي قلب هذا الفشل في السيادة للجميع، تبقى مع ذلك إمكانات لكل ذات أن ترفض انطفاء السيادية الذاتية تحت ضغط قوى الإنتاج والموضوع، وذلك باغتنام الفرادة في ممارسة jouissance.
6. التمتع بأعراضك – Chaotism
كان الفراغ الذي كشفه السؤال اللامتناهي للفلاسفة والعلماء، بالنسبة إلى الإنسان البدائي، هو ببساطة الفوضى التي ترافق كل شكل من أشكال التعيّن وتسبقها، ومعها تنظيمها الخلاّق. ويُوسم انقضاء الحداثة بخبرة الفنانين والشعراء والثوريين وهم يعترضون الشكل والمضمون حتى حدودهما القصوى في غياب أي ضمان - متحدّين الله والحقيقة والأخلاق أن توجد، ثم مستسلمين للجنون والعدمية. أما العصر «ما بعد الحداثي» فيتسم بانهيار هذا الضمان في أي صورة من صور الآخر، وبالعودة إلى الفوضى، وهو يُفتتح بالممارسة التحليلية ونظرية jouissance بوصفهما جوابًا عن هذه الأزمة، وبوصفهما أيضًا أداة لها.
إن درس الحداثة هو أن البنية، أو الآلة البينذاتية، تعمل كما ينبغي حتى لو كانت الـThing مفقودة، حتى لو دارت الآلة حول فراغ؛ أما الانقلاب ما بعد الحداثي فيُظهر الـThing نفسه بوصفه الفراغ المتجسد والممَثَّل. ويتحقق ذلك عبر إظهار الموضوع المرعب مباشرة، ثم الكشف عن أن أثره المخيف ليس إلا أثر موضعه في البنية. فهذا الموضوع المرعب هو موضوع يومي بدأ يعمل، على نحو عارض، بوصفه ما يملأ الثقب في الآخر (النظام الرمزي). والنموذج الأولي للنص الحداثي هو Samuel Beckett، Waiting for Godot. فكل الفعل العبثي والعديم المعنى في المسرحية يجري أثناء انتظار مجيء Godot، حين «قد يحدث شيء ما» في النهاية؛ لكننا نعرف جيدًا أن «Godot» لا يمكن أن يصل أبدًا، لأنه مجرد اسم للعدم، للغياب المركزي. فكيف سيبدو «إعادة كتابة» ما بعد الحداثة لهذه القصة نفسها؟ يجب أن نضع Godot نفسه على الخشبة: سيكون شخصًا مثلنا تمامًا، يعيش الحياة نفسها العاجزة والملل نفسه الذي نعيشه، ويتمتع باللذات السخيفة نفسها. والفرق الوحيد هو أنه، من غير أن يعرف ذلك، يكون قد وجد نفسه مصادفة في موضع الـThing؛ سيكون تجسيد الـThing الذي كان وصوله منتظرًا. (Zizek 1992, p. 155)
إذن فالقصة ما بعد الحداثية هي ملء الفراغ الخالي الذي خلّفته وفاة الإله - انهيار الآخر - بـjouissance. فـ Godot عند Beckett ينجو من موت الإله، ويظل منتظرًا في اللغز الذي كشفه مثل هذا الموت. وفي التردد الذي تنتظر فيه الحياة أن تجد طريقها، تولد الخبرة الوجودية واللايقين - ومعهما السيادية الذاتية نفسها. لكن بينما قد يكون الذات واعية بالسيادة - وبالمسؤولية - اللتين أُسندتا إليها، فإنها لم تستطع بعد أن تعتنق هذه الخبرة. وهنا تكمن رهانات Nietzsche وKierkegaard وDostoyevsky وBeckett - أي الوجودية الحداثية. أما في الصيغة ما بعد الحداثية لـ Godot، فإن الذات تعتنق موضعها بوصفها قد ملأت المكان الذي خلّفه تنازل الله والملك عن السيادة. وما هذه الحكاية ما بعد الحداثية عن God(ot) إلا Madame Edwarda عند Bataille، حيث تجد عاهرة نفسها على الخشبة بوصفها الله - واعية إلى الحدود القصوى لـjouissance الخاصة بها، ومع ذلك تعيشها إلى أقصاها - إلى حد الموت منها.
دعني أوضح قصدي. ليس ثمة فائدة في أن ألقي الأمر كله على كاهل السخرية عندما أقول عن Madame Edwarda إنها الله. لكن الله هنا متجسِّدًا في امرأة عامة فقدت عقلها - وهذا، إذا نظرنا إليه عبر عدسة «الفلسفة»، لا معنى له إطلاقًا. لا أمانع أن يكون حزني موضع سخرية إن كان لا بد من ذلك؛ وحده من يحمل في قلبه جرحًا لا يشفى، جرحًا لا يمكن، تحت أي ظرف وبأي وجه، أن يشفى منه، هو من سيفهمني على الوجه الصحيح… وأي رجل، إذا كان مجروحًا بهذا الشكل، سيرضى يومًا أن «يموت» من جرح آخر؟ (Bataille 1956, p. 155)
وهذا ما تنشغل به كل حكايات Bataille - وحياته وعمله كله -: تمكين الإنسان من عبور خيالاته، وكشف الفراغ في الآخر، وقبول سقوطه في الإفلاس الذاتي، والتمتع بأعراضه بوصفها ممارسة لـjouissance - من غير حاجة إلى تبرير رمزي زائف، ومع ذلك مع الاعتراف في الوقت نفسه بالطبيعة التخيلية لكل المعتقدات والرغبات وبحقيقة هذه الخيالات.
شهد Freud الأساطير الفردية للأعراض العصابية والدراما العائلية التي كانت تملأ الفجوة التي خلّفها انهيار القيم كلها وموت الإله، لكنه مع ذلك لم يدرك أن طموحاته العلمية ومزاجه البرجوازي كانا يعيدان تثبيت آخر آخرٍ حكمِيٍّ صار أتباعه يجعلونه أكثر صلابة. لم يعبر خياله الأساسي عبورًا كاملًا. وبغير قصد، سار Bataille على خطى Freud عبر تحليل ذاتي «بطولي»، لكنه دفع العملية أبعد من ذلك. فقد أتاحته خبرته أن يؤسس لعلم إنسان جديد - تحليل نفسي جديد (ما بعد لاكاني) - لأنه استطاع أن يمر عبر خبرة انهيار الآخر من غير أن يسقط في الجنون أو يعيد تثبيت حقيقة أخرى. بل عبر الحدود القصوى للوعي (الذاتي) والفكر الفلسفي المضارِب، كاشفًا عن jouissance الخاصة به ومحدِّدًا إياها وممجِّدًا لها.
كان موضوع رغبتي وهْمًا أول الأمر، ولا يمكن أن يكون فراغ الخيبة إلا في المرتبة الثانية.
السؤال من دون رغبة شكلي، غير مادي. ولا نستطيع أن نقول عنه: «إنه الشيء نفسه مثل الإنسان».
الشعر يكشف قوة المجهول. لكن المجهول ليس إلا فراغًا تافهًا إذا لم يكن موضوع رغبة. والشعر حدٌّ وسيط، إنه يخفي المعروف داخل المجهول: إنه المجهول مرسوم بألوان مبهرة، على صورة الشمس.
مبهورًا بألف صورة مؤلفة من القلق، ونفاد الصبر، والحب. والآن صار لرغبتي موضوع واحد: ما وراء تلك الألف صورة والليل. (Bataille 1961, p. 164)
هنا، في أسطر قليلة، يكشف Bataille رحلته عبر مواجهة الواقعي المستحيل - وهي الرحلة التي حوّلها Lacan إلى رحلة العملية التحليلية بوصفها كشفًا لآليات الرغبة والإغواء. فالإنسان يولد منذ البداية في عالم الرمزي. وحتى قبل أن يولد، يكون الطفل قد تحدده jouissance الآخر عبر اللغة التي تأتي لتسميه بالنسبة إلى الآخر، وعبر الإغواء اللاشعوري الذي يطلب به الآباء وغيرهم رغبته ومحاكاته. لا توجد خبرة فورية. فكل شيء بالنسبة إلى الفرد - أو الذات - يكون قد وُسِّط أصلًا عبر الاجتماعي، وعبر الرمزي، وعبر «الآخر». إن الذاتية - أي خبرة المرء للواقعي - هي بنية مشكَّلة.
يكشف الفعل التحليلي هذا الإغواء الأساسي عبر إغواء الذات مرة أخرى: فالتحويل ليس إلا تلك الرغبة والحب والإيمان المنتشرة واللازمة التي تتخلل العلاقات البشرية عبر الاستثمار الليبيدي، والشرود، والتنويم المغناطيسي. لكن العاشق والمؤمن لا يعيان ما يحدث لهما، ونتيجة لذلك قد تؤدي رغبتهما وحبهما وإيمانهما - أي jouissance اللاشعورية لديهما - إلى معاناة نفسية أو جسدية. لا يستخدم المحلل القوة التنويمية للتحويل كي يغوي الذات نحو طريقة أخرى في اختبار jouissance، كما يفعل معظم المعلمين والمعالجين. بل يستخدم بنية هذا التحويل لتمكين المستحلل من أن يصبح واعيًا بالطريقة التي يؤمن بها أو يُغوى، أي بالطريقة التي يمارس بها jouissance الخاصة به. ولهذا فالسمة الأساسية لكون المرء محللًا هي أن يكون قد عبر هذه الخبرة التي ينهار فيها الآخر، وينكشف الفراغ - الاستحالة الوجودية للكينونة -، والتي يرسم فيها المرء خريطة معتقداته وإغواءاته الأساسية، وأعراضه الخاصة، وjouissance الخاصة به.
كان النسق الرمزي - أو الآخر - يؤدي من قبل وظيفة إتاحة شكل اجتماعي خارجيّ التكوين للاتزان النفسي عبر وساطة الرغبة المحاكاتية. فلم يكن الله، ولا الطقس، ولا القانون، صحيحين أو باطلين؛ بل كانت مجرد معطيات - غير موضع سؤال - وتوفّر تدخل المسافة من عنف الرغبة المباشرة. وكما يوضح Jean Baudrillard، فإن كل ما احتفظنا به من هذه الخبرة هو الأفكار الزائفة عن الحقيقة والأخلاق التي تهيمن علينا، لكننا لا نؤمن بها في الحقيقة حتى. فنحن لا نملك الشجاعة لكي نرتقي إلى خيال حقائقنا أو حقيقة خيالاتنا.
صحيح أن الإتيكيت واللباقة (والاحتفالية عمومًا) لم يعودا كما كانا. لكن ذلك لأننا نريد أن نعطي الإتيكيت معنى، فنحن نحمّله بالتكلف. ولأننا نريد أن نستبدل ضرورة القانون باعتباط القاعدة، تصبح علامات الإتيكيت أعرافًا اعتباطية. ويمكننا - بل لا بأس لو فعلنا - أن نثقل قواعد الشطرنج بالاستنكار الأخلاقي. أما الإتيكيت واللباقة - وما كان لهما من حضور في نظام احتفالي لم يعد نظامنا - فلا يهدفان حتى، مثلما تفعل الطقوس، إلى تلطيف العنف الأولي في العلاقات، أو تبديد التهديدات والعدوانية (مد اليد لإظهار عدم حمل السلاح، إلخ). وكأن للكياسة غاية أخلاقية في العادات: هذه هي نفاقنا، إذ ننسب في كل مكان وفي كل حين وظيفة أخلاقية للتبادلات. غير أن القانون المكتوب في السماء ليس قانون تبادل أبدًا. بل هو، بالأحرى، ميثاق التحالف والصلات الإغوائية. (Baudrillard 1983, p. 172)
فالإغواء - وjouissance - هما «دافع الموت» بقدر ما يكونان مخاطرة، أي مخاطرة حياة قائمة على الإنتاج والكفاءة الخالصين من أجل ما نتمتع به. لكن jouissance أكثر من ذلك - فهي ليست مجرد الاستعداد للمخاطرة بالبقاء من أجل لذتنا، بل هي تحدّي المصير في مواجهة كل عقلانية. فبحسب Baudrillard، نحن لا نرغب حقًا في الفوز عندما نقامر؛ ولا نفعل ذلك من أجل جمع الثروة. نحن نسعى إلى تحدي المستحيل كي يكشف عن نفسه رغم كل الاحتمالات. نحن نسعى إلى قلب الطبيعة الموضوعية الراكدة والميتة للنظام العقلاني الذي حبسنا فيه فكرنا - ورغبتنا في البقاء. نسعى إلى أن نندهش بعودة الواقعي في صورة الصدفة - وبعودة الفوضى إلى ذاتية صارت ميتة بفعل الرتابة. وهذه الحتمية ليست دافع موت لا يُمّحي، بل هي الأساس نفسه لتكثف فردي ومعقد - أي الذات البشرية - التي تعيش على الحد بين النظام والفوضى، وتبقى هناك حتى وهي تتحول إلى أشكال أعلى من التعقيد.
نحن جميعًا مقامرون. وما نرغب فيه بأشد ما يكون هو أن تتوقف، ولو قليلًا، المسيرة التي لا مفر منها للترابطات العقلانية. وأن يُقام، ولو لوقت قصير، تفككٌ غير مسبوق من نوع آخر، وتصاعد رائع للأحداث، وتسلسل استثنائي، يكاد يكون مقدرًا، لأدق التفاصيل، إلى درجة نتصور معها أن الأشياء - التي كانت حتى الآن محفوظة على نحو مصطنع في مسافة بواسطة عقدة من التعاقب والعلّية - تجد نفسها فجأة، لا مسلَّمة للصدفة، بل تتقارب تلقائيًا، وتلتقي في شدتِها نفسها عبر ارتباطها ذاته.
وهذا ما يمنحنا اللذة. تلك هي أحداثنا الحقيقية. وهذه الحقيقة الواضحة، وهي أن لا شيء محايد أو غير مبالٍ - وأن كل الأشياء تتقارب إذا أمكننا فقط إلغاء عقدتها «العلّية» الموضوعية - هي نفسها دليل الإغواء. ولكي نتجاوز دوائر العلّية، يجب إسقاط علامات اعتباطية، نوع من الشفرات الاعتباطية، وهي ما تمثله قواعد اللعبة. هذه هي الإغراءات التي ستقلب النظام العِلّي والطريقة الموضوعية التي تسير بها الأشياء، وتعيد ربطها بوشيجتها المصيرية. هذه هي التحديات الحقيقية التي نلقيها عادةً، مثل اللاعب في اللعبة. (Baudrillard 1983, p. 153)
إن ماهية jouissance - أي السيادة - هي انحلال القيود العقلانية لنظام الأشياء في المجهول، والمستحيل، والمعجزة، والآخر المطلق. في عصرنا ما بعد الحداثي، انهارت كل السرديات الكبرى - وكل صيغ الآخر - وكل أشكال الحقيقة والنظام، ولم يعد هناك ما يمكن لنا أن نتجاوزه. وقد انطوت لعبة التحريم والتجاوز - الضرورية لبقائنا والأساسية لوجودنا - حتى صار كل فرد يعاني حركة jouissance عبر رغبته وحبه وإيمانه الخاصين. لكن الأشكال وحدها هي التي تغيرت. كان التحليل النفسي استجابةً لتغير المناخ - لأشكال جديدة من الذاتية - ولطريقة جديدة لوساطة ممارسة jouissance وتقنية البقاء. ولن تنقذنا أي نظرية أو معالجة منفردة نخترعها. فمثل فيروس يزداد قوة حين يواجه دواءً ضعيفًا، لم تتعلم أعراض jouissance اللاشعورية لدينا سوى أن تختبئ على نحو أفضل عبر فكرنا العقلاني. قد نكون ساخرين وعدميين حين يتعلق الأمر بالآخر، لكن كل واحد منا يؤمن بـjouissance الخاصة به، وهي - من دون اللجوء إلى تقنيات الطب النفسي الدوائي الحديث - غير قابلة للإبادة.
ما الذي يمكن قوله أكثر من ذلك؟ لا شيء يقترب من هذا الإحساس اللذيذ، الدوّار، المستعصي على الحل، بأنك العنصر الحاسم في موقف ما من غير أن تريد ذلك، مثل إرضاء شخص بنظرة واحدة. سبب صغير، أثر استثنائي: هذا هو الدليل الوحيد الذي نملكه على وجود الله. إن الروابط التي لا يمكن حسابها هي مادة أحلامنا، ولكن أيضًا خبزنا اليومي. نحن لا نحب شيئًا أكثر من هذا الاختلال الجنوني بين السبب والأثر - فهو يفتح آفاقًا مدهشة على أصولنا وعلى قدرتنا المحتملة. ويقولون إن الإغواء استراتيجية. لا شيء أبعد من الصواب من ذلك. فالإغواء شأن تلك الروابط غير المتوقعة التي لا تستطيع أي استراتيجية، في أحسن الأحوال، إلا أن تحاول إعادة إنتاجها. (Baudrillard 1983, p. 155)
ولِمَ لا نقول الأمر بوضوح: نحن نطلب الحتمية. ثمة فينا دافع نحو النظام والعقلانية وتقليل التوتر: وهذا هو مبدأ اللذة وغريزة الحياة. لكننا نرغب، أكثر من ذلك، في ذوبان ذلك النظام وعودة المصير، وعودة الـ (im)possible، والفوضوي. فالمسألة ليست في التخلص من دافع الموت أو من الانتروبيا - فهذا مستحيل - بل في إيجاد موضع لهما داخل صون الحياة. كانت الذوات البدائية «تعرف» هذا، وإن لم تكن «واعية» به. وسواء واجهنا ذلك أم لا، فإن حقائق jouissance جلية في كل مكان. يمكننا أن نحاول القضاء على الإنسانية عبر تخدير أنفسنا أو عبر خلق مشهد نفسي يمحو الرغبة (وقد نكون في الطريق إلى ذلك)، أو يمكننا أن نغتنم الشجاعة لمواجهة الواقعي، وأن نصبح واعين بأعراضنا، وأن نمثّل رغبتنا، وأن نمارس jouissance الخاصة بنا.
نود لو يكون هناك صدفة، ولا معقولية، ومن ثم براءة، وأن يواصل الآلهة لعب نردهم مع الكون، لكننا نفضّل السيادة والقسوة والارتباط المصيري الشامل، ونفضّل أن تكون الأحداث نتائج جذرية للفكر. نحب ذلك، لكننا نفضّل هذا. وبالمثل نحب أن ترتبط الأحداث وفق أسبابها، لكننا نفضّل أن تعمّ الصدفة والاقتران الخالص العالم. وأعتقد، قبل كل شيء، أننا نفضّل الصلة المصيرية. فالحتمية لن تلغي الصدفة أبدًا. لكن لا صدفة ستلغي القدر أبدًا. (Baudrillard 1983, p. 161)
بحسب Bataille، أظهرت كتابات Sade للإنسان الحديث موضع عماه - الطريقة التي كان يتحدد بها بواسطة الآخر - أي العصاب الذي كان يعيق عملية حياته الطاقية. وبإنكار أي شكل أو نمط مفروض قد يحول دون التدفع المباشر، سلك Sade طريق النشوة. لكن هذا ينتهي بدوره إلى مأزق، لأن الرغبة الخالصة - مثل الفوضى الخالصة عديمة الشكل - هي لا شيء. فالتبدل المستمر للأشكال وبناؤها وإعادة تنظيمها داخل فوضى التدمير يعتمد على نوع من الانسجام أو الاقتصاد العام الذي لا يمكن أبدًا أن يُشرعَن مسبقًا. وربما لا يكون سوى طريق Sade إلى jouissance هو ما يقودنا إلى النقطة التي يبدأ عندها الانسجام الواعي.
ومن منظور باطني، فإن طريق Sade هو ما سماه Rudolph Steiner (1911) «اللوسيفرية» - لا طريق الشر، بل طريق النشوة. وعلى خلاف الطريق اللوسيفري لـjouissance الذي أغرى أشكالًا سابقة من الذاتية البشرية، وصف Steiner هيمنة القوة «الأهريمانية» المتزايدة، المتميزة بالضبط، والخوف، والكبت، والانسداد. واعتقد Wilhelm Reich (1949) أن هذا «الطاعون العاطفي» مسؤول عن الأمراض النفسية والجسدية، وكذلك عن القمع الاجتماعي في البيروقراطية والاضطهاد. ويبدو، مع ذلك، أنه لكي نهرب من Ahriman ونبلغ الطريق الثالث عند Steiner، أي «المسيح» بوصفه شكلًا من أشكال التوازن داخل الفوضى، لا بد أن نمر عبر الرحلة اللوسيفرية لـjouissance والفوضى والتدمير. ويصف Rene Girard هذا بوصفه عملية اهتداء - أو metanoia - يمكن أن تُرى في كتّاب مثل Augustine وDostoyevsky وProust، حيث تقود نقاوة الرغبة المنغمسة في الذات وjouissance المرءَ خارج الرغبة المحاكاتية في المنافسة والسيطرة وجدلية السيد والعبد، وإلى الاعتراف بالآخر - خارج الطقوس التضحية والتطهيرية (بما في ذلك «التأويل التضحيتي للمسيح») وإلى الاعتراف المتبادل أو «وعي المسيح». ويصف Steiner (1925) حتى المرض الجسدي وتدمير الجسد بوصفهما عملية ضرورية لتحرير الوعي، ولمواصلة تحوّل العقل والروح عبر المادة. فالألم والمرض هما اللذان يحدثان الوعي الأولي أو انقسام العقل والجسد، وهو ما يميز الإنسان عن الحيوان. ومن هذه النقطة تبدأ رحلة تحاول فيها النفس أو الذاتية الحفاظ على التوازن عبر التعبير من خلال وعائها الجسدي، بالقدر الكافي لكي تتعلم من هذا التمثّل الخاص أو الحدث السيادي، وتستمتع به وتعبر عنه.
إن الوعي يطلق مواجهة مع الفراغ قد تقود في اتجاهات مختلفة. أما جواب العدمية فهو أن نولي الأدبار خوفًا، وأن نسعى إلى العودة إلى النوم عبر الحفاظ على أشكال الحقيقة والأخلاق والسيطرة الراسخة على الذات والآخر. أما اختيار jouissance فهو أن نسلك طريق النشوة المولودة من الوعي بأن «لا شيء حقيقي، وكل شيء مباح». وهذا الطريق لا يكشف الفراغ بل يكشف عملية كاوسمية لا تكون فيها الحياة والموت إلا تحول الأشكال الافتراضية للتنظيم في صيرورة لا تنتهي من التحولات. وبمصطلحات لاكانية، لا يمكن إلا لأخلاق السعي وراء الرغبة أن تخلّص المرء من العصاب المولود من نفي هذه الرغبة لصالح تحديد الآخر. لكن الرحلة التحليلية تتجاوز خيال الرغبة الخاصة بالفرد إلى عملية الرغبة نفسها كما تعمل كاوسميًا. فالمحلل يعيش في هذه الرغبة ولهذا الغرض. غير أنه كما أن السعي إلى السيادية الذاتية يقود إلى وعي موضوعي بالعملية في كل البيئة الاجتماعية والكونية التي تندمج فيها هذه الذاتية، كذلك يعترف هذا الوعي بالجوهر الهولوغرافي لحدثه السيادي المحدود بوصفه، في الوقت نفسه، كل ما هو كائن. فاللحظة التي تُعاش لذاتها وحدها تتطلب الانسجام الكامن في البقاء كي تسندها. غير أن هذا البقاء نفسه ليس إلا لحظته التعبيرية الخلّاقة. ويبقى أن نرى إلى أين سيقود الحدث السيادي الذي هو الإنسانية - كما هي كل حكاية حياة فردية.
الكتاب الرابع. Schizoanalysis – الممارسة السريرية والثقافية
1. الحياة والموت – Chaosophy
إن عملية الحياة والموت هي قصة التفرد وانبثاق الممكن في الفعلي. فالحياة هي انقسام واقتناص، وتخطيط للأشكال وتصلب لها وهي تفلت أو تنفصل عن الفوضى اللانهائية الخارجة عن الزمن. وعلى المستوى الكمي، لا يستطيع الفيزيائيون تحديد موضع الجسيمات الأساسية للمادة؛ إنهم لا يرسمون إلا احتمال ظهورها في متصل زماني-مكاني قابل للقياس، يخرج من الشكل الموجي للطاقة الخالصة. فتُنظَّم موجة الطاقة الخالصة إلى جسيمات مادية نعدّها «صلبة». وينحني الضوء ليصير فوتونات. وتشكل الفيزياء الكلاسيكية والرياضيات فنًّا وعلمًا للحياة، كما تفعل الشامانية والسحر والتحليل النفسي؛ إذ تعتمد كلها أولًا على ما يمكن تصوره. أما العلاقة بين ما نسميه العقل والجسد، أو النفس والمادة، فلا يمكن للثنائية المنطقية وحدها أن تُدركها.
ويضع الموت حدًا للحياة. فالموت هو اسمنا لنهاية شكل متفرد كان قد وُلد مرة في الفعلي من الممكن. وهذه التكثفة تموت حين تكفّ فرادتها السيادية في تنظيمها الخاص عن الوجود. وما إذا كانت التكثفة ستعود إلى الانتروبيا الخاصة بالفوضى غير المتمايزة، أو ستتحول على نحو يمكن التعرّف عليه إلى تكثفة منظمة أخرى عبر رحلتها اللحظية في الفوضى، ومن ثم تنقل شيئًا من شكل إلى آخر أو تبلغه، فذلك يتوقف على عدد من العوامل. إن الكلية الممكنة خارج التشكيلات الزمانية-المكانية هي الفوضى. لكن لا الحياة ولا الموت يقومان بوصفهما ماهيتين، ولا النظام ولا الفوضى أيضًا. إنها، بالأحرى، قطبا حركة chaosmosis التي تستدعي كينونة كل الأشكال وصيرورتها، وهي تعيش وتموت وتتحول وتعود في ما يصير فعليًا على الدوام، وإن كان موجودًا بالقوة.
والذاتي والموضوعي، كذلك، قطبان يمكن بلوغهما تقريبيًا دون أن يُدركا أبدًا. فاختبار الموت بوصفه نهاية تكثفة وإمكان تحول هو اختبار موضوعي. لكن ذاتيتنا تستجيب على نحو مختلف. فما إن نواجه الموت حتى نؤمن به، ونخافه، ونقع في قلق الخسارة الذي هو الوجه الآخر لفرحنا بهذا الوجود السيادي، بحكاية الحياة التي هي لنا. وكان في مقدورنا، عبر الوعي، أن نتعلم كيف ننفصل عن هذا الاعتقاد الذي يقود إلى نشوتنا وقلقنا. وكان في مقدورنا أن نعترف بأن كل رغبة وهم. وكان في مقدورنا، لو أننا قادرون، أن نكف عن تمجيد حكايتنا، وأن نتوقف عن التماهي مع التكثفة التي نحنها، وأن ننظر إليها موضوعيًا بوصفها شيئًا يحدث. وهذا الوعي، من حيث هو كذلك، يقود إلى تدمير الجسد المادي. فحين يفكك القيدَ اللحظي والتوطينَ الترابي لأشكال الحياة، فإنه يفضي إلى التفكيك والتحول والتغير. لكن السؤال اللامتناهي هو انعدام الشكل، وانعدام الاعتقاد نفسه، الذي لو أمكن بلوغه على نحو مطلق لكان لاشيئية، أي نيرفانا. ومن الواضح أن الكينونة نفسها صيرورة، وانفتاح الأشكال المحدودة والمعتقدات وهي لا تعلم، لا شعوريًا، بالكلية المتجانسة غير المنقسمة، التي هي لا شيء وتنشأ منها.
إن البحث عن المعرفة، عن الوعي المطلق، ينتهي إلى مأزق. ففي الغالب لا يبقى قائمًا إلا وعي زائف، مسنودًا باعتقادات لا شعورية، غير ممحصة. أما الاكتشاف الحقيقي للوعي غير المؤسس فيمكن أن يقود إلى حالات صوفية من النشوة أو إلى الجنون، بحسب الظروف. ومن لا يمر انترتبيًا إلى فوضى الموت أو الجنون يعود بخريطة لحركة الحياة والموت، خريطة للنفس والمادة، للكينونة والصيرورة، وهي ما يشكل براغماتية، فنًّا وعلمًا للحياة. وقد يكون الرجوع إلى الفوضى، أو التحول إلى شكل آخر، خيار المرء، أو قبوله الاعتباطي، أو فعله الإيماني. وإذا كان الخيار هو أن نعيش مجموعة التكثفات الخاصة التي تشكل الإنسانية ووجودنا الفردي، فإن فن الحياة وعلمها يصبحان براغماتية للـ chaosmosis هي محافظة وجذرية في آن. فهدم أشكال الذات الجديدة وإعادة بنائها، ولا سيما تلك المفروضة من الخارج، يجري في مواجهة الحفاظ على الذوات المتفردة والتكثفات المنظمة التي اكتسبت عبر الزمن والتقليد غنى سياديًا. وعبر هذه التكثفات السيادية المعزولة، التي يستدعي كل منها إمكانات لا نهائية، يمكن إقامة روابط شركة أو تواصل على نحو متقاطع، إما عبر القطب الموضوعي للوعي، أو عبر القطب الذاتي للتعاطف والإغواء والإيمان، أي الرغبة والحب والإيمان.
وبشكل مفارق، يقود كل من مجال الإدراك والوعي، ومجال العاطفة والإيمان، بطرق مختلفة، إلى وصلات متقاطعة متشابهة، يبلغ أقصاها اللاتمايز. غير أن الترابط الكامن والتواصل الكلي الناتجين عن الاعتقاد أو الوعي يظل دائمًا منزاحًا بفعل التفرد العنيد للتكثفات المعزولة، أي الأشكال والكينونات والأحداث والعمليات السيادية، التي تظل، بوصفها منظِّمة لذاتها وذاتية التنظيم، رافضةً أن تتخلى عن مقدار فرادتها وأن تذوب في «الكتلة المجهولة التي لا رجعة فيها».
2. الإيكوسوفيا والسيادة – اقتصاد عام
في النهاية، لا توجد الرغبة ولا الفكر بوصفهما كيانين قائمين بذاتهما. الموجود هو طريقتنا في تنظيم الفوضى، أو في اختبار الكلية المتجانسة غير القابلة للانقسام. فالرغبة والفكر ينظمان النظام عبر التقسيم ورسم الخرائط، وهما جزء من ذاتيتنا. أما الدافع، والإدراك، والإحساس، والتأثر، والعاطفة، والمعرفة، والوعي، والمعنى، فهي جميعًا متشابكة في علاقات معقدة تُنشئ «الواقع».
تضيف طائفة من النظريات في الفلسفة، والتحليل النفسي، وعلم النفس، وعلوم الأعصاب، والإثنولوجيا عناصرَ مكملة إلى خريطة معقدة للنفس. وتعمل الممارسات التحويلية ذات الطابع العلاجي أو التربوي أو الصوفي أو البيئي أو الجسدي على إعادة تنظيم ذواتنا، أي خبرتنا بالعالم داخل تعقيد هذه الخرائط، وهي خبرة تتشكل لنا ابتداءً عبر نمونا الفيلوجيني والأنطوجيني بوصفنا كائنات متجسدة في العالم.
تدافع أخلاق الجويْسانس jouissance عن فعل السيادة، والتخلق الذاتي autopoiesis، وعدم التدخل. فخبرة السيادة تحرر المرء من الحاجة إلى التحكم بالآخرين، أو إلى التلاعب بتنظيم الواقع لأغراض الإنتاج ذاته. وهي تعترف بسيادة كل كيان، أو نسق، أو حدث، أو تبلور، في تنظيم خبرته بالعالم وفق تحولاته الأيضية وحدوده الخاصة. لكنها تعترف أيضًا بالاعتماد المتبادل الذي يحدّ كل نسق في علاقته بالأنساق الأخرى، وباستحالة عدم التدخل المطلق في النهاية. فالسيادة داخل التعدد غاية ينبغي السعي إليها، غير أن جميع الكيانات وذواتها متشابكة في نقاط معينة. والسيادة داخل إيكولوجيا معقدة، أو داخل اقتصاد عام، هي في ذاتها عملية غير يقينية: براغماتية تحفظ الوعي بالعلاقات بين النظام والفوضى.
تتجاوز الممارسات التحويلية العابرة للتخصصات دورَ الأدلجة الخاصة في التعليم والشفاء والخبرة المقدسة، لأنها تقدم الأدوات نفسها اللازمة لإعادة بناء المعنى والواقع وإعادة تنظيمهما. إن تشييد الذوات يجري بين تعدد من الإمكانات المستمدة من تشكيلات أخرى للزمان والمكان في التاريخ والأسطورة والإثنوغرافيا، وفي الوقت نفسه يطلق اختراع أشكال جديدة لم تُتخيل بعد. وحين نجمع أكبر عدد ممكن من أمثلة الذاتية، يمكننا أن نتجنب مأزق الوحدة الذي ينكر الاختلاف. فالتبلورات تنبثق، وتحيا، وتموت، لكن أحداثها يمكن استعادتها في توليفات جديدة. ورغم هرمية الثبات والهشاشة والتحسين الوظيفي، فإن كل شكل يظل في ذاته غير قابل للمقارنة، وغير قابل للاختزال إلى أي مكافئ عام. إن احترام الذاتية يستطيع أن يستخلص الجوهر السيادي من كل حدث، بصرف النظر عن حدوده الموضوعية داخل الشبكة المعقدة للهرميات المتداخلة.
إن سيادة أي تبلور ذاتي تنفي الأنساق الأكبر التي يندرج فيها، إذ تستولي على جويْسانسها على حساب الآخرين، ومع ذلك فإن التعقيد الأوسع للأنساق المقترنة بنيويًا ينفي السيادة عبر الحركة المتواصلة لـ chaosmosis. وهكذا تحدّ الذاتية السيادية من موضوعية الإيكوسوفيا، كما تحدّ الإيكوسوفيا الموضوعية من السيادة الذاتية، في لازمة دائرية تتبدل إلى الأبد مع بقائها ثابتة في عملية لا تقاس ولا تُمسك بالنماذج الكلاسيكية، على نحو يشبه الأشكال الطوبولوجية المتخيلة، ومع ذلك يمكن للنفس المعقدة أن تفهمها.
على امتداد التاريخ الإنساني، نظمت الذوات الفردية والجمعية خبرتها بطرائق متباينة. ولم يبدأ العلم الإنساني إلا في زمن قريب الاعتراف بهذه الخبرات بوصفها ذاتية، بدل أن يقيمها كما لو كانت موضوعية. وقد أفضت الفيزياء الكمية، وهي أكثر العلوم «موضوعية»، إلى الاعتراف بالحدود الذاتية لكل قياس موضوعي، حيث لا تكون قابلية التنبؤ المطلقة والحتمية الخاصة بالعلم الكلاسيكي سوى احتمال يظهر لنا، لأغراضنا العملية، بوصفه يقينًا.
أما الخطوة التالية في الاعتراف بالمعرفة الذاتية «المعتمدة على الحالة»، كما تظهر في الفيزياء الكمية، والتحليل النفسي، والتنويم المغناطيسي، والإثنوغرافيا، وعلم السلوك، والعلوم الروحية، والطب الحيوي الطاقي، فهي إعادة دمج العلوم الذاتية «الخاصة بالحالة» العابرة للتخصصات، بما في ذلك علم الذاتية نفسه، بحيث يصبح القطبان الموضوعي والذاتي جزءًا من صفاء انعكاسي وواعٍ بذاته (Tart 1975, Rossi 1993, Gerber 1996).
3. خرائط جديدة للنفس – التحليل النفسي والعلم
النفس الإنسانية نسق معقد لم تبدأ الخرائط الكثيرة الموجودة له إلا بالكاد في تمثيله. فالمعرفة العلمية أهملت عادةً الطابع الزمني الدينامي للأنساق. وحتى العلوم الإنسانية، التي تحتل فيها ذاتية الملاحظ موقعًا حاسمًا في تشكيل خريطة المعرفة، ركزت أساسًا على وضع خرائط ساكنة للتجربة الإنسانية. صحيح أن التحليل النفسي اختلف عن ذلك بتوجيه أبحاثه ونظريته نحو الملاحظة السريرية التجريبية والتحليل المستمدين من العمليات، لكن الفروق الذاتية للتجربة الإنسانية غالبًا ما تُحصر في مقولات لا زمنية. إن الفهم المتزايد للتعقيد والتكاملية في العلوم الطبيعية ينبغي أن يساعد على تمثيل الطبيعة الدينامية للنفس والذاتية تمثيلًا كاملًا، مع الاعتراف التام بالطابع القائم على العملية للأحداث الإنسانية.
يمكن لنظرية «الحقل» في النفس، المرتكزة على الزمان والمكان، أن تساعدنا على فهم التجربة الإنسانية على نحو أتم، بما في ذلك المستويات الكثيرة المندمجة من ذاتيتنا التي يمكن النفاذ إليها، وكذلك الأعراض التي قد تنشأ إذا أصيبت هذه الأنظمة النفسية بالشلل في منطقة بعينها. ففي صميم الذاتية تقوم خبرة الانصهار والوحدة الأصلية، وهي خبرة تستدعي، وربما تسبق، الحدث البيولوجي المتمثل في الوجود داخل الرحم، ويمكن استدعاؤها أيضًا في الخبرات الدينية وخبرات الغيبوبة الجماعية من النمط «المحيطي». أما التعثر عند هذا المستوى فقد يفضي إلى توحد شديد العزلة أو إلى أنماط مختلفة من النرجسية.
ومن هذا الطور، ومن خلال البناء عليه، تطور الذاتية الإنسانية فردنتها الأولى من الانصهار عبر الانقسام، والإسقاط، والإدخال، وغير ذلك من علاقات الموضوع السابقة على الدلالة. ويظل هذا المستوى من الذاتية عاملًا فاعلًا لدى كل إنسان، ويشكل أساسًا للتعلقات مع الأصدقاء والشركاء والأحباء، كما يشكل أساسًا للأحكام والقيم. وما يسميه كلاين الطور أو الوضع البارانويدي-الانشقاقي لا يبين سوى الدرجة التي تُعاش بها هذه العلاقات والاتصالات المباشرة، من دون الاستفادة من البنى الثابتة للمسافة والوساطة التي توفرها الطقوس والقواعد واللغة والرمزي، بوصفها خبرات مشحونة بالخوف والخطر. وغالبًا ما تُوصف البارانويا بأنها وعي متزايد، وفي الواقع فإن الوعي بالروابط المتعددة الذي يقذف المرء إلى الوحدة المحيطية يرافق تقارير عن الخبرة الفصامية والخبرة الدينية معًا. وحتى على المستوى الجسدي، فإن من يتعاطون كميات كبيرة من المنبهات لزيادة اليقظة يعانون كثيرًا مما يسمى «الفصام المستحث كيميائيًا» (Snyder 1996). وقد تؤدي الصدمات النفسية أو الجسدية إلى انهيار فصامي لدى من كانوا يبدون قبل ذلك مستقرين، وقد تعلق الذاتية عند هذا المستوى على نحو لا رجعة فيه.
أما الوضع الاكتئابي الذي يحلّ الانقسام الفصامي البدائي في الذاتية الإنسانية فيعتمد على دمج التناقض واعتناق الازدواجية. وربما يكون هذا هو الإنجاز الأعلى للنفس الإنسانية، وربما لا يقدر القليلون على حل هذه الازدواجية قبل الدخول إلى المجال الرمزي للفطام. ومع غياب طقوس العبور إلى الرشد التي عرفتها جماعات الماضي، اعتمد الفرد الحديث على التماهي والتنافس داخل الأسرة كي يطور علاقة «طبيعية» أو «عصابية» بالآخرين. لكن تفكك الأسرة النووية والمؤسسات الاجتماعية الأخرى، وتزايد التواصل بفعل نمو التكنولوجيا ووسائل الإعلام، جعل المجال الرمزي خبرةً يكتنفها مزيد من الشك والفوضى، وهو خبرة تجري الآن في عملية تغيير جوهري لذاتية الإنسان وأعراضها.
كانت حالات فرويد العصابية أنماطًا شخصية أكثر قدرًا من الثبات، لكن أعراض اليوم تكشف عن ازدياد في الحالات الحدّية من تبدد الواقع، والاكتئاب، والهذيان. كما أن الأساليب العلاجية التقليدية تُهجر على نحو متزايد لأنها تبدو غير ذات جدوى مقارنة بالدواء. ومع ذلك، قد تكشف الحالة الراهنة للنفس الفردية والجمعية عن الطبيعة المعقدة حقًا للذاتية الإنسانية، وهي متأهبة على نحو هش بين النظام والفوضى. وإذا تحررنا من المقاربات البالية للنفس، فقد نتمكن من القبض على تعقيد الذاتية وتطوير طرائق جديدة للتعليم والشفاء، تكون على نحو توليدي ووقائي قادرة على تقليل الحاجة إلى الأساليب غير المجدية والمستهلكة للوقت في علاج أعراض ليست سوى المظهر الخارجي لاختلال أعمق.
4. التفكير والشعور – التعبيرية التجريدية
لم تُرسم حتى الآن خريطة كافية للعلاقة بين العمليات الوجدانية والعمليات المعرفية. فأسئلة الرغبة، والحب، والتأثر يتناولها المحللون النفسيون، لكنهم عادةً ما يتحاشون القضايا المعرفية. أما الذين يدرسون الفكر، والإدراك، والوعي، فغالبًا ما يتجاهلون العنصر الوجداني في هذا الاشتغال. ويؤخذ الفصل بين المجالين العاطفي والمعرفي على أنه أمر مفروغ منه، مع أن الذاتية الإنسانية نسق معقد لا يمكن رسم خط فاصل دقيق داخله.
يمكننا أن ننظر إلى الذاتية الإنسانية بوصفها شكلًا من أشكال التعبيرية التجريدية. فكل فن وكل لغة هو إعادة تمثيل، أي تجريد من الفعل المباشر أو من الغريزة. لكن التجريد قد يبلغ مستوى لا يعود فيه عنصر الرغبة أو التأثر متجسدًا. وهذا لا يعني أنه غير موجود؛ بل إن هذا الوباء الوجداني، أو الرغبة اللاواعية غير المعترف بها، هو ما يفسر قدرًا كبيرًا من الالتباس في العلاقات الإنسانية. وتسعى مقاربات علاجية نفسية كثيرة إلى إحضار القوى الوجدانية أو العاطفية اللاواعية إلى الوعي، تلك التي تسهم في تحديد الخبرة الإنسانية. وهي تحاول أن تدمج الخبرة العاطفية والمعرفية، أي الرغبة والفكر، على النحو نفسه الذي تسعى به التعبيرية التجريدية في الفن إلى دمج الدافع الفوري إلى الفعل والإبداع مع الأشكال المفهومية المجردة التي ستعبر عن هذه الدوافع وتجسدها وتحتويها.
يصف علماء الأعصاب المعاصرون العلاقة بين العاطفة والمعرفة بوصفها مجاورة بين تمثيلنا الإدراكي للعالم وبين الحالات الجسدية المصاحبة له، ثم وصلًا بينهما. فإشباع الحاجة والاندفاع، بما يتطلبه من رسم معرفي وتمييز وذاكرة، يفضي إلى انجذاب جسدي حسي ونفور عبر اللذة والألم، وهما يُخزَّنان ويُربطان ويُستعادان من خلال إعادة التنظيم المعرفي اللاحقة. وهذه هي قاعدة التعلم الشرطي. أما التعلم الأعلى مستوى والوعي، أي الوعي الذاتي، لدى البشر فهو نتيجة التعقيد القوي لقدرتهم على رسم الإدراك/الفعل في العالم وإعادة تنظيمه.
وبدلًا من التركيز على الأسس العصبية للخبرة الوجدانية-المعرفية، ركز المحللون النفسيون على الجوانب الوجدانية واللاواعية في ذاتيتنا، وهي جوانب تفلت من أي مقاربة عقلانية موضوعية خالصة لفهم النفس. إن النمو الأنطوجيني للفرد متداخل مع نموه الاجتماعي في عالم المعنى والدلالة. ويمرّ الموضوع برحلة يتعلم فيها أن يترجم خبرته المباشرة أو يجردها عبر الرمزية. وفي أثناء هذه الرحلة قد تقع انحرافات كثيرة، سواء بفعل اختلافات في المعالجة الجسدية البدنية أو بفعل اختلافات في البناء الاجتماعي لخبرة المرء الذاتية بالعالم. فالنمو الجسدي محدد جزئيًا بالشفرة الوراثية، لكن حتى هذا يمكن أن يتبدل بفعل الظروف الجسدية والبيئية للنمو. وحتى مع أفضل نمو بيولوجي ممكن، تبقى الفروق في البناء الاجتماعي للنفس عميقة، ولا سيما عبر الثقافات المختلفة.
إن العلاقات البدائية بين الموضوعات في المستوى ما قبل الدلالي، من قبيل «المرآوية» أو «الرغبة الميميتية»، تخلق شكلًا شديد «التعبيرية» من الذاتية، يُنظر إليه في المجتمع المعاصر ذي السلوك الوسيط عقلانيًا بوصفه انحرافيًا، وقد يسبب للذات معاناة أو لا يسبب، تبعًا لعلاقاته الاجتماعية، أي للطريقة التي يُرى بها ويُستقبل من الآخرين، أكثر مما يتوقف على أي حالة داخلية. ومن جهة أخرى، فإن ما يُقبل بوصفه سلوكًا طبيعيًا في المجتمع المعاصر عبر تطور تكوين الرموز «التجريدي» الثالثي قد يخفي نفسًا غير راضية بعمق، رغم قدرته على توفير بقاء وظيفي أمثل ونجاح، بل وحتى متعة. أما الدخول إلى العالم الرمزي للآخرين فقد لا يقدم إلا شعورًا زائفًا بالمجتمع من دون كثافة عاطفية. وإن استدعاء مستويات الكثافة الأساسية الموجودة في حالة الانصهار المحيطي-التوحدي التي تميز الطقوس العاطفية والدينية هو أمر بقدر ما لا غنى عنه مثل التجسدات المجردة التي نسكنها كي نعمل عمليًا. ومع أن معظم الحضارات قد وفرت طقوسًا لدمج الخبرة الوجدانية-المعرفية، فإن مجتمعنا بات مهيمنًا عليه إلى هذا الحد من العقلانية والتجريد بحيث لم يعد القلب الوجداني يظهر إلا في صورة القتل، والإساءة، والقمع. ومن دون فهم الصورة الأوسع للذاتيات الفردية والجمعية المتكاملة داخل الأنساق المعقدة، لا يمكن للممارسة السريرية والثقافية أن تأمل في تحويل هذه العمليات.
5. النفس الاجتماعية – الذات، والموضوع، والآخر
إن التمييز بين الذات والموضوع في التحليل النفسي اللاكاني يوازي التمييز بين الذات والمادة في الفلسفة الهيغلية، كما يستدعي المقاربة الكمية الانعكاسية ذاتيًا للقياس العلمي. فالذات جزء من المادة، لكن في عملية انفصال المادة عن نفسها لكي تصير واعية بذاتها، فإنها تغير نفسها. والعالِم الذي يقيس العالم هو جزء من ذلك العالم. إن رسم خريطة للمادة عبر العلم أو اللغة أو أي شكل من أشكال «المعرفة» هو إعادة تمثيل لها. فالفكر أو رسم الخريطة للكلية المتجانسة غير القابلة للانقسام، أي المادة، يجزئها وينظمها على نحو يبدلها. إن فعل التفكير، والمعرفة، ورسم الخرائط هو إدراك/خلق.
إن المفهومين الهيغلي واللاكاني للذات مفهومان اجتماعيان بعمق، لأنهما يبيّنان استحالة فصل الذات والموضوع والآخر. وتنطبق قواعد ألفرد كورجزيبسكي (1921, 1933) في التمييز بين الخريطة والإقليم على نحو يطابق تمامًا المفهوم الهيغلي-اللاكاني للذات المنقسمة عن العالم وعن نفسها. فعبارة «الخريطة ليست الإقليم» تعني أن الذات ليست المادة. فالمادة تُرمز أو تُعبَّر عنها بواسطة الذات، ولهذا تظل الذات محددة دائمًا بالآخر. وعبارة «الخريطة هي بعض الإقليم، لكنها ليست كله» تعبّر عن أن كل خريطة ترسم جزءًا من الإقليم، لكن الخريطة لا يمكن أبدًا أن تمثل الإقليم كله. فكل ذات هي جزء من المادة، لكن سيبقى دائمًا بعض من المادة فائضًا. وهذا الفائض هو ما يدفع الذات. فالذاتية اجتماعية جذريًا. وحتى إذا استطاعت الذات أن تتحرر من أن تُبنى ذاتيتها بواسطة الآخر الخاص بالحقيقة أو الأخلاق أو التجريد، فإنها لن تتحرر أبدًا من كونها محددة بالآخر الخاص بالرغبة. وأخيرًا، فإن عبارة «الخريطة انعكاسية ذاتيًا» تعني أن واضع الخريطة داخل في الخريطة التي يصنعها، ولذلك سيبقى هناك دائمًا نقطة تلاشي أو بقعة عمياء لا يمكن رسمها. وبالمثل ستحتوي الذات دائمًا على بقعة عمياء أو «لاوعي» لا يمكنها أن تراه بنفسها، بل لا يراه إلا آخر.
يرسم لاكان خريطة للبناء الاجتماعي للذات عبر وصفه لكيفية قيام العالم الاجتماعي الرمزي ببناء الطريقة التي ستختبر بها الذات العالم منذ البداية. لكنه يذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن الاعتراف بهذه البقعة العمياء الانعكاسية ذاتيًا هو الطبيعة الحقيقية للذات. فحتى عندما نكون قد تحررنا من البناء الجوهري لذاتيتنا بواسطة الآخر، يبقى واقع أن ذاتيتنا منقسمة في جوهرها، وغير مكتملة، ولاواعية، بحكم البقعة العمياء الانعكاسية ذاتيًا التي لا يستطيع أن يراها لنا إلا الآخر. نحن بحاجة إلى بعضنا بعضًا. هذه هي الطبيعة الاجتماعية جذريًا والطبيعة التحليلية النفسية جذريًا للخبرة الإنسانية.
لا يهتم التحليل النفسي بالشفاء. فأن تحلل يعني أن تفكّ عقد كائن أوتوبويتي، وأن تنصت إلى ما يحدد الذاتية. وبالنسبة إلى المحلل، فإن العَرَض، وكذلك الطلب على الشفاء، يتضمن رسالة لو أن الرغبة في الشفاء ستقضي عليها. لقد بنى فرويد المقاربة التحليلية النفسية على حقيقة أن معالجة العَرَض لن تفعل سوى تحويله إلى عرض آخر، بينما ستظل العملية الجذرية في حالة اختلال ولاوعي. إن عملية التحليل، شأنها شأن ممارسات تربوية وصوفية مختلفة، رحلة تحول نحو وعي العمليات اللاواعية. وهي تمنح الذات الأدوات البراغماتية لتنظيم نفسها النفسية والتمتع بأعراضها. والممارسة التحويلية للتحليل فنّ وعلم للحياة، حيث يخدم بناء الذوات والتعبير عنها بوصفه إيكولوجيا متواصلة للعقل هي في ذاتها علاج توليدي ووقائي. ولم يعد يُحكم على المرض بوصفه نقصًا بالقياس إلى معيار ما، بل يُحتفى بالاختلاف. ولم تعد الرغبة تدور حول النقص، بل تصير إنتاجًا راغبًا، أي الخلق الفعال لطرائق اختبار الحياة، أي للذوات. وليس معنى هذا أن طلب التخفيف من المعاناة يُهمل. وعلى العكس، فإن معالجة العَرَض وحده ضمن فئة تشخيصية محددة سلفًا هي تجاهل نداء الآخر الذي هو الذات. بل هذا النداء يطلق بدوره عملية براغماتية للتحول داخل اقتصاد عام للذاتية، يتألف من مصفوفات بيولوجية واجتماعية ورمزية ومعرفية.
وبالاستفادة من تقنيات طائفة متنوعة من الممارسات التحليلية، يمكننا أن نطور مقاربة إيكوسوفية معقدة للتحليل، يُواجَه فيها سؤال الرغبة والجويْسانس والسيادة عبر الاقتران البنيوي للأنساق الأوتوبويتية. داخل الممارسة التحويلية للتحليل، ينتهي إعادة بناء الذاتية إلى وعي هذا البناء بواسطة الآخر الذي ظل يحدد الذاتية طوال الوقت. وتتألف الممارسة التحويلية الكاملة من عدة مكونات متكاملة:
إعمال الرغبة، والتعلّق libidinal cathexis، والتواصل داخل النقل.
العملية الجدلية والحوارية والسردية للوعي.
البيئة الحاوية-الماسكة للنقل وللمجتمع.
تدخلات التفكيك، وإعادة التأطير، وtranscontextualization.
إن كل الممارسات العلاجية والتربوية تنخرط فعليًا في شكل ما من أشكال الاحتواء و/أو التدخل، غير أن القليل منها فقط يدمج عناصر الاثنين بوعي. ومع ذلك، فإن هذه الممارسات كلها، مهما كان نوعها، تخدم في تحويل النفس على نحو ما، لكن عملية كاملة للوعي وهي تنكشف عبر الزمن وحدها يمكن أن تمنح الذات القدرة على ممارسة تحليلها الخاص. وكان إيضاح التحليل النفسي بوصفه مثل هذه الممارسة التحويلية الكلية، المنسجمة مع التقنيات القديمة للوعي ومع المقدس، هو جوهر مشروع لاكان. أما بايون، ووينكوت، ولانغ فقد قدّموا وشرحوا الطبيعة الكاملة للبيئة الحاضنة عبر عناية الممارس داخل الجماعة العلاجية النفسية الجماعية بوصفها بديلًا عن العلاج المفروض غير المرغوب فيه. وأخيرًا، أضافت المقاربة الحديثة لدى المعالجين السيبرانيين والنُظميين سلسلة من التدخلات والتقنيات التي تتجاوز النماذج العلاجية الجامدة تقليديًا، وتواجه الافتراضات اللاواعية الكامنة في جميع الممارسات التحويلية وفي المعالجين أنفسهم.
إن عملية البراغماتية التحويلية تنشئ حقلًا أو شبكة متعددة الأبعاد تجري عبرها الحادثة البينية للمعالجة الحوارية الحميمة داخل شبكة معقدة من الماضي والحاضر والمستقبل. وفي هذه العملية الدينامية، يكون المحلل دليلًا داخل حقل من الذوات المتعددة الموزونة توازنًا هشًا بين النظام والفوضى. وتُستخدم التدخلات لتفكيك الرتابات والجمودات الساكنة وإعادتها إلى حالة العمليات السائلة، بينما تعمل البيئات الحاضنة بوصفها ملاذًا أو مأوى يُتفاعل داخله مع هذه الفوضى وتُعاد به تنظيم ذوات جديدة.
لا نهرب أبدًا من أعراضنا، وإنما نحوّلها و/أو نتبناها. ففي صميم وجودنا يقوم ذلك الإذعان الاعتباطي الذي تُبنى عليه كل الأفعال، والتبريرات، والأعراض: «الأسلوب هو الإنسان». والعناصر الأخلاقية والرمزية في حياتنا تقوم على العنصر الجمالي للجويْسانس. والأخلاق الحقة الوحيدة هي أن نتصرف وفق هذه الجويْسانس السيادية، مع وعي كامل بدلالاتها بالنسبة إلى الآخرين ومعهم. إن الاعتراف الواعي الذي يتيح تبني الرغبة وتجسيدها يقتضي المرور عبر فراغ من الفوضى تذوب فيه الحقائق، والأخلاق، والأشكال التي تعمل على تجسيد الدوافع وحفظ النظام والاستقرار. وبلغة رودولف شتاينر (1911)، لا يقود إلى وعي المسيح والتناغم معه عبر metanoia إلا المرور عبر المجال اللوسيفيري للنشوة، والخروج من السيطرة والقمع الأهريمانيَّين. ولكي ينتقل المرء من الانهيار إلى الاختراق، ويحوّل التفكك الفصامي إلى إعادة تنظيم لذوات متعددة ذات تناهٍ محدود، يجب على الذات أن تتخلى عن الأعراض العصابية التي تمنحها قدرًا نسبيًا من الثبات، وأن تتسلح بالشجاعة لمواجهة النواة الفصامية للانقسام البدئي، وكذلك الأفق الاكتئابي للحقيقي، حيث تضع ازدواجية الحياة والموت حدود الخبرة الإنسانية.
6. التحليل البري – عيادة الحياة اليومية
لقد ابتكر فرويد ممارسته الجديدة للتحليل النفسي خارج العقيدة المؤسسية، وكان يحفزه في ذلك فريق صغير من المستكشفين المخلصين الذين أدخلهم إلى هذا العمل على نحو غير رسمي، أحيانًا خلال عدد قليل من الزيارات فقط. أما التنميط المؤسسي العقائدي للتحليل النفسي فقد خان الاستكشاف المفتوح لعلم إنساني حقيقي، كما خان براغماتية الأحداث السريرية المفردة. وكثيرًا ما تنتهي الابتكارات التي تُرفض رفضًا جذريًا في البداية إلى أن تصبح هي نفسها القواعد الجامدة التي رفضت هذا الاختلاف من قبل. وقد قوبلت محاولة لاكان في التجريب داخل التحليل بالإقصاء من جماعته. ومن خلال تأسيسه مدرسته الخاصة، وسّع التحليل إلى ما وراء نطاق الدائرة المغلقة. لقد انخرط مع الشعراء والفنانين والفلاسفة والعلماء، ووسّع حدود التحليل ونقله إلى الثقافة الأوسع.
وفي الوقت نفسه، شهدت العقود التي تلت الحرب تأسيس أعداد متزايدة من الجماعات العلاجية التجريبية داخل الأطر المؤسسية الرسمية وخارجها. وانتشرت المقاربات «المناهضة للطب النفسي» في أوروبا وأمريكا، وجرى دمج ممارسات التعليم والشفاء من حضارات أخرى مع التقنيات الحديثة. ومع أن هذه الحركات قد جرى التخلي عنها في الغالب لصالح طرائق علاج الأعراض الأكثر عقلانية وكفاءة، وغالبًا عبر المواد الكيميائية، فإن أمامنا اليوم إمكانات أكثر من أي وقت مضى لدمج العناصر البيولوجية والاجتماعية والروحية للعقل والجسد في فهم النفس وشفائها وتحويلها تحويلاً مقدسًا.
كان معنى «التحليل البري» في الأصل هو ممارسة التحليل خارج الحدود التقليدية، سواء أكان ذلك في حالة تطبيق غير مرغوب فيه أم في حالة تأمل مفتوح. لكن ممارسة التحليل خارج غرفة الاستشارة تعني أخذ ثمار دروسه ودمجها في إيكولوجيا الحياة اليومية. وقد شملت الممارسات التحليلية لغواتاري في عيادة لا بورد التجريبية عمليات إبداعية ودرامية وسياسية ومادية، ومقاربة تحليلية لحقول متعددة من الذاتية التي توجد وتلحّ في كل لحظة. كما أن نشاطه السياسي والبيئي نفسه وسّع المشروع التحليلي ليشمل الذوات الثقافية والاجتماعية والوظيفية، وهي جزء من النفس بقدر ما هي أشكال فردية.
إن إدراك طبيعة النفس في المعالجة الوجدانية-المعرفية، وعلاقات الموضوع، والإسقاط، والإدخال، والجويْسانس، والانقسام، والتسوية، والترجمة، والاحتواء، وغير ذلك من عناصر الدينامية الفوضوية، يمكن أن يقود المرء إلى مقاربة الحياة بطرائق جديدة. فطقوس الحياة اليومية وعلاقاتها تحيط بكل حركة نقوم بها. فما الغرض من الممارسات التحويلية إن لم يكن إعادة تنشيط الوضع المعيش، واختراع خبرات ذاتية جديدة للمقدس بأي وسيلة ممكنة؟ إن الحياة الإنسانية ليست عملية يحددها البقاء وحده. فالحياة تتكون من الرغبة والمعنى والخبرة المشتركة للتواصل بينهما. وإن الجماعة الحية القائمة على معنى داخل الوعي تعتمد على تحول النفس من أعمق مستويات الفرد، تمامًا كما أن إمكان السيادة الفردية واللحظية يعتمد على تحول التجسدات الجمعية والاجتماعية والمؤسسية للذاتية.
إن تحدي بودريار للذاتية هو أن التحليل النفسي نفسه قد دخل بالفعل إلى النفس الثقافية. لقد تجاوزنا الزمن الذي كان فيه الحدث التحليلي النفسي، بما له من أسس في الفصل بين الحقيقي والمتخيل والرمزي، قادرًا على التأثير فينا. لم يعد هناك حقيقي، لأن العالم الظاهر للمتخيل-الرمزي، أي الواقع الافتراضي، قد استولى على المشهد. ويسمي بودريار هذا عودة إلى الشكل البدائي للمقدس: الإغواء من دون وهم الحقيقة. لكن جزءًا من الطبيعة الإغرائية لأي شكل هو حقيقته نفسها، أي حقيقة الإيمان والاعتقاد التي يعيشها الشخص المُغوى.
إن العودة إلى الأشكال البدائية من الإغواء ليست تراجعًا، بل هي «الليل الحيواني» عند باتاي، أي النقطة التي يصبح فيها الفكر العقلاني المطلق هو ما كان يسعى إليه دائمًا: عودة إلى حميمية الحيوان في العالم، مثل الماء في الماء، مع بقاء الوعي الذاتي الصافي سليمًا. أما ممارسة «اللامبالاة» عند ساد فهي الموضوعية المطلقة لمن يضع نفسه عند مستوى حركة المادة والطاقة، العضوية وغير العضوية، وهي تنظّم وتفرد وتحوّل وتتكيف وتتطور وتذوب. وبهذه الطريقة يلتقط الحكيم السبينوزي فهمًا متعاطفًا للإيكولوجيات المعقدة للكون، وهي ممارسة تظل في النهاية عقيمة ما لم تُعترف بحدود هذه الموضوعية داخل ذاتية التبلور المفرد. يريد ساد أن يحرر طاقة الدافع نفسها، قبل الرغبة أو بعدها، وهي تجري فيه، لكن هذا أيضًا هدف عقيم، لأن الواقع منظَّم دائمًا في المادة، وفي تعبيره عبر الأشكال التي تشمل المجال المتخيل للنفس الإنسانية. لكن كما أشار باتاي وبلانشو، فإن غوص ساد في الجويْسانس الخالصة هو وحده ما يبين لنا مأزق الانسداد اللاواعي، ويفتح الطريق نحو الوعي الموضوعي بحركة المادة والطاقة والشكل في أرجاء الكون.
إن هذه الكوزموسية الفوضوية التي تصف التفاعل بين الحقيقي والظاهري لا يمكن استئصالها. فالواقع لم يختفِ، لكننا بلغنا حالة تنقسم فيها الذاتية الإنسانية انقسامًا مزدوجًا بين الحقيقي والافتراضي، ويهيمن فيها الافتراضي. ويمكن النظر إلى المتخيل بوصفه مجال المقدس الذي تتعمق فيه الخبرة الداخلية للعاطفة والمفهوم، فتزداد ذاتية الإنسان صلةً بالحقيقي. أما الافتراضي فليس انتصارًا للمتخيل، بل هو إنكار للمتخيل والحقيقي معًا لصالح «مشهد» من الأشكال المنومة التي لا تفعل سوى محو التأمل الذاتي، وإغراقنا في النوم بدلًا من زيادة الوعي الذاتي-الموضوعي بكل حدث-تبلور داخل إيكولوجيا معقدة.
إن الإيمان الرمزي، أو العقد الاجتماعي، الذي يحفظ النظام بين التجسدات الأولية للذوات السيادية، يبلغ مأزقًا قبل أن يُلقى في الفوضى. ونحن نبحث عن مجال أخير يتجاوز العلامة المؤشرية، والرمز الأيقوني، والرمز ذاته، ويحفظ الوعي الصافي ويقترب في الوقت نفسه من التدفق الفوضوي للنفس. وهذا المجال هو مجال الأثر. فبعد المؤشر، والأيقونة، والرمز، يأتي الأثر، أي الشكل الذي يحتوي تفككه في داخله. إن شعرية الأثر تبني سيميائيات تحرق نفسها، وتترك الرماد حرًا كي يُعاد تركيبه مرارًا في اللازمة. وحين نتحرر من سجن التكرار الدقيق، نخلق ونُعيد الخلق داخل تقليد ما. وكل تجلٍّ سيكون مختلفًا، ومع ذلك فهو هو نفسه. هذه هي العودة الأبدية عند نيتشه، حيث لا تُقوَّض الثقة وإرادة الحياة بأكاذيب الحقيقة، بل تُمارسان عبر حقيقة الأكاذيب. وإن طاقتنا على العيش تتحقق في إيمان كل لحظة، وهي حرة في أن تكون وأن تصير داخل عملية لا نهائية يكون فيها إدراك/خلق/تجسيد كل لحظة من الذاتية الفردية والجمعية فعلًا سياديًا.
كانت الصوفية، أي الخبرة الداخلية، أي المقدس، عند باتاي هي غاية الحياة التي تجعل الوسائل ممكنة. وبالنسبة إلى باتاي ولاكان، فإن الجويْسانس التي تحدد بالفعل معتقداتنا وكلماتنا وأفعالنا ليست سوى تصوف فقير ما لم تستطع أن تصبح معاشة بوعي وكمال. ويمكننا، مع باتاي، أن نقول إن كل ذاتية قادرة على اختبار حالة الصوفي حين تحكم الجويْسانس من غير رقابة العقل الذي يخاف الموت وينكر الحميمية. وليس ثمة غاية أخرى في الواقع سوى ذوبان الفكر في سيادة اللحظة المعيشة. إن اقتصاد البقاء والعقلانية والكفاءة المحدود يستأصل مثل هذه الخبرة السيادية. أما الاقتصاد العام فيعترف بتفاعل البقاء المنتج مع الإنفاق الفائض. وإذا لم يُعترف بهذا الاقتصاد العام فسوف يعمل على أي حال، تاركًا أعراضًا جسدية واجتماعية ونفسية تُساء قراءتها وتُعالج كما لو أنها جاءت من الخارج. ومن دون العودة إلى أساطير الماضي وطقوسه، يمكننا أن نبحث عن تواصل للسيادة داخل وعي الاقتصاد العام، أي عن جماعة وشركة يرتبطان باعتراف متبادل وسيادة مشتركة، وعن خبرة داخلية يُضحّى فيها بالعقل الواعي الحاسب نفسه، وهو ما يسلِّم الذاتية إلى الاستراتيجية والإنتاج. وإن خبرة النفس الكوزموسية الفوضوية، التي يعيشها الصوفي على أكمل وجه والتي تنتظر كل واحد منا عند لحظة الذاتية السيادية، هي خبرة العيش بالرغبة عند حدود الفكر.
7. المراجع
Abraham, F. (1995). Chaos Theory in Psychology. CT: Greenwood.
Abraham, N. and Torok, M. (1976). The Wolf Man’s Magic Word. Minneapolis: University of Minnesota, 1986.
Abraham, N. (1985). Rhythms. Stanford: Stanford University, 1995.
Abraham, N. (1987). The Shell and the Kernel. Chicago: University of Chicago, 1994.
Abraham, R. (1994). Chaos, Gaia, Eros. New York: Harper Collins.
Alliez, E. (1995). Capital Times. Minneapolis: University of Minnesota.
Andersen, T. (1991). The Reflecting Team. New York: Norton.
Anzieu, D. (1989). The Ego-Skin. New Haven, CT: Yale University.
Assagioli, R. (1965). Psychosynthesis. New York: Penguin.
Bailey, A. (1936-42). Esoteric Psychology. New York: Lucis.
Bailey, A. (1953). Esoteric Healing. New York: Lucis.
Balint, M. (1968). The Basic Fault. Evanston, IL: Northwestern University.
Bandler, R. (1993). Time for a Change. Capitola, CA: Meta.
Bandler, R. & Grinder, J. (1982). Reframing. Moab, UT: Real People.
Bataille, G. (1945). On Nietzsche. New York: Paragon House, 1992.
Bataille, G. (1954). Inner Experience. Albany, NY: SUNY, 1988.
Bataille, G. (1961). Guilty. Venice, CA: Lapis, 1988.
Bataille, G. (1962). The Impossible. San Francisco: City Lights, 1991.
Bataille, G. (1967). The Accursed Share I. New York: Zone, 1988.
Bataille, G. (1973). Theory of Religion. New York: Zone, 1989.
Bataille, G. (1976). The Accursed Share II & III. New York: Zone, 1991.
Bataille, G. (1986). Visions of Excess. Minneapolis: University of Minnesota.
Bataille, G. (1956). Madame Edwarda, in My Mother/Madame Edwarda/The Dead Man. London: Marion Boyars, 1989.
Bateson, G. (1972). Steps to an Ecology of Mind. New York: Ballantine.
Bateson, G. (1979). Mind and Nature: A Necessary Unity. New York: Bantam.
Baudrillard, J. (1976). Symbolic Exchange and Death. London: Sage, 1993.
Baudrillard, J. (1979). Seduction. Montreal: New World, 1990.
Baudrillard, J. (1983). Fatal Strategies. New York: Semiotexte, 1990.
Baudrillard, J. (1987). The Ecstasy of Communication. New York: Semiotexte, 1988.
Bergson, H. (1896). Matter and Memory. New York: Zone, 1991.
Bergson, H. (1907). Creative Evolution. New York: Macmillan, 1944.
Bergson, H. (1932). The Two Sources of Morality and Religion. Notre Dame: Notre Dame University, 1935.
Bion, W. (1970). Attention and Interpretation, in W. Bion Seven Servants. New York: Jason Aronson.
Bion, W. (1977). Two Papers. London: Kamac.
Bion, W. (1990). A Memoir of the Future. London: Kamac.
Bion, W. (1994). Clinical Seminars and Other Works. London: Kamac.
Blanchot, M. (1941). Thomas the Obscure. Barrytown, NY: Station Hill, 1988.
Blanchot, M. (1969). The Infinite Conversation. Minneapolis: University of Minnesota, 1993.
Bollas, C. (1987). The Shadow of the Object. New York: Columbia University.
Bohm, D. (1980). Wholeness and the Implicate Order. London: Routledge.
Bohm, D. & Hiley, B. (1993). The Undivided Universe. New York: Routledge.
Borch-Jacobsen, M. (1982). The Freudian Subject. Stanford: Stanford University, 1988.
Borch-Jacobsen, M (1991). Lacan: The Absolute Master. Stanford: Stanford University.
Boscolo, L. and Bertrando, R (1993). The Times of Time. New York: Norton.
Brown, R (1991). The Hypnotic Brain. New Haven, CT: Yale University.
Burroughs, W. (1984). The Burroughs File. San Francisco: City Lights.
Calvin, W. (1996). Mosaics of the Mind. Cambridge, MA: MIT.
Castaneda, C. (1987). The Power of Silence. New York: Pocket Books.
Cecchin, G. et al (1992). Irreverence. London: Kamac.
Chertok, L. & Stengers, I. (1989). A Critique of Psychoanalytic Reason. Stanford: Stanford University, 1992.
Clastres, P. (1974). Society Against the State. New York: Zone, 1987.
Clastres, P. (1980). The Archeology of Violence. New York: Semiotexte, 1994.
Cioran, E. (1990). A Short History of Decay. London: Quartet.
Cioran, E. (1981). The Trouble with Being born. New York: Seaver.
Cohen, L. (1966). Beautiful Losers. Montreal: McClelland & Stewart.
Cooper, D. (1974). The Grammar of Living. London: Penguin.
Cooper, D. (1978). The Language of Madness. London: Penguin.
Damasio, A. (1994). Descartes’s Error. New York: Avon.
Debord, G. (1967). Society of the Spectacle. New York: MIT.
Debord, G. (1988). Comments on the Society of the Spectacle. London: Verso.
Deleuze, G. (1983). Cinema I: The Movement-Image. Minneapolis: University of Minnesota.
Deleuze, G. (1984). Cinema II: The Time-Image. Minneapolis: University of Minnesota.
Deleuze, G. and Guattari, F. (1972). Anti-Oedipus. Minneapolis: University of Minnesota, 1983.
Deleuze, G. and Guattari, F. (1980). A Thousand Plateaus. Minneapolis: University of Minnesota, 1987.
Deleuze, G. and Guattari, F. (1992). What Is Philosophy? Chicago: University of Chicago, 1994.
Derrida, J. (1967). Of Grammatology. Chicago: University of Chicago.
Derrida, J. (1973). Disseminations. Baltimore: Johns Hopkins.
Derrida, J. (1980). The Post Card. Baltimore: Johns Hopkins, 1987.
Derrida, J. (1976) Fors, in N. Abraham The Wolfman’s Magic Word. Minneapolis, MN: University of Minnesota, 1986.
Derrida, J (1992). The Mystical Foundations of the Law, in D. Cornell Deconstruction and the Possibility of Justice. New York: Routledge.
Dumezil, G. (1940). Mitra-Varuna. Cambridge, MA: MIT.
Duras, M. (1964). The Ravishment of Lol V Stein. New York: Pantheon, 1966.
Duras, M. (1969). Destroy She Said. New York: Grove, 1970.
Duras, M. (1982). The Malady of Death. New York: Grove, 1986.
Duras, M. (1991). The North China Lover. New York: New Press, 1992.
Eccles, J. (1993). How the Self Controls Its Brain. New York: Springer-Verlag.
Edelman, G. (1992). Bright Air, Brilliant Fire. New York: Basic Books.
Eigen, M. (1987). Steps Towards Life. New York: Oxford, 1992.
Eigen, M. and Winkler, R. (1965). Laws of the Game. New York: Knopf, 1971.
Elkaim, M. (1990). If You Love Me, Don’t Love Me. New York: Basic Books.
Erickson, M. (1980). The Collected Papers. New York: Irvington.
Erickson, M. & Rossi, E. (1981) Hypnotherapy. New York: Irvington.
Foucault, M. (1961). Madness and Civilization. New York: Vintage, 1973.
Foucault, M. (1969). The Archeology of Knowledge. New York: Vintage, 1972.
Foucault, M. (1975). Discipline and Punish. New York: Vintage, 1977.
Foucault, M. (1976). The History of Sexuality. New York: Vintage, 1978.
Freud, S. (1900). The Interpretation of Dreams. New York: Avon.
Freud, S. (1920). Beyond the Pleasure Principle. New York: Norton.
Freud, S. (1930). Civilization and Its Discontents. New York: Norton.
Freud, S. (1938). An Outline of Psychoanalysis. New York: Norton.
Gell-Mann, M. (1994). The Quark and the Jaguar. New York: W. H. Freeman.
Gerber, R. (1996). Vibrational Medicine. Santa Fe, NM: Bear & Co.
Girard, R. (1978). Things Hidden Since the Foundation of the World. Stanford: Stanford University, 1987.
Godel, K. (1931). On Formally Undecidable Propositions. NY: Basic Books, 1962.
Goodwin, B. (1994). How the Leopard Changed Its Spots. New York: Simon and Schuster.
Grinder, J. & Bandler, R. (1981). Trance-Formations. Moab, UT: Real People.
Grinder, J. & DeLozier, J. (1987). Turtles All the Way Down. Scotts Valley, CA: Grinder& Associates.
Grof, S. (1975). Realms of the Human Unconscious. New York: Viking.
Grof, S. (1980). LSD Psychotherapy. Pomona, CA: Hunter House.
Grof, S. (1985). Beyond the Brain. Albany, NY: SUNY.
Grof, S. (1988). The Adventure of Self Discovery. Albany, NY: SUNY.
Guattari, F. (1992). Chaosmosis. Bloomington: Indiana University, 1995.
Hameroff, S. (1987). Ultimate Computing. Amsterdam: North Holland.
Hameroff, S. & Penrose, R. (1996). Conscious Events as Orchestrated Space-Time Selections, in Journal of Consciousness Studies, 3.1, p. 36-53.
Harth, E. (1993). The Creative Loop. New York: Addison-Wesley.
Hegel, G W F (1807). Phenomenology of Spirit. New York: Oxford University.
Heidegger, M. (1962). Being and Time. New York: Harper & Row.
Heidegger, M. (1971). What Is Called Thinking? New York: Harper & Row.
Jacob, F. (1982). The Possible and the Actual. New York: Pantheon.
James, W. (1890). Principles of Psychology. New York: Dover.
Jung, C. (1954). The Psychology of the Transference. Princeton, NJ: Princeton University.
Jung, C. (1956). Mysterium Coniunctionis. Princeton, NJ: Princeton University.
Kauffman, S. (1992). Origins of Order. New York: Oxford.
Kauffman, S. (1995). At Home in the Universe. New York: Oxford.
Khan, M. (1983). Hidden Selves. New York: International Universities.
Khan, M. (1989). The Long Wait. New York: Henry Holt.
Klein, M. (1932). The Psychoanalysis of Children. London: Virago.
Klein, M. (1961). Narrative of a Child Analysis. London: Virago.
Klossowski, P. (1967). Sade My Neighbor. Evanston, IL: Northwestern University, 1991.
Klossowski, P. (1969). Nietzsche and the Vicious Circle. Chicago: University of Chicago, 1997.
Korzybski, A. (1921). Manhood of Humanity. Englewood, NJ: Institute of General Semantics.
Korzybski, A. (1933). Science and Sanity. Englewood, NJ: Institute of General Semantics.
Kristeva, J. (1987). Black Sun. New York: Columbia, 1989.
Kristeva, J. (1993). New Maladies of the Soul. New York: Columbia, 1995.
Lacan, J. (1956). “The Function and Field of Speech and Language in Psychoanalysis.” in Écrits, New York: Norton,1977.
Lacan, J. (1966). Écrits. New York: Norton, 1977.
Lacan, J. (1973). The Four Fundamental Concepts of Psychoanalysis. New York: Norton, 1977.
Lacan, J. (1974). Television. New York: Norton, 1987.
Lacan, J. (1982). Feminine Sexuality. New York: Norton.
Laing, R. D. (1967). The Politics of Experience. New York: Pantheon.
Laing, R. D. (1982). The Voice of Experience. New York: Pantheon.
Langs, R. (1992). Science, Systems, and Psychoanalysis. London: Kamac.
Langs, R. (1993). Empowered Psychotherapy. London: Kamac.
Langs, R. (1995). Clinical Practice and the Architecture of the Mind. London: Kamac.
Langs, R. (1996). The Evolution of the Emotion-Processing Mind. London: Kamac.
Langs, R. et al. (1996). The Cosmic Circle. Brooklyn, NY: Alliance.
Laplanche, J. (1987). New Foundations for Psychoanalysis. Oxford: Blackwell, 1989.
Laplanche, J. (1992). Seduction, Translation, Drives. London: ICA.
LeDoux, J. (1996). The Emotional Brain. New York: Simon & Schuster.
LeFort, C. (1986). Political Forms of Modern Society. London: Polity.
Levi-Strauss, C. (1962). The Savage Mind. Chicago: University of Chicago.
Levinas, E. (1961). Totality and Infinity. Pittsburgh: Duquesne University, 1969.
Levinas, E. (1968). Nine Talmudic Readings. Indianapolis: University of Indiana, 1990.
Lilly, J. (1967). Programing and Metaprograming in the Human Biocomputer. New York: Julian.
Lilly, J. (1972). The Center of the Cyclone. New York: Julian.
Lyotard, J. F. (1974). Libidinal Economy. London: Athlone, 1993.
Lyotard, J. F. (1979). The Postmodern Condition. Minneapolis: University of Minnesota, 1984.
Lyotard, J. F. (1983). The Differend. Minneapolis: University of Minnesota, 1988.
Masson, J. (1992). The Assault on Truth. New York: Harper & Row.
Matte-Blanco, I. (1975). The Unconscious as Infinite Sets. London: Duckworth.
Matte-Blanco, I (1988). Thinking, Feeling, and Being. London: Routledge.
Maturana, H. and Varela (1987). The Tree of Knowledge. Boston: Shambhala.
McKenna, T. and McKenna, D. (1993). Invisible Landscape. New York: Harper Collins.
Meltzer, D. (1986). Studies in Extended Metapsychology. Strath Tay: Clunie.
Meltzer, D. (1988). The Apprehension of Beauty. Strath Tay: Clunie.
Merleau-Ponty, M. (1945). The Phenomenology of Perception. London: Routledge, 1962.
Merleau-Ponty, M. (1964). The Visible and the Invisible. Evanston, IL: Northwestern University, 1969.
Milner, M. (1969). The Hands of the Living God. New York: International Universities.
Milner, M. (1988). The Suppressed Madness of Sane Men. London: Routledge.
Monod, J. (1972). Chance and Necessity. New York: Knopf.
Muller, J. (1996). Beyond the Psychoanalytic Dyad. London: Routledge.
Nicolis, G. & Prigogine, I. (1989). Exploring Complexity. New York: W. H. Freeman.
Nietzsche, F. (1885). Thus Spoke Zarathustra. New York: Viking.
Nietzsche, F. (1886). Beyond Good and Evil. New York: Vintage.
Nietzsche, F. (1887). On the Genealogy of Morals. New York: Vintage.
Nietzsche, F. (1968). The Will to Power. New York: Vintage.
Ott, J. (1993). Pharmacotheon. Kennewick, WA: Natural Products.
Ott, J. (1994). Ayahuasca Analogues. Kennewick, WA: Natural Products.
Penrose, R. (1994). Shadows of the Mind. Oxford: Oxford University.
Peris, F. et al. (1951). Gestalt Therapy. London: Souvenir.
Peirce, C. S. (1903). Harvard Lectures on Pragmatism, in The Essential Peirce. Indianapolis: Indiana University, 1998.
Piaget, J. (1974). Adaptation and Intelligence. Chicago: University of Chicago, 1980.
Piaget, J. (1981-83). Possibility and Necessity. Minneapolis: University of Minnesota, 1987.
Pribram, K. (1971). Languages of the Brain. Engelwood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
Pribram, K. (1991). Brain and Perception. Hillsdale, NJ: Lawrence Erlbaum.
Prigogine, I. (1980). From Being to Becoming. San Francisco: W. H. Freeman.
Prigogine, I. and Stengers, I. (1984). Order out of Chaos. New York: Bantam.
Pynchon, T. (1966). The Crying of Lot 49. NY: Bantam.
Pynchon, T. (1973). Gravity’s Rainbow. NY: Viking.
Reich, W. (1949). Character Analysis. New York: Farrar, Straus, Giroux.
Reich, W. (1951). Cosmic Superimposition – Ether, God, and Devil. New York: Farrar, Straus, Giroux.
Rossi, E. & Cheek, D. (1988). Mind-Body Therapy. New York: Norton.
Rossi, E. (1993). The Psychobiology of Mind-Body Healing. New York: Norton.
Roustang, F. (1980). Psychoanalysis Never Lets Go. Baltimore: Johns Hopkins, 1983.
Sade, D. A. F. De (1791-95). Justine, Philosophy in the Bedroom. New York: Grove, 1965.
Scott, A. (1995). Stairway to the Mind. New York: Springer-Verlag.
Sebeok, T. (1981). The Play of Musement. Indianapolis: University of Indiana.
Seem, M. (1988). Bodymind Energetics. San Francisco: Thorsons.
Shulgin, A. & Shulgin, A. (1991). PIHKAL: A Chemical Love Story. Berkeley: Transform.
Shulgin, A. & Shulgin, A. (1997). TIHKAL: The Continuation. Berkeley: Transform.
Sheldrake, R. (1988). Presence of the Past. Rochester, VT: Park Street.
Simon, F. (1996). My Psychosis, My Bicycle, and I. Northvale, NJ: Aronson.
Silver, A. (1981). A Psychosemiotic Model, in J. Grotstein Do I Dare Disturb the Universe. London: Kamac.
Snyder, S. (1996). Drugs and the Brain. New York: Scientific American.
Spinoza, B. (1670). A Theological-Political Treatise. New York: Dover.
Spinoza, B. (1675). The Ethics. New York: Dover.
Stapp, H. (1995). Mind, Matter, and Quantum Mechanics. New York: Springer-Verlag.
Steiner, R. (1911). Occult Science. London: Rudolf Steiner Press.
Steiner, R. (1920). Spiritual Science and Medicine. Blauvelt, NY: Steinerbooks.
Steiner, R. (1925). Fundamentals of Therapy. London: Rudolf Steiner Press.
Stem, D. (1985). The Interpersonal World of the Infant. New York: Basic Books.
Suzuki, D. (1949-53). Essays in Zen Buddhism. London: Rider.
Tansley, M. et al. (1977). Dimensions of Radionics. Santa Fe, NM: Brotherhood of Life.
Tart, C. (1975). States of Consciousness. New York: Dutton.
Thom, R. (1975). Structural Stability and Morphogenesis. Reading, MA: Benjamin.
Varela, F. et al (1991). The Embodied Mind. New York: MIT.
Virilio, P. (1977). Speed and Politics. New York: Semiotexte, 1986.
Virilio, P. (1980). The Aesthetics of Disappearance. New York: Semiotexte, 1991.
Virilio, P. (1991). The Lost Dimension. New York: Semiotexte.
Virilio, P. (1993). The Art of the Motor. Minneapolis: University of Minnesota, 1995.
Vithoulkas, G. (1980). The Science of Homeopathy. London: Thorsons.
Vithoulkas, G. (1991). A New Model for Health and Disease. Berkeley: North Atlantic.
Von Foerster, H. (1982). Observing Systems. Seaside, CA: Intersystems.
Von Glaserfeld, E. (1987). Construction of Knowledge. Seaside, CA: Intersystems.
Watzlawick, P. et al. (1967). The Pragmatics of Human Communication. New York: Norton.
Watzlawick, P. et al. (1974). Change. New York: Norton.
Whitehead, A. N. (1967). Science in the Modern World. New York: Free Press.
Whitehead, A. N. (1969). Process and Reality. New York: Free Press.
Whitmont, E. (1980). Psyche and Substance. Berkeley, CA: North Atlantic.
Wilden, A. (1986). The Rules Are No Game. New York: Routledge.
Wilden, A. (1987). Man and Woman, War and Peace. New York: Routledge.
Winnicott, D. (1965). The Maturational Process and the Facillitating Environment. Madison, CT: International Universities.
Winnicott, D. (1971). Playing and Reality. London: Routledge.
Zizek, S. (1989). The Sublime Object of Ideology. London: Verso.
Zizek, S. (1991). For They Know Not What They Do. London: Verso.
Zizek, S. (1992). Looking Awry. New York: MIT.
Zizek, S. (1992). Enjoy Your Symptom. London: Routledge.
Zizek, S. (1993). Tarrying with the Negative. Durham: Duke University.