Skip to content

XXIII

التحليل النفسي والسيبرنيطيقا، أو في طبيعة اللغة

محاضرة[^seg001-1]

سيدي الأستاذ، سيداتي سادتي،

في ما سأقوله اليوم، أود أن أميز من بينكم أولئك الذين يأتون بانتظام للاستماع إليّ يوم الأربعاء، لكي أشركهم في الامتنان الذي نشعر به للشخص الذي ذكرت اسمه أولًا، جان ديلاي، الذي وافق على افتتاح هذه السلسلة من المحاضرات، والذي يشرّفنا بحضوره هذه الجلسة.

وعلى صعيد شخصي، أود أن أشكره لأنه آوى الحلقة الدراسية التي أديرها هنا منذ السنتين الماضيتين، فأتاح لنا سقفًا يضفي على هذا التعليم مزيدًا من الوجاهة بما تراكم تحته من ذكريات، وسمح له بأن يشارك في أصداء خطابه هو نفسه.

وأود اليوم أن أتحدث عن التحليل النفسي والسيبرنيطيقا. ولما كان هذا الموضوع يقتضي الجمع بين التحليل النفسي ومختلف العلوم الإنسانية، فقد بدا لي موضوعًا جديرًا بالاهتمام.

[^seg001-1]: كانت هذه آخر محاضرة في سلسلة من المحاضرات الخاصة التي نُظمت بإشراف الجمعية الفرنسية للتحليل النفسي، وبرعاية عيادة كلية الطب، حول موضوع «التحليل النفسي والعلوم الإنسانية». ومع أن بعض هذه المحاضرات قد سبق أن أُشير إليها حين ألمح إليها لاكان أو غيره أثناء مجرى الحلقة الدراسية، فقد رأينا من المناسب أن نورد السلسلة كاملة، وقد جرت بالتوازي مع أعمال الحلقة طوال السنة. 10 نوفمبر 1954: جان ديلاي، «العصاب والإبداع». 16 نوفمبر 1954: ألكسندر كويريه، «مشكلات الحوار الأفلاطوني». 30 نوفمبر 1954: كلود ليفي-شتراوس، «القرابة في مقابل الأسرة». 4 يناير 1955: جان إيبوليت، «التحليل النفسي والظاهراتية». 18 يناير 1955: موريس ميرلو-بونتي، «الفلسفة والتحليل النفسي». 8 فبراير 1955: إتيان دو غريف، «رمزية القتل في ماترلينك». 15 مارس 1955: مارسيل غريول، «ترميز العالم وشروط التواصل لدى السودانيين». 19 أبريل 1955: ميدار بوس (زيورخ)، «التحليل النفسي وتحليل الدازاين». 10 مايو 1955: إميل بنفنيست، «التحليل النفسي واللسانيات». 24 مايو 1955: دانيال لاغاش، «التحليل النفسي وعلم النفس». 22 يونيو 1955: جاك لاكان، «التحليل النفسي والسيبرنيطيقا، أو في طبيعة اللغة».

أقول لكم منذ الآن: لن أتحدث عن تلك الضروب من السيبرنيطيقا التي صارت رائجة بدرجات متفاوتة، ولن أتحدث عن الآلات الكبيرة أو الصغيرة، ولن أسميها بأسمائها، ولن أقص عليكم ما تنجزه من عجائب. وبأي وجه يمكن لكل ذلك أن يعنينا؟

ومع ذلك فثمة، في نظري، شيء يمكن استخلاصه من هاتين التقنيتين المتقاربتين تقريبًا في الزمن، ومن هذين النظامين من الفكر والعلم، التحليل النفسي والسيبرنيطيقا. فلا تنتظروا مني شيئًا يدّعي الإحاطة. وكل ما يعنينا هو أن نهتدي إلى محور يسلط بعض الضوء على جانب من دلالة هذا وذاك. وهذا المحور ليس سوى اللغة. وسأعطيكم لمحة سريعة عن بعض وجوه طبيعة اللغة.

السؤال الذي سننطلق منه برز في حلقتنا الدراسية حين انتهينا، عبر سلسلة من التداعيات، إلى نقطة أخذنا نسأل فيها أنفسنا: ماذا يعني أن نلعب لعبة حظ مع آلة؟

وكانت لعبة الحظ تلك هي لعبة الزوج والفرد، وقد يبدو غريبًا أن يكون لهذا شأن في حلقة تتناول التحليل النفسي. وقد تحدثنا أحيانًا كذلك عن نيوتن. ولا أظن أن هذه الأمور تطرأ مصادفة، إن جاز لي القول. ذلك لأنه بفضل حديثنا في هذه الحلقة عن لعبة الزوج والفرد، وكذلك عن نيوتن، تتاح لتقنية التحليل النفسي فرصة ألا تسقط في البلى، بل، إن صح القول، في سوء السمعة.

وقد أردنا، نحن المحللين، في مجرى هذه اللعبة، أن نذكّر أنفسنا بأن شيئًا لا يحدث مصادفة، وأنه قد يخرج منها أيضًا ما يمس الصدفة في أنقى صورها.

وكانت النتيجة مدهشة. ففي هذا الجمع من المحللين صادفنا سخطًا حقيقيًا عند مجرد الظن، كما قال لي أحدهم، أنني أريد إلغاء الصدفة. والحال أن قائل هذا كان صاحب قناعات حتمية راسخة. وهذا هو ما كان مثيرًا للفزع حقًا. لقد كان هذا الشخص مصيبًا: فهناك صلة وثيقة بين وجود الصدفة وأساس الحتمية.

فلنفكر قليلًا في الصدفة. ماذا نعني حين نقول إن شيئًا ما يحدث صدفة؟ قد نعني أحد أمرين متباينين جدًا: إما أنه لا توجد نية، وإما أن ثمة قانونًا.

أما الفكرة ذاتها التي تقوم عليها الحتمية فمؤداها أن القانون بلا قصد. ومن هنا تسعى النظرية الحتمية دائمًا إلى أن تعرف كيف يتولد شيء قائم في الواقعي ويعمل وفق قانون، انطلاقًا من شيء غير متمايز في الأصل، هو الصدفة باعتبارها غياب النية. صحيح أن شيئًا لا يحدث بلا سبب، كما تقول الحتمية، غير أنه سبب بلا نية.

ولعل هذه التجربة النموذجية أوحت إلى محاوري، والله أعلم كم يزل العقل بسهولة حين يتعلق الأمر بمثل هذه المسائل، بأنني كنت على وشك أن أعيد إدخال الحتمية في لعبة رمي العملة، التي كان

يعدّها، بحدس أكثر أو أقل، مطابقة للعبة الزوج والفرد. فإذا كانت حتى لعبة رمي العملة محددة سلفًا، فماذا سيحدث بعد ذلك؟ لن تعود الحتمية الحقيقية ممكنة.

تفتح هذه المسألة باب البحث في طبيعة تلك الحتمية التي نعدّها، نحن المحللين، في أصل تقنيتنا نفسه. فنحن نحاول أن نجعل الذات تضع في متناولنا، من غير قصد، أفكارها، أو كما نقول، ملاحظاتها وخطابها؛ أي أن تتعمد أن تقترب ما أمكن من الصدفة. فما الحتمية التي ننشدها هنا، في هذا القصد إلى الصدفة؟ وعند هذه النقطة بالذات يمكن للسيبرنيطيقا أن تلقي علينا بعض الضوء.

السيبرنيطيقا ميدان شديد التباس الحدود. والوقوف على وحدته يفرض علينا أن نمدّ النظر عبر طائفة متنوعة من مجالات العقلنة: من السياسة، مرورًا بنظرية الألعاب، إلى نظريات الاتصال، بل حتى إلى بعض تعريفات مفهوم المعلومات.

ويقال لنا إن السيبرنيطيقا وُلدت، على نحو مباشر جدًا، من أعمال مهندسين كانوا معنيين باقتصاد المعلومات المارة عبر الموصلات، وبالطريقة التي يمكن بها اختزال نمط انتقال الرسالة إلى عناصره الأساسية. وعلى هذا الوجه، لا يزيد عمرها على نحو عشرة أعوام. وقد منحها اسمها نوربرت فينر، أحد أبرز المهندسين. وأحسب أن هذا يضيق من أهميتها، وأن علينا أن نذهب أبعد من ذلك لنلتمس مولدها.

ولفهم ما تدور عليه السيبرنيطيقا، ينبغي أن نلتمس أصلها في الموضوع، شديد الأهمية بالنسبة إلينا، أعني دلالة الصدفة. وليس ماضي السيبرنيطيقا إلا التكوّن المعقلن لما سنسميه، تمييزًا له من العلوم الدقيقة، العلوم التخمينية.

العلوم التخمينية: هذا، في رأيي، هو الاسم الحقيقي الذي ينبغي من الآن فصاعدًا أن يُطلق على فئة معينة من العلوم تُسمّى عادةً بالعلوم الإنسانية. وليس ذلك لأنني أرى هذا الاصطلاح غير مناسب، إذ إن الفعل الإنساني داخل، في الحقيقة، في كل وضع. لكنني أراه فضفاضًا أكثر مما ينبغي، ومشدودًا إلى شتى الأصداء المشوشة الآتية من علوم زائفة ذات طابع استسراري، لا يسعها إلا أن تخفض توتره ومستواه. وليس لنا إلا أن نكسب إذا جعلنا تعريفنا لعلوم التخمين أشد إحكامًا وأكثر تحديدًا.

وإذا كان هذا هو الموضع الذي نضع فيه السيبرنيطيقا، فسنعثر بسهولة على أسلافها: كوندورسيه مثلًا، بنظريته في الأصوات والائتلافات، أو الأحزاب كما يسميها، ثم أبعد من ذلك باسكال، الذي يمكن عده أباها ومنشأها الحقيقي.

وسأبدأ بالمفاهيم الأساسية في المجال الآخر من مجالات العلم، أعني العلوم الدقيقة، التي لا يعود اكتمالها، في صورتها الحديثة، إلى زمن يسبق اكتمال العلوم التخمينية إلا بقليل. لقد حجبت الأولى الثانية، أو كسفتها، على نحو ما، لكنهما غير منفصلتين إحداهما عن الأخرى.

2. كيف نعرّف العلوم الدقيقة؟ هل نقول إنها، بخلاف العلوم التخمينية، معنية بالواقعي؟ لكن ما الواقعي؟

لا أظن أن رأي البشر في هذا الشأن قد اختلف كثيرًا يومًا، على خلاف ما تريدنا أن نعتقده جينيالوجيا ذات منحى نفساني للفكر الإنساني، تلك التي تقول إن الإنسان كان يعيش في الأزمنة الأولى في الأحلام، وتزعم أن الأطفال تهلوسهم رغباتهم على نحو معتاد. إنه تصور غريب، ومخالف للملاحظة إلى حد لا يمكن معه وصفه إلا بأنه أسطورة، أسطورة ينبغي أن يُسأل عن أصلها.

والمعنى الذي أعطاه الإنسان دائمًا للواقعي هو الآتي: إنه شيء يُعثر عليه دائمًا في المكان نفسه، سواء أكنت قد ذهبت إلى ذلك المكان أم لا. وقد يكون هذا الواقعي قد تحرك، لكن إذا تحرك فإن المرء يبحث عنه في موضع آخر، ويبحث عن سبب اضطرابه، ويقول لنفسه أيضًا إنه يتحرك أحيانًا من تلقاء نفسه. لكنه يظل، على نحو محقق تمامًا، في موضعه، سواء كنا هناك أم لم نكن. وانتقالاتنا نحن لا يكون لها، من حيث المبدأ، مع بعض الاستثناءات، أي تأثير فعلي في هذا الانتقال من مكان إلى آخر.

ولا شك أن العلوم الدقيقة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا جدًا بهذه الوظيفة من وظائف الواقعي. فهل يعني ذلك أن هذه الوظيفة كانت، قبل تطور تلك العلوم، غائبة عن الإنسان، وأنه كان مأخوذًا بما يُزعم من قدرة الفكر المطلقة، تلك التي تُعرَّف بأنها المرحلة العتيقة المزعومة من الإحيائية؟ ليس صحيحًا البتة أن الإنسان كان يعيش سابقًا في قلب عالم مؤنسن ينتظر منه استجابات بشرية. وأرى أن هذا التصور طفولي تمامًا، وأن فكرة طفولة الإنسانية لا تقابل أي شيء تاريخي. فقبل العلوم الدقيقة كان الإنسان يظن، كما نظن نحن، أن الواقعي هو ما يظل يظهر حيث كان يُنتظر ظهوره. ففي الساعة نفسها من الليل يجد المرء دائمًا نجمًا بعينه على خط زوال بعينه، ويعود النجم إلى الظهور هناك من جديد، فهو هناك دائمًا، وهو هو دائمًا. وليس عبثًا أن أقدّم المعلم السماوي على المعلم الأرضي، لأن خريطة السماء رُسمت في الواقع قبل خريطة الكرة الأرضية.

لقد ظن الإنسان أن هناك أمكنة تبقى، لكنه ظن أيضًا أن فعله معنيّ بحفظ هذا النظام. وظل زمنًا طويلًا يعتقد أن طقوسه واحتفالاته، كشَقِّ الإمبراطور أخدود الربيع ورقصات الربيع الضامنة لخصب الطبيعة، وأن أفعاله المرتبة والدالة، أي الفعل بالمعنى الحق، فعل الكلام، كانت أمورًا لا غنى عنها لإبقاء الأشياء في مواضعها. ولم يكن يظن أن الواقعي سيزول إذا لم يشارك على هذا النحو المنظم، لكنه كان يظن أن الواقعي سيضطرب. لم يكن يدّعي أنه يسن القانون، بل كان يدّعي أنه لا غنى عنه لاستمرار القانون. وهذا تعريف مهم، لأنه يصون بالفعل صرامة وجود الواقعي صونًا تامًا.

لقد جرى تجاوز الحد حين أدرك الإنسان أن طقوسه ورقصاته وابتهالاته لا شأن لها حقًا بنظام الأشياء. أكان مصيبًا أم مخطئًا؟ ليست لدينا أدنى فكرة. لكن المؤكد أننا لم نعد نملك ذلك اليقين القديم. ومنذ تلك اللحظة وُلد منظور العلوم الدقيقة.

ومنذ اللحظة التي يفكر فيها الإنسان أن الساعة الكبرى للطبيعة تدور من تلقاء نفسها، وتواصل الإشارة إلى الوقت حتى حين لا يكون حاضرًا، يولد نظام العلم. ونظام العلم قائم على هذا: أن الإنسان، وهو يتولى خدمة الطبيعة كما لو كان يقيم لها شعيرة، قد صار خادمها المتفاني. وهو لن يحكمها إلا بطاعتها. ومثل العبد، يحاول أن يجعل السيد معتمدًا عليه بأن يحسن خدمته.

إنه يعلم أن الطبيعة قد تكون في الموعد الذي يضربه لها. لكن ما هذا الانضباط في الموعد؟ إنه على وجه التحديد التقاء زمنين [temps] في الطبيعة.

ثمة ساعة كبرى جدًا ليست سوى المنظومة الشمسية، ساعة طبيعية كان لا بد من فك رموزها، ولا شك في أن ذلك كان من أكثر الخطوات حسمًا في تكوين العلم الدقيق. لكن على الإنسان أيضًا أن تكون له ساعته، ساعته اليدوية. فمن الذي يكون في الموعد [exact]؟[^seg005-2] أهي الطبيعة؟ أم الإنسان؟

وليس واضحًا أن الطبيعة تفي بكل موعد. وبالطبع يمكن تعريف الطبيعي بأنه ما يظهر في الموعد. وحين قال السيد دو فولتير عن التاريخ الطبيعي لبوفون إنه ليس طبيعيًا إلى هذا الحد، كان يريد أن يقول شيئًا من هذا القبيل. إنها مسألة تعريف: إن حبيبتي تحضر الموعد دائمًا، لأنه حين لا تأتي لا أعود أسميها حبيبتي. أفالإنسان هو الذي يكون في الموعد؟ وما مصدر هذا الانضباط في الموعد [exactitude] إن لم يكن على وجه التحديد في تزامن الساعات؟

لاحظوا أن الساعة، الساعة الموثوق بها، لم توجد إلا منذ أن نجح هويغنس في صنع أول ساعة متساوية الإيقاع تمامًا، عام 1659، مفتتحًا بذلك كون الدقة، على حد تعبير ألكسندر كويريه، الذي لا يمكن من دونه قيام أي علم دقيق بحق. وفي ماذا يقوم هذا الانضباط في الموعد [exactitude]؟ إنه يقوم على شيء نُسقطه في هذه الساعة، في هذه الساعة اليدوية، أعني عاملًا مستعارًا من الزمن الطبيعي، هو العامل g. وأنتم تعرفون ذلك: إنه التسارع الناجم عن الجاذبية، أي، في المحصلة، علاقة بين المكان والزمان. وقد نشأ هذا من نوع معين من التجربة الفكرية، بتعبير غاليليو، وهي فرضية متجسدة في أداة. وإذا كانت الأداة مصنوعة لتؤكد الفرضية، فلا حاجة البتة إلى إجراء التجربة التي تؤكدها، لأن مجرد كونها تعمل يؤكد الفرضية.

لكن لا يزال لا بد من معايرة هذه الأداة بوحدة من الزمن. ووحدة الزمن تُستعار دائمًا من الواقعي، وتحيل إليه دائمًا، أي إلى واقع أن

[^seg005-2]: ثمة في هذا المقطع وفي المقاطع التالية سلسلة من التلاعبات اللفظية بين «الوجود في الموعد» (exact) و«العلوم الدقيقة».

إنه يعود دائمًا إلى الظهور في المكان نفسه. ووحدة الزمن هي يومنا النجمي. فإذا سألت فيزيائيًا، ولنأخذ السيد بوريل مثلًا، فسيؤكد أنه لو وقع تباطؤ غير محسوس، لكنه على المدى البعيد ليس عديم الأثر، في دوران الأرض، ولما كان هذا الدوران هو الذي يحكم يومنا النجمي، لكنا عاجزين تمامًا، في الظروف الراهنة، عن العثور على دليل عليه، لأننا نضبط زمننا بحسب هذا اليوم النجمي الذي لا نملك السيطرة عليه.

وأقول هذا لأعطيكم فكرة عن أن المرء إذا قاس المكان بشيء صلب، فإنه يقيس الزمان بالزمان، وهذا ليس الشيء نفسه.

ولا شيء يدعو إلى العجب، في ظل هذه الشروط، إذا آل جزء معين من علمنا الدقيق إلى أن يُختزل في عدد صغير جدًا من الرموز. ومن هنا جاء اشتراطنا أن يُعبَّر عن كل شيء بمفردات المادة والحركة، أو بالأحرى بمفردات المادة والزمان، لأن الحركة، بقدر ما هي شيء في الواقعي، قد نجحنا في الواقع في حذفها، في اختزالها.

إن اللعبة الرمزية الصغيرة التي يُختزل فيها نسق نيوتن ونسق أينشتاين لا تكاد تكون، في النهاية، ذات صلة تُذكر بالواقعي. والعلم الذي يختزل الواقعي إلى بضعة حروف صغيرة، إلى حزمة صغيرة من الصيغ، سيبدو على الأرجح، في نظر الأزمنة اللاحقة، مثل ملحمة مدهشة، ثم سينكمش هو أيضًا، شأن الملحمة، إلى مسار قصير جدًا.

وبعد أن نظرنا في أساس دقة العلوم الدقيقة، أي الأداة، قد يحسن بنا أن ننتقل إلى سؤال آخر، وهو: ما هذه الأمكنة؟ وبعبارة أخرى، لنهتم بهذه الأمكنة من حيث هي فارغة.

والواقع أن هذا الحساب، الذي أسيء فهمه أكثر مما أُحسن فهمه، لم يبدأ في الظهور إلا لأن هذا السؤال طُرح، في الوقت نفسه الذي وُلدت فيه العلوم الدقيقة: أعني حساب الاحتمالات، الذي يظهر للمرة الأولى في صورة علمية حقًا سنة 1654، مع رسالة باسكال في المثلث الحسابي، ويظهر بوصفه حسابًا لا للعشوائية، بل للفرص، للقاء في ذاته.

وما يطوره باسكال بواسطة المثلث الحسابي، تلك الآلة الأولى، جدير بأن يستأثر بانتباه العالم العلمي، لأنه يتيح للمرء أن يحدد فورًا ما يحق للمقامر أن يتوقعه في أي لحظة بعينها حين ينقطع تعاقب الأدوار الذي تتألف منه اللعبة. وتعاقب الأدوار هو أبسط صورة يمكن إعطاؤها لفكرة اللقاء. وما دام المرء لم يبلغ نهاية تعاقب الأدوار المحدد بالاصطلاح، أمكن تقييم شيء ما، أي إمكانات اللقاء من حيث هو كذلك. إن ما هو موضع السؤال هو المكان، وما يأتي أو لا يأتي ليملأه، أي شيء يكون عندئذ معادلًا تمامًا لعدم وجوده الخاص. ويحل محل علم ما يُعثر عليه في المكان نفسه علمُ تركيب الأمكنة بوصفها كذلك. وهو ينشأ في سجل منظم يفترض بلا ريب مفهوم الدور، أي مفهوم التقطيع.

كل ما كان، حتى ذلك الحين، علمَ الأعداد يغدو علمًا توافقيًا. إن الاجتياز العارض، الملتبس قليلًا أو كثيرًا، لعالم الرموز ينتظم حول الارتباط بين الغياب والحضور. والبحث في قوانين الحضور والغياب سيميل إلى إرساء النظام الثنائي الذي يقود إلى ما نسميه السيبرنيطيقا.

وإذ أبقي أصالة ما يظهر في عالمنا في صورة السيبرنيطيقا على هذا الحد الفاصل، فإني أربطها بترقّب الإنسان. فإذا كان علم تركيبات اللقاء المقطّع قد استرعى انتباه الإنسان، فلأنه يعنيه في العمق. وليس من غير سبب أنه يخرج من ألعاب الحظ. وليس من غير سبب كذلك أن تُعنى نظرية الألعاب بجميع وظائف حياتنا الاقتصادية، وبنظرية الائتلافات، والاحتكارات، ونظرية الحرب. نعم، الحرب نفسها، حين تُنظر في جانبها من حيث هي لعبة، منفصلةً عن كل ما قد يكون واقعيًا. وليس من غير سبب أن الكلمة نفسها تدل على هذه الميادين المتباينة كما تدل على لعبة الحظ أيضًا. والحال أن ما يكون مطروحًا في الألعاب الأولى التي ذكرتُها هو علاقة تنسيق بين الذوات. أفهل يستدعي الإنسان شيئًا ما، أو يفتش عن شيء ما في لعبة الحظ، وكذلك في الحساب الذي يكرّسه لها، يكشف تجانسه اللفظي الدلالي أنه لا بد أن له صلة ما بالبينية الذاتية، مع أن هذه الأخيرة تبدو، في لعبة الحظ، كأنها قد أُقصيت؟ هنا نقترب جدًا من السؤال المركزي الذي بدأتُ به، أعني: ما حظّ اللاوعي، الذي يكمن، على نحو ما، خلف الإنسان؟

في لعبة الحظ سيختبر حظَّه [chance] بلا شك، لكنه سيقرأ فيها أيضًا قدره. ولديه فكرة أن شيئًا ما ينكشف هناك، شيئًا يخصّه، بل أقول: يزداد ذلك بقدر ما لا يكون ثمة أحد يواجهه.

لقد بيّنت لكم كيف تنتهي الحركة كلها في النظرية إلى رمز ثنائي، إلى كون كل شيء قابلًا لأن يُكتب بحدّي 0 و1. فماذا يلزم أيضًا قبل أن يظهر في العالم ما نسميه السيبرنيطيقا؟

ينبغي لذلك أن يعمل في الواقعي، مستقلًا عن أي ذاتية. هذا العلم، علم المواضع الخالية واللقاءات من حيث هي كذلك، ينبغي أن يُضم بعضه إلى بعض، وأن يُؤلَّف في كليته، وأن يبدأ عمله من تلقاء نفسه.

وما المطلوب لذلك؟ لكي يعضد هذا الأمر، يجب أن يُنتزع شيء ما من الواقعي. فمنذ البدء حاول الإنسان أن يُدخل الواقعي في لعب الرموز. لقد كتب أشياء على الجدار، بل تخيّل حتى أن أشياء من قبيل Mene, Mene, Tekel, Upharsin تُكتب من تلقاء نفسها على الجدران؛ ووضع أرقامًا في الموضع الذي يستقر عنده، في كل ساعة من ساعات النهار، ظل الشمس. غير أن الرموز ظلّت، في النهاية، حيث أريد لها أن توضع. ولو كانت مثبتة في هذا الواقعي، لجاز للمرء أن يظن أنها لم تكن سوى معالمه. والجديد هو أنه قد أتيح لها أن تطير بأجنحتها الخاصة. وقد حدث هذا بفضل جهاز بسيط مألوف، يستطيع أي شخص أن يستخدمه، جهاز لا يحتاج المرء فيه إلا إلى إدارة المقبض: باب.

3. رجاءً، فكّروا في هذا: الباب ليس واقعيًا تمامًا. ولو أخذتموه على هذا النحو لأفضى ذلك إلى سوء فهم غريب. فإذا راقبتم بابًا واستنتجتم من ذلك أنه يُحدِث تيارات هواء، لحملتموه تحت ذراعكم إلى الصحراء كي يبرّدكم.

لقد أمضيت وقتًا غير قليل أفتّش في جميع القواميس عن معنى الباب. ففي Littré صفحتان عن الباب، تمتدان من الباب بوصفه فتحة إلى الباب بوصفه وسيلة إغلاق ذات مفصلات، قليلة كانت أو كثيرة؛ ومن الباب العالي إلى الباب الذي يُصنع به قناع على الأنف: "إذا عدتَ فسأصنع لك منه قناعًا على أنفك"، كما يكتب رينيار.[^seg008-3] وبعد ذلك يكتب Littré، من غير مزيد من التعليق، أن الباب يجب أن يكون إما مفتوحًا وإما مغلقًا.

ولم يرضِني هذا تمامًا، على ما فيه من أصداء أدبية، لأنني بطبعي شديد الارتياب في حكمة الأمم؛ فثمة أشياء كثيرة مكتوبة فيها، ولكن في صيغة يداخلها شيء من الالتباس، ولهذا السبب يوجد التحليل النفسي أصلًا. صحيح أن الباب يجب أن يكون إما مفتوحًا وإما مغلقًا. لكن الأمرين غير متكافئين.

يمكن للغة أن تساعدنا هنا. فالباب، يا إلهي، ينفتح على الحقول، لكننا لا نقول إنه ينغلق على زريبة الغنم، ولا على الحظيرة المسيَّجة. وأنا أعلم أنني أخلط هنا بين porta وfores، وهذه الثانية هي باب الحظيرة المسيَّجة، غير أن التباسًا إضافيًا لن يصنع فرقًا كبيرًا في هذه المرحلة، لذلك سنواصل تأملنا في الباب.

وقد يُظن، لأنني تحدثت عن الحقل وزريبة الغنم، أن المسألة هي مسألة الداخل والخارج. وأظن أن هذا سيكون خطأ جسيمًا. فنحن نعيش في عصر عظيم بما يكفي لكي نتخيل سورًا هائلًا يطوّق الأرض تمامًا؛ فإذا فتحتم فيه بابًا، فأين الداخل وأين الخارج؟

أنتم لا تظنون أن الباب يكون أكرم لمجرد أنه مفتوح. ونحن نقول إن النافذة تطل على فضاء مفتوح. ومن الغريب إلى حد ما أنه، حين نقول إن الباب يفضي إلى مكان ما، يكون الباب في الغالب مغلقًا في أكثر الأحيان، بل مردومًا أحيانًا...

وأحيانًا يلجأ المرء إلى الباب، ويكون ذلك دائمًا فعلًا حاسمًا إلى حد بعيد. وغالبًا ما يُسد الباب في وجهك.

قد يكون هناك شخصان يترصّدان على جانبي باب، لكن حاولوا أن تتصوروا وقوع ذلك مع نافذة. ويمكن تحطيم باب، حتى وهو مفتوح. وبالطبع، كما كان ألفونس أليه يقول، فذلك غبي وقاسٍ. وعلى العكس من ذلك، يُنظر إلى الدخول من النافذة دائمًا بوصفه فعلًا حرًا يسيرًا، ومقصودًا دائمًا، في حين أن المرء كثيرًا ما يعبر بابًا من غير أن ينتبه إليه. وهكذا، وضمن تقريب أول، لا يؤدي الباب الوظيفة الأداتية نفسها التي تؤديها النافذة.

[^seg008-3]: Si vous revenez, je vous en fais un masque sur le nez.

في طبيعته، ينتمي الباب إلى النظام الرمزي، وهو ينفتح إما على الواقعي أو على المتخيَّل، ولسنا نعرف تمامًا على أيهما، لكنه أحدهما أو الآخر على كل حال. وثمة لا تناظر بين الفتح والإغلاق: فإذا كان فتح الباب يضبط الولوج، فإن إغلاقه، حين يكون مغلقًا، يغلق الدارة. الباب رمز واقعي، بل هو الرمز بامتياز، ذلك الرمز الذي يمكن أن نتعرّف فيه دائمًا مرور الإنسان، من خلال الشكل المتصالب الذي يرسمه، حيث يتقاطع الولوج والانغلاق.

وحين يصبح ممكنًا أن نطوي الخاصيتين معًا، وأن نبني حيزًا مغلقًا، أي دارة، بحيث يمر شيء ما حين تكون مغلقة، ولا يمر حين تكون مفتوحة، فعندئذ ينتقل علم الاقتران إلى مجال تحقق السيبرنيطيقا. فإذا كانت هناك آلات تحسب من تلقاء نفسها، وتجمع، وتجري العمليات، وتفعل كل تلك الأشياء العجيبة التي كان الإنسان يظن حتى ذلك الحين أنها مخصوصة بتفكيره، فذلك لأن الكهرباء السحرية، كما نقول، تمكّننا من إقامة دوائر، دوائر تنفتح وتنغلق، تقطع نفسها أو تستعيد نفسها، تبعًا لوجود أبواب مُسيبرَنة.

لاحظوا أن المهم في هذا هو العلاقة بما هي علاقة، علاقة الولوج والانغلاق. فما إن يكون الباب مفتوحًا حتى يُغلق، وما إن يكون مغلقًا حتى ينفتح. والباب ليس إما مفتوحًا وإما مغلقًا فحسب؛ بل ينبغي أن يكون إما مفتوحًا ثم مغلقًا، ثم مفتوحًا ثم مغلقًا. وبفضل الدارة الكهربائية، وبفضل دارة التحريض المتصلة بها، أي ما يسمّى feedback[^seg009-4]، يكفي أن يُغلق الباب كي يعيده مغناطيس كهربائي إلى حالة الانفتاح، وذلك هو انغلاقه من جديد، وانفتاحه من جديد. وعلى هذا النحو ينشأ ما يسمّى تذبذبًا. وهذا التذبذب هو التقطيع. والتقطيع هو الأساس الذي يمكن أن نُدرج عليه بلا نهاية الفعل المرتَّب، باستخدام سلسلة من التركيبات التي لن تكون أكثر من لعبة أطفال.

وهاكم أربع حالات للباب: في الأوليين باب مغلق، وفي الأخريين باب مفتوح.

text
0
0
1
1

ولباب آخر، يمكن أن يكون لدينا على التعاقب باب مفتوح أو باب مغلق.

text
0
1
0
1

[^seg009-4]: بالإنجليزية في الأصل.

كما قد يخطر لك، فإنك تقرر الآن، مثلًا، أن بابًا ثالثًا سيكون مفتوحًا أو مغلقًا في ظروف معينة، تبعًا لوضع البابين السابقين.

Formula 1

الباب الأولالباب الثانيالباب الثالث
000
011
101
111

لكي يكون الباب الثالث مفتوحًا، يكفي أن يكون واحدٌ على الأقل من البابين السابقين مفتوحًا.

وهناك صيغ أخرى. يمكنك أن تقرر أن البابين يجب أن يكونا مفتوحين لكي يكون الباب الثالث مفتوحًا.

Formula 2

الباب الأولالباب الثانيالباب الثالث
000
010
100
111

والصيغة الثالثة ذات أهمية كبيرة:

Formula 3

الباب الأولالباب الثانيالباب الثالث
000
011
101
110

وهنا تقرر أن الباب الثالث لن يكون مفتوحًا إلا إذا كان واحدٌ فقط من البابين مفتوحًا.

إلى ماذا يفضي كل هذا؟ إلى أي شيء نشاء. يمكن تسمية Formula 1، من منظور منطقي، اتحادًا أو اقترانًا. ولـFormula 2 أيضًا قراءة منطقية، وبما أن قانونها يندمج مع قانون الضرب الحسابي، فإنها تُسمّى أحيانًا ضربًا منطقيًا. أما Formula 3 فهي جمع بترديد 2. فعندما تجمع 1 و1، في عالم التدوين الثنائي، تحصل على 0 وتحمل 1.

وحالما تتاح لنا إمكانية تجسيد هذا 0 وهذا 1، أي ترميز الحضور والغياب، في الواقعي، وتجسيده في إيقاع، في تقطيع

أساسي، يدخل شيءٌ إلى الواقعي، ونجد أنفسنا نتساءل، ربما لا لمدة طويلة، غير أن بعض العقول المعتبرة تفعل ذلك بالفعل، عمّا إذا كانت لدينا آلة تفكر.

نحن نعلم جيدًا أن هذه الآلة لا تفكر. نحن الذين صنعنا الآلة، وهي تفكر بما طُلِب منها أن تفكر فيه. ولكن إذا كانت الآلة لا تفكر، فمن الواضح أننا نحن أيضًا لا نفكر عندما ننجز عملية ما. فنحن نتبع الإجراءات نفسها تمامًا التي تتبعها الآلة.

والمهم هنا أن ندرك أن سلسلة التركيبات الممكنة للقاء يمكن دراستها بوصفها كذلك، بوصفها نظامًا قائمًا بصرامته، مستقلًا عن كل ذاتية.

وعبر السيبرنيطيقا يتجسد الرمز في جهاز، لا ينبغي الخلط بينه وبين هذا الجهاز، لأن الجهاز ليس سوى حامله. وهو يتجسد فيه على نحو عابر للذات حرفيًا.

لقد اضطررت إلى السير في مسالك قد تبدو لكم مطولة. ولكن لا بد أن تحضروها في أذهانكم حتى تفهموا المعنى الحقيقي لإسهام السيبرنيطيقا، ولا سيما مفهوم الرسالة.

4. في السيبرنيطيقا لا يشترك مفهوم الرسالة في شيء مع ما نسميه عادة رسالة، وهي دائمًا ذات معنى. فالرسالة السيبرنيطيقية متتالية من العلامات. ومتتالية العلامات تنتهي دائمًا إلى سلسلة من 0ات و1ات. ولذلك بالذات فإن ما يسمى وحدة المعلومات، أي ما تُقاس إليه فاعلية أي نوع من العلامات، يعود دائمًا إلى وحدة أولية تسمى keyboard، وهي ليست شيئًا آخر سوى البديل، بكل بساطة.

وداخل هذا النسق من الرموز تُلتقط الرسالة في شبكة عادية، هي شبكة تركيب اللقاء على أساس تقطيع موحَّد، أي على أساس 1 هو هذا التقطيع نفسه.

ومن جهة أخرى، فإن مفهوم المعلومات في بساطته مما يُدرَك مثل واحد من هذه الجداول الصغيرة التي كنت أرسمها لكم.

المحاولة الأولىالمحاولة الثانيةالفوز
000
010
100
111

لنبدأ بهذا الجدول، الذي ينبغي أن يُقرأ على النحو الآتي: ينبغي أن أحصل على نتيجتين موجبتين كي أربح. وهذا يعني أن لدي، في البداية، توقعًا مقداره 1/4. ولنفترض أنني خضت محاولة واحدة بالفعل. فإذا كانت سلبية، فلم تعد لديّ

فرصة أخرى. وإذا كانت إيجابية، صار لدي احتمال واحد من اثنين، أي 1/2. وهذا يعني أن تمايزًا في المستوى قد نشأ فيما يتعلق بحظوظي، على صورة زيادة.

إن ظواهر الطاقة والطبيعة تميل دائمًا في اتجاه تسوية مستويات الاختلاف. أما في نظام الرسالة وحساب الحظوظ، فبقدر ما تزداد المعلومات، يزداد تمايز الفروق في المستويات. وأنا لا أقول إنها تزداد دائمًا، إذ قد تجدون حالات لا يحدث فيها ذلك، لكنها لا تميل بالضرورة إلى التناقص، بل تميل دائمًا إلى التمايز.

كل ما نسميه لغة يمكن تنظيمه حول هذا العنصر الأساسي. ولكي تنشأ اللغة، لا بد من إدخال أشياء صغيرة وغير ذات شأن مثل الإملاء والتركيب. غير أن كل ذلك معطى منذ البداية، لأن هذه الجداول تشكّل تركيبًا، وهذا هو بالفعل سبب قدرتنا على جعل الآلات تنجز عمليات منطقية.

وبعبارة أخرى، يوجد التركيب، في هذا المنظور، قبل الدلالة. فالسيبرنيطيقا علمٌ للتركيب، وهي في موقع حسن يمكّنها من أن تساعدنا على إدراك أن العلوم الدقيقة لا تفعل شيئًا آخر سوى ربط الواقعي بتركيب.

فما الدلالة إذن، أي اللغات الملموسة، تلك التي نتعامل معها، بما فيها من لبس، ومن محتوى عاطفي، ومن معنى إنساني؟ أيمكننا أن نقول إن الدلالة مأهولة ومزوَّدة برغبة البشر؟

وما هو مؤكد أننا نحن الذين ندخل المعنى. وهو مؤكد، على أي حال، في عدد كبير من الأشياء. ولكن هل يمكننا أن نقول إن كل ما يدور في الآلة لا معنى له البتة؟ كلا، ليس في جميع معاني كلمة المعنى، لأنه لكي تكون الرسالة رسالة، لا يكفي أن تكون هناك متتالية من العلامات، بل لا بد أيضًا من متتالية من العلامات الموجَّهة. ولكي تعمل الآلة وفق تركيب ما، يجب أن تجري في اتجاه معين. وحين أقول آلة، يمكنكم أن تحسوا أنها ليست مجرد صندوق صغير فحسب. فعندما أكتب على الورق، وحين أمرّ بتحويلات الـ1ات والـ0ات الصغيرة، يكون ذلك أيضًا نشاطًا موجَّهًا دائمًا.

ولذلك فليس من الدقة التامة أن نقول إن الرغبة الإنسانية هي، وحدها، التي تدخل المعنى في هذه اللغة البدائية. وبرهان ذلك أن الآلة لا يخرج منها شيء غير متوقع. أي لا يخرج منها، بقدر ما يعنينا الأمر، إلا ما كنّا قد توقعناه. فهي تتوقف في الموضع نفسه الذي قررنا أنها ستتوقف عنده، وهناك يمكن قراءة نتيجة معينة.

إن أساس النسق حاضرٌ بالفعل. وكيف أمكن له أن يقوم لو لم يرتكز إلى مفهوم الحظ، أي إلى نوع من التوقع الخالص الذي له معنى سلفًا؟

وهكذا يكون الرمز في أكثر صوره تنقية. وهذه الصورة تستطيع، بمفردها، أن تنتج أكثر من مجرد أخطاء في التركيب. فأخطاء التركيب لا تُنتج إلا أغلاطًا، ليست سوى حوادث. أما أخطاء البرمجة فتنتج الزيف. وهنا، من الآن، وعلى هذا المستوى نفسه، يكون الحق والباطل على المحك. فماذا يعني ذلك بالنسبة إلينا نحن المحللين؟ وبماذا نواجه حين تخاطبنا الذات الإنسانية؟

خطابه خطاب غير نقي. غير نقي: أذلك لمجرد أخطاء في النحو؟ لا، بالطبع لا. فالتحليل النفسي كله قائم، بحق، على أن استخراج شيء ذي معنى من الخطاب الإنساني ليس مسألة من مسائل المنطق. نحن نلتمس وراء هذا الخطاب، الذي له معناه الخاص، معناه في معنى آخر، وبالتحديد في الوظيفة الرمزية التي تتجلى من خلاله. ومن هنا يبرز أيضًا معنى آخر للفظة «الرمز».

هنا نصادف واقعة ثمينة كشفتها لنا السيبرنيطيقا: ثمة شيء في الوظيفة الرمزية للخطاب الإنساني لا يمكن استبعاده، وذلك هو الدور الذي يؤديه التخيلي فيها.

تنشأ الرموز الأولى، أي الرموز الطبيعية، من عدد من الصور الغالبة: صورة الجسد الإنساني، وصورة عدد من الأشياء الواضحة مثل الشمس والقمر وغيرهما. وهذا ما يمنح اللغة البشرية ثقلها ومواردها ووقعها الوجداني. أفهذا التخيلي متجانس مع الرمزي؟ كلا. وسيكون تحريفًا لمعنى التحليل النفسي أن يُختزل إلى التشديد على هذه الموضوعات التخيلية، أي إلى تلاؤم الذات مع موضوع انتقائي مميَّز وغالب، يحدد الصيغة لما يسمى الآن، في تعبير غدا رائجًا، object relation.

والأمر الوحيد الذي تبرزه السيبرنيطيقا بوضوح هو الاختلاف الجذري بين النظامين الرمزي والتخيلي. وقد أقر لي أحد علماء السيبرنيطيقا، في الآونة الأخيرة، بالصعوبة البالغة التي يواجهها المرء، مهما قيل في هذا الشأن، في ترجمة وظائف Gestalt ترجمة سيبرنيطيقية، أي تلاؤم الأشكال الحسنة. وما يكون شكلًا حسنًا في الطبيعة الحية يكون شكلًا رديئًا في الرمزي.

وكما قيل مرارًا، فإن الإنسان هو الذي اخترع العجلة. والعجلة لا توجد في الطبيعة، لكنها شكل حسن، هو شكل الدائرة. أما في الطبيعة فلن تجد عجلة ترسم أثر إحدى نقاطها في كل دورة من دوراتها. لا وجود للسيكلويد في التخيلي؛ فالسيكلويد اكتشاف في الرمزي. وبينما يمكن لآلة سيبرنطيقية أن تنتجه بسهولة، فإن المرء يصادف صعوبات غير مسبوقة، إلا على نحو مصطنع إلى أبعد حد، في جعل دائرة توافق دائرة أخرى بواسطة حوار بين آلتين.

وهذا ما يبرز التمييز الجوهري بين المستويين: مستوى التخيلي ومستوى الرمزي.

ثمة قصور ذاتي في التخيلي نجده يفرض أثره في خطاب الذات، فيبذر الشقاق في الخطاب، ويجعلني لا أدرك أنني حين أقصد خير أحد أقصد شره، وأنني حين أحبه فإنما أحب نفسي، أو أنني حين أظن أنني أحب نفسي فذلك هو عين اللحظة التي أحب فيها آخر. وإن ممارسة جدل التحليل هي بالضبط ما ينبغي أن يبدد هذا الالتباس التخيلي، ويرد إلى الخطاب معناه بوصفه خطابًا.

والمسألة هي أن نعرف هل يوجد الرمزي من حيث هو كذلك، أم ما إذا كان

الرمزي ليس سوى خيال من الدرجة الثانية لتلاؤمات التخيلي. وهنا يكون الاختيار بين وجهتين للتحليل.

وبالنظر إلى أن جميع المعاني، عبر تقلبات التاريخ، تراكمت منذ زمن طويل بوصفها ثقلًا دلاليًا، فهل المطلوب هو أن نتبع الذات في الاتجاه الذي أعطته، هنا والآن، لخطابها، ما دامت تعلم أنها منخرطة في التحليل النفسي، وأن التحليل النفسي قد صاغ معايير معينة؟ هل المطلوب أن نشجعها على أن تكون شخصًا صالحًا، وأن تصير شخصًا راسخًا بلغ النضج الغريزي وخلّف وراءه المراحل التي كانت فيها صورة هذه الفتحة أو تلك هي المهيمنة؟ هل المقصود، في التحليل، تلاؤم هذه الصور الأساسية، أم تقويمها، أم تطبيعها في حدود التخيلي، أم تحرير المعنى في الخطاب، في هذا الامتداد من الخطاب الكوني الذي تنخرط فيه الذات؟ هنا تفترق المدارس.

لقد امتلك فرويد هذا الحس بالمعنى إلى أعلى درجة، وهو ما يفسر أن كثيرًا من أعماله، مثل The Three Caskets، تُقرأ كما لو أن يدًا مُلهَمة كتبتها، وكأنها مسوقة بمعنى ينتمي إلى رتبة الإلهام الشعري. والمسألة المطروحة هي أن نعرف، نعم أم لا، هل سيواصل التحليل السير في الاتجاه الفرويدي، باحثًا لا عن اللامقول، بل عن المعنى.

ما معنى المعنى؟ المعنى هو أن الكائن البشري ليس سيد هذه اللغة الأولى البدائية. لقد أُلقي فيها، وأُقحم فيها، ووقع في تروسها.

نحن لا نعرف الأصل. ويقال لنا، مثلًا، إن الأعداد الأصلية ظهرت في اللغات قبل الأعداد الترتيبية. ولم يكن ذلك متوقعًا. كان يمكن أن يُظن أن الإنسان يهتدي إلى العدد عن طريق الترتيب، عبر الرقص، وعبر المواكب المدنية والدينية، وعبر نظام الأسبقية، وعبر تنظيم المدينة الذي ليس سوى نظام وتراتبية. ومع ذلك، فقد جاء العدد الأصلي أولًا، كما يخبرني اللغويون.

ويجب أن نعجب من هذه المفارقة. فالإنسان هنا ليس سيدًا في بيته. ثمة شيء يندمج فيه، شيء يحكم سلفًا من خلال توليفاته. إن انتقال الإنسان من نظام الطبيعة إلى نظام الثقافة يتبع التوليفات الرياضية نفسها التي ستُستخدم في التصنيف والتفسير. ويسميها Claude Lévi-Strauss البنى الأولية للقرابة. ومع ذلك، فليس مفترضًا أن الرجال البدائيين كانوا أمثال باسكال. فالإنسان منخرط بكل كيانه في موكب الأعداد، في رمزية بدائية متميزة من التمثلات التخيلية. وفي قلب ذلك ينبغي لشيء من الإنسان أن ينال الاعتراف. لكن ما ينبغي الاعتراف به، كما يعلمنا فرويد، ليس هو ما يُعبَّر عنه، بل ما يُكبَت.

ومع الآلة، فإن كل ما لا يأتي في وقته يسقط ببساطة على قارعة الطريق

وكل ما لا يأتي في وقته يبقى معلّقًا. ذلك هو ما ينطوي عليه الكبت.

لا شك أن ما لا يُعبَّر عنه لا وجود له. لكن المكبوت حاضر دائمًا، يلح ويطالب بأن يكون. والعلاقة الأساسية للإنسان بهذا النظام الرمزي هي، على وجه الدقة، ما يؤسس النظام الرمزي نفسه: علاقة اللاموجود بالوجود.

وما يلح على أن يُشبَع لا يمكن أن يُشبَع إلا في الاعتراف به. وغاية العملية الرمزية أن يصير اللاموجود إلى الوجود، لأنه قد تكلّم.

22 يونيو 1955

سيمينار جاك لاكان

حرره جاك-ألان ميلر


الكتاب الثاني

الأنا في نظرية فرويد وفي تقنية التحليل النفسي 1954-1955

ترجمة

سيلفانا توماسيلي

مع ملاحظات بقلم

جون فورستر

دار و. و. نورتون وشركاه

نيويورك - لندن

المحتويات

العنوانالصفحة
ملاحظة المترجمينvii
شكر وتقديرix
الاختصاراتx

المقدمة

الرقم الرومانيالعنوانالصفحة
Iعلم النفس والميتاسيكولوجيا3
IIالمعرفة، الحقيقة، الرأي13

ما وراء مبدأ اللذة، التكرار

الرقم الرومانيالعنوانالصفحة
IIIالكون الرمزي27
IVتعريف مادي لظاهرة الوعي40
Vالاستتباب والإلحاح53
VIفرويد، هيغل، والآلة64
VIIالدارة77

المخططات الفرويدية للجهاز النفسي

الرقم الرومانيالعنوانالصفحة
VIIIمقدمة إلى Entwurf93
IXلعبة الكتابات102
Xمن Entwurf إلى Traumdeutung114
XIالرقابة ليست مقاومة123
XIIصعوبات النكوص134
XIIIحلم حقنة إيرما146
XIVحلم حقنة إيرما (الخاتمة)161

ما وراء المتخيَّل، والرمزي، أو من الآخر الصغير إلى الآخر الكبير

الرقم الرومانيالعنوانالصفحة
XVفرد أم زوج؟ ما وراء البينذاتية175
XVIالرسالة المسروقة191
XVIIبعض الأسئلة إلى المعلّم206
XVIIIالرغبة، الحياة والموت221
XIXإدخال الآخر الكبير235
XXالتحليل المُشيَّأ248
XXIالقرين259

الخاتمة

الرقم الرومانيالعنوانالصفحة
XXIIأين الكلام؟ أين اللغة؟277
XXIIIالتحليل النفسي والسيبرنيطيقا، أو في طبيعة اللغة294
XXIVA.m.a.S309
العنوانالصفحة
ثبت المراجع327
الكشاف331

تم النشر بموجب ترخيص MIT - محاكاة لتصميم IEP